النص المفهرس

صفحات 81-100

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وخص الجمهور هذا العموم بحديث الخضراوات. وحكى عن أحمد لا زكاة إلا فى الحنطة والشعير والتمر
والزبيب وهو قول موسى بن طلحة والحسن البصرى وابن سيرين والشعبى والحسن بن صالح وابن أبى ليلى وابن
المبارك وأبى عبيد، ورجح هذا المذهب الأمير اليمانى والشوكانى والعلامة الأمير القنوجى البوفالى واستدل لهذا
القول بأن ما عدا هذه الأربعة لا نص فيها ولا اجماع ولا هو فى معناها فى غلبة الاقتيات بها وكثرة نفعها
ووجودها فلم يصح قياسه عليها ولا إلحاقه بها فيبقى على النفى الأصلى، وأما عموم الآية والحديث فهو مخصوص
بأحاديث الخضراوات وبالأحاديث الواردة بصيغة الحصر فى الأقوات الأربعة قالوا: وهى مروية بطرق متعددة
يقوى بعضها بعضاً فتنتهض لتخصيص هذه العمومات. فمنها ما روى الدارقطنى (ص ٢٠١) والحاكم (ج ١
ص ٤٠١) والبيهقى (ج ٤ ص ١٢٥) والطبرانى من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبى موسى ومعاذ بن
جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهما إلى اليمن فأمرهما أن يعلما الناس أمر دينهم، وقال لا تأخذوا فى
الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر، قال الحاكم: إسناده صحيح ووافقه
الذهبي. وقال الهيثمى : رجاله رجال الصحيح، ونقل الحافظ فى التلخيص (ص ١٧٨) عن البيهقى ، أنه قال رواته
ثقات وهو متصل. وقال فى الدراية (ص ١٦٤) فى الاسناد طلحة بن يحيى مختلف فيه وهو أمثل مما فى الباب -
انتهى. قلت: وفيه أيضاً أنه اختلف فى رفعه ووقفه وانظر الخراج ليحيى بن آدم (ص ١٥٣) رقم (٥٣٧، ٥٣٨)
والسنن الكبرى للبيهقي (ج٤ ص ١٢٥) ونصب الراية للزيلعى (ج٢ ص ٣٨٩) والمحلى (ج ٥ ص ٢٢١) ومنها
ماروى ابن شيبة وأبو عبيد فى الأموال (ص ٤٦٨) ويحيى بن آدم فى الخراج (ص ١٤٨) عن موسى بن طلحة أمر
رسول اللّه تَّ معاذا حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والنخل والعنب وهذا منقطع لأن
موسى بن طلحة لم يدرك معاذا بعقله قاله ابن حزم (ج ٥ ص ٢٢٢) وقال الحافظ فى التلخيص (ص ١٧٩):
فيه انقطاع ، وقال أبو زرعة موسى بن طلحة بن عبيد الله عن عمر مرسلة ومعاذ، توفى فى خلافة عمر فرواية
موسى بن طلحة عنه أولى بالارسال ، وقال تقى الدين فى الامام وفى الاتصال بين موسى بن طلحة ومعاذ نظر فقد
ذكروا أن وفاة موسى سنه ثلاث ومائة ، وقيل: سنة أربع ومائة. ذكره الزيلعى (ج ٢ ص ٣٨٧). وقال ابن
عبد البر: لم يلق موسی معاذا ولا أدركه ۔ انتهى . والمشهور فى ذلك ماروى عن عمرو بن عثمان عن موسى بن
طلحة قال عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة والشعير
والزبيب والتمر أخرجه أحمد (ج ٥ ص ٢٢٨) والدار قطنى (ص ٢٠١) والبيهقى (ج ٤ ص ١٢٩) وابن حزم
فى المحلى (ج ٥ ص ٢٢٢) وأبو يوسف فى الخراج (ص ٦٤) ومنها ما روى الدار قطنى (ص ٢٠١) والحاكم
٨١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
(ج ١ ص ٤٠١) والبيهقى (ج ٤ ص ١٢٩) والطبرانى من طريق اسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى بن
طلحة عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر وفيما سقى بالنضح
نصف العشر وإنما يكون ذلك فى التمر والحنطة والحبوب فأما، القثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. قلت فى
تصحيحهما لهذا الحديث نظر، فإنه حديث ضعيف، اسحاق بن يحيى بن طلحة ضعيف، متروك . وموسى بن طلحة
عن معاذ منقطع، كما تقدم. ومنها ماروى الدار قطنى (ص ٢٠١) وأبو يوسف فى الخراج (ص ٦٥) من طريق
محمد بن عبيد الله العزرمى عن الحكم عن موسى بن طلحة عن عمر بن الخطاب. قال: إنما من رسول اللّهمالله
الزكاة فى هذه الأربعة الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر، وفيه أن العزرمى متروك، وموسى بن طلحة عن عمر
منقطع كما تقدم. ومنها ما روى ابن ماجه والدار قطنى (ص ٢٠٠) من طريق العزرمى عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده. قال: إنما سن رسول اللّه مَفّ الزكاة فى هذه الخمسة الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب،
والذرة، و رواہ یحی بن آدم فى الخراج (ص ١٥٠) من طریق یحی بن أبى أنيسة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده مرفوعا بلفظ: أربع ليس فيما سواها شىء الحنطة، والشعير، والتمر والزبيب، وهذا أيضاً ضعيف، العزرمى
متروك ويحيى بن أبى أنيسة ضعيف جدا. ومنها ما روى الدار قطنى (ص ٢٠٣) من حديث جابر. قال: لم تكن
المقانى فيما جاء به معاذ إنما أخذ الصدقة من البر، والشعير، والتمر، والزبيب، وليس فى المقائى شىء وفى سنده
عدى بن الفضل وهو متروك الحديث. ومنها ما روى يحيى بن آدم فى الخراج (ص ١٥٠) عن أبى حماد الحنفى
عن إبان عن أنس. قال: لم يفرض رسول اللّه مَلِّ الصدقة إلا من الحنطة، والشعير، والتمر، والأعناب،
وهذا أيضاً ضعيف، لضعف أبى حماد مفضل بن صدقة الحنفى الكوفى ، قال: ابن معين ليس بشىء، وقال النسائى
متروك، وقال أبو حاتم ليس بقوى يكتب حديثه. ومنها ما روى يحي بن آدم فى الخراج (ص ١٤٩ - ١٥٠)
والبيهقى من طريقه (ج ٤ ص ١٢٩) عن عتاب بن بشير عن خصيف عن مجاهد قال لم تكن الصدقه فى عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى خمسة أشياء الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة وهذا مرسل،
-
وفيه خصيف وهو صدوق سيئى الحفظ خلط بآخره أنكروا عليه أحاديث رواما عنه عتاب بن بشير. ومنها
ما روى أيضاً يحيى بن آدم (ص ١٤٩ والبيهقى من طريقه (ج ٤ ص ١٢٩) عن ابن عيينة عن عمرو بن عبيد عن
الحسن البصرى. قال: لم يفرض رسول اللّه تَيضم الصدقة إلا فى عشرة أشياء الابل، والبقر، والغنم، والذهب،
والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، قال ابن عيينة أراه قال والذرة، وذكر فى رواية للبيهقى السلت
٨٢

مرعاة المفاتيح ج.٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة ،
مكان الذرة وهذا أيضا مرسل ، وقال العراقى: مراسيل الحسن شبه الريح ، وقال أحمد: ليس فى المرسلات
أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن عبيد متكلم فيه كان يكذب على الحسن فى الحديث .
ومنها ما روى أيضا يحي بن آدم (ص ١٤٩) والبيهقى من طريقه (ج ٤ ص ١٢٩) عن أبى بكر بن عياش
عن الأجلح عن الشعبى. قال: كتب رسول الله عزّ إلى أهل اليمن إنما الصدقة فى الحنطة، والشعير، والتمر،
والزبيب، وهذا أيضا مرسل، وأبو بكر بن عياش ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح. وأجاب الحنفية
عن هذه الأحاديث بأنها ضعيفة لا يخلو واحد منها عن الكلام علا أنها أخبار آحاد ، ولا يجوز تخصيص عموم
القرآن، والخبر المشهور بالأخبار الآعادية لو كانت صحيحة فكيف بالضعاف، وأجاب عنها الشافعية ومن
وافقهم فى عدم حصر العشر فى الأشياء الأربعة بأن الحصر فيها ليس حصرا حقيقيا بل إضافى أى بالنسبة إلى
الخضراوات يدل على هذا قوله، فى الحديث الثالث إنما يكون ذلك فى التمر والحنطة والحبوب فأما القثاء والبطبخ
والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله عزوفّة، وفى رواية القضب والخضر فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وترجم البيهقى فى السنن الكبرى (ج ٤ ص ١٢٨) لهذه الأحاديث ، باب الصدقة فيما يزرعه الآدميون
ويبس ويدخر وبقنات دون ما تنبته الأرض من الخضر - أنتهى. وفى المسئلة أقوال آخر، ذكرها العينى فى شرح
البخارى وأبو عبيد فى الأموال، وأرجح هذه الأقوال، وأقواما عندى قول داود الظاهرى، ثم قول من ذهب
إلى حصر العشر فى الأربعة الحنطة، والشعير، من الحبوب، والتمر، والزبيب، من الثمار والله تعالى أعلم.
( وليس فيما دون خمس أواق ) قال الحافظ: بالتنوين وبائبات التحتانية مشدداً ومخففاً جمع أوقية بضم الهمزة
وتشديد التحتانيه وحكى الجيانى وقية بحذف الألف وفتح الواو ومقدار الأوقية فى هذا الحديث أربعون درهما
بالاتفاق، والمراد بالدرهم الخالص من الفضة سواء كان مضروبا أو غير مضروب (من الورق) بفتح الواو
وكسر الراء وسكونها والمراد به ههنا الفضة مطلقا أى مضروبة كانت أوغيرها، واختلف أهل اللغة فى أصله، فقيل
يطلق فى الأصل على جميع الفضة، وقيل: هو حقيقة الضروب دراهم ، ولا يطلق على غير الدراهم إلا مجازا ، هذا
قول كثيرين من أهل اللغة، وبالأول قال ابن قتيبة وغيره قاله النووى (صدقة) قال الحافظ: لم يخالف فى أن
نصاب الزكاة مائتا درهم يبلغ مائة وأربعين مثقالا من الفضة الخالصة إلا ابن حبيب الأندلسى فانه انفرد إن أهل
كل بلد يتعاملون بدراهم، وذكر ابن عبد البر اختلافا فى الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم
البلاد، وكذا خرق المريسى الاجماع فاعتبر النصاب بالعدد لا الوزن، وانفرد السرخسى من الشافعية بحكاية وجه
فى المذهب أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدر الوضم اليه قيمة الغش من نحاس مثلا لبلغ نصاباً فان الزكاة تجب
٨٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
فيه كما نقل عن أبى حنيفة - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣ ص ١): نصاب الفضة مائتا درهم لا نعلم فى ذلك
خلافا بين علماء الاسلام وقد بينته السنة يعنى بها هذا الحديث وحديث أنس الآتى، ففيه وفى الرقة ربع العشر
فان لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شىء إلا أن يشاء ربها قال ابن قدامة، والدراهم التى يعتبر بها النصاب
هى الدراهم التى كل عشر منها وزن سبعة مثاقيل بمثقال الذهب وكل درهم نصف مثقال وخمسة وهى الدراهم
الاسلامية التى تقدر بها نصف الزكاة ومقدار الجزية والديات ونصاب القطع فى السرقة وغير ذلك، وكانت الدراهم
فى صدر الاسلام صنفين سودا وطبرية ، وكانت السود ثمانية دوانيق والطبرية أربعة دوانيق نجمعا فى الإسلام
وجعلا درهمين متساويين فى كل درهم ستة دوانيق فعل ذلك بنوا أمية - انتهى. قلت : روى ابن سعد فى
الطبقات (ج ٥ ص ١٧٠) عن الواقدى، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه. قال: ضرب عبد الملك بن مروان
الدنانير والدراهم سنة خمس وسبعين وهو أول من أحدث ضربها ونقش عليها، وقال الواقدى: عن خالد بن ربيعة
ابن أبى هلال عن أبيه قال كانت مثاقيل الجاهلية التى ضرب عليها عبد الملك بن مروان اثنتين وعشرين قيراطاً إلاحبة
بالشامى وكانت العشرة (دراهم) وزن سبعة (مثاقيل) وقال أبو عبيد فى الأموال (ص ٥٢٤) كانت الدرام
قبل الاسلام كبارا وصغارا، فلما جاء الاسلام وأرادوا ضرب الدراهم وكانوا يزكونها من النوعين فنظروا إلى
الدرهم الكبير فإذا هو ثمانية دوانيق وإلى الدرهم الصغير فإذا هو أربعة دوانيق فوضعوا زيادة الكبير على نقصان
الصغير بفعلوهما درهمين سواء كل واحد ستة دوانيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل ولم يزل المثقال فى آباد الذهر
محدود إلا يزيد ولا ينقص فوجدوا عشرة من هذه الدراهم التى واحدها ستة دوانيق يكون وزن سبعة مثاقيل
سواء فاجتمعت فيه وجوه ثلاثة، أن العشرة منها وزن سبعة مثاقيل وأنه عدل بين الصغار والكبار وأنه موافق
لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الصدقة فمضت سنة الدراهم على هذا واجتمعت عليه الأمة، فلم يختلف
أن الدرهم التام ستة دوانيق فما زاد أو نقص قيل: ((فيه)) زائد أو ناقص، والناس فى زكاتهم بحمد الله تعالى
على الأصل الذى هو السنة لم يزيغوا عنه وكذلك فى المبايعات والديات على أهل الورق انتهى كلامه ملخصاً
محرراً. قال العينى (ج ٨ ص ٢٥٨): وفى كتاب المكائيل عن الواقدى عن معبد بن مسلم عن عبد الرحمن
ابن سابطة. قال: كان لقريش أوزان فى الجاهلية فلما جاء الاسلام أقرت على ما كانت عليه الأوقية أربعون
درهما والرطل اثنا عشر أوقية فذلك أربع مائة وثمانون درهما وكان لهم النش وهو عشرون درهما
والنواة وهى خمسة دراهم وكان المثقال اثنين وعشرين قيراطاً إلاحبة وكانت العشرة دراهم وزنها سبعة مثاقيل
والدرهم خمسة عشر قيراطاً (إلى ما آخر قال) وأما مقدار نصاب الفضة بحسب أوزان بلادنا الهندية، فهواثنان
٨٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٠ ٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وخمسون تولجة ونصف تولجة. قال القاضى ثناء الله الفانى فتى صاحب التفسير المظهرى وتلميذ الشاه ولى الله الدهاوى: فى
رسالته الفارسية ((مالا بد منه)) نصاب زربيست مثقال ستكه هفت ونيم توله باشد، ونصاب سيم دوصد درم ست. كه
پنجاه وشش روپیه سکۀ دھلی وزن آں می شود ۔ انتھی. قال فی حاشیتها: چون دوصد درم نزد محققين مساوى
ينجاه ودونيم قوله است، جناتجه صاحب فتاوى جواهر اخلاطى مى آرد. فيكون مائنا درهم اثنين وخمسين تولجة
ونصف تو جمة من الفضة ۔ انتهى . پس هر روپیه که بوزن یازده ماشه وپاؤ ماشه بالا باشد بنجاه وشش روبيه
خواهد بود، چناتجه مصنف رحمة الله عليه فرموده است. وهمين روبيه در عهد مصنف رحمة الله عليه رواج.
میداشت وهر روپیه كه بوزن بازده ماشه باشد از سيم مذكور بنجاه وهفت روبيه وسه ماشه خواهد بود، وهر
روپیهکه بوزن یازده ونيم ماشه باشد از سيم مذکور پنجاه وچهار روپیه و نه ماشه خواهد بود ۔ انتهى . وقال
شيخ مشاتخنا العلامة الشيخ عبد الله الغازيفورى فى رسالته ما معربه نصاب الفضة مائنا درهم أى خمسون واثنتان
قولجة ونصف قولجة، وهى تساوى ستين روبية من الروبية الانكليزية (النافقة فى الهند فى زمن الانكليز) التى
تكون بقدر عشر ماهجة ونصف ماجة . وقال الشيخ بحر العلوم اللكنوى الحنفى: فى رسائل الأركان الأربعة
(ص ١٧٨) وزن مائتى درهم وزن خمس وخمسين روبية ، وكل روبية أحد عشر ماشج واستدل بهذا الحديث
على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النصاب ولوحبة واحدة . قال ابن قدامة : نصاب الفضة مائنا درهم ولا فرق
فى ذلك بين التبر والمضروب ، ومتى نقص النصاب عن ذلك فلا زكاة فيه، سواء كان كثيراً أو يسيراً هذا ظاهر
كلام الخرقى. ومذهب الشافعى واسحاق وابن المنذر لظاهر قوله عليه السلام ليس فيما دون خمس أواق صدقة ،
والأوقية أربعون درهما بغير خلاف فيكون ذلك مائتى درهم. وقال غير الخرقى من أصحابنا: إن كان النقص
يسيراً كالحبة والحبتين وجبت الزكاة ، لأنه لا يضبط غالباً فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين، وإن كان نقصاً
بيناً كالدائق والدائقين فلا زكاة فيه. وقال مالك: اذا نقصت نقصاً يسيراً يجوز جواز الوازنة وجبت الزكاة، لأنها
تجوز الوازنه فاشبهت الوازنة. والأول ظاهر الخبر فينبغى أن لا يعدل عنه - انتهى. قلت: واليه ذهبت الحنفية
والشافعية وهو الحق عندنا. وأختلفوا فى الفضة هل فيها وقص أم لا، وسيأتى الكلام عليه فى الفصل الثانى فى شرح
حديث على هذا، واقتصر فى حديث أبى سعيد وحديث أنس الآتى على ذكر نصاب الفضة لأنها الأغلب. واما
الذهب فقال النووى فى شرح مسلم: لم يأت فى الصحيح بيان نصاب الذهب، وقد جاءت فيه أحاديث تحديد نصاب
بعشرين مثقالا، وهى ضعاف ولكن أجمع من يعتد به فى الاجماع على ذلك. وقال ابن عبد البر: لم يثبت عن
النبي صلى الله عليه وسلم فى نصاب الذهب شىء، إلا ما روى عن الحسن بن عمارة عن على وابن عمارة أجمعوا
على ترك حديثه لسوء حفظه وكثرة خطأه. ورواه الحفاظ موقوفا على علىّ لكن عليه الجمهور الأئمة الأربعة
٨٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وغيرهم. وقال المهلب: لم ينقل عن الشارع زكاة الذهب من طريق الخير كما نقل عنه زكاة الفضة. وقال
عياض نصاب الفضة خمس أواق وهى مائتا درهم بنص الحديث، وأما الذهب فعشرون مثقالا والمعول فيه على
الاجماع. قال: وقد حكى فيه خلاف شاذ وروى فيه أيضا حديث عن النبيٍ مَ ◌ّه. وقال الشافعى: فى كتاب
الرسالة (ص ٥٢) فى باب الزكاة وفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الورق صدقة، وأخذ المسلمون فى
الذهب صدقة بعده، إما بخير عن النبى ◌َّ لم يبلغنا، وإما قياسا على أن الذهب والورق فقد الناس الذى ١ كتنزوه
وأجازوه أنمانا على ما يتبايعون به فى البلدان قبل الاسلام وبعده. وقال فى الأم (ج ٢ ص ٣٤): لا أعلم
اختلافا فى أن ليس فى الذهب صدقة ، حتى تبلغ عشرين مثقالا فإذا بلغت عشرين مثقالا ففيها الزكاة. وقال
مالك: فى الموطأ السنة التى لا اختلاف فيها عندنا إن الزكاة تجب فى عشرين دينارا عينا كما تجب فى مائتى درهم.
قال الباجى: وهذا كما قال إن نصاب الذهب عشرون دينارا من الدنانير الشرعية، وهو كل عشرة دراهم سبعة
دنانير ولا خلاف فى ذلك بين فقهاء الأمصار، إلا ماروى عن الحسن البصرى أنه قال: لا زكاة فى الذهب حتى يبلغ
أربعين دينارا فيكون فيه ديتار ، والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور أن الاجماع إنعقد بعد الحسن على خلافه،
وهذا من أقوى الأدلة على أن الحق فى خلافه، ودليلنا من جهة السنة ما روى عاصم بن ضمرة والحارث الأعور
عن علىعن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال: وليس عليك شىء يعنى فى الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا وحال
عليها الحول ففيها نصف دينار، وهذا الحديث ليس اسناده هناك غير إن اتفاق العلماء على الأخذ به دليل على صحة
حكمه، ودليلنا من جهة المعنى أن المأتى الدرهم نصاب الورق ولا خلاف فى ذلك. والدينار كان صرفه فى وقت
غرض الزكاة عشرة دراهم فوزن المأتى درهم عشرون مثقالا، فكان ذلك نصاب الذهب - انتهى. وقال أبو عبيد
فى الأموال (ص ٤٠٩): بعد ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فى نصاب الذهب عشرين مثقالا.
ما لفظه فهذا، لا اختلاف فيه بين المسلمين ؛ إذا كان الرجل قد ملك فى أول السنة من المال ما تجب فى مثله الصدقة
وذلك مائتا درهم أو عشرون ديناراً أو خمس من الابل أو ثلاثون من البقر أو أربعون من الغنم، فاذا ملك
واحدة من هذه الأصناف من أول الحول إلى آخره فالصدقة واجبة عليه فى قول الناس جميعا - انتهى، وقال
فى شرح الاحياء نصاب الذهب عشرون ديناراً خالصة بالاجماع، ووقع فى المنهاج مثقالا بدل ديناراً ومآلها
واحد . لأن كل دينار زنة مثقال - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣ ص ٤): قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على
أن الذهب إذا كان عشرين مثقالا قيمتها ماتنا درهم، إن الزكاة تجب فيها، إلا ما حكى عن الحسن أنه لا زكاة
٨٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
فيها حتى تبلغ أربعين وأجمعوا على أنه إذا كان أقل من عشرين مثقالا ولا يبلغ مائتى درهم فلا زكاة فيه. وقال عامة
الفقهاء نصاب الذهب عشرون مثقالا من غير اعتبار قيمتها . إلا ما حكى عن عطاء وطاؤس والزهرى وسليمان بن
حرب الواشحى وأيوب السختيانى أنهم قالوا : هو معتبر بالفضة فما كانت قيمته مائتى درهم فقيه الزكاة ( کان وزن
ذلك من الذهب عشرين ديناراً أو أقل أو أكثر، هذا فيما كان منها دون الأربعين دينارا، فإذا بلغت أربعين
ديناراً كان الاعتبار بها نفسها لا بالدراهم لا صرفا ولا قيمة) واستدل للحسن بما روى ابن حبان والحاكم
(ج١ ص ٣٩٥) والبيهقى (ج ٤ ص ٨٩) وابن حزم فى المحلى (ج٦ ص ٩٣) والطبرانى من حديث يحي بن حمزة
عن سليمان بن داود عن الزهرى عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عمرو بن حزم مطولا .
وفيه بعد ذكر نصاب الفضة وفى كل أربعين دينارا دينار، قال الحاكم: صحيح ووافقه الذهبي وقال أحمد كتاب
عمرو بن حزم فى الصدقات صحيح ، وقال بعضهم نسخة كتاب عمرو بن حزم تلقاها الأمة بالقبول . وهى متوارثة
كنسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهى دائرة على سليمان بن أرقم وسليمان بن داود الخولانى عن الزهرى
عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده وكلاهما ضعيف، بلى المرجح فى روايتهما سليمان بن أرقم
وهو متروك، لكن قال الشافعى فى الرسالة (ص ١١٣): لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم. وقال أحمد: أرجو أن يكون هذا الحديث صحيحا، وقال يعقوب بن سفيان الفسوى لا أعلم
فى جميع الكتب المنقولة أصح منه، كان أصحاب النبي زئة والتابعون يرجعون اليه ويدعون آراءهم، وقال
البيهقى ( ج ٤ ص ٩٠): حديث سليمان بن داود مجود الاسناد قد اثنى على سليمان بن داود الخولانى. هذا
أبو زرعة الرازى وأبو حاتم الرازى وعثمان بن سعيد الدارمى وجماعة من الحفاظ ورأوا هذا الحديث الذى رواه
فى الصدقة موصول الاسناد حسنا - انتهى. واستدل للحسن أيضا بما روى الدار قطنى (ص ٢٠٠) من حديث
محمد بن عبد الله بن جحش عن رسول الله مؤتم أنه أمر معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن، أن يأخذ من كل أربعين
دينارا دينارا - الحديث . وفيه عبد الله بن شبيب قال ابن حبان فى الضعفاء يقلب الاخبار ويسرقها ولا يجوز
الاحتجاج به بحال ـ انتهى. وأجاب من وافق الحسن عن أحاديث العشرين مثقالا بأنها لم تصح، فيكون الاعتماد
فى نصاب الذهب على الاجماع المتيقن المقطوع به وهو اتفاقهم على وجوبها فى الأربعين واستدل الذين جعلوا
الزكاة فيما دون الأربعين تبعا للدراهم بأنه لما كانا من جنس واحد جعل الفضة هى الأصل، إذ كان النص قد
ثبت فيها وجعل الذهب تابعا لها فى القيمة لا فى الوزن وذلك فيما دون موضع الاجماع. قلت: واحتمج بضعهم
لذلك بقوله ◌َوقّ فى حديث أنس الآتى، وفى الرقة ربع العشر إلخ بناء على ما قيل إن الرقة يطلق على الذهب
٨٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
والفضة بخلاف الورق ، فعلى هذا فقيل إن الأصل فى زكاة النقدين نصاب الفضة فإذا بلغ الذهب ما قيمته ما تنادرهم
وجبت فيه الزكاة وهو ربع العشر كذا فى الفتح. وقد ورد فى ذلك حديث صريح، رواه ابن حزم فى المحلى (ج ٦
ص ١٣) من طريق أبى أويس عن عبد الله ومحمد أبنى أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيهما عن جدهما
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كتب هذا الكتاب لعرو بن حزم حين أمره على اليمن، وفيه بعد ذكر
نصاب الفضة فاذا بلغت الذهب قيمة مائتى درهم فى قيمة كل أربعين درهما درهم حتى تبلغ أربعين دينارا فاذا
بلغت أربعين دينارا ففيها دينار - انتهى. ورواه الحاكم (ج ١ ص ٣٩٥) مختصرا بلفظ: ((فإذا بلغ قيمة الذهب
مائى درهم ففى كل أربعين درهما درهم ، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي وفى تصحيحيهما له نظر ، فان
أبا أويس هذا هو عبد الله بن أويس ابن عم مالك بن أنس وزوج أخته وهو صالح صدوق بهم . قال ابن عبد البر:
لم يحك أحد عنه جرحة فى دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه وأنه يخالف فى بعض حديثه - انتهى. وأخرج
له مسلم فى الشواهد والمتابعات دون الأصول، ولم يحتج به ، وقد تفرد أبو أويس بهذا اللفظ، ورواه الزهرى
عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وليس فيه ما ذكره أبو أويس كما تقدم. ومع ذلك تحديثه هذا مرسل لأنه
عن محمد بن عمرو بن حزم جد عبد الله ومحمد ابنى أبى بكر بن عمرو بن حزم فلا يصح الاحتجاج برواية أبى أويس
هذه ولا الاستشهاد والاعتبار. واستدل للجمهور بأحاديث منها حديث على رواه أبو داود من طريق
ابن وهب، أخبرنى جرير بن حازم وسمى آخر عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن على عن
النبى يَفُّ قال: إذا كان لك مائنا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شىء، يعنى فى الذهب
حتى يكون لك عشرون دينارا ، فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول قفيها نصف دينار ، فما زاد
فبحساب ذلك قال فلا أدرى أعلىّ يقول فبحساب ذلك أورفعه إلى النبى مُؤَّم ، قال وراه شعبة وسفيان وغير هما
عن أبى اسحاق عن عاصم عن على ولم يرفعوه ـ انتهى. قال الزيلعى (ج ٢ ص ٣٢٨): وفيه عاصم والحارث
فعاصم وثقه ابن المدينى وابن معين والنسائى، وتكلم فيه ابن حبان وابن عدى فالحديث حسن . قال النووى فى
الخلاصة: وهو حديث صحيح أو حسن - انتهى. ولا يقدح فيه ضعف الحارث لمتابعة عاصم له - انتهى كلام.
الزيلمى. وضعفه ابن حزم أولا (ج ٦ ص ٧٠) ثم رجع عن ذلك حيث قال (ج ٦ ص ٧٤) ثم استدركنا
فرأينا إن حديث جرير بن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه، وإن الاعتلاال فيه بأن عاصم بن ضمرة أو أن
أبا اسحاق أو جريرا أخلط اسناد الحارث بارسال عاصم. هو الظن الباطل الذى لا يجوز وما علينا من مشاركة
الحارث لعاصم، ولا لارسال من أرسله ولا لشك زهير فيه شىء، وجرير ثقة فالأخذ بما أسنده لازم ـ انتهى.
وقال الحافظ فى بلوغ المرام: وهو حسن وقد اختلف فى رفعه وقال فى التلخيص (ص ١٨٢) حديث على هذا
٨٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وليس فما دون خمس فود
معلول، فإنه قال أبو داود حدثنا سليمان بن داود المهرى ثنا ابن وهب ثنا جرير بن حازم وسمى آخرعن أبى اسحاق
عن عاصم بن ضمرة، والحارث عن على ونبه ابن المواق على علة خفية فيه وهى إن جرير بن حازم لم يسمعه
من أبى اسحاق. فقد رواه حفاظ أصحاب ابن وهب سحنون وحرملة ويونس ويحر بن نصر، وغيرهم عن ابن وهب
عن جرير بن حازم والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن أبى إسحاق ، فذكره قال ابن المواق: الحمل فيه
على سليمان شيخ أبى داود فانه وهم فى إسقاط رجل - انتهى. فلعل من حسن هذا الحديث إنما حسنه شواهده
والله تعالى أعلم ومنها حديث ابن عمر وعائشة أخرجه ابن ماجه والدار قطتى من طريق ابراهيم بن اسماعيل بن
مجمع عن عبدالله بن واقد عن ابن عمر وعائشة، إن النبي مؤ الله كان يأخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار- انتهى.
وابن بجمع قال فيه ابن معين لا شىء وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به فانه كثير الوهم ومنها حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه الدار قطنى (ص ١٩٩) من طريق ابن أبى ليلى عن عبد الكريم عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده عن النبى مَّة. قال: ليس فى أقل من عشرين مثقالا من الذهب ولا فى أقل من مائتى درهم
صدقة، وذكره أبو عبيد فى الأموال (ص ٤٠٩، ٤٤٥) وابن حزم فى المحلى (ج ٦ ص ٦٩) معلقا . قال الحافظ
فى التلخيص (ص ١٨٢): اسناده ضعيف. ورواه أبو أحمد بن زنجويه فى الأموال كما فى نصب الراية (ج ٢
ص ٣٦٩) من طريق العزرمى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظ: ((ليس فيما دون مائتى درهم
شىء ولا فيمادون عشرين مثقالا من الذهب شىء وفى المائتين خمسة دراهم وفى عشرين مثقالا ذهبا نصف مثقال))
قال الحافظ فى الدراية (ص ١٦١): باسناد ضعيف أى لأن العزرمى متروك ومنها حديث محمد بن عبد الرحمن
الأنصاری أخرجه أبو عبد (ص ٤٠٨) عن يزيد بن هارون عن حبيب بن أبى حبيب عن عمرو بن هرم عن محمد
ابن عبد الرحمن الأنصارى، إن فى كتاب رسول الله عز له وفى كتاب عمر فى الصدقة. إن الذهب لا يؤخذ منه شىء
حتى يبلغ عشرين دينارا فإذا بلغ عشرين دينارا ففيه نصف دينار- الحديث. وذكره ابن حزم فى المحلى (ج ٦ ص ٦٩)
وقال هو حديث مرسل ومنها حديث ابن مسعود رواه الدار قطنى (ص ٢٠٦) من طريق يحيى بن أبى أنيسة
عن حماد عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: قلت النبى صلى الله عليه وسلم إن لأمرأتى حليا من
عشرين مثقالا، قال فأد زكاته نصف مثقال. قال الدار قطنى: يحيى بن أبى أنيسة متروك وهذا وهم ، والصواب
مرسل موقوف ـ انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا إن أحاديث تحديد نصاب الذهب ضعيفة إلا حديث على، واختلف
فيه أيضا حسنه النووى والحافظ فى البلوغ والزيلمى، وصحه ابن حزم وأعله الحافظ فى التلخيص. وقد تقدم إن
المعول فى ذلك إجماع المسلمين على تحديده بعشرين مثقالا فهو المعتمد ومقداره من أوزان بلادنا سبع تولجات
ونصف تولجة كما تقدم والله تعالى أعلم. (وليس فيما دون خمس ذود) بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها دال
٨٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
من الابل صدقة . متفق عليه .
١٨١٠ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على المسلم صدقة
فى عبده
مهملة والرواية المشهورة بإضافة خمس إلى ذود وروى بتلوين خمس على أن ذود بدل منه، وقوله: ((من الابل
صقة مؤكدة لذود لأنه اسم الابل خاصة، والأكثر على أن الذود من الثلاثة إلى العشرة وإنه لاواحد له من لفظه .
وإنما يقال فى الواحد بعير. وقيل: بل ناقة ، فان الذود فى الاناث دون الذكور، لكن حملوه فى الحديث على ما يعم
الذكر والأنثى فمن ملك خمسا من الابل ذكورا يجب عليه فيها الصدقة . وقيل الذود ما بين الثنتين إلى التسع .
وقيل: من الثلاثة إلى العشرة. وقيل : إلى خمس عشرة. وقيل: إلى عشرين. وقيل: إلى الثلثين، قال القسطلانى:
القياس فى تميز ثلاثة إلى عشر أن يكون جمع تكسير جمع قلة فمجيئه اسم جمع كما فى هذا الحديث قليل، والذود
يقع على المذكر والمؤنث والجمع والمفرد فلذا أضاف خمس اليه - انتهى. قال القرطبى: أصله زاد يذود إذا دفع
شيئا فهو مصدر، وكان من كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر وشدة الفاقة والحاجة (من الابل) بيان للذود
(صدقة) أى إذا كان الابل أقل من خمس فلا صدقة فيها، قال ابن قدامة: وجوب زكاة الابل ما أجمع عليه
علماء الاسلام ومحت فيه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وأجمع المسلمون على أن ما دون خمس من
الابل لا زكاة فيه لحديث أبى سعيد هذا، ولقوله رؤاهم فى حديث أنس الآتى، ومن لم يكن معه إلا أربع من الابل
فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها (متفق عليه) وأخرجه أحمد ومالك والشافعى والترمذى وأبو داود والنسائى
وابن ماجه وغيرهم .
١٨١٠ - قوله (ليس على المسلم) قال القسطلانى: خص المسلم وإن كان الصحيح عند الأصوليين والفقهاء
تكليف الكافر بالفروع، لأنه مادام كافراً فلا يجب عليه الاخراج حتى يسلم ، فإذا أسلم سقطت، لأن الاسلام
يجب ما قبله. وقال ابن حجر: يؤخذ منه إن شرط وجوب زكاة المال بأنواعها الاسلام، ويوافقه قول الصديق
فى كتابه الآتى على المسلمين، قال القارى: هذا حجة على من يقول إن الكفار مخاطبون بالشرائع فى الدنيا بخلاف من
يقول إن الكافر مخاطب بفروع الشريعة بالنسبة للعقاب عليها فى الآخرة كما أفهمه قوله تعالى: ﴿وويل المشركين الذين
لا يؤتون الزكاة - فصلت: ٧) وقالوا ( ولم نك أطعم المسكين - مدثر: ٤٤) وعليه جمع من أصحابنا وهو الأصح عند
الشافعية - انتهى. وقد سبق الكلام على هذا من أوائل الزكاة (صدقة) أى زكاة ( فى عبده ) أى رقيقه ذكرا كان
أو انثى ونفى الصدقة فى العبد مطلقاً، لكنه مقيد بما ثبت فى مسند الامام أحمد وصحيح مسلم ليس فى العيد
٩٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ولا فى فرسه
صدقة إلا صدقة الفطر، ولأبى داود ليس فى الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر. (ولا فى فرسه) الشامل للذكر
والأنثى وجمعه الخيل من غير لفظه وهذا إذا لم يكونا للتجارة فإنه إذا اشتراهما للتجارة تجب الزكاة فى قيمتهما كسائر
أموال التجارة. واستدل بهذا الحديث من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقاً ولو كانا للتجارة،
وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالاجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره فيخص به عموم هذا الحديث . وتعقب هذا
بأنه كف الاجماع مع خلاف الظاهرية ، وأجيبوا أيضاً بأن زكاة التجارة متعلقها القيمة لا العين ، فالحديث يدل
على عدم التعلق بالعين فانه لو تعلقت الزكاة بالعين من العبيد والخيل اثبتت ما بقيت العين وليس كذلك . فانه
لونوى القنية لسقطت الزكاة والعين باقية وانما الزكاة متعلقة بالقيمة بشرط نية التجارة. قال النووى هذا
الحديث أصل فى أن أموال القنية لا زكاة فيها وإنه لا زكاة فى الخيل والرقيق إذا لم تكن للتجارة، وبهذا قال
العلماء كافة من السلف والخلف ، إلا أبا حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان وزفر أوجبوا فى الخيل، إذا كانت إناثاً
أو ذكورا وإناثاً فى كل فرس دينارا وإن شاء قومها وأخرج عن كل مائتى درهم خمسة دراهم وليس لهم حجة فى
ذلك. وهذا الحديث صريح فى الرد عليهم - انتهى. قلت: مذهب أبى حنيفة كما فى البدائع أنه إذا كانت الخيل قسام للدر
والنسل وهى ذكور وإناث يجب فيها الزكاة ، وفى الذكور المنفردة والاناث المنفردة روايتان ، وفى المحيط المشهور
عدم الوجوب فيهما أى لعدم تحقق التماء فى الذكور والاناث منفردة بالتوالد والتناسل . وقال ابن الهمام فى الفتح:
الراجح فى الذكور عدمه وفى الاناث الوجوب أى لأنها تتناسل بالفحل المستعار ، واختلف متأخروا الحنفية
فى أن الفتوى على قول أبى حنيفة أو صاحبيه أبى يوسف ومحمد الذين وافقا الجمهور، فتى فتاوى (قاضى خان
(ج ١ ص ١١٩) قالوا: الفتوى على قولهما وأجمعوا على أن الامام لا يأخذ منه صدقة الخيل جبراً - انتهى.
وقال ابن عابدين (ج ٢ ص ٢٦) قال الطحاوى: هذا أى قول الصاحبين أحب القولين الينا، ورجحه القاضى
أبو زيد فى الأسرار وفى الينابيع وعليه الفتوى، ((وفى الجواهر)) والفتوى على قولهما ((وفى الكافى)) هو المختار
للفتوى، وتبعه الزيلعى والبزازى تبعاً للخلاصة (وفى الخانيه)) قالوا: الفتوى على قولهما تصحيح العلامة قاسم. قال
ابن عابدين وبه جزم ((فى الكنز، لكن رجح قول الامام (أبى حنيفة) فى الفتح (أى فتح القدير) ((وفى التحفة))
الصحيح قوله ورجحه الامام السرخسى فى المبسوط ، والقدورى فى التجريد وصاحب البدائع وصاحب الهداية .
وهذا القول أقوى حجة على ما شهد به التجريد والمبسوط وشرح شيخنا - انتهى كلام ابن عابدين. قلت:
والقول الراجح المعول عليه عندنا هو ما قال به جمهور أهل العلم لحديث أبى هريرة هذا، ولحديث على الآتى فى
الفصل الثانى، ولحديث عمرو بن حزم عند ابن حبان والحاكم والبيهقى والطبرانى، ولحديث عمر وحذيفة عند أحمد
(ج ١ ص ١١٨) وسنده ضعيف لانقطاعه. فان راشد بن سعد لم يدرك عمر ولأن أبابكر بن عبد الله بن أبي مريم
٩١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ضعيف لاختلاطه وسوء حفظه ولحديث ابن عباس عند الطبرانى فى ((الصغير والأوسط)) وفيه محمد بن عبدالرحمن
بن أبى ليلى وفيه كلام. قال أبو عيد: فى ((كتاب الأموال)) (ص٤٦٥) إيجاب الصدقة فى سائمة الخيل التى يبتغى منها
النسل ليس على اباع السنة ولاعلى طريق النظر، لأن رسول اللهمؤاللّه قد عفا عن صدقتها ولم يستثن سائمة ولا غيرها،
وبه عملت الأئمة والعلماء بعده فهذه السنة. وأما فى النظر فكان يلزمه إذا رأى فيها صدقة أن يجعلها كالماشية تشبيهاً
بها لأنها سائمة مثلها ولم يصر الى واحد من الأمرين على أن تسمية سائمتها قد جاءت عن غير واحد من التابعين
باسقاط الزكاة منها . ثم روى ذلك عن أبراهيم والحسن وعمر بن عبد العزيز. قلت: وأجاب الخفية عن حديث
أبى هريرة بأنه محمول على فرس الركوب والحمل والجهاد فى سبيل الله، قال صاحب الهداية: وتأويله فرس الغازى
هو المنقول عن زيد بن ثابت - انتهى. قلت: نقله عنه زيد الدبوسى فى ((كتاب الأسرار)) فقال إن زيد بن ثابت
لما بلغه حديث أبى هريرة قال: صدق رسول اللّه مَّة، إنما أراد فرس الغازى قال ومثل هذا لا يعرف بالرأى
فثبت أنه مرفوع - انتهى. قال الحافظ: ((فى الدراية)) (ص ١٥٨) تبع أى صاحب الهداية فى ذلك أبا زيد الدبوسى
فانه نقله عن زيد بن ثابت بلا اسناد - انتهى . فما لم يعرف إسناده وأنه قوى صالح للاعتماد عليه لا يصح الاستناد
اليه علا أنه قول صحابى، وفيه مسرح للاجتهاد وحمل الحديث على فرس الغازى مخالف لظاهره ، وأما ما روى ابن
أبى شيبة وأبو عبيد ((فى الأموال)) (ص ٤٦٤) وأبو أحمد بن زنجويه باسناد صحيح عن طاؤس قال: سألت ابن
عباس عن الخيل أفيها صدقة فقال: ((ليس على فرس الغازى فى سبيل الله صدقة)) فليس فيه إن ابن عباس فسر
بذلك حديث أبى هريرة ، وبين المراد من الفرس المذكور فيه وغاية ما فيه أنه نفى الصدقة عن فرس الغازى وهذا
مما لا ينكره أحد والمفهوم ليس بحجة عند الحنفية مع أن مفهرمه يعارض عموم حديث أبى هريرة فلا يلتفت اليه
علا أنه يقتضى أن يجب الصدقة فى فرس غير الغازى، وإن كان يعلف للركوب والحمل ولم يقل به أحد. قال
ابن الهمام: لا شك إن هذه الاضافة للفرس المفرد لصاحبها فى قولنا فرسه وفرس زيد كذا وكذا يتبادر منه الفرس
الملابس للانسان ركوباً ذهاباً ومجيئاً عرفاً وإن كان لغة أعم والعرف املك ويؤيد هذه القرينة قوله (( فى عبده ))
ولاشك أن العبد للتجارة تجب فيه الزكاة، فعلم أنه لم يرد النفى عن عموم العبد بل عبد الخدمة. وقد روى ما يوجب
حمله على هذا الحمل لو لم تكن ها قان القرينتان العرفية واللفظية، وهو ما فى الصحيحين من حديث ما نعى الزكاة
وفيه الخيل لثلاثة الحديث - انتهى. قلت : المراد بالفرس والعبد فى الحديث الجنس کما يدل عليه رواية أبى داود
الآتية، ولا نسلم أن المتبادر من الاضافة المذكورة الفرس الملابس للانسان ركوبا عرفا، ولوسلمنا فكلام النبي عز له
يجب حمله على مقتضى صرف اللغة لا على العرف فان العرف يختلف على أنه ورد هذا الحديث فى رواية ضعيفة لأبى داود
بلفظ . (( ليس فى الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر فى الرقيق، أى بلفظ الجمع وبغير الاضافة وفى لفظ فى (( مسند.
٩1

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
عبد الله بن وهب)) لا صدقة على الرجل فى خيله ولا فى رقيقه، ولا يتمشى فيه تأويل ابن الهمام ويرد تأويله أيضاً
ما رواه مالك فى ((الموطأ)) عن الزهرى عن سليمان بن يسار إن أهل الشام قالوا: لأبى عبيدة بن الجراح خذ من
خيلنا ورقيقنا صدقة فأبى ثم كتب إلى عمر بن الخطاب فأبى عمر - الحديث . فافهم. وأما ما ذكر لتأييد ذلك من
القرينة اللفظية ففيه أن الأصل أن يبقى اللفظ المطلق على إطلاقه والعام على عمومه ولا يقيد ولا يخص إلا بدليل
شرعى، وقد قام الدليل من السنة والاجماع على وجوب الزكاة فى عبد التجارة . فلم يكن بد من حمل العبد فى الحديث
على عبد الخدمة بخلاف الفرس ، فانه لم يقم دليل شرعى على استثناء غير فرس التجارة ولم يرد فى السنة ما يدل
على وجوب الزكاة فى شىء من الفرس إلا ما كان للتجارة فلا يصح حمل لفظ الفرس فى الحديث على فرس الركوب
خاصة واستثناء السائمة منه وأما ما أشار اليه من حديث ما فعى الزكاة فى الصحيحين فليس فيه ما يوجب حمله على
فرس الركوب كما ستعرف. وأجاب عن الحديث فى ((المحيط البرهانى)) بأن المنفى ولاية أخذ الساعى فان الفرس
مطمع كل طامع ، فالظاهر أنهم إذا علموا به لا يتركوه لصاحبه - انتهى. وحاصله: أنه لم يرد نفى الزكاة عن
الفرس رأساً بل أراد عدم وجوب أداءها إلى بيت المال على شاكلة الأموال الباطنة. قلت: لا دليل على هذا
الحمل وظاهر الحديث يرده فان النبى صلى الله عليه وسلم قد نفى الصدقة عن الفرس والعبد معاً بكلام واحد، فكما أن
الزكاة معفوة ومنفية عن عبد غير التجارة رأساً كذلك منفية وساقطة عن الفرس الذى لم يكن للتجارة ، وفى الفرق
بين الأموال الظاهرة والباطنة عندى كلام. قال ابن الهمام: معتذراً عن عدم أخذه مَو ◌ِّ الزكاة عن الفرس
ما نصه وعدم أخذه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن فى زمانه أصحاب الخيل السائمة من المسلمين، بل أهل
الابل وما تقدم. إذ أصحاب هذه إنما هم أهل المدائن والدشت والتراكمة وإنما فتحت بلادهم فى زمن عمر
وعثمان - انتهى. قلت: هذا الاعتذار إنما يحتاج اليه لو ثبت وجوب الزكاة فى الفرس السائمة بحديث مرفوع صحيح
صريح فإنه حينئذ يسوغ أن يقال. بأنه تربية إنما لم يأخذ الزكاة عن الفرس مع الوجوب لعزة أصحاب الخيل السائمة
من المسلمين فى ذلك الوقت لكن لم يثبت الوجوب بحديث مرفوع صحيح أصلا وإنما لم يأخذ النبي يرو ◌ّه الزكاة
عن الفرس كما لم يأخذ عن الرقيق. لأنه لا زكاة فيهما أصلا، لا لكون الخيل قليلة إذ ذاك ولا أنه ترك زكاتها
إلى المالكين بأن يؤدوها فيما بينهم وبين اللّه لمعنى يعلمه علا أن أهل اليمن قد كانت عندهم الخيل كما يدل عليه
رواية عبد الرزاق الآتية، وهم قد أسلموا فى زمن النبي يَّم ولم ينقل أنه أخذ زكاتها منهم ولا أنه أمرهم بأدائها
فيما بينهم وبين اللّه تعالى. قلت : واحتج الحنفية على أصل الوجوب بما تقدم من حديث أبى هريرة وهو أقوى ما
احتجوا به، وفيه الخيل ثلاثة هى لرجل وزر وهى الرجل ستر وهى الرجل أجر قال: وأما التى هى له سترفرجل ربطها
٩٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
فى سبيل الله (وفى رواية ربطها فغنياً وتعففاً) ثم لم ينس حق الله فى ظهورها ولارقابها فهى له ستر الحديث. قالوا:
إن الحق الثابت لله تعالى على رقاب الحيوانات ليس إلا الزكاة ، فدل ذلك على وجوبها لأنه رتب على الخروج منه
كونها له حينئذ سترايعنى من النار. وأجاب عنه الطحاوى فى شرح معانى الآثار: بأنه يجوز إن ذلك الحق سوى
الزكاة فإنه قد روى لنا عن فاطمة بنت قيس عن النبى معَوثي. قال: فى المال حق سوى الزكاة. وحجة أخرى إنا
رأينا إن رسول الله مفع ذكر الابل السائمة فقال: فيها حق فسئل ما هو فقال: إطراق خلها وإعارة دلوها ومنحة
سمتها فاحتمل أن يكون هو فى الخيل ـ انتهى ملخصاً . وقال ابن الجوزى: فى التحقيق بعد ذكر الدليل هنا للحنفية
وجوابه من وجهين، أحدهما. إن حقها إعارتها وحمل المنقطعين عليها فيكون ذلك على وجه الندب. والثانى.
أن يكون واجباً ثم نسخ بدليل قوله ((قد عفوت لكم عن صدقة الخيل، إذ العفو لا يكون إلا عن شىء لازم -
انتهى . وأجاب العينى عن الوجه الأول بأن الذى يكون على وجه الندب لا يطلق عليه حق ، وعن الثانى بأن النسخ
لو كان اشتهر زمن الصحابة لما قرر عمر الصدقة فى الخيل وإن عثمان ما كان يصدقها - انتهى. وتعقب بأن الحق
لغة بمعنى الشىء الثابت سواء كان لازماً أو غير لازم. وأيضاً قد روى البخارى مرفوعا ومن حقها أى حق الابل
أن تحلب على الماء، وفى رواية أبى داود قلنا يا رسول الله وما حقها؟ قال: إطراق خلها وإعارة دلوها ومنحتها
وحلبها على الماء وحمل عليها فى سبيل الله - انتهى ومن المعلوم أن هذه الأمور من الحقوق المندوبة لا الواجبة،
وأما ما ذكر من أن عمر وعثمان أخذ الصدقة عن الخيل ففيه أنه كان ذلك على سبيل الندب والأختيار لا
الايجاب كما سيأتى . وقال الشيخ عبد العلى الحنفى المعروف ببحر العلوم اللكنوى صاحب فوائح الرحموت شرح
مسلم الثبوت: فى ((رسائل الأركان الأربعة)) (ص ١٧٢) بعد ذكر استدلال الحنفية بحديث أبى هريرة ما لفظه
هذا إنما يتم لو أريد بحق الله الحق الواجب وإن عم، كما يدل عليه عطف (ولا ظهورها)) لأنه ليس فى الظهور
حق واجب. وقد حمل ابن الهمام الحق فى الظهور على حمل منقطعى الحاج ففيه أن هذا ليس حقاً واجباً بل الغاية
الاستحباب، ثم الحديث إن دل على وجوب الزكاة فهو غير فارق بين الذكور والاناث والسائمة وغير السائمة
وهو خلاف المذهب - انتهى. واحتج الحنفية لكمية الواجب فى الفرس بما روى الدار قطنى (ص ٢١٤)
والبيهقى (ج٤ ص١١٩) والطبرانى من طريق الليث بن حماد الأصطخرى عن أبى يوسف عن غورك بن الخضرم
أبى عبد الله السعدى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قال رسول اللّه وَّه: فى الخيل السائمة فى كل فرس
دينار ورد هذا بوجهين أحدهما إن سنده ضعيف جدا، قال الدار قطنى: تفرد به غورك وهو ضعيف جداً ومن
دونه ضعفاء، وقال الهيثمى: فيه ليث بن حماد وغورك وكلاهما ضعيف. قال البيهقى: لو كان هذا الحديث صحيحاً
٩٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
عند أبى يوسف لم يخالفه ذكره الزيلعى. والثانى أنه ليس فى هذا الحديث ذكر للفرق بين الذكور المنفردة والاناث
المنفردة والمختلط منهما ولا للتخيير بين الدينار والقيمة الذى قال به أبو حذيفة، وأجاب ابن الحمام عن الوجه الأول
بما يقضى منه العجب حيث قال: ولعل ملحظهم فى تقدير الواجب ما روى عن جابر من قوله عليه السلام فى كل
فرس دينار بناء على أنه صحيح فى نفس الأمر، ولو لم يكن صحيحا على طريقة المحدثين إذ لا يلزم من عدم الصحة
على طريقتهم الا عدمها ظاهرا دون نفس الأمر على أن الفحص عن مأخذهم لا يلزمنا اذ يكفى العلم بما اتفقوا عليه
من ذلك - انتهى . وفى ذكر هذا غنى عن الرد ولعله حمله على ذلك غلوه فى حماية مذهبه وشدة التعصب عليه وقد
يحمل الانسان عصبيته العمياء على اقبح من ذلك. واحتج الحنفية أيضاً بما روى الدارقطنى فى غرائب مالك
بإسناد صحيح عنه عن الزهرى إن السائب بن يزيد أخبره قال . رأيت أبى يقيم الخيل ثم يدفع صدقتها إلى عمر ،
وأخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى ابن أبى حسين إن ابن شهاب أخبره إن عثمان كان يصدق الخيل، وإن
سائب بن يزيد أخبره إنه كان يأتى عمر بصدقة الخيل . قال ابن عبد البر: الخبر فى صدقة الخيل عن عمر صحيح من
حديث الزهرى عن السائب بن يزيد، وأجاب عنه الطحاوى بأنه لم يأخذه عمر على أنه حق واجب عليهم بل
بسبب آخر ، ثم أخرج بسنده عن حارثة قال حججت مع عمر فأتاه أشراف الشام قالوا : إنا أصبنا خيلا وأموالا
تنفذ من أموالنا صدقة، فقال هذا شىء لم يفعله اللذان كانا قبلى لكن إنتظروا حتى أسأل المسلمين فسأل أصحاب
رسول الله مَثمه فيهم على فقالوا حسن وعلى ساكت فقال عمر مالك يا أبا الحسن فقالوا قد أشاروا عليك ولا
باس بما قالوا إن لم يكن واجباً وجزية راتبة يؤخذون بها بعدك. فدل ذلك على أنه إنما أخذ على سبيل التطوع بعد
ابتغاءهم ذلك لا على سبيل إنه شىء واجب وقد أخبر إنه لم يأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر -
انتهى . وقال ابن قدامة: فى المغنى (ج ٢ ص ٦٢١) وأما عمر فانما أخذ منهم شيئا تبرعوا به وسألوه أخذه
وعوضهم عنه برزق عيدهم ثم ذكر هذا الحديث من رواية أحمد وقال: فصار حديث عمر حجة عليهم من وجوه،
أحدها قوله ما فعله صاحباى قبلى يعنى النبى صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ولو كان واجباً لما تركا فعله، الثانى
إن عمر امتنع من أخذها ولا يجوز أن يمتنع من الواجب، الثالث قول على حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها
بعدك فى جزية إن أخذوا بها وجعل مشروطاً بعدم أخذهم به فيدل على أن أخذهم بذلك غير جائز . الرابع
استشارة عمر أصحابه فى أخذه ولو كان واجباً لما احتاج الى الاستشارة. الخامس إن عمر عوضهم عنه رزق عندهم
(وكذا رزق فرسهم كما فى رواية الدارقطنى ص ٢١٤) والزكاة لا يؤخذ عنها عوض - انتهى. وأجاب
الحنفية عن هذا الجواب بأن رواية الدار قطنى (ص ٢١٩) ((فوضع على فرس دينارا)) فى قصة أهل الشام
المذكورة. ورواية عبد الرزاق من طريق يعلى بن أمية إن عمر قال له إن الخيل لتبلغ فى بلادكم هذا وقد كان اشترى
٩٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وفى رواية ، قال: ليس فى عبده صدقة إلا صدقة الفطر. متفق عليه
١
من رجل من أهل اليمن فرساً بمائة قلوص قال: فنأخذ من كل أربعين شأة شأة ولا نأخذ من الخيل شيئاً خذ من
كل فرس ديناراً فقرر على الخيل ديناراً، وفى رواية ابن حزم والبيهقى فضرب على الخيل دينارا دينارا توجب
خلاف ما قلتم من أن اخذه كان على سبيل إنه تطوع وتبرع لا للايجاب، قلت: رواية الطحاوى فى قصة أهل
الشام صريحة فى نفى الوجوب ورواها مالك بلفظ ان أهل الشام قالوا لأبى عبيدة : خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة فأبى
ثم كتب الى عمر بن الخطاب فأبى عمر ثم كلوه أيضاً فكتب الى عمر فكتب إليه عمر إن أحبوا نفذها منهم (يعنى
إنهم إذا تطوعوا بذلك فيقبل عنهم تطوعا) وأرددها عليهم ( أى على فقراءهم) وارزق رقيقهم - انتهى. وهذه
الرواية ظاهرة فى أن عمر لم يقل بإيجاب الزكاة فى الخيل لأنه إنما أمر بذلك حين أحبه أربابها وتبرعوا وتطوعوا بها، وأما
ما ذكروه من رواية الدار قطنى وعبد الرزاق وما شاكلها فهو محمول على هذه لناتفق الروايات ولا تختلف قال
بعض من كتب على الموطأ من أهل عصرنا من الحنفية: والظاهر إن ذلك أى عدم الايجاب كان عن عمر أولا
ثم قال: بالزكاة فيها أى إن الآخر من امرى عمر أخذ الزكاة من الخيل كما يدل عليه رواية الدار قطنى ورواية
عبد الرزاق. قلت: ليس فى شىء من روايات قصة أهل الشام ما يدل ان ذاك كان أولا وهذا كان آخرا
والجمع بما قلنا واضح فالقول به متعين، ولو سلمنا فهو اجتهاد من عمر ومن وافقه كما إعترف به ابن الهام
وحديث أبى هريرة الذى نحن فى شرحه يخالفه ويقطع بنفى الصدقة عنها فلا يلتفت الى ما سواه لأنه لا حجة فى قول
أحد دون رسول اللّه ◌َ الله والله تعالى أعلم. هذا وقد استدل ابن الهام برواية الدار قطنى فى قصة أهل الشام على
وجوب الزكاة فى الفرس ، وادعى وقوع إجماع الصحابة على ذلك، وقد رد عليه بحر العلوم اللكنوى الحنفى فى
رسائل ((الأركان الأربعة)) (ص ١٧٣) رداً حسناً فعليك أن تراجعه (وفى رواية قال) أَى النبى يَّه (ليس فى
عبده) فى مسلم ليس فى العبد (صدقة الا صدقة الفطر) بالرفع على البدلية وبالنصب على الاستثنائية قال النوى:
هذا صريح فى وجوب صدقة الفطر على السيد عن عبده سواء كان للقنية أم للتجارة وهو مذهب مالك والشافعى
والجمهور ، وقال أهل الكوفة لا تجب فى عبيد التجارة وحكى عن داود قال: لا تجب على السيد بل تجب على العبد
ويلزم السيد تمكينه من الكسب ليوديها - انتهى. وقال ابن حبان: فيه دليل على أن العبد لا يملك اذاوملك أوجب
عليه صدقة الفطر (متفق عليه) الا قوله ((الا صدقة الفطر)) فانه من إفراد مسلم وهذه الزيادة عند ابن حبان أيضاً
ورواه الدارقطنى بلفظ: لاصدقة على الرجل فى فرسه ولا فى عبده الا زكاة الفطر وفى لفظ لأبي داود ليس: فى الخيل
والرقيق زكاة الا زكاة الفطر فى الرقيق ، والرواية الأولى أخرجها أيضاً أحمد ومالك والترمذى وأبوداود والنساقى
وابن ما جه والدار قطنی والبيهقى وغيرهم .
٩٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
١٨١١ - (٣) وعن أنس، أن أبابكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه الى البحرين، بسم الله الرحمن
الرحيم. هذه فريضة الصدفة التى فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتى أمر الله
بها رسوله فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها،
١٨١١ - قوله (إن أبا بكر) الصديق (كتب له) أى لأنس، لما استخلف (هذا الكتاب) أى
المكتوب الآتى (لما وجهه) أى حين أرسله أبو بكر (إلى البحرين) أى عاملا عليها وهو تثنية بحر خلاف البر
موضع معروف بين بحرى فارس والهند مقارب جزيرة العرب، ويقال هواسم لاقليم مشهور يشتمل على مدن
معروفة قاعدتها هجر وهكذا ينطق به بلفظ التثنية والنسبة اليه بحرانى (بسم الله الرحمن الرحيم) بدل من الكتاب.
بمعنى اسم المفعول وهو واضح، لأن المراد كتب له هذه النقوش التى هى بسم اللّه إلخ قال الماوردى: يستدل به على
اثبات البسملة فى ابتداء الكتب وعلى أن الابتداء بالحمد ليس بشرط. وقال الحافظ: لم تجر العادة الشرعية ولا العرفية
بابتداء المراسلات بالحمد وقد جمعت كتبه برَاه إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع فى واحد منها البداءة بالحمد بل بالبسملة
(هذه) أى المعانى الذهنية الدالة عليها النقوش اللفظية الآتية (فريضة الصدقة) أى نسخة فريضة الصدقة حذف
المضاف للعلم به والفريضة بمعنى المفروضة (التى فرض رسول اللّه ◌َؤلفّم على المسلمين) هذا ظاهر فى رفع الخبر إلى
النبى ژلتے و أنه ليس موقوفا على أبى بكر وقد صرح برفعه فى رواية اسماق ین راهويه فى مسنده و معنى «فرض، هنا
أوجب يعنى بأمر الله تعالى قال الخطابي: معنى الفرض الايجاب وذلك أن يكون اللّه تعالى قد أوجبها وأحكم فرضها فى
كتابه ثم أمر رسوله بالتبليغ فأضيف الفرض اليه بمعنى الدعاء اليه وحمل الناس عليه، وقد فرض الله طاعته على
الخلق نجاز أن يسمى أمره وتبليغه عن الله عز وجل فرضا على هذا المعنى. وقيل: معناه قد رأى بين وفصل لأن
إيجابها ثابت بنص القرآن على سبيل الاجمال وبين ◌َوالز مجمله بتقدير الأنواع والأجناس ففرض النبى مؤلّه لها بيانه
للجمل من الكتاب ، ومن هذا فرض نفقة الأزواج وفرض أرزاق الجند . وقيل: معنى الفرض هنا السنة ومنه
ما روى أنه مَّ فرض كذا أى سنه يعنى شرعه بأمر الله تعالى (والتى) عطف على ((التى)) عطف تفسير أى
الصدقة التى. ولأحمد وأبي داود والنسائى وابن ماجه ((التى)) بدون العطف على أنها صفة بعد صفة أو بدل من
الجملة الأولى (أمر الله بها) أى بتلك الصدقة أى أمر بتبليغها أو بتقدير أنواعها وأجناسها والقدر المخرج منه
(فمن سئلها) بضم السين على بناء المفعول أى من سئل الزكاة (من المسلمين) بيان لمن (على وجهها) حال من
المفعول الثانى فى سئلها أى حال كونها على حسب مابين رسول اللّه ◌َو ◌ّه من فرض مقاديرها يعنى على هذه الكيفية
المبينة فى هذا الكتاب (فليعطها) أى على الكيفية المذكورة فى هذا الحديث . وفيه دلالة على دفع صدقة الأموال
٩٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ومن سئل فوقها فلا يعط فى أربع وعشرين من الابل فما دونها من الغنم من كل خمس شأة،
الظاهرة إلى الامام (ومن سئل فوقها) أى فوق حقها يعنى زائدا على الفريضة المعينة فى السن أو العدد، وقال الطيبي:
أى أزيد من واجبها كمية أو كيفية، وتكون المسئلة اجماعية اجمالا، لا اجتهادية فانها حينئذ يقدم الساعى (فلا يعط)
أى فله المنع يعنى لا يعطى الزائد على الواجب. وقيل: لا يعطى شيئاً من الزكاة لهذا الساعى ، لأنه يصير خائنا
بطلبه فوق الواجب فسقط طاعته بظهور خيانته، لأن شرطه أن يكون أمينا وحينئذ يتولى هو اخراجه بنفسه أو
يعطيه لساع آخر. قال الحافظ: لكن محل هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل - انتهى. وكأنه يشير بهذا إلى الجمع بين
هذا الحديث وحديثى جرير وجابر بن عتيك المتقدمين فى أوائل الزكاة، فيكون هذان الحديثان محمولين على أن
العامل تأويلا فى طلب الزائد على الواجب. قال القارى: هذا أى حديث أبى بكر يدل على أن المصدق إذا أراد
أن يظلم المزكى فله أن يأباه ولا يتحرى رضاه، ودل حديث جرير وهو قوله: ((أرضوا مصدقيكم وإن ظلتم،
على خلاف ذلك. وأجاب الطبي بأن أولئك المصدقين من الصحابة وهم لم يكونوا ظالمين، وكان نسبة
الظلم اليهم على زعم المزكى أو جريان على سبيل المبالغة وهذا عام فلا منافاة بينهما - انتهى. وقد يجاب بأن الأول
محمول على الاستحباب وهذا على الرخصة والجواز، أو الأول إذا كان يخشى التهمة والفتنة وهذا عند عدمهما.
قال فى شرح السنة: فيه دليل على إباحة الدفع عن ماله إذا طولب بغير حقه - انتهى. (فى أربع وعشرين) قال
الطيبي: استئناف بيان لقوله ((هذا فريضة الصدقة )» و کأنه أشار بهذه إلى ما فى الذهن ثم أتى به بیانا له . قال ابن
الملك: ((فى أربع)) خبر مبتدأ محذوف أى الوجب أو المفروض أو المعطى فى أربع وعشرين (من الابل) كلمة
((من)) بيانية وبدأ بزكاة الابل لأنها كانت جل أموالهم وأنفسها (فما دونها) أى فما دون أربع وعشرين إلى
الخمس (من الغنم) بيان للام الواجب المقدر، لأنه بمعنى الذى (من كل خمس شأة) أى الواجب من الغنم فى أربع
وعشرين إبلا من كل خمس إبل شأة. وقال الطبى: ((من) الأولى ظرف مستقر، لأنه بيان لشأة توكيداً كما فى قوله:
((خمس ذود من الابل)) والثانية لغو ابتدائية متصلة بالفعل المحذوف، أى ليعط فى أربع وعشرين من الابل شأة
كائنة من الغنم لأجل كل خمس من الابل .. وقيل: ((من الغنم، خبر لمبتدأ محذوف أى الصدقة فى أربع وعشرين من
الابل من الغنم. وقوله: ((من كل خمس شأة)) مبتدأ وخبر بيان للجملة المتقدمة. وقال الحافظ: قوله من الغنم كذا
الا كثر وفى رواية ابن السكن باسقاط (من)، وصوبها بعضهم وقال عياض: كل صواب فمن أثبتها فمعناها زكاتها
أى الابل من الغنم و ((من)) للبيان لا للتبعيض، ومن حذفها فالغنم مبتدأ والخبر مضمر فى قوله فى أربع وعشرين.
وإنما قدم الخبر لأن الغرض بيان المقادير التى تجب فيها الزكاة، والزكاة إنما تجب بعد وجود النصاب لحسن
تقديمه. وههنا مسئلتان خلافيتان، الأولى انه ذهب الشافعى فى قوله الجديد أى فى غير البويطى ومالك فى
٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
رواية. وأحمد وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن الزكاة فى النصاب فقط دون العفو والوقص (بفتح الواو والقاف
ويجوز إسكانها وبالصاد المهملة وهو ما بين الفرضين عند الجمهور) وقال الشافعى: فى القديم أى فى البويطى
ومالك فى رواية ومحمد وزفر، إلى أنها فى النصاب والعفو جميعا. قال الحافظ: ويظهر أثر الخلاف فيمن له مثلا
تسع من الابل فتلف منها أربعة بعد الحول وقبل التمكن من الأداء ، حيث قلنا إنه شرط فى الوجوب وجبت عليه
شأة بلا خلاف. وكذا إن قلنا التمكن شرط فى الضمان وقلنا الوقص عفو، وإن قلنا يتعلق به الفرض وجب خمسة
إنساع شأة - انتهى. واستدل القول الأول بقوله ◌َ له: (( فى الابل فى خمس شأة وفى عشر شأتان وفى الغتم
إذا زادت على ثلاث مائة ففى كل مائة شأة)) قال القارى فى النقابة: هذا ظاهر فى أن الزكاة فى النصاب فقط -انتهى.
وبقوله مَاللّه فى حديث عمرو بن حزم فى خمس من الابل شأة وليس فى الزيادة شىء حتى تبلغ عشرا قال فى
البدائع : هذا نص على أن الواجب فى النصاب دون الوقص ـ انتهى. لكن قد تكلم العينى فى البناية فى هذه
الرواية . وقال الحافظ فى الدراية (ص ١٥٩): لم أجده وذكره أبو اسحاق الشيرازى فى المهذب وأبو يعلى الفراء
فى كتابه وقد يستأنس له بحديث محمد بن عبد الرحمن الأنصارى أن فى كتاب النبى حالة فى الصدقات إن الا بل
إذا زادت على عشرين ومائة فليس فيما دون العشر شىء أخرجه أبو عبيد (ص ٣٦٣) - انتهى. واستدل
للقول الثانى بقول النبي يزوفّم فى خمس من الابل شأة إلى تسع ذكره فى البدائع. وروى البيهقى (ج ٤ ص ٨٧)
معناه من كتاب عمر قال الكاسانى: وأخبر أى النبى ◌َواله إن الوجوب يتعلق بالكل - انتهى. وقد يستدل لهذا القول
أيضا بظاهر قوله فى كتاب أبى بكر فى أربع وعشرين من الابل فما دونها الغنم من كل خمس شأة، فاذا بلغت
خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين فقهيا بنت مخاض ـ الحديث. وفى صدقة الغنم فى سائمتها إذا كانت أربعين إلى
عشرين ومائة شأة، قال الزيلعى (ج ٢ ص ٣٦٢): وجه الدليل أنه غير الوجوب إلى النصاب الآخر فدل على
أن الوجوب الأول منسحب إلى الوجوب الثانى وما بينهما هو العفو - انتهى. وقد رجح ابن الهمام هذا القول
الثانی إذ قال ولا يخفى إن هذا الحديث (أی حدیث عمرو بن حزم ألذی استدل به للقول الأول ، وفيه ولیس فی
الزيادة حتى تبلغ عشراً) لايقوى قوة حديثهما (أى الحديثين اللذين استدل بهما لمحمد وزفر) فى الثبوت إن ثبت
والله أعلم. وإنما نسبه ابن الجوزى فى التحقيق، إلى رواية أبي يعلى القاضى وأبى اسحاق الشيرازى فى کتابيهما،
فقول محمد أطهر من جهة الدليل - انتهى . قال صاحب بذل المجهود: فمدار الحنفية فى الاستدلال فى استيناف الصدقة
أيضاً على حديث عمرو بن حزم فلوكان الحديث عندهم ضعيفا لا يصح الاستدلال به على الاستئناف، ومع هذا
فقد ورد فى حديث أبى داود (فى كتاب عمر فى الصدقة) وليس فيها شىء حتى تبلغ المائة فثبت بطريقين إن
الأوقاص لا يحب فيها الزكاة - انتهى. المسئلة الثانية قال الحافظ: استدل بقوله فى أربع وعشرين من الابل
٩٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
فإذا بلغت خمسا وعشرين الى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى،
فما دونها من الغنم على تعين إخراج الغنم فى مثل ذلك، وهو قول مالك وأحمد فلو أخرج بعيرا عن الأربع
والعشرين لم يجزه، وقال الشافعى والجمهور: يجزئه لأنه يجزى عن خمس وعشرين فما دونها أولى، ولأن الأصل
أن يجب من جنس المال. وانما عدل عنه رفقا بالمالك فإذا رجع بأختياره إلى الأصل أجزأه قال الزرقانى: ورد
بأنه قياس فى معرض النص فان كانت قيمة البعير مثلادون قيمة أربع شياء ففيه خلاف عند الشافعية وغيرهم، قال
الحافظ : والأقيس أنه لا يجزىء ــ انتهى. ويجوز عند الحنفية إذا ساوى قيمة المؤدى قيمة الواجب كما بسط فى
فروعهم . وقوله من كل خمس شأة يقتضى إن الشأة هى الواجبة فيها ، فلو أخرج عن خمس من الابل واحدا منها
لم يجزه وإنما يجزئه أن يخرج ما وجب عليه وهى شأة، واليه ذهبت الحنابلة كما فى المغنى (ج ٤ ص ٥٧٨) وبه
قال ابن العربى والباجى من المالكية، وذهبت الشافعية والمالكية إلى الجواز، وبه قالت الحنفية لكن باعتبار
القيمة (فاذا بلغت) أى الابل (خمسا وعشرين) قال الحافظ: فيه إن فى هذا القدر بنت مخاض وهو قول الجمهور
إلا ما جاء عن على أن فى خمس وعشرين خمس شياه، فإذا صارت ستا وعشرين كان فيها بنت مخاض . أخرجه
ابن أبى شيبة وغيره عنه موقوفا ومرفوعا واسناد المرفوع ضعيف - انتهى. قال الأمير اليمانى: والموقوف ليس
بحجة فلذا لم يقل به الجمهور (إلى خمس وثلاثين ففيها) أى ففى الابل التى بلغت خمسا وعشرين (بنت مخاض)
بفتح الميم وبالخاء المعجمة الخفيفة وفى آخره ضاد معجمة. قال الجزرى فى جامع الأصول (ج ٥ ص ٤٧٢):
بنت المخاض من الابل وابن المخاض ما استكمل السنة الأولى. ودخل فى الثانية ثم هو ابن مخاض وبنت مخاض إلى
آخر الثانية سمى بذلك، لأن أمه من المخاض أى الحوامل والمخاض الحوامل لا واحد له من لفظه ــ انتهى. وقال
الحافظ : هى التى أتى عليها حول ودخلت فى الثانى وحملت أمها ، والماخض الحامل أى دخل وقت حلها وإن
لم تحمل - انتهى. وقال ابن قدامة: سميت بذلك لأن أمها قد حملت غيرها والماخض الحامل وليس كون أمها
مَاخضا شرطا فيها وإنما ذكر تعريفا لها بغالب حالها وقال فى المجمع (ج٢ ص ٢٨٥) المخاض اسم النوق الحوامل
واحدتها خلفة وابن مخاض وبنته ما دخل فى السنة الثانية. لأن أمه لحقت بالمخاض أى الحوامل، وإن لم تكن حاملا
وقيل: هو الذى حملت أنه أو حملت الابل التى فيها أمه، وإن لم تحمل هى، وهذا معنى ابن مخاض لأن الواحد لا يكون
ابن توق وإنما يكون ابن ناقة واحدة. والمراد أن يكون وضعتها أمها فى وقت ماوقد حملت النوق التى وضعت مع
أمها، وإن لم تكن أمها عاملة فنسبتها إلى الجماعة بحكم مجاورتها أمها ، وسمى ابن مخاض فى السنة الثانية لأن العرب
إنما كانت تحمل الفحول على الإناث بعد وضعها لسنة ليشتد ولدها فهى تحمل فى السنة الثانية وتمخض ـ انتهى.
(أنثى) قيد بالأنثى للتأكيد كما يقال رأيت بعيني وسمعت بأذنى، وقال الطيبى: ذكره تأكيدا، كما قال تعالى:
﴿ نفخة واحدة - الحاقة: ١٣) ولئلا يتوهم إن البنت ههنا والابن فى ابن لبون كالبنت والابن فى بنت طبق ،
١٠٠