النص المفهرس

صفحات 21-40

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
رواه مسلم.
١٧٩٢ - (٦) وعن عبد الله بن أبى أوفى، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم
قال: اللهم صل على آل فلان. فأتاه أبى بصدقته، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى.
أبى داود التى أشار اليها البيهقى من حديث جرير فى الفصل الثانى من هذا الباب ، ورواية البخارى من حديث
أنس الذى ذكره النووى والسندى فى الفصل الأول من «باب ما يجب فيه الزكاة ، ويأتى هناك وجه الجمع بين
الروايتين (رواه مسلم) فى آخر الزكاة وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٣٦٠ - ٣٦٤) والترمذى والنسائى وابن
ما جه والبيهقى ( ج ٤ ص ١٣٦).
١٧٩٢ - قوله (وعن عبد الله بن أبى أوفى) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الفاء مقصوراً، قد تقدم
ترجمة عبد اللّه، وأما والده أبو أوفى فهو علقمة بن خالد بن الحرث الأسلمى، مشهور بكنيته، شهد هو وابنه عبد الله بيعة
الرضوان تحت الشجرة وعمر عبد اللّه إلى أن كان آخر من مات من الصحابة بالكوفة، وذلك سنة سبع وثمانين
(إذا أتاه قوم بصدقتهم) أى بزكاة أموالهم (اللهم صل على آل فلان) أى اغفرله وارحمه. قال العينى: کذا فى رواية
الأكثرين. وفى رواية أبى ذر: صل على فلان - انتهى. والمعنى واحد. لأن الآل يطلق على ذات الشىء. وقيل: لفظ
الآل مقحم يدل عليه الرواية الآتية (فأتاه أبى) أبو أوفى (على آل أبي أوفى) يريد أبا أوفى نفسه، لأن الآل يطلق
على ذات الشىء كقوله فى قصة أبى موسى: لقد أوتى منماراً من مزامير آل داود، يريد داود نفسه. وقيل:
لا يقال ذلك إلا فى حق الرجل الجليل القدر. وقال القارى: الظاهر أن الآل مقحم يدل عليه الرواية الآتية:
اللهم صل عليه، أو المراد هو وأهل بيته فيعم الدعاء، لأنه إذا دعى لآله لأجله، فهو يستحق الدعاء بطريق الأولى -
انتهى. وهذا الدعاء منه صلى الله عليه وسلم امتثال لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها،
وصل عليهم، إن صلاتك سكن لهم - التوبة: ١٠٣) فانه أمره الله بالصلاة عليهم ففعلها بلفظها حيث قال: اللهم
صل على آل أبي أوفى. ولفظ الصلاة: بحتم، بل غيره من الدعاء ينزل منزلته، مثل أن يقول آجرك اللّه فيما أعطيت،
وبارك لك فيما أبقيت، أو يقول اللهم اغفر له وتقبل منه ونحو ذلك. والدليل عليه ما رواه النسائى والبيهقى من
حديث وائل بن حجر أنه ◌َّم قال فى رجل بعث بناقة حسنة فى الزكاة : اللهم بارك فيه وفى إبله . وفى الحديث
دليل على أنه يستحب الدعاء عند أخذ الصدقة لمعطيها . وقال بعض أهل الظاهر: بوجوب ذلك على الامام ، وحكاه
أبو عبد الله الخناطى بالحاء المهملة وجهاً لبعض الشافعية. وكأنهم أخذوه من الأمر فى الآية. وأجيب بأنه لوكان
واجباً لعلمه النبى صلى الله عليه وسلم السعاة ولم ينقل. وفيه أن وجوب الدعاء كان معلوما لهم من الآية
٢١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
الكريمة، فلم يكن حاجة إلى تعليم الدعاء والأمر به وأجاب الجمهور أيضا بأن سائر ما يأخذه الامام من
الكفارات والديون وغيرهما لا يجب عليه فيها الدعاء، فكذلك الزكاة ، وبان ذلك لا يجب على الفقير المدفوع اليه،
فالنائب أولى. وأما الآية فيحتمل أن يكون الوجوب خاصا به لكون صلاته سكنا لهم بخلاف غيره . واستدل
بالحديث على جواز الصلاة على غير الأنبياء استقلالا ، وأنه يدعو آخذ الصدقة التصدق بهذا الدعاء، وهو قول
أحمد ، قالوا والصلاة ههنا بمعنى الدعاء والتبريك لا بمعنى التعظيم والتكريم. وكرهه مالك والشافعى وأبو حنيفة ،
قالوا لا يصلى على غير الأنبياء استقلالا، ولكن يصلى عليهم تبعا. وأجابوا عن هذا الحديث بأن هذا حقه عليه
الصلاة والسلام له أن يعطيه لمن شاء، وليس لغيره ذلك . وقال فى اللعات : هذه الصلاة غير ما يصلى به على النبى
عَّ، وإنما هو بمعنى الترحم والتعطف والترحيب لا على وجه التعظيم والتكريم أخذا من قوله تعالى: ﴿وصل
عليهم - التوبة: ١٠٣) وقيل: لا يجوز الدعاء بلفظ الصلاة على أحد إلا النبى صلى الله عليه وسلم ولمن سواه من
الأئمة أن يدعو عند أخذ الصدقة بمضمونه وبمعناه لا بلفظ الصلاة - انتهى. قلت: ومال البخارى إلى الجواز
مطلقا حيث بوب فى جامعه الصحيح. باب هل يصلى على غير النبى موافقة، وصدر بالآية وهى قوله تعالى: ﴿وصل
عليهم) ثم أورد الحديث الدال على الجواز مطلقا، وهو حديث عبد الله بن أبى أوفى، وعقبه بالحديث الدال
على الجواز تبعا . قال الحافظ: قوله هل يصلى على غير النبى صلى الله عليه وسلم؟ أى استقلالا أو تبعا، ويدخل
فى الغير الأنبياء والملائكة والمؤمنون. فأما مسئلة الأنبياء فورد فيها أحاديث: أحدها حديث على فى الدعاء يحفظ
القرآن ، ففيه وصل علىّ وعلى سائر النبيين، أخرجه الترمذى والحاكم، وحديث بريدة رفعه: لا تتركن فى التشهد
الصلاة على وعلى أنبياء الله، الحديث أخرجه البيهقى بسند واه، وحديث أبى هريرة رفعه: صلوا على أنياء الله،
الحديث أخرجه أسماعيل القاضى بسند ضعيف، وحديث ابن عباس رفعه: إذا صليتم على فصلوا على أنبياء الله، فان
الله بعثهم كما بعثنى، أخرجه الطبرانى، وسنده ضعيف أيضا. وقد ثبت عن ابن عباس اختصاص ذلك بالنبى
صلى الله عليه وسلم ، أخرجه ابن بى شيبة من طريق عثمان بن حكيم عن عكرمة عنه، قال: ما أعلم الصلاة تنبغى على
أحد إلا على البي مَفّة ، وهذا سند صحيح: وحكى القول به عن مالك، وقال ما تعبدنا به، وجاء نحوه عن عمر بن
عبد العزيز، وعن مالك يكره . وقال عياض: عامة أهل العلم على الجواز. وقال سفيان: يكره أن يصلى إلا على
في. ووجدت يحظ بعض شيوخى مذهب مالك لا يجوز أن يصلى إلا على محمد ، وهذا غير معروف عن مالك ،
وإنما قال أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغى لنا أن تتعدى ما أمرنا به، وخالفه يحيى بن يحي فقال لا بأس به،
واحتج بأن الصلاة دعاء بالرحمة فلا يمنع إلا بنص أو اجماع. قال عياض: والذى أميل اليه قول مالك وسفيان،
وهو قول المحققين من المتكلمين والفقهاء، قالوا يذكر غير الأنبياء بالرضاء والغفران، والصلاة على غير الأنياء يعنى
٢٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
استقلالا لم تكن من الأمر المعروف، وإنما أحدثت فى دولة بنى هاشم وأما الملائكة فلا أعرف فيه حديثا نصا، وإنما.
يؤخذ ذلك من الذى قبله إن ثبت، لأن الله تعالى سماهم رسلا. وأما المؤمنون فاختلف فيه، فقيل لا تجوز إلا
على النبي ◌َّ خاصة، وحكى عن مالك كما تقدم . وقالت طائفة. لا تجوز مطلقاً استقلالا، وتجوز تبعا فيما ورد
به النص. أو الحق به لقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا - الفرقان: ٦٣) ولأنه
لما علمهم السلام. قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ولما علمهم الصلاة قصر ذلك عليه وعلى أهل بيته،
وهذا القول اختاره القرطبى فى المفهم وأبو المعالى من الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية من المتأخرين. وقالت: طائفة
تجوز تبعا مطلقاً، ولا تجوز استقلالا، وهذا قول أبى حنيفة وجماعة. وقالت طائفة: تكره استقلالا لا تبعا،
وهى رواية عن أحمد. وقال النووى: هو خلاف الأولى. وقالت طائفة: تجوز مطلقاً، وهو مقتضى صنيع
البخارى ( كما تقدم تقريره) ووقع مثل حديث ابن أبي أوفى عن قيس بن سعد بن عبادة أن النبي ◌ُلل رفع يديه
وهو يقول اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة ، أخرجه أبو داود والنسائى، وسنده جيد ، وفى
حديث جابر أن امرأته قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: صل على وعلى زوجى. ففعل، أخرجه أحمد مطولا
ومختصرا، وصححه ابن حبان . وهذا القول جاء عن الحسن ومجاهد، وقص عليه أحمد فى رواية أبى داود، وبه
قال إسحاق وأبو أور وداود والطبرى، واحتجوا بقوله تعالى: (هو الذى يصلى عليكم وملائكته - الأحزاب: ٤٣)
وفى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة مرفوعا: إن الملائكة تقول لروح المؤمن صلى الله عليك وعلى جسدك.
وأجاب المانعون عن ذلك كله بأن ذلك صدر من الله ورسوله، ولهما أن يخصا من شاءا بما شاءا،
وليس ذلك لأحد غيرهما. قال الحافظ: والحجة فيه أنه صار شعار للنبى مُّه ، فلا يشاركه غيره فيه فلا يقال قال
أبو بكر مَّ، وإن كان معناه صحيحاً. ويقال: صلى اللّه على النبي ◌َّه وعلى خليفته. ونحو ذلك وقريب من هذا
أنه لا يقال محمد عز وجل، وإن كان معناه صحيحا، لأن هذا الثناء صار شعارا لله سبحانه، فلا يشاركه غيره فيه.
ولا حجة لمن أجاز ذلك منفرداً محتجا بقوله تعالى: ﴿وصل عليهم - التوبة: ١٠٣) وبقوله: بَ ◌ّه ((اللهم صل على
آل أبي أوفى » وبقول امرأة جابر : « صل على وعلى زوجی، فقال صل عليهما، فان ذلك كله صدر من النبى
ژنّ ، ولصاحب الحق أن يتفضل من حقه بماشاء من شاء، وليس لغيره أن یتصرف إلا باذنه، ولم يثبت عنه اذن
فى ذلك. ويقوى المنع بأن الصلاة على غير النبى يَ ◌ّةٍ صار شعارا لأهل الاهواء، يصلون على من يعظمونه
من أهل البيت وغيرهم، وهل المنع فى ذلك حرام أومكروه أو خلاف الأولى؟ حكى الأوجه الثلاثة النووى فى
الأذكار، وصح الثانى. وقد روى اسماعيل بن اسحاق فى أحكام القرآن باسناد حسن عن عمر بن عبد العزيز أنه
كتب أما بعد وإن ناسا من القصاص أحدثوا فى الصلاة على خلفاءهم وأمراءهم عدل الصلاة على النبى. فاذا جاءك
٢٣

منعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
متفق عليه. وفى رواية إذا أتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته، قال: اللهم صلى عليه .
١٧٩٣ - (٧) وعن أبى هريرة، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة،
كتابى هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبين ودعاءهم للمسلمين ويدعوا ماسوى ذلك، ثم أخرج عن ابن عباس
باسناد صحيح، قال: لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المسلمين والمسلمات الاستغفار.
انتهى. وقال البيهقى: يحمل قول ابن عباس بالمنع إذا كان على وجه التعظيم لا ما إذا كان على وجه الدعاء
بالرحمة والبركة. وقال ابن القيم: المختار أن يصلى على الأنبياء والملائكة وأزاج النبى حولّ وآله وذريته وأهل
الطاعة على سبيل الاجمال ، وتكره فى غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث يصير شعارا ولا سيما إذا ترك فى حق مثله أو
أفضل منه كما يفعله الرافضة، فلو اتفق وقوع ذلك مفردا فى بعض الأحايين من غير أن يتخذ شعارا لم يكن
به بأس ـ انتهى. تنبيه: اختلف فى السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته فى تحية الحى، فقيل:
يشرع مطلقاً. وقيل: بل تبعا ولا يفرد لواحد لكونه صار شعارا الرافضة، ونقله النووى عن الشيخ أبى محمد
الجوينى، كذا فى الفتح (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الزكاة والمغازى والدعوات، ومسلم فى الزكاة ،
وأخرجه أيضاً أحمد ( ج ٤ ص ٣٥٣ - ٣٥٤ ٣٥٥) وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى (ج ٤ ص ١٥٧)
(وفى رواية) هذه الرواية من أفراد البخارى أوردها فى باب هل يصلى على غير النبى عَ لّم من كتاب الدعوات
(اللهم صل عليه) تمامه: وأتاه أبى بصدقته، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى.
١٧٩٣ - قوله (بعث رسول اللّه بَيتم عمر) أى أرسله ساعيا وعاملا (على الصدقة) أى الواجبة يعنى
الزكاة المفروضة، لأنها المعهودة بالصراف الألف واللام اليها، ولأن البعث إنما يكون على الصدقات المفروضة.
وقال ابن القصار المالكى: الآليق أنها صدقة التطوع، لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض، وعلى
هذا فعذر خالد واضح، لأنه أخرج ماله فى سبيل الله، فما بقى له مال يحتمل المواساة بصدقة التطوع، ويكون
ابن جميل شح بصدقة التطوع فعتب عليه. وقال فى العباس: هى على ومثلها معها أى أنه لا يمتنع إذا طلبت منه.
وتعقب بأنهم ما منعوه كلهم جحداً ولا عناداً، أما ابن جميل فقد قيل: إنه كان منافقاً ثم تاب بعد ذلك،
كما حكاه المهلب. قيل: وفيه نزلت: ﴿ وما نقموا - البروج: ٨) الآية إلى قوله: ﴿فإن يتوبوا يك خيرا لهم -
التوبة: ٧٤) فقال: استنا بنى الله فتاب وصلح حاله، والمشهور نزولها فى غيره. وأما خالد فكان متأولا
بأجزاء ماحبسه عن الزكاة، وكذلك العباس لاعتقاده ماسيأتى التصريح به، ولهذا عذر النبي ◌َ ◌ّ خالدا والعباس،
ولم يعذر ابن جميل. قال القسطلانى أخذا عن ابن دقيق العيد: فالظاهر أنها الصدقة الواجبة لتعريف الصدقة باللام
٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينقم
ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله،
العهدية. وقال النووى: إنه الصحيح المشهور. ويؤيده قوله: ((بعث عمر على الصدقة)» فهو مشعر بأنها صدقة.
الفرض ، لأن صدقة التطوع لا تبعث عليها السعاة - انتهى. (فقيل) القائل هو عمر رضى الله عنه، لأنه هو المرسل.
ويؤيده رواية الدار قطنى من حديث ابن عباس ، أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث عمر ساعيا، فأتى العباس فأغلط.
له، فأخبر النبيِ مََّ، فقال: إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله ـ الحديث. (منع أبن جميل) بفتح الجيم وكسر الميم.
قال ابن مندة: لم يعرف اسمه، ومنهم من سماء حميداً. وقيل: اسمه عبد الله، وذكره الذهبى فى تجريده ( ج ٢
ص ٢٢٥) فيمن عرف بأبيه ولم يسم. وقال الحافظ فى الفتح: لم أقف على اسمه فى كتب الحديث (وخالد بن
الوليد) بالرفع عطف على أبن جميل، وهو خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشى،
أبو سليمان سيف الله، وأمه لبابة الصغرى أخت ميمونة زوج النبي ◌ُّثة، كان أحد أشراف قريش فى الجاهلية،
وكان اليه أعنة الخيل فى الجاهلية، وشهد مع كفار قريش الحروب إلى عمرة الحديبية والفتح، وشهد موتة »
ويومئذ سماه رسول اللّه وَّ سيف الله، وشهد الفتح وحنينا. واختلف فى شهوده خيبر، روى عن النبى مَّ ،
وعنه ابن خالته ابن عباس وجابر بن عبد الله والمقدام بن معد يكرب وغيرهم. استعمله أبو بكر على قتال أهل الردة
ومسلمة، ثم وجهه إلى العراق ثم إلى الشام، وهو أحد أمراء الأجناد الذین ولوا فتح دمشق . قال الزبير بن بكار:
كان ميمون النقيبة، ولما هاجر لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوليه الخيل، ويكون فى مقدمته . وقال ابن
سعد: كان يشبه عمر فى خلقته وصفته. ولما نزل الحيرة قيل له: أحذر السم لا تسقيكه الأعاجم ، فقال :
اتونى به فأخذه بيده. وقال: بسم الله وشربه، فلم يضره شيئا. قال ابن سعد وابن نمير: مات بحمص سنة (٢١)
وقال دحيم. وغيره: مات بالمدينة. وقيل: مات سنة (٢٢) ويروى أنه لما حضرته الوفاة بكى. وقال: لقيت كذا.
وكذا زحفا. وما فى جسدى شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وها أنا أموت على فراشى، فلا نامت أعين
الجبناء (والعباس) بالرفع عطفا على وخالد. ووقع فى رواية أبى عبيد (ص٥٩٢) منع ابن جميل وخالد والعباس
أن يتصدقوا، وهو مقدر ههنا لأن منع يستدعى مفعولا أى منع هؤلاء التصدق يعنى إعطاء الزكاة (فقال رسول.
الله ◌َّ) بيان لوجه امتناع هؤلاء من الاعطاء، فلذلك ذكره بالفاء (ما ينتقم ابن جميل) بكسر القاف من باب
ضرب أى ما ينكر الزكاة (إلا أنه) أى لأجل أنه ( كان فقيرا فأغناء الله ورسوله) جعل نعمة الله، وهو كونه
أغناه الله بعد فتره سبباً لكفرما، مع أنه لا يصلح أن يكون علة لكفران النعمة، بل هو موجب الشكر، فمكس
٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
وأما خالد فانكم تظلون خالدا، قد احتبس أدراعه وأعتده
وجعلها موجبة للكفران، فاستحق كل الذم . وفى هذا قول الشاعر:
أنهم يحلون إذا غضبوا
ما نقموا من بنى أمية إلا
أو ما ينقم أى ما يكره شيئا إلا أغناء اللّه، وهذا ما لا يكره أو ما ينكر شيئاً إلا كون اللّه أغناه بعد فقره، وهذا ليس بمنكر،
فكأنه لم ينكر منكرا أصلا. يقال: تَقَمتُ منه كذا أنقم بالفتح فى الماضى والكسر فى المستقبل، إذا عبتّه وأنكرته
عليه وكرهته، وكذلك تقمت بالكسر فى الماضى والفتح فى المستقبل. وقيل: ينقم بكسر قاف أفصح من فتحها
.قال فى النهاية: ويقال: نقم من فلان الاحسان إذا جعل احسانه مما يؤيديه إلى كفر النعمة أى أواه غناء إلى أن
كفر نعمة الله، فما ينقم شيئا فى منع الزكاة إلا أن يكفر النعمة. قال التور بشتى: وهذا الذى قاله صحيح، لأن
قول القائل لمن أساء اليه بعد أن أحسن هواليه ما يعبت علىّ إلا الاحسان اليك، تعريض بكفران النعمة ، وتقريع
بسوء الصنيع فى مقابلة الاحسان، وإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه عند المنة عليه، لأنه كان سببا
لدخوله فى الاسلام، فاصبح غنيا بعد فقره بما أفاءه الله على رسوله، وبما أباح لأمته من الغنائم ببركته -
انتهى. وقال الكرمانى: الاستثناء مفرغ. ومحل أن وصلتها نصب على المفعول به أو على أنه مفعول لأجله،
والمفعول به حينئذ محذوف أى ليس تمه شىء ينقم له ابن جميل يوجب منع الزكاة إلا أغناه الله، وليس بموجب
المنع ، فلا موجب له أصلا، وهذا مما تقصد العرب فى مثله تأكيد التفى والمبالغة فيه باثبات شىء، وذلك الشىء
لا يقتضى اثباته، فهو منتف أبداً، ويسمى مثل ذلك عند البيانيين تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس، فمن
.الأول قول الشاعر:
بهن فلول من قراع الكتائب
ولأعيب فيهم غير أن سيوفهم
لأنه إذا لم يكن فيهم عيب إلا هذا. وهذا ليس بعيب فلا عيب فيهم. ومن الثانى هذا الحديث وشبهه أى ما ينقم
.ابن جميل شيئا إلا كون الله أغناه بعد فقره، وهذا ما لا ينقم فليس ثمه شىء ينقم أوفلم ينكر منكرا أصلا، فينبغى له
. أن يعطى مما أعطاه الله ولا يكفر بالنعمة (وأما خالد فانكم تظلمون خالدا) عبر بالظاهر دون أن يقول تظلمونه بالضمير
على الأصل تفخيما لشأنه وتعظيما لأمره، نحو (وما أدراك ما الحاقة - الحاقة: ٣) والمعنى تظلونه بطلبكم منه
. زكاة ما عنده، فانه (قد احتبس) أى وقف (أدراعه) بمهملات جمع درع بكسر الدال، وهى الزردية (وأعتده) بضم
المثناة جمع عند بفتحتين. وفى مسلم: أعتاده بزيادة الألف بعد التاء، وهو أيضاً جمعه. وقال النووى: واحده عناد
جفتح العين. وقال الجزرى: الأعتُدُ والأعتاد جمع عماد وهو ما أعده الرجل من السلاح والدواب وآلات
الحرب. ويجمع على أعتدة (بكسر التاء) أيضاً. وقيل: هو الخيل خاصة، يقال: فرس عتيد أى صلب أو معد
٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فى سبيل الله فهى على ومثلها معها،
للركوب أو سريع الوثوب (فى سبيل الله) قصة خالد أُؤْوّل على وجوه: أحدها أنهم طالبوا خالدا بالزكاة
عن أثمان الأعتاد والأدراع بظن أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة. فقال لهم: لا زكاة فيها على، فقالوا للنبى
صلى الله عليه وسلم: إن خالدا منع الزكاة، فقال: إنكم تظلمونه، لأنه حبسها ووقفها فى سبيل الله قبل الحول،
فلا زكاة فيها فيكون فيه حجة لمن أسقط الزكاة عن الأموال المحبسة ولمن أوجبها فى عروض التجارة ، ولمن جوز
احتباس آلات الحروب من الدروع والسيوف والجحف، وقد يدخل فيها الخيل والابل، لأنها كلها عناد للجهاد،
وعلى قياس ذلك الثياب والبسط والفرش ونحوها من الأشياء التى ينتفع بها مع بقاء أعيانها، ولمن جوز صحة
الوقف والحبس من غير اخراج من يد الواقف ، وذلك أن الشىء لولم يكن فى يده لم يكن لمطالبته بالزكاة عنه معنى،
وثانيها أنه قد اعتذر لخالد ودافع عنه. وأراد أنه لا يمنع الزكاة إن وجبت عليه، لأنه قد جعل أدراعه وأعتاده
فى سبيل الله تبرراً وتبرغا وتقرباً اليه تعالى، وذلك غير واجب عليه، فكيف يجوز عليه منع الصدقة الواجبة ، فاذا
أخبر بعدم الوجوب أو منع فيصدق فى قوله ويعتمد على فعله. وقيل: المعنى أنه مرَّه لم يقبل قول من أخبره بمنع
خالد حملا على أنه لم يصرح بالمنع، وإنما نقلوه بناء على ما فهموه، ويكون قوله: ((تظلونه)) أى بنسبتكم إياه إلى
المنع، وهو لم يمنع، وكيف يمنع الفرض، وقد قطوع بتحبيس سلاحه وخيله، وثالثها أنه أجاز لخالد أن يحتسب
ما حبسه فى سبيل الله فيما يجب عليه من الزكاة التى أمر بقبضها منه، وذلك لأن أحد الأصناف الثانية سبيل الله،
وهم المجاهدون، فصرفها فى الحال كصرفها فى المآل فيكون فيه حجة لمن جوز صرف الزكاة إلى صنف واحد من
الثمانية، وهو قول كافة العلماء، خلافا للشافعى، ولمن قال بجواز اخراج القيم فى الزكاة كالحنفية، وقد أدخل
البخارى هذا الحديث فى باب أخذ العروض فى الزكاة ، فيدل على أنه ذهب إلى هذا التأويل. وتعقب ابن دقيق
العيد جميع ما يتفرع على التأويل الأول والثالث بأن القصة واقعة عين محتملة لما ذكر ولغيره، فلا ينهض الاستدلال
بها على شىء ما ذكر، قال: ويحتمل أن يكون تحبيس خالد لأدراعه وأعتاده فى سبيل الله إرصاده إياها لذلك
وعدم تصرفه بها فى : ذلك، وهذا النوع حبس وإن لم يكن تحبيسا أى وقفاً. ولا يبعد أن يراد مثل ذلك بهذا
اللفظ ، فلا يتعين الاستدلال بذلك لما ذكر، فإنه استدلال بأمر محتمل غير متعين لمبا ادعى (فهى) أى صدقة
العباس (على) أى أنا ضامن متكفل عنه، وإلا فالصدقة عليه حرام (ومثلها معها) أى مثل تلك الصدقة فى كونها
فريضة عام آخر لا فى الأسان والمقادير ، فان ذلك يتغير بزيادة المال ونقصانه، ولا يعرف ذلك إلا بعد دخول
عام آخر. قيل: معناه أنه أخرعنه زكاة عامين لحاجة بالعباس وتكفل بها عنه. قال الجزرى: فى جامع الأصول
(ج ٥ ص ٤٧٠): معناه أنه أوجبها عليه وضمنه إياها ولم يقبضها، وكانت دينا على العباس، لأنه رأى بة حاجة
٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
إلى ذلك. وقال أبو عبيد: أرى - والله أعلم - أنه كان أخر عنه الصدقة عامين من أجل حاجة العباس، فإنه يجوز
للإمام أن يؤخرها إذا كان ذلك على وجه النظر ثم يأخذها بعد كالذى فعله عمر فى عام الرمادة ، فذا أحيى الناس
فى العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين. قال التوربشتى: ويخرج معنى قوله: ((فهى على ومثلها معها، على هذا التأويل
أن النبى ◌َّمُه قال: هذا القول على صيغة التكفل بما يتوجه عليه من صدقة عامين، وهو تأويل حسن - انتهى. وقال فى
اللغات: استمهل العباس رسول اللّه يَّه بذلك عامين لحاجة كانت له فأمهله، ويجوز للامام أن يؤخرما إذا كان
أوجه النظر ثم يأخذها وقيل: معناه أنه مَّ التزم باخراج ذلك عنه، ويرجحه قوله إن عم الرجل صنو أبيه
أى مثله، ففى هذا اللفظة إشعار بذلك ، فان كونه صنوا لاب يناسب أن يحمل عنه أى هى علىَّ احساناً اليه وبراً به
وتفضيلا له وتشريفاً. قال الخطابي: وقد يحتمل معنى الحديث أن يكون قد تحمل بالصدقة وضمن أداءها عنه لسنتين،
ولذلك قال: إن عم الرجل صنوابيه يريد أنه حقه فى الوجوب كتق أبيه عليه، إذهما شقيقان خرجا من أصل واحد،
فأنا انزهه عن منع الصدقة والمطل بها وأوديها عنه. وقيل: معنى علىّ عندى أى هى عندى قرض، لأنه مزّ
استقرض منه زكاة عامين لاحتياجه لصرفها فى مصارفها أو فى المصارف الأخرى التى على بيت مال المسلمين ، وقد
ورد ذلك صريحا فيما أخرجه الترمذى وغيره من حديث عل. وفى اسناده مقال، وفى الدار قطنى من طريق موسى
ابن طلحة. أن النبي ◌َّه قال: إنا كنا احتجنا فتعجلنا من العباس صدقة ماله سنتين، وهذا مرسل وروى الدار قطنى
أيضاً موصولا بذكر طلحة، واسناد المرسل أصح. وقيل: إن العباس مجل اليه مَّم صدقة عامين هذا العام الذى
طلب العامل منه، والعام الذى بعده، وهو المراد بقوله: ((ومثلها معها)، ومعنى على عندى أى قد وصل إلىّ زكاة
العباس لعامين ، فهى عندى. قال أبو عبيدة بعد ذكر ما يدل على أنه أخر زكاته عنه وما يدل على أنه تعجلها منه:
ولعل الأمرين جميعا قدكانا أى فى وقتين . قال ركلا الوجهيِّن: جائز إذا كان على وجه الاجتهاد ، وحسن النظر
من الامام وقيل: يحتمل أن النبي ◌َّفتم استسلف منه ما لا ينفقه فى سبيل الله، ثم يحتسب له من الصدقة عند
حلولها . قال الحافظ ، وقيل المعنى استسلف منه قدر صدقة عامين، فأمر أن يقاص به من ذلك، واستبعد ذلك
بأنه لوكان وقع لكان ريثّم أعلم عمر بأنه لا يطالب العباس، وليس ببعيد - انتهى. وأعلم أنه وقع اختلاف فى
هذا اللفظ، ففى رواية وقع كما فى الكتاب، وهو لفظ مسلم، وفى رواية فهى عليه صدقة ومثلها معها ، وهو لفظ
البخارى. وفى رواية هى ((عليه ومثلها معها)) أى من غير ذكر الصدقة ، ذكر هذا اللفظ البخارى، ووصله الدار قطنى
من طريق محمد بن اسحاق . وفى رواية «فهى له ومثلها معها)) وهو لفظ ابن خزيمة، أخرجه من طريق موسى بن.
عقبة. أما معنى اللفظ الذى فى المشكاة فقد تقدم الكلام عليه آنفا. وأما معنى فهى عليه صدقة ومثلها معها
٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
ثم قال: يا عمر! أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه. متفق عليه .
فقيل: إنه ◌َلّم ألزم العباس بتضعيف صدقته ليكون أرفع لقدره وأنبه لذكره وأنفى للذم عنه، فضمير ((علي))
العباس. والمعنى هى ، أى الصدقة المطلوبه من العباس، عليه صدقة أى واجبة ثابتة عليه لازمة له ، سيتصدق بها
ومثلها معها أى ويضيف اليها مثلها كرما منه، وليس معناه أنه يقبضها لأن الصدقة عليه حرام لكونه من بنى هاشم
أى وظاهر هذا الحديث أنها صدقة عليه ومثلها معها. فكأنه أخذها منه وأعطاها له. وقيل: هو محمول على
ظاهره ، وكان ذلك قبل تحريم الصدقة على بنى هاشم. وقيل: المعنى أن أمواله كالصدقة عليه، لأنه استدان فى
مفاداة نفسه وعقيل ، فصار من جملة الغارمين الذين لا تلزمهم الزكاة ، فساغ له أخذ الزكاة بهذا الاعتبار.
وقيل: يحتمل أن ضمير («عليه)) لرسول الله، وهو الموافق لما قيل: إنه صلى الله عليه وسلم استسلف منه صدقة
عامين أى فصدقة العباس على الرسول بَّه، فيكون موافقاً لقوله فى رواية مسلم: فهى علىّ. وأما معنى فهى عليه
ومثلها معها فهو أنه أخرها عنه ذلك العام إلى عام قابل، فيكون عليه صدقة عامين ، وقد تقدم هذا فى كلام
أبى عبيدة واضحا. وقيل: المراد بقوله فهى عليه أى على النبى صلى الله عليه وسلم، ليكون موافقاً لرواية مسلم
بلفظ: فهى على قال البيهقى ورواية الحديث بلفظ: فهى علىّ أولى بالصحة، لموافقتها للروايات الصريحة بالاستسلاف
والتعجيل - انتهى. وقال الحافظ بعد ذكر حديث ابن مسعود: إن النبي ◌َّ تعجل من العباس صدقة سنتين: فى
اسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف، ولو ثبت لكان رافعا للاشكال، ولرجمح به سياق رواية مسلم على بقية
الروايات. وأما معنى فهى له ومثلها معها أى فهى عليه. قال البيهقى: له بمعنى عليه، وهذه الرواية محمولة على سائر
الروايات أى اللام هنا بمعنى على لتفق الروايات. قال الحافظ: وهذ أولى، لأن المخرج واحد ، واليه مآل
ابن حبان (أما شعرت) بفتح العين، و((الهمزة)، استفهامية، و ((ما)) نافية أى ما علمت (أن عم الرجل صنوأبيه)
يكسر الصاد وسكون النون أى مثله ونظيره، إذ يقال لنخلتين نبتا من أصل واحد: صنوان، ولأحدهما صنو
والمعنى أما تنبهت أنه عمى وأبى ، فكيف تتهمه بما ينافى حاله، لعل له عذر أو أنت تلومه، قاله القارى. وقال
المظهر: يعنى عم الرجل وأبوه كلاهما من أصل واحد، يعنى إذا علمت أنه وإنى من أصل واحد فلا تقل له ما يتأذى
منه محافظة لجانبى . وقال النور بشتى: أراد أن أباه والعباس من أرومة واحدة وأنه منه بمثابة الأب ، ويقال المثل:
الصنو أى مثل أبيه، فمن الأدب بل من الواجب أن لا يسمعه فيه ما يعود منه نقيصه عليه. وقال الجزرى:
المراد بهذا القول، إن حق العباس فى الوجوب كحق أبيه صلى الله عليه وسلم، فأنا أنزهه عن منع الصدقة
والمطل بها (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه وأبو عبيد وابن
خزيمة والبيهقى .
٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١٧٩٤ - (٨) وعن أبي حميد الساعدى، قال: استعمل النبى صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد،
يقال له إن التبية، على الصدقة، فلما قدم، قال: هذا لكم، وهذا أهدى لى، خطب النبى صلى الله
عليه وسلم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فانى استعمل رجالا منكم على أمور مما ولانى
اللّه، فيأتى أحد م
١٧٩٤ - قوله (استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا) أى جعله عاملا وساعياً (من الأزد) بفتح
الهمزة وسكون الزاى، آخره دال مهملة ، ابوحى باليمن. وفى رواية: من الأسد بالسين المهمله بدل الزاى. وفى
رواية: من بنى الأسد. قال النووى: الاسد باسكان السين ، ويقال له (أى الرجل المذكور) الأزدى من
أزدشنوة، ويقال لهم الأزد والأسد. وقال التيمى: الأسد والأزديتعاقبان. وقال الرشاطى: هو الازد بن الغوث
ابن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان، ثم قال : يقال له: الأزد بالزاى والأسد بالسين (يقال له ابن الليبية) بضم
اللام وسكون المثناة الفوقية وكسر الموحدة ثم ياء النسب. وفى بعض الأصول بفتح المثناة. وقيل بفتح اللام
والمثناة، والمشهور الأول. قيل: وهو الصواب، نسبة إلى بنى لنب حى من الأزد، واسم ابن التبية عبد الله فيما
ذكر ابن سعد وغيره. قال فى الاصابة: عبد الله ابن التبية بن ثعلبة الازدى مذكور فى حديث أبي حميد الساعدى
فى الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على الصدقات يدعى ابن اللتبية - الحديث. وإنما يأتى فى أكثر
الروایات غير مسمى، وسماه ابن سعد والبغوی وابن أبى حاتم والطبرانى وابن حبان والباوردى وغير واحد
عبد الله - انتهى. قيل: واللتبية كانت أمه فعرف بها. قال الحافظ: ولم أقف على اسمها، ووقع فى رواية ابن الاتبية
بضم الهمزة بعدها مثناة فوقية ساكنة وتفتح فموحدة مكسورة فتحتية مشددة (على الصدقة) وفى رواية : على
صدقات بنى سليم بضم السين وفتح اللام. قال الحافظ: أفاد العسكرى بأنه بعث على صدقات بنى ذييان، فلعله كان
على القبيلتين. وفى رواية: بعث مصدقاً إلى اليمن (فلما قدم) أى المدينة بعد رجوعه من عمله وأمر عليه السلام من
يحاسبه ويقبض منه (قال هذا لكم وهذا أهدى لى) بصيغة الماضى المجهول من الاهداء، أى قال لبعض ما معه من
المال : هذا مال الزكاة، وقال : لبعضه الآخر هذا أعطانيه القوم هدية . وفى رواية أبي نعيم: فجعل يقول هذا لكم
وهذا لى حتى ميزه قال: يقولون من أين هذا لك؟ قال أهدى لى، بجاؤا إلى النبي ◌َّاللّه بما أعطاهم (خطب النبي ◌َّم)
أى الناس ليعلمهم وليحذرهم من فعله، زاد فى رواية قبل ذلك فقال ألا جلست فى بيت أبيك وبيت أمك حتى
تأتيك هديتك ان كنت صادقا، ثم قام خطب. وفى رواية: فصعد المنبر وهو مغضب (استعمل رجالا) أى
إِجعلهم عمالا (ما ولا نی الله) أی جعلنی حا کا فیه (فیأتی أحدهم) أى من العمال وروعی فیه الاجمال ولم یبین
٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فيقول: هذا لكم، وهذه مدية أحديت لى، فهلا جلس فى بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر أ يهدى له أم
لا؟ والذى نفسى بيده لا يأخذ أحد منه شيئا الا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بغيرا
له رغام أو بقرا له خوار،
عينه ستراً وتكرماً عليه (وهذه) أنث لتأنيث الخبر، وهى (هدية أهديت لى) أعطيت لى أو أرسلت إلى هدية
(فهلا) وفى رواية ((ألا)) بفتح الهمزة وتشديد اللام وهما بمعنى (جلس) أى لم لم يجلس (فى بيت أبيه أو بيت أمه)
قال القارى: أو للتنويع أو الشك، وهذا تحقير لشبأنه فى حد ذاته ، يعنى إنما عرض له التعظيم من حيث عمله -
انتهى. وفى رواية للشيخين : فى بيت أبيه وأمه. وفى رواية للبخارى: فى بيت أبيه وبيت أمه أى بالواو بدل أو
(فينظر) بالنصب جواب قوله ((فهلا جلس)) أى فيرى أو فينتظر، قاله القارى. وقال القسطلانى الظاهر أن النظر
ههنا من طريق العلم، وتوقف فيه ابن هشام فى مغنيه، وقال به أخرى، حكاه فى المصابيح (أ يهدى له ) أى شىء
فى بيته الأصلى ( أم لا) وفى رواية للبخارى: حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً. والمعنى لولا الامارة والحكومة
لم يهد له شىء، فهذا الذى أهدى له أنما هو لامارته وعمله، وهو الرشوة، فلا يحل له. قال النووى: فى الحديث
بيان أن هدايا العمال حرام وغلول ، لأنه خان فى ولايته وأمانته، ولهذا ذكر فى الحديث فى عقوبته وحمله ما أهدى
اليه يوم القيمة ، كما ذكر مثله فى الغال، وقد بين صلى الله عليه وسلم فى نفس الحديث السبب فى تحريم الهدية عليه
وأنها بسبب الولاية بخلاف الهدية لغير العامل، فإنها مستحبة، وحكم ما يقبضه العامل ونحوه باسم البهدية أنه
يرده إلى مهديه، فإن تعذر فالى بيت المال. وقال الخطابي: فى الحديث بيان أن هدايا العمال سحت ، وأنه ليس
سبيلها سبيل سائراً الهدايا المباحة، وإنما يهدى اليه للحاياة وليخفف عن المهدى ويسوغ له بعض الواجب عليه،
وهو خيانة منه وبخس للحق الواجب عليه استيفاءه لأهله (لا يأخذ أحد منه) أى مال الصدقة (شيئاً) وفى رواية:
لا ينال أحد منكم منهما (أى من الصدقة التى يقبضها) شيئاً. وفى أخرى: لا يأخذ أحد منكم منها شيئاً بغير حقه.
وعند أبي عوانة: لايغل منه شيئا (يحمله) حال أو استئناف بيان (على رقبته) أى تشهيراً وافتضاحا. وفى رواية:
على عنقه (إن كان) أى الماخوذ (بعيراً) أى يحمله على رقبته بحذف جواب الشرط لدلالة المذكور عليه (له رضاء)
بضم الراء وبالغين المعجمة ممدوداً، يقال: رغا البعير إذا صوت أى إن كان المأخوذ بقرا يحمله على رقبته حال
كونه له رغاء . وقال الطبى: أى فله رضاء حذف الفاء من الجملة الاسمية. وهو سائغ، لكنه غير شائع ـ انتهى.
وعند أبي داود: إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيراً فله رغاء، أو بقرة فلها خوار ( أو ) كان المأخوذ (بقراً)
يحله على رقبته حال كونه (له خوار) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة بعدها ألف فراء، وهو صوت
٣١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦٠ - كتاب الزكاة
أوشاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه ، ثم قال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟
البقر ( أو ) كان المأخوذ (شاة) يحملها على رقبته حال كونها (تيعر) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين
الممهملة بعدها راء، ويجوز كسر العين أى تصيح وقصوت، واليعار صوت الشاة الشديد. قال فى المفاتيح: يعنى
من سرق شيئاً فى الدنيا من مال الزكاة أو غيرها يجىء يوم القيامة، وهو حامل لما مزق إن كان حيواناً له صوت
رفيع ليعلم أهل العرصات حاله، فيكون فضيحته أشهر، كما قال تعالى: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة - آل عمران:
١٦١) وقال التوربشتى: لما كمان الرغاء والخوار من الأصوات التى يسمعها البعيد كما يسمعها القريب قال له رغاء
وله خوار، فلما انتهى إلى الشاة جعل الصياح صفة لازمة لها ليدل على أنها لاتزال تيعر بين أهل الموقف أيكون
ذلك أنكل فى العقوبة وأبلغ فى الفضيحة ـ انتهى. ( ثم رفع يديه) أى وبالغ فى رفعهما (حتى رأينا عفرة ابطيه).
بضم العين المهملة وسكون الفاء وفتح الراء آخره هاء تأنيث أى بياضهما المشرب بالسمرة والعفرة بياض ليس بخالص
(اللهم هل بلغت) بالتشديد أى قد بلغت أو استفهام تقريرى، والمراد بلغت حكم الله اليكم امتثالا لقوله تعالى:
له ﴿ بلغ - المائدة: ٦٧ ﴾ وإشارة إلى ما يقع فى القيامة من سؤال الأمم هل بلغهم أنبياء هم ما أرسلوا به اليهم
(اللهم هل بلغت) وفى رواية لمسلم: قال اللهم هل بلغت مرتين ومثله لأبي داود ولم يقل مرتين. وفى رواية للبخارى؛
اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت ثلاثاً. وفى أخرى له: ألاهل بلغت ثلاثاً أى أعادها ثلاث مرات وكرر هذا لتقرير
. وعظه على الناس ليكون أكثروقعاً وتعظيما وحفظاً فى خواطر هم يعنى الله تعالى شاهدى على تبليغ حال السرقة حتى
لا ينكروا تبليغى يوم القيامة. وفى الحديث من الفوائد محاسبة العامل والمؤتمن، وأن المحاسبة تصحح أمانته،
وهو أصل فعل عمر فى محاسبة العمال. وفيه أن هدايا العمال تجعل فى بيت المال، وأن العامل لا يملكها الا أن
يطيبها له الامام كما فى قصة معاذ، أنه عليه السلام طيب له الهداية، فأنفذها له أبو بكر بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم. قال الحافظ فى الفتح: فى الحديث منع العمال من قبول الهدية من له عليه حكم ، ومحل ذلك إذا لم يأذن
له الامام فى ذلك، لما أخرجه الترمذى من رواية قيس بن أبى حازم عن معاذ بن جبل قال: بعثى رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال: لا تصيين شيئاً بغير إذنى، فانه غلول. وقال المهلب: فيه أنها إذا أخذت تجعل فى
بيت المال ، ولا يختص العامل منها إلا بما أذن له فيه الامام، وهو مبنى على أن ابن اللتبية أخذ منه ما ذكر أنه
أهدى له وهو ظاهر السياق، ولكن لم أر صريحاً . ونحوه قول ابن قدامة فى المغنى ( ج.٩ ص ٧٨) لما ذكر
الرشوة والهدية التى ليس للحاكم قبولها فعليه ردها إلى أربابها، لأنه أخذها بغير حق ، فاشبه المأخوذ بعقد فاسد.
ويحتمل أن يجعلها فى بيت المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن اللتبية برد الهدية التى أهديت له على من
أهداها . وقال ابن بطال: يلحق بهدية العامل الهدية لمن له دين من عليه الدين، ولكن له أن يحاسب بذلك من دينه
٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
متفق عليه. قال الخطابي: وفى قوله: هلا جاس فى بيت أمه أو أبيه، فيظر أيهدى اليه أم لا ؟
دليل على أمر يتذرع به إلى محظور ، فهو محظور وكل دخل فى العقود ينظر هل يكون حكمه عند
الانفراد كمكمه عند الاقتران أم لا؟
وفيه إبطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ. وقال ابن المنير: يؤخذ
من قوله هلاجلس فى بيت أبيه وأمه جواز قبول الهدية من كان هاديه قبل ذلك كذا قال: ولا يخفى أن محل ذلك
إذا لم يزد على العادة . وفيه أن من رأى متأولا أخطأ فى تأويل يضرمن أخذ به أن يشهر القول للناس ، ويبين خطأه
ليحذر من الاغترار به. وفيه جواز توبيخ المخطىء واستعمال المفضول فى الامارة والامامة والأمانة مع وجود
من هو أفضل منه - انتهى كلام الحافظ (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الزكاة والهبة والايمان والنذور والحيل
والأحكام، ومسلم فى المغازى وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٥ ص ٥٢٣) وأبودواد فى الخراج، وأبو عوانة والبيهقى
وغيرهم . وفى الباب عن عائشة عند البزار، وعن ابن عباس عند الطبرانى فى الكبير ذكرهما الهيثمى فى مجمع الزوائد
(ج٣ ص ٨٥ - ٨٦) مع الكلام فيهما (قال الخطابي) صاحب معالم السنن (وفى قوله هلاجلس فى بيت أمه أو أبيه)
كذا فى رواية أبى داود بتقديم الأم. قيل: هى رواية بالمعنى، والأصل ما وقع عند الآخرين بتقديم الأب وهو
أيضاً مقتضى المقام، فانه مشعر بزيادة الاكرام، فقوله فى الحديث ((أوبيت أمه)) محمول على التنزل (فينظر أيهدى
اليه أم لا) كذا فى بعض نسخ أبى داود بلفظ: اليه مكان له، وهكذا وقع فى بعض روايات البخارى (دليل على أن
كل أمر يتذرع) بالذال المعجمة على بناء المفعول من التذرع أى يتوسل (به إلى محظور فهو محظور) أى منوع ومحرم.
ويدخل فى ذلك القرض يجر المنفعة، والدار المرهونة يسكنها المرتهن بلا أجرة، وكراء والدابة المرهونة يركبها
أويرتفق بها من غير عوض ، قاله، القارى. وقال الشاه عبد العزيز الدهلوى فى فتاواه: معنى قول الخطابى: أن
المباح إذا جعله وسيلة إلى أمر محرم صار حراما كتقبول الهدية فى قصة ابن اللتبية ، فانه فى الأصل مباح، لكن
لما جعل وسيلة إلى أخذ الزكاة بالمحاباة والمسامحة، وهو حرام صارحراما، لأن للوسائل حكم المقاصد فى الحرمة -
انتهى . (وكل دخل) بفتحتين . هكذا وقع فى بعض النسخ. وفى أكثرها دخيل على وزن كريم ، وهكذا فى
معالم السنن ((وكل)، بالرفع. وقيل بالنصب أى كل عقد يدخل (فى العقود) ويضم إلى بعضها كعقد البيع والهبة
والاجارة والقرض والنكاح والرهن (ينظر) أى فيه (هل يكون حكمه عند الانفراد) أى قبل دخوله فى ذلك العقد
وانضمامه الیه ( کمکمه عند الاقتران) والاجتماع والدخول (أم لا) فعلی الأول یصح وعلى الثانی لا یصح ، كما
إذا باع من أحد متاعا يساوى عشرة بمائة ليقرضه ألفا مثلا يدفع ربحه إلى ذلك الثمن ، و من رهن داراً بمبلغ کثب
٣٣
-٠٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
هكذا فى شرح السنة .
وآجره بشىء قليل، فقد ارتكب محظوراً. قال الطيبي: ولما علم رسول اللّه ◌َوَّةٍ أن بعض أمته يرتكبون هذا المحظور
بالغ حيث قال: اللهم هل بلغت مرتين ، كذا فى المرقاة . وقال الشاه عبد العزيز الدهلوى: معنى قول الخطابي:
أن من أدخل عقد فى عقد آخر، كمن أدخل إعارة فى رهن أو إجارة فى رهن أوقرضاً فى بيع ينظر هل يكون حكم
ذلك العقد الداخل عند الانفراد عن العقد الذى أدخل فيه كمكمه فى تعلق رضاء المتعاقدين به عند اقترانه به أم لا،
فعلى الأول يصح، وعلى الثانى لا يصح، كما إذا باع متاعا بثمن يسير ليقرضه ألفاً، فلو لم يتوقع البائع منفعة القرض
لما باع بهذا القدر ولم يرض به، وكذا لو لم يكن رهن الدار بمبلغ كثير لم يرض الراهن باجارتها بشىء يسير،
ولم يرض باعارتها فلا تصح هذه العقود ، لأنها لم يتعلق بها الرضاء عند الانفراد بل عند الاقتران فقط، ولوكان
بين الراهن والمرتهن صداقة قصح الاعارة أو الاجارة بشىء يسير ، ولولم ينعقد بينهما عقد الرهن صح الإعارة
أو الإجارة، لأنهما مما يتعلق به الرضاء عند الانفراد لأجل الصدقة مثلا فقط - انتهى. (هكذا) أى نقله البغوى
عنه (فى شرح السنة) وكلام الخطابى هذا معالم السنن (ج٣ ص٨) هكذا وفى قوله ((ألاجلس فى بيت أمه أو أبيه
فينظر أيهدى إليه أم لا، دليل على أن كل أمر يتذرع به إلى محظور فهو محظور، ويدخل فى ذلك القرض يجر المنفعة
والدار المرهونة يسكنها المرتهن بلاكراء، والدابة المرهونة يركبها ويرتفق بها من غير عوض. وفى معناه باع درهما
ورغيفاً بدرهمين، لان معلوماً أنه إنما جعل الرغيف ذريمه إلى أن يربح فضل الدرهم الزائد، وكذلك كل تلجئة وكل
دخيل فى العقود يجرى مجرى ما ذكرناه على معنى قوله هلا قعد فى بيت أمه حتى ينظر أيهدى اليه أم لا ، فينظر فى
الشىء وقرينه إذا أفرد أحدهما عن الآخر، وفرق بين قرانهما، هل يكون حكمه عند الانفراد تحكمه عند الاقتران
والله أعلم، قلت: واليه ذهب الامام مالك ، وقد بسط ذلك فى المؤطا وذكر لذلك نظائر وأمثلة فى باب المراطلة
من كتاب البيوع: منها أن الرجل يعطى صاحبه الذهب الجيد ويجعل معه رديئا، ويأخذ منه ذهبا متوسطا مثلا
بمثل. فقال: هذا لا يصلح، لأنه أخذ فضل جيده من الردى، ولولاه لم يبايعه - انتهى. ملخصاً. وقد ذكره ابن
رشد فى البداية ( ج ٢ ص ١٦٤ - ١٦٥) مع بيان اختلاف العلماء فى ذلك فارجع اليه. ومنها أن رجلا أراد
أن يبتاع ثلاثة آصع من تمر عجوة بصاعين ومدين من تمر كبيس. فقيل له: هذا لا يصلح، جعل صاعين من
كبيس، وصاعا من حشف ، يريد أن يجيز بذلك بيعه، فذلك لا يصلح ، لأنه لم يكن صاحب العجوة ليعطيه صاعا
من العجوة بصاع من حشف، ولكنه إنما أعطاه ذلك لفضل الكيس. ومنها أن يقول الرجل للرجل: يعنى ثلاثة
آصع من البيضاء بصاعين ونصف من حنطة شامية، فيقول: هذا لا يصلح إلا مثلا بمثل، فيجعل صاعين من
٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
حنطة شامية وصاعا من شعير (الشعير والحنطة عند مالك صنف واحد) يريد أن يجيز بذلك البيع ، فهذا لا يصلح
لأنه لم يكن ليعطيه بصاع من شعير صاعا من حنطة بيضاء لوكان ذلك الصاع مفرداً، وإنما أعطاه إياه لفضل الشامية
فهذا لا يصلح إلى آخر ما قال، وعليك أن ترجع لشرح هذه الأمثلة إلى شروح المؤطا الزرقانى والباجى وغيرهما
وما قاله الخطابى فى الكلية الأولى، فهو موافق لمذهب الحنفية ومذهب الشافعى وغيره، لأن من القواعد المقررة أن
للوسائل حكم المقاصد، فوسيله الطاعة طاعة ووسيلة المعصية معصية. وأما ما قاله من الكلية الثانية ، فانما يليق
بمذهب من منع الحيل للتوسل بها إلى الخروج من الربا أو غيره ، كمالك وأحمد. وأما أبو حنيفة والشافعى فهما يريان
إباحة الحيل فلا ينظران إلى هذا الدخيل . واستدل لهما بما سيأتى فى باب الربوا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أكل تمر خيير هكذا؟ قال لا والله يا رسول الله! إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال:
لا تفعل ، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً - انتهى. ونحوه حديث أبى سعيد فى قصة بلال، وسيأتى أيضاً
فى ذلك الباب . قال القارى : أفهم النبي صلى الله عليه وسلم أن كل عقد توسط فى معاملة أخرجها عن المعاملة
المؤدية إلى الربو اجائز؟ وقال أيضاً هذا الحديث (یعنی حديث أبى سعيد فى قصة بلال) کالذى قبله صريح. فى جواز
الحيلة فى الربوا الذى قال به أبو حنيفة والشافعى. وبيانه أنه صلى الله عليه وسلم أمره أن يبيع الردى بالدرام ثم
يشترى بها الجيد من غير أن يفصل فى أمره بين كون الاشتراء من ذلك المشترى أو من غيره ، بل ظاهر السياق
أنه بما فى ذمته، والا لبينه له ـ انتهى. وأجيب عن هذا الاستدلال بأن قوله صلى الله عليه وسلم بع الجمع مطلق
لا عام، والمطلق لا يشمل، ولكن يشيع ، فاذا عمل به فى صورة سقط الاحتجاج به فيما عداها ، ولا يصح الاستدلال
به على جواز الشراء من باعه تلك السلعة بعينها، هذا ملخص ما ذكره الإمام ابن القيم فى اعلام الموقعين فى الجواب
عن هذا الاستدلال، وقد أطال فيه جداً وبسط الكلام أيضاً على سد الذرائع وإبطال الحيل ، فعليك أن ترجع
اليه وإلى ارشاد الفحول (ص ١٧ -١٨) للشوكانى. والفروق للقرافي (ج ٢ ص ٣٩، ٤١) وقال القرطبى:
استدل بهذا الحديث من لم يقل بسد الذرائع، لأن بعض صور هذا البيع يؤدى إلى بيع التمر بالتمر متفاضلا، ويكون
الثمن لغوا، قال : ولا حجة فى هذا الحديث، لأنه لم ينص على جواز شراء التمر الثانى ممن باعه التمر الأول
ولا يتناوله ظاهر السياق بعمومه ، بل باطلاقه، والمطلق يحتمل التقييد إجمالا، فوجب الاستفسار، وإذا كان
كذلك فتقييده بأن دليل كاف، وقد دل الدليل على سدالذرائع، فلتكن هذه الصورة ممنوعة ـ انتهى. وسيأتى
مزيد الكلام فى هذا فى باب الربوا إنشاء الله تعالى.
٣٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١٧٩٥ - (٩) وعن عدى بن عميرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استعملناه منكم
على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتى به يوم القيامة. رواه مسلم.
الفصل الثانى )
١٧٩٦ - (١٠) عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة).
١٧٩٥ - قوله (وعن عدى بن عميرة) بفتح المهملة وكسر الميم بعدها تحتية ثم راء هو عدى بن عميرة
فروة بن زرارة بن الأرقم الكندى صحابى معروف، يكنى أبا زرارة وفد على النبى صلى الله عليه وسلم وروى
عنه شيئاً يسيراً، وروى عنه أخوه العرس وله صحبة وغير واحد. قال أبو عروبة الحرانى: كان عدى بن عميرة
قد نزل الكوفة ثم خرج عنها بعد قتل عثمان ، فصار إلى الجزيرة فمات بها ، وله عقب بحران ، وقال ابن سعد:
لما قدم علىّ الكوفة جعل بعض أصحابه يتناول عثمان، فقال بنو الأرقم لا نقيم بيلد يشتم فيها عثمان. فتحولوا
إلى الشام، فأنزلهم معاوية الجزيرة ، وقيل: أسكنهم الرما وأقطعهم بها ومات بها عدى بن عميرة فى خلافة معاوية
(من استعملناه) أى جعلناه عاملا ( منكم) أيها المؤمنون، إذا الكافر لا يصح توليته. قال المناوي: نخرج الكافر ،
فلا يجوز استعماله على شىء من أموال بيت المال ( فكتمنا) بفتح الميم أى أخفى عنا ( مخيطا ) بكسر الميم وسكون
المعجمة، وفتح أى ابرة (فمافوقه) أى فشيئا يكون فوق الخيط فى الصغر أو الكبر. قال الطيبي: ألفاء فى قوله:
فمافوقه، التعقيب على التوالى وما فوقه يحتمل أن يكون المراد به الأعلى أو الأدنى، كما فى قوله تعالى: (بعوضة
فمافوقها - البقرة: ٢٦) (كان) أى ذلك التبان (غلولا) بضم المعجمة أى خيانة فى الغنيمة. قال النووى:
أصل الغلول الخيانة مطلقاً ثم غلب اختصاصه فى الاستعمال بالخيانة فى الغنيمة (به ) أى بماغل (يوم القيامة)
تفضيحاً له وتعذيباً. والحديث مسوق لحث العمال على الأمانة وتحذيرهم عن الخيانة ولو فى تافه وقد أجمع المسلمون
على تحريم الغلول وأنه من الكبائر وأن عليه رد ما غله، وذكر هذا الحديث فى باب الزكاة استطراداً لمناسبته
الحديث السابق فى ذكر العمل والخيانة (رواه مسلم) فى المغازى وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٤ ص ١٩٢)
وأبو داود فى القضايا.
١٧٩٦ - قوله (والذين يكنزون الذهب والفضة) أى يجمعونها يقال کفزت المال كنزاً من باب ضرب
جمعته وادخرته، وكغزت التمر فى وعائة كنزا أيضاً فأصل الكنز فى اللغة الضم والجمع ولا يختص ذلك بالذهب
والفضة. قال ابن جرير: الكنز كل شىء مجموع بعضه إلى بعض فى بطن الأرض كان أو على ظهرها - انتهى. ومنه
٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق فقال: يا نبي الله! إنه كبر على أصحابك
هذه الآية، فقال (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقى من أموالكم، وإنما فرض المواريث،
وذكر كلمة لتكون لمن بعدكم، فقال: فكبر عمر، ثم قال له: ألا أخبرك بخير ما يكنز المرأ؟
ناقة كناز أى مكتفزة اللحم. وقيل: الكنز المال المدفون معروف تسمية بالمصدر والجمع كنوز وأكتنز الشىء
اجتمع وامتلأ ومال مكنوز أى مجموع ( كبر) بضم الباء أى شق وأشكل ( ذلك ) أى نزول الآية أو ظاهر
الآية من العموم (على المسلمين) لأنهم حسبوا أنه يمنع جمع المال مطلقاً وأن كل من تأثل مالا جل أو قل
فالوعيد لاحق به (أنا أفرج عنكم) بتشديد الراء أى أزيل هذه الشدة عنكم وآتى بالفرج لكم فانه ليس عليكم فى
الدين من حرج (فانطلق) أى فذهب عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فقال ) وفى بعض نسخ أبي داود:
فانطلقوا فقالوا (يا نبى الله إنه) أى الثان (كبر) أى عظم وصعب (على أصحابك هذه الآية) أى حكمها والعمل
بها لما فيها من عموم منع الجمع ( فقال ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (إلا ليطيب) من التفعيل أى ليحل
الله بأداء الزكاة لكم (مابقى من أموالكم) قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها - التوبة: ١٠٣)
ومعنى التطبيب إن أداء الزكاة إما أن يحل ما بقى من ماله المخلوط بحق الفقراء، وإما أن يزكيه من تبعة ما لحق به من
اثم منع حق الله تعالى، وحاصل الجواب أن المراد بالكنز منع الزكاة لا الجمع مطلقاً، ولعل فى الآية فى قوله
تعالى: ﴿ولا ينفقونها فى سبيل الله - التوبة: ٣٤) اشارة اليه بأن المراد بالانفاق اعطاء الزكاة لا انفاق المال كله.
قال الحافظ: المراد بسبيل الله فى الآية المعنى الأعم لا خصوص أحد السهام الثمانية التى هى مصارف الزكاة وإلا
لاختص بالصرف اليه بمقتضى هذه الآية (وأنما فرض المواريث) عطف على قوله: «إن اللّه لم يفرض الزكاة)»
قال الطيبي : كأنه قيل إن الله لم يفرض الزكاة إلا لكذا ولم يفرض المواريث إلا ليكون طيبا لمن يكون بعدكم،
والمعنى لوكان الجمع محظوراً مطلقاً لما افترض الله الزكاة ولا الميراث (وذكر كلمة) من كلام الراوى أى ابن عباس
أى وذكر صلى الله عليه وسلم: كلمة أخرى بعد المواريث لم أحفظها، والجملة معترضة بين الفعل وعلته وهو قوله
(لتكون) أى وإنما فرض المواريث لتكون الأموال بالميراث طيبة (لمن بعدكم) وفى النسخ التى بأيدينا من سنن.
أبي داود وانما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم أى بدون قوله: ((وذكر كلمة)) ورواه البيهقى بلفظ: وإنما
فرض المواريث فى أموال تبقى بعدكم ( فقال ) أى ابن عباس (فكبر عمر) أى فرحا على كشف المعضلة (ثم قال)
أى رسول الله عزَّ (له) أى لعمر (ألا أخبرك) يحتمل أن تكون ألا التنبيه وأن تكون الهمزة الاستفهامية
ولا نافية (بخير ما يكنز المرأ) أى بأفضل ما يقتنيه ويتخذه لعاقبته ولما بين أن لا وزر فى جمع المال بعد أداء
٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
المرأة الصالحة: إذا نظر اليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته .
الزكاة ورأى فرحهم بذلك رغبهم عن ذلك إلى ما هو خير وأبقى وهو التقلل والاكتفاء بالبلغة (المرأة الصالحة)
أى الجميلة ظاهراً وباطنا. قال الطبي: المرأة مبتدأ والجملة الشرطية خبره ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف.
والجملة الشرطية بيان (إذا نظر) أى الرجل (سرته) أى جعلته مسروراً بجمال صورتها وحسن سيرتها وحصول حفظ
الدين بها (وإذا أمرها) بأمر شرعى أو عرفى ( أطاعته) وخدمته ( حفظته) أى حقوقه فى نفسها وماله وولده
وبيته. قال القاضى: لما بين لهم صلى الله عليه وسلم أنه لا حرج عليهم فى جمع المال وكنزه ما داموا يؤدون
الزكاة ورأى استبشارهم به رغبهم عنه إلى ما هو خير وأبقى وهى المرأة الصالحة الجميلة فان الذهب لا ينفعك
إلا بعد الذهاب عنك وهى ما دامت معك تكون رفيقك تنظر إليها فترك وتقضى عند الحاجة اليها وطرك
وتشاورها فيما يعن لك فتحفظ عليك سرك وتستمد منها فى حواتجك فتطيع أمرك وإذا غبت عنها تمامى مالك
وتراعى عيالك ولو لم يكن لها إلا أنها تحفظ بذرك وتربى زرعك فيحصل لك بسبيها ولد يكون لك وزيراً فى
حياتك وخليفة بعد وفاتك لكان بها بذلك فضل كثير - انتهى. واعلم أنه ذهب أكثر العلماء إلى أن الكنز
المذموم مالم تؤد زكاته وإن لم تدفن فان أديت فليس بكنز مذموم، وإن دفن ولم يخالف فى ذلك إلا طائفة من أهل
الزهد کأبى ذر. قال ابن عبد البر: وردت عن أبى ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع
يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله وأن آية الوعيد نزلت فى ذلك وخالفه جمهور الصحابة ومن
بعدم وحملوا الوعيد على ما نعى الزكاة وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره فى قصة الاعرابى حيث قال مل
على غيرها قال لا إلا أن تطوع - انتهى . والظاهر أن ذلك كان فى أول الأمر كما سيأتى عن ابن عمر. وقد استدل
له ابن بطال بقوله تعالى: ﴿ويستلونك ماذا ينفقون قل العفو _ البقرة: ٢١٩) أى ما فضل عن الكفاية فكان
ذلك واجبا فى أول الأمر ثم نسخ والله اعلم ، وفى المسند من طريق يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه قال كان
أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدة ثم يخرج إلى قومه ثم يرخص فيه الني وز ئته
فلا يسمع الرخصة ويتعلق بالأمر الأول. قال الحافظ: والصحيح أن إنكار أبى ذر كان على السلاطين الذين
يأخذون المال لأنفسهم ولا ينفقونه فى وجهه، وتعقبه النووى بالابطال لأن السلاطين حينيذ كانوا مثل أبى بكر
وعمر وعثمان وهولاء لم يخونوا. قلت: لقوله محمل وهو أنه أراد من يفعل ذلك وإن لم يوجد حينئذ من يفعله -
انتهى كلام الحافظ. قلت: ويشهد لما ذهب إليه الجمهور ما رواه أحمد فى الزهد والبخارى وابن مردوية والبيهقى
عن ابن عمر قال إنما هذا كان قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة جعلها الله طهرة للأموال - الحديث. وفى
الباب عن جابر أخرجه الحاكم بلفظ: إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره ورجح أبو زرعة والبيهقى وقفه
٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
رواه أبو داود .
١٧٩٧ - (١١) وعن جابر بن عتيك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سياتيكم ركيب
مبغضون، فإذا جاؤكم فرحبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون ،
كما عند البزار، وعن أبى هريرة أخرجه التر مذى بلفظ: إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك. وقال حسن
غريب وصححه الحاكم وهو على شرط ابن حبان ، وعن أم سلمة عند الحاكم وصححه ابن القطان أيضاً، وأخرجه
أبو. داو . وقال ابن عبد البر: فى سنده مقال، وذكر العراقى فى شرح الترمذى أن سنده جيد ، وعن ابن عباس
أخرجه ابن أبى شيبة موقوفا بلفظ: ما أدى زكاته فليس بكنز وارجع لمزيد الكلام فى ذلك الى طرح التثريب
(ج ٤ ص ٧ - ٨) (رواه أبو داود) وسكت عليه هو والمنذرى، وأخرجه أيضاً الحاكم وصححه وابن أبى حاتم
وابن مردويه والبيهقى وأبو يعلى وغيرهم .
١٧٩٧ - قوله (وعن جابر بن عتيك) بفتح العين و کسر التاء الفوقية (سیاتیکم ر کیب) تصغیرر کب وهو
اسم جمع للراكب. وقال الجزرى والخطابى: جمع راكب، كما قيل صحب فى صاحب وتجر فى تاجر أرادبهم السعاة فى
الصدقة، وفى بعض نسخ أبى داود سيأتيكم ركب ، وكذا عند البيهقى والبزار أى سعاة وعمال الزكاة (مبغضون)
بفتح الغين المشددة والمبغض الذى جعل بغيضا فى قلوب الناس والبغيض من كرهه الناس وهوضد الحبيب ، ويجوز
بسكون الباء من أبغض الرجل أحدا إذا كرهه أراد أنهم يبغضون طبعاً لا شرعا لأنهم يأخذون محبوب قلوبهم .
قال الخطابي: إنما جعلهم مبغضين لأن الغالب فى نفوس أرباب الأموال التكره للسعاة لما جبلت عليه القلوب من حب
المال وشدة حلاوته فى الصدر الا من عصمه الله ممن أخلص النية واحتسب فيها الأجر والمثوبة - انتهى. وقيل:
معناه أنه قد يكون بعض العمال سيىء الخلق متكبرا يكرههم الناس لسوء خلقهم. قال الطبى: والأول أوجه
لقوله صلى الله عليه وسلم سيأتيكم ركيب الخ لأن فيه أشعاراً بأنهم عمال رسول الله مؤفل وينصره شكوى القوم
عنهم فى الحديث الذى يليه وهو قولهم أن ناساً من المصدقين يأتونا فيظلمونا ولا ارتياب أن رسول اللّه عليه
لا يستعمل ظالماً، فالمعنى أنه سيأتى عمالى يطلبون منكم زكاة أموالكم، والنفس مجبولة على حب المال ، فتبغضونهم
وتزعمون أنهم ظالمون، وليسوا بذلك وقوله: فان عدلوا وإن ظلوا مبنى على هذا الزعم ، ولوكانوا ظالمين فى
الحقيقة كيف يأمرهم بالدعاء لهم بقوله وليدعوا لكم (فرحبوا بهم) أى قولوا لهم مرحبا وأهلا وسهلا، وأظهروا
الفرح بقدومهم وعظموهم (وخلوا) أى أتركوا بينهم (بين ما يبتغون) أى ما يطلبون من الزكاة . قال ابن الملك:
يعنى كيف ما يأخذوا الزكاة لا تمنعوهم وإن ظلوكم لأن مخالفتهم مخالفة السلطان، لأنهم مأمورون من جهته ومخالفة
٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فا عدلوا فلا نفسهم، وإن ظلوا فعليهم، وأرضوهم فان تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم.
رواه أبوداود.
١٧٩٨ - (١٢) وعن جرير بن عبد الله، قال: جاء ناس - يعنى من الأعراب - إلى رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا : إن ناسا من المصدقين
السطان تؤدى إلى الفتنة وثورانها - انتهى. وهو كلام المظهر بناء على أنه عمم الحكم فى جميع الأزمنة. قال الطيبي:
وفيه بحث لأن العلة لو كانت هى المخالفة لجاز الكتمان لكنه لم يجز لقوله فى الحديث الآتى أفنكتم من أموالنا بقدر
ما يعتدون قال لا، (فان عدلوا) فى أخذ الزكاة وتركوا الظلم (فلا نفسهم) أى فلهم الثواب (وإن ظلوا) بأخذ
الزكاة أكثرما وجب عليكم أو أفضل أى على الفرض والتقدير أو على زعمكم (فعليهم) كذا فى جميع النسخ وهكذا فى جامع
الأصول (ج٥ ص٣٥٩) والترغيب. وفى المصابيح فعليها كما فى سنن أبي داود، والبيهقى والبزار أى فعلى أنفسهم
أثم ذلك الظلم ولكم الثواب بتحمل ظلمهم (وأرضوهم) أى اجتهدوا فى أرضاتهم ما أمكن بأن تعطوم الواجب من
غير مطل ولا غش ولا خيانة (فان تمام زكاتكم) أى كمالها (رضاهم) أى حصول رضاهم (وليدعوا) بسكون اللام
وكسرها (لكم) وهو أمر ندب لقابض الزكاة ساعيا أو مستحقاً أن يدعو المزكى (رواه أبوداد) وأخرجه أيضا
البيهقى ( ج ٤ ص ١١٤) وقد سكت عنه أبو داود. وقال المنذرى: فى إستاده أبو الغصن ، وهو ثابت بن قيس
المدنى الغفارى مولاهم، وقيل: مولى عثمان بن عفان قال الامام أحمد ثقة وقال ابن معين ضعيف. وقال مرة ليس
بذلك صالح ، وقال مرة ليس به باس ، وقال ابن حبان كان قليل الحديث كثير الوهم فيما يرويه، ولا يحتج بخبره
إذا لم يتابعه عليه غيره قال المنذرى: وفى الرواة خمسة كل منهم اسمه ثابت بن قيس لا يعرف من تكلم فيه غيره
انتهى . قلت: وقال النسائى ليس به بأس. وقال ابن سعد شيخ قليل الحديث . وقال ابن أبى عدى هو معن يكتب
حديثه . وقال الآجرى عن أبى داود ليس حديثه بذاك . وقال الحافظ فى التقريب: صدوق بهم ، والحديث ذكره
الهيشمى فى باب رضا المصدق (ج ٣ ص ٧٩ - ٨٠) عن جابر من غير أن ينسبه بهذا اللفظ وعزاه إلى البزار.
وقال ورجاله ثقات وفى بعضهم خلاف لا يضر .
١٧٩٨ - قوله (جاء ناس يعنى من الأعراب) تفسير من الراوى عن جرير قاله القارى. وفى رواية
مسلم: جاء ناس من الأعراب، وفى رواية النسائى: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ناس من الأعراب، وفى رواية
البيهقى: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعراب. فالظاهر أن التفسير المذكور فى رواية أبى داود. ممن دون
الراوى عن جزير (إن ناسا من المصدقين) بتخفيف الصاد وكسر الدال المشددة أى السعاة العاملين على الصدقة
٤