النص المفهرس

صفحات 481-500

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
رواه الترمذى، وأبو داود، وابن ماجه .
رضى الله عنه، كنا نعده من النياحة، وهو ظاهر فى التحريم - إنتهى. قلت: حديث جرير بن عبد الله البجلى هذا
أخرجه أحمد وابن ماجه بلفظ: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة
قال السندى: قوله ((كنا نعد)) الخ هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الثانى
لحكمه الرفع على التقديرين فهو حجة، ثم نقل عن البوصيرى أنه قال فى الزوائد: إسناده صحيح - إنتهى. فان قيل
حديث جرير هذا مخالف لما سيأتى فى آخر باب المعجزات من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من
الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى جنازة، فرأيت رسول اللّه، وَاللّه وهو على القبر يوصى
الحافر أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه ، فلما رجع استقبله داعى امرأته فأجاب. ونحن معه، بجى
بالطعام فوضع يده، ثم وضع القوم، فأكلوا - الحديث. رواه أبوداود والبيهقى فى دلائل النبوة. فقوله: ((فذا رجع
استقبله داعى إمرأته، الخ صريح فى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة أهل بيت الميت، واجتمع
هو وأصحابه بعد دفنه، وأكلوا ما صنعه أهل الميت له ولأصحابه، فان الضمير المجرور فى امرأته راجع إلى ذلك
الميت الذى خرج رسول اللّه عَّ فى جنازته، فما وجه التوفيق بين هذين الحديثين. قلت: مندأ المخالفة بين
الحديثين هو قوله: ((داعى إمرأته)) أى باضافة لفظ إمرأة إلى الضمير المجرور، وهو غلط. والصواب داعى إمرأة
منونا أى بغير الاضافة وإسقاط الضمير المجرور. والدليل عليه أنه وقع فى سنن أبي داود ((داعى إمرأة )) بغير
الاضافة أی باسقاط الضمير ، وهکذا ذکره الجزری فی جامع الأصول (ج١٢ ص ٦٥) نقلا عن سنن أبيداود،
وروى هذا الحديث أحمد فى مسنده (ج ٥ ص ٢٩٣) وقد وقع فيه أيضا (( داعى إمرأة)) بغير الاضافة، بل
زاد فيه بعد («داعى إمرأة)، لفظ ((من قريش)) وهكذا وقع السنن للدار قطنى (ص ٥٤٥) ولفظه: خرجنا مع
النبي صلى الله عليه وسلم فى جنازة، فلما انصرف تلقاه داعى إمرأة من قريش. وفى رواية له عن عاصم بن كليب
عن أبيه عن رجل من مزينة قال: صنعت إمرأة من المسلمين من قريش لرسول الله مؤلفمل طعاما فدعته وأصحابه
الج ورواه البيهقى فى السنن الكبرى (ج ٦ ص ٩٧) بلفظ: صنعت إمرأة من قريش لرسول الله مَّ طعامه ،
فدعته وأصحابه. ورواه الطحاوى فى شرح الآثار (ج ٢ ص ٣٢٠) بلفظ: إن رجلا من الأنصار كان مع النبي
راق فى جنازة، فلقيه رسول إمرأة من قريش يدعوه إلى الطعام، وهذا كله يدل على أن الصحيح فى حديث عاصم
ابن كليب هذا لفظ ((داعى إمرأة)) منونا أى بغير إضافة إمرأة إلى الضمير المجرور بل بإسقاط الضمير، وعلى هذا
فلا مخالفة بين الحديثين، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى التفكر والتأمل (رواه الترمذى) وحسنه (وأبو داود) وسكت
عنه، ونقل المنذرى عن الترمذى أنه قال: هذا حديث حسن صحيح، وأقر تصحيحه (وابن ماجه) وأخرجه
٤٨١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على المت
(الفصل الثالث )ے
١٧٥٤ - (١٩) عن المغيرة بن شعبة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من نيح
عليه، فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة .
أيضا الشافعى وأحمد (ج ١ ص ٢٠٥) والدار قطنى (ص ١٩٤) والحاكم (ج ١ ص ٣٧٢) وصححه ابن السكن
والحاكم وأقره الذهبي، وأخرجه أحمد (ج ٦ ص ٣٧٠) والطبرانى وابن ماجه من حديث أسماء بنت عميس،
وهى والدة عبد الله بن جعفر، وفى سنده امر أتان مجهولتان .
١٧٥٤ - قوله (من نيح عليه) بكسر النون وسكون التحتية وفتح الحاء مبنيًا للمفعول من الماضى (بما نيح
عليه) الباء سببية و((ما)) مصدرية أى بسبب النياحة عليه ويؤيده رواية الطبرانى بلفظ: إذا نيح على الميت عذب
بالنياحة عليه ورواه أحمد (ج ٤ ص ٢٤٥) عن على بن ربيعة الأسدى. قال مات رجل من الأنصار يقال له
قرطة بن كعب فتيح عليه (وهو أول من نيح عليه بالكوفة)، فخرج المغيرة بن شعبة فصعد المنبر ، حمد الله
وأثنى عليه، ثم قال ما بال النوح فى الاسلام، ثم قال ألا إنى سمعت رسول الله عَ لّم يقول: إن كذبا على ليس
ككذب على أحد، ألا ومن كذب على متعمداً فليقبوأ مقعده من النار، ألا وإنى سمعت رسول الله مريضة يقول:
من يُنَْح عليه يعذب بما يناح به عليه. وفى الحديث دليل على أن المراد من البكاء فى حديث ابن عمر هو النوح
والشدب لا مطلق البكاء. وفيه دليل على تحريم الفياحة . قيل: ويحتمل أن يكون الجار والمجرور حالا، ((وما))
موصولة أى يعذب متلبسا بما يندب عليه من الألفاظ كياجبلاء وياكهفاه ونحوهما على سيل التهكم، كما فى حديث
النعمان الآتى. ويحتمل أن الباء للآلة، و((ما)» موصولة، وتلك الألفاظ تجعل آلة للعذاب حيث تذكر له تويخا وتقريعا
عليه ( يوم القيامة ) فيه رد على من ذهب إلى التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة ، حمل قوله تعالى:
﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى - الاسراء: ١٥) على يوم القيامة. وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ خاصة.
وظاهر حديث المغيرة وحديث عمر وانته المذكور بعده أن الميت يعذب بسبب النياحة عليه. واختلف العلماء فى
ذلك على مذاهب: أحدها أنه على ظاهره مطلقا، ذهب اليه جماعة من السلف ، منهم معمر وهو بين من قصته مع
صهيب، كما سيأتى فى حديث عبد الله بن أبي مليكة، ومنهم عبد الله بن عمر، كما رواه عبد الرزاق. الثانى
لا مطلقا، فرد أهل هذا القول حديث المغيرة وما أشبهه، وعارضوه بقوله تعالى: ﴿ولاتزر وازرة وزر أخرى)
وممن روى عنه الانكار مطلقا أبو هريرة، كما رواه أبو يعلى من طريق بكر بن عبدالله المزنى قال: قال أبو هريرة:
واللّه! لتن انطلق مجاهد فى سبيل الله فاشتشهد، فعمدت إمرأنه سفها وجهلا فبكت عليه ليعذب هذا الشهيد بذنب
٤٨٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥- كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
الثالث أن الباء للحال أى إنه يعذب حال بكاءهم عليه، والتعذيب عليه من ذنبه لا بسبب البكاء،
هذه السفيرة
يعنى أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه وذلك أن شدة بكاءهم غالبا إنما تقع عند دفنه ، وفى تلك الحالة
يسئل ويبتدأ به عذاب القبر، فكان معنى الحديث أن الميت يعذب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن
يكون بكاءهم سببا لتعذيبه. قال العينى: حكى الخطابى عن بعض أهل العلم أنه ذهب إلى أنه مخصوص ببعض
الأموات الذين وجب عليهم العذاب بذنوب اقترفوها، وجرى من قضاء الله سبحانه فيهم أن يكون عذابه وقت
البكاء عليهم. ومعنى قوله: ((يعذب بيكاء أهله)) أى عند بكاءهم عليه لاستحقاقه ذلك بذنبه ويكون ذلك حالا لاسيا.
قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلف، ولعل قائله إنما أخذه من قول عائشة: إنما قال رسول اللّه مؤلّه: إنه
ليعذب بمعصيته أو بذنبه، وإنه ليكون عليه الآن ، أخرجه مسلم، وعلى هذا يكون خاصا ببعض الموتى. الرابع
أنه خاص بالكافر، وأن المؤمن لا يعذب بذنب غيره أصلا وهو بين من رواية ابن عباس عن عائشة حيث قالت:
يرحم الله عمر، والله ! ما حدث رسول اللّه ◌َ افضل أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، ولكن إن الله يزيد الكافر عذابا
ببكاء أهله عليه. الخامس أن المراد بالميت ميت معهود معين. قال الحافظ: ومنهم من أوله على أن الراوى
سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه، وأن اللام فى الميت لمعهوذ معين، كما جزم به القاضى أبو بكر الباقلانى وغيره
وحجتهم ما سيأتى فى رواية عمرة عن عائشة. قال الحافظ بعد ذكر هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة ما لفظه:
وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم تردّ حديث أن الميت يعذب ينكاء أهله عليه بحديث
آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن. قال الداودى: رواية ابن عباس عن عائشة بلفظ: إن الله يزيد
الكافر عذابا بكاء أهله عليه، بينت ما نفته عمرة وعروة عنها إلا أنها خصته بالكافر، لأنها أثبتت أن الميت
يزداد عذابا ببكاء أهله، فأى فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء. وقال القرطبى: إنكار عائشة ذلك
وحكمها على الراوى بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضا ولم يسمع بعضا بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من
الصحابة كثيرون، وهم جازمون ، فلا وجه للنفى مع إمكان حمله على محمل صحيح، وقد جمع كثير من أهل
العلم بين حديثى عمر وعائشة بضروب من الجمع ، كما ستعرف. السادس أنه خاص بمن كان النوح من سنته
وطريقته، وهذا أحد وجوه الجمع، وعليه البخارى حيث قال فى صحيحه باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:
يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته، لقول الله تعالى: ﴿قو أنفسكم وأهليكم ناراً -
التحريم: ٦) وقال النبي ◌َّ: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فاذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة:
(ولا تزر وازرة وزر أخرى) الخ. السابع أنه فيمن أوصى به أهله وهو أخص من الذى قبله وهذا قول
٤٨٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
٥
الجمهور، كما قال النووى ، قاليا كان ذلك معروفا للقدماء من العرب، فانهم كانوا يوصون أهليهم بالبكاء والنوح
عليهم ، وهو موجود فى أشعارهم كقول طرفة بن العبد إذا مت فابكينى بما أنا أهله وشق على الجيب يا ابنة معبد.
ومثل هذا كثير فى أشعارهم، وإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة بما تقدم فى ذلك من أمره إياهم بذلك
وقت حياته، واعترض بأن ذنب الميت الأمر بذلك، فلا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه وأجيب بأن الذنب
على السبب يعظم بوجود المسبب. شاهده حديث: من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها . الثامن
أنه فيمن لم يوص بتركه فتكون الوصية بذلك واجبة إذا علم أن من شأن أهله أن يفعلوا ذلك، وهو قول داود
وطائفة. قال ابن المرابط: إذا علم المرأ ما جاء فى النهى عن النوح وعرف أن أهله من شأنهم أن يفعلوا ذلك
ولم يعلهم بتحريم» ولا زجرهم عن تعاطيه، فاذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده.
التاسع أن المراد بالتعذيب توبيخ الملائكة بما يندبه أهله به كما روى أحمد من حديث أبى موسى مرفوعا: الميت
يعذب بيكاء الحى إذا قالت النائمة واعضداء، واناصراه، واكاسياه: جبذ الميت. وقيل له: أنت عضدها، أنت
ناصرها، أنت كاسيها. ورواه ابن ماجه بلفظ: يتمتع به، ويقال: أنت كذلك. ورواه الترمذى بلفظ آخر
كما سيأتى. وشاهده حديث النعمان بن بشير، وسيأتى أيضا. العاشر معنى التعذيب تألم الميت مما يقع من أهله
من النياحة وغيرها، وهذا اختيار أبى جعفر الطبرى وابن المرابط وعياض ومن تبعه، ونصره ابن تيمية وجماعة من
المتأخرين، واستدلوالذلك بما أخرجه ابن أبى خيثمة وابن أبى شيبة، والطبرانى وغيرهم من حديث قَيْلَة. وفيه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فوالذى نفسى بيده إن أحدكم ليبكى فيستعبر اليه صويحبه، فيا عباد الله!
لا تعذبوا موتاكم. قال الحافظ: هو حسن الاسناد . قال الطبرى: ويؤيده ما قال أبو هريرة: إن أعمال العباد
تعرض على أقرباءهم من موتاهم ثم ساقه باسناد صحيح اليه وشاهده حديث النعمان بن بشير مرفوعا، أخرجه
البخارى فى تاريخه، وصححه الحاكم. قال ابن المرابط: حديث قيلة فص فى المسئلة ((لا يعدل عنه واعترضه إبن
رشيد بأنه ليس نصا، وإنما هو محتمل، فإن قوله ((فيستعبر اليه صويحبه، ليس نصا فى أن المراد به الميت، بل
يحتمل أن يراد به صاحبه الحى، وأن الميت يعذب حينئذ ببكاء الجماعة عليه. الحادى عشر أن المراد التعذيب
بالصفات التى يكون بها عليه، وهى مذمومة شرعا، كما كان أهل الجاهلية يقولون: يأمر مل النسوان، يا مُيَسِتّم
الأولاد ، يا مخرب الدور: قال الحافظ: ومن وجوه الجمع أن معنى قوله يعذب ببكاء أهله عليه أن بنظير ما يبكيه
أهله به ، وذلك أن الأفعال التى يعددون بها عليه غالبا تكون من الأمور المنهية، فهم يمدحونه بها، وهو يعذب
بصنيعه ذلك، وهو عين ما يمدحونه، وهذا اختيار ابن حزم وطائفة. واستدل له بحديث ابن عمر يعنى الذى
٤٨٤

مرعاة المفاتيح ج
٥- كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
متفق عليه .
وعدم فى الفصل الأول من هذا الباب فى قصة شكوى سعد بن عباده، وفيه ((ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه،
قال ابن حزم: فصح أن البكاء الذى يعذب به الانسان ما كان منه باللسان، إذ يندبونه برياسته التى جاء فيها.
وشجاعته التى صرفها فى غير طاعة الله وجوده الذى لم يضعه فى الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر، وهو يعذب
بذلك. وقال الاسماعيلى: كثر كلام العلماء فى هذه المسئلة، وقال: كل مجتهد على حسب ما قدر له، ومن أحسن
ما حضرفى وجه لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا فى الجاهلية يغيرون ويسبون ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات
بكته باكية بتلك الأفعال المحرمة. فمعنى الخبر أن الميت يعذب بذلك الذى يبكى عليه أهله به، لأن الميت يندب
بأحسن أفعاله، وكانت مجاسن أفعالهم ما ذكر، وهى زيادة ذنب فى ذنوبه يستحق العذاب عليها. قال الحافظ
بعد ذكر هذه الوجوه الستة الأخيرة للجمع بين الحديثين ما لفظه: ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات ، فينزل
على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلا من كانت طريقته النوح، فمشى أهله على طريقته أو بالغ أوصاهم
بذلك عذب بصفعه، ومن كان ظالما فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به. ومن كان يعرف من أهله النياحة
- فأحمل ننهيهم عنها . فان كان راضيا بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهى،
ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية، ثم خالفوه وفعلوا ذلك، كان تعذيبه تألمه بما يراه.
منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم، والله تعالى أعلم بالصواب. الثانى عشر التفرقة بين حال
البرزخ وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى - الاسراء: ١٥﴾ على يوم القيامة،
وحديث التعذيب بالبكاء على البرزخ، ذكره الكرمانى وحسنه، قال: ويؤيد ذلك أن مثل ذلك يقع فى الدنيا،
والاشارة اليه بقوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيين الذين ظلموا منكم خاصة - الأنفال: ٢٥) فانها دالة على جواز
وقوع التعذيب على الانسان بما ليس له فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون الحال فى البرزخ بخلاف يوم القيامة -
انتهى. وفى هذا الجمع نظر، فإنه ينافيه لفظ يوم القيامة فى حديث المغيرة بن شعبة تفكر، وأرجح الأقوال
وأحسن المذاهب فى ذلك عندى هو قول من قال: إن الحديث المذكور فى حق من له فى بكاء غيره تسبب بأن
يكون البكاء من طريقته أو أوصى به فى حياته أو عرف أن أهله يفعلون ذلك ، وأهمل النهى عن ذلك ، وترك
الزجر عنه. وأما إذا لم يكن له فيه تسبب أصلا، فهو كما قالت عائشة: ﴿لا تزر وازرة وزر أخرى) والله
تعالى أعلم (متفق عليه) واللفظ لمسلم. وأخرجه أحمد (ج ٤ ص ٢٤٥) والترمذى والطبرانى والبيهقى ( ج
ص ٧٢) وفى الباب عن عمر وابن عمر، وسيأتيان، وعن أبى موسى الأشعرى عند أحمد، وقد ذكرنا لفظه
وعن عمران بن حصين عند ابن عبد البر ، وعن سمرة عند أحمد والبزار
٤٨٥
١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
١٧٥٥ (٢٠) وعن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها قالت: سمعت عائشة، وذكر لها أن عبد الله بن
عمر يقول: إن الميت ليعذب بيكا الحى عليه، تقول: يغفر الله لأبى عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب،
ولكنه نسى أو أخطأ، إنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكى عليها، فقال: إنهم ليكون
عليها وإنها لتعذب فى قبرما .
١٧٥٥ - قوله (وعن عمرة) بفتح العين المهملة وسكون الميم (بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة
الأنصارية المدنية، ثقة من أوساط التابعين، كانت فى حجر عائشة، أكثرت عنها. قال ابن المدينى: عمرة أحد
الثقات العلماء بعائشة. الأثبات فيها. وقال ابن حبان: كانت من أعلم الناس بحديث عائشة، وقال سفيان:
أثبت حديث عائشة حديث عمرة والقاسم وعروة، ماتت قبل المائة ، وقيل بعدها (وذكر) بصيغة المجهول
(لها ) أى لعائشة (إن الميت ليعذب ببكاء الحمى عليه) أى سواء كان الباكى من أهل الميت أم لا، فليس الحكم
مختصا بأهله، وقوله ((بيكاء أهله عليه)) فى الرواية الآتية خرج مخرج الغالب، لأن المعروف أنه إنما يبكى على
الميت أهله. ووقع فى بعض طرق حديث ابن عمر عند ابن أبى شيبة ((من نيح عليه فانه يعذب بما نيح عليه))
فرواية الباب عامة فى البكاء، وهذه الرواية خاصة فى النياحة ، فيحمل المطلق على المقيد، وتكون الرواية التى فيها
مطلق البكاء محمولة على البكاء بنوح. ويؤيد ذلك إجماع العلماء على حمل ذلك على البكاء بنوح. ومما يدل على
أنه ليس المراد عموم البكاء قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث عمر: إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه،
فقيده ببعض البكاء، فحمل على ما فيه نياحة جمعا بين الأحاديث. قال الشوكانى: حكى النووى إجماع العلماء على
اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء الذى يعذب الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين
(تقول) حال من عائشة. وقيل: مفعول ثان لـ «سمعت)) وما بينهما جملة معترضة (يغفر الله لأبى عبد الرحمن)
كنية عبد الله بن عمر، قدمته تمهيد أودفعا لمن يوحش من نسبته إلى النسيان والخطأ، قال الله تعالى: ﴿عفا الله عنك
لم أذنت لهم - التوبة: ٤٣) فمن استغرب من غيره شيئا ينبغى أن يوطئ ويمهدله بالدعاء إقامة لعذره فيما وقع
منه، وإنه لم يتعمد، ومن ثم زادت على ذلك بيانا واعتذاراً بقولها (أما) بالتخفيف للتنبيه أوطلافتتاح يؤتى بها مجرد
التأكيد ( أنه ) أى ابن عمر (ولكنه نسى) أى مورده الخاص (أو أخطأ) أى فى إرادته العام. (يبكى عليها)
بصيغة المجهول وفى رواية: يبكى عليها أهلها (إنهم) أى اليهود (وإنها ) أى اليهودية (لتعذب فى قبرها) أى
لكفرها فى حال بكاء أهلها عليها لا بسبب البكاء: قال القارى: ولا يخفى أن هذا الاعتراض وارد لولم يسمع
٤٨٦

مرعاة المفاتيح ج .
٥ كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
متفق عليه .
١٧٥٦ - (٢١) وعن عبد الله بن أبي مليكة، قال: توفيت بنت لعثمان بن عفان بمكة، فجئنا لشهدها،
وحضرها ابن عمر وابن عباس، فإنى لجالس بينهما، فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان وهو
مواجهه : ألا تنهى عن البكاء؟
الحديث إلا فى هذا المورد، وقد ثبت بألفاظ مختلفة وبروايات متعددة عنه وعن غيره غير مقيدة بل مطلقة ، دخل
هذا الخصوص تحت ذلك العموم ، فلا منافاة ولا معارضة، فيكون اعتراضها بحسب اجتهادها - انتهى. وتقدم
قول القرطبى: إن إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوى بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضا ولم يسمع
بعضاً بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون، فلا وجه للنفى مع إمكان حمله على محمل
صحيح - انتهى. (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه مالك والترمذى والنسائى وأبو عوانة والبيهقى.
١٧٥٦ - قوله (وعن عبد الله بن أبي مليكة) بالتصغير (بنت لعثمان بن عفان) هى أم إبان، كما صرح به
فى مسند أحمد وصحيح مسلم والنسائى (لتشهدها) أى لنحضر صلاتها ودفنها (وحضرها ابن عمر) بن الخطاب
(وابن عباس ) أى وقد حضراها أيضا، وفى رواية لمسلم: محضرها ابن عمر وابن عباس (فانى لجالس بينهما) أى
بين ابن عمر وابن عباس. قال الطيبي: الظاهر أن يقال ((وإنى لجالس)، ليكون حالا، والعامل حضر، والفاء
تستدعى الاتصال بقوله: (((جئنا لنشهدها)) نقله السيد جمال الدين. قلت: قوله: ((فانى لجالس)) كذا فى جميع
النسخ الموجودة الحاضرة عندنا، وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ١١ ص ٣٩٩) ووقع فى الصحيحين
((وإنى لجالس بالواو)) وقال ابن حجر. قوله ((فابى جالس)) عطف على ((لجنا)) وقال القارى: الأظهر أن الفاء
دخلت على مقدر تقديره فبعد حضورها إنى لجالس بينهما إشعاراً بكال الاطلاع على ما نقل عنهما (لعمرو بن
عثمان) أخيها وهو عمرو بن عثمان بن عفان الأموى يكنى أباعثمان، مدنى ثقة من كبار التابعين قال الزبير بن بكار:
كان أكبر ولد عثمان الذين أعقبوا، وإن معاوية زوجه لما ولى الخلافة ابنته رملة (وهو) أى ابن عمر (مواجهه)
أى مقابل ابن عثمان (ألا تنهى) النساء (عن البكاء) أى بالصياح والنياح. وفى رواية لمسلم وأحمد عن ابن
مليكة قال: كنت جالسا إلى جنب ابن عمر ، ونحن ننتظر جنازة أم إبان بنت عثمان، وعنده عمرو بن عثمان ، فجاء
ابن عباس يقوده قائد، فأراه أخبره بمكان ابن عمر فاء حتى جلس إلى جنبى فكنت بينهما ، فاذا صوت من الدار.
وفى رواية النسائى والحميدى: فبكى النساء فظهر السبب فى قول ابن عمر لعمرو بن عثمان ما قال. والظاهر أن
المكان الذى جلس فيه ابن عباس كان أوفق له من الجلوس بجنب ابن عمر، أو أختار أن لايقيم ابن أبي مليكة من
٤٨٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥- كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت ليعذب بيكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: قد كان
عمر يقول بعض ذلك، ثم حدث، فقال: صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء، فإذا هو
بركب تحت ظل سمرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فظرت، فإذا هو صهيب، قال:
فأخبرته، فقال: ادعه، فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتجل فالحق أمير المؤمنين، فلما أن أصيب عمر
دخل صهیب ییکی، يقول: واأخاه، واصاحباه،
مكانه ويجلس فيه النهى عن ذلك (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) زاد فى رواية لمسلم وأحمد قال: فأرسلها
عبد الله مرسلة. قال النووي: معناه أن ابن عمر أطلق فى روايته تعذيب الميت ببكاء الحى ولم يقيده يهودى كما
قيدته عائشة، ولا بوصية كما قيده آخرون ، ولا قال ببعض بكاء أهله كما رواه أبوه عمر (فقال ابن عباس) أى
معترضا على ابن عمر بأن عائشة خالفته كأبيه (قد كان عمر يقول بعض ذلك) أى العموم ، وهو أن يكون بصوت
أو ندبة أو يروى أى بعض ذلك الكلام، لأن فى روايته ببعض بكاء أهله كما سيأتى (ثم حدث) أى روى ابن
عباس ماسمعه من عمر (صدرت) أى رجعت (مع عمر من مكة) قافلا من حجه (بالبيداء) بفتح الموحدة وسكون
التحتية، مفازة بين مكة والمدينة ، قاله العينى. وقال القارى: موضع قريب من ذى الحليفة (فإذا هو) أى عمر
((وإذا)» المفاجاة (بركب) بفتح فسكون أى جماعة راكبين (تحت ظل سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم،
شجرة عظيمة من شجر العضاة ( فقال ) أى عمر (إذهب فانظر) أى تحقق (صهيب) أى ومن معه بضم الصاد
ابن سنان بن قاسط، وكان من السابقين الأولين المعذبين فى اللّه (قال) أى ابن عباس (فأحبرته) أى أخبرت
عمر بذلك (ادعه) بضم الهاء أى اطلب صهيبا لى (فقات) أى لصهيب (ارتحل) أى من مكانك (فالحق )
بفتح الحاء، أمر من اللحوق (أمير المؤمنين) هذا توطئة للصاحبة والخصوصية الخالصة والمؤاخاه السالفة بين
عمر وصهيب (فدا أن) زائدة (أصيب عمر) أى بالجراحة التى مات بها، وكان ذلك عقب حجه المذكور ، ففى
رواية مسلم المذكورة: فلما قدمنا المدينة لم يلبث عمر أن أصيب وفى رواية الحميدى: لم يلبث أن طعن ( يبكى )
حال (يقول ) بدل اشتمال من يبكى: قاله القارى: وقال العينى ((يبكى)) جملة وقعت حالا من صهيب، وكذلك
يقول ((حال)) ويجوز أن يكون من الأحوال المترادفة وأن يكون من المتداخلة (وا أخاه واصاحباه) كلمة ((وا))
الندبة. والألف فى آخره ليس مما يلحق الأسماء الستة لبيان الاعراب، بل هو مما يزاد فى آخر المندوب لتطويل
مد الصوت، والهاء ليست بضمير، بل هو ماء السكت، وشرط المندوب أن يكون معروفا، فلابد من القول بأن
٤٨٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
فقال عمر: يا صهيب! أتبكى على وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الميت ليعذب ببعض
بكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك العائشة فقالت: يرحم الله عمر، لا والله
ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الميت ليعذب بيكاء أهله عليه، ولكن إن الله يزيد
الكافر عذابا بيكا أهله عليه،
الأخوة والصاحبيةله كانا معلومين معروفين حتى يصح وقوعهما للندبة (أتبكى) بهمزة الاستفهام الإنكارى
(على) أى بالصوت والندبة، وفى رواية النسائى. فقال عمر: يا صهيب: لا تبك. قال السندى: خاف أن
يفضى بكاءه إلى البكاء بعد الموت، وإلا فالحديث فى البكاء بعد الموت (ببعض بكاء أهله عليه) قيده ببعض البكاء
فحمل على ما فيه نوح وندبة جمعا بين الأحاديث. وقيل: المراد بالبعض ما يكون من وصيته (فقالت يرحم الله
عمر) قال الطيبي: هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم - التوبة: ٤٣) فاستعربت
من عمر ذلك القول لجعلت قولها (( يرحم الله)) تمهيداً ودفعا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ ( لا) أى ليس كذلك
(إن الميت) بكسر الهمزة وتفتح (ليعذب ببكاء أهله عليه) فى البخارى: إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه.
وفى مسلم: إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، وفى أخرى له: ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، إن
الميت يعذب ببكاء أحد. قال القارى. أى مطلقا ولا مقيداً، وهذا النفى المؤكد بالقسم منها بناء على ظنها وزعها
أو مقيد بسماعها ، وإلا فمن حفظ حجة على من لم يحفظ ، والمثبت مقدم على النافى. و کیف والحديث روى من
طرق صحيحة بألفاظ صريحة مع أنه بعمومه لا ينافى ما قالت بخصوصه (ولكن) باسكان النون أى الذى حدث
به جملة إن الله الخ. قال القارى: وفى نسخة ((ولكن)) قال وفى البخارى ((ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم)»
قال وفى رواية لمسلم ((ولكنه قال)) (إن الله يزيد الكافر عذابا بيكاء أهله عليه) حملت الميت على الكافر وأنكرت
الاطلاق، وقد جاء فيه الزيادة كقوله تعالى: (زدنام عذابا فوق العذاب - النحل: ٨٨) وقوله: ﴿فلن تزيدكم
إلا عذابا - النبا: ٣٠) لكن قد يقال زيادة العذاب بعمل الغير أيضا مشكلة معارضة بقوله تعالى: ((ولا تزر)) الخ
فيبغى أن تحمل الباء فى قوله ((ببعض بكاء أهله)) على المصاحبة لا السببية، وتخصيص الكافر حينئذ، لأنه محل الزيادة
قاله السندى فى حاشية النسائى ، وقال فى حاشية البخارى: كأنها فهمت أن معنى هذا الحديث هو أن الله يزيد
الكافر عذابا جزاء لكفره، كما قال تعالى: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا - النبا: ٣٠) إلا أن الله أجرى
عادته باظهار الزيادة عند البكاء فصار كان البكاء سبب للزيادة، لأن الزيادة جزاء البكاء، ولا يتصور مثل ذلك فى
تعذيب المؤمن بسبب البكاء، فصار هذا الحديث بفهمها غير مخالف لقوله تعالى: ﴿ولا تزر﴾ بل هو موافق
٤٨٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
وقالت عائشة: حسبكم القرآن: ﴿ولا تزر وازرة أخرى) قال ابن عباس عند ذلك: والله
أضحك وأبكى،
لقوله تعالى: ﴿ فلن تزيدكم إلا عذابا بخلاف حديث تعذيب المؤمن، فلا يرد أن هذا الحديث مخالف لظاهر
قوله تعالى: (ولا تزر) الخ. فما بالها تثبته وتبطل الحديث الآخر بالمخالفة فافهم - انتهى. ولا يخفى مافيه من
التكلف. وقال القارى: فيه أن النفى منها رضى الله عنها هذا مناقض لما قالت سابقا من أن الحديث ورد فى
يهودية كانوا يبكون عليها، وهى تعذب فى قبرما - انتهى. وقال الحافظ: هذه التأويلات عن عائشة متخالفة،
وفيها إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر بل بما استشعرته من معارضة القرآن قال الداودى: رواية ابن
عباس عن عائشة بينت ما نفته عمرة وعروة عنها إلا أنها خصته بالكافر ، لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذابا ببكاء
أهله، فأى فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء (وقالت عائشة) أى تأكيداً لقولها أولا (حسبكم القرآن)
بسكون السين المهملة أى كافيكم أيها المؤمنون القرآن أى فى تأتید ماذهبت اليه من رد الخبر (ولا تزر وازرة وزر
أخرى) الجملة بدل كل أو بعض من القرآن أو خبر مبتدأ محذوف هو هو. قال الطبى: الوزر والوقر أخوان ،
وزر الشىء إذا حمله، والوازرة صفة النفس. والمعنى أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذى اقترفته.
لا تؤخذ نفس بذتب نفس، كما تأخذ جبارة الدنيا الولى بالولى والجار بالجار - انتهى. (قال ابن عباس عند ذلك)
أى عند انتهاء حديثه عن عائشة مؤيداً لها ومصداقاً لكلامها (والله) بالرفع مع الواو، وهو حاصل معنى الآية فى
سورة النجم بلفظ: أنه هو (أضحك وأبكى) قال ميرك: أى إن العبرة لا يملكها ابن آدم ولا تسبب له فيها ،
فكيف يعاقب عليها فضلا عن الميت - انتهى. وحاصله جواز عموم البكاء، وهو خلاف الاجماع وقال الداودى
معناه أن الله تعالى أذن فى الجميل من البكاء فلا يعذب على ما أذن فيه ـ انتهى. وهو خارج عن البحث كما لا يخفى
وقال الطبي: غرضه تقرير قول عائشة أى أن بكاء الانسان وضحكه وحزنه وسروره من الله يظهرما فيه فلا أثر
له فى ذلك - انتهى. وفيه أن الكل من عند الله خلقاً ومن العبد كسباً كما هو مقرر، والشرع قد اعتبر مايترتب
عليه من الأثر كسائر أفعال البشر، ألا ترى أن التبسم والضحك فى وجه المؤمن من الحسنات، وعلى المؤمن على
وجه السخرية من السئيات، وكذا الحزن والسرور تارة يكونان من الأحوال السيئة، يثاب الشخص بهما، وتارة
من الأفعال الدنية، يعاقب عليها، كما هو مقرر فى محله. ثم قال الطيبي: فإن قلت: كيف لم يؤثر ذلك فى
حق المؤمن وقد أثر فى حق الكافر؟ قلت: لأن المؤمن الكامل لا يرضى بالمعصية مطلقاً، سواء صدرت منه أو
من غيره بخلاف الكافر، ومن ثم قالت الصديقة رضى الله عنها: حسبكم القرآن أى كافيكم، أيها المؤمنون! من
٤٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت.
قال ابن أبي مليكه: فما قال ابن عمرٍ شيئا. متفق عليه.
١٧٥٧ - (٢٢) وعن عائشة، قالت: لما جاء النبى صلى اللّه عليه وسلم قتل ابن حارثة وجعفر
القرآن هذه الآية (ولا تزر) الخ إنها فى شأنكم، وما ذكر رسول اللّه مَالله إن الله يزيد الكافر عذاباً
ببكاء أهله عليه فى شأن الكفار - انتهى. قال القارى: لا دلالة لقولها على هذه المدعى مع أن العبرة بعموم ألفاظ
الآيات والأحاديث فى المعنى لا لخصوص الأسباب فى المبنى - انتهى. وقال الكرمانى لعل غرض ابن عباس
من هذا الكلام فى هذا المقام أن الكل بخلق الله وإرادته، فالأولى فيه أن يقال بظاهر الحديث، وأن له أن يعذبه
بلا ذنب ، ويكون البكاء عليه علامة لذلك أو يعذبه بذنب غيره سيما ، وهو السبب فى وقوع الغير فيه ، ولا يسئل
عما يفعل، وتخصص آية الوزر بيوم القيامة ( فما قال ابن عمر شيئاً) أى من القول أو شيئاً آخر قال الطيبي: أى
فعند ذلك سكت ابن عمر وأذعن . وقال الزين بن المنير: لا يدل سكوته على الاذعان، فلعله كره المجادلة فى ذلك
المقام . وقال القرطبي: ليس سكوته لشك طرأ له بعد ما صرح برفع الحديث ، ولكن احتمل عنده أن يكون
الحديث قابلا للتأويل، ولم يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك أو كان المجلس لا يقبل المماراة ، ولم يتعين الحاجة
إلى ذلك حينئذ. وقال الخطابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن فى دفعها سبيل بالظن، وقد رواه عمر وابنه،
ليس فيما حكت عائشة ما يرفع روايتهما الجواز أن يكون الخبران صحيحين معا، ولا منافاة بينهما، فالميت إما تلزم
العقوبة بما تقدم من وصيته اليهم به وقت حياته، وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم ، وهو موجود فى أشعارم
(متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج ١ ص ٤١ - ٤٢) والنسائى والبيئق {ج ٤ ص ٧٣).
١٧٥٧ - قوله (لما جاء النبى) بالنصب على المفعولية والفاعل (قتل ابن حارثة) أى زيد وقد تقدم ترجمته
(وجعفر) هو ابن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم الطيار ذو الجناحين ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأحد
السابقين إلى الاسلام وأخو على شقيقه، وكان أكبر من على بعشر سنين هاجر إلى الحبشة فأسلم النجاشى ومن
تبعه على يديه، وأقام جعفر عنده، ثم هاجر إلى المدينة فقدم والنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، فقبل بين عينيه
وقال: ما أدرى أنا بقدوم جعفر أسر أو بفتح خيبر، وكان أشبه الناس خلقا وخلقا يرسول الله صلى الله عليه وسلم
وكان أبو هريرة يقول: خير الناس للمساكين جعفر، ينقلب بنا فيطعمنا ما كان فى بيته حتى أن كان ليخرج الينا
العكة ليس فيها شىء فيشقها. وفى رواية: كان يحب المساكين ويجلس اليهم ويخدمهم ويخدمونه، فكان رسول الله (بلے
عليه وسلم يكنيه أبا المساكين . وقال أبو هريرة: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولاوطئى التراب بعد رسول
الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبى طالب استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزوة موتة،
٤٩١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
وابن رواحة، جلس يعرف فيه الحزن، وأنا أنظر من صائر الباب - تعنى شق الباب - فأتاه رجل
فقال: إن نساء جعفر، وذكر بكاء من،
واستشهد بها سنة ثمان من الهجرة، قاتل فيها حتى قطعت يداه جميعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الله
أبدله بيديه جناحين يطير بهما فى الجنة حيث شاء، فمن هناك قيل: له جعفر الطيار وجعفر ذو الجناحين، وهو
أول من عرقب فرسا فى سبيل الله، نزل يوم موته إذ رأى الغلبة، فعرقب فرسه. وقاتل حتى قتل، قال ابن عمر:
كنت معهم فى تلك الغزوة ، فالتمسنا جعفراً فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعا وتسعين بين طعنة ورمية، وكان
سنه يوم قتل (٤١) سنة (وابن رواحة) هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن أمرى القيس الخزرجى الأنصارى
الشاعر أحد السابقين الأولين من الأنصار وأحد النقباء ليلة العقبة وثالث الأمراء بغزوة موتة شهد بدراً وما بعدها
إلى أن أسهتشد بموتة. قال ابن سعد: كان يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم، وهو الذى جاء ببشارة بدر إلى المدينة
قال ابن عبد البر: هو أحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول اللّه ◌َالله، وفيه وفى صاحبه
حسان، وكعب بن مالك نزات: (الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيراً -الشعراء: ٢٢٧} الآية
ومناقبه كثيرة، وقصة غزوة مؤتة مروية فى الصحيحين (جلس) هو جواب ((لما)) أى لما جاء النبى مر ◌ّه خبر
شهادتهم على لسان جبريل جلس أى فى المسجد، كما فى رواية أبى داود . وفيه دليل على جواز الجلوس للعزاء فى
المسجد ( يعرف) بصيغة المجهول (فيه) أى فى وجهه (الحزن) أى أثره وهو بضم الحاء وسكون الزاى، والجملة
حال أى جلس حزينا، وعدل إلى قوله: يعرف، ليدل على أنه يفضل كظم الحزن كظما، وكان ذلك القدر الذى
ظهرفيه من جبلة البشرية (وأنا أنظر) جملة حالية أيضاً. وقائلها عائشة رضى الله عنها (من صائر الباب) بالصاد المهملة
المفتوحة والهمزة بعد الألف أى الشق الذى كان بالباب قال المازري: كذا وقع فى الصحيحين ((صائر الباب))
والصواب صير الباب بكسر الصاد وسكون التحتية، وهو الشق. قال القسطلانى: وهو المحفوظ كما فى المجمل
والصحاح والقاموس، وقال ابن الجوزى صائر وصير بمعنى واحد. وفى كلام الخطابى نحوه (تعنى) أى تريد عائشة
بصائر الباب (شق الباب) بفتح الشين المعجمة أى الموضع الذى ينظر منه، وهذا لفظ البخارى فى المغازى. قال
العينى: وهذا التفسير انما وقع فى رواية القابسى، فيكون من الراوى. وفى رواية لهما ((وأنا أنظر من صائر الباب
شق الباب)) أى بدون لفظ تعنى (فأتاه رجل) قال الحافظ: لم أقف على اسمه وكأنه أبهم عمداً لما وقع فى حقه من
غض عائشة منه (إن نساء جعفر) أى امرأته وهى أسماء بنت عميس الخثعمية ومن حضر عندها من النساء من
أقاربها وأقارب جعفر ومن فى معناها، ولم يذكر أهل العلم بالأخبار لجعفر امرأة غير اسماء (وذكر) أى الرجل
(بكاءهن) الجملة فى محل النصب على الحالية سادة مسد الخبر . قال الطبي: هو حال عن المستثمر فى قوله ((فقال))
٤٩٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥- كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
فأمره أن ينهمن، فذهب، ثم أتاه الثانية لم يطعته، فقال: إنههن، فأتاه الثالثة، قال: والله غلبتنا
يا رسول اللّه! فزعمت أنه قال: فأحث فى أفواههن التراب،
وحذفت رضى الله عنها خبر ((ان)) من القول المحكى عن نساء جعفر لدلالة الحال عليه، يعنى أن ذلك الرجل
قال: إن نساء جعفر فعلن كذا وكذا ما حظره الشرع من البكاء المشتمل على رفع الصوت والنياحة - انتهى.
وقد وقع عند النسائى ((ببكين)، وعند أبي عوانة ((قد كثر بكاءهن)) وعند ابن حبان ((قد أكثرن بكاء هن)»
(فأمره) عليه الصلاة والسلام ( أن ينهاهن) عن فعلهن ( فذهب) أى فتهامن فلم يطعنه (ثم أتاه)
أى أتى الرجل النبى صلى الله عليه وسلم ( الثانية) أى المرة الثانية فقال إنهن ( لم يطعنه) أى فى ترك البكاء.
قال الطيبي: قوله لم يطعنه حكاية لمعنى قول الرجل أى فذهب ونهاهن ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال
نهيتهن فلم يطعننى يدل عليه قوله فى المرة الثالثة واللّه غلبتنا، ووقع فى رواية أبى عوانة فذكر أنهن لم يطعنه
(أنههن) بهمزة وصل مكسورة وفتح الهاء أمر من النهى (فأتاه الثالثة) أى فذهب اليهن ونها من ولم يطعنه أيضاً
فأتاه المرة الثالثة (غلبتنا) بلفظ جمع المؤنث الغائبة أى فى عدم الامتثال لقوله لكونه لم يصرح لهن بنهى الشارع
أو حملن الأمر على التقزيه أو لشدة الحزن لم يستطعن ترك ذلك، وليس النهى عن البكاء فقط بل الظاهر أنه على
نحو النوح (فزعمت) بالغيبة أى عائشة وهو مقول عمرة والزعم قد يطلق على القول المحقق وهو المراء هنا، قاله
الحافظ أى قالت عمرة فزعمت أى قالت عائشة (أنه) صلى الله عليه وسلم (قال) للرجل لما لم ينتهين (بأحدث) بضم
المثلثة أمر من حنا يحثو وبكسرها أيضاً من حتى يحثى أى ارم (فى أفواههن التراب) بالنصب أى ليسد محل النوح
فلا يتمكن منه أو المراد به المبالغة فى الزجر قال القرطبى: هذا يدل على أنهن رفعن أصواتهن بالبكاء فلما لم ينتهين
أمره أن يسد أفواههن بذلك وخص الأفواه بذلك لأنها محل النوح بخلاف الأعين مثلا. وقيل لم يرد بالأمر
حقيقته. قال عياض: هو بمعنى التعجيز أى أنهن لا يسكتن إلا بسد أفواههن ولايسدها إلا أن تملأً بالتراب فان
أمكنك فافعل وقال القرطبى: يحتمل أنهن لم يطعن الناهى لكونه لم يصرح لهن بأن النبى وحدة نها من حملن ذلك
على أنه مرشد للصلحة من قبل نفسه أو علمن ذلك لكن غلب عليهن شدة الحزن لحرارة المصيبة ثم الظاهر
أنه كان فى بكاء من زيادة على القدر المباح فيكون النهى للتحريم بدليل أنه كرره وبالغ فيه وأمر بعقوبتهن أن
لم يسكتن ويحتمل أن يكون بكاء مجرداً، والنهى التنزيه ولو كان للتحريم لأرسل غير الرجل المذكور لمنعهن لأنه
لم يقر على باطل، ويبعد تمادى الصحابيات بعد تكرار النهى على فعل الأمر المحرم. وفائدة نهيهن عن الأمر المباح.
خشية أن يسترسلن فيه فيفضى بهن إلى الأمر المحرم لضعف صبرهن فيستفاد منه جواز النهى عن المباح عند
٤٩٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥- كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
فقلت: أرغم اللّه أنفك، لم تفعل ما أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تترك رسول الله صلى
الله عليه وسلم من العناء. متفق عليه.
١٧٥٨ - (٢٣) وعن أم سلمة، قالت: لمامات أبو سلمة قلت: غريب، وفى أرض غربة،
لأبکیه بكاء
خدية افضاءه إلى ما يحرم ، كذا فى الفتح. (فقلت) للرجل (أرغم الله أنفك) بالراء والغين المعجمة أى ألصق
الله أنفك بالرغام بفتح الراء وهو التراب اهانة وإذلالا. قال الحافظ: دعت عليه من جنس ما أمر أن يفعله
بالنسوة لفهمها من قرائن الحال أنه أحرج النى والم بكثرة تردده الله فى ذلك. وقال الطيبي: أى أذلك الله فانك
آذيت رسول الله ◌َ اللّه وما كففتهن عن البكاء وهذا معنى قولها رضى الله عنها (لم تفعل ما أمرك رسول الله عز اللّه)
أى على وجه الكمال فى الزجر وإلا فقد قام بالأمر حيث نها هن عن الضجر، قاله القارى. وقال الكرماني: أى
لم تبلغ النهى وفقته وإن كان قد نهاهن لأنه لم يترتب على نهيه الامتثال فكأنه لم يفعله، ويحتمل أن تكون أرادت
لم تفعل أى الحثو بالتراب (ولم تترك رسول اللّه ◌َوَّم من العناء) بفتح العين المهملة والنون والمد أى المشقة
والتعب ومراد عائشة أن الرجل لا يقدر على ذلك فإذا كان لا يقدر فقد أتعب نفسه ومن يخاطبه فى شىء لايقدر
على ازالته ولعل الرجل لم يفهم من الأمر المحتم. وقال النووى: معناه أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من الاتكار
النقصك وتقصيرك ولا تخبر النبى صلى الله عليه وسلم بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك ويستريح من العناء. وفى
هذا الحديث من الفوائد أيضاً: جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار، وجواز نظر النساء المحتجبات إلى الرجال
الأجانب، وتأديب من نهى عما لا ينبغى له فعله إذا لم ينته، قاله الحافظ . وقد ترجم البخارى فى صحيحه على هذا
الحديث. باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن، قال الزين بن المنيرما ملخصه موقع هذه الترجمة من الفقه
أن الاعتدال فى الأحوال هو المسلك الأقوم فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يفرط فى الحزن حتى يقع فى المحذور من
اللطم والشق والنوح وغيرها ولا يفرط فى التجلد حتى يفضى إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب فيقتدى به
معروفة فى تلك الحالة بأن يجلس المصاب جلسة خفيفة بوقاروسكينة تظهر عليه مخائل الحزن ويؤذن بأن المصيبة عظيمة
كذا فى الفتح. (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الجنائز وفى المغازى، ومسلم فى الجنائز، وأخرجه أيضاً أحمد
وأبو داود والنسائى وأبو عوانة وابن حبان والبيهقى ( ج ٤ ص ٥٩).
١٧٥٨ - قوله (وعن أم سلمة) أم المؤمنين (لما مات أبوسلمة) أى زوجها الأول (غريب وفى أرض
غربة) بالاضافة أى أنه من أهل مكة ومات بالمدينة (لأبكينه) بتشديد النون أى والله لأبكين عليه (بكاء) أى
٤٩٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
يتحدث عنه فكنت قد تهيأت للبكاء عليه، إذا قبلت امرأة تريد أن تسعدنى، فاستقبلها رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: أتريدين أن تدخلى الشيطان بيتا أخرجه الله منه !؟ مرتين، وكففت
عن البكاء فلم أبك . رواه مسلم .
١٧٥٩ - (٢٤) وعن النعمان بن بشير، قال: أغنى على عبد الله بن رواحة، جعلت أخته
عمرة تبكى :
شديداً (يتحدث عنه) بصيغة المجهول أى يتحدث الناس به ويتعجبون منه لكمال شدته ، والظاهر أن هذا منها كان قبل
علمها بتحريم النياحة (فكنت قد تهيأت البكاء عليه) أى بالقصد والعزيمة وتهيئة أسباب الحزن من الثياب السود
وغيرها. قال الطبى: الفاء متصلة بقولها قلت أى قلت عقيب ما تهيأت للبكاء ولا يجوز أن يتصل بالقول إلا مع الواو
ليكون حالا - انتهى. وقال ابن حجر هو عطف على قلت أى عقب قولى ذلك وقع منى تمام التهى (إذا قبلت
امرأة) ظرف لتهيأت وقيل: ظرف لقلت. وفى رواية للبيهتى: فلما تهيأت للبكاء عليه إذا امرأة تريد أن تأتينى،
وفى أخرى له فبينا أنا كذلك قد تهيأت للبكاء عليه إذ أتت امرأة (تريد أن تسعدنى) من الاسعاد وهو الاعانة
أى تساعدنى فى البكاء والفوح (فاستقبلها) أى تلك المرأة (فقال) أى بعد علمه بما هى قاصدة له (أتريدين) أيتها
المرأة باعانتك على المعصية (أن تدخلى الشيطان) أى أن تكونى سببا لدخول الشيطان (بيتا أخرجه اللّه) أى
الشيطان (منه) أى من ذلك البيت وأبعده من أغواه أهله (مرتين) الظاهر أنه متعلق ! ((قال)) أى أعاد هذا الكلام
لكمال الاهتمام مرتين (وكففت) عطف على مقدر أى فانزجرت ومنعت نفسى (عن البكاء فلم أبك) أى البكاء
المذموم. قال البيهقى: هذا فى بكاء يكون معه ندب أو نياحة - انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه البيهقى أيضا
( ج ٤ ص ٦٣).
١٧٥٩ - قوله (عن النعمان) بضم النون (أغنى على عبد الله) بصيغة المجهول يعنى مرض، وحصل له
الاغماء فى مرضه فلما رأت أخته عمرة هذه الحالة بكت وندبت (أخته عمرة) بنت رواحة الأنصارية زوجة بشير
ابن سعد الأنصارى، ووالدة النعمان بن بشير، راوى هذا الحديث ، وهى التى سألت بشيراً أن يخص ابنها منه
بعطية . دون إخوته فرد النبى صلى الله عليه وسلم ذلك، والحديث فى الصحيحين قال ابن عبد البر لما ولدت النعمان
ابن بشير حملته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بتمرة، فضغها ثم ألقاها فى فيه تختكه بها فقالت: يا رسول الله
أدع الله أن يكثرماله وولده فقال أما ترضين أن يعيش كما عاش خاله حميداً، وقتل شهيداً، ودخل الجنة. (تبكى)
٤٩٥

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
واجلاه! واكذا! واكذاه! تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لى: أنت كذلك؟
زاد فى رواية: فلما مات لم تبك عليه . رواه البخارى.
١٧٦٠ - (٢٥) وعن أبى موسى، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من ميت
يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه! وأسيداه! ونحو ذلك، إلا وكل الله به ملكين يلهزانه،
. ويقولان : أهكذا كنت ؟
عليه وتقول (واجبلاه) بالجيم والموحدة واللام والواو فيه الندبة وهو حرف نداء، ولكنه يختص بالندبة ،
والهاء فيه للسكت. قال الطبى: حال والقول محذوف أى قائلة واجبلاه أى أنه كان لها كالجبل تأوى
اليه عند طروق الحوادث فتعتصم به ومستنداً تستند اليه فى أمورها (وا كذا وكذا) مرتين كنايتان عن نحو
سيداه وسنداه (تعدد عليه) بضم التاء من التعديد وهو ذكر أوصاف الميت ومحاسنه فى اثناء البكاء يعنى تذكر محاسنه
وذلك غير جائز، وعند أبي نعيم فى المستخرج واعضداه، وفى مرسل الحسن عند ابن سعد واجبلاه وأعزاه،
وفى مرسل أبي عمران الجونى عنده واظهراه، وزاد فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عاده فأغمى عليه
فقال اللهم إن كان أجله حضر فيسر عليه وإلا فاشفه قال فوجد خفة فقال كان ملك قد رفع مرزبة من حديد
يقول أنت كذا فلو قلت نعم لقمعنى بها (فقال) عبد اللّه (حين أفاق) من الاغماء لأخته عمرة (ما قلت شيئا)
ما سبق (إلا قيل لى) استثناء مفرغ (أنت كذلك) استفهام على سبيل الافكار أى قيل لى أنت لها جبل أى كهف
تلجى اليك على سبيل الايذاء والامانة والتهكم والوعيد الشديد، وزاد أبونعيم فى آخرها فنهاها عن البكاء عليه
قال الطيبي: هذا الحديث ينصر مذهب عمر رضى الله عنه فى حديث ابن أبى مليكة. وقال ابن حجر: فان قات
ما وجه توبيخه بهذا مع أنه لم يرض به ولا أمر. قلت: اخباره بذلك حتى ينزجر الناس عن فعل شىء من ذلك
(فلما مات) عبد الله بن رواحة فى غزوة موتة وبلغها خبره (لم تبك عليه) أى أخته لنهيه إياها عن ذلك فى مرضه
الذى أغنى عليه فيه ولم يمت منه، وقيل لم تبك عليك مخافة أن يقال له بعد الموت أيضاً، كما قيل فى حالة الاغماء
(رواه البخارى) فى المغازى وأخرجه ابن سعد والبيهقى أيضاً (ج ٤ ص ٦٤).
١٧٦٠ - قوله (ما من ميت) أى حقيقى أو مشرف على الموت (يموت) قال الطيبي هو كقول ابن عباس
مرض المريض وآضل الضالة فسمى المشارف للوت والمرض والضلال ميتا ومريضا وضالة وهذه الحالة هى الحالة
التى ظهرت على عبد الله بن رواحة (فيقوم) أى فيشرع (يلهزانه) بفتح الهاء أى بضرباه ويدفعاته وفى النهاية:
اللهز الضرب بجمع اليد فى الصدر يقال لهزه بالرمح أى طعنه فى الصدر (أھکذا كنت)أی توبيخاً وتقریعاً وتهكما به،
٤٩٦
رجم

مر عاة المفاتيح ج ٥
٥- كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
رواه الترمذى، وقال: هذا حديث غريب حسن.
١٧٦١ - (٢٦) وعن أبى هريرة، قال: مات ميت من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم
فاجتمع النساء يكين عليه، فقام عمر ينهامن ويطردمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
دعهن يا عمر فان العين دامعة، والقلب مصاب، والعهد قريب. رواه أحمد، والنسائى.
كما فى قوله: ((ذق أنك أنت العزيز الحكيم)) وفيه وفى حديث النعمان دليل على تحريم الندبة والنياحة على الميت الحقيقى
وعلى المشرف على الموت (رواه الترمذى) وأخرجه أحمد (ج ٤ ص ٤١٤) بلفظ: الميت يعذب بيكاء الحى عليه
إذا قالت النائحة واعضداه واناصراه واكاسياه جبذ الميت وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها أنت كماسيها.
وأخرجه ابن ماجه بلفظ: يتعتع به ويقال أنت كذلك. وقوله: يتمتع على بناء المفعول من تعتعت الرجل إذا
عنفته وأقلقته، كذا فى الصحاح. والعنف هو الأخذ بمجامع الشىء وجره بقهر وأخرجه الحاكم بنحوه وقال صحيح
الاسناد قال الحافظ فى الفتح والتلخيص بعد ذكر حديث أبى موسى من رواية أحمد والترمذى والحاكم وشاهده.
ما روى البخارى فى المغازى من صحيحه من حديث النعمان بن بشير فذكر لفظه وفى الباب عن عبد الله بن عمر
أخرجه الطبرانى فى الكبيروعن معاذبن جبل أخرجه الطبرانى أيضاً ذكرهما الهيشمى فى الزوائد (ج٣ ص ١٤-١٥)
والمنذرى فى الترغيب وقالا فى الأول الأعمش لم يدرك ابن عمر وفى الثانى الحسن لم يدرك معاذاً.
١٧٦١ - قوله (مات ميت من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم) هى زينب بنت رسول الله محمد الع
كما سيأتى فى الحديث الآتى (يبكين عليه) أى على الميت من غير نياحة (دعهن) أى أتركهن (فان العين دامعة)
أى بالطبع والجبلة البشرية. قال السندى: فيه أن بكاءهن كان بدمع العين لا بالصياح، فلذلك رخص فى ذلك ، وبه
يحصل التوفيق بين أحاديث الباب (والقلب) بالنصب والرفع (مصاب) أى أصابه المصيبة فلابد له من أن يحزن
فهو السبب فى بكاء العين (والعهد) أى زمان المصيبة (قريب) أى منهن فالصبر صعب عليهن. قال الطيبي: كان.
من الظاهر أن يعكس الترتيب لأن قرب العهد مؤثر فى القلب بالحزن، والحزن مؤثر فى البكاء ولكن قدم
ما يشاهد، ويستدل به على الحزن الصادر من قرب، وفيه أنهن لم يكن يردن على البكاء النياحة والجزع - انتهى.
وقال القارى الظاهر أن بكاء هن كان بصوت لكن لا برفعه فنها من عمر سداً لباب الذريعة حتى لا ينجر إلى النياحة
المذمومة فأمره عليه الصلاة والسلام بتركهن وأظهر عذراً لهن فى أفعالهن ـ انتهى. والظاهر عندى هو ما قاله
الطيبي والسندى (رواه أحمد والنسائى) وأخرجه ابن ماجه وابن حبان والبيهقى (ج ٤ ص ٧٠) أيضاً وأفظ
ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان فى جنازة «رأى عمر امرأة (أى باكية) فصاح بها (لتنتهى عنه) فقال النبي
٤٩٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
١٧٦٢ - (٢٧) وعن ابن عباس، قال: ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فيكت النساء، فجعل عمر يضربين بسوطه، فأخره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وقال:
مهلا يا عمر! ثم قال: إياكن ونعيق الشيطان، ثم قال: إنه مهما كان من العين ومن القلب،
فمن الله عز وجل
◌َوالم دعها يا عمر فإن العين دامعة والنفس مصابة والعهد قريب، ذكره الحافظ فى التلخيص، وسكت عنه، ونقل
السندى فى حاشية ابن ماجه عن الحافظ أنه قال فى الفتح رجاله ثقات .
١٧٦٢ - قوله (ماتت زينب بنت رسول الله {}) وقع فى رواية عند أحمد والبيهقى وابن سعد: رقية
بنت رسول الله بدل زينب، وهو خطأ، والصواب زينب، وهى أكبر بناته عَّله، وأول من تزوج منهن ولدت
قبل البعثة بمدة . قيل: إنها عشر سنين، وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمى، وأمه هالة بنت خويلد،
أسلمت زينب وهاجرت حين أبى زوجها أبو العاص أن يسلم ، وولدت من أبي العاص غلاما اسمه على مات
وقد ناهز الاحتلام ومات فى حياته، وجارية اسمها أمامة عاشت حتى تزوجها على بعد فاطمة ، وتوفيت زينب فى
أول سنة ثمان من الهجرة، وكان سبب موتها أنها لما خرجت من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عدلها مبار
ابن الأسود ورجل آخر فدفعها أحدهما فيما ذكروا فسقطت على صخرة فأسقطت واهراقت الدماء فلم يزل بها
مرضها حتى ماتت سنة (٨) من الهجرة، وكان زوجها محبا فيها وكانت وفاته بعدها بقليل (فأخره رسول الله
مَاقلمه بيده) فى المسند (ج ١ ص ٢٣٨) فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده (مهلا) بسكون الهاء أى
أمهلهن مهلا أو أعطهن مهلا. قال السيد: ((مهلا)) مصدر عامله محذوف، وقيل المَهْل والمَهَل الرفق والتؤدة
والتباطؤا، ويقال مَهْلا وعلى مَهْل أى امهيل وهو مصدر نائب مناب فعله يستوى فيه المذكر والمؤنث مفردا
.ومثنى وجمعا (با عمر) والمعنى لا تبادر حتى يتبين لهن الحكم. وفى رواية لأحمد (ج ١ ص ٣٣٥) دعهن ببكين
(ونعيق الشيطان) أى صياحه بالنياحة وأضيف اليه لحمله عليه من نعق الراعى بغنمه دعاها لتعود اليه ومنه قوله
تع الى: ﴿كمثل الذى ينعق - البقرة: ١٧١﴾ (ثم قال) أى النبي صلى الله عليه وسلم مبينا له أتم البيان (إنه)
أى الشأن (مهما كان) فى القاموس: مهما بسيط لا من كب من ((مه وما)) ولامن ((ماما)) خلافا لواعميهما - انتهى.
واختلف فى أنها اسم شرط أو حرف شرط وهو فى هذا المقام ظرف لفعل الشرط أى مهما كان البكاء (من العين)
أى من الدمع (ومن القلب) أى من الحزن (فمن الله عز وجل) أى محمود ومرضى من جهته وصادر من خلقته.
وقال الطيبي: ((منهما)) حرف الشرط تقول مهما تفعل افعل. قيل: إن أصلها ((ماما)) فقلبت الألف الأولى ماء،
٤٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
ومن الرحمة، وما كان من اليد ومن اللسان، فمن الشيطان. رواه أحمد .
١٧٦٣ - (٢٨) وعن البخارى تعليقا، قال: لما مات الحسن بن الحسن بن على ضربت امرأته القبة
على قبره سنة
ومحله رفع بمعنى أيما شىء كان من العين فمن الله (ومن الرحمة) أى وناشىء من رحمة صاحبه (وما كان) ((ما))
شرطية أيضا (من اليد) كالضرب على الخد وقطع الثوب ونتف الشعر (ومن اللسان) أى بطريق الصياح وعلى
وجه النياح أو يقول مما لا يرضى به الرب (فمن الشيطان) أى من أغواء، أو برضاه. قال الطيبي: وجه اختصاص
البكاء بالله أن الغالب فى البكاء أن يكون محموداً فالأدب أن يسند إلى الله تعالى بخلاف قول الخنا والضرب باليد
عند المصيبات فان ذلك مذموم. وقال ميرك: ولعل اسناد البكاء إلى الله تعالى لأجل أن الله تعالى راض به
ولا يؤاخذ به بخلاف ما صدر من اللسان واليد عند المصيبة فإن الشيطان راض بهما والر حمن يؤاخذ بهما .
وقال القارى: بعضها مباح أو محمود فينسب إلى اللّه لاباحته أو لرضاه فيترتب عليه الثواب، وبعضها معصية
فينسب إلى الشيطان حيث تسبب بالاغواء وحصل له به الرضا فيستوجب عليه العذاب (رواه أحمد) (ج ١
ص ٢٣٧ - ٢٣٨ و ٣٣٥) وأخرجه البيهقى (ج ٤ ص ٧٠) وابن سعد أيضا، والحديث فى اسناده على بن زيد ،
وفيه كلام وهو موثق وأشار اليه الحافظ فى التلخيص وسكت عنه .
١٧٦٣ - قوله (وعن البخارى تعليقا) أى بلا اسناد. قال القارى: كان من حق المصنف أن يذكر من يرويه
البخارى عنه أولا وينسب الحديث اليه معنعنا ثم يقول بعد تمام الحديث. رواه البخارى تعليقا - انتهى . قلت:
أورد البخارى هذا الأثر معلقاً بحذف كل السند يعنى ذكره غير معز وإلى من رواه حيث قال «باب ما يكره من
اتخاذ المسجد على القبور)، ولما مات الحسن بن الحسن بن على إلخ. ثم روى بسنده عن عائشة عن النبي ◌َ ◌ّه قال:
فى مرضه الذي مات فيه لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وعلى هذا فلا وجه للاعتراض
على المصنف، وقد وصل هذا الأثر الحسين بن اسماعيل بن عبد الله المحاملى فى أماليه من طريق جرير عن المغيرة
ابن مقسم ، ووصله أيضاً ابن أبى الدنيا فى كتاب القبور من طريق المغيرة (لما مات الحسن بن الحسن بن على) بن
أبى طالب الهاشمى بفتح الحاء والسين فى الاسمين، وهو من وافق اسمه أسم أبيه، وكانت وفاته سنة سبع وتسعين
وله بضع وخمسون سنة ، وهو من ثقات التابعين، وله ولد يسمى الحسن أيضا فهم ثلاثة فى نسق واحد
(ضربت امرأته) فاطمة بنت الحسين بن على بن أبى طالب الهاشمية، وهى ابنة عمه تقدم ترجمتها ( القبة ) بضم
القاف وتشديد الموحدة أى الخيمة ، كما جاء فى رواية المحاملى وابن أبى الدنيا بلفظ الفسطاط (على قبره سنة)
٤٩٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٧ - باب البكاء على الميت
ثم رفعت، فسمعت صائحا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا.
١٧٦٤ - ١٧٦٥ - (٢٩ - ٣٠) وعن عمران بن حصين، وأبى برزة، قالا: خرجنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى جنازة، فرأى قوما قد طرحوا أرديتهم بمشون فى قمص، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: أ بفعل الجاهلية تأخذون؟ أو بصنيع الجاهلية
قال ابن المنير: إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه تعليلا للنفس وتخيلا باستصحاب المألوف من
الانس ومكابرة للحس، كما يتعلل بالوقوف على الاطلال البالية ومخاطبة المنازل الخالية جاءتهم الموعظة على لسان
الهاتفين بتقبيح ماصنعوا (ثم رفعت) بالبناء للفاعل أى أمرت المرأة برفعها أو للفعول أى رفعت الخيمة (فسمعت)
أى المرأة ويروى فسمعوا أى المرأة ومن معها (صائحا) أى هاتفاً من مؤمنى الجن أو الملائكة (ألا) بالتخفيف
للتنبيه (ما فقدوا) بفتح القاف ويروى ما طلبوا (فأجابه آخر) أى صائح آخر (بل ينسوا فانقلبوا) أى رجعوا،
وفى هذا الأثر دليل على كراهة ضرب القبة على القبر، واليه ذهب أحمد وهو الحق . قال ابن قدامة : كره أحمد
أن يضرب على القبر فسطاط، وأوصى أبو هريرة حين حضرته الوفاة أن لا يضربوا عليه فطاطا - انتهى. وذكر
البخارى ذلك الأثر فى الباب المذكور، لأنه يدل على كراهة ضرب القبة على القبر. قال القسطلانى: مطابقته للترجمة
ومناسبته لحديث الباب من جهة أن المقيم فى الفسطاط لا يخلو من الصلاة فيه، فيستلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد
يكون القبر فى جهة القبلة فتزداد الكراهة وإذا أنكر الصائح بناء زائلا فالبناء الثابت أجدر لكن لا يؤخذ من كلام
الصائح حكم لأن مسالك الأحكام الكتاب والسنة والإجماع والقياس ولا وحى بعده عليه الصلاة والسلام وإنما
هذا وأمثاله تنبيه على انتزاع الأدلة من مواضعها واستنباطها من مظانها - انتهى. وقال الحافظ: إنما ذكره البخارى.
لموافقته للأدلة الشرعية لا لأنه دليل برأسه .
١٧٦٤ - ١٧٦٥ - قوله (فرأى قوما) أى من متبعى الجنازة (قد طرحوا أرديتهم) قال السندى: أى
غيروا لباسهم للحزن على الميت ، وهذا من صنيع الجاهلية، لكن أهل الجاهلية يبالغون فيه فلذلك سمى هذا
تشبها بهم - انتهى. (يمشون) حال من فاعل طرحوا أو صفة بعد صفة لقوما ( فى قص ) بضمتين جمع قميص.
قال القارى يؤخذ منه أن الشعار المعروف فى ذلك الزمن هو الرداء فوق القميص. قال الطبى: حال متداخلة لأن
يمشون حال من الواو فى طرحوا أو هو من الواو فى يمشون (أ بفعل الجاهلية) أى من تغير الزى المألوف عند
: