النص المفهرس

صفحات 361-380

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
فشر تضعونه عن رقابكم . متفق عليه.
١٦٦١ - (٢) وعن أبى سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وضعت
الجنازة، فاحتملها الرجال على أعناقهم، فان كانت صالحة قالت: قدمونى، وإن كانت غير صالحة
قالت لأهلها: يا ويلها
(نشر) أى فهو شر (آضمونه عن رقابكم) فلا مصلحة لكم فى مصاحبتها لأنها بعيدة من الرحمة، ويؤخذ منه ترك
صحبة أهل البطالة وغير الصالحين. وفى الحديث دليل على ندب المبادرة بتجهيز الميت ودفنه لكن بعد تحقق .وته
فان من المرضى من يخفى موته ولا يظهر إلا بعد مضى زمان كالمسبوت ونحوه (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد
ومالك، والترمذى، وأبوداود، والنسائى، وابن ماجه .
١٦٦١ - قوله (إذا وضعت الجنازة) يحتمل أن المراد بالجنازة الميت أى إذا وضع الميت على السرير،
ويحتمل أن المراد بها السرير أى إذا وضع السريرعلى الكتف، والأول أولى، لقوله بعد ذلك فان نك صالحة، قالت
فان المراد هناك الميت، ويؤيده حديث أبى هريرة عند النسائى وأبى داود الطيالسى بلفظ: إذا وضع الرجل الصالح
على سريره، كذا قيل. قال السندى: بل هو المتمين، إذ على الثانى يكون قوله: فاحتملها الرجال على أعناقهم تكراراً،
ولا يمكن جعله تأكيداً إذ لا يناسبها الفاء فليتأمل نعم ضمير احتملها بالسرير أنسب إذ هوالمحمول اصالة والميت تبعا
لكن يكفى فى صحة ارادة الميت كونه محمولا تبعا، ويحتمل أن يكون المراد بالضمير السرير بالاستخدام - أنتهى.
قلت: وقع فى رواية للبخارى واحتملها الرجال بالواو بدل الفاء فـ لا يبعد أن يكون تأكيداً نعم التأسيس أولى
من التأكيد. وقال القارى: إذا وضعت الجنازة أى بين يدى الرجال وهيئت ليحملوها (قالت) حقيقة بلسان القال
بحروف وأصوات يخلقها الله تعالى فيها. قال ابن بزيرة: قوله فى آخر الحديث ((يسمع صوتمها كل شىء)) دال على أنه
قول بلسان القال لابلسان الحال، قيل يحتمل أن القائل الروح أو الجسد بواسطة ردالروح اليه، وقيل دعوى إعادة
الروح إلى الجسد قبل الدفن يحتاج إلى دليل والله عز وجل قادر على أن يحدث أحاقا فى الميت إذا شاء (قدمونى) أى
ثواب العمل الصالح الذى عملته. قال السندى: كأنه يعتقد أنهم يسمعون قوله فيقول لهم ذلك أو أنه تعالى مجرى
على لسانه ذلك ليخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم الناس فتحصل الفائدة بواسطة ذلك الاخبار والله تعالى أعلم
(قالت لأهلها) قال الطیی: أیلأجل أهلها اظهار ا لوقوعها فى الهاکة وکل مز وقع فى الهاكة دعابالويل (ياويلها)
أى ويل الجنازة أى يا هلاكى أحضرفهذا أو انك، وكان القياس أن يقول ياويلى، فدل إلى اضافة الويل إلى ضمير
الغائب حملا على المعنى كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه، أو كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة نفرعنها وجعلها كأنها
٣٦١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شىء إلا الانسان، ولو سمع الانسان لصعق .
رواه البخارى.
١٦٦٢ - (٣) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الجنازة فقوموا،
غيره، وبؤيد الأول أن فى رواية أبى هريرة عند النسائى يا ويلتى أين تذهبون بي فدل على أن ذلك من تصرف الرواة
(أين تذهبون بها) قالته لأنها تعلم أنها لم تقدم خيرا وانها تقدم على ما يسؤها فتكره القدوم عليه (يسمع صوتها) المنكر
بذلك الويل ( كل شىء) أى حتى الجماد، وقيل أى من الحيوان (الا الانسان) بالنصب على الاستثناء (ولو سمع
الانسان ) أى صوتها بالويل المزعج (لصعق) أى لغشى عليه أو مات من شدة هول ذلك وهذا فى غير الصالح ،
لأن الصالح من شأنه اللطف والرفق فى كلامه فلا يناسب الصعق من سماع كلامه، وقيل يحتمل حصول الصعق
من سماع كلام الصالح أيضا لكونه غير مالوف. قال السندى: وهذا مبنى على أن المراد لوسمعه أحيانا والافلو
سمعه على الدوام لما يقى غير مالوف والله اعلم - انتهى. وفيه بيان حكمة عدم سماع الانسان من أنه يختل نظام العالم
ويكون الايمان شهوديا لا غيبيا، واستدل البخارى بقوله فاحتملها الرجال على منع النساء من حمل الجنازة وإن
كان الميت امرأة، فقد بوب على هذا الحديث ((باب حمل الرجال الجنازة دون النساء)) وقد استشكل ذلك
لكونه أخباراً فلا يكون حجة فى منع النساء، لأنه ليس فيه أن لا يكون الواقع الا ذلك ، وأجيب بأن كلام
الشارع مهما أمكن حمله على التشريع لا يحمل على مجرد الاخبار عن الواقع. وقد روى أبو يعلى من حديث أنس
قال: خرجنا مع رسول اللّه مَثّم فى جنازة فرأى نسوة فقال أتحملته قلن لا قال أتدفنه قلن لا قال فارجعن
مازورات غير ماجورات . ونقل النووى فى شرح المهذب : أنه لاخلاف فى هذه المسئلة بين العلماء، والسبب فيه
أن فى الحمل على الأعناق والأمر بالاسراع مظنة الانكشاف غالبا ، وهو مباين لالمطلوب منهن من التستر مع
ضعف نفوسهن عن مشاهدة الموتى غالبا فكيف بالحمل مع ما يتوقع من صراخهن عند حمله ووضعه، وأيضا لابد
أن يشيع الجنازة الرجال فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيفضى إلى الفتنة نعم إن
لم يوجد غيرهن تعين عليهن (رواه البخارى) وأخرجه أيضا النسائى.
١٦٦٢ - قوله (إذا رأيتم الجنازة فقوموا) فيه مشروعية القيام للجنازة إذا مرت بالمكلف القاعد
وإن لم يقصد تشييعها، وظاهره عموم كل جنازة من مؤمن وغيره، ويؤيده قيامه صلى الله عليه وسلم لجنازة
يهودى مرت به، وقد علل ذلك بأن الموت فزع. وفى رواية أليست نفسا، وسيأتى الكلام على ذلك. واختلف
العلماء فى حكم القيام الجنازة لمن مرت به، فذهب جماعة من السلف والخلف ، كما قال ابن عبد البر فى التمهيد إلى
وجوبه. وقال مالك والشافعى وأبو حنيفة وصاحباه: أنه منسوخ. وذهب أحمد ومن وافقه إلى أنه مستحب . قال
٣٦٢

مرعاة المفاتيح ج.
٥- كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع.
الشوكانى: ذهب أحمد وإسحاق بن راهويه وابن حبيب وابن الماجشون من المالكية: إلى أن القيام للجنازة لم ينسخ
والقعود منه عَّه، كما فى حديث على الآتى انما هو لبيان الجواز فمن جلس فهو فى سعة ومن قام فله أجر، وكذا
قال ابن حزم: أن قعوده ◌َ اللّه بعد أمره بالقيام، يدل على أن الأمر للندب، ولا يجوز أن يكون نسخاً. قال
النووى: والمختار أنه مستحب ، وبه قال المتولى، وصاحب المهذب من الشافعية، وممن ذهب إلى استحباب القيام
ابن عمر وأبو مسعود وقيس بن سعد وسهل بن حنيف ، كما يدل على ذلك الروايات المذكورة فى الباب (أی باب
ما جاء فى القيام للجنازة إذا مرت من كتاب المنتقى) وقال أبو حنيفة ومالك والشافعى : أن القيام منسوخ بحديث
على الآتى، قال الشافعى: أما أن يكون القيام منسوخا أو يكون لعلة وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله ،
والحجة فى الآخر من أمررسول اللّه مَ الله - انتهى. وقد دل كلام الشوكانى على أن الامام أحمد ذهب إلى استحباب
القيام للجنازة. وقال عياض: ذهب أحمد إلى التوسعة والتخيير، ويؤيده ما حكاه الترمذى عن أحمد أنه قال إن
شاء قام وإن شاء قعد. وقال ابن قدامة: إذا مرت به جنازة لم يستحب له القيام لها لقول على قام رسول الله مؤلفته
ثم قعد. قال أحمد: إن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس، وذكر ابن أبى موسى والقاضى: أن القيام مستحب ، لأن
النبى صلى الله عليه وسلم أمر بالقيام. قال ابن قدامة: وقد ذكرنا أن آخر الأمرين من رسول الله مؤهل ترك القيام
بها والأخذ بالآخر من أمره أولى - انتهى. وسيأتى بيان ما هو الراجح فى ذلك فى شرح حديث على الآتى (فن
تبعها فلا يقعد حتى توضع) يحتمل أن المراد حتى توضع على الأرض أو توضع فى اللحد، وقد روى عن أبى هريرة
باللفظين إلا أنه أشار البخارى إلى ترجيح رواية حتى توضع بالأرض بقوله: باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى
توضع عن منا كب الرجال. وصرح أبوداود بترجيحها حيث قال بعد رواية حديث أبى سعيد من طريق سهيل بن
أبى صالح بلفظ: إذا اتبعتم الجنازة فلاتجا وأحتى توضع، وروى الثورى هذا الحديث عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة
قال فيه حتى توضع بالأرض، ورواه أبو معاوية عن سهيل قال حتى توضع فى اللحد وسفيان أحفظ من أبى معاوية -
انتهى. وكذا قال الأثرم. قال الحافظ: ورواه جرير عن سهيل أى عن أبى صالح عن أبى سعيد فقال حتى توضع
حسب، وزادقال سهيل ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال. أخرجه أبو نعيم فى المستخرج
بهذه الزيادة والبيهقى (ج٤ ص ٢٦) وهو فى مسلم بدونها. قال الحافظ: ورجح رواية حتى توضع بالأرض
عند البخارى بفعل أبى صالح، لأنه راوى الخبر، وهو أعرف بالمراد منه، ورواية أبى معاوية مرجوحة، كما قال
أبو داود - انتهى. قلت: المختار عند القائلين باستحباب قيام التابع قبل الوضع هو أن المراد بالوضع وضعها
بالأرض. وفى المحيط للحنفية: الأفضل أن لا يجلسوا حتى يسووا عليه التراب وحجته رواية أبى معاوية. وفى
البدائع والخانية والعناية وغيرها خلافه حيث صرحوا بأنه لا بأس بالجلوس بعد الوضع بالأرض. والحديث
٣٦٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
يفيد النهى عن جلوس المشيع أى الماشى مع الجنازة قبل أن توضع على الأرض. واختلف العلماء فى ذلك، فذهب
بعض السلف إلى أنه يجب القيام حتى توضع واحتج له برواية سعيد عن أبى هريرة وأبى سعيد قالا ما رأينا رسول
اللّه يُّ شهد جنازة قط بجلس حتى أوضع. أخرجه النسائى. قال الشوكانى: ولا يخفى أن مجرد الفعل لا ينتهض دليلا
للوجوب فالأولى الاستدلال له بحديث أبى سعيد فان فيه النهى عن القعود قبل وضعها، وهو حقيقة للتحريم وترك
الحرام واجب، ومثل ذلك حديث أبى هريرة عند أحمد مرفوعا: من صلى على جنازة ولم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه
فان مشى معها الا يقعد حتى توضع - انتهى. وقال الأوزاعى وأحمدوإسحاق ومحمد بن الحسن: يستحب له أن لا يجلس
حتى توضع عن أعماق الرجال حكى عنهم ذلك النووى ، والحافظ فى الفتح، ونقله ابن المنذر عن أكثر الصحابة
والتابعين، وحكى فى الفتح عن الشعبى والنخعى: أنه يكره القعود قبل أن توضع وهو مذهب الحنفية والحنابلة، كمافى كتب
فروعهم. واختلف الشافعية فى ذلك فقال بعضهم قيام المشيع قبل وضع الجنازة بالأرض منسوخ كالقيام لمن مرت به ،
وهو الذى حكاه ابن قدامة عن الشافعى، وقال بعضهم كقول الجمهور أنه يستحب له أن لا يقعد حتى توضع واستدل
للنسخ بما سيأتى من حديث عبادة بن الصامت (عند الترمذى وأبى داود وابن ماجه والبيهقى) (ج ٤ ص ٢٨)
والبزار والحازمى (ص ١٣٠) قال كان رسول الله عَ ل إذا اتبع الجنازة لم يقعد حتى توضع فى اللحد فعرض له
+برفقال هكذا نصنع یا محمد جلس رسول الله مفت} وقال اجلسوا وخالفوم وأجيب عنه بأنه حديث ضعيف
كما ستعرف فلا يسوغ الاستدلال به على نسخ السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة. قال الحافظ فى الفتح: لو لم يكن
إسناده ضعيفا لكان حجة فى النسخ. وقال الحازمى بعدروايته: هذا حديث غريب. ولو صح لكان صريحا فى النسخ
غير أن حديث أبى سعيد أصح وأثبت فلا يقاومه هذا الاسناد - انتهى. علا أن هذا الحديث إنما يدل على نسخ
القيام قبل الوضع فى اللحد لا على نسخ القيام قبل الوضع بالأرض، والمطلوب اثبات هذا لا ذاك. قال القارى
فى شرح قوله ((خالفوثم)) فبقى القول بأن التابع لم يقعد حتى أوضع عن أعناق الرجال هو الصحيح مع أن قوله.
حتى توضع فى اللحد يرده ما فى حديث البراء الطويل المتقدم كنا مع رسول اللّه مَّه فى جنازة، فانتهينا إلى القبر
ولما يلحد، يجلس بجلسنا حوله. وأستدن للنسخ أيضا بما سيأتى من حديث على قال: كان رسول الله محلّع
أمرنا بالقيام فى الجنازة، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس، أخرجه أحمد ( ج ١ ص ٨٢) وابن حبان
والحازمى (ص١٢١) وأخرجه البيهقى (ج ٤ ص ٢٧) بلفظ: ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود. وأجاب
عنه الشوكانى بأن هذا الحديث إن صح صلح للنسخ لقوله فيه: وأمرنا بالجلوس، ولكنه لم يخرج هذه الزيادة
مسلم ولا الترمذى ولا أبو داود (ولا ابن ماجه ولا أحمد فى أكثر رواياته) بل اقتصروا على قوله ثم قعد ،
٣٦٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
متفق عليه.
(ومجرد الفعل لا يدل على نسخ القول لاحتمال أن قعوده كان لبيان الجواز) قال واقتصار جمهور المخرجين لحديث
على وحفاظهم على مجرد القعود بدون ذكر زيادة الأمر بالجلوس مما يوجب عدم الاطمينان اليها والتمسك بها فى النسخ
لما هو من الصحة فى الغاية. وأجاب عنه ابن حزم (ج ٥ ص ١٥٤) بأن الأمر فيه للاباحة والتخفيف، قال كنا
تقطع بالنسخ بهذا الخبر، لولاما روينا من طريق النسائى عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة وأبى سعيد قالاجميعاً ما رأينا
رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة قط جلس حتى توضع، قال فهذا عمله عليه السلام المداوم، وأبو هريرة.
وأبو سعيد ما فارقاه عليه السلام حتى مات، فصح أن أمره بالجلوس إباحة وتخفيف، وأمره بالقيام وقيامه ندب -
انتهى. قلت: والظاهر أن المراد بالقيام المذكور فى حديث على هو القيام الجنازة إذا مرت به لا قيام النابع
والمشيع. وأما رواية الحازمى (ص ١٣٠) بلفظ: قال على: قدمنا مع رسول اللّه تع المدينة أول ما قدمنا،
فكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يجلس حتى توضع الجنازة، ثم جلس بعد وجلسنا معه، فكان يؤخذ بالآخر،
فالآخر من أمررسول الله صلى الله عليه وسلم، فنى كونها صالحة للاستدلال نظر. قال الحازمى: هذا الحديث بهذه
الألفاظ غريب أيضا. قلت: وكذا رواية البيهقى (ج ٤ ص ٢٧) بلفظ قام رسول الله مثل مع الجنائز حتى
توضع وقام الناس معه، ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود غريب أيضاً. نعم يشكل رواية الترمذى والنسائى
والبيهقى ( ج ٤ ص ٢٧) بلفظ: عن على بن أبى طالب أنه ذكر القيام على الجنازة حتى توضع، فقال على بن أبى
طالب: قام رسول اللّه مَته ثم قعد، ورواية البيهقى (ج٤ ص ٢٨) بلفظ: رأى على الناس قياما ينتظرون الجنازة
أن توضع فأشار اليهم بدرة معه أو سوط أن اجلسوا، فان رسول اللّه مرثم قد جلس بعد ما كان يقوم لأن ماتين
الروايتين تدلان على أن المراد القيام مطلقا وأن الذى فهمه على رضى الله عنه هو الترك مطلقا، ولهذا أمر بالقعود من
رأى قائما ينتظر الجنازة أن توضع ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن الذى استند اليه على فى الأمر بقعود المنتظرين إنما
هو فعله ◌َفّ، ومن المعلوم أن مجرد الفعل لا يدل على النسخ ، لأنه يحتمل أن قعوده كان لبيان الجواز، وأن النهى
فى حديث أبى سعيد للتقزيه لا للتحريم فتأمل والقول الراجح عندى هوما ذهب إليه الجمهور من أنه يستحب
أن لا يجلس التابع والمشيع الجنازة حتى توضع بالأرض، وأن النهى فى قوله فلا يقعد محمول على التنزيه، والله
تعالى أعلم. ويدل على استحباب القيام إلى أن توضع ما رواه البيهقى (ج ٤ ص ٢٧) من طريق أبي حازم قال.
مشيت مع أبى هريرة وابن عمر وابن الزبير والحسن بن على أمام الجنازة حتى انتهينا إلى المقبرة فقاموا حتى
وضعت ثم جلسوا فقلت لبعضهم فقال إن القائم مثل الحامل يعنى فى الأجر (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد
والترمذى وأبو داود والنسائى والبيهقى ( ج ٤ ص ٢٦).
٣٦٥

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
١٦٦٣ - (٤) وعن جابر، قال: مرت جازة، فقام لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمنا
معه، فقلنا يا رسول الله! إنها يهودية، فقال: إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا.
متفق عليه.
١٦٦٣ - قوله (إنها) أى الميتة (يهودية) أو الجنازة جنازة يهودية، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخارى:
إنها جنازة يهودى (إن الموت فزع) بفتحتين. قال القرطبى: معناه أن الموت يفزع منه إشارة الى استعظامه.
ومقصود الحديث أن لا يستمر الانسان على الغفلة بعد روية الموت لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت،
فمن ثم استوى فيه كون الميت مسلما أو غير مسلم. وقال غيره: جعل نفس الموت فزعا مبالغة، كما يقال رجل
عدل. قال البيضاوى: هو مصدر جرى مجرى الوصف البالغة أو فيه تقدير أى الموت ذو فزع - أنتهى . ويؤيد
الثانى رواية النسائى بلفظ: إن الموت فرعا. وعن أبى هريرة عندابن ماجة وعن ابن عباس عند البزار مثله . قال
البزار: وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغى لمن وأها أن يقلق من أجلها ويضطرب، ولا يظهر منه عدم
الاحتفال والمبالاة (فإذا رأيتم الجنازة فقوموا) أى تعظيما لهول الموت وفزعه لا تعظيما ليت، فلا يختص القيام
بميت دون ميت. واعلم أنه اختلفت الأحاديث فى تعليل القيام بجنازة اليهودى أو اليهودية ، ففى هذا الحديث
التعليل بقوله : إن الموت فزع، وفى حديث سهل بن حنيف وقيس الآتى التعليل بكونها نفسا ، وفى حديث أنس
عند النسائى والحاكم: إنما قمنا الملائكة، ونحوه لأحمد من حديث أبى موسى، وسيأتى هذان الحديثان فى
الفصل الثالث، وفى حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد والحاكم والبيهقى: إنما تقومون للذى يقبض النفوس،
وأخرجه ابن حبان بلفظ: إعظاما لله الذى يقبض الأرواح. ولا معارضة فى هذه التعليلات، إذ يجوز تعدد
الأغراض والعلل، فيكون القيام مطلوبا تعظيما لأمر الموت والملائكة جميعا وغير ذلك. قال الحافظ: لا منافاة
فيها ، لأن القيام الفزع من الموج فيه تعظيم لأمر الله وتعظيم للقائمين بأمره فى ذلك وهم الملائكة. وأما ما أخرجه
أحمد من حديث الحسن بن على قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تأذيا بريح اليهودى. زاد الطبرانى من حديث
عبد الله بن عياش فآذاه ريح بخورها. وللنسائى والطبرى من وجه آخر عن الحسن: كره أن تعلو رأسه جنازة
يهودى، فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة . أما أولا فلان أسانيدها لا تقاوم تلك فى الصحة، وأما
ثانيا فلان التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الرأوى، والتعليل الماضى صريح من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ،
فكان الراوى لم يسمع التصريح بالتعليل منه فعلل باجتهاده، كذا فى الفتح (متفق عليه) واللفظ لمسلم. ولفظ
البخارى: من بنا جنازة فقام لها النبى صلى الله عليه وسلم وقمنا، فقلنا يا رسول الله! إنها جنازة يهودى، قال:
٣٦٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥- كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
١٦٦٤ - (٥) وعن على، قال: رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقمنا، وقعد فقعدنا،
إذا رأيتم الجنازة فقوموا. قال ميرك: فى قوله متفق عليه نظر من وجهين أحدهما أن جملة إن الموت فرع من
أفراد مسلم عن البخارى ، والثانى أن لفظ البخارى: إنها جنازة يهودى - انتهى. والحديث أخرجه أبو داود
والنسائى والبيهقى أيضا .
١٦٦٤ - قوله (رأينا رسول اللّه عَ ل قام) أى لرؤية الجنازة (فقمنا) أى تبعاً له (وقعد فقعدنا) وفى
رواية لمسلم: قام رسول اللّه مَّ ثم قعد. قال البيضاوى: يحتمل قول على ثم قعد أى بعد أن جاوزته وبعدت
عنه. ويحتمل أن يريد كان يقوم فى وقت ثم ترك القيام أصلا، وعلى هذايكون فعله الأخير قرينة فى أن المراد بالأمر
الوارد فى ذلك الندب . ويحتمل أن يكون نسخا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر. والأول أرجح، لأن احتمال
المجاز يعنى فى الأمر أولى من دعوى النسخ - إنتهى. وقال الترمذى: معنى قول على: قام النبي محمد فى الجنازة ثم
قعد ، يقول كان النبى صلى الله عليه وسلم يقوم إذا رأى الجنازة ثم ترك ذلك بعد، فكان لا يقوم إذا رأى الجنازة،
قال: وهذا الحديث ناسخ للحديث الأول: إذا رأيتم الجنازة فقوموا - إنتهى. وكذا استدل به على النسخ كل
من ذهب إلى نسخ القيام للجنازة لمن مرت به. وتعقبه النووى بأن حديث على هذا ليس صريحا فى النسخ لاحتمال
أن القعود فيه لبيان الجواز، فلا يصح دعوى النسخ، لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم
يتعذر بل هو ممكن، كما تقدم. وقال ابن حزم فى المحلى (ج ٥ ص ١٥٤): قعوده ◌َ اثّم بعد بأمره بالقيام يدل على
أن الأمر الندب. ولا يجوز أن يكون نسخا، لأن النسخ لا يكون إلا بنهى أو بترك معه فهى - إنتهى. وأما
حديث على الآتى بلفظ: أمرنا بالقيام فى الجنازة ، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس فقد تقدم جوابه عن
الشوكانى وابن حزم فى شرح حديث أبى سعيد. وأما ما رواه أحمد (ج ١ ص ١٤٢) والحازمى (ص ١٢١) من
طريق أبى معمر وهو عبد الله بن سخبرة قال: كنا مع على فمر به جنازة فقام لها ناس ، فقال على: من أفتاكم هذا
فقالوا أبو موسى. قال إنمما فعل ذلك رسول اللّه ◌َ الله مرة، فكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نهى إنتهى، لفظ
أحمد، ولفظ الحازمى فلا نسخ ذلك ونهى عنه إنتهى. ففيه أنه لا يصلح النسخ ما ثبت بالأحاديث المخرجة
فى الصحيحين وغيرهما ، لأن مداره على ليث بن أبى سليم وهو صدوق بهم ، قاله البخارى. وقال الحافظ: صدوق
اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه فترك - انتهى. ولا يغتر برواية الثورى هذا الحديث عن ليث، فإن رواية الثقات
عن الضعفاء الواهمين لا يدل على كون الرواية صالحة للاحتجاج، كما لا يخفى. وقد روى هذا الحديث أحمد
بأطول من هذا من طريق ليث فى مسند أبي موسى الأشعرى (ج٤ ص ٤١٣) وفيه فإذا نهى انتهى، فما عاد لها.
بعد، ورواه النسائى من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبى معمر قال: كنا عند على فمرت به جنازة فقاموا
٣٦٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
يعنى فى الجنازة. رواه مسلم، وفى رواية مالك، وأبى داود: قام فى الجنازة ، ثم قصد بعد.
١٦٦٥ - (٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اتبع جنازة مسلم
إيمانا واحتسابا، وكان معه حتى يصلى عليها
لها ، فقال على: ما هذا قالوا أمر أبى موسى، فقال: إنما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودية ولم يعد
بعد ذلك ـ انتهى. وهذا، كما ترى، ليس فيه ذكر النسخ والنهى، وهو موافق لرواية مسلم والترمذى وأبى داود
وأكثر روايات أحمد، فهو مقدم على رواية ليث ولأن ابن نجيح اتفق الأئمة على توثيقه. ولعلك عرفت بها
ذكرنا أنه لا يصلح شىء ما يذكره الجمهور لنسخ القيام للجنازة. والقول الراجح عندى هو ما ذهب اليه أحمد أنه
مخير إن قام فلاعيب عليه، وإن قعد فلا بأس به، والله تعالى أعلم (رواه مسلم) وأخرجه أحمد (ج١ ص٨٣، ١٣١
١٣٨) والترمذى والنسائي وابن ماجه والبيهقى (ج ٤ ص ٢٧) (وفى رواية مالك وأبى داود قام فى الجنازة) أى
لها (ثم قعد بعد) هذا لفظ أبى داود. وسياق الموطأ: كان يقوم فى الجنائز ثم جلس بعد. قال ميرك: وكأنه
اعتراض على صاحب المصابيح، حيث أورد الحديث فى الصحاح بلفظ مالك وأبى داود دون مسلم. والجواب
من قبل صاحب المصابيح أنه يحتمل أنه اختار لفظ أبى داود لأنه أصرح فى النسخ (على زعمه) من عبارة مسلم كما
لا يخفى، وإنما أورده لبيان أن الأمر بالقيام الجنازة المفهوم من الحديث السابق منسوخ لا لأنه المقصود من
الباب ، تأمل - انتهى .
١٦٦٥ - قوله (من اتبع) بتشديد التاء المثناة الفوقية من الاتباع. قال القارى: وفى نسخة صحيحة:
من تبع أى بدون الألف. وكسر الباء. قلت: وقع فى أكثر،روايات البخارى: اتبع بالتشديد. وفى رواية
الأصيلى وابن عساكر: تبع بغير ألف وكسر الموحدة (جنازة مسلم) يقال تبع القوم بالكسر يتبعهم بالفتح
تْعاً وتَبَاعةَ إذا مشى خلفهم أو مروا به فضى معهم، واتّبع القوم مثل تبعهم ( إيمانا) أى بالله ورسوله.
وقيل أى تصديقا بأنه حق. وقيل تصديقا بما وعد عليه من الأجر (واحتساباً) أى طلبا للثواب لا مكافاة ومخافة
ونصبهما على العلة أو على أنهما حالان أى مؤمنا ومحتسبا (وكان معه) أى استمر مع جنازته (حتى يصلى عليها)
بصيغة المعلوم . وضمير الفاعل يرجع إلى من . ويروى بفتح اللام على صيغة المجهول ، وقوله: عليها ، مفعول ناب
عن الفاعل ، فعلى الرواية الأولى لا يحصل الموعود به إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثانية قد يقال يحصل له
ذلك ولو لم يصل. والصواب أنه لا يحصل له القيراطان بالدفن من غير صلاة ، لأن المراد أن يصلى مو أيضا جمعاً
بين الروايتين وحملا المطلق على المقيد. قال الحافظ: رواية فتح اللام محمولة على رواية الكسر، فان حصول القيراط
٣٦٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
ويفرغ من دفنها، فانه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع
قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط.
متوقف على وجود الصلاة من الذى يحصل له ـ انتهى. وقال ابن المنير: إن القيراط لا يحصل إلا لمن اتبع وصلى
أو اتبع وشيع وحضر الدفن ، لا لمن اتبع مثلا وشيع ثم انصرف بغير صلاة، وذلك لأن الاتباع إنما هو وسيلة
لأحد مقصودين إما الصلاة وإما الدفن، فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصل المترتب على المقصود وإن
كان يترجى أن يحصل لذلك، فضل ما يحتسب (ويفرغ من دفنها) بالبناء للفاعل، ويروى بالبناء للمفعول،
والجار والمجرور نائب الفاعل، والفعلان منصوبان بأن مضمرة بعد حتى (من الأجر) حال من قوله بقيراطين
قال الطيبي: أى كائنا من الثواب فمن بيانية تقدمت على المبين (بقيراطين) مثنى قيراط أى بقسطين ونصيبين
عظيمين والباء تتعلق بيرجع . والقيراط بكسر القاف أصله قراط بتشديد الراء بدليل جمعه على قراريط فأبدل من
أحد الرائين ياء، كما فى الدينار أصله دنار بدليل جمعه على دنانير. قال الجوهرى القيراط نصف دائق والدائق
مدس الدرهم ، فعلى هذا يكون القيراط جزأ من اثنى عشر جزأ من الدرهم . وقال صاحب النهاية، القيراط
جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره فى أكثر البلاد. وأهل الشام يجعلونه جزأ من أربعة وعشرين ، وقد
يطلق ويراد به بعض الشىء، وذكر القيراط تقريبا للفهم لما كان الانسان يعرف القيراط ويعمل العمل فى مقابلته،
فضرب له المثل بما يعلم، ثم لما كان مقدار القيراط المتعارف حقيرا نبه على عظم القيراط الحاصل لمن فعل ذلك
فقال (كل قيراط مثل أحد) بضمتين قال الحافظ: ذهب الأكثر إلى أن المراد بالقيراط ههنا جزء من أجزاء
معلومة عند اللّه تعالى، وقد قربها النبي ◌َ ◌ّ للفهم بتمثيله القيراط بأحد. قال الطبى: قوله: مثل أحد، تفسير
المقصود من الكلام لا للفظ القيراط. والمراد منه على الحقيقة أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وذلك لأن لفظ
القيراط مبهم من وجهين، فبين الموزون بقوله: من الأجر ، وبين المقدار منه بقوله: مثل أحد . والحاصل أنه
تمثيل وإستعارة . والقيراط عبارة عن ثواب معلوم عند الله تعالى عبر عنه ببعض أسماء المقادير، وفسر بجبل عظيم
تعظيما له وهو أحد. وخص التمثيل بأحد، لأنه كان قريباً من المخاطبين يشترك أكثرهم فى معرفته كما ينبغى،
ولأنه كان أكثر الجبال إلى النفوس المؤمنة حبًّا، لأنه الذى قال فى حقه: إنه جبل يحبنا ونحبه. ويجوز أن
يكون على حقيقته بأن يجعل الله ذلك العمل يوم القيامة جسما قدر جبل أحد ويوزن. وفى حديث واثلة عند ابن
عدى: كتب له قيراطان أخفهما فى ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد، فأفادت هذه الرواية بيان وجه
التمثيل بجبل أحد، وأن المراد به زنة الثواب المرتب على ذلك العمل. ووقع فى رواية للنسائى كل واحد منهما
أعظم من أحد. وعند مسلم: أصغرهما مثل أحد. ولا مخالفة فيها ، لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال المتبعين
(ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن) أى الجنازة (فإنه يرجع بقيراط) أى من الأجر. قال النووي: اعلم أن
٣٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
متفق عليه .
١٦٦٦ - (٧) وعنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعى للناس النجاشى
الصلاة يحصل بها قيراط إذا انفردت، فإن انضم اليها الاتباع حتى الفراغ من الدفن حصل له قيراط ثان، فلمن
صلى وحضر الدفن الفيرطان ولمن اقتصر على الصلاة قيراط واحد ولايقال: يحصل بالصلاة مع الدفن ثلاثة قراريط
كما يتوهمه بعضهم من ظاهر بعض الأحاديث، لأن هذا النوع صريحا، والحديث المطلق والمحتمل محمول عليه .
وأما رواية من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان . فمعناه فله تمام قيراطين بالمجموع،
قال وفى الحديث تنبيه على مسئلة أخرى، وهى أن القيراط الثانى مقيد بمن اتبعها وكان معها فى جميع الطريق حتى
تدفن، فلو صلى وذهب إلى القبروجده ومكث حتى جاءت الجنازة وحضر الدفن لم يحصل له القيراط الثانى - انتهى.
وفى الحديث الحث على الصلاة على الميت واتباع جنازته وحضور دفنه. وفيه الحض على الاجتماع لذلك
والتنبيه على عظيم فضل الله وتكريمه للسلم فى تكثير الثواب لمن يتولى أمره بعد موته. وفيه تقدير الأعمال بنسة
الأوزان إما تقريبا للافهام، وإما على حقيقته بأن يجعلها أعيانا. قال الحافظ: قد تمسك بقوله من أتبع من زعم
أن المشى خلف الجنازة أفضل ولا حجة فيه، لأنه يقال تبعه إذا مشى خلفه وإذا مر به فمشى معه، وكذلك أتبعه
بالتشديد وهو افتعل منه فإذا هو مقول بالاشتراك وبين المراد الحديث الآخر المصحح عند ابن حبان وغيره
من حديث ابن عمر بالمشى أمامها وأما أتبعه بالاسكان فهو بمعنى لحقه إذا كان سبقه ولم تأت به الرواية ههنا -
انتهى. (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى كتاب الايمان والحديث أخرجه أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى
وابن ماجه والبيهقى أيضا . وفى الباب عن جماعة من الصحابة ذكرهم الحافظ فى الفتح .
١٦٦٦ - قوله (نعى للناس النجاشى) أى أخبرهم بموته! فى القاموس نعاء له نعوا ونعيا أخبره بموته .
والنجاشى بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثم ياء ثقيلة كياء النسب. وقيل بالتخفيف ورجحه
الصغانى. وهو لقب لكل من ملك الحبشة. وحكى المطرزى تشديد الجيم عن بعضهم وخطأ ، كذا فى الفتح.
وقال العينى: النجاشى بفتح النون وكسرها، كلمة للحبش تسمى بها ملوكها، والمتأخرون يلقبونه الأبجرى.
قال ابن قتيبة: هو بالنبطية، ذكره ابن سيده، وكان اسمه أصحمة، كما فى رواية للشيخين، وهو بفتح الهمزة
وسكون الصاد وبفتح الحاء المهملتين على وزن أربعة، ووقع فى مصنف ابن أبى شيبة صحمة بفتح الصاد وسكون
الحاء، ووقع فى بعض الروايات أصخمة بخاء معجمة وإثبات الألف. قال الاسماعيلى: وهو غلط. وحكى
الكرمانى أن فى بعض النسخ صحبة بالموحدة بدل الميم. ومعنى أصحمة بالعربية عطية، قاله ابن قتيبة وغيره.
٣٧٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
والنجاشى هذا هو الذى هاجر المسلمون اليه، وكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن أمية الضمرى سنة
ست أو سبع من الهجرة فى المحرم. فأخذ كتاب النبى صلى الله عليه وسلم فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره
يجلس على الأرض تواضعا، ثم أسلم على يدى جعفر بن أبى طالب وكتب إلى النبي محدثة بذلك، وتوفى فى رجب سنة
تسع من الهجرة منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك، ونعاه النبي صلى الله عليه وسلم يوم توفى ، هكذا
قال جماعة من أهل السير والتاريخ، منهم الواقدى وابن سعد وابن جرير وآخرون. قال فى الخميس نقلا عن
المواهب: وأما النجاشى الذى ولى بعده وكتب اليه النبى صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الاسلام فكان كافرا
لم يعرف إسلامه ولا اسمه وقد خلط بعضهم ولم يميز بينهما - انتهى. وقال ابن القيم: ليس الأمر كما قال الواقدى
وغيره ، فإن أصحمة النجاشى الذى صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هو الذى كتب اليه (مع عمرو
ابن أمية) وهو الثانى، ولا يعرف إسلامه بخلاف الأول ، فانه مات مسلما، وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث
قتادة عن أنس قال كتب رسول الله بر ◌ّه إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشى، وليس بالنجاشى الذى صلى عليه
رسول اللّه عَّة. قال ابن حزم: إن هذا النجاشى الذى بعث اليه رسول الله رؤفيمع عمرو بن أمية الضمرى
لم يسلم. قال ابن القيم: والظاهر قول ابن حزم - انتهى. وأجاب أهل السير عن حديث أنس بأنه وهم من بعض
الرواة أو أنه عبر ببعض ملوك الحبشة عن الملك الكبير أو يحمل على أنه لما توفى قام مقامه آخر فكتب إليه أى
فى سنة تسع، وهذا هو الراجح. وحاصله أنه مرّ كتب إلى النجاشى الذى صلى عليه وإلى النجاشى الذى تولى
بعده على يد عمرو بن أمية أو غيره ، فيكون هذه الكتابة متأخرة عن الكتابة لأصحمة الرجل الصالح الذى آمن به
مَكّ ، وأكرم أصحابه، وصلى هو عليه، فلا مخالفة بين رواية أهل السير ورواية مسلم، فتأمل. وفى الحديث
دليل على جواز النعى أى الاعلام بالموت، وقد بوب عليه البخارى ((باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه)) قال
الحافظ : فائدة هذه الترجمة الاشارة إلى أن التعى ليس ممنوعا كله وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه،
فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق، ثم ذكر عن ابن سيرين أنه قال لا أعلم
بأسا أن يوذن الرجل صديقه و حميمه، قال وحاصله أن محض الاعلام بذلك لا یکره ، فان زاد على ذلك فلا ،
وقد كان بعض السلف يشدد فى ذلك حتى كان حذيفة إذا مات له الميت يقول لاتوذنوابه أحداً، إنى أخاف أن
يكون نعيا، إنى سمعت رسول اللّه ◌َبالم بأذنى هاتين ينهى عن النعى، أخرجه الترمذى وابن ماجه باسناد حسن.
قال ابن العربى: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح،
فهذا سنة، الثانية دعوة الحفل الفاخرة، فهذه تكره، الثالثة الاعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك . فهذا يحرم
٣٧١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
اليوم الذى مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى،
( اليوم ) ظرف فعى أى فى اليوم (الذى مات فيه) وهو فى رجب سنة تسع من الهجرة منصرفه من تبوك كما تقدم
وذلك معجزة عظيمة منه صلى الله عليه وسلم حيث أعلمهم بموته فى اليوم الذى توفى فيه مع بعد عظيم ما بين المدينة
والحبشة (وخرج بهم إلى المصلى) وفى رواية ابن ماجه: فخرج وأصحابه إلى البقيع. قال الحافظ والمراد بالبقيع
بقيع بطحان أويكون المراد بالمصلى موضعا معدا للجنائز يبقيع الغرقد غير مصلى العيدين، والأول أظهر، وقال فى
شرح حديث ابن عمر فى رجم اليهوديين بلفظ ((فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد)، حكى
ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية جهة
المشرق - انتهى. فإن ثبت ما قال، وإلا فيعتمل أن يكون المراد بالمسجد منا المصلى المتخذ العيدين والاستسقاء،
لأنه لم يكن عند المسجد النبوى مكان يتهيأ فيه الرجم، وسيأتى فى قصة ماعز («فرجمناه بالمصلى )) - انتهى. وقد
تمسك بهذا الحديث من قال بكرامة صلاة الجنازة فى المسجد، سواء كان القوم والميت فى المسجد، أو كان
الميت خارج المسجد، والقوم كلهم أو بعضهم فى المسجد، وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم خرج بأصحابه إلى المصلى
فصف بهم وصلى عليه، ولو ساغ أن يصلى عليه فى المسجد لما خرج بهم والقول بالكراهة للحنفية والمالكية.
واستدل لهم أيضا بما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبى هريرة مرفوعا: من صلى على جنازة فى المسجد
فلاشىء له. وأجيب عن حديث الباب بأنه ليس فيه نهى عن الصلاة فى المسجد. ويحتمل أن يكون خرج ٣٠م
إلى المصلى لغير المعنى الذى ذكروه وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى على سهيل بن بيضاء فى المسجد فكيف
يترك هذا الصريح لأمر محتمل بل الظاهر أنه انما خرج بالمسلمين إلى المصلى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه
ولتعظيم شأنه ولإشاعة كونه مات على الاسلام، فقد كان بعض الناس لم يدر بكونه أسلم ، كما روى ابن أبي حاتم
فى التفسير، والدارقطنى فى الأفراد ، والبزار من حديث أنس. وأما حديث أبى هريرة فأجيب عنه بوجوه
منها أنه ضعيف ضعفه أحمد بن حنبل وابن حبان وابن عدى والبيهقى والخطابى وابن المنذر والنووى وغيرهم
قلت : فى سنده صالح بن نبهان مولى التوعمة ، وقد تفرد به وهو صدوق ، اختلط بآخره ، ورواه عنه ابن أبي ذئب
واختلفوا فى أنه سمع هذا الحديث من صالح قبل الاختلاط أو بعده. قال ابن معين: سمع منه ابن أبي ذئب قبل
أن يخرف. وقال ابن المدينى: سماع ابن أبي ذئب منه قبل الخرف. وقال الجوزجاني: تغير أخيرا، فحديث
ابن أبى ذئب عنه مقبول لسنه وسماعه القديم. وقال ابن عدى: لا بأس به اذا روى عنه القدماء مثل ابن أبى ذئب
وابن جريج. ويعارض هذا كله ما روى الترمذى عن البخارى عن أحمد بن حنبل قال : سمع ابن أبي ذئب من
صالح أخيرا، وروى عنه منكرا، حكاه ابن القطان عن الترمذى. وما نقل الزيلعى عن ابن عدى أنه عد هذا
٣٧٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
الحديث من منكرات صالح، والظاهر أن ابن أبى ذئب سمع منه قبل الاختلاط وبعده، ولم يدر أنه أخذ هذا
الحديث منه قبل الاختلاط أو بعده. قال ابن حبان: اختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ولم يتميز فاستحق
الترك - انتهى. وعلى هذا لا يكون هذا الحديث صالحا للاحتجاج، ومنها ما قال النووى: إن الذى فى النسخ
المشهورة المحققة المسموعة من سنن أبي داود ((من صلى على جنازة فى المسجد فلا شىء عليه)) فلا حجة لهم حينئذ.
ومنها ما قاله النووى أيضا: إنه لو ثبت الحديث بلفظ (( فلا شىء له، لوجب تأويله بأن له بمعنى عليه ليجمع
بين الروايتين، ولئلا يخالف قوله فعله فى الصلاة على ابنى بيضاء فى المسجد، ومنها أن معنى قوله فلا شىء له أى
فلا أجر له، كما فى رواية، والروايات يفسر بعضها بعضا، والمراد فلا أجر له كاملا. قال القارى: الأظهر أن
يحمل على ففى الكمال كما فى نظائره ، والدليل عليه ما فى مسلم عن عائشة: والله لقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم
على ابنى بيضاء فى المسجد سهيل وأخيه. وقال الخطابى: ثبت أن أبا بكر وعمر صلى عليهما فى المسجد، ومعلوم
أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفى تركهم الاذكار دليل الجواز - انتهى. قلت: وكذا
يحمل على نفى الكمال رواية ابن ماجه: فليس له شىء. قال السندى: ظاهره أن المعنى فليس له أجر، كما فى رواية
وسلب الأجر من الفعل الموضوع للأجر يقتضى عدم الصحة، ولذا جاء فى رواية ابن أبى شيبة فى مصنفه:
فلا صلاة له، لكن يشكل بأن الصلاة صحيحة إجماعا، فيحمل على أنه ليس له أجر كامل، ويمكن أن يقال: معنى
فلا شىء فلا أجر له لأجل كونه صلى فى المسجد ، فالحديث لبيان أن صلاة الجنازة فى المسجد ليس لها أجر لأجل
كونها فى المسجد كما فى المكتوبات، فأجر أصل الصلاة باق، وإنما الحديث لافادة سلب الأجر بواسطة
ما يتوهم من أنها فى المسجد ، فيكون الحديث مفيدا لاباحة الصلاة فى المسجد من غير أن يكون لها بذلك فضيلة
زائدة على كونها خارجها ، وينبغى أن يتعين هذا الاحتمال دفعا للتعارض وتوفيقا بين الأدلة بحسب الامكان وعلى
هذا فالقول بكراهة الصلاة فى المسجد مشكل، نعم ينبغى أن يكون الأفضل خارج المسجد بناء على الغالب أنه مز له
كان يصلى خارج المسجد، وفعله فى المسجد كان مرة أو مرتين ــ انتهى كلام السندى. وأما ما قال بعض
الحنفية: إن العمل استقر على ترك الصلاة عليها فى المسجد، لأن الناس قد أنكروا وعابوا على عائشة وغيرها من
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم صلاتهن على جنازة سعد بن أبى وقاص فى المسجد النبوى، وكان هؤلاء المنكرون
من الصحابة فمردود بأن عائشة لما أنكرت ذلك الانكار سلموا لها، فدل على أنها حفظت ما نسوه ، وقد
روى أبو بكر بن أبى شيبة وغيره أن عمر صلى على أبى بكر فى المسجد ، وأن صهيبا صلى على عمر فى المسجد، زاد
فى رواية ووضعت الجنازة فى المسجد تجاه المنبر. قال الحافظ: وهذا يقتضى الاجماع على جواز ذلك - انتهى.
٣٧٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
فصف بهم، وكبر أربع تكبيرات.
وقال ابن قدامة : كان هذا بمحضر من الصحابة فلم ينكر فكان إجماعا - انتهى. وأما دعوى الطحاوى والعينى ومن
تبعهما أن الجواز كان أولا ثم نسخ بحديث أبى هريرة أو أنه كان لعذر وضرورة مثل المطر أو الاعتكاف
فمردودة، وكل ماذكروه لاثبات النسخ فما لا طائل تحته. قال البيهقى: لو كان عند أبى هريرة نسخ حديث
عائشة لذكره يوم صلى على أبى بكر الصديق فى المسجد ويوم صلى على عمر بن الخطاب فى المسجد ، ولذكره من
أنكر على عائشة أمرها بادخاله المسجد أو ذكره أبو هريرة حين روت فيه الخبر، وأنما أنكره من لم يكن له معرفة
بالجواز فلما روت فيه الخبر سكتوا ولم ينكروه ولا عارضوه بغيره ـ انتهى. والحق أنه يجوز الصلاة على
الجنائز فى المسجد من غير كراهة، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد، لأن أكثر صلاته صلى الله عليه وسلم
على الجنائز كان فى المصلى. ولبعض أفاضل بلدة بنارس من أهل الحديث رسالان لطيفتان فى هذه المسئلة، قد بسط
فى الثانية القول فى الجواب عن حديث أبى هريرة بما لامزيد عليه (فصف بهم) لازم ، والباء بمعنى مع أى صف
معهم أو متعد والباء زائدة للتوكيد أى صفهم ، قاله الزرقانى. وفيه دليل على أن من سنة هذه الصلاة الصف
كسائر الصلوات، ويتقدمهم إمامهم ، ففى رواية من حديث جابر: فصفوا خلفه. وفى أخرى: فصفنا وراءه.
وفى أخرى: فقمنا فصفنا صفين. وفى أخرى: قال جابر كنت فى الصف الثانى. وفى كل هذا رد على من استحب أن
يكون المصلون على الجنازة سطرا واحدا، نقله ابن العربى عن مالك (وكبر أربع تكبيرات) فيه دليل على أن
المشروع فى تكبير الجنازة أربع، وسيأتى الكلام فى ذلك. وفى هذه القصة دليل على مشروعية الصلاة على الميت
الغائب فى بلد آخر، وفيه أقوال: الأول تشرع مطلقا، سواء كان الميت فى جهة القبلة أو لم تكن ، وسواء كان
بين البلدين مسافة القصر أو لم تكن ، وسواء كان بأرض لم يصل عليه فيها أو كان بأرض صلى عليه فيها ، وبه قال
الشافعى وأحمد وجمهور السلف حتى قال ابن حزم لم يأت عن أحد من الصحابة منعه. والثانى منعه مطلقا وهو
الحنفية والمالكية . والثالث يجوز فى اليوم الذى مات فيه الميت أو ما قرب منه لا إذا طالت المدة ، حكاه
ابن عبد البر، والرابع يجوز ذلك إذا كان الميت فى جهة القبلة، فلو كان بلد الميت مستدير القبلة مثلا لم يجز،
قال به ابن حبان ، وحجته حجة الذى قبله الجمود على قصة النجاشى. والخامس أنه يصلى على الغائب إذا
كان بأرض لا يصلى عليه فيها كالنجاشى، فانه مات بأرض لم يسلم أهلها واختاره ابن تيمية ، ونقله الحافظ فى
الفتح عن الخطابى وإنه استحسنه الرؤيانى من الشافعية. قال الحافظ: وهو محتمل إلا أننى لم أقف فى شىء من
الأخبار أنه لم يضل عليه فى بلده أحد. وتعقبه الزرقانى بأن هذا مشترك الالزام، فلم يرد فى شىء من الأخبار
٣٧٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥- كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
أنه صلى عليه أحد فى بلده كما جزم به أبو داود ومحله فى اتساع الحفظ معلوم - انتهى. قال فى عون المعبود:
نعم ما ورد فيه شىء نفيا ولا إثباتا، لكن من المعلوم أن النجاشى أسلم وشاع إسلامه ووصل اليه جماعة من المسلمين
مرة بعد مرة وكرة بعد كرة ، فيبعد كل البعد أنه ما صلى عليه أحد فى بلده. وقال ابن قدامة فى المغنى (ج ٢
ص ٥١٣) إن هذا بعيد، لأن النجاشى ملك الحبشة وقد أسلم وأظهر إسلامه، فيبعد أن يكون لم يوافقه أحد
يصلى عليه - انتهى. واستدل بعضهم لما قاله الخطابى وغيره بما روى الطيالسى وأحمد وابن ماجه والطبرانى
والضياء من حديث حذيفة بن أسيد أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج بهم، فقال صلوا على أخ لكم مات بغير
أرضكم، قالوا: من هو؟ قال النجاشى، ولا حجة فيه لهم ، بل فيه حجة عليهم ، فإنه ليس فيه أنه لم يصل عليه أحد
. فى بلده. والمراد بأرضكم أرض المدينة كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن النجاشى إن مات فى أرضكم المدينة
لصليتم عليه كما تصاون على من تشهدون جنازته. لكنه مات فى غير أرضكم ، فصاوا عليه صلاة الغائب ، فهذا
تشريع منه وسنة للأمة الصلاة على كل غائب. واعتذر من منع من صلاة الجنازة على الغائب مطلقا عن هذه
القصة بأن ذلك خاص بالنجاشى ، لأنه کشف له صلى الله عليه وسلم ورفع الحجب عنه، حتى رأ. كما كشف
له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته، فصلى عليه وهو يرأه صلاته على الحاضر المشاهد وإن كان على
مسافة من البعد، فتكون صلاته كصلاة الامام على ميت رأه ولم يره المأمومون، ولا خلاف فى جوازها ، واستندوا
لذلك إلى ما ذكر الواقدى فى أسبابه عن ابن عباس قال: كشف للنبي صلى الله عليه وسلم عن سرير النجاشى حتى
رأه وصلى عليه، ولابن حبان من حديث عمران بن حصين: فقام وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته
بين يديه، ولأبى عوانة: فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا، قالوا ويدل على الخصوصية أيضا أن
النبى ◌َوانه لم يصل على غائب غيره، وقد مات من الصحابة خلق كثيروهم غايبون عنه وسمع بهم، فلم يصل عليهم إلا
غائبا واحدا، ورد أنه طويت له الأرض حتى حضره أو رفع له الحجاب حتى رأه، وهو معاوية بن معاوية المزنى
كما روى الطبرانى وابن مندة والبيهقى وابن سعد وغيرهم من حديث أنس، والطبرانى وأبو أحمد الحاكم من
حديث أبي أمامة. وأجيب عن ذلك بأن الأصل عدم الخصوصية، ولو فتح باب هذا الخصوص لانسد
كثير من أحكام الشرع. قال الخطابي: زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بهذا الفعل فاسد لأن
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فعل شيئا من أفعال الشريعة كان علينا اتباعه والايتساء به، والتخصيص لا يعلم
إلا بدليل ، ومما يبين ذلك أنه يتم خرج بالناس إلى الصلاة فصف بهم وصلوا معه ، فعلم أن هذا التأويل فاسد
وقال ابن قدامة: نقتدى بالنبى مثل مالم يثبت ما يقتضى اختصاصه، ولأن الميت مع البعد لا تجوز الصلاة عليه
٣٧٥

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
متفق عليه .
١٦٦٧ - (٨) وعن عبد الرحمن بن أبى ليلى، قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا وإنه كبر
على جنازة، خمساً، فسألناه فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها.
وإن رىء. ثم لو رأه النبى صلى الله عليه وسلم لاختصت الصلاة به. وقد صف النبى صلى الله عليه وسلم فصلى
بهم - انتهى. وأما الاستناد للتخصيص إلى ما ذكروه من حديث ابن عباس وحديث عمران بن حصين فليس
بشىء، فان حديث ابن عباس ذكره الواقدى فى أسبابه بغير إسناد، كما قال الحافظ فى الفتح فلا يلتفت اليه. وأما
حديث عمران بن حصين المذكور بلفظ: وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه ، وبلفظ : لا نرى إلا أن الجنازة
قدامنا فلأن المراد به أنهم صلوا عليه كما يصلون على الميت الحاضر من غير فرق. ويدل عليه حديث عمران
نفسه عند الترمذى وغيره بلفظ: فقمنا فصففناكما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت . ويؤيده
أيضا حديث مجمع عند الطبرانى بلفظ: فصففنا خلفه صفين وما نرى شيئا - انتهى. قال ابن العربى المالكى: قال
المالكية ليس ذلك إلا محمد، قلنا: وما عمل به محمد تعمل به أمته يعنى لأن الأصل عدم الخصوصية، قالوا: طويت
له الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه، قلنا إن ربنا عليه لقادر، وإن نينا لأمل لذلك، ولكن لا تقولوا
إلا ما رويتم ولا تخترعوا حديثا من عند أنفسكم ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف فانها سبيل
تلاف إلى ما ليس له تلاف. وأما ما قالوا لاثبات الخصوصية من أن النبى مَ ته لم يصل على غائب غيره إلا غائبا
واحداً، وهو معاوية بن معاوية المزنى. ففيه أنه يكفى لثبوت مشروعية أمر واستحبابه ورود حديث صحيح
قولى أو فعلى أو تقريرى، ولا يلزم لذلك كون ذلك الأمر مرويا عن جماعة من الصحابة فى وقائع متعددة، وإلا
لارتفع كثير من الأحكام الشرعية التى معمول بها عند جماعة من الأئمة، كيف وقد صرح الحنفية بمشروعية صلاة
الاستسقاء وجوازها جماعة مع زعمهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل للاستفاء إلا مرة واحدة، هذا وقد بسط
الكلام فى هذه المسئلة فى عون المعبود فعليك أن تراجعه (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد ومالك والترمذى
وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى.
١٦٦٧ - قوله (كان رسول اللّه فلم يكبرها) أى الخمس أحيانا. وقد استدل به من قال: إن
تکبیرات الجنازة خمس، واختلف السلف فی ذلك، حکی الخمس عن حذيفة کما سیأتی ، وزید بن أرقم کما
فی حدیث الباب، وابن مسعود كما فى الفتح والمحلى، وعيسى مولی حذيفة كما عند سعيد بن منصور، وأصحاب معاذ
ابن جبل كما فى المحلى والمغنى ، وأهل الشام من الصحابة والتابعين كما فى المحلى، وأبى يوسف من أصحاب أبي حنيفة،
٣٧٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
كما فى المبسوط، وهو مذهب الظاهرية. واستدل لهذا القول أيضا بما روى ابن ماجه من طريق كثير بن عبد الله
عن أبيه عن جده أن رسول اللّه مَّفتم كبر خمسا، وكثير فيه كلام كثير إلا أن الترمذى صحح له غير حديث،
والراوى عنه ابراهيم بن على الرافعى ضعفه البخارى وابن حبان ورماه بعضهم بالكذب ، وبما روى أحمد
والطحاوى من طريق يحيى بن عبد الله الجابر عن عيسى مولى حذيفة عن حذيفة أنه صلى على جنازة فكبر خما،
وفيه أنه رفعه إلى النبى رؤالتى، وحكى عن بعض السلف ما يدل على أن الزيادة على الأربع تختص بأهل الفضل
فروى سعيد بن منصور وغيره عن على أنه كبر على سهل بن حنيف ستا ، وقال: إنه بدرى . وروى الطحاوى
وابن أبى شيبة والدار قطنى والبيهقى عن عبد خير قال: كان على يكبر على أهل بدر ستا وعلى أصحاب رسول الله
مؤلفّ خمسا وعلى سائر المسلمين أربعا. وروى البيهقى عن على أنه صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعا، وقال: إنه كان
بدريا، وحكى عن بعضهم التخيير والاقتداء بالامام فى عدد التكبير، فروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قال
التكبير تسع وسبع وخمس وأربع، وكبر ما كبر الإمام، وروى ابن حزم عنه أنه قال كبروا عليها ما كبر أمتكم
لاوقت ولاعدد، وحكى عن بعضهم أن التكبيرات ثلاث، روى ذلك عن ابن عباس وأنس كما فى الفتح والمحلى،
وعن محمد بن سيرين وجابر بن يزيد أبى الشعثاء كما فى المحلى أيضا. وذهب الجمهور من السلف والخلف منهم
الأئمة الثلاثة إلى أنهما أربع لا أقل ولا أكثر. قال ابن قدامة فى المعنى (ج ٢ ص ٥١٦): أكثر أهل العلم
يرون التكبير أربعا منهم عمر وابنه وزيد بن ثابت وجابر وابن أبي أوفى والحسن بن على والبراء بن عازب
وأبو هريرة وعقبة بن عامر ومحمد بن الحنفية وعطاء والأوزاعى وهو قول مالك وأبى حنيفة والثورى والشافعى -
انتهى. واستدل الجمهور لما ذهبوا اليه بما روى جماعة من الصحابة تكبيره ◌َ لَّم أربعا، فمنهم أبو هريرة وجابر
أخرج حديثهما الشيخان فى قصة الصلاة على النجاشى ، ومنهم عثمان بن عفان أخرج حديثه ابن ماجه، وفيه
خالد بن الياس واتفقوا على تضعيفه، ومنهم ابن عباس عند الشيخين وابن أبى أوفى عند أحمد وابن ماجه
والطحاوى والبيهقى، ويزيد بن ثابت عند أحمد وابن ماجه والبيهقى أيضا، وسهل بن حنيف عند الطحاوى والبيهقى،
وأبو سعيد عند البزار والطبرانى، وفيه عبد الرحمن بن مالك بن مغول وهو متروك، وأنس عند أبي يعلى ، وفيه
محمد بن عبيد الله العزومى وهو متروك، وأبى بن كعب عند الطبرانى والبيهقى، وجابر عند أحمد والطبرانى
والبيهقى، وعامر بن ربيعة عند الطبرانى، وفيه القاسم بن عبد الله العمرى وهو متروك، وأبو قتادة عند الطحاوى.
قال الجمهور: إن ما فوق الأربع من التكبيرات منسوخ بحديث أبى هريرة فى قصة النجاشى لأن اسلام
أبى هريرة متأخر، وموت النجاشى كان بعد اسلام أبى هريرة بمدة. وفيه ما قال ابن الحمام: إن هذا
٣٧٧
٠

منعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
مسلم لو علم التأريخ فى أحاديث من أثبت أنه صلى الله عليه وسلم كبر خمسا أو غير ذلك. واستدلوا للنسخ
أيضاً بما روى أنه صلى الله عليه وسلم كبر أربعا فى آخر صلاة صلاها روى ذلك من حديث ابن عباس عند
البيهقى والدار قطنى والطبرانى وأبى نعيم وابن حبان فى الضعفاء، ومن حديث عمر عند الدار قطنى والحازمى ،
ومن حديث ابن عمر عند الحارث بن أبى أسامة، ومن حديث أنس عند الحازمى. وأجيب عن ذلك بأن
طرق هذه الأحاديث ضعيفة واهية كما بسطها الزيلمى. وقال الحازمى : قد روى آخر صلاته كبر أربعا من
عدة روايات كلها ضعيفة. وقال البيهقى بعد رواية حديث ابن عباس من طريق النضر بن عبد الرحمن: قد روى
هذا من وجوه أخر كلها ضعيفة ۔ انتهى. وروى ابن عبد البر فى الاستذكار بسنده عن أبى بكر بن سليمان بن
أبى حئمة عن أبيه قال: كان رسول اللّه ◌َيثم يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وستا وسبعا ثمانيا، حتى جاءه موت
النجاشى خرج إلى المصلى فصف الناس وراءه وكبر عليه أربعا، ثم ثبت النبى ووضع على أربع حتى توفاه الله
عز وجل، ذكره الزيلعى فى نصب الراية ، والحافظ فى التلخيص والدراية، ولم يتكلم عليه، فإن ثبت وصح
هذا كان حجة على أن آخر الأمر كان أربعا لكن لا يكون رافعا للنزاع، لأن انتصاره على الأربع لابنفى
مشروعية الخمس بعد ثبوتها عنه وغاية ما فيه جواز الأمرين، قاله الشوكانى. ورجح الجمهور ما ذهبوا إليه
بمرجحات : الأول أن الأربع ثبتت من طريق جماعة من الصحابة أكثر عدداً من روى عنهم الخمس كما تقدم،
الثانى أنها فى الصحيحين، الثالث أنه أجمع على العمل بها الصحابة فروى البيهقى من طريق على بن الجعد ثنا شعبة عن
عمرو بن مرة سمعت سعيد بن المسيب يقول إن عمر قال: كل ذلك قد كان أربعا وخمسا ، فاجتمعنا على أربع ،
ورواه ابن المنذر من وجه آخر عن شعبة، وروى اليهقى أيضا عن أبى وائل قال: كانوا يكبرون على عهد
رسول الله مَّم أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً، فجمع عمر أصحاب رسول الله عزَ ◌ّه. فأخبر كل رجل منهم بما رأى،
فمعهم عمر على أربع تكبيرات، ومن طریق ابراهيم النخعى اجتمع أصحاب رسول الله ڕٹے فى بيت أبى مسعود،
فأجمعوا على أن التكبير على الجنازة أربع. واستدل بعضهم باجماع الصحابة على الأربع على نسخ ما فوق الأربع
قال الطحاوى بعد رواية أثر ابراهيم النخعى بسنده فهذا عمر قد رد الأمر فى ذلك إلى أربع تكبيرات بمشورة
أصحاب رسول الله رت فع بذلك وهم حضروا من فعل رسول الله {ولله ما رواه حذيفة وزيد بن أرقم، فكأن
ما فعلوا من ذلك عندهم هو أولى ما قد كانواعدوا ، فذلك نسخ لما قد كانوا علموا، لأنهم مأمونون على ما قد
فعلوا كما كانوا مأمونين على ما رووا - انتهى. وقال البيهقى بعد رواية حديث ابن عباس فى كون الأربع آخر
أمره قد روى هذا اللفظ من وجوه أخرى كلها ضعيفة إلا أن اجتماع أكثر الصحابة على الأربع كالدليل
على ذلك. وأجيب عن الأول من هذه المرجحات والثانى بأنه إنما يرجح بهما عند التعارض. ولا تعارض
٣٧٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
رواه مسلم .
١٦٦٨ - (٩) وعن طلحة بن عبد اللّه بن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقراً
فاتحة الكتاب ، فقال :
بين الأربع والخمس، لأن الخمس مشتملة على زيادة غير معارضة، وعن الثالث بأن فى ثبوت إجماع الصحابة على
الأربع نظراً حيث ثبت أن زيد بن أرقم كبر بعد عمر خما، وكذا ثبت الزيادة على الأربع عن على وعن
الصحابة بالشام، وثبت النقص عن الأربع عن أنس وابن عباس ، وثبت التوسعة وعدم التوقيت عن ابن مسعود
كما تقدم اللهم إلا أن يقال: إن هؤلاء الصحابة ما علوا بالنسخ، فكانوا يعملون بما عليه الأمر أولا . وذهب
أحمد إلى مشروعية الأربع ، وقال: إذا كبر الامام خمسا تابعه المأموم ولا يتابعه فى زيادة عليها . قال ابن قدامة
(ج ٢ ص ٥١٤): لا يختلف المذهب أنه لا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات ولا أنقص من أربع، والأولى
أربع لا يزاد عليها واختلفت الرواية فيما بين ذلك، فظاهر كلام الخرقى أن الامام إذا كبر خمسا تابعه المـأموم
ولا يتابعه فى زيادة عليها، ورواه الأثرم عن أحمد . وروى حرب عن أحمد إذا كبر خما لا يكبر معه ولا يسلم
إلا مع الامام، قال الخلال وكل من روى عن أبى عبد الله يخالفه وممن لم ير متابعة الامام فى زيادة على أربع
الثورى ومالك وأبو حنيفة والشافعى واختارها ابن عقيل . قال ابن قدامة: ولنا ما روى عن زيد بن أرقم فذكر
حديث الباب وحديث حذيفة وأثر على وغيره، ثم قال: ومعلوم أن المصلين مع زيد بن أرقم كانوا يتابعونه -
انتهى. وفى المسئلة أقوال أخرى. والراجح عندى أنه لا ينبغى أن يزاد على أربع، لأن فيه خروجا من
الخلاف، ولأن ذلك هو الغالب من فعله صلى الله عليه وسلم، لكن الامام إذا كبر خمسا تابعه المأموم، لأن
ثبوت الخمس لا مرد له من حيث الرواية والعمل، وثبوت نسخ الزيادة على الأربع أو إجماع الصحابة على
الأربع منظور فيه كما تقدم. ولا يجوز النقصان من الأربع، لأنه لم يرو شىء فى النقص من أربع مرفوعا، والله
تعالى أعلم (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج٤ ص ٣٦٧، ٣٧٢) والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه
والبيهقى والحازمى .
١٦٦٨ - قوله (وعن طلحة بن عبد الله بن عوف) الزهرى المدنى القاضى ابن أخى عبد الرحمن بن عوف،
يلقب طلحة الندى ، ثقة مكثر فقيه من أوساط التابعين ، روى عن عمه عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وعثمان
ابن عفان وغيرهم، وعنه الزهرى وسعد بن ابراهيم وغير هما، مات سنة (٩٧) وهو ابن (٧٢) سنة (صليت
خلف ابن عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب فقال) أى إنما قرأت الفاتحة أو رفعت بها صوتى كما فى رواية
٣٧٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
لتعلموا أنها سنة
(لتعدوا أنها) أى قرأة الفاتحة على الجنازة (سنة) وفى رواية للنسائى: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى
أسمعنا فلما فرغ أخذت بيده فسألته، فقال: سنة وحق. وللحاكم من طريق ابن عجلان: أنه سمع سعيد بن
أبى سعيد يقول: صلى ابن عباس على جنازة فجهر بالحمد لله، ثم قال إنما جهرت لتعلمون أنها سنة. والمراد بالسنة:
الطريقة المألوفة عنه الله لا ما يقابل الفريضة، فإنه اصطلاح عرفى حادث. قال الأشرف: الضمير المؤنث لقراءة
الفاتحة، وليس المراد بالسنة أنها ليست بواجبة بل ما يقابل البدعة أى أنها طريقة مروية . وقال القسلانى: إنها
أى قراءة الفاتحة فى الجنازة سنة، أى طريقة للشارع، فلا ينافى كونها واجبة. وقد علم أن قول الصحابي من السنة
كذا حديث مرفوع عند الأكثر. قال الشافعى فى الأم: وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يقولون: السنة
إلا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء اللّه تعالى - انتهى. وليس فى حديث الباب بيان محل القراءة وقد
وقع التصريح به فى حديث جابر بلفظ: وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى، أخرجه الشافعى فى الأم، ومن
طريقه الحاكم (ج ١ ص ٣٥٨)، ومن طريق الحاكم البيهقى فى سننه (ج ٤ ص ٣٩) وسنده ضعيف، وفى
حديث أبي أمامة عند النسائى باسناد على شرط الشيخين بلفظ : قال: السنة فى الصلاة على الجنازة أن يقرأ فى
التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافة. وفى رواية عزاها الحافظ فى الفتح لعبد الرزاق والنسائى من حديث أبى أمامة
قال: السنة فى الصلاة على الجنازة أن يكبر، ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلى على النبى معروضة، ثم يخلص الدعاء ليت،
ولا يقرأ إلا فى الأولى. قال الحافظ: إسناده صحيح. والحديث دليل على مشروعية قراءة فاتحة الكتاب
فى صلاة الجنازة . وقد حكى ابن المنذر ذلك عن ابن مسعود والحسن بن على وابن الزبير والمسور بن مخرمة وبه
قال الشافعى وأحمد وإسحاق، ونقل ابن المنذر أيضا عن أبى هريرة وابن عمر أنه ليس فيها قرأة وهو قول
مالك وأبى حنيفة وأصحابه وسائر الكوفيين، كذا فى النيل. قلت: ومن كان يقرأ أيضا من الصحابة أبو هريرة.
وأبو الدرداء وأنس بن مالك وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومن التابعين سعيد بن المسيب والحسن البصرى
ومجاهد والزهرى، كما فى المحلى. قال ابن التركمانى: ومذهب الحنفية أن القراءة فى صلاة الجنازة لا تجب ولاتكره،.
ذكره القدورى فى التجريد - انتهى. ويكره القراءة عند المالكية إلا أن يقصد الخروج من الخلاف. قال الدسوقى:
إن قصد بقراءة الفاتحة الخروج من خلاف الشافعى فلا كرامة، لكن لا بد من الدعاء قبلها أو بعدها - إنتهى .
واستدل مالك بعمل أهل المدينة، إذ قال: قراءة فاتحة الكتاب فيها ليست بمعمول بها فى بلدنا بحال.
وفيه أن عمل أهل المدينة ليس بحجة شرعية، وإنما الحجة هو قول الله وقول رسوله، علا أنه قد روى عن
أبي هريرة وأبي أمامة وسعيد ابن المسيب وغيرهم من علماء المدينة القراءة فى الصلاة على الجنازة، وبما روى هو
٣٨٠