النص المفهرس
صفحات 341-360
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
واجعلن فى الآخرة كافوراً أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن آذننى، فلما فرغنا آذناء، فألقى الينا
حقوه، فقال: أشعرنها إياه. وفى رواية: اغسلنها وتراً ثلاثا أو خمسا أو سبعا، وابدأن
فى حديث أم عطية، وقوله اغسلوه بماء وسدر فى حديث ابن عباس الآتى فى المحرم ، وقوله اغسليها بعد ذلك
ثلاث مرات بماء وسدر فى حديث أم سليم عند الطبرانى، فالراجح عندنا هو أنه يغسل فى كل مرة بماء وسدر بأن
يغلى الماء بالسدر ثم يغسل به ، وقد روى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية
يغسل بالسدر مرتين والثالثة بالماء والكافور. وقال ابن الهمام: الأولى كون الأوليين بالسدر كما هو ظاهر
كتاب الهداية لما فى أبى داود عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية يغسل بالسدر مرتين والثالث
بالماء والكافور، وسنده صحيح - إنتهى. (واجعلن فى الآخرة) أى المرة الآخرة (كافوراً أوشيئا من كافور) هو
شك من الراوى أى اللفظتين قال. والأول محمول على الثانى، لأنه نكرة فى سياق الاثبات ، فيصدق بكل شىء منه.
وجزم فى رواية للبخارى باللفظ الأول. وظاهره أنه يجعل الكافور فى الماء، ولا يضر الماء تغييره به. قيل: الحكمة
فى الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم أن فيه تجفيها وتبريدا وقوة نفوذ
وخاصية فى تصليب بدن الميت وطرد الهوام عنه وردع ما يتخلل من الفضلات ومنع إسراع الفساد اليه وهو
أقوى الأرابيح الطيبة فى ذلك ، وهذا هو السر فى جعله فى الغسلة الأخيرة، إذ لو كان فى الأولى مثلا لأذهبه
الماء، وإذا عدم الكافور قام غيره مقامه مما فيه هذه الخواص أو بعضها (فإذا فرغتن) من غسلها ( آذنى) يمد
الهمزة وكسر الذال المعجمة وفتح النون الأولى المشددة وكسر الثانية من الايذان، وهو الاعلام، والنون
الأول أصلية ساكنة ، والثانية ضمير فاعل ، وهى مفتوحة، والثالثة للوقاية (فلما فرغنا) من غسلها ( آذناه) بالمد
أى أعلمناه بالفراغ (فألقى الينا) وفى رواية: فأعطانا (حقوه) بفتح الحاء المهملة، ويجوز كسرما بعدها قاف
ساكنة أى إزاره . والحقو فى الأصل معقد الازار فسمى به ما يشد على الحقو توسعا المجاورة (أشعرنها) بههزة
القطع أى زينب ابنته ( إياه ) أى الحقو أى اجعلنه شعارها. والشعار والثوب الذى يلى الجسد، لأنه يلى شعره
يعنى اجعلته تحت الأكفان بحيث يلاقى بشرتها . والمراد إيصال البركة اليها والحكمة فى تأخير الازار إلى أن يفرغن
من الغسل ولم يناولهن إياه أولا ليكون قريب العهد من جسده الكريم حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى
جسدها فاصل، وهو أصل فى التبرك بآثار الصالحين واختلف فى صفة أشعارها إياه، فقيل: يجعل لها منزراً.
وقيل : تلف فيه، وهو الصواب. وفى الحديث جواز تكفين المرأة فى ثوب الرجل . وقد نقل ابن بطال الاتفاق
على ذلك (وفى رواية) أى للشيخين (إغسلنها وتراً ثلاثا أو خمسا أو سبعا) ظاهره أنه لا يزاد على السبع، لأنه نها ية
ماورد فى عدد التطهير، لكن ورد فى رواية أخرى للشيخين وغيرهما الاذن بالزيادة عند الحاجة كما تقدم (ابدأن)
٣٤١
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
بميامنها ومواضع الوضوء منها، وقالت: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، فألقيناما خلفها.
بجمع المؤنث من بدأ يبدأ (بميامنها) جمع ميمنة أى بالأيمن من بدنها من اليد والجنب والرجل يعنى ابدأن بغسل
أعضاء اليمين منها قبل المياسر فى الغسل والوضوء (ومواضع الوضوء منها) أى وأبدأن بغسل مواضع الوضوء
قبل باقى الأعضاء، قال الحافظ: ليس بين الأمرين تناف لإ مكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معا. وقال
الزين بن المنير: ابدأن بميامنها أى فى الغسلات التى لا وضوء فيها ومواضع الوضوء منها أى فى الغسلة المتصلة
بالوضوء. وفيه دليل على شرعية الوضوء لليت. وأصرح منه ما ورد فى حديث أم سليم عند الطبرانى: فإذا فرغت
من غسل سفلتها غسلا نقيا بماء وسدر فوضئيها وضوء الصلاة ثم اغسليها. قال العينى: وضوء الميت سنة كما فى
الاغتسال فى حالة الحياة غير أنه لا يمضمض ولا يستنشق، لأنهما متعسران لتعذر إخراج الماء من الأنف والفم
قال ابن قدامة فى المغنى: يوضأه وضوء الصلاة فيغسل كفيه ثم يأخذ خرقة خشنة ، فيلها ويجعلها على إصبعه
فيمسح أسنانه وأنفه حتى ينظفهما ويكون ذلك فى رفق ثم يغسل وجهه ويتم وضوءه، قال ولا يدخل الماء فاه
ولا منخريه فى قول أكثر أهل العلم، كذلك قال سعيد بن جبير والنخعى والثورى وأبو حنيفة. وقال الشافعى:
يمضمض ويستنشق كما يفعل الحى (وقالت) أم عطية فى جملة حديثها (فضفرنا) بالضاد المعجمة وتخفيف الفاء
من الضفر (شعرها) أى نسجنا شعر رأسها عريضا. قال العينى: الضفر نسج الشعر عريضا، وكذلك التضفير.
وقال الطيبي: من الضفيرة وهى النسج، ومنه ضفر الشعر وإدخال بعضه فى بعض (ثلاثة قرون) أي ضفائر جمع
القرن وهو الخصلة من الشعر (فألقيناها) أى الضفائر (خلفها) أى وراء ظهرها. وفى رواية: ضفرنا شعرها
ناصيتها وقرنيها أى جعلنا ناصيتها ضفيرة وقرنيها أى جانبى رأسها ضغيرتين . والمراد بالقرون فى رواية الكتاب
الضفائر والذوائب. ووقع فى رواية: مشطناها ثلاثة قرون أى سرحنا شعرها بالمشط ثم جعلناه ثلاث ضفائر.
وفيه حجة الشافعى ومن وافقه على استحباب تسريح شعر الميت وجعله ثلاث ضفائر والقاءما خلف ظهره.
وقال ابن القاسم : لا أعرف الضفر. وقال العينى من الحنفية: يجعل صغيرتين على صدرها فوق الدرع . وقال
بعضهم: يسدل شعرها بين ثديها من الجانبين جميعا تحت الخمار ولا يسدل شعرها خلف ظهرها، قالوا :
ليس فى الحديث إشارة من النبى صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمور، وإنما المذكور فيه الاخبار عن أم عطية عن
فعلهن، وليس فيه أن النبى معَفّ علم بذلك. وأجيب بأن الأصل أن لايفعل بالميت شىء من القرب إلا بإذن من
الشارع محقق. وقال النووى: الظاهر اطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك وتقريره له - إنتهى. وهو عجيب،
ففى صحيح ابن حبان أن النبى معَّ أمر بذلك. ولفظه: واجعلن لها ثلاثة قرون وترجم عليه ذكر البيان بأن أم عطية
٣٤٢
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
متفق عليه.
١٦٥٠ - (٢) وعن عائشة، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن فى ثلاثة أثواب
إنما شطت قرونها بأمر التى مؤقٍّ لا من تلقاء نفسها، وفى السنن لسعيد بن منصور اغسلنها وتراً واجعلن شعرها
ضفائر ، وفى حديث أم سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم واضفرن شعرها ثلاثة قرون قصة وقرنين ولا تشبهنها
بالرجال . وقد ظهر بهذا بطلان قول من قال من الحنفية بأن ضفرها ومشطها والقاءها خلف ظهرها من باب
الزينة، وهذه ليست بحال الزينة (متفق عليه) إلا قولها فألقيناها خلفها، فانه للبخارى فقط. والحديث أخرجه
أيضا أحمد ومالك والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقى وغيرهم .
١٦٥٠ - قوله (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن) بصيغة المجهول من التكفين (فى ثلاثة أبواب)
فى طبقات ابن سعد إزار ورداء ولفافة. وفيه رد على من قال: إن المشروع فى كفن الرجل إلى سبعة ثياب. واستدل
لذلك بما روى أحمد (ج ١ ص ٩٤، ١٠٢) والبزار وابن سعد فى طبقاته (ج ٢ ص ٦٧)، وابن عدى فى
الكامل ، وابن حبان فى الضعفاء من حديث على ابن أبى طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن فى سبعة أثواب
وأجيب عنه بأن فى سنده عندهم عبد الله بن محمد بن عقيل وقد وهم هو فيه. قال الحافظ فى التلخيص (ص١٥٥):
هو سىء الحفظ لا يصلح حديثه للاحتجاج إذا خالف الثقات كما هنا ، وقد خالف هو رواية نفسه ، فانه روى عن
جابر أنه مَّ كفن فى ثوب نمرة. قال الحافظ: وروى الحاكم من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر ما يعضد
رواية ابن عقيل عن ابن الحنفية بمعنى أنه صلى الله عليه وسلم كفن فى سبعة. قلت: ویعارضه ما روى ابن ماجه
من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر أنه كفن رسول اللّه مَ فه فى ثلاث رياط بيض محولية . قال
فى الزوائد إسناده حسن. وقد قال الترمذى: تكفينه فى ثلاثة أثواب أصح ما ورد فى كفنه. وقال الحاكم:
إنها تواترت الأخبار عن على وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن مغفل وعائشة فی تکفین النی ے فى ثلاثة
أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، ذكره الشوكانى فى النيل. وقال فى السيل الجرار: لم يرو فى عدد الأكفان
شىء يعتمد عليه إلا ما ثبت فى الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة، قال ولم يثبت فى تكفينه صلى الله عليه وسلم
ما يخالف هذا ، وكل ما روى فى ذلك فهو لا يصلح لمعارضة هذا مع كونه فى نفسه غير صحيح لا يحل العمل به
فضلا عن أن يعارض ما فى الصحيحين وغيرهما. وفيه أيضا رد على المالكية حيث أن المرجح عندهم فى كفن
الرجل خمسة ثياب: إزار وأضافتان وقميص وعمامة، وعلى الشافعى حيث قال بجواز الخمسة من غير استحباب،
واستدل لذلك بما روى سعيد بن منصور أنه كفن ابنه واقداً فى خمسة أثواب: قميص وعمامة وثلاث لفائف
ولا يخفى أنه فعل صحابى، وقد خالف فيه ما روى هو وغيره من الصحابة فى تكفين التى تَت. وفيه أيضا
٣٤٣
مرعاة المفاتيح ج ٥
• كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
يمانية، بيض سحولية، من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة.
رد على من استحسن من المتأخرين من الحنفية زيادة العمامة للعالم ، وقال بأربعة أثواب فى كفنه، واحتج بفعل
ابن عمر المذكور. ولا يخفى ما فيه، فالصواب هو عدم الزيادة على الثلاثة . قال ابن قدامة: وتكره الزيادة على
ثلاثة أثواب فى الكفن لما فيه من إضاعة المال (يمانية) بالتخفيف، وأصله يمنية بالتشديد نسبة الى اليمن، لكن
قدمت إحدى الياتين ثم قلبت الفا أو حذفت وعوض عنها بألف على خلاف القياس . وقال الشوكانى: يمانية
بتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة. وحكى سيبويه والجوهرى وغير هما لغة فى تشديدها. ووجه الأول أن
الألف بدل من ياء النسبة فلا يجتمعان، فيقال يمنية بالتشديد أو يمانية بالتخفيف، وكلاهما نسبة إلى اليمن (بيض)
بكسر الباء جمع أبيض، فيستحب الثياب البيض للكفن لأن الله تعالى لم يكن ليختار ليه إلا الأفضل. وسيأتى
حديث ابن عباس بلفظ: وكفنوا فيها (أى فى الشباب البيض) موتاكم. قال النووى: استحباب التكفين فى البياض
مجمع عليه (محولية) بضم السين والحساء المهملتين ولام، ويروى بفتح أوله نسبة إلى سحول قرية باليمن . وقال
الأزهرى: بالفتح المدينة، وبالضم الثياب. وقيل: النسبة إلى القرية بالضم. وأما بالفتح فنسبة إلى القصار ،
لأنه يسحل الثياب أى ينقيها، كذا فى الفتح. وقال النووى بضم السين وفتحها وهو أشهر، وهو رواية الأكثرين
قال فى النهاية تبعا للهروى: فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار، لأنه يسحلها أى يغسلها أو إلى سحول وهى
قرية باليمن. وأما الضم فهو جمع سحل وهو الثوب الأبيض النقى ، ولا يكون إلا من قطن، وفيه شذوذ، لأنه نسب
إلى الجمع. وقيل: إن اسم القرية بالضم أيضا - إنتهى. وفى الصحاح السحل الثوب الأبيض من الكرسف من ثياب
اليمن، والجمع سحول وسحل مثل سقف، ثم ذكر هذا الحديث، ثم قال ويقال سحول موضع باليمن وهى تنسب اليه
(من كرسف) بضم الكاف والسين بينهما راء ساكنة أى من قطن. ووقع فى رواية للبيهتى: سحولية جدد (ليس
فيها قميص ولا عمامة) أى ليس موجوداً أصلا، بل هى الثلاثة فقط. فالمقصود نفى وجودهما جملة . قال النووى:
معناه لم يكفن فى قميص ولا عمامة، وانما كفن فى ثلاثة أثواب غيرهما ولم يكن مع الثلاثة شىء آخر ، هكذا
فسره الشافعى وجمهور العلماء، وهو الصواب الذى يقتضيه ظاهر الحديث. وقيل: معناه لم يكن القميص والعمامة
من جملة الثلاثة، بل كانا زائدين على الثلاثة فيكون ذلك خمسة ، وهو تفسير مالك. قال العراقى: وهو خلاف
الظاهر . قال السندى: بل يرده حديث أبى بكر فى كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت عائشة: فى ثلاثة
أثواب، فقال أبو بكر ثوب عليه كفنونى فيه مع ثوبين آخرين وهو حديث صحيح (أخرجه مالك والبخارى
وغيرهما). قال بعض الحنفية: سألها أبو بكر وإن تولى تكفينه على والعباس وابنه الفضل، لأنها كانت فى البيت
شاهدت ذلك - إنتهى. قلت: ويؤيد التفسير الأول ما رواه ابن سعد فى طبقاته عن عائشة بلفظ: ليس فى كفته
٣٤٤
مرعاة المفاتيح. ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
قميص ولا عمامة، والأفضل أن يكفن الرجل فى ثلاث لفائف بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ولا يزيد عليها،
واليه ذهب الجمهور. قال الترمذى: والعمل عليه عند أكثر أهل العمل من أصحاب النبي مؤثّة وغيرهم وهو مذهب
الشافعى وأحمد بن حنبل، والمستحب عند الحنفية ثلاثة ثياب كالجمهور، لكن الثلاثة عند الحنفية: إزار (من
القرن إلى القدم. وقيل : من الحقو إلى القدم کازار الحی) ، و قميص غير مخط ولا مکفوف ولا مزرر بلا جيب
ودغاريص وكمين (من الرقبة إلى القدمين. وقيل: إلى نصف الساق) واضافة، وكان محمد بن سيرين يستحب أن
يكون قميص الميت كقميص الحى مكففا مروراً. واستدل الحنفية على استحباب القميص بما فى قصة عبد الله
ابن أبى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى ابنه قميصه ليكفته فيه. وفيه أن غاية ما فيه أنه يدل على جواز
التكفين فى القميص ولا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف فى الأفضلية، وفعل ذلك من تكرمة لابنه عبد الله بن
عبد الله بن أبى وإجابة لسؤاله حين سأله ذلك ليتبرك به أبوه. وقيل: انما فعل ذلك جزاء لعبد الله ابن أبى عن
كسوته العباس قميصه يوم بدر فيكون مختصا بهذه القضية، علا أن قيصه مثل هذا كان مخيطا مكفوف الأطراف
ذا الكمين والجيب، والمستحب عند الحنفية هوغير هذا كما تقدم. واستدلوا أيضا بما روى النسائى والطحاوى
والبيهقى (ج ٤ ص ١٥ - ١٦) فى قصة الأعرابى من حديث شداد بن الهاد أن النبى تزّ كفنه فى جبته صلى الله
عليه وسلم. وفيه ما تقدم أنه انما يدل على الجوازولا اختلاف فيه، علا أنه يخالف الحنفية من جهة أن المستحب
عندهم إنما هو القميص الغير المخيط بلا كمين، والجبة المذكورة كانت مخيطة مكفوفة الأطراف ذات كمين
واستدلوا أيضا بما روى عن عبد الله بن مغفل أنه قال إذا أنامت فاجعلوا فى غسلى كافوراً وكفنونى فى بردين
وقيص فان التى تَّ فعل ذلك، أخرجه الحاكم (ج ٣ ص ٥٧٨) والطبرانى فى الكبير، وابن سعد فى طبقاته
(ج ٢ ص ٦٨) وبما روى البزار وابن عدى فى الكامل عن جابر بن سمرة أن النبى مؤثّ كفن فى ثلاثة أثواب
بيض قميص وإزار ولفافة، وبما روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقى وابن أبى شيبة عن ابن عباس قال :
کفن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ثلاثة أثواب نجرانية: الحلة ثوبان وقصه الذى توفى فيه، وبما روی محمد
ابن الحسن فى كتاب الآثار، وابن سعد فى طبقاته عن ابراهيم أن النبى مؤلّ كفن فى حلة يمانية وقيص، وأخرجه
ابن سعد أيضا وعبد الرزاق عن الحسن نحوه، وبما روى الطبرانى فى الأوسط عن أنس أن النبى مؤتم كفن فى
ثلاثة أثواب أحدها قيص. قال الهيثمى: إسناده حسن، وبما روى ابن أبى شيبة عن عبد الله بن عمرو قال:
يكفن الميت فى ثلاثة أثواب قيص وإزار ولفافة. وأجيب بأن هذه الأحاديث لا تنتهض لمعارضة حديث
عائشة الثابت فى الصحيحين وغيرهما، لأنها كلها مدخولة أما حديث ابن مغفل ففيه صدقة بن موسى . قال الحافظ :
٣٤٥
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
صدوق، له أوهام. قلت: وضعفه ابن معين وأبو داود والنسائى والدولابى والساجى. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس
جالقوى عندهم. وقال الترمذى: ليس عندثم بذاك القوى. وقال البزار: ليس بالحافظ عندهم، وقال فى موضع
آخر: ليس به بأس. وأما حديث جابر بن سمرة فقد تفرد به ناصح بن عبد الله المحلى، وهو منكر الحديث
قاله البخاری وغيره. وأما حديث ابن عباس فقیه یزید بن أبی زیاد وقد تغیر ، وهذا من ضعيف حديثه. قال
النووى: هذا الحديث ضعيف لايصح الاحتجاج به، لأن يزيد بن أبي زياد مجمع على ضعفه سيما وقد خالف روايته
رواية الثقات. وقال السندى: ولا يخفى أن التكفين فى القميص الذى مات فيه وغسل فيه مستبعد عادة أيضا
لكونه يبل الأكفان. وقال ابن الهمام: قد ذكروا أنه عليه الصلاة والسلام غسل فى قيصه الذى توفى فيه فکیف
يلبسونه الأكفان فوقه وفيه بلها - انتهى. علا أنه يخالف الحنفية، لأن قيصه الذى توفى فيه كان خيطا مكفوف
الأطراف ذا الجيب والدغاريص والكمين ، لأنه هو المعتاد فی قیص الحى. وهذا خلاف الحنفية ، ولذا أول
بعضهم حديث عائشة بأن المراد فيه ففى القميص المعتاد ذى الكمين والدعاريص لا نفى القميص مطلقا، قالوا لو
كفن أحد فى قيصه قطع جيبه ولبته وكماه . وأما حديث إبراهيم النخعى فرسل، وكذا حديث الحسن، المرسل
ليس بحجة على الصحيح خصوصا فى مقابلة الحديث الصحيح وأما حديث أنس فنى كونه حسنا قابلا للاحتجاج
نظر، فان صحة الاسناد أو حسنه لا يستلزم صحة الحديث أو حسنه كما تقرر فى مقره. وحديث أنس هذا وإن حسن
الهيثمى إسناده فهو شاذ لكونه مخالفا لحديث عائشة الصحيح المخرج فى الصحيحين وغيرهما. علا أنه لا يطمئن
القلب بتحسين الهيشمى ، فان له أوهاما فى كتابه، وقد تتبع الحافظ أوهامه فيه فبلغه فعاتبه فترك التتبع. وأما
أثر عبد الله بن عمرو فهو من قوله ورأيه، وقد خالف به ما اختاره الله لنبيه مؤثّم هذا. وقد تأول بعض الحنفية
حديث عائشة بأن معناه ليس فيها قيص أى جديد. وقيل ليس فيها القميص الذى غسل فيها وقيل معناه ليس فيها
قیص مخيط مکفوف الأطراف ذو الکمین والدعاریص، فان قیصالکفن ليس له دعاریص ولا کمان حتی لو کفن
فى قميصه قطع جيبه ولبته وكماه، قاله الكبيرى من الحنفية. وحاصل هذا أن محمل رواية عائشة نفى القميص المخيط مع
الكمين، ومحمل الروايات المتقدمة المثبتة أن الثوب الواحد من الثلاثة كان على هيئة القميص. قلت: تفسير الشافعى ومن
وافقه هو الظاهروما عداه تعسف لا يخفى عسفه على المنصف، وإنما ارتكبه من ارتكبه تمشية للذهب فلا يلتفت اليه.
وأما الجمع فانما يصاراليه عند المعارضة والمعادلة ولا يعادل حديث الصحيحين أحاديث غيرهما، فالعمل على حديث
عائشة هو الأولى. قال ابن قدامة: هو أصح حديث روى فى كفن رسول الله {}، وعائشة أقرب إلى التى تم وأعرف
٣٤٦
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفيته
متفق عليه .
١٦٥١ - (٣) وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كفن أحدكم أعاه
فليحسن كفته. رواه مسلم .
١٦٥٢ - (٤) وعن عبد الله بن عباس، قال: إن رجلا كان مع النبى صلى الله عليه وسلم
بأحواله، ولهذا لما ذكرلها قول الناس: إن النبى يَّ كفن فى برد ، قالت قد أتى بالبرد، ولكنهم لم يكفنوه
فيه، فحفظت ما أغفله غيرها، وقالت أيضا أدرج التى يُؤثّم فى حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبى بكر ثم نزعت عنه
فرفع عبد الله بن أبى بكر الحلة، وقال أكفن فيها، ثم قال لم يكفن فيها رسول الله ثم وأكفن فيها فتصدق بها
رواه مسلم (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد، ومالك، والترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه
وابن أبي شيبة والبيهقى وغيرهم .
١٦٥١ - قوله (إذا كفن) بتشديد الفاء (أحدكم أخاه) وفى رواية النسائى: إذا ولى أحدكم أخاه بفتح
الواو وكسر اللام المخففة من الولاية أى تولى أمر تجهيزه وتكفينه (فليحسن) بضم الياء وفتح الحاء وتشديد السين
المهملة المكسورة. وقيل: باسكان الحاء وتخفيف السين. قال النووى: كلاهما صحيح (كفنه) قيل بسكون الفاء
مصدر أى تكفينه فيشمل الثوب وهيئته وعمله، والمعروف الفتح. قال النووى فى شرح المهذب: هو الصحيح،
والمراد بتحسين الكفن بياضه ونظافته ونقاء، وسبوغه وكثافته (أى كونه صفيقا) وستره وتوسطه وكونه من
جنس لباسه فى الحياة لا أنخر منه ولا أحقر، وليس المراد بإحسانه السرف فيه والمغالاة (أى كونه غالى الثمن)
ونفاسته لحديث على الآتى لا تغالوا فى الكفن، فانه يسلب سلبا سريعا . قال النور بشتى: معنى الحديث أن يختار
لأخيه المسلم من الثياب أتمها وأنظفها وأنصعها لونا على ما ورد به السنة، ولم يرد بالتحسين ما يؤثره المبذرون
أشرا ورياء وسمعة من الثياب الرفيعة، فإن ذلك منهى عنه بأصل الشرع، وهو النهى عن إضاعة المال، ثم ذكر
حديث على، ثم قال وفى حديث جابر هذا زيادة مبينة للعنى الذى ذكرناه ولم يذكره فى المصابيح، وقد ذكر مسلم
الحديث بتمامه، وهو أن النبى مؤثّ خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن فى كفن غير طائل (أى غير
جيد يعنى حقير غير كامل) وقبر ايلافز جرالنبى ◌َ الله أن يقبر الرجل ليلاحتى يصلى عليه إلا أن يضطر انسان إلى ذلك
وقال النبي ◌َّة: إذا كفن أحدكمأخاه فليحسن كفنه (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى والبيهقى
( ج ٣ ص ٤٠٣) والحاكم (ج ١ ص ٣٦٩) وأخرجه الترمذى وابن ماجه من حديث أبى قتادة.
١٦٥٢ - قوله (إن رجلا) قال الحافظ: لم أقف على تسميته (كان مع النبى معَّ) أى بعرفة عند
٣٤٧
مرعاة المفاتيح ج .
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه
فى ثوبه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا.
الصخرات راكبا على ناقته فوقع عنها (فوقصته) بفتح الواو بعدها قاف ثم صادمهملة (ناقته) أى كسرت عنقه قال
فى النهاية: الوقص كسر العنق وقَصَت عنقه اقصُها وقصًا ووقصَت به راحلته كقولك: خذ الخطامَ وبالخطام
ولا يقال وقصت العنق نفسها ولكن يقال وقص الرجل فهو موقوص - انتهى. قال الكرمانى: إن كان الكسر
حصل بسبب الوقوع فاسناد الوقص إلى الناقة بجاز، وإن حصل من الناقة بأن أصابته بعد أن وقع لحقيقة (اغلوه
بماء وسدر) فيه دليل على وجوب غسل الميت. وفيه إباحة غسل المحرم الحى بالسدر خلافا لمن كرهه له، قاله ابن
المنذر (وكقِنوه فى ثوبيه) أى إزاره ورداء. اللذين لبسهما فى الاحرام، وفيه أن الوتر ليس بشرط فى الصحة،
وأن الثلاث فى حديث عائشة المتقدم ليست واجبة، وانما هى مستحبة، وهو قول الجمهور. وأما الواحد السائر
جميع البدن فلايد منه بالاتفاق. وقيل: يحتمل اقتصاره له على التكفين فى ثوبيه لكونه مات فيهما وهو متلبس
بتلك العبادة الفاضلة. ويحتمل أنه لم يجد غيرهما. وفيه أن الكفن من رأس المال، لأنه مَّ أمر به ولم يستفصل
هل عليه دين مستغرق أم لا؟ وفيه استحباب تكفين المحرم فى ثياب إحرامه وأنه لا يكفن فى المخيط . وفيه التكفين
فى الثياب الملبوسة وهو مجمع عليه (ولا تمسوه بطيب) بضم المثناة الفوقية وكسر الميم من الامساس. وقيل بفتح.
التاء والميم من المس. وفى رواية: لا تحنطوه (ولا تخمروا) بالتشديد أى لا تغطوا ولا تستروا (رأسه) فى
النهى عن تخمير الرأس دليل على بقاء حكم الإحرام، وكذا فى المنع عن التحنيط. وأصرح من ذلك التعليل بقوله
(فانه يبعث) أى يحشر (يوم القيامة ملبيا) أى بصفة الملبين بنسكه الذى مات فيه من الحج قائلا لبيك اللهم لبيك.
وفى رواية النسائى: فانه يبعث يوم القيامة محرما. والحديث دليل لما ذهب اليه الشافعى وأحمد وإسحاق والثورى
وعطاء أن المحرم إذا مات يبقى فى حقه حكم الاحرام فلا يغطى رأسه ولا يخنط ويكفن فى ثوبى الاحرام. وخالف
فى ذلك مالك وأبو حنيفة. قال ابن دقيق العيد: وهو مقتضى القياس لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف وهو
الحياة، لكن اتبع الشافعى الحديث، وهو مقدم على القياس. قلت: استدل الحنفية والمالكية بما رواه مسلم من
حديث أبى هريرة مرفوعا: إذا مات ابن آدم انقطع عمله. وأجيب بأن تكفينه فى ثوبى إحرامه وتبقيته على هيئة
إحرامه من عمل الحى بعده كغسله والصلاة عليه، فلا معنى لما ذكروه. وأجاب الحنفية والمالكية عن حديث ابن
عباس بأن التبي ◌َّ لعله عرف بالوحى بقاء إحرامه بعد موته فهو خاص بذلك الرجل ، وبأنه واقعة حال لاعموم
لها، وبأنه علل بقوله فإنه يبعث ملبيا، وهذا الأمر لا يتحقق فى غيره وجوده، فيكون خاصا به. قال الشيخ
٣٤٨
1
و
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
متفق عليه. وسنذكر حديث خباب: قتل
عبد الحى اللكتوى فى التعليق الممجد بعد ذكر هذه الأجوبة ما نفظه: ولا يخفى على المنصف أن هذاكله تعفٍ،
فان البعث ملبيا ليس بخاص به بل هوعام فى كل محرم حيث ورد يبعث كل عبدعلى ما مات عليه، أخرجه مسلم، وورد
من مات على مرتبة من هذه المراتب بعث عليها يوم القيامة، أخرجه الحاكم. وورد أن المؤذن يبعث وهو يؤذن
والملى يبعث وهو يلبى، أخرجه الأصبهافى فى الترغيب والترهيب. وورد غير ذلك مما يدل عليه أيضا كما بسطه
السيوطى فى البدور السافرة ، فهذا التعليل لا دلالة له على الاختصاص، وإنما علل به، لأنه لما حكم بعدم التخمير
المخالف لسنن الموتى نبه على حكمة فيه وهو أنه يبعث ملبيا فينبغى إبقاءه على صورة الملبين، واحتمال الاختصاص
بالوحى مجرد احتمال لا يسمع، وكونه واقعة حال لا عموم لها إنما يصح إذا لم يكن فيه تعليل. وأما إذا وجد
وهو عام فيكون الحكم عاما. والجواب عن أثر ابن عمر يعنى الذى رواه محمد عن مالك عن نافع أن ابن عمر كفن
ابنه وأقد بن عبد الله وقدمات محرما بالجحفة وخمر رأسه أنه يحتمل أنه لم يبلغه الحديث، ويحتمل أن يكون بلغه
وحمله على الأولوية، وجوز التخمير. ولعل هذا هو الذى لا يتجاوز الحق عنه - انتهى كلام الشيخ اللكنوى. وقال
الحافظ فى الفتح: قال أبو الحسن بن القصار او أريد تعميم هذا الحكم فى كل مجرم لقال فان المحرم كما جاء أن الشهيد
يبعث وجرحه شعب دما . وأجيب بأن الحديث ظاهر فى أن العلة فى الأمر المذكوركونه كان فى النسك، وهى عامة
فى كل محرم. والأصل أن كل ما ثبت لواحد فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت لغيره حتى يتضح الخصيص. قال
الحافظ : وأورد بعضهم أنه لو کان إحرامه باقیا لو جب أن یکل به المناسك ولا قائل به . وأجيب بأن ذلك ورد
على خلاف الأصل فيقتصر به على مورد النص، ولا سيما وقد وضح أن الحكمة فى ذلك استبقاء شعار الاحرام
كاستبقاء دم الشهيد - انتهى. وفى الحديث أن الاحرام يتعلق بالرأس، وأن من شرع فى عمل طاعة ثم حال بينه
وبين إتمامه الموت رجى له أن اللّه يكتبه فى الآخرة من أهل ذلك العمل (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الجنائز
والحج، ومسلم فى الحج ، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى فى الحج، وأبو داود والنسائى فى الجنائز، وابن ماجه فى
الحج والبيهقى ( ج ٣ ص ٣٩٠) قال ابن الهمام عند قول صاحب الهداية: ((والازار من القرن إلى القدم.
واللفافة كذلك)) لا إشكال أن اللفافة من القرن إلى القدم، وأما كون الازار كذلك فلا أعلم وجه مخالفة إزار
الميت إزار الحى من السنة. وقد قال عليه الصلاة والسلام فى ذلك المحرم كفنوه فى ثوبیه وهما إزاره ورداء. ،
ومعلوم أن إزاره من الحقو، وكذا حديث ليلى بنت قاذف قالت: كنت فيمن يغسل أم كلثوم بنت رسول الله
ربع فكان أول ما أعطانا الحقاء ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحقة ثم أدرجت بعد فى الثوب الآخر. رواه أبوداود،
وروى حقوه فى حديث غسل زينب ، وهذا ظاهر فى أن إزار الميت كإزار الحى من الحقو فيجب كونه فى المذكر
كذلك لعدم الفرق فى هذا - انتهى. (وسنذكر حديث خباب) بالتشديد (قتل) قال الطيبي: مجهول حكاية ما فى
٣٤٩
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت و تكفيته
مصعب بن عمير فى «باب جامع المناقب)) إن شاء الله تعالى.
الفصل الثانى )
١٦٥٣ - (٥) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألبسوا من ثيابكم البياض،
فانها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، ومن خير أكحالكم الامد،
الحديث بدل من قوله حديث خباب أى سنذكر هذا اللفظ وهو قتل (مصعب بن عمير) أى إلى آخره (فى باب جامع
المناقب) قال القارى: هذا اعتذار قولی و اعتراض فعلى على صاحب المصابیح زعمامن المؤلف أن حديث خباب
أليق بذلك الباب مع أنه ليس كذلك. وها أنا أذكر الحديث على ما فى الكتاب. قال خباب بن الأرت: قتل
مصعب بن عمير يوم أحد فلم تجد شيئا نكفنه فيه إلا نمرة، وهى بفتح النون وكسر الميم شملة مخططة بخطوط بيض
فى سودكنا إذا غطينا أى سترنا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه ، فقال عليه الصلاة
والسلام ضعوها مما يلى أى يقرب رأسه، واجعلوا على رجليه الاذخر - انتهى. وهذا كحديثه عن حمزة فى ما تقدم
وهما دليلان على أن كفن الضرورة ثوب واحد ، وعلى أن ستر جميع الميت واجب - انتهى . قلت : حديث خباب
هذا قد أورده مخرجوه فى الجنائز إلا الترمذى، فإنه أورده فى المناقب، وقد تبعه المؤلف. ولا شك أنه اليق
بالجنائز. وأورده البخارى فى الهجرة والمغازى والرقاق أيضا ، وقد استدل به على أنه إذا ضاق الکفن عن ستر
جميع البدن ولم يوجد غيره جعل مما يلى الرأس وجعل النقص ما يلى الرجلين .
١٦٥٣ - قوله (ألبسوا) بفتح الباء (من ثيابكم) من تبعيضية أو بيانية مقدمة (البياض) أى ذات
البياض. وفى رواية لأحمد: البيض بكسر الباء جمع الأبيض، فلا تجوز، وكذا وقع عند أبى داود والبيهقى
(فانها ) أى الثياب البيض (من خير ثيابكم) لدلالتها غالبا على التواضع وعدم الكبر والعجب والخيلاء
ولكونها أطهر وأطيب (وكفنوا فيها موتاكم) عطف على ألبسوا أى ألبسوها فى حياتكم وكفنوا فيها موتاكم.
والحديث يدل على استحباب لبس البيض من الثياب وتكفين الموتى فيها. قال الشوكانى: الأمر فى الحديث ايس
للوجوب بل للتدب، أما فى اللباس فلما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من لبس غيره، والباس جماعة من الصحابة
ثيابا غير بيض، وتقريره لجماعة منهم على غير لبس البياض. وأما فى الكفن فلما ثبت عند أبى داود، قال الحافظ
بإسناد حسن من حديث جابر مرفوعا: إذا توفى أحدكم فوجد شيئا فليكفن فى ثوب حبرة (ومن خير أكحالكم)
بفتح الهمزة جمع الكحل (الإنمد) بكسر الهمزة والميم بينهما مثلثة ساكنة، وحكى فيه ضم الهمزة حجر معروف
٣٥٠
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥- كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
فانه ينبت الشعر ويحلو البصر. رواه أبو داود، والترمذى، وروى ابن ماجه إلى موتاكم.
١٦٥٤ - (٦) وعن على، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تغالوا فى الكفن
أسود يضرب إلى الحمرة يكون فى بلاد الحجاز وأجوده يؤتى به من أصبهان. واختلف هل هو اسم الحجر الذى
يتخذ منه الكحل أو هو نفس الكحل؟ ذكره ابن سيده وأشار اليه الجوهرى، كذا فى الفتح. وقال التور بشتى:
هو الحجر المعدنى. وقيل: هو الكحل الأصفهانى ينشف الدمعة والقروح ويحفظ صحة العين، ويقوى غمنها
لاسيما للشيوخ والصبيان (فانه ينبت) بضم الياء وكسر البماء (الشعر) بفتح العين، ويجوز اسكانها أى شعر
الهدب، وهو بالفارسية مؤه، وهو الذى ينبت على أشفار العين ( ويجلو البصر) من الجلاء أى يحسن النظر ويزيد
نور العين وينظف الباصرة بدفعه المواد الرديئة النازلة اليها من الرأس. قال القارى: والأفضل عند النوم اتباعا
له صلى الله عليه وسلم، ولأنه أشد تأثيراً وأقوى سريانا حينئذ - انتهى. قلت: لفظ أحمد فى رواية: خير أكمالكم
الانمد عند النوم ينبت الشعر ويجلو البصر (رواه أبو داود) فى اللباس أى بتمامه، وسكت عنه (والترمذى)
فى الجنائز إلى قوله موتاكم، وصحه، ونقل المنذرى تصحيحه وأقره (وروى ابن ماجه) فى الجنائز واللباس
(إلى موتا كم) فيه أن الترمذى أيضا رواه إلى قوله موتاكم، فلا وجه لتخصيص المصنف ابن ماجه بكونه رواه
مختصراً، نعم روى الترمذى فى اللباس من طريق آخر عن ابن عباس مرفوعا: اكتحلوا بالاحمد وأنه يحلو البصر
وينبت الشعر. قال الترمذى: حديث حسن، وحديث الباب أخرجه أحمد مطولا (ج١ ص ٢٧٤،٢٤٧، ٣٢٨،
٣٦٣٥،٣٥٥) ومقتصراً على ذكر الانمد (ج١ ص٢٣١) وأخرجه أيضا البيهقى مطولا (ج٣ ص٢٤٥) والحاكم
نحو رواية ابن ماجه (ص ٣٥٤) وصححه وأقره الذهبي، ونسبه الحافظ فى التلخيص (ص ١٣٨) الشافعى وابن
حبان أيضا ، والسيوطى فى الجامع الصغير الطبرانى. وقال الحافظ: صححه ابن القطان ، وفى الباب عن سمرة
عند الترمذى والنسائى وابن ماجه والحاكم، وسيأتى فى اللباس، وعن عمران بن حصين عند الطبرانى ، وعن أنس
عند أبى حاتم فى العلل، والبزار فى مسنده، وعن ابن عمر عند ابن عدى فى الكامل ، وعن أبى الدرداء عند ابن.
ماجه يرفعه أحسن مازرتم الله به فى قبور كم ومساجدكم البياض .
١٦٥٤ - قوله (لا تغالوا) بفتح التاء واللام أى لا تتغالوا، فحذفت إحدى التائين تخفيفا، وقد يروى
بضم التاء واللام من المغالاة، وهو اكثار الثمن أى لا تبالغوا ولاتجاوزوا الحد (فى الكفن) أى فى كثرة قيمته
قال ابن الأثير الجزرى: أصل الغلاء الارتفاع ومجاوزة القدر فى كل شىء يقال غاليت الشىء وبالشىء وغلوت
فيه أغلو إذا جاوزت فيه الحد - انتهى. ويقال غالى فى الأمر أى بالغ فيه وغالى بالشىء أى اشتراه بثمن غال.
٣٥١
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
فاه یسلب سلبا سریعا. رواه أبو داود.
١٦٥٥ - (٧) وعن أبى سعيد الخدرى، أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد، فلبسها، ثم قال
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الميت يبعث فى ثيابه التى يموت فيها.
وفى الحديث أن الحد الوسط فى الكفن هو المستحب المستحسن (فانه) أى الكفن (يسلب) على بناء المفعول أى
يعلى (سلبا سريعا) أى بليا سريعا، ففى مغالاة الكفن اضاعة المال. قال الطبى: أستعير السلب لبلى الثوب مبالغة
فى السرعة - انتهى. وقال المناوى: كأنه قال لا تشتروا الكفن بثمن غال فانه يبلى بسرعة، ووقع فى بعض النسخ
من أبى داود: فإنه يسلبه بذكر ضمير المفعول، وهكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ١١ ص ٤١٥) وهو
بصيغة المجهول، قيل نائب الفاعل ضمير الميت، والضمير المنصوب للتكفن، وقيل الأول الكفن والثانى البيت أى أن
الكفن يسلب عن الميت (رواه أبو داود) من رواية الشعبى عن على، وأخرجه أيضا البيهقى (ص ٤٠٣) من
طريق أبى داود، وقد سكت عنه أبو داود ، ونقل القارى عن ميرك: أنه قال حسنه النووى والمنذرى ، قاله ابن
الملقن. وقال الحافظ فى التلخيص: فى إسناده عمرو بن هاشم أبو مالك الجنبى مختلف فيه، وفيه انقطاع بين الشعبي
وعلى، لأنه قال الدار قطنى أنه لم يسمع منه سوى حديث واحد - انتهى. وقال المنذرى: فى اسناده عمرو بن
هاشم، وفيه مقال، وذكر ابن أبى حاتم، وأبو أحمد الكرايسى: أن الشعبى رأى على بن أبى طالب، وذكر
أبو على الخطيب أنه سمع منه، وروى عنه عدة أحاديث ـ انتهى .
١٦٥٥ - قوله (جدد) بضمتين جمع جديد (فلبسها) بكسر الباء (ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول الميت يبعث فى ثيابه التى يموت فيها) قال فى اللعات: ظاهره أن أبا سعيد انما لبس ثيابا جدداً امتثالا
لظاهر هذا الحديث بأن المراد ظاهره، وهو أن البعث يكون فى الثياب، واستشكل ذلك بأنه قد ورد فى الحديث
الصحيح يحشر الناس حفاة عراة فأجاب بعضهم بأن البعث غير الحشر ، وكأنه أراد أن البعث هو اخراج الموتى
من القبر والحشر نشرهم فى عرصات القيامة، فيحتمل أن يكون البعث فى الثياب والحشرَ عراة يعنى يخرجون من
القبور بشيابهم ثم تتاثر وتتساقط فى المحشر ، وهذا الكلام بعيد فى غاية البعد. وقال المحققون من أهل الحديث:
أن الثياب فى قوله صلى الله عليه وسلم الميت يبعث فى ثيابه التى يموت فيها كناية عن الأعمال التى يموت عليها،
وقد ورد يبعث العبد على ما مات عليه من عمل صالح أو سيء، والعرب يكنى بالثياب عن الأعمال لملابسة الرجل
بها ملابسة الثياب، وقيل: فى قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر - المدثر: ٤﴾ أى أعمالك فأصلح - انتهى. وقال
الحروى : ليس قول من ذهب به إلى الأكفان بشىء لأن الانسان انما يكفن بعد موته. وقال الحافظ فى التلخيص
٣٥٢
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥- كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
رواه أبو داود.
١٦٥٦ - (٨) وعن عبادة بن الصامت، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير الكفن
الحلة، وخير الأضحية الكبش الأقرن. رواه أبو داود،
والقصة التى فى حديث أبى سعيد ترد ذلك (أى تأويل الثياب بالأعمال) وهو أعلم بالمراد من بعده، وحكى
الخطابى فى الجمع بينهما (أى بين ظاهر حديث أبى سعيد وحديث يحشر الناس حفاة عراة) أنه يبعث فى ثيابه ثم
يحشر عريانا، والله أعلم - انتهى. وقال ابن الدييع الشيبانى: هذا أى حديث أبى سعيد مختص بالشهيد، كما
قاله القرطبي، وبه يجمع بينه وبين حديث تحشرون حفاة عراة غرلا - الحديث. (رواه أبو داود) وسكت عليه
هو والمنذرى، وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١ ص ٣٤٠) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٨٤) وصححه الحاكم، ووافقه
الذهبى ، وأخرجه ابن حبان بدون القصة.
١٦٥٦ - قوله (خير الكفن الحلة) ازار ورداء بضم الحاء المهملة وتشديد اللام واحدة الحلل برود
اليمن ولا يطلق إلا على ثوبين من جنس واحد، والمقصود والله اعلم أنه لا ينبغى الاقتصار على الثوب الواحد
والثوبان خير منه وإن أريد السنة والكمال فثلاث على ما عليه الجمهور. قال السندى: لعل المراد أنها من خير
الكفز، والمطلوب بيان وفائها فى التكفين -انتهى. والحاصل أن الحلة وهى ثوبان خير من ثوب واحد والثلاثة أفضل
وأكمل . وقيل: يحتمل أن يكون المراد أنه ينبغى أن يكون الكفن من برود اليمن وفيها خطوط خضر أوحمر. قال
المظهر: اختار بعض الأئمة أن يكون الكفن من برود اليمن لهذا الحديث، والأصح أن البيض أفضل لحديث
عائشة، وحديث ابن عباس المتقدمين. وقال ابن الملك: الأكثرون على اختيار البيض وإنما قال ذلك فى الحلة
لأنها كانت يومئذ أيسر عليهم - انتهى. (وخير الأضحية الكبش الأقرن) ماله قرنان حسنان معتدلان، والمراد
تفضيل الذكر على الأنثى أو المراد أن التضحية بالكبش الأقرن أفضل من الاشتراك فى بدنة أو بقرة لا أنه أفضل
من البدنة أو من البقرة كما أخذ به مالك. قال الطبى: ولعل فضيلة الكبش الأقرن على غيره لعظم جثته وسمنه
فى الغالب - انتهى. (رواه أبو داود) فى الجنائز، وأخرجه أيضا الحاكم (ج ٤ ص ٢٢٨) والبيهقى (ج ٣
ص ٤٠٣) وأخرجه ابن ماجه مقتصراً منه على ذكر الكفن، والحديث سكت عنه أبو داود والمنذرى، والحافظ
فى التلخيص، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وفى سنده عندهم حاتم بن أبى نصر القنسرينى ، ذكره ابن حبان
فى الثقات. وقال ابن القطان الفاسى: لم يرو عنه غير هشام بن سعد ، فهو مجهول، كذا فى تهذيب التهذيب،
وقال فى التقريب: أنه مجهول، وفى سنده أيضا نسى الكندى، ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال فى التقريب
٣٥٣
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
ورواه الترمذى ،وابن ماجه ، عن أبى أمامة .
١٦٥٧ - (٩) وعن ابن عباس، قال: أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقتلى أحد أن ينوع
عتهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم و ثيابهم. رواه أبو داود، وابن ماجه.
والخلاصة: مجهول (ورواه الترمذى وابن ماجه) فى الأضحية (عن أبى أمامة) قال الحافظ: فى اسناده عُفّير
ابن معدان، وهو ضعيف، وقال الترمذى: هذا حديث غريب وعُفّير بن معدان يضعف فى الحديث.
١٦٥٧ - قوله (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد) بضمتين وقتلى جمع قتيل والباء بمعنى فى
أى أمر أصحابه فى حقهم (أن ينزع) بصيغة المجهول (عنهم الحديد) أى السلاح والدروع (والجلود) مثل
الفرو والكساء الغير الملطخ بالدم (وأن يدفئوا بدمائهم وثيابهم) أى المناطخة بالدم، قاله القارى. وهذا ظاهر
فى أنهم لم يغسلوا، وفى ترك غسل الشهيد أحاديث ذكرها ابن تيمية فى المنتقى، والشوكانفى فى النيل، والحديث
يدل على مشروعية دفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب ونزع الحديد والجلود عنه وكل ما هو آلة الحرب، ويدل
عليه أيضا ما روى أحمد عن عبد الله بن ثعلبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد زملوم فى ثيابهم،
وما روى أبو داود من حديث جابر رضى الله عنه قال رمى رجل بسهم فى صدره أو فى حلقه فمات فأدرج فى ثيابه
كما هو ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسناده على شرط مسلم. قال الشوكانى: قد رواى زيد بن على
عن أبيه عن جده عن على أنه قال ينزع من الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل إلا أن
یکون أصاب السراويل دم، وفى اسناده أبو خالد الواسطى ، والكلام فيه معروف، وقد روى ذلك أحمد بن
عيسى فى أما ليه من طريق الحسين بن علوان عن أبى خالد المذكور عن زيد بن على، والحسين بن علوان متكلم
فيه أيضا، والظاهر أن الأمر بدفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب للوجوب - انتهى. قلت: أبو خالد الواسطى
اسمه عمرو بن خالد القرشى مولى بنى هاشم متروك الحديث، كذبه أحمد وابن معين ، وأبو داود ووكيع وغيرهم.
قال أحمد: كذاب يروى عن زيد بن على عن آبائه أحاديث موضوعة يكذب. وقال الحاكم: يروى عن زيد
ابن على الموضوعات، ونسبه إلى الوضع اسحاق بن راهويه وأبو زرعة أيضا والحسين بن علوان الكلبى ضعيف
جداً. قال أبو حاتم والنسائى والدارقطنى: متروك الحديث. وكذبه يحي والنسائى، وقال صالح جزرة وابن
حبان: كان يضع الحديث، وقد ظهر بهذا أن أثر على هذا لا يصلح لاستدلال من استدل به من الحنفية كصاحب
البدائع وغيره على نزع الخف والمنطقة والقلنسوة عن الشهيد (رواه أبو داود وابن ماجه) فى الجنائز، وأخرجه
أيضا أحمد (ج ١ ص ٢٤٧) كلهم من رواية على بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن
٣٥٤
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
﴿ الفصل الثالث )!
١٦٥٨ - (١٠) عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، أن عبد الرحمن بن عوف أتى بطعام وكان صائما،
فقال: قتل مصعب بن عمير
ابن عباس قال الحافظ فى التلخيص (ص١٥٩) فى اسناده ضعف ، لأنه من رواية عطاء بن السائب عن سعيد بن
جبير وهو مما حدث به عطاء بعد الاختلاط - انتهى. قلت: قال أحمد من سمع من عطاء بن السائب قديما فسماعه
صحيح ومن سمع منه حديثا لم يكن بشىء سمع منه قديما سفيان وشعبة وسمع منه حديثا جرير وخالد واسماعيل
وعلى بن عاصم، كذا فى تهذيب التهذيب ( ج ٧ ص ٢٠٤) وفى الباب أحاديث وقد تقدم بعضها فينجبر بها
ضعف هذا الحديث .
١٦٥٨ - قوله (عن سعد بن ابراهيم) أى ابن عبد الرحمن بن عوف الزهرى القرشى، ولى قضاء المدينة،
وكان ثقة فاضلا عابداً من صغار التابعين. رأى ابن عمر وسمع أباه وغيره، مات سنة (١٢٥) وقيل بعدها وهو
ابن (٧٢) سنة (عن أبيه) أى ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى. قال المصنف: ادخل على عمر رضى الله
عنه وهو صغير سمع أباه وسعد بن أبى وقاص، روى عنه ابنه والزهرى. وقال الحافظ فى التقريب: قيل له روية
وسماعه من عمرأثبته يعقوب بن شيبة مات سنة (٩٥) وقيل (٩٦) قال فى التهذيب: قال العجلى تابعى ثقة ، وقال
يعقوب بن شيبة: كان ثقة، يعد فى الطبقة الأولى من التابعين، ولا نعلم أحداً من ولد عبد الرحمن روى عن عمر سماءا
غيره، وذكره ابن حبان فى ثقات التابعين (أن عبد الرحمن بن عوف) الزهرى القرشى أحد العشرة المبشرة أسلم
قديما ومناقبه شهيرة ( أتى) بضم الهمزة مبنيا للمفعول أى جىء (بطعام) أى للافطار وكان خبزاً ولما كما فى
الشمائل الترمذى (وكان) أى عبد الرحمن يومئذ (صائما) ذكر ابن عبد البر أن ذلك كان فى مرض موته ( قتل )
بضم القاف مبنيا للمفعول (مصعب بن عمير) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين نائب عن الفاعل وعمير
بضم العين مصغراً القرشى العبدرى. قال ابن عبد البر: كان مصعب بن عمير من أجلة الصحابة وفضلاءهم أسلم قديما
والنبي ◌َّ فى دار الأرقم وكتم اسلامه خوفا من أمه وقومه فعله عثمان بن طلحة فاعلم أمله فأوثقوه فلم يزل
محبوسا إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة ثم رجع إلى مكة فهاجر إلى المدينة، وشهد بدراً، ثم شهد أحداً، ومعه
اللواء، فاستشهد قتله عمرو بن قمئة الليثى، وهو ابن أربعين سنة وأزيد شيئا وكان رسول الله تمثل قد بعث
مصعبا إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم فى الدين وكان يدعى القارى والمقرى وهو
أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، وكان فى الجاهلية من أنعم الناس عيشا وألينهم لباسا وأحسنهم جمالا
٣٥٥
مرعاة المفاتيح ج .
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
وهو خير منى، كفن فى بردة، إن غطى رأسه بدت وجلاء، وإن غطى رجلاه بدا رأسه، وأراه
قال: وقتل حمزة وهوخير منى، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا،
ولقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكى، حتى ترك الطعام.
وكان أبواه يحبانه وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرى من الفعال
فلما أسلم زهد فى الدنيا وتقشف فتخشف جلده تخشف الحية ويقال إن فيه نزلت وفى أصحابه ( رجال صدقوا
ما عاهدوا الله - الأحزاب: ٢٣) الآية (وهو خير منى) قاله تواضعا وهضما لنفسه وإلا فقد صرح العلماء بأن
العشرة المبشرة أفضل من غيرهم. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ما استقر عليه الأمر من تفضيل العشرة على
غيرهم بالنظر إلى من لم يقتل فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ( كفن فى بردة) وفى رواية للبخارى: فلم يوجد له
ما يكفن فيه إلا برده بالضمير العائد على مصعب ، وفى رواية: إلا بردة بلفظ واحدة البرود ، وفى حديث خباب
عند البخارى: قتل مصعب بن عمير ولم يترك إلا نمرة (إن غطى) بضم الغين أى ستر (رأسه) بالرفع أى بالبردة
(بدت) أى ظهرت رجلاه (وإن غطى رجلاه بدأ رأسه) أى ظهر، وسيأتى فى جامع المناقب أنه غطى بها
رأسه وجعل على رجليه الاذخر (وأراه) بضم الهمزة أى أظنه (قال) أى عبد الرحمن (وقتل حمزة) هو حمزة
ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشى الهاشمى أبو عمارة عم النبي وزضم وأخوه من الرضاعة أرضعتهما
ثويبة مولاة أبي لهب ولد قبل النبي مَيتم بسنتين، وقيل بأربع أسلم قديما فى السنة الثانية من البعثة ولازم أصر
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجر معه، وقد ذكر ابن اسحاق قصة أسلامه محاولة، وقيل كان اسلامه بعد
دخول رسول الله عزَّ دار الأرقم فى السنة السادسة فاعتز الاسلام باسلامه وشهد بدراً وأبلى فيها بلاء حسنا
مشهوراً واستشهد يوم أحد ، قتله وحشى بن حرب الحبشى ، وقد مثل به وبأصحابه يومئذ وكان ذلك فى النصف
من شوال سنة (٣) من الهجرة، فعاش دون الستين، ولقبه النبى مؤفتز أسد الله، وسماه سيد الشهداء، روى
عنه على والعباس وزيد بن حارثة (وهو خير منی) وروى الحاكم فى مستدركه من حديث أنس أن حمزة كفن
أيضا كذلك (ثم بسط) بضم الباء أى وسع وكثر (لنا) أراد نفسه وبقية مياسير الصحابة (من الدنيا ما بسط)
أشار إلى ما فتح لهم من الفتوح والغنائم وحصل من الأموال وكان لعبد الرحمن بن عوف من ذلك الحظ
الوافر (ولقد خشينا أن تكون حسناتنا) وفى رواية: طيباتنا (عجلت لنا) أى أعطيت عاجلا لنا أى فى حياتنا
الدنيا (ثم جعل) عبد الرحمن (يبكى) قال العينى: كان خوفه وبكاء، وإن كان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة
مما كان عليه الصحابة من الاشفاق والخوف من التأخر عن اللحاق بالدرجات العلى (حتى ترك الطعام) أى فى
٣٥٦
مرعاة المفاتيح ج .
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
رواه البخارى.
١٦٥٩ - (١١) وعن جابر، قال: أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عبد الله بن أبى بعد
ما أدخل حفرته،
وقت الافطار، وفى الحديث دليل على أن الكفن من جميع المال أى من رأسه لا من الثلث ، وهو قول جمهور
العلماء لأنه صلى الله عليه وسلم كفن مصعبا فى تمرته، وكذا حمزة فى بردته ولم يلتفت إلى غريم ولا إلى وصية
ولا إلى وارث، وبدأ بالتكفين على ذلك كله، فعلم أن التكفين مقدم وأنه من رأس المال لأن جميع مالهما كان
لكل منهما بردة، وفيه فضل الزهد، وأن الفاضل فى الدين ينبغى له أن يمتنع من التوسع فى الدنيا لئلا تنقص حسناته
وإلى ذلك أشار عبد الرحمن بقوله خشينا أن تكون حسناتنا عجلت ، وفيه أنه ينبغى ذكر سير الصالحين وتقللهم
فى الدنيا لتقل رغبته فيها والبكاء خوفا من تأخر اللحاق بالأخيار والاشفاق من ذلك، وفيه ايثار الفقر على الغنى
وإيثار التخلى للعبادة على تعاطى الاكتساب فلذلك امتنع عبد الرحمن من تناول ذلك الطعام مع أنه كان
صائما (رواه البخارى) فى الجنائز والمغازى، وأخرجه البيهقى (ج ٣ ص ٤٠١) أيضا ويظهر من كلام الحافظ
فى الفتح أن الحديث عند أحمد أيضا حيث قال فى رواية أحمد عن غندر عن شعبة وأحسبه لم يأكله ـ انتهى.
ولم أجده فى مسند عبد الرحمن بن عوف .
١٦٥٩ - قوله (عبد الله) بالنصب مفعول أتى أى جاء قبره (بن أبى) بضم الهمزة وفتح الياء الموحدة
وتشديد الياء آخر الحروف ابن سلول (هى علم لأم عبد اللّه فيكتب الابن بالألف لأنه صفة لعبد الله لا صفة أبى)
وعبد الله بن أبى هذا كان رأس المنافقين، وكان سيد الخزرج فى الجاهلية، وهو الذى تولى كبر الافك فى قصة
الصديقة، وهو الذى قال ليخرجن الأعز منها الأذل، وقال: ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا -
المنافقون: ٧) ورجع يوم أحد بثلث العسكر إلى المدينة بعد أن خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال الواقدى : مرض عبد الله بن أبى فى ليال بقين من شوال، ومات فى ذى القعدة سنة تسع منصرف رسول الله
مرَّ من تبوك وكان مرضه عشرين ليلة وكان رسول اللّه موقع يعوده فيها (إلى آخر ما قال) وجاءه رسول الله
صلى الله عليه وسلم بناء على وصيته أو باستدعاء ولده المؤمن عبد الله بن عبد الله بن أبى وكان اسم ابنه الحباب،
فسماه رسول اللّه ◌َللَّم بعبد الله كاسم أبيه، وهو من فضلاء الصحابة وخيارهم، شهد المشاهد واستشهد يوم
اليمامة فى خلافة أبى بكر وكان أشد الناس على أبيه ولم أذن له رسول اللّه وَ فمه فيه أضرب عنقه (بعد ما أدخل
حفرته) بضم الحاء المهملة أى قبره. وفى رواية النسائى: أتى التى مَّم قبر عبد الله بن أبى وقد وضع فى حفرته
٣٥٧
من عاء المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
فأمر به، فأخرج، فوضعه على ركبتيه، فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه، قال: وكان كا
عباسا قميصا.
فوقف عليه (فأخرج) أى من قبره (فنفث فيه) أى فى جلده كما فى تفسير الثعلبي (وألبسه قيصبه) انجازا لوعده فى
تكفينه فى قميصه ، والحديث صريح فى أن اعطاء القميص والباسه إياه كان بعد ما أدخل ووضع فى القبر ، وهذا
معارض لما فى الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر لما مات عبد الله بن أبى جاء ابنه فقال يا رسول الله
أعطنى قميصك أكفنه فيه فأعطاه قميصه وقال آذانى أصلى عليه فآذنه فلما أراد أن يصلى عليه جذبه عمر - الحديث.
وقد جمع بينهما بأن المراد من قوله فى حديث ابن عمر (( فأعطاه)) أى أنعم له بذلك فأطلق على الوعد اسم العطية
مجازا لتحقق وقوعها وكان أهل عبد الله بن أبى خشوا على النبى ◌َّفة المشقة فى حضوره فبادروا إلى تجهيزه قبل
وصول النبي متع فلما وصل وجدهم قد دلوه فى حفرته فأمر باخراجه انجازا لوعده فى تكفينه فى القميص
والصلاة عليه. وقيل: المراد من حديث جابر أن الواقع بعد إخراجه من حفرته. هو النفث، وأما القميص
فقد كان ألبس، والجمع بينهما فى الذكر لايدل على وقوعهما معا لأن الواو لا تقتضى الترتيب ولا المعية فلعله
أراد أن يذكر ما وقع فى الجملة من إكرامه مَثّ له من غير ارادة الترتيب. وقيل: أعطاه النبيِ يَّ أحد
قميصيه أولا ، ولما دفن أعطاه الثانى بسؤال ولده عبد الله. وفى الاكليل للحاكم ما يؤيد ذلك، كذا فى الفتح
وغيره ولا يخفى أن هذه التوجيهات لا يندفع بها الايراد بالكلية فان حديث ابن عمر صريح فى أنه حضر الصلاة
عليه وأعطاه القميص ، ورواية ابن عباس عن عمر عند الترمذى فى تفسير سورة التوبة وقد صححا أشد صراحة
فى ذلك ففيها دعى رسول اللّه مَّثة للصلاة عليه فقام إليه (إلى أن قال) ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره
حتى فرغ منه، فإنه صريح فى أنه مَثم كان مع الجنازة إلى أن أتى به القبر ، وحديث جابر يفيد أنه جاء بعد ذلك
وألبسه القميص بعد، فبه على ذلك السندى فى حاشية النسائى. وقال الولى العراقى فى شرح التقريب : ويحتمل الجمع
بين الحديثين بصرف حديث ابن عمر عن ظاهره إما بأن يكون ولده إنما طلب القميص بعد تكفينه وادخاله
حفرته أو طلبه من أول موته لكن تأخر اعطاءه له حتى أدخل قبره، والفاء التى فى قوله ((فأعطاه قميصه))
لا تنافى هذا، لأن زمن تجهيزه زمن يسير لا ينافى التعقيب. وفى الحديث جواز اخراج الميت من قبره
لحاجة أو لمصلحة وأن التكفين فى القميص ليس ممتنعا سواء كان مكفوف الأطراف أو غير مكفوف خلافا لمن
قال إن القميص لا يسوغ إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة أو كان غير مزرر ليشبه الرداء، وفى الخلافيات
البيهقى من طريق ابن عون . قال: كان محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحى مكففا
حزروا ( قال) أى جابر (وكان) أى عبد الله بن أبى (كسا عباسا) عمه مَّم حين أسر ببدر (قميصا) وفى
٣٥٨
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجناة والصلاة عليها
متفق عليه .
(٥) باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
الجهاد عند البخارى عن جابر أيضا قال لما كان يوم بدر أتى بأسارى وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فنظر النبى
وَفّ له فيصا فوجدوا قميص عبد الله بن أبى يقدر عليه (وإنما كان كذلك لأن العباس كان بين الطوال وكذلك
كان عبدالله بن أبى) فكساه النبى ◌َوفّ إباء فلذلك نزع النبي ◌ُّم قميصه الذى ألبسه. قال ابن عيينة: كانت له
عند النبى مَّ يد فأحب أن يكافته (كى لا يكون لمنافق عليه يد لم يكافته عليها). وقيل: أعطاه قيصه ١ كراما
لولده وكان مسلما بريئاً من النفاق. وقيل: تأليفا لغيره من قومه رجاء أن يسلموا لما يرونه يتبرك بقميصه
صلى الله عليه وسلم. وقيل: لأنه سأله ذلك وكان لا يرد سائلا (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الجنائز
والجهاد واللباس، ومسلم فى التوبة، وأخرجه أيضا النسائى والبيهقى. فائدة المشروع فى كفر المرأة أن يكون
خمسة أثواب: ازاراً، ودرعا، وخماراً، ولفافتين. لما روى أحمد وأبو داود من حديث ليلى بنت قائف الثقفية
قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول اللّه مؤ عند وفاتها وكان أول ما أعطانا رسول اللّه مؤرفع المقا
ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحقة ثم أدرجت بعد ذلك فى الثوب الآخر قالت ورسول الله ترفع عند الباب معه
كفنها يناولنا ثوباً ثوباً. وروى الخوارزمى من طريق ابراهيم بن حبيب بن الشهيد عن هشام بن حسان عن حفصة
عن أم عطية أنها قالت وكفناها فى خمسة أثواب وخرناها كما نخمر الحى. قال الحافظ: وهذه الزيادة صحيحة
الاسناد. قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة فى خمسة أثواب كالشعبى
والنخعى والأوزاعى والشافعى وأحمد واسحاق وأبى ثور. قال الشافعى: تكفن فى خمسة: ثلاث لفائف، وازار
وخمار، وفى القديم قميص، ولفافتان. وهو الأصح واختاره المزنى. وقال أحمد: تكفن فى قيص، وميزر،
ولفافة، ومقنعة (خمار) وخرقة خامسة تشد بها غذاها تحت الازار. قال ابن قدامة: والذى عليه أكثر أصحابنا
وغيرهم أن الأثواب الخمسة: ازار، ودرع ، وخمار ولفافتان ، وهو الصحيح لحديث ليلى بنت قانف، ولما روت
أم عطية أن النبي ◌َّ ناولها ازاراً، ودرعا، وخماراً، وثوبين - انتهى. والمندوب لها عند المالكية سبع: ازار،
وقميص ، وخمار ، وأربع ، لفائف.
(بأب المشى) أى آدابه (بالجنازة) أى بالسرير الذى عليه الميت (والصلاة) عطف على المشى (عليها)
أى على الجنازة أى الميت.
٣٥٩
مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها
( الفصل الأول ).
١٦٦٠ - (١) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسرعوا بالجنازة،
فان تك صالحة نخير تقدمونها اليه، وإن تك سوى ذلك
١٦٦٠ - قوله (أسرعوا) أمر من الاسراع، نقل ابن قدامة: أن الأمر بالاسراع للندب بلا خلاف
بين العلماء، وشذ ان حزم فقال: بوجوبه، والمراد بالاسراع الاسراع المتوسط بين الخبب أى شدة السعى وبين
المشى المعتاد ، بدليل قوله فى حديث أبى بكرة عند أحمد والنسائى: وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا، ومقاربة الرمل
ليس بالسعى الشديد، قاله العراقى. وأما ما وقع فى أبى داود بلفظ: ونحن نرمل رملا، فقال العينى: مراده
الاسراع المتوسط، ويدل عليه ما روى ابن أبى شيبة فى مصنفه من حديث عبد الله بن عمرو: إن أباه أوصاه قال
إذا أنت حملتنى على السرير نامش مشيابين المشيين - الحديث. قال البيهقى فى المعرفة: قال الشافعى الاسراع بالجنازة
هو فوق سجية المشى المعتاد، ويكره الاسراع الشديد. قال الحافظ: وهو قول الجمهور، والحاصل أنه يستحب
الاسراع بها لكن بحيث لا ينتهى إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع. وأما ما
روى أحمد (ج٤ ص ٤٠٦) من حديث أبى موسى أنه قال مرت برسول الله عز الم جنازة تمخض مخض الزق فقال
عليكم بالقصد، فالظاهر أنه كان يفرط فى الاسراع بها، ولعله خشى انفجارها أو خروج شتى منها (بالجنازة) أى
بحملها إلى قبرها. قال السندى: ظاهره الأمر للحملة بالاسراع فى المشى ويحتمل الأمر بالاسراع فى التجهيز وتعجيل
الدفن بعد تيقن موته. وقال النووى: والأول هو المتعين لقوله فشر تضعونه عن رقابكم، ولا يخفى أنه يمكن تصحيحه
على المعنى الثانى بأن يجعل الوضع عن الرقاب كناية عن التبعيد عنه وترك التلبس به - انتهى. قيل: ويؤيده أن
الكل لا يحملونه. قلت: ويؤيده أيضا ما روى الطبرانى. قال الحافظ: باسناد حسن من حديث ابن عمر مرفوعا
إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوابه إلى قبره، وما تقدم من حديث حصين بن وحوح مرفوعا: لا ينبغى لجيفة
مسلم أن تحبس بين ظهرانى أهله (فان تك) أصله فان تكن حذفت النون للتخفيف، والضمير فيه الجنازة التى هى
عبارة عن الميت ( صالحة ) نصب على الخبرية ( بخير ) خبر مبتدأ محذوف أى فهى خير أى الجنازة بمعنى
الميت لمقابلته بقوله فشر حينئذ لابد من اعتبار الاستخدام فى ضمير اليه الراجع إلى الخير أو هو مبتدأ خبره
محذوف، والتقدير فلها خير ، أوفهناك خير لكن لا تساعده المقابلة، قاله السندى. وقال القارى: غير أى
لخالها خير أو فعلها خير (تقدمونها) بالتشديد ( اليه) قال القارى: أى فان كان حال ذلك الميت حسنا طيا
فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيبة عن قريب (وإن تك) أى الجنازة (سوى ذلك) أى غير صالحة
٣٦٠