النص المفهرس

صفحات 301-320

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٢ - باب تمنى الموت ذكره
١٦٢٤ - (١٣) وعن بريدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن يموت بعرق
الجبين. رواه الترمذى، والنسائى، وابن ماجه.
١٦٢٥ - (١٤) وعن عبيد الله بن خالد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الزوائد إلى الطبرانى. قال المنذرى: إسناده جيد. وقال الهيثمى: رجاله ثقات، وفى الباب عن جابر عند
الدار قطنى كما فى الكنز (ج ٨ ص ٧٧).
١٦٢٤ - قوله (المؤمن يموت بعرق) بفتح العين المهملة والراء (الجبين) أى متلبسا بعرق الجبین ،
والحديث قد اختلف فى معناه، فقيل: إن عرق الجبين يكون لما يعالج من شدة الموت فقد تبقى عليه بقية من الذنوب
فيشدد عليه وقت الموت ليخلص منها أو يكون ذلك لما يعدد عليه عند الموت لتزيد درجته، والمعنى أن حال.
الموت ونزوع الروح شديد عليه فهو صفة لكيفية الموت وشدته على المؤمن وقيل هو من الحياء فانه إذا جاءته
البشرى مع ما كان قد اقترف من الذنوب حصل له بذلك خجل وحياء من الله تعالى فيعرق لذلك جبينه وقيل
يحتمل أن عرق الجبين علامة جعلت لموت المؤمن وإن لم يعقل معناه وقيل كناية عن كده فى طلب الحلال
وتضييقه على النفس بالصوم والصلاة إلى وقت الموت، والمعنى أنه يدركه الموت فى حال كونه على هذه الحالة
الشديدة التى يعرق منها الجبين فهو صفة للحال التى يفاجئه الموت عليها (رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه) فى
الجنائز، وأخرجه أيضا أحمد ( ج ٥ ص ٣٥٠، ٣٥٧، ٣٦٠) والحاكم فى المستدرك ( ج ١ ص ٣٦١) وقال
على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان. وقال الترمذى: هذا حديث حسن. وقال بعض أهبل
الحديث: لا نعرف لقتادة سماعا من عبد الله بن بريدة - انتهى. قلت: قتادة بن دعامة السدوسى حافظ ثقة ثبت،
لكنه مدلس ولم يصرح هنا بالتحديث. وقال البخارى: لا نعرف له ساعا من ابن بريدة، وذکره الحافظ فی تهذيب
التهذيب (ج ٨ ص ٣٥٥) وعبد الله بن بريدة من ثقات التابعين إلا أنه تكلم فى روايته عن أبيه بريدة. قال
البغوى: عن محمد بن على الجوزجاني عن أحمد أنه ضعفه فيما يروى عن أبيه. وقال إبراهيم الحربى: عبد اللّه أشهر
من أخيه سليمان ولم يسمعا من أبيهما وفيما روى عبد الله عن أبيه أحاديث منكرة وسلمان أصح حديثا - انتهى.
وله فى البخارى من روايته عن أبيه فرد حديث ووافقه مسلم على إخراجه، وفى الباب عن ابن مسعود أخرجه
الطبرانى فى الكبير والأوسط ، ورجاله ثقات ورجال الصحيح، قاله الهيشى (ج ٢ ص ٣٢٠).
١٦٢٥ - قوله (وعن عبيد الله بن خالد) كذا فى جميع النسخ، وهو غلط ، والصواب عبيد بن خالد
وهو عبيد بن عالد السلمى البَهْزى، صحابى مهاجرى، يكنى أبا عبد الله، سكن الكوفة. وروى عنه جماعة من
٣٠١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٢ - باب تمنى الموت وذكره
موت الفجاءة أخذة الأسف. رواه أبو داود ،
الكوفيين، منهم سعد بن عيدة، وتميم بن سلمة، شهد صفين مع على، وبقى إلى إمرة الحجاج (موت الفجاءة)
بضم الفاء والمد، أو بفتح الفاء وسكون الجيم بلا مد أى الموت بغتة. قال الجزرى فى النهاية: يقال ◌َجِئَّه الأمر
وَجَاهُ جماءة بالضم والمد، وفاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب، وقيده بعضهم بفتح الفاء وسكون
الجيم من غير مد - انتهى. (أخذة الأسف) هكذا فى جميع النسخ. وفى أبى داود: أخذة أسف بدون اللام،
وكذا فى مسند الامام أحمد والبيهقى، وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج١١ ص ٣٩٨) والسيوطى فى
الجامع الصغير ، وعلى المتقى فى الكنز، والأسف روى بفتح المهملة بمعنى السخط والغضب، وبكسرها ككتف
بمعنى الساخط والغضبان. قيل وهذه الاضافة فيه بمعنى من نحو خاتم فضة. قال الزين: لأن اسم الغضب يقع
على الأخذة وقوع اسم الفضة على الخاتم يعنى أن موت الفجاءة من آثار غضب الله وسخطه حيث لم يتركه،
لأن يستعد للآخرة بالتوبة والعمل ولم يمرضه ليكون كفارة لذنوبه، وهذا الكافر ولمن ليس على طريقة محمودة
(أى الفاسق الغير المتأهب للوت) بدليل الرواية الأخرى. قال النور بشتى: والمعنى أن موت الفجاءة من آثار
غضب الرب. لأنه أخذ بغتة فلم يتفرغ لأن يستعد لمعاده على سنة من درج من عصاة الأولين . قال الله تعالى:
﴿أخذناهم بغتة - الأنعام: ٤٤) قال: والحديث مخصوص بالكفار للحديث الآخر، والظاهر أن موت الفجاءة
ممالا يحمد ويستعاذ منه بالله - انتهى. قلت: روى الطبرانى فى الأوسط عن أبى أمامة قال: كان النبى مَّ يتعوذ
من موت الفجاءة وكان يعجبه أن يمرض قبل أن يموت. قال الهيشمى: وفيه عثمان بن عبد الرحمن القرشى، وهو
متروك وروى أحمد والبزار والطبرانى فى الكبيرعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول اللّه مثل استعاذ من
سبع موتات موت الفجاءة ومن لدغ الحية - الحديث. قال الهيشمى: وفيه ابن لهيعة (رواه أبو داود) فى الجنائز
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣ ص ٤٢٤) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٧٨) واختلف فيه على شعبة عن منصور، فرواه
يحيى بن سعيد عن شعبة مرة مرفوعا ومرة أخرى موقوفا من قول عبيد بن خالد ، ورواه عنه روح بن
عبادة فرفعه، كما فى البيهقى، ورواه محمد بن جعفر عنه فوقفه، كما فى مسند الامام أحمد ، والبيهقى. قال المنذرى
فى مختصر السنن: قد روى هذا الحديث من حديث عبد الله بن مسعود (عند البيهقى واختلف فى رفعه ووقفه)
وأنس بن مالك وأبى هريرة وعائشة (حديث عائشة أخرجه أحمد والبيهقى والطبرانى فى الأوسط ، وذكر البيهقى
الاختلاف فى رفعه ووقفه، وفيه أيضا عبيد الله بن الوليد الوصافى. قال الهيشمى: متروك) وفى كل منها مقال.
وقال الأزدى: ولهذا الحديث طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال المنذرى: وحديث عيد هذا رجال
اسناده ثقات والوقف فيبه لا يؤثر فان مثله لا يؤخذ بالرأى وكيف وقد أسنده مرة الراوى - انتهى.
٣٠٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٢ - باب تمنى الموت وذكره
وزاد البيهقى فى شعب الإيمان، ورزين فى كتابه: أخذة الأسف للكافر ورحمة للمؤمن.
١٦٢٦ - (١٥) وعن أنس، قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على شاب وهو فى الموت، فقال:
كيف نجدك؟ قال: أرجو الله يا رسول الله! وإنى أخاف ذنوبى، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: لا يجتمعان فى قلب عبد فى مثل هذا الموطن.، الا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف.
رواه الترمذى، وابن ماجه، وقال الترمذى: هذا حديث غريب.
(وزاد البيهقى فى شعب الإيمان ورزين فى كتابه) التجريد، وقول المصنف زاد الخ. يدل بظاهره على أن زيادة
((الكافر ورحمة للؤمن)) وقع عند البيهقى ورزين فى حديث عبيد بن خالد، وفيه نظر، فإن الرواية مع الزيادة
المذكورة حديث آخر مستقل مروى عن عائشة. أخرجه أحمد والطبرانى فى الأوسط والبيهقى فى السنن الكبرى
(ج ٣ ص ٣٧٩) وقد تقدم الكلام فيه آنفا (أخذة الأسف) وفى بعض النسخ: أخذة أسف ، كما فى البيهقى
وغيره، وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (للكافر) وعند البيهقى وأحمد والطبرانى الفاجر وهو يعم الكافر
والفاسق الغير المتأهب للوت ( ورحمة) بالرفع (الؤمن ) أى المتأهب المراقب له .
١٦٢٦ - قوله (وهو فى الموت) أى فى سكراته ( كيف تجدك) قال ابن الملك: أى كيف تجد قلبك
أو نفسك فى الانتقال من الدنيا إلى الآخرة أراجيا رحمة الله أو خائفا من غضب الله (أرجو الله) أى أجدنى
أرجو رحمته (وإنى) أى مع هذا (أخاف ذنوبى) قال الطيبي: علق الرجاء باللّه والخوف بالذنب، وأشار
بالفعلية إلى أن الرجاء حدث عند السياق ( النزع ) وبالاسمية والتأكيد بأن إلى أن خوفه كان مستمراً محققا
(لا يجتمعان) أى الرجاء والخوف (فى مثل هذا الموطن) أى فى هذا الوقت، وهو زمان سكرات الموت ومثله
كل زمان يشرف على الموت حقيقة أو حكما كوقت المبارزة وزمان القصاص ونحوهما . فلا يحتاج إلى القول
بزيادة المثل . وقال الطبى: مثل زائدة، والموطن إما مكان أو زمان كمقتل الحسين رضى الله تعالى عنه (ما يرجو)
أى من الرحمة ( وآمنه مما يخاف) أى من العقوبة بالعفو والمغفرة. قال السندى: والحديث يدل على أنه ينبغى
وجود الأمرين (الرجاء والخوف) على الدوام حتى فى ذلك الوقت (أى وقت الاشراف على الموت) وأنه
لا ينبغى أن يغلب الرجاء فى ذلك الوقت بحيث لا يبقى من الخوف شىء - انتهى. فالحديث مؤيد لمن قال لا يهمل
عند الاشراف على الموت جانب الخوف أصلا بحيث يجزم أنه آمن، وفيه رد على من استحب الاقتصار على الرجاء
فى ذلك الوقت. والله تعالى أعلم (رواه الترمذى) فى الجنائز (وابن ماجه) فى الزهد، وأخرجه أيضا ابن السنى
٣٠٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٢ - باب تمنى الموت وذكره
﴿ الفصل الثالث )
١٦٢٧ - (١٦) عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمنوا الموت فان هول
المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله عزوجل الاثابة. رواه أحمد.
١٦٢٨ - (١٧) وعن أبى أمامة، قال: جلسنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرنا ورققنا،
فى اليوم والليلة (ص ١٧٢) وابن أبى الدنيا كلهم من رواية جعفر بن سليمان الضبعى عن ثابت عن أنس. قال
الترمذى : حديث غريب . وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا - انتهى.
وقال المنذرى فى الترغيب: اسناده حسن ، فان جعفراً صدوق صالح، احتج به مسلم، وتكلم فيه الدار قطنى
وغيره - انتهى.
١٦٢٧ - قوله (لا تمنوا الموت) بحذف إحدى التائين (فان حول المطلع) بضم الميم وتشديد الطاء وفتح
اللام موضع الاطلاع من اشراف إلى انحدار، والمراد ما يطلع عليه العبد من أهوال الآخرة فى مواقف القيامة،
أو أمور يطلع عليها عقب الموت من أحوال البرزخ (شديد) أى لا فائدة فى تمنى الموت إلا تمنى الشدائد
والآ لام، وليس هذا من شأن العاقل (وإن من السعادة) أى العظمى ( أن يطول عمر العبد) بضم الميم ويسكن
(ويرزقه الله عز وجل الانابة) أى الرجوع والاقبال اليه. قال فى النهاية: المطلع مكان الاطلاع من موضع عال
يقال مطلع هذا الجبل من موضع كذا أى ماتأه ومصعده يريد به ما يشرف عليه من سكرات الموت وشدائده،
فشبهه بالمطلع الذى يشرف عليه من موضع عال . قال الطيبي: علل النهى عن تمنى الموت أولا بشدة المطلع، لأنه
إنما يتمناه من قلة صبر وضجر فاذا جاءه متمناه يزداد ضجراً على ضجر فيستحق مزيد سخط ، وثانيا بحصول
السعادة فى طول العمر لأن الانسان انما خلق لاكتساب السعادة السرمدية ورأس ماله العمر ، وهل رأيت تاجرا
يضيع رأس ماله فاذاً بم يرمح إذا ضيعه - انتهى. وقال ميرك: يجوز أن يكون المراد من المطلع زمان اطلاع
ملك الموت أو المنكر والتكير أو زمان اطلاع الله تعالى بصفة الغضب فى القيامة أو زمان الاطلاع على أمور
تترتب على الموت ( رواه أحمد ) (ج٣ ص٣٣٢) باسناد حسن، وأخرجه أيضا البيهقى وأبن منيع وعبد بن حميد،
وعزاه الهيشمى (ج ١٠ ص ٢٠٣) لأحمد والبزار، وقال : إسناده حسن .
١٦٢٨ - قوله (جلسنا إلى رسول اللّه مَفّة) أى متوجهين اليه (فذكرنا) بالتشديد من التذكير أى
العواقب أو وعظنا (ورققنا) من الترقيق أى رقق أفئدتنا بالتذكير، قاله الطيبى. وقيل: أى زهدنا فى الدنيا.
٣٠٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٢ - باب عنى الموت ود اره
فبكا سعد بن أبى وقاص، فأكثر البكاء ، فقال: ياليتنى مت، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ياسعد؟
أعندى تتمنى الموت؟! فردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: ياسعد! إن كنت خلقت للجنة فما طال
عمرك وحسن من عملك، فهو خير لك. رواه أحمد.
١٦٢٩ - (١٨) وعن حارثة بن مضرب،
ورغبنا فى الأخرى (ياليتنى مت) بضم الميم وكسرها أى فى الصغر أو قبل ذلك مطلقا حتى استريح مما اقترفت
(أعندى) بهمزة الاستفهام للافكار (تتمنى الموت) يعنى لتمنيه بعدى وجه فى الجملة، وأما مع وجودى فكيف
يطلب العدم، قاله القارى. وقيل تتمنى الموت وقد نهيت عن تمنيه لما فيه من النقص من الأجر والدرجات التى
تحصل بسبب كثرة العمل وحسنه فى طول العمر. وقيل: المراد بحضرتى وحياتى تتمنى الموت وحضورك عندى
ومشاهدتك لجمالى وكمالى خير لك من الموت وإن حصل لك بعد الموت درجات فكل ذلك لا يوازى النظر إلى
وجهى (فردد) أى النبي صلى الله عليه وسلم (ذلك) أى يا سعد الخ (ثلاث مرات) لتأكيد الانكار (إن كنت)
أى لاوجه لتمنى الموت فانك إن كنت ( خلقت للجنة فما طال عمرك ) قال الطيبي: ما مصدرية والوقت مقدر،
ويجوز أن تكون موصولة والمضاف محذوف أى الزمان الذى طال فيه عمرك (وحسن من عملك) قال الطيبى:
((من)) زائدة على مذهب الأخفش أو تبعيضية أى حسن بعض عملك (فهو) أى ماذكر من طول العمر وحسن العمل
قال الطيبى: الفاء داخلة على الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط (خير لك) زاد الطبرانى فيه، وإن كنت خلقت
النارفبئس الشىء تتعجل اليه. قال الطيبى: فإن قيل هو من العشرة المبشرة فكيف قال إن كنت أجيب بأن المقصود
التعليل لا الشك أى كيف تتمنى الموت عندى وأنا بشرتك بالجنة، أى لا تتمن لأنك من أهل الجنة وكلما طال
عمرك زادت درجتك، ونظيره فى التعليل قوله تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين -
آل عمران: ١٣٩) فقيل له: الشهادة خيرأك مما طلبت، وهى انما تحصل بالجهاد، ويعضده ماورد فى المتفق عليه عن
سعد أنه قال أخلف بعد أصحابى قال صلى الله عليه وسلم أنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغى به وجه الله الا ازددت
به درجة ورفعة ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون - انتهى. وقيل: يحتمل أن هذا الحديث
وقع قبل البشارة (رواه أحمد) (ج ٥ ص ٢٦٧) وأخرجه أيضا الطبرانى وابن عساكر، وفيه على بن يزيد
الالمانى، وهو ضعيف لكن الحديث يؤيده ما جاء من الأحاديث فى طول عمر المؤمن والنهى عن تمنيه الموت.
١٦٢٩ - قوله (وعن حارثة) بالحاء المهملة والثاء المثلثة (بن مضرب) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة
وتشديد الراء المكسورة العبدى الكوفى، ثقة من كبار التابعين غلط من نقل عن ابن المدينى أنه تركه
٣٠٥

مر عاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٢ - باب تمنى الموت وذكره
قال: دخلت على خباب وقد اكتوى سبعا، فقال: لولا أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: لا يتمن أحدكم الموت لتمنيته، ولقد رأيتنى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أملك
درهما، وإن فى جانب بيتى الآن لأربعين ألف درهم، قال: ثم أتى بكفنه، فلما رآه بكى، وقال:
لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء
(دخلت على خباب) بالموحدتين الأولى مثقلة ابن الأرت بهمزة وراء مفتوحتين، وشدة مثناة فوق تميمى سى فى
الجاهلية وبيع بمكة ثم حالف بنى زهرة وأسلم قبل أن يدخل رسول اللّه مَ في دار الأرقم. قيل: إنه أسهم
سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، فعذب عذاباً شديداً لذلك ذكر أن عمر بن الخطاب سأله عما لق
فى ذات الله فكشف عن ظهره فقال عمر ما رأيت كاليوم قال خباب لقد أوقدت لى نار وسحبت عليها فما أطفأها
الا ودك ظهرى، شهد بدراً والمشاهد كلها وكان قينا فى الجاهلية يعمل السيوف ، ونزل الكوفة، ومات بها
سنة (٣٧) منصرف على رضى الله عنه من صفين وصلى عليه على رضى الله عنه، وقيل: لما رجع على من صفين من
على قبر خباب فقال رحم الله خيابا، أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهداً وابتلى فى جسمه أحوالا ولن يضيع الله
أجره (وقد اكتوى) من الكى، وهو إحراق الجلد بحديدة ونحوها (سبعا) أى فى سبع مواضع من بدنه. وفى
رواية الترمذى: وقد اكتوى فى بطنه . قال الطيبي: الكى علاج معروف فى كثير من الأمراض، وقد ورد النهى
عن الكى، فقيل النهى لأجل أنهم كانوا يرون أن الشفاء منه. وأما إذا اعتقد أنه سبب وأن الشافى هو الله فلا بأس
به ، ويجوز أن یکون النھی من قبل التوكل ، وهو درجة اخری غیر الجواز - انتهى . ويؤيده حديث لا يسترقون
ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون (لا يتمن) بصيغة النهى وفى رواية لأحمد: لا يتمنى (أحدكم الموت) أى لضر نزل
به (تمنيته) أى لأستريح من شدة المرض الذى من شأن الجبلة البشرية أن تنفرمنه ولا تصبر عليه (ولقد رأيتنى مع
رسول الله وَّ ما أملك درهما) كأكثر الصحابة لأن الفتوحات العظيمة لم تقع إلا بعد ألا ترى أن عبد الله
ابن أبى السرح لما افتتح افرقية فى زمن عثمان بلغ سهم الفارس فيه ثلاثة آلاف دينار (قال) أى حارثة (ثم آتى)
على بناء المفعول (بكفنه) وكان نفيسا من الأقشة (فلما رآه) أى ما هو عليه من الحسن والبهاء (بكى) قال
الطبي: كأنه اضطر إلى تمنى الموت إما من ضر أصابه فاكتوى بسببه أو غنى عاف منه والظاهر الثانى، ولذا
عقبه بالجملة القسمية، وبين فيها تغير حالتيه حالة صحبته مع رسول اللّه ◌َف وحالته يومئذ ثم قاس حاله
فى جودة الكفن على حال عم رسول اللّه ◌َيثة من تكفينه و(لكن حمزة) عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
( لم يوجد له كفن إلا بردة) بالرفع على البدلية (ملحاء) بفتح الميم وسكون اللام أى فيها خطوط بيض وسود
٣٠٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مدت
على رأسه، وجعل على قدميه الاذخر. رواه أحد، والترمذى، إلا أنه لم يذكر: ثم أتى بكفته
إلى آخره.
(٣) باب ما يقال عند من حضره الموت
﴿ الفصل الأول )
١٦٣٠ - ١٦٣١ - (١ - ٢) عن أبى سعيد، وأبى هريرة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لقنوا موتاكم
(إذا جعلت) أى البردة (على رأسه قلصت) بفتحتين أى قصرت وانكشفت واجتمعت وانضمت (حتى مدت)
بضم الميم أى وضعت ممدودة (وجعل على قدميه الاذخر) حشيشة معروفة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق
الخشب وتجعل فى القبور. قال الطيى: لكن تستدعى المخالفة بالنفى والاثبات بين الكلامين لفظا أو معنى، فأين
المخالفة بينهما . قلت: المعنى إنى تركت متابعة اولئك السعادة الكرام وما اقتفيت أثرهم حيث ميأت لكفنى مثل
هذا الثوب النفيس لكن حمزة سار بسيرم فماوجد ما يواريه حيث جعل على قدميه الاذخر - انتهى. (رواه أحمد)
(ج ٥ ص ١١١ وج ٦ ص ٣٩٥ - ٣٩٦) (والترمذى) فى الجنائز (إلا أنه) أى الترمذى (لم يذكر ثم أتى
یکفته إلى آخره) لحديث حارثة بن مضرب ثلاث طرق: الأولی طریق شریك عن أبى اسحاق عن حارثة عند
أحمد (ج ٥ ص ١٠٩) اقتصر فيها علی ذکر النهى عن منى الموت. والثانية طريق شعبة عن أبى اسماق، وهی عند
الترمذى، وكذا عند أحمد (ج ٥ ص ١١٠). والثالثة طريق اسرائيل عن أبى اسحاق، وهى عند أحمد (ج ٦
ص ٣٩٥ - ٣٩٦) وهى التى ذكر لفظها فى المشكاة .
(باب ما يقال عند من حضره الموت) أى علامته.
١٦٣٠ - ١٦٣١ - قوله (لقنوا) أى ذكروا (موتاكم) أى الذين هم فى سياق الموت سماهم موتى، لأن
الموت قد حضر لهم. قال الطيبي: أى من قرب منكم الموت سماه باعتبار ما يؤل اليه مجازاً، وعليه يحمل قوله
عليه الصلاة والسلام: اقرؤا على موتا کم یس - انتهى . ويدل عليه أن ابن حبان روى هذا الحديث عن أبى هريرة
٣٠٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
لا إله إلا الله. رواه مسلم.
باللفظ المذكور وزاد فانه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة يوما من الدهر وإن أصابه ما أصاب قبل
ذلك ، ذكره الحافظ فى التلخيص. وقال فيه: وروى من حديث عطاء بن السائب عن أبيه عن جده بلفظ: من
لقن عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة - انتهى. والتلقين أن يذكره عنده ويقوله بحضرته ويتلفظ به عنده
حتى يسمع ليتقطن فيقوله لا أن أن يأمره به ويقول قل لا إله إلا الله إلا أن يكون كافراً فيقول له قل كما قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبى طالب وللغلام اليهودى. والمقصود من هذا التلقين أن يكون آخر كلامه
لا إله إلا الله كما فى الحديث الآتى فى الفصل الثانى من كان آخركلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، ولذلك قالوا إذا
قال مرة لا تعاد عليه إلا أن يتكلم بكلام آخر. وفى الترمذى: روى عن ابن المبارك أنه لما حضرته الوفاة جعل رجل
يلقنه لا إله إلا الله ويكثر عليه فقال له عبد الله إذا قلت ذلك مرة فانا على ذلك مالم أتكلم بكلام . قال النووى:
والأمر بهذا التلقين أمر ندب، وأجمع العلماء على هذا التلقين وكرهوا الاكثار عليه والموالاة لئلا يضجر بضيق
حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق - انتهى. وقال القارى: الجمهور على أنه يندب هذا التلقين،
وظاهر الحديث يقتضى وجوبه وذهب اليه جمع بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه - انتهى. (لا إله إلا الله)
قيل: أى ومحمد رسول اللّه، فالمراد كلمتا الشهادة. قال الزين بن المنير: قول لا إله إلا الله لقب جرى على النطق
بالشهادتين شرعا - انتهى. وقال الدميرى: نقل فى الروضة عن الجمهور الاقتصار على لا إله إلا الله، ونقل جماعة
من الأصحاب أنه يضيف اليها محمد رسول الله، لأن المراد ذكر التوحيد، والمراد موته مسلما ولا يسمى مسلما إلا
بهما والأول أصح. أما إذا كان المحتضر كافرا فينبغى الجزم بتلقين الشهادتين لأنه لا يصير مسلما إلا بهما، كذا
فى السراج المنير. قلت : كلمة لا إله إلا الله كلمة اسلام وكلمة ذكر فإذا قالها الكافر يدخل فى الاسلام، فهى
كلمة اسلام وكلمة الاسلام هى كلمتا الشهادة جميعا، وإذا ذكر بها المسلم فهى ذكر كسائر الأذكار ، كما قال صلى الله
عليه وسلم أفضل الذكرلا إله إلا الله، والظاهر أن المراد فى حديث الباب تلقينها من حيث أنها كلمة ذكر فلا يشترط
قول محمد رسول الله عند المحتضر فانه ليس بذكر وإن كان ركن الاسلام، والمراد بموتاكم موتى المسلمين.
وأما موتى غيرهم فيعرض عليهم الاسلام كما عرضه عليه السلام على عمه عند السياق وعلى الغلام الذمى الذى
كان يخدمه. قال فى المجموع: يذكر عند المحتضر لا إله إلا الله بلا زيادة عليها فلا قسن زيادة محمد رسول الله
لظاهر الأخبار وقيل: قسن زيادته لأن المقصود بذلك التوحيد ، ورد بأن هذا موحد، ويؤخذ من هذه العلة
ما بحثه الأسنوى: أنه لو كان كافراً لقن الشهادتين وأمر بهما، قاله القسطلانى (رواه مسلم) فى الجنائز، والحديث
ذكره السيوطى فى الجامع الصغير. وقال: رواه أحمد، ومسلم والأربعة (الترمذي وأبو داود والنسائى وابن ماجه).
٣٠٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥- كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
١٦٣٢ - (٣) وعن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حضرتم المريض،
أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. رواه مسلم.
١٦٣٣ - (٤) وعنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول
ما أمره الله به:
عن أبى سعيد ومسلم وابن ماجه عن أبى هريرة والنسائى عن عائشة - انتهى. وفى الباب عن جماعة من الصحابة، كما
فى مجمع الزوائد والنيل . قال العقيلى: روى فى الباب أحاديث صحاح عن غير واحد من الصحابة.
١٦٣٢ - قوله (وعن أم سلمة) أم المؤمنين (إذا حضر تم المريض أو الميت) أى الحكمى، وهو المحتضر
فأو للشك أو الحقيقى فأو التنويع، قاله القارى. وفى أبى داود والبيهقى: إذا حضر تم الميت من غير ذكر المريض
(فقولوا خيراً) قال السندى: أى أدعوا له بالخير لا بالشر أو أدعوا بالخير مطلقا لا بالويل ونحوه والأمر
الندب، ويحتمل أن المراد فلا تقولوا شراً فالمقصود النهى عن الشر بطريق الكناية لا الأمر بالخير ـ انتهى.
وقال المظهر: أى ادعوا للمريض بالشفاء وقولوا: اللهم اشفه ولليت بالرحمة والمغفرة وقولوا اللهم اغفر له
وارحمه (فإن الملائكة) أى ملك الموت وأعوانه أو غيره (يؤمنون) بالتشديد من التامين أى يقولون آمين
(على ما تقولون) أى من الدعاء خيراً أو شراً ودعاء الملائكة مستجاب، وفى الحديث الندب إلى قول الخير حينئذ
من الدعاء والاستغفار له وطلب اللطف به والتخفيف عنه ونحوه، وفيه حضور الملائكة حينئذ وتأمينهم ، قاله
النووى. (رواه مسلم) فى الجنائز مطولا. وأخرجه أيضا الترمذى وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقى
(ج ٣ ص ٣٨٤) وابن أبي شيبة (ج ٤ ص ٧٤).
١٦٣٣ - قوله (ما من مسلم تصيبه مصيبة) أى مصيبة كانت لقوله من كل شىء ساء المؤمن فهو
مصيبة رواه ابن السنى، قاله الزرقانى. (فيقول ما أمره الله به) المراد بالأمر الندب بالترغيب فيه وترتيب الأجر
فانه بمنزلة الندب وإلا فلا أمر فى قوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين - البقرة: ١٥٥) الآية. وقال الآبى: يحتمل الأمر
أنه بوحى فى غير القرآن، ويحتمل أن الأمر مفهوم من الثناء على قائل ذلك، لأن المدح على الفعل يستلزم الأمر
به. وقال الباجى: لم يرد لفظ الأمر بهذا القول، لأنه إنما ورد القرآن بتبشير من قاله والثناء عليه، ويحتمل أن
يشير إلى غير القرآن فيخبر صلى الله عليه وسلم عن أمر البارى لنا بذلك، ولذا وصله بقوله اللهم أجرفى إلخ. وقال
الطيبى : فان قلت أين الأمر فى الآية؟ قلت: لما أمره بالبشارة وأطلقها ليعم كل مبشر به، وأخرجه مخرج الخطاب.
ليعم كل أحد نبه على تفخيم الأمر وتعظيم شأن هذا القول، فنبه بذلك على كون القول مطلوبا وليس الأمر
٣٠٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرفى فى مصيبتي وأخلف لى خيراً منها، إلا أخلف الله له خيرا
منها. فلما مات أبو سلمة، قلت: أى المسلمين خير من أبى سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إلا طلب الفعل. وأما التلفظ بذلك مع الجزع فتبيح وسخط للقضاء. وقال القارى: والأقرب أن كل ما مدح
اللّه تعالى فى كتابه من خصلة يتضمن الأمر بها، كما أن المذمومة فيه تقتضى النهى عنها ( إنا) بدل من ما أى
إن ذواتنا وجميع ما ينسب الينا (بله) ملكا وخلقا (وإنا إليه راجعون) فى الآخرة (اللهم) ظاهره أنه من جملة
ما أمره الله به، كما تقدم عن الباجى . قال ابن حجر: الظاهر أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم أمته
أنه أمرهم أن يقولوا ذلك كله بخصوصه (آجرنى) بسكون الهمزة وضم الجيم وبالمد وكسر الجيم على أنه من باب
الافعال. قال فى النهاية: أجره يوجره إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء، وكذلك اَجَره بأُجُرُه والأمر منها
آجرنى وَأُجرنى (فى مصيبتى) قال القارى: الظاهر أن فى بمعنى باء السببية (واخلف لي خيراً منها) أى اجعل
لى خلفا مما فات عنى فى هذه المصيبة خيراً من الفائت فيها، ففى الكلام تجوز وتقدير. قال فى النهاية: يقال خلف الله
لك خلفا بخير واخلف عليك خيراً أى أبدلك بما ذهب منك وعوضك عنه . وقيل: إذا اذهب للرجل ما يخلفه مثل
المال والولد. قيل: أخلف الله لك وعليك وإذا ذهب له ما لا يخلفه غالبا كالأب والأم. قيل: خلف الله عليك،
وقد يقال: خلف الله عليك إذا مات لك ميت أى كان الله خليفة عليك وأخلف الله عليك أى أبدلك - انتهى. وقال
النووى: قوله ◌َّ: واخلف لى هو بقطع الهمزة وكسر اللام ، قال أهل اللغة: يقال لمن ذهب له مال أو ولد
أو قريب أو شىء يتوقع حصول مثله أخلف الله عليك أى رد عليك مثله فان ذهب ما لا يتوقع مثله بأن ذهب
والد أو عم أو أخ لمن لا جد له ولا والد له. قيل: خلف الله عليك بغير ألف كان اللّه خليفة منه عليك - انتهى.
(فلما مات أبو سلمة) تعنى زوجها عبدالله بن عبد الأسد المخزومى (قلت) فى نفسى أو باللسان تعجبا (أى المسلمين
خير) وفى رواية لمسلم: مَن خير من أبى سلمة. قال الطيبي: تعجب من تنزيل قوله صلى الله عليه وسلم: إلا
أخلف الله له خيراً منها على مصيتها استعظاما لأبى سلمة انتهى يعنى على زعمها (أول بيت) استئناف فيه بيان
التعجب وتعليل له، والتقدير فانه أول بيت أى أول أهل بيت (هاجر) أى مع عياله ، قاله القارى. وقال الآبى:
تعجبت أم سلمة لاعتقادما أنه لا أخير من أبى سلمة ولم تطمع أن يتزوجها رسول الله مرثية فهو خارج من هذا
العموم وتعنى بقولها من خير من أبى سلمة بالنسبة اليها فلا يكون خيراً من أبى بكر، لأن الأخير فى ذاته قد
لا يكون خيراً لها، ويحتمل أن تعنى أنه خير مطلقا والاجماع على أفضلية أبى بكر إنما هو على من تأخرت وفاته
٣١٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
ثم إنى قلتها، فأخلف الله لى رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم.
١٦٣٤ - (٥) وعنها، قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى سلمة وقد شق بصره،
فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضح ناس من أهله،
عن رسول اللّه ◌َالله، وهل هو أفضل ممن تقدمت وفاته، فيه خلاف فلعلها أخذت بأحد القولين وقولها أول
بيت هاجر يدل على أنه أرادت أنه أفضل مطلقا بالنسبة اليها - انتهى . والظاهر أن الخيرية بالنسبة اليها وباعتبار
نفسها والله أعلم. (ثم إنى قلتها) أى كلمة الاسترجاع والدعاء المذكور بعدها (فأخلف الله لى رسول اللّه مزيفة)
أى بأن جعلی زوجته وكان عوض خير لى من زوجى أبى سلمة (رواه مسلم) فى الجنائز، وأخرجه أيضا مالك
وأبو داود فيه ، والنسائى فى اليوم والليلة، وأخرجه الترمذى فى الدعوات وابن ماجه فى الجنائز عن أم سلمة عن
أبى سلمة عن التى ﴾﴾ .
١٦٣٤ - قوله (وقد شق بصره) أى بق بصره منفتحا. قال النووي: هو بفتح الشين ورفع بصره ، وهو
فاعل شق ، هكذا ضبطناه وهو المشهور، وضبطه بعضهم بصره بالنصب وهو صحيح أيضا والشين مفتوحة بلاخلاف
قال القاضى: قال صاحب الافعال يقال شق بصر الميت وشق الميت بصره، ومعناه شخص، كما فى حديث أبى هريرة
عند مسلم مرفوعا: ألم تروا أن الانسان إذا مات شخص بصره قالوا بلى قال فذلك حين يتبع بصره نفسه . وقال
ابن السكيت فى الاصلاح، والجوهرى حكاية عن ابن السكيت: يقال شق بصر الميت ولا يقال شق الميت بصره
(يعنى أن شق مهنا لازم لا متعد بمعنى أنفتح لا فتح) وهو الذى حضره الموت وصار ينظر إلى الشىء لا يرتد اليه
طرفه - أنتهى. (فأغمضه) أى غمض رسول الله صلى الله عليه وسلم عينى أبى سلمة لثلا يقبح منظره، والاغماض بمعنى
التغميض والنغطية (إن الروح إذا قبض تبعه البصر) يحتمل أن يكون علة للاغماض كأنه قال أغمضته لأن الروح
إذا خرج من الجسد تبعه البصر فى الذهاب فلم يبق لانفتاح بصره فائدة ، وأن يكون بيانا لسبب الشق، والمعنى أن
المحتضر يتمثل له ملك الموت فينظراليه ولا يرتد طرفه حتى تفارقه الروح ويضمحل بقايا قوى البصرفيبقى البصر على تلك
الهيئة. قال التوربشتى : يحتمل هذا وجهين: أحدهما أن الروح إذا قبض تبعه البصرأى فى الذهاب ، فلهذا اغضته
لأن فائدة الانفتاح ذهبت بذهاب البصر عند ذهاب الروح، والوجه الآخر أن روح الانسان إذا قبضها الملائكة
نظراليها الذى حضره الموت نظرا شزراً لا يرتد اليه طرفه حتى يضمحل بقية القوة الباصرة الباقية بعد مفارقة الروح
الانسانى التى يقع لها الادراك والتمييز دون الحيوانى الذى به الحس والحركة وغير مستنكر من قدرة الله تعالى
أن يكشف عنه الغطاء ساعتئذ حتى يبصر ما لم يكن يبصره وهذا الوجه فى حديث أبى هريرة ( يعنى الذى تقدم فى
كلام النووى) أظهر (فضج) بالجيم المشددة أى رفع الصوت بالبكاء وصاح (ناس من أهله) أى من أهل أبى سلمة
٣١١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عندمن حضره الموت
فقال: لا تددوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر
لأبى سلمة، وارفع درجته فى المهديين، واخلفه فى عقبه فى الغابرين، واغفرلنا وله يا رب العالمين،
وافسح له فى قبره، ونور له فيه. رواه مسلم.
١٦٣٥ - (٦) وعن عائشة، قالت: إن رسول اللّه مَثّ حين توفى سجى ببرد حبرة. متفق عليه.
( الفصل الثانى )
١٦٣٦ - (٧) وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان آخر كلامه
(لا تدعوا على أنفسكم الابخير) أى لا تدعوا بالويل والثبور على عادة الجاهلية ( فإن الملائكة يؤمنون على ما
تقولون) أى فى دعائكم من خير أو شر (وارفع درجته فى المهديين) بتشديد الياء الأولى، أى الذين هداهم الله إلى
الاسلام سابقا ( واخلفه ) بهمزة الوصل وضم اللام من خلف يخلف إذا قام مقام غيره فى رعاية أمره وحفظ
مصالحه أى كن خليفة له (فى عقبه) بكسر القاف ، قال الطيبي: أى أولاده، وقيل: أى من يعقبه ويتأخر عنه من
ولد وغيره ، ولذا أبدل عن عقبه بقوله (فى الغابرين) باعادة الجار ، وقال الطيبي: أى الباقين فى الاحياء من
الناس فقوله: فى الغابرين حال من عقبه أى أوقع خلافتك فى عقبه كائنين فى جملة من الباقين من الناس (وافسح).
أى وسع (له فى قبره) دعاء بعدم الضغطة، قاله القارى. (ونورله فيه) أى فى قبره أراد به دفع الظلمة، وفى الحديث
دليل لمن يقول إن الأرواح أجسام لطيفة متحللة فى البدن وتذهب الحياة من الجسد بذها بها وليس عرضا كما يقوله
آخرون، وفيه دليل على أنه يدعى لليت عند موته ولأهله ولعقبه بأمور الآخرة والدنيا، وفيه دلالة على أن الميت
ينعم فى قبره أو يعذب (رواه مسلم) الأخصر أن يحمل ويقول روى الأحاديث الأربعة مسلم. وحديث أم سلمة
هذا أخرجه أيضا أبوداود، وابن ماجه، والبيهقى (ج ٣ ص ٣٨٤).
١٦٣٥ - قوله (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفى) بصيغة المجهول (سجى) بضم السين
وبعدها جم مشددة مكسورة أى غطى وستر بعد الموت قبل الغسل (ببرد حبرة) بكسر الحاء المهملة وفتح الباء
الموحدة بعدها راء مهملة فتاء تأنيث وزن عتبة، وهى برد قطن يمانى موشى مخطط، والبرد يجوز اضافته اليها
ووصفه بها. وفيه استحباب تسجية الميت قبل الغسل. قال النووى: وهو مجمع عليه، وحكمته صيانة الميت عن
الانكشاف وستر صورته المتغيرة عن الأعين (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد، وأبو داود، والنسائى ،
والبيهقى ( ج ٣ ص ٣٨٥).
١٦٣٦ - قوله (من كان آخر كلامه) أى عند خروجه من الدنيا. قال القارى: برفع آخر. وقيل : بنصبه
٣١٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
لا إله إلا الله، دخل الجنة. رواه أبو داود
١٦٣٧ - (٨) وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأوا سورة
يس على موتاكم.
وقوله (لا إله إلا الله) محله النصب أو الرفع على الخبرية أو الاسمية. وقال القسطلانى: وآخر بالنصب لأبى ذر
خبر كان تقدم على اسمها وهو لا إله إلا الله، وساغ كونها مسنداً اليها مع أنها جملة، لأن المراد بها لفظها فهى فى
حكم المفرد. ولغير أبى ذر آخر بالرفع اسم كان - انتهى. قيل: المراد بقول: لا إله إلا الله الشهادتان لأنه على لهما.
قال الحافظ: والمراد بقول لا إله إلا الله فى هذا الحديث وغيره كلتا الشهادة، فلا يرد أشكال ترك ذكر الرسالة.
قال الزين بن المنير: قول لا إله إلا الله لقب جرى على المنطق بالشهادتين شرعا - انتهى. قلت: الظاهر أن المراد
به كلمة التوحيد فقط أى من غير زيادة محمد رسول الله، لأن المطلوب قولها عند الموت من حيث أنها كلمة ذكر لا
من حيث أنها كلمة اسلام كما سبق تحقيقه فى شرح حديث التلقين (دخل الجنة) أى قبل العذاب دخولا عاما أو
بعد أن عذب بقدر ذنوبه والأول الأظهر ليتميز عن غيره من المؤمنين الذين لم يكن آخر كلامهم هذه الكلمة ، قاله
القارى . وقال ابن رسلان : معنى ذلك أنه لابد له من دخول الجنة فان عاصيا غير تائب فهو فى أول أمره فى خطر
المدينة. يحتمل أن يغفر الله له، ويحتمل أن يعاقبه ويدخل الجنة بعد العقاب، ويحتمل أن يكون من وفق لأن يكون.
آخركلامه لا إله إلا الله يكون ذلك علامة على أن الله تعالى يعفوعنه فلا يكون فى خطر المشيئة تشريفا له على غيره من
لم يوفق أن يكون آخر كلامه ذلك - انتهى. قلت: الاحتمال الثانى أى احتمال أن قول ذلك عند الموت علامة على عفو
القه تعالى عنه ومسقط لما تقدم له، هو الراجح عندى ، فيدخل قائلها عند الموت الجنة قبل العذاب مع السابقين والله
تعالى أعلم، ولأجل ذلك يستحب أن تذكر هذه الكلمة عند من حضره الموت ليتفطن لها ويتكلم بها فتكون آخركلامه
ويدخل الجنة (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا أحمد والحاكم (ج١ ص ٣٥١) وسكت عنه أبوداود، والمنذری
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ فى التلخيص: وأعله ابن القطان بصالح بن أبى عريب، وأنه لا يعرف.
وقعقب بأنه روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان فى الثقات - انتهى. وفى الباب عن على رواه الطبرانى فى الأوسط
وفيه أبوبلال الأشعرى، ضعفه الدار قطنى. وفى الباب أيضا أحاديث أخرى، ذكرما الحافظ فى التلخيص، والهيشمى
فى مجمع الزوائد.
١٦٣٧ - قوله (وعن معقل) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر القاف (بن يسار) المزفى صحابى أسهم قبل
الحديدية وشهد بيعة الرضوان ، وكنيته أبو على على المشهور وهو الذى حفر وجرنهر معقل بالبصرة بأمر عمر فنسب
البه ونزل البصرة وبنى بها دارا ومات بها فى آخر خلافة معاوية وقيل فى ولاية يزيد وذكره البخارى فى الأوسط فى
فصل من مات بين الستين إلى السبعين (اقرؤا سورة يس علىموتاكم) أى على من حضره مقدمات الموت، لأن الميت
٣١٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
١
رواه أحمد، وأبو داود ، وابن ماجه.
لايقرأ عليه. وقيل لأن سورة يس مشتملة على أصول العقائد من البعث والقيامة فيتقوى بسماعها التصديق والايمان
حتى يموت. وقيل: المراد به من قضى نحبه، وهو فى بيته أو دون مدفنه أو فى القبر، لأن اللفظ نص فى الأموات
وتناوله للحى المحتضر مجاز فلايصار اليه الا لقرينة. وقيل: الأولى الجمع عملا بالقولين. والراجح عندى هو الأول ،
لما روى أحمد (ج٤ ص ١٠٥) عن أبى المغيرة تناصفوان حدثنى المشيخة أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالى
حين اشتد سوقه فقال هل منكم أحد يقرأما يس؟ قال فقر أما صالح بن شريح السكونى فلما بلغ أربعين منها قبض،
قال فكان المشيخة يقولون إذا قرئت عند الميت خفف عنه بها. قال الحافظ فى التلخيص: وأسنده صاحب الفردوس
(الدیلی) من طريق مروان بن سالم عن صفوان بن عمرو عن شرح عن أبى الدرداء وأبى ذر قالا قال رسول الله.
صلى الله عليه وسلم ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس إلاهون اللّه عليه - انتهى. قال الأمير اليمانى بعد ذكر الحديثين:
وهذان يؤيدان ما قاله ابن حبان من أن المراد به المحتضر، وهما أصرح فى ذلك مما استدل به . وقال فى اللعات:
الظاهر أن المراد المحتضر، وعليه العمل. وقال ابن القيم فى كتاب الروح (ص ١٤): حديث معقل يحتمل أن
يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، ويحتمل أن يراد به القرءة عند القبر
والأول أظهر لوجوه: أحدها أنه نظير قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله. الثانى انتفاع المحتضر بهذه السورة لما
فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله: يا ليت قومى يعلمون بما غفرلى
ربى وجعلنى من المكرمين. فيستبشر الروح بذلك فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه، فان هذه السورة قلب القرآن،
ولها خاصية عجيبة فى قراءتها عند المحتضر. الثالث أن هذا عمل الناس وعادتهم قديما وحديثاً يقرؤن يس عند المحتضر.
الرابع أن الصحابة لو فهموا من قوله مَثّل افرؤا يس عند موتاكم قراءتها عند القبر لما أخلوا به وكان ذلك أمراً
معتاداً مشهوراً بينهم. الخامس أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها فى آخر عهده بالدنيا هو
المقصود، وأما قراءتها عند القبر فانه لا يثاب على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل وقد
انقطع من الميت - انتهى (رواه أحمد) (ج٥ ص ٢٦-٢٧) (وأبو داود وابن ماجه) وأخرجه أيضا ابن حبان
والحاكم (ج١ ص ٥٦٥) والبيهتى (ج ٣ ص ٣٨٣) وابن أبي شيبة (ج ٤ ص ٧٤) كلهم من طريق سليمان
التيمى عن أبى عثمان غير النهدى عن أبيه عن معقل بن يسار ، وعزاه الحافظ فى التلخيص وبلوغ المرام والمنذرى
فى تلخيص السنن النسائى أيضا. قال الحافظ: ولم يقل النسائى عن أبيه، ونقل فى العون عن المزى أن الحديث أخرجه
النسائى فى عمل اليوم والليلة. والحديث قد سكت عنه أبو داود. وقال المنذرى أبو عثمان وأبوه ليسا بمشهورين.
وقال الحافظ : أعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبحهالة حال أبى عثمان وأبيه ، ونقل أبو بكر بن العربى عن
الدار قطنى أنه قال: هذا حديث ضعيف الاسناد، مجهول المتن، ولا یصح فى الباب حديث ـ انتهى . وقال النووى
٣١٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
١٦٣٨ - (٩) وعن عائشة، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو
ميت، وهو يبكى حتى سال دموع النبى صلى الله عليه وسلم على وجه عثمان. رواه الترمذى،
وأبو داود ، وابن ماجه .
١٦٣٩ - (١٠) وعنها، قالت: إن أبا بكر قبل النبى صلى الله عليه وسلم
فى الأذكار: اسناده ضعيف. وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب: أبو عثمان وليس بالنهدى . قيل: اسمه سعد روى
عن معقل بن يسار. وقيل: عن أبيه عن معقل روى عنه سليمان التيمى . قال ابن المدينى: لم يرو عنه غيره ، وهو
مجهول . وقال الآجری عن أبى داود: هو ابن عثمان السكنی ، وذكره ابن حبان فى الثقات - انتهى. وقال فى
التقريب : أبو عثمان شيخ لسليمان التيمى، قال فى روايته عنه وليس بالنهدى . قيل اسمه سعد مقبول.
١٦٣٨ - قوله (قبل) من التقبيل (عثمان بن مظعون) بالظاء المعجمة أى بعد ما غسل وكفن ، كما فى
الاستيعاب (وهو ميت) حال من المفعول (وهو) أى النبى صلى الله عليه وسلم (يبكى حتى سال دموع النبي صلى
الله عليه وسلم على وجه عثمان) لفظ الترمذى: وهو يبكى أوقالت عيناه تذرفان، وعند أبى داود: حتى رأيت
الدموع تسيل، ولفظ ابن ماجه: فكأنى أنظر إلى دموعه تسيل على خديه. ورواه البيهقى بلفظ: بكى حتى رأيت
الدموع تسيل على وجنقيه. وعند الحاكم: وهو يبكى قال وعيناه تهرقان. وذكره المجمد بن تيمية فى المنتقى بلفظ: قبل
رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون، وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل على وجهه، وعزاه لأحمد
و ابن ما جه والترمذى. وهذه الروایات کما ترى ليس فيها تصريح أنه سال الدموع على وجه عثمان بل هى تحتمل
أنه سال الدموع على خدى النبى صلى الله عليه وسلم أو على خدى عثمان، ولم أقف على رواية تعين الاحتمال الثانى
أو تؤيده، والحديث يدل أن تقبيل المسلم بعد الموت والبكاء عليه جائز (رواه الترمذى، وأبو داود، وابن ماجه)
وأخرجه أيضا أحمد والحاكم (ج ١ ص ٣٦١) والبيهقى (ج ٣ ص ٤٠٧) وسكت عنه أبو داود، وصححه
الترمذى. وقال المنذرى بعد نقل تصحيح الترمذى، وفى اسناد الحديث عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن
الخطاب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة - انتهى. ورواه البزار من حديث عامر بن ربيعة قال
الهيشمى : إسناده حسن.
١٦٣٩ - قوله (إن أبا بكر قبل التبى صلى الله عليه وسلم) أى بين عينيه ،كما فى رواية النسائى، والترمذى
فى الشمائل. وفى رواية للبخارى: كشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله. وفى رواية لأحمد: أناه من قبل رأسه
فرر فاه فقبل جبهته ثم قال وانياه ثم رفع رأسه خدر فاء وقبل جبهته ثم قال واصفياه ثم رفع رأسه وحدر فاه
وقبل جبهته ثم قال واخليلاه . ولابن أبى شيبة عن ابن عمر: فوضع ناه على جبين رسول الله صلى الله عليه وسلم
٣١٥

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عندمن حضره الموت
وهو ميت. رواه الترمذى، وابن ماجه.
١٦٤٠ - (١١) وعن حصين بن وحوح، أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي صلى اللّه عليه وسلم
يعوده، فقال إنى لا أرى طلحة الا قد حدث به الموت، فآذنونى به وعجلوا، فانه لا ينبغى لجيفة
مسلم أن تحبس بين ظهرانى أهله .
فجعل يقبله ويبكى ويقول بأبى وأمى طبت حيا وميتا: والطبرانى من حديث جابر: أن أبا بكر قبل جبهته (وهو
ـ
ميت) قال الحافظ: فيه جواز تقبيل الميت تعظيما وتبركا. قال الشوكانى: لأنه لم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة
على أبى بكر فكان اجماعا - انتهى. (رواه الترمذى) أى موصولا فى شمائله بلفظ: أن أبا بكر قبل النبى مَّن بعد
مامات. وأما فى جامعه، فذكره معلقا حيث قال بعد رواية حديث عائشة المتقدم، وفى الباب عن ابن عباس
وجابر وعائشة قالوا: إن أبا بكر قبل النبى معَّثم وهو ميت (وابن ماجه) فى الجنائز، وأخرجه أيضا أحمد
والنسائى والبيهقى (ج ٣ ص ٤٠٦) وأخرجه البخارى فى باب مرض النبى مدينة ووفاته عن عائشة وابن عباس
أن أبا بكر قبل النبى مَّ بعد موته ، فالأولى بل الصواب إيراد هذا الحديث فى الصحاح أى الفصل الأول.
١٦٤٠ - قوله (وعن حصين) بضم حاء وفتح صاد مهملتين (بن وحوح) بفتح واوين وسكون حاء
مهملة أولى، الأنصارى الأوسى المدنى، صحابى ، له حديث واحد فى ذكر طلحة بن البراء. ذكر ابن الكلبي: أنه
استشهد بالقادسية ، كذا فى تهذيب التهذيب (أن طلحة بن البراء) البلوى الأنصارى، صحابى، وهو الذى قال فيه
رسول الله صلى الله عليه وسلم اذمات وصلى عليه اللهم الق طلحة وأنت تضحك اليه وهو يضحك اليك وكان
لقى رسول اللّه وَّ وهو غلام فجعل يلصق برسول الله عزَّه ويقبل قدميه ويقول مرنى بما أحببت يا رسول الله
فلا أعصى لك أمرا فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعجب به ثم مرض ومات فصلى رسول اللّه تَ ◌ّل على
قبره وذلك أنه توفى البراء ليلا فقال أدفنونى وألحقوفى بربى ولا تدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم فانى أخاف عليه
اليهود وأن يصاب فى سبي فأخبر رسول الله تَّ حين أصبح فجاء حتى وقف على قبره وصف الناس معه فصلى
ودعا له (إنى لا أرى) بضم الهمزة أى أظن (إلا قد حدث به الموت) أى ظهرت فيه آثار الموت ومقدماته
(فآذنونى) بالمد وكسر الذال ( به ) أى إذا مات فأخبرونى بموته حتى أصلى عليه (وعجلوا) أى تجهيزه وتكفينه
(فانه ) أى الشأن (لا ينبغى لجيفة مسلم) أى جثته. وفى رواية: لجسد مسلم (أن تحبس) أى تقام وتوقف
(بين ظهرانى أهله) أى بين أهله والظهر مقحم أى لا تتركوا الميت زمانا طويلا لئلا ينتن ويزيد حزن أهله عليه.
قال الطيبي : أن المؤمن عزيز كريم فإذا استحال جيفة وتتنا استقذرته النفوس وينفر عنه الطباع، فينبغى أن
٣١٦

مرعاة المفاتيح ج .
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
رواه أبو داود.
﴿ الفصل الثالث )
١٦٤١ - (١٢) عن عبد الله بن جعفر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقنوا موتاكم
لا اله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، قالوا: يا رسول
اللّه! كيف للأحياء؟ قال: أجود وأجود. رواه ابن ماجه.
يسرع فيما يواريه فذكر الجيفة ههنا كذكر السوأة فى قوله تعالى: ﴿كيف يوارى سوأة أخيه - المائدة: ٣١) قال
ميرك: وليس فى قوله جيفة مسلم دليل على نجاسته - انتهى. والحديث يدل على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع
فى تجهيزه، وأشهد له أحاديث الاسراع بالجنازة، قاله الشوكانى: (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٣
ص ٣٨٦) والطبر انى وابن شاهين وابن أبى عاصم وابن أبى خيئمة والبغوى وغيرهم، وسكت عنه أبو داود،
وفيه عروة بن سعيد الأنصارى، ويقال عزرة بن سعيد عن أبيه، وهو وأبوه مجهولان. وقال الحافظ فى الاصابة
فى ترجمة حصين بن وحوح ، وعلى ما ذكر ابن الكلبى من أنه قتل بالقادسية يكون هذا الحديث مرسلا، لأن
سعيدا والد عروة لم يدرك زمن القادسية، فإما أن يكون حصين بن وحوح آخر من أدركهم سعيد، وإما أن
يكون لم يقتل بالقادسية، كما قال ابن الكلبى - انتهى.
١٦٤١ - قوله (عن عبد الله بن جعفر) أى ابن أبى طالب القرشى الهاشمى، يكنى أبا جعفر، ولدته أمه
أسماء بنت عميس بأرض الحبشة، وهو أول مولود، ولد فى الاسلام بها وقدم مع أبيه المدينة وحفظ عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى عنه كان جواد ظريفا خليقا عفيفا حليما يسمى بحر الجود، ويقال أنه
لم يكن فى الاسلام أتفى منه واخباره فى الكرم شهيرة. وقال ابن حبان: كان يقال له قطب السخاء، روى عنه
خلق كثير، توفى بالمدينة سنة (٨٠) وهو ابن (٨٠) سنة وقيل ابن (٩٠) وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو
يومئذ أمير المدينة، وذلك العام يعرف بعام الجحاف لسيل كان بمكة أجحف بالحاج وذهب بالابل وعليها
الحمولة (لقنوا موتاكم) أى المشرفين على الموت (العظيم) صفة للرب أو العرش، والثانى أبلغ ووصفه بالعظمة لأنه
أكبر المخلوقات ومحيط بالمكونات (الحمد الله) أى على الحياة والممات (كيف) أى هذا التلقين (للأحياء) أى
للأصحاء أيحسن أم لا (أجود وأجود) أى أحسن وأحسن كرر التأكيد والمبالغة. قال الطبي: التكرار
للاستمرار أى جودة مضمومة إلى جودة وهذا معنى الواو فيه (رواه ابن ماجه) وفى سنده اسحاق بن عبد الله بن
٣١٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
١٦٤٢ - (١٣) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الميت تحضره
الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا: اخرجى أيتها النفس الطيبة، "كانت فى الجسد الطيب، اخرجى
حميدة، وأبشرى بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج
بها إلى السماء
جعفر، وهو مستور، روى عنه كثير بن زيد الأسلى المدنى، وهو صدوق، فيه لين ، ذكره ابن حبان فى الثقات،
ووثقه ابن عمار الموصلى، ونقل السندى عن البوصيرى، أنه قال فى الزوائد: فى اسناده اسحاق لم أر من وثقه ولا
من جرحه، وكثير بن زيد، قال فيه أحمد: ما أرى به بأسا. وقال ابن معين: ليس بشىء. وقال مرة: ليس به بأس.
وقال مرة: صالح. وقال أبو حاتم: صالح ليس بالقوى. وقال النسائى: ضعيف. وقيل: ثقة، وباقى رجاله ثقات -
إنتهى . والحديث أخرجه أيضا الحكيم الترمذى، والطبرانى كما فى الكنز (ج ٨ ص ٧٨).
١٦٤٢ - قوله (الميت) أى جنسه، والمراد من قرب موته (تحضره الملائكة) أى ملائكة الرحمة أو
ملائكة العقوبة، قاله ابن حجر. قيل وهذه الملائكة هم أعوان ملك الموت فى قبض الأرواح، وحاصل الأحاديث
فى ذلك أن ملك الموت يقبض الأرواح والأعوان يكونون معه يعملون عمله بأمره والله تعالى هو الذى يزهق
الروحُ بأمره، وبه يجمع بين الآيات والأحاديث المختلفة التى أضيف التوفى فيها تارة إلى الله تعالى، وتارة إلى
ملك الموت، وتارة إلى أعوانه من الملائكة، فملك الموت يقبض الروح من الجسد بأمره تعالى، ثم يسلمها إلى
ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا ، وملائكة العذاب إن كان كافرا وعند معا ينتهم يعاين ما يصير اليه من رحمة وعذاب
(صالحا) أى مؤمنا. وقيل: أو قائما بحقوق اللّه تعالى وحقوق عباده (أخرجى) أى من جسدك الطيب والخطاب
للنفس فيستقيم هذا الخطاب مع عموم الميت الذكر والأنثى (أيتها النفس) أى الروح (كانت فى الجسد الطيب)
قال الطيبي : الظاهر كنت، ليطابق النذاء واخرجى لكن اعتبر اللام الموصولة أى النفس التى طابت كائنة فى
الجسد، ويحتمل أن يكون صفة أخرى للنفس، لأن المراد منها ليست نفسا معينة بل الجنس مطلقا - انتهى.
(اخرجى) فيه دلالة على أن الروح جسم لطيف يوصف بالدخول والخروج والصعود والنزول، وهو خطاب
ثان أو تأكيد لقوله (حميدة) أى محمودة (بروح) بفتح الراء أى راحة أو رحمة (وزيحان) أى رزق أو طيب،
والتنوين فيهما للتعظيم والتكثير (ورب) أى وبملاقاة رب (غير غضبان) بعدم الانصراف. وقيل: بالانصراف.
قال ابن حجر: وعدل اليه عن راض رعاية الفاصلة أى السجع (فلا تزال) أنى النفس (يقال لها ذلك) أى ما
تقدم من أنواع البشارة زيادة فى سرورها بسماعها ما تقر به عينها (ثم يعرج بها) بصيغة المجهول (إلى السماء) أى
٣١٨
١

مرعاة المفاتيح ج ٥
م.أكتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
فيفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة كانت فى الجسد
الطيب، ادخلى حميدة، وأبشرى بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك، حتى
تنتهى إلى السماء التى فيها الله، فإذا كان الرجل السوء، قال: اخرجى أيتها النفس الخبيثة كانت فى
الجسد الخبيث، اخرجى ذميمة، وأبشرى بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فماتزال يقال لها
ذلك، حتى تخرج ثم يعرج الى السماء فيفتح لها
الدنيا (فيفتح لها) أى بعد الاستفتاح أو قبله، وعند أحمد فيستفتح لها (فيقال) أى يقول ملائكة السماء (من هذا
فيقولون) أى يقول ملائكة الرحمة الذين معه (فلان) أى هذا فلان أى روحه (فلا تزال) أى هى (يقال لها ذلك)
أى ما ذكر من الأمر بالدخول والبشارة بالصعود من سماء إلى سماء (حتى تنتهى) أى تصل إلى السماء (التى فيها الله)
أى أمره وحكمه أى ظهور ملكه وهو العرش، قاله القارى. وقيل: أى فيها يظهر ويلقى حكمه . وقيل: أى قدرته
ورحمته الخاصة (فإذا كان الرجل) بالرفع. وقيل: بالنصب على أن كان تامة أو ناقصة (السوء) بفتح السين
وضمها صفة الرجل ( قال) أى ملك الموت أو رئيس ملائكة العذاب أو كل واحد منهم فيطابق ما سبق بصيغة
الجمع (ذميمة) أى مذمومة (وأبشرى) قال الطبى: استعارة تهكمية، كقوله تعالى: ﴿فبشرم بعذاب أليم
- آل عمران: ٢١) أو على المشاكلة والازدواج وحميم وغساق مقابل لروح وريحان (بحميم) أى ماء حار غاية
الحرارة (وغساق) بتخفيف وتشديد ما يفسق أى يسيل من صديد أهل النار . وقيل: البارد المنتن (وآخر)
قال القارى: عطف على حميم أى وبعذاب آخر. وفى نسخة: بضم الهمزة أى وبأنواع أخر من العذاب (من
شكله) أى مثل ما ذكر فى الحرارة والمرارة (ازواج) بالجر أى أصناف. قال الطبي: أى مذوقات أخر مثل
الغساق فى الشدة والفظاعة ازواج أجناس ـ انتهى. ولا وجه لارجاع الضمير إلى الغساق وحده وإن كان هو
أقرب مذكور فالصحيح ما ذكرناه من أن إفراد الضمير باعتبار ما ذكر. قال: وآخر فى محل الجر عطف على حميم
وأزواج صفة لآخر وإن كان مفرداً، لأنه فى تأويل الضروب والأصناف كقول الشاعر: معى جياعا. والظاهر
أنه فى تأويل النوع والصنف، كذا قال القارى. وقال السندى: وآخر أى بأخر وأزواج، بدل منه أى بأصناف
ومن شكله جار ومجرور وقع حالا من أزواج أى وبأصناف كائنة من جنس المذكور من الحميم والفساق (ثم يعرج
إلى السماء) كذا فى أكثر النسخ، ووقع فى بعض النسخ ثم يعرج بها إلى السماء، وهو مطابق لما فى مسند الامام
أحمد وابن ماجه (فيفتح لها) أى يستفتح لها لقوله تعالى: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء - الأعراف: ٤٠) وعند
٣١٩

مرعاة المفاتيح ج .
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت فى الجسد الخبيث، إرجعى
ذميمة، فأنها لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر. رواه ابن ماجه.
١٦٤٣ - (١٤) وعنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اذا خرجت روح المؤمن تلقاها
ملكان يصعدانها. قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك، قال ويقول أمل السماء: روح
طيبة جاءت من قبل الأرض،
أحمد فيستفتح لها (فترسل) أى ترد وسيأتى أنها تطرح (ثم تصير) أى ترجع (إلى القبر) وتكون محبوسة فى أسفل
السافلين بخلاف روح المؤمن فانها تسرح فى الجنة حيث تشاء، ولها تعلق بجسده أيضا تعلقا كليا بحيث يتنعم فى
قبره وينظر إلى منازله فى الجنة بحسب مرتبته فأمر الروح وأحوال البرزخ والآخرة كلها على خوارق العادات
فلا يشكل شىء منها على المؤمن بالآيات (رواه ابن ماجه) فى الزهد باسناد صحيح، قاله المنذرى فى الترغيب. وقال
البوصيرى فى الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات - انتهى. والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج٢ ص ٣٤٤)
وذكره ابن القيم فى كتاب الروح ، وعزاه لابن منده ، وذكر توثيق رواته عن الحافظ أبي نعيم .
١٦٤٣ - قوله (تلقاها ملكان) وفى الحديث السابق ذكر الملائكة بارادة ما فوق الواحد أو يلق بعضهم
ملكان، وبعضهم أكثر. وقال القارى: هذا تفصيل الجمل السابق ويحتمل أنهما الكريمان الكاتبان ولا ينافى
الجمع فيما مر، أما على قول من يقول أقل الجمع اثنان فظاهر، وأما على قول غيره فلا حتمال أن الحاضرين جمع
المفوض إليه منهم ذلك اثنان والبقية أو الكل بقولون لروحه اخرجى أيتها النفس أو القائل واحد ونسب إلى
الكل مجازا كقوله تعالى: ﴿نقروما - الشمس: ١٤) وكقولهم قتله بنو فلان، ويؤيده حديث البراء الآتى
(يصعدانها) بضم الياء (قال حماد) وهو ابن زيد الأزدى البصرى، راوى الحديث عن بديل عن عبد الله بن
شقيق عن أبى هريرة (فذكر) أى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصحابى، وهو أبو هريرة وكان سبب ذلك
فسيان راويه لفظ النبوة فى هذا دون معناه، فذكره بسياق يشعر بذلك ، قاله القارى. والظاهر أن فاعل ذكر
بديل بن ميسرة شيخ حماد بن زيد (من طيب ريحها) أى أوصانا عظيمة من طيب ريحها (وذكر المسك) أى بطريق
التشبيه أى رائحة كرائحة المسك. وقال القارى: أى ومن أنواع ذلك المسك. وقال الطيبي: أى وذكر المسك
لكن لم يعلم أن ذلك كان طريقة التشبيه أو الاستعارة أو غير ذلك. وقال الأبهرى: الأظهر أن يقال وذكر أن
طيب ريحها أطيب من ريح المسك (قال) أى التى مَثّ (ويقول أهل السماء) أراد به الجنس أى كل سماع
(روح طيبة) مبتدأ أو خبر محذوف هو فى وقوله (جامت) الآن (من قبل الأرض) بكسر القاف وفتح الموحدة
٣٢٠