النص المفهرس

صفحات 221-240

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض.
ريقه فيكون ذلك مخصوصا ، وفيه نظر، قال النووى: معنى الحديث أنه يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة
ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شىء فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل ويقول هذا الكلام فى حال المسح-
انتهى. قلت: الظاهر أن هذا ليس مخصوصا بأرض المدينة ولا بريق النبى صلى الله عليه وسلم فالمراد بالأرض
ههنا جملة الأرض وبالبعض كل من يرقى بذلك، فيجوز هذا بل يستحب فعله عند الرقية فى كل مكان ، وأما حكم
نقل تراب الحرم المكى أو المدنى ونقل حصاهما وأحجارهما للتبرك أو للدواء وحكم الاستشفاء بتراب المدينة
فقد بسط القول فيه السمنودى فى وفاء الوفاء (ص ٦٧، ٦٨، ٦٩، ١١٤، ١١٥، ١١٧،١١٦) وفى بعض
كلامه خدشات لا تخفى على متبع السنة. قال القرطبى: فيه دليل على جواز الرقى من كل الآلام وإن ذلك كان
أمراً فاشيا معلوما بينهم، قال: ووضع النبي صلى الله عليه وسلم سبابته بالأرض ووضعها عليه يدل على استحباب
ذلك عند الرقية ثم قال وزعم بعض العلماء أن السرفيه أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرى الموضع الذى به
الألم ويمنع انصباب المواد اليه ليسه مع منفعته فى تجفيف الجراح واندمالهما قال وقال فى الريق أنه يختص
بالتحليل والانضاح وابراء الجرح والألم لا سيما من الصائم الجائع، وتعقبه القرطي: أن ذلك أنما يتم إذا
وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق وملازمة ذلك فى أو قاته وإلا فالنفث ووضع
السبابة على الأرض إنما يتعلق بها ما ليس له بال ولا أثر وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسوله.
وأما وضع الاصبع بالأرض فلعله لخاصية فى ذلك أو لحكمة اخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة.
وقال البيضاوى: قد شهدت المباحث الطيبة على أن للريق مدخلا فى النضح وتبديل المزاج وتعديله ولتراب
الوطن تأثير فى حفظ المزاج الأصلى ودفع نكاية المضرات ولذا ذكر فى تيسير المسافرين أنه ينبغى أن يستصحب
المسافر تراب أرضه إن عجز عن استصحاب ماءها حتى إذا ورد ماء غير ما اعتاده جعل شيئا منه فى سقاء.
وشرب الماء منها ليأمن من تغير مزاجه ثم أن الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى
كنهها - انتهى. وقال التوربشتى: الذى يسبق إلى الفهم من صنيعه ذلك، ومن قوله هذا: إن تربة أرضنا
اشارة إلى فطرة آدم عليه السلام والريقة اشارة إلى النطفة التى خلق منها الانسان ، فكأنه يتضرع بلسان الحال
ويعرض بفحوى المقال أنك اخترعت الأصل الأول من طين ثم أبدعت بنيه من ماء مهين فهين عليك أن تشفى
من كان هذا شأنه وتمن بالعافية على من استوى فى ملكك حياته ومماته - انتهى. وقد علم كل أناس مشربهم وكل
أناء يرشح بما فيه . قال القارى، وقوله: باصبعه فى موضع الحال من فاعل قال وتربة أرضنا خبر مبتدأ محذوف
أى هذه، والباء فى بريقة متعلق بمحذوف، وهو خبر ثان أو حال والعامل معنى الاشارة أى قال النبي صلى الله
عليه وسلم مشيراً باصبعه بسم الله هذه تربة أرضنا معجونة بريقة بعضنا، قلنا بهذا القول أو صنعنا هذا الصنيع
٢٢١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
ليشفى سقيمنا، بإذن ربنا . متفق عليه .
١٥٤٥ - (١٠) وعنها، قالت: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات،
ومسح عنه بيده،
( ليشفى) على بناء المفعول (سقيمنا) بالرفع نائب عن الفاعل. قال الطيبي: فعلى هذا بسم الله مقول القول صريحا
ويجوز أن يكون بسم اللّه حالا أخرى متداخلة أو مترادفة على تقدير قال متبركا بسم الله، ويلزم منه أن يكون
مقولا والمقول الصريح قوله تربة أرضنا - انتهى. وقال السندى: ليشفى علة للمزوج. قلت : وفى رواية يشفى
بحذف اللام (باذن ربنا) متعلق بيشفى أى بأمره على الحقيقة سواء كان بسبب دعاء أو دواء أو بغيره
(متفق عليه) أخرجاه فى الطب، اللفظ لمسلم، وأخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه فى الطب، والنسائى فى اليوم
والليلة .
١٥٤٥ - قوله (كان النبي ◌َّ إذا اشتكى) أى مرض وهو لازم وقد يأتى متعديا فيكون التقدير
وجعا (نفث) بالمثلثة من باب ضرب ونصر أى أخرج الريح من فمه مع شىء من ريقه. وقيل: النفث نفخ
لطيف بلا ريق (على نفسه بالمعوذات) بكسر الواو المشددة أى قرأها على نفسه ونفث الريق على بدنه ، والمراد
بالمعوذات سورة الفلق والناس والاخلاص فيكون من باب التغليب أو المراد المعوذتان (الفلق والناس) وكل
ما ورد من التعويذ فى القرآن كقوله تعالى: ﴿ وقل رب أعوذبك من همزات الشياطين فاستعذ بالله من الشيطان
الرجيم - المؤمنون: ٩٧﴾ وغير ذلك، أو المراد المعوذتان فقط، وجمع باعتبار أن أقل الجمع اثنان أو أطلق الجمع
على الثنية مجازاً أو الجمع باعتبار الآيات، وانما اجتزأ بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من
المكرومات جملة وتفصيلا من السحر والحسد وشر الشيطان ووسوسته وغير ذلك وقيل المراد الكلمات
: المعوذات بالله من الشياطين والأمراض والآفات ونحوها (ومسح عنه) أى عليه وعلى أعضاء، (يده) وقع
عند البخارى فى آخر الحديث بيان كيفية ذلك، ففيه قال معمر سألت ابن شهاب كيف كان ينفث قال ينفث على
يديه ثم يمسح بهما وجه. وفي رواية: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نقْث فى كفيه
بقل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعا ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده، فلما اشتكى كان يأمرنى أن
أفعل ذلك ، وقال الطبى: الضمير فى عنه راجع إلى ذلك النفث والجار والمجرور حال أى نفث على بعض جسده
ثم مسح بيده متجاوزاً عن ذلك النفث إلى سائر أعضاءه. قال عياض: فائدة النفس التبرك بتلك الرطوبة والهواء
والنفس المباشرة للرقية والذكر الحسن كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر ، وقد يكون على سبيل التفاؤل بزوال
٢٢٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
فلما اشتكى وجعه الذى توفى فيه. كنت أنفث عليه بالمعوذات التى كان ينفث، وأمسح بيد النبى
صلى الله عليه وسلم. متفق عليه. وفى رواية لمسلم، قالت: كان اذا مرض أحد من أهل بيته نفث
عليه بالمعوذات.
١٥٤٦ - (١١) وعن عثمان بن أبي العاص، أنه شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا
يجده فى جسده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضع يدك
ذلك الألم عن المريض كانفصال ذلك عن الراقى - انتهى. (فلما اشتكى) أى النبى صلى الله عليه وسلم (وجهه)
بالنصب أى مرضه (الذى توفى فيه) صلى الله عليه وسلم (كنت أنفث عليه) وفى البخارى فى هذه الرواية:
طفقت أنفث على نفسه، ولأبى ذر: أنفث عنه (بالمعوذات التى كان ينفث وأمسح بيدّ النبي ◌َّة) لبركتها، وفى
الحديث دلالة على أن الرقية والنفث بكلام الله سنة. قال النووي: فيه استحباب النفث فى الرقية، وقد أجمعوا
على جوازه، واستحبه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال الحافظ: قد أجمع العلماء على جواز الرقى
عند اجتماع ثلاثة شروط أن يكون بكلام الله تعالى، أو بأسماء، وصفاته وباللسان العربى، أو بما يعرف معناه من
غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى. وقال الربيع: سألت الشافعى عن الرقية فقال
لا بأس أن يرقى بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله. قلت أيرقى أهل الكتاب المسلمين قال نعم إذا رقوا بما
يعرف من كتاب الله ويذكر الله - انتهى. وفى الموطأ: أن أبا بكر قال لليهودية التى كانت ترقى عائشة أرقيها
بكتاب الله. وروى ابن وهب عن مالك كراهية الرقبة بالحديدة والملح وعقد الخيط والذى يكتب خاتم سليمان
وقال لم يكن ذلك من أمر الناس القديم (متفق عليه) أخرجه البخارى فى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفى
فضائل القرآن وفى الطب، وأخرجه مسلم فى الطب ، واللفظ للبخارى فى الوفاة النبوية ، وأخرجه أيضا مالك فى
كتاب الجامع من الموطأ وأبو داود وابن ماجه فى الطب (وفى رواية لمسلم قالت كان إذا مرض أحد من أهل
بيته نفث عليه بالمعوذات) لم يذكر المسح فيحتمل أنه كان يفعله وتركت ذكره للعلم به من النفث، ويحتمل أنه كان
يتركه أحيانا اكتفاء بالنفث والأظهر الأول والجمع أفضل.
١٥٤٦ - قوله (أنه شکی إلى رسول الله ژێے و جعا يحده فى جسده) أی فی بد نه ، ويؤخذ منه جواز
شكاية ما بالانسان لمن يتبرك به رجاء البركة دعاءه (ضع ) أمر من الوضع ( يدك ) وفى رواية مالك والترمذى
وأبي داود: أمسحه بيمينك ، وعند ابن ماجه: اجعل يدك اليمنى عليه والطبرانى والحاكم. ضع يمينك على المكان
٢٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
على الذى بألم من جسدك، وقل: بسم اللّه ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته
من شر ما أجد وأحاذر، قال: ففعلت، فأذهب اللّه ما كان بى. رواه مسلم.
١٥٤٧ - (١٢) وعن أبى سعيد الخدرى، أن جبرئيل أتى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال:
يا محمد! اشتكيت؟ فقال: نعم، قال: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس
أو عين حاسد
الذى تشتكى فامسح بها سبع مرات (على الذى يألم) أى على الموضع الذى يرجح (من جسدك) فيه استحباب
وضع اليد اليمنى على موضع الألم مع الدعاء (وقل بسم اللّه ثلاث وقل سبع مرات) إلخ قال الشوكانى فى الأعداد:
التى ترد فى مثل هذا الحديث سر من أسرار النبوة ، وليس لنا أن نطلب العلة ، والسبب الذى يقتضيه كما فى اعداد
الركعات والانصباء والحدود (أعوذ بعزة الله) أى بعظمته وغلبته (من شر ما أجد) أى من الوضع (وأحاذر)
أى أخاف وأحترز، وصيغة المفاعلة البالغة . -قال الطيبي: تعوذ من وجع هو فيه ومما يتوقع حصوله فى المستقبل
من الحزن والخوف، فان الحزن هو الاحتراز عن مخوف، والترمذى فى الدعوات وحسنه والحاكم وصححه عن
محمد بن سالم قال: قال لى ثابت البنانى: يا محمد إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكى ثم قل بسم الله أعوذ بعزة الله
وقدرته من شر ما أجد من وجعى ثم ارفع يدك ثم أعد ذلك وتراً ، قال فان أنس بن مالك حدثنى أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم حدثه بذلك (قال) أى عثمان (ففعلت) أى ما قال لى (فاذهب اللّه ما كان بى) من الوجع
والألم ببركة الامتثال، زاد فى رواية مالك والترمذى وأبي داود بعده ((فلم أزل آمر به أهلى وغيرهم.
(رواه مسلم) فى الطب وأخرجه مالك فى كتاب الجامع والترمذى وأبو داود وابن ماجه فى الطب والنسائى فى
اليوم والليلة والحاكم فى الجنائز (ج ١ ص ٣٤٣) وابن أبى شيبة فى مصنفه .
١٥٤٧ - قوله (اشتكيت) ففتح الهمزة للاستفهام، وحذف همزة الوصل. وقيل: بالمد على اثبات
همزة الوصل وأبدالها ألفا . وقيل: بحذف الاستفهام، قاله القارى (فقال نعم قال) أى جبر ئيل (بسم الله أرقيك)
بفتح الهمزة وكسر القاف مأخوذ من الرقية أى أعوذك (من كل شيء يؤذيك) بالهمز ويبدل أى من أنواع
المرض (من شر كل نفس) أى خبيئة (وعين) بالتنوين فيهما . وقيل: بالاضافة. وقيل: بالتنوين فى الأول ،
وبالاضافة فى الثانى (حاسد) وأو تحتمل الشك والأظهر أنها للتنويع. قال النووى: قيل يحتمل أن المراد بالنفس
نفس الآدمى . وقيل: يحتمل أن المراد بها العين فان النفس تطلق على العين ، ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب
الناس بعينه، كما قال فى الرواية الأخرى من شر كل ذى عين ويكون قوله أو عين حاسد من باب التوكيد بلفظ
٢٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وتواب المرض.
الله يشفيك، بسم الله أرقيك. رواه مسلم.
١٥٤٨ - (١٣) وعن ابن عباس، قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين:
أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة،
مختلف أو شكا من الراوى فى لفظه - انتهى. (الله يشفيك) يجوز أن يكون بفتح حرف المضارعة، ويجوز أن
يكون بضمه من أشفاء (بسم الله أرقيك) كرره البالغة وبدأ به وختم به إشارة إلى أنه لا نافع إلا هو
(رواه مسلم) فى الطب، وأخرجه أيضا الترمذى فى الجنائز، والنسائى فى اليوم والليلة، وابن ماجه فى الطب ، وروى
مسلم من حديث عائشة أنها قالت كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبرئيل عليه السلام قال
بسم الله يبريك ومن كل داء يشفيك من شر حاسد إذا حسد وشر كل ذى عين ...
١٥٤٨ - قوله (كان رسول اللّه مؤلفه يعوذ) بتشديد الواو المكسورة بعدها ذال معجمة من التعويذ
(الحسن والحسين) ابنى فاطمة أى يرقيها. وقيل: يدعو لهما بالحفظ، ويطلب لهما من الله عصمة (حيثكما)
أى يقول أعيذكما، وهو تفسير وبيان ليعوذ، وهذا لفظ أحمد والترمذى وأبي داود والنسائى، ولفظ البخارى:
كان النبى ◌َّمِ يعوذ الحسن والحسين، ويقول إن أبا كما كان يعوذ بها اسماعيل واسحاق أعوذ (بكلمات الله)
قيل: المراد بها كلامه على الاطلاق أو المعوذتان أو القرآن. وقيل: أسماء، وصفاته (التامة) صفة لازمة أى
الكاملة أو النافعة أو الشافية أو المباركة أو الوافية فى دفع ما يتعوذ منه. وقال الجزرى: إنما وصف كلامه
بالتمام لأنه لا يجوز أن يكون فى شىء من كلامه نقص أو عيب كما يكون فى كلام الناس . وقيل: معنى المام مهنا
أنها تنفع المتعوذ بها وتحفظه من الآفات وتكفيه - انتهى. قال الخطابى فى المعالم: كان أحمد بن حنبل يستدل
بقوله بكلمات الله التامة على أن القرآن غير مخلوق ومامن كلام مخلوق إلا وفيه نقص فالموصوف منه بالتمام هو
غير مخلوق وهو كلام الله سبحانه ويحتج أيضا بأن النبى مؤقّ لا يستعيذ بمخلوق (من كل شيطان) انسى وجنى
(وهامة) بالتنوين وهى بتشديد الميم واحدة الهوام التى تدب على الأرض وتؤذى الناس . وقيل: هى ذوات
السموم. قال الشوكانى: والظاهر أنها أعم من ذوات السموم لما ثبت فى الحديث من قوله { لَّم أيؤذيك هوام
رأسك . وقال الجزرى: الهامة كل ذات سم بقتل، والجمع الهوام، فأما ما يسم ولا يقتل فهو السامة كالعقرب
والزنبور، وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات - انتهى. وقيل المراد كل نسمة تهم
بسوء (ومن كل عين) بالتنوين ( لامة ) بتشديد الميم أيضا أى ذات لم ، واللم كل داء يلم من خبل أو جنون أو
نحوهما أى من كل عين تصيب بسوء، ويجوز أن تكون على ظاهرها بمعنى جامعة للشر على المعيون من لمنه إذا
٢٢٥

من عاء المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وبواب المرض
ويقول: إن أباكما كان يعوذ بها اسماعيل واسحاق. رواه البخارى. وفى أكثر نسخ المصابيح ((بهما،
على لفظ التثنية .
١٥٤٩ - (١٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيراً
يصب منه
جمعه . وقال فى الصحاح: العين اللامة هى التى تصيب بسوء واللم طرف من الجنون ولامة أى ذات لم،
وأصلها من الممت بالشىء إذا نزلت به. وقيل: لامة لازدواج هامة والأصل ملمة لأنها فاعل الممت - انتهى.
وقال الجزرى: اللم طرف من الجنون يلم بالانسان أى يقرب منه ويعتريه، ومنه حديث الدعاء أعوذ بكلمات الله
التامة من شر كل سامة ومن كل عين لامة أى ذات لم ولذلك لم يقل ملبة وأصلها من الممت بالشىء ليزاوج قوله
من شركل سامة أى لكونه أخف على اللسان (ويقول) لهما (أن أباكما) يريد ابراهيم عليه السلام وسماه أباً لكونه
جداً لس (كان يعوذ بها) أى بهذه الكلمات (اسماعيل واسحاق) ابنيه (رواه البخارى) فى الأنبياء وأخرجه
أيضا أحمد (ج ١ ص ٢٣٥، ٢٦٩) والترمذى فى الطب وأبو داود فى باب القرآن من كتاب السنة والنسائى
فى اليوم والليلة وابن ماجه فى الطب (وفى أكثر نسخ المصابيح بهما على لفظ التثنية) قال الطيبي: الظاهر أنه
سهو من الناسخ - أنتهى قلت: قد وقع فى بعض روايات البخارى بهما بالتثنية، وكذا نقله الجزرى فى جامع
الأصول (ج ٥ ص ١٣٢) قال القسطلانى: ولأبى الوقت وابن عساكر بهما بلفظ التثنية - انتهى. وكذا وقع
بلفظ التثنية فى بعض نسخ السنن لأبى داود كما فى عون المعبود، وتأوله القارى بأن كمات الله مجاز من معلومات
الله ومما تكلم به سبحانه من الكتب المنزلة أو الأولى جملة المستعاذ به والثانية جملة المستعاذ منه، ولا يخفى ما فيه
من التكلف .
١٥٤٩ - قوله (من يرد الله به خيراً يصب) بضم التحتية وكسر الصاد المهملة، وعليه عامة المحدثين،
والفاعل الله، أى ينل الله تعالى (منه) أى من ذلك الشخص المعبر عنه بمن، فالضمير المجرور لمن أى يبتليه الله
تعالى بالمصائب ليشبه عليها . وقيل: الفاعل الضمير الراجع لمن، وضمير منه راجع للخير أى يحصل له من ذلك
الخير، فهذا علامة ارادة الله له الخير. وقيل: الفاعل الله وقوله منه بمعنى لأجله، وضميره عائد إلى الخير أى
يجعله الله ذا مصيبة لأجل ذلك الخير، وروى بفتح الصاد. قال ابن الخشاب: وهو أحسن وأليق. وقال الطيبي:
أنه أليق بالأدب كما قال تعالى: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين - الشعراء: ٨٠﴾ والمعنى يصير ذا مصيبة أى
يوصل له المصائب عن الله، فضمير يصب حينئذ راجع لمن، وضمير منه راجع الله. وقال ميرك: يصب مجزوم
٢٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
رواه البخارى.
١٥٥٠ - ١٥٥١ - (١٥ - ١٦) وعنه، وعن أبى سعيد، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: مايصيب
المسلم من نصب، ولا وصب، ولاهم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة
لأنه جواب الشرط أى من يرد الله به خيراً أوصل اليه مصيبة فيمن للتعدية يقال أصاب زيد من عمرو أى
أوصل اليه مصيبة ليطهره بها من الذنوب وليرفع درجته، قال الحافظ: ويشهد للكسر ما أخرجه أحمد من
حديث محمود بن لبيد رفعه إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن صبر فله الصبر ومن جزع، فله الجزع ورواته ثقات
إلا أن محمود بن لبيد، اختلف فى سماعه من النبى صلى الله عليه وسلم وقد رآء وهو صغير، وله شاهد من حديث
أنس عند الترمذى وحسنه (رواه البخارى) فى المرضى وأخرجه أيضا مالك (ج ٢ ص ٢٣٧) وأحمد
والنسائى فى الكبرى .
١٥٥٠ - ١٥٥١ - قوله (وعنه) أى عن أبى هريرة (وعن أبى سعيد) أى الخدرى (ما يصيب المسلم)
ما نافية ومن زائدة للاستغراق فى قوله (من قصب ولاوصب) بفتحتين فيهما والأول التعب والألم الذى يصيب
البدن من جراحة وغيرها والثانى الوجع اللازم والمرض الدائم، ومنه قوله تعالى: ﴿ولهم عذاب واصب -
الصافات: ٩) أى لازم ثابت (ولا هم) بفتح الهاء وتشديد الميم (ولا حزن) بضم الحاء ومتكون الزاى
وبفتحهما . قال الحافظ: هما من أمراض الباطن ولذلك ساغ عطفهما على الوصب. وقيل: الهم يختص بماهوآت
والحزن بما مضى، وقيل: الهم الحزن الذى يهم الرجل أى يذيبه من هممت الشحم إذا أذبته فانهّ، ويقال:
هم السقم جسمه اذابه وأذهب لحمه، والحزن هو الذى يظهر منه فى القلب حزونة أى خشونة وضيق يقال مكان
حزن أى خشن وبهذا الاعتبار قيل خشنت صدره أى حزنته، وعلى هذا فالهم أخص وأبلغ فى المعنى من الحزن
(ولا أذى) هو أعم مما تقدم، وقيل: هو خاص بما يلحق الشخص من تعدى غيره عليه (ولا غم) بالغين
المعجمة ولا لتأكيد النفى فى كلها، وهو أيضا من أمراض الباطن، وهو ما يضيق على القلب. وقيل: هو الحزن
الذى يغم الرجل أى يصيره بحيث يقرب أن يغمى عليه، والحزن أسهل منه. قال الحافظ: وقيل فى هذه الأشياء
الثلاثة، وهى الهم والغم والحزن أن الهم ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله بما يتأذى به ، والغم كرب يحصل
للقلب بسبب ما حصل ، والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرأ فقده. وقيل: الهم والغم بمعنى واحد. قال الترمذى:
سمعت الجارود يقول سمعت وكيما يقول إنه لم يسمع فى الهم أنه كفارة إلا فى هذا الحديث (حتى الشوكة) بالرفع
فحتى ابتدائية، والجملة بعد الشوكة خبرها وبالجر فحتى عاطفة أو بمعنى إلى فما بعدها حال. وقال الزركشي:
٢٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه. متفق عليه.
١٥٥٢ - (١٧) وعن عبد الله بن مسعود، قال: دخلت على النبى صلى الله عليه وسلم وهو يوعك،
فمسسته بیدی،
بالنصب على أنه مفعول فعل مقدر أى حتى يحد الشوكة (يشاكها) بضم أوله أى يشوكه غيره بها، ففيه وصل
الفعل لأن الأصل يشاك بها. قال فى الكشاف: شكت الرجل شركة أدخلت فى جسده شوكة وشيك على ما لم يسم
فاعله يشاك شوكا - انتهى. وقال السفاقسى: حقيقة قوله يشاكها أن يدخلها غيره فى جسده يقال شكته أشوكه.
قال الأصمعى: يقال شاكتنى تشوكنى إذا دخلت هى ولوكان المراد هذا لقيل تشوكه ولكن جعلها مفعولة، وهذا
يرده ما فى مسلم من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ولا يصيب المؤمن شوكة فأصاب الفعل اليها، وهو
الحقيقة ولكنه لا يمنع إرادة المعنى الأعم، وهو أن تدخل هى بغير إدخال أحد أو بفعل أحد، قاله القسطلانى.
وقيل: فيه أى فى يشاكها ضمير المسلم أقيم مقام فاعله و«هاء ضمير الشوكة أى حتى الشوكة يشاك المسلم تلك الشوكة
أى تجرح أعضاءه بشوكة، والشوكة ههنا المرة من شاكه ولو أراد واحدة النبات لقال يشاك بها والدليل على أنها
المرة من المصدر جعلها غاية للمعانى، كذا قال القارى (إلا كفر الله بها من خطاياه) ظاهره تعميم جميع الذنوب،
لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر لحديث الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما
بينهن ما اجتنبت الكبائر فحملوا المطلقات الواردة فى التفكير على هذا المقيد، كذا فى الفتح ولابن حبان من حديث
عائشة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة وهذا يقتضى حصول الأمرين معا حصول الثواب ورفع
العقاب وشاهده عند الطبرانى فى الأوسط من وجه آخر عن عائشة بلفظ ما ضرب على مؤمن عرق قط إلا حط
الله به عنه خطيئة وكتب له حسنة ورفع له درجة وسنده جيد (متفق عليه) أخرجه البخارى فى المرضى، ومسلم فى
الأدب ، واللفظ للبخارى ، وأخرجه أيضا ابن أبى شيبة (ج ٤ ص ٧٠) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٧٣) وأخرجه
الترمذى فى الجنائز عن أبى سعيد متفرداً نحوه. وقال: قد روى بعضهم هذا الحديث عن عطاء بن يسار عن أبى
هريرة عن النبى محمدوائل وصرح الجزرى فى جامع الأصول (ج ١٠ ص ٣٥٤) باخراج البخارى، ومسلم والترمذى
عنهما جميعا، ثم قال: وذكره الحميدى فى مسند أبى هريرة .
١٥٥٢ - قوله (دخلت على النبى مؤلّ وهو يوعك) الواو للحال ويوعك بفتح العين المهملة من وعكته
الحى أى اشتدت عليه وآذته، والوعك بفتح الواو وسكون العين المهملة وقد تفتح وهى الحمى. وقيل: المها
وقيل: تعبها. وقيل: أرعادها الموعوك. وقيل: حرارتها (فسسته يدى) فى الصحاح مسِسْت الشىء بالكسر
٢٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
فقلت: يا رسول الله! إنك لتوعك وعكا شديدا، فقال النبى معَّ: أجل إنى أوعك كما يوعك
رجلان منكم، قال: فقلت: ذلك لأن لك أجرين؟ فقال: أجل، ثم قال: ما من مسلم يصيبه أذى
من مرض فما سواه، إلا حط الله تعالى به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها. متفق عليه.
آ مَنّه هى اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيد: مَسَسْت بالفتح آَمُّه بالضم (إنك لتوعك وعكا شديداً) قال
القارى: هو بيان للواقع (فقال النبي ◌َّم أجل) أى نعم وزنا ومعنى إنى (أوعك) على بناء المجهول أى يأخذنى
الوعك (كما يوعك) يعنى أحم كما يحم (رجلان منكم قال) ابن مسعود (فقلت ذلك) أى تضاعف الحمى (لأن)
وفى البخارى بأن، وكذا نقله الجزرى (ج ١٠ ص ٣٥٥) وفى مسلم: إن بغير الموحدة أو اللام (لك أجرين)
قال القارى: يحتمل أن يكون المراد بالتثنية التكثير (فقال) النبى مؤثّة (أجل) أى نعم وفى البخارى بعد هذا
( ذلك كذلك، وذلك إشارة إلى مضاعفة الأجر بشدة الحى وتضاعفها (ما من مسلم يصيبه أذى) أى ما يؤذيه
ويتعبه (من مرض فما سواه) أى فما دونه أو غيره مما تتأذى به النفس. وفى رواية للبخارى: ما من مسلم يصيبه
أذى شوكة فما فوقها. قال الحافظ : شوكة بالتكير للتقليل ليصح ترتب قوله فما قوقها ودونها فى العظم والحقارة
عليه بالفاء، وهو يحتمل وجهين فوقها فى العظم ودونها فى الحقارة وعكس ذلك (إلا حط اللّه تعالى به سيئاته
كما تحط الشجرة ورقها) بالنصب على المفعولية وتحط بفتح أوله وضم المهملة وتشديد الطاء المهملة أى تلقيه الشجرة
منقشراً . قال الحافظ: والحاصل أنه أثبت أن المرض إذا اشتد ضاعف الآجر ثم زاد عليه بعد ذلك أن المضاعفة
تنتهى إلى أن تخط السيئات كلها أو المعنى قال نعم شدة المرض ترفع الدرجات وتحط الخطيئات أيضا حتى
لا يبقى منها شىء ويشير إلى ذلك حديث سعد عند الدارمى والنسائى فى الكبرى، وصححه الترمذى وابن حبان
حتى يمشى على الأرض وما عليه خطيئة - انتهى. قال الطيبي: شبه حالة المريض وإصابة المرض جسده ثم محو
السيآت عنه سريعا بحالة الشجر وهبوب الرياح الخريفية وتناثر الأوراق منها وتجردها عنها فهو تشبيه تمثيل
لانتزاع الأمور المتوهمة فى المشبه من المشبه به فوجه التشبيه الازالة الكلية على سبيل السرعة لا الكمال والنقصان،
لأن إزالة الذنوب عن الانسان سبب كماله وإزالة الأوراق عن الشجر سبب نقصانها - انتهى كلام الطبي. وفى
الحديث بشارة عظيمة لأن كل مسلم لا يخلو عن كونه متأذيا (متفق عليه) أخرجه البخارى فى المرضى، ومسلم فى
الأدب، واللفظ له، وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٣٨١، ٤٤١، ٤٥٥) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٧٢)
وابن أبي شيبة (ج ٤ ص ٧٠).
٢٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
١٥٥٣ - (١٨) عن عائشة، قالت: ما رأيت أحدا الوجع عليه أشد من رسول الله صلى الله عليه
وسلم . متفق عليه.
١٥٥٤ - (١٩) وعنها، قالت: مات النبى صلى الله عليه وسلم بين حاقنتى وذاقنتى، فلا أكره شدة
الموت لأحد أبدا بعد النبى صلى الله عليه وسلم.
١٥٥٣ - قوله (ما رأيت أحداً الوجع) بالرفع، قال العلماء: الوجع هنا المرض، والعرب تسمى كل
مرض وجها، ذكره النووى (عليه أشد من رسول اللّه مَّة) أى من وجعه. قال الطيبي: الوجع مبتدأ وأشد خبره،
والجملة بمنزلة المفعول الثانى لرأيت أى ما رأيت أحداً أشد وجعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى المرضى، ومسلم فى الأدب، واللفظ للبخارى، وأخرجه أيضا الترمذى فى الزهد
وابن ماجه فى الجنائز.
١٥٥٤ - قوله (مات النبي ◌َّ بين حاقنتى) بالحاء المهملة والقاف المكسورة والنون المفتوحة الوحدة
المنخفضة بين الترقوتين. وقيل: النقرة بين الترقوة وحبل العائق. وقيل: ما دون الترقوة من الصدر (وذاقتى)
بالذال المعجمة والقاف المكسورة الذقن. وقيل: طرف الحلقوم. وقيل: ما يناله الذقن من الصدر. وقال
الجزرى فى جامع الأصول (ج ١١ ص ٤٨٢) الحاقنة ما سفل من البطن والذاقنة طرف الحلقوم الناتى .. وقيل:
الحاقنة المطمئن من الترقوة والحلق والذاقنة نقرة الذقن ۔ انتهى . وفى رواية للبخارى: توفی فی بیتی وفی یومی
وبين سحرى وتحرى، والسحر بفتح المهملة وسكون الحاء المهملة هو الصدر، وفى الأصل الرئة والنحر بفتح النون
وسكون المهملة، والمراد به موضع النحر، والحاصل أن ما بين الحاقة والذاقنة هو ما بين السحر والنحر، والمراد
أنه مات ورأسه بین حنکها وصدرها ێ ورضى عنها ، وهذا لا يعارض حديثها أن رأسه كان على خذها لاحتمال
أنها رفعته عن نفذها إلى صدرها. وأما ما رواه الحاكم وابن سعد من طرق أنه يَ ف مات ورأسه فى حجر على،
ففى كل طريق من طرقه شيعى، فلا يحتج به، وقد بين حالها الحافظ فى الفتح من أحب الاطلاع عليه رجع اليه
(فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعد النبى موظفة) يعنى ظنفت شدة الموت لكثرة الذنوب وظننتها من علامة
الشقاوة وسوء حال الرجل عند الله وهذا قبل موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأيت شدة موت
رسول الله صلى الله عليه وسلم علمت أن شدة الموت ليست بعلامة الشقاوة ولا بعلامة سوء حال الرجل ولا من
المنذرات بسوء العاقبة، لأنه لوكان كذلك لم يكن لرسول اللّه رغم شدة الموت بل شدة الموت لرفع الدرجة
وقضعيف الأجر ولتطهير الرجل من الذنوب فإذا كان كذلك فلا أكره شدة الموت لأحد بعد ما علمت هذا
٢٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وواب المرض
رواه البخارى.
١٥٥٥ - (٢٠) وعن كعب بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمن
كمثل الخامة من الزرع تفيتها الرياح، تصرعها مرة وتعدلها أخرى،
(رواه البخارى) فى مواضع بألفاظ، واللفظ المذكور له فى باب مرض النبى صلى الله عليه وسلم فى أواخر المغازى
وأخرجه أيضا النسائى فى الجنائز .
١٥٥٥ - قوله (مثل المؤمن كمثل الخامة) وفى مسلم: مثل الخامة، وهى بالخاء المعجمة والميم المخففة
الطاقة الغضة الطرية اللينة (من الزرع) والفها منقلبة عن الواو. قال الجزرى فى جامع الأصول (ج ١ ص ٣٠٧)
الخامة من النبات الغضة الرطبة اللينة - انتهى . وقيل: الخامة هى الزرع أول ما ينبت على ساق واحد، ووقع
عند أحمد فى حديث جابر مثل المؤمن مثل السنبلة تستقيم مرة وتخر أخرى، وله فى حديث لأبى بن كعب: مثل المؤمن
مثل الخامة تحمر مرة وتصفر أخرى (تفيئها) بتشديد الياء المكسورة وهمزة بعدها، وقيل بكسر الفاء وسكون الياء
أى تميلها وتحركها (الرياح) يعنى تميلها كذاوكذا حتى ترجع من جانب إلى جانب. قال النووى: تميلها وتفيئها بمعنى
وأحد، ومعناه تقلبها الريح يمينا وشمالا - إنتهى. قال النور بشتى: وذلك أن الريح إذا هبت شمالا أمالت الخاصة إلى الجنوب
فصار فينها فى الجانب الجنوبى وإذا هبت جنوبا صار فينها فى الجانب الشمالى (قصرعها) بفتح الراء بيان لما قبله أى
تسقطها. قال الجزرى: أى ترميها وتلقيها من المصارعة. وقال النووى: أى تخفضها (وتعدلها) بفتح التاء وسكون المهملة
وكسر الدال المخففة وبضم التاء أيضا وفتح المهملة وتشديد الدال المكسورة أى ترفعها وتقيمها وتسويها (أخرى)
أى تارة أخرى، وعند مسلم فى هذه الرواية مرة. قال الحافظ: وكان ذلك باختلاف الريح فان كانت شديدة
حركتها فيالت يمينا وشمالا حتى تقارب السقوط وإن كانت ساكنة أو إلى السكون أقرب إقامتها ، ووقع فى رواية
المسلم حتى تهيج. قال الحافظ: أى حتى تستوى ويكمل نضجها. وقال النووى: أى تيبس. وقال الجزرى: هاج
النبات يهيج هيجا إذا أخذ فى الجفاف والاصفرار بعد الغضاضة والاخضرار. قال المهلب: ووجه التشبيه أن
المؤمن من حیث أنه جاءه أمر الله انطاع له ورضی به، فان وقع له خير فرح به وشكر، وإن وقع له مكروه
صبر ورجا فيه الخير والأجر، فاذا اندفع عنه اعتدل شاكراً. قال أبو الفرج ابن الجوزى: والناس فى ذلك
على أقسام : منهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء، ومنهم من يرى أن هذا من تصرف المالك فى ملكه
فيسلم ولا يعترض، ومنهم من تشغله المحبة عن طلب رفع البلاء وهذا أرفع من سابقه، ومنهم من يتلذذ به وهذا
أرفع الأقسام، لأنه عن اختياره نشأ. وقال الزمخشرى فى الفائق: قوله من الزرع صفة للخامة لأن التعريف فى
٢٣١

المفاتيح ج ٥
صن عاء المسـ
٥- كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
حتى يأتى أجله، ومثل المنافق كمثل الأرزة المجذية التى لا يصيبها شىء حتى يكون انجعافها مرة واحدة.
متفق عليه.
الخامة للجنس، ونفيئها يجوز أن يكون صفة أخرى للخامة وأن يكون حالا من الضمير المتحول إلى الجار والمجرور،
وهذا التشبيه يجوز أن يكون تمثيليا فيتوهم للشبه ما المشبه به وأن يكون معقولا بأن تؤخذ الزبدة من المجموع ،
وفيه إشارة إلى أن المؤمن ينبغي له أن يرى نفسه فى الدنيا عارية معزولة عن استيفاء اللذات والشهوات معروضة
للحوادث والمصيبات مخلوقة للآخرة لأنها جنته ودار خلوده (حتى يأتى) وفى بعض النسخ: يأتيه كما فى صحيح
مسلم (أجله) أى يموت (ومثل المنافق) وفى رواية لمسلم: ومثل الكافر، وبهذا يظهر أن المراد بالمنافق فى رواية
الكتاب نفاق الكفر ( كمثل الأرزة) بفتح الهمزة والزاى بينهما راء ساكنة هذا هو المشهور فى ضبطها وهو
المعروف فى الروايات وكتب الغريب . وذكر الجوهرى وصاحب نهاية الغريب: أنها تقال أيضا بفتح الراء
قال فى النهاية: وقال بعضهم يعنى أبا عبيدة أنما هو الآرزة بالمد وكسر الزاء على وزن فاعلة ومعناها الثابتة فى
الأرض، ورده أبو عبيد بأن الرواة اتفقوا على عدم المد، وإنما اختلفوا فى سكون الراء وتحريكها والأكثر على
السكون، قيل: هى واحدة شجر الأرز وهو شجر معروف يقال له الأرزن يشبه شجر الصنوبر وليس به يكون
بالشام وبلاد الأرمن وهو الشجر الذى يعمر طويلا ويكثر وجوده فى جبال لبنان، وقيل: هو شجر الصنوبر
والصنوبر ثمرته وهو شجر صلب شديد الثبات فى الأرض. وقيل: هو شجر الصنوبر الذكر خاصة، وقيل: هو
شجر العرعر (المجذية) بميم مضمومة ثم جيم ساكنة ثم ذال معجمة مكسورة ثم ياء تحتية أى الثابتة المنتصبة القائمة
من جذا يحذو وأجذى يُجذى لغتان أى ثبت قائما والجذاة أصول الشجر العظام (التى لا يصيبها شىء) أى من
الميلان باختلاف الرياح .. وفى رواية لمسلم: المجذية على أصلها لا يفيتها شىء (حتى يكون انجعافها) بسكون النون
وكسر الجيم بعدها عين ثم الف ثم فاء أى انقطاعها وانقلاعها. وقيل: انكارها من وسطها أو أسفلها وهو
مطاوع جعف تقول جعفته فانجعف مثل قلعته فانقلع (مرة واحدة) وجه التشبيه أن المنافق لا يتفقده الله باختياره
بل يحصل له التيسير فى الدنيا ليتعسر عليه الحال فى المعاد حتى إذا أراد الله اهلاكه قصمه فيكون موته أشد عذابا
وعليه أكثر ألماً فى خروج نفسه. وقيل: المعنى أن المؤمن يتلقى الأعراض الواقعة عليه لضعف حظه من الدنيا فهو
كأوائل الزرع شديد الميلان لضعف ساقه والمنافق بخلاف ذلك وهذا فى الغالب من حال الاثنين (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى المرضى ، ومسلم فى التوبة، واللفظ له، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦ ص ٣٨٦) والنسائى
فى الكبرى .
٢٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
١٥٥٦ - (٢١) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمن كمثل
الزرع لا تزال الريح تميله، لا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة لا تهتز
حتى تستحصد. متفق عليه.
١٥٥٧ - (٢٢) وعن جابر، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم السائب
١٥٥٦ - قوله (كمثل الزرع) وفى مسلم: مثل الزرع. وفى البخارى: كمثل الخامة من الزرع وفى رواية
له : كمثل خامة الزرع. وفى الترمذى: ڪمثل الزرع (لا تزال الريح) اللام للجنس. وفى الترمذى: الرياح
(تميله) بتشديد الياء وبتخفيفها (ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء) قال الطبي: التشبيه إما تمثيلى، وإما مفرق،
فيقدر لشبه معان بازاء ما المشبه به، وفيه إشارة إلى أن المؤمن ينبغي له أن يرى نفسه عارية معزولة عن استعمال
اللذات معروضة للحوادث والصيبات مخلوقة للآخرة لأنها دار خلود (لا تهتز) أى لا تتحرك (حتى استحصد)
على بناء المفعول. وقال ابن الملك: بصيغة الفاعل أى يدخل وقت حصادها فتقطع - انتهى . وقال النووى: بفتح
أوله وكسر الصاد كذا ضبطنا، وكذا نقله القاضى عن رواية الأكثرين، وبعضهم بضم أوله وفتح الصاد على
ما لم يسم فاعله، والأول أجود أى لا تتغير حتى تنقلع مرة واحدة كالزرع الذى انتهى يُبْسُه. قال معنى
الحديث أن المؤمن كثير الآلام فى بدنه أو أهله أو ماله، وذلك مكفر لسيئاته ورافع لدرجاته . وأما المنافق
والكافر فقليلها وإن وقع به شىء لم يكفر شيئا من سيئاته بل يأتى بها يوم القيامة كاملة (متفق عليه) أخرجه
البخارى فى المرضى وفى التوحيد ومسلم فى التوبة واللفظ له وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص ٢٣٤، ٢٨٤، ٢٨٥)
والترمذى فى الأمثال ولفظ البخارى فى التوحيد: مثل المؤمن كمثل خامة الزرع ينى ورقه من حيث أنتها الريح
تكفتها فإذا سكنت اعتدلت وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء ومثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها
الله إذا شاء.
١٥٥٧ - قوله (دخل رسول اللّه رَّم على أم السائب) وفى مسلم بعد ذلك ((أو أم المسيب، وفى البيهقى:
دخل على أم السائب أو أم المسيب، وهى ترفرف. قال ابن عبد البر: أم السائب الأنصارية روى عنها أبو قلابة
عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الحى. وقال بعضهم: فيها أم المسيب - انتهى. قلت: أخرجه أبو نعيم بلفظ: أتى
رسول اللهصلى الله عليه وسلم على امرأة من الأقصار يقال لها أم المسيب فذكر نحو حديث الباب، وأخرجه
ابن مندة فقال: أم السائب جزما ، وأسنده من طريق الثقفى عن أيوب عن أبى الزبير عن جابر قال ثبت أن النبى
صلى الله عليه وسلم مرعلى أم السائب، فذكر الحديث نحوه. قال الحافظ: ولم أر فى شىء من طرقه أنها أنصارية بل
٢٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
فقال: مالك تزفزفين؟ قالت: الخى لا بارك اللّه فيها، فقال: لا تسب الحى، فإنها تذهب خطايا
بنى آدم كما يذهب الكير خبث الحديد . رواه مسلم.
١٥٥٨ - (٢٣) وعن أبى موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مرض العبد
أو سافر، كتب له
ذكرها ابن كعب فى قبائل العرب بين المهاجرين والأنصار (فقال مالك تزفزفين) وفى مسلم والبيهقى وابن سعد
وأبى يعلى: مالك يا أم السائب أو يا أم المسيب الخ. وتزفزفين بالزايين بصيغة المعلوم والمجهول فإنه لازم ومتعد.
قال القارى فى نسخة صحيحة: بالراءين المهملتين على بناء الفاعل . قال الطيبي: رفرف الطائر بجناحية إذا بسطهما
عند السقوط على شىء والمعنى مالك ترتعدين، ويروى بالزاء من الزفزفة وهى الارتعاد من البرد والمعنى ما سبب
هذا الارتعاد الشديد. وقال النووى: تزفزفين بزائين معجمتين وفائين والتاء مضمومة هذا هو الصحيح المشهور فى
ضبط هذه اللفظة، وادعى القاضى أنها رواية جميع رواه مسلم. ووقع فى بعض نسخ بلادنا بالراء والفاء ومعناه
تتحركين حركة شديدة أى ترعدين - انتهى. وقال المنذرى: روى براثين وبزائين ومعناهما متقارب وهو الزعدة
التى تحصل للحموم، ونقله الجزرى فى جامع الأصول (ج١٠ ص٣٥٥) تزفزفين بالزايين وقال أصل الزفيف الحركة
السريعة ومنه زفّ الظليم إذا أسرع حتى يسمع لجناحه حركة فكأنه سمع ماعرض لها من رعدة الخمى هذا على من
رواه بالزاى المعجمة ومن رواه بالراء المهملة فعنى به زفزفة جناح الطائر وهو تحريكه عند الطيران فشبه لحركة رعدتها
به والزاى أكثر رواية (الخى لا بارك الله فيها) مبتدأ وخبره الجملة تتضمن الجواب أو تقديره تأخذنى الحمى أو الحمى
معى، والجملة بعده دعائية، قاله القارى. ولفظ أبي يعلى قالت من الخمى لا بارك الله فيها (فإنها تذهب) من الاذهاب
أى تمحو وتكفر وتزيل (خطايا بنى آدم) أى مما يقبل التكفير (كما يذهب الكير) بكسر الكاف بعدها تحتية ثم راء مهملة
(خبث الحديد) بفتحتين أى وسخه. قال الطبى: كير الحداد وهو المبنى من الطين . وقيل: الزق الذى ينفخ به
النار والمبنى الكور (رواه مسلم) فى الأدب، وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٣ ص ٣٧٧) وابن سعد وأبو يعلى
وأبو نعيم وابن منده وفضل الحمى والمرض روايات عن جماعة من الصحابة ذكرها المنذرى فى الترغيب
فى كتاب الجنائز.
١٥٥٨ - قوله (إذا مرض العبد) المؤمن وكان يعمل عملا قبل مرضه ومنعه منه المرض ونيته لولا
المانع مداومته عليه (أو سافر) سفر طاعة ومنعه السفر مما كان يعمل من الطاعات ونيته المداومة ، ففى رواية
أبي داود: إذا كان العبد يعمل عملا صالحا فشغله عنه مرض أو سفر (كتب له) أى للعبد من الأجر كما فى
٢٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
بمثل ما كان يعمل مقيما صحيحا. رواه البخارى.
١٥٥٩ - (٢٤) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطاعون شهادة كل مسلم.
رواية أحمد (بمثل ما كان يعمل) حال كونه (مقيما) وحال كونه (صحيحا) فهما حالان مترادفان أو متداخلان،
وفيه اللف والنشر الغير المرتب لأن مقيما يقابل إذا سافرو صحيحا يقابل إذا مرض. قال القارى: والباء زائدة كهى
فى قوله تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنثم به - البقرة: ١٣٧) - انتهى. قلت: وفى البخارى كتب له مثل ما كان
يعمل أى بغير الباء، وفى رواية أبى داود كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم. ووقع فى حديث عبد الله بن عمرو
ابن العاص مرفوعا عند عبد الرزاق وأحمد والحاكم وصححه ، والبيهقى: إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من
العبادة ثم مرض قيل الملك الموكل به أكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه أوأ كفته إلى، ولأحمد من
حديث أنس رفعه إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء فى جسده قال الله أ كتب له صالح عمله الذى كان يعمله فان شفاء
غسله وطهره وإن قبضه غفر له ورحمه، وعند الطبرانى من حديث أبى موسى: إن الله يكتب المريض أفضل ما
كان يعمل فى صحته مادام فى وثاقه ـ الحديث . وفى حديث عائشة عند النسائى : ما من امرئ تكون له صلاة من
الليل يغلبه توم أو وجع إلا كتب له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة ، وحمل ابن بطال الحكم المذكور على
النوافل لا الفرائض فلا تسقط بالسفر والمرض، وتعقبه ابن المنير بأنه حجر واسعا بل تدخل فيه الفرائض التى
شأنه أن يعمل بها وهو صحيح إذا عجز عن جملتها أو بعضها بالمرض كتب له أجر ما عجز عنه فعلا لأنه قام به
عزما إن لو كان صحيحا حتى صلاة الجالس فى الفرض لمرضه يكتب له عنها أجر صلاة القائم - انتهى . قال
الحافظ: وليس اعتراض ابن المنير بجيد، لأنهما لم يتواردا على محل واحد، وفى الأحاديث المذكورة تعقب على
من زعم من الشافعية أن الأعذار المرخصة لترك الجماعة تسقط الكراهة والأثم خاصة من غير أن تكون محصلة
للفضيلة والثواب ، وبذلك جزم النووى فى شرح المهذب : وما يدل على بطلان قوله حديث أبى هريرة رفعه:
من توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلى وحضر
لا ينقص ذلك من أجره شيئا. أخرجه أبو داود والنسائى والحاكم، وإسناده قوى (رواه البخارى) فى كتاب
الجهاد، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٤١٠، ٤١٨) وأبو داود فى الجنائز وابن أبى شيبة (ج ٤ ص ٧٠)
والبيهقى (ج ٣ ص ٣٧٤)
١٥٥٩ - قوله (الطاعون شهادة كل مسلم) أى حكما، كذا بالاضافة فى نسخ المشكاة. وفى الصحيحين
شهادة لكل مسلم، وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٨ ص ٣٦٤) أى سبب لكونه شهيداً يعنى شهادة
أخروية لكلم مسلم مات به لمشاركته للشهيد فيما يكابده من الشدة، وهكذا جاء مطلقا فى هذا الحديث ، وسيأتى
٢٣٥

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض، وثواب المرض
مقيداً بثلاثة قيود فى حديث عائشة الذى يلى حديث أبى هريرة. قال المناوى : ظاهر حديث أنس يشمل الفاسق .
وقال الحافظ بعد ذكر أحاديث: تدل على أن سبب الطاعون ظهور الفاحشة وفشو الزنا ما لفظه : ففى هذه
الأحاديث أن الطاعون قد يقع عقوبة بسبب المعصية، فكيف يكون شهادة؟ ويحتمل أن يقال بل تحصل له درجة
الشهادة لعموم الأخبار الواردة، ولا سيما حديث أنس الطاعون شهادة لكل مسلم ، ولا يلزم من حصول درجة
الشهادة لمن اجترح السيئات مساواة المؤمن الكامل فى المنزلة ، لأن درجات الشهداء متفاوتة كنظيره من العصاة
اذا قتل مجاهدا فى سبيل الله لتكون كلمة الله هى العليا مقبلا غير مدير - انتهى. والطاعون بوزن فاعول من الطعن،
عدلوا به عن أصله ووضعوه دالا على الموت العام كالوباء. قال النووى فى تهذيبه: هوبثرو ورم مؤلم جدا يخرج
مع لهب ويسود ما حواليه أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة ويحصل معه خفقان وقئ، ويخرج
غالبا فى المراق والآباط ، وقد يخرج فى الأيدى والأصابع وسائر الجسد. وقال جماعة من الأطباء منهم ابن سينا:
الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا يحدث فى المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الابط
أو خلف الأذن أو عند الأرنبة ، قال وسببه دم ردىء مائل إلى العفونة والفساد، ويستحيل إلى جوهرسمى يفسد
العضو ويؤدى إلى القلب كيفية رديئة فتحدث القئ والغثيان والغشى والخفقان، ولرداءته لا يقبل من الأعضاء
الا ما كان أضعف بالطبع، والطواعين تكثر عند الوباء فى البلاد الوبيئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وبا.
وبالعكس، والوباء فساد جوهر الهواء الذى هو مادة الروح ومدده - انتهى. وحاصل هذا أن حقيقة الطاعون
ورم ينشأ عن هيجان الدم أو انصباب الدم إلى عضو فيفسده وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد
الهواء يسمى طاعونا بطريق المجاز لاشتراكهما فى عموم المرض به أو كثرة الموت. وما قال الأطباء من أن الطاعون
ينشأ عن هيجان الدم أو انصبابه لا يعارض حديث الطاعون وخز أعداءكم من الجن، أخرجه أحمد وغيره من حديث
أبي موسى الأشعرى مرفوعا، إذ يجوزأن ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة فتحدث منها المادة السمية ويهيج الدم بسببها
أو ينصب، وانما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجن، لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وانما يعرف من جهة
الشارع، فتكلموا فى ذلك على ما اقتضته قواعدهم، لكن فى وقوع الطاعون فى أعدل الفصول وأصح البلاد هواء
وأطيبها ماء دلالة على أن الطاعون أنما يكون من طعن الجن، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام فى الأرض،
لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى ، والطاعون يذهب أحيانا ويحى أحيانا على غير قياس ولا تجربة، وربما جاء
سنة على سنة، وربما أبطأ سنين ، وأيضا لو كان من فساد الهواء لعم الناس والحيوان وربما يصيب الكثيرمن
الناس، ولا يصيب من هو بجانبهم ممن هو فى مثل مزاجهم ، وربما يصيب بعض أهل البيت الواحد ، ويسلم منه
الآخرون منهم وقوله وخز بفتح أوله وسكون المعجمة بعدها زاى، هو الطعن إذا كان غير نافذ، ووصف طعن
الجن بأنه وخز، لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر فيؤثر بالباطن أولا ثم يؤثر فى الظاهر وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف
٢٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض ونواب المرض
متفق عليه .
١٥٦٠ - (٢٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهداء خمسة:
المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد فى سبيل الله.
طعن الانس ، فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن فيؤثر فى الظاهر أولا ثم يؤثر فى الباطن وقد لا ينفذ. وأما ما يقع
فى الألسنة بلفظ: وخزاخوانكم من الجن. فقال الحافظ: إنه لم يجده فى شىء طرق الحديث المسندة لا فى الكتب
المشهورة ولا الأجزاء المنثورة بعد التقبع الطويل البالغ، وعزاه فى آكام المرجان لمسند أحمد والطبرانى وكتاب
الطواعين لابن أبى الدنيا، ولا وجود له فى واحد منها (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الجهاد وفى الطب،
ومسلم فى الجهاد ، وأخرجه أيضا أحمد .
١٥٦٠ - قوله (الشهداء) جمع شهيد سمى به، لأن الملائكة يشهدون موته فكان مشهوداً، وقيل مشرود
له بالجنة، فعلى هذا الشيهد فعيل بمعنى مفعول. وقيل: سمى به، لأنه حى عند اللّه تعالى حاضر ويشهد حضرة
القدس . وقيل لأنه شهد ما أعد الله له من الكرامات. وقيل لأنه يستشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة
على سائر الأمم المكذبين، فعلى هذه المعانى يكون الشهيد بمعنى الشاهد، قاله العينى. وقال القارى: بمعنى فاعل ،
لأنه يشهد مقامه قبل موته أو بمعنى مفعول، لأن الملائكة تشهذه أى تحضره مبشرة له. وذكر الحافظ فى سبب
قسميته بذلك أقوالا أخرى (خمسة) وفى حديث جابر بن عتيك الآتى: الشهادة سمع سوى القتل فى سبيل الله.
وفى حديث عمر عند أحمد والترمذى : الشهداء أربعة فاختلفت الأحاديث فى عدد أسباب الشهادة. قال الحافظ :
الذى يظهر أنه صلى الله عليه وسلم أعلم بالأقل ثم أعلم زيادة على ذلك فذكرها فى وقت آخر، ولم يقصد الحصر فى
شىء من ذلك - انتهى. (المطعون) أى الذى يموت بالطاعون (والمبطون) أى الذى يموت بمرض البطن مطلقا أو
الاستسقاء أو الاسهال أو القولنج. قال القرطبى: اختلف هل المراد بالبطن الاستسقاء أو الاسهال على قولين
العلماء (والغريق) بالياء بعد الراء. وفى رواية: الغرق بغيرياء، وهو بفتح الغين المعجمة وكسر الراء بعدها قاف أى
الذى يموت من الغرق فى الماء. قال القارى : الظاهر أنه مقيد بمن ركب البحر ركوبا غير محرم (وصاحب الهدم )
أى الذى يموت تحت الهدم، وهو بفتح الهاء والدال ما يهدم به من البناء. قال فى النهاية: الهدم بالتحريك البناء
المهدوم ، فعل بمعنى المفعول، وبالسكون الفعل نفسه. وقال الحفنى: قوله الهدم هو مجاز، لأنه يموت تحت
المهدوم الذى سببه الهدم أى الفعل، فان قرئ بفتح الدال فهو ظاهر، لأنه اسم لهدوم - انتهى. وحاصل جميع ذلك
أن صاحب الهدم هوالذى يقع عليه بناء أو حائط فيموت تحته. قال القرطبى: هذا والغريق اذا لم يغررا بأنفسهما
ولم يهملا التحرز، فإن فرطا فى التحرز حتى أصابهما ذلك فهما عاصيان (والشهيد) أى الذى يقتل (فى سبيل الله)
٢٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
متفق عليه.
١٥٦١ - (٢٦) وعن عائشة، قالت: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الطاعون فأخبرنى:
أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن اللّه جعله رحمة المؤمنين،
يعنى الذى حكمه أن لا يغسل ولا يصلى عليه بخلاف الأربعة السابقة، فالحقيقية الأخير والذى قبله مجاز، فهم
شهداء فى الثواب كثواب الشهيد واستشكل التعبير بالشهيد فى سبيل الله مع قوله: الشهداء خمسة، فإنه يلزم منه
حمل الشىء على نفسه، لأن قوله: خمسة خبر للمبتدأ، والمعدود بعده بيان له ، فكأنه قال الشهيد هو الشهيد. وأجيب
بأنه عبر عن المقتول بالشهيد ، لأنه هو الشهيد الكامل فهو من باب أنا أبو النجم ، وشعرى شعرى أو معنى الشهيد
القتيل، فكأنه قال والمقتول ، فعبر عنه بالشهيد أو يقال: إن الشهيد مكرر فى كل واحد منها، فيكون من التفصيل
بعد الاجمال، والتقدير الشهداء خمسة الشهيد كذا والشهيد كذا والشهيد الفقيل فى سبيل الله. قال ابن الملك: وأنما
أخره، لأنه من باب الترقى من الشهيد الحكمى الى الحقيقى. واعلم أن الشهداء الحكمية كثيرة وردت فى أحاديث
شهيرة، جمعها السيوطى فى كراسته سماها أبواب السعادة فى أبواب الشهادة. وقد سرد العينى والحافظ هذه الروايات ،
ولخصها القسطلانى والزرقانى، إن شئت الاطلاع عليها فارجع إلى العمدة والفتح. قال العينى: فإن قلت: كيف التوفيق
بين الأحاديث التى فيها العدد المختلف صريحا والأحاديث الأخر أيضا؟ قلت: أما ذكر العدد المختلف فليس على
معنى التحديد ، بل كل وأحد من ذلك بحسب الحال وبحسب السوال وبحسب ما تجدد العلم فى ذلك النبى صلى الله
عليه وسلم، على أن التنصيص على العدد المعين لا ينافى الزيادة - انتهى. قال العلماء: الشهداء على ثلاثة أنواع: شهيد
الدنيا والآخرة وهو المقتول فى سبيل الله، وشهيد الآخرة دون الدنيا وهم الأربعة المذكورون فى حديث
أبى هريرة، وشهيد الدنيا دون الآخرة وهو من قتل مديرا أوغل فى الغنيمة أو قاتل لغرض دنياوى (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى الأذان وفى الصلاة وفى الجهاد، ومسلم فى الجهاد ، وأخرجه أيضا مالك فى الصلاة
والترمذى فى الجنائز.
١٥٦١ - قوله (فأخبرنى) بالافراد (أنه عذاب) من قبل الجن كما تقدم. وفى رواية: أنه كان عذابا
(يبعثه الله على من يشاء) أى من كافر أو عاص كما فى قصة آل فرعون وفى قصة أصحاب موسى مع بلعام (وأن الله
جعله) بفتح الهمزة على العطف وبكسرها على الاستئناف. وفى رواية: لجعله الله (رحمة للمؤمنين) أى من هذه
الأمة. وفى حديث أبى عسيب عند أحمد: فالطاعون شهادة للمؤمنين ورحمة لهم ورجس على الكافر، وهو صريح
فى أن كون الطاعون رحمة إنما هو خاص بالمسلمين، وإذا وقع بالكفار فإنما هو عذاب عليهم يعجل لهم فى الدنيا
قبل الآخرة. وأما العاصى من هذه الأمة فهل يكون الطاعون له شهادة أو يختص بالمؤمن الكامل والمراد
٢٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث فى بلده صابرا محتسبا، يعلم أنه لا يصيبه الا ما كتب الله
له ، الا كان له مثل أجر شهيد.
بالعاصى مرتكب الكبيرة الذى يهجم عليه الطاعون وهو مصر، فانه يحتمل أن لا يكرم بدرجة الشهادة لشؤم ما كان
متلبسابه لقوله تعالى: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن تجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات - الجاثية: ٢١)
وفى حديث ابن عمر عند ابن ماجه والبيهقى ما يدل على أن الطاعون ينشأ عن ظهور الفاحشة. ولفظه: لم تظهر الفاحشة
فى قوم قط حتى يعلنوا بها الانشا فيهم الطاعون والأوجاع التى لم تكن مضت فى أسلافهم ، وفى إسناده خالد بن
يزيد بن أبى مالك، وقد ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما ، ووثقه أحمد بن صالح المصرى وأبو زرعة الدمشقى.
وقال ابن حبان : كان يخطئى كثيراً لكن له شاهد عن ابن عباس فى الموطأ بلفظ: ولا فشا الزنا فى قوم إلا كثر
فيهم الموت - الحديث. قال فى الفتح: فيه انقطاع فدل هذا وغيره مما روى فى معناه أن الطاعون قد يقع عقوبة
بسبب المعصية، فكيف يكون شهادة ؟ نعم يحتمل أنه يحصل له درجة الشهادة لعموم الأحاديث فى ذلك، ولا يلزم
المساواة بين الناقص والكامل فى المنزلة، لأن درجات الشهادة متفاوتة - أنتهى ملخصا من الفتح ( ليس) هذه
الجملة بيان لقوله جعله رحمة (من أحد) من زائدة أى ليس أحد يعنى من المسلمين . وفى رواية: ليس من عبد أى
مسلم ( يقع الطاعون ) صفة أحد ، والراجع محذوف أى يقع فى مكان موفيه أو يقع فى بلده (فيمكث) عطف على
يقع (فى بلده) وفى رواية أحمد فى بيته، وفى رواية البخارى فى القدر بلفظ: ما من عبد يكون فى بلد يكون
(أى الطاعون) فيه ويمكث فيه ولا يخرج من البلد أى التى وقع فيها الطاعون (صابراً) أى غير منزعج ولا قلق
محتسبا أى طالبا للثواب على صبره، وهما حالان من فاعل يمكث أى يصبر وهو قادر على الخروج متوكلا على الله
طالبا لثوابه لا غير كفظ ماله أو غرض آخر. وهذا قيد فى حصول أجر الشهادة لمن يموت بالطاعون، وهو أن
يمكث بالمكان الذى يقع به فلا يخرج منه فراراً، كما ورد النهى عنه صريها فى الحديث الذى يليه (يعلم أنه لايصيبه
إلا ما كتب الله له) أى من الحياة والممات. وهذا قيد آخر وهى جملة حالية تتعلق بالاقامة، فلو مكث وهو قلق
أو متندم على عدم الخروج ظانا أنه لو خرج لما وقع به أصلا ورأساً وأنه باقامته يقع به، فهذا لا يحصل له أجر
الشهيد ولو مات بالطاعون . هذا الذى يقتضيه مفهوم هذا الحديث كما اقتضى منطوقه أن من اتصف بالصفات
المذكورة يحصل له أجر الشهيد وإن لم يمت بالطاعون، ويدخل تحته ثلاث صور من أقصف بذلك فوقع به الطاعون
فمات به أو وقع به ولم يمت به أو لم يقع به أصلا ومات بغيره عاجلا أو آجلا ، قاله الحافظ . (الا كان له مثل
أجر الشهيد) خبر ليس، والاستثناء مفرغ. ولعل السرفى التعبير بالمثلية مع ثبوت التصريح بأن من مات بالطاعون
كان شهيداً، أن من لم يمت من هؤلاء بالطاعون كان له مثل أجر الشهيد وإن لم يحصل له درجة الشهادة بعينها ،
٢٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
١ - باب عيادة المريس وواب المرض
رواه البخارى.
١٥٦٢ - (٢٧) وسن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطاعون رجز
أرسل على طائفة من بنى اسرائيل، أو على من كان قبلكم،
وذلك أن من اقصف بكونه شهيداً أعلى درجة ممن وعد بأنه يعطى مثل أجر الشهيد ويكون كمن خرج على نية
الجهاد فى سبيل الله لتكون كلمة الله هى العليا ومات بسبب آخر غير القتل، وفضل الله واسع ونية المؤمن أبلغ
من عمله ( رواه البخارى ) فى ذكر بنى إسرائيل وفى التفسير وفى الطب وفى القدر وأخرجه أيضا أحمد
والبيهقى ( ج٣ ص ٣٧٦).
١٥٦٢ - قوله (وعن أسامة بن زيد) أى ابن حارثة (الطاعون رجز) بكسر الراء أى عذاب (أرسل
على طائفة من بنى اسرائيل) قال الطيبي: هم الذين أمرهم الله تعالى أن يدخلوا الباب سجداً خالفوا. قال تعالى:
﴿فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء - الأعراف: ١٦٢﴾ قال ابن الملك: فأرسل عليهم العطاءون فمات منهم فى ساعة
أربعة وعشرون ألفا من شيوخهم وكبراءهم (أو على من كان قبلكم) قال الحافظ: كذا وقع بالشك، ووقع
فى رواية عند ابن خزيمة بالجزم بلفظ: فانه رجز سلط على طائفة من بنى اسرائيل ، ووقع فى رواية أخرى عنده
بالجزم أيضا، لكن قال رجز أصيب به من كان قبلكم، قال والتنصيص على بنى اسرائيل أخص ، فان كان
ذلك المراد فكأنه أشار بذلك إلى ما جاء فى قصة بلعام ، فأخرج الطبرى من طريق سليمان التيمى عن سيار أن
رجلا كان يقال له بلعام كان مجاب الدعوة وأن موسى أقبل فى بنى اسرائيل يريد الأرض التى فيها بلعام فأتاه
قومه، فقالوا ادع الله علیهم قال حتى أو أمر ربى فمنح، فأتوه بهدية فقبلها، وسألوه ثانيا فقال حتى أو أمر ربى
فلم يرجع اليه بشىء، فقالوا لو كره لنهاك، فدعا عليهم فصار يجرى على لسانه ما يدعو به على بنى اسر ئيل فينقلب
على قومه، فلا موه على ذلك ، فقال سأدلكم على ما فيه هلاكهم إلخ وفيه فوقع فى بنى إسرائيل الطاعون (أى
بسبب تمكين بنت الملك رأس بعض الأسباط من نفسها) فمات منهم سبعون ألفا فى يوم ، قال وهذا مرسل جيد
وسيارشامى موثق. وذكر ابن اسحاق فى المبتدا أن بنى إسرائيل كثر عصيانهم فخيرهم بين ثلاث: إما أن أبتليهم
بالقحط أو العدو شهرين، أو الطاعون ثلاثة أيام فأخبرهم، فقالوا اختر لنا ، فاختار الطاعون فمات منهم إلى أن
زالت الشمس سبعون ألفا. وقيل: مائة الف ، فتضرع داود إلى الله فرضه، قال وورد وقوع الطاعون فى غير
بنى اسرائيل فيحتمل أن يكون هو المراد بقوله من كان قبلكم ، فمن ذلك ما أخرجه الطبرى وابن أبى حاتم من
طريق سعيد بن جبير قال : أمر موسى بنى إسرائيل أن يذيح كل رجل منهم كبشا، ثم ليخضب كفه فى دمه ، ثم.
٢٤٠