النص المفهرس
صفحات 201-220
مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤- كتاب الصلاة ٥٣ - باب فى الرياح بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا ولا تنبت الأرض شيئا. رواه مسلم. ﴿ الفصل الثانى ): ١٥٢٩ - (٦) عن أبى هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الريح من روح اللّه تأتى بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوما، وسلوا الله من خيرها، وعوذوا به من شرما. لامها تاء (بأن لا تمطروا) أى لا ينزل عليكم المطر يعنى عدم المطر فالباء زائدة (ولكن) بالتخفيف (السنة) أى قد تكون (أن تمطروا وتمطروا) التكرير للتأكيد والتكثير أى تمطروا المرة بعد الأخرى مطراً كثيراً (ولا تنبت الأرض شيئا) أى لامساكه تعالى لها من الانبات والمعنى لا تظنوا أن الرزق والبركة من المطر بل الرزق من اللّه تعالى فرب مطر لا ينبت منه شىء فالقحط الشديد ليس بأن لا يمطر بل بأن يمطر ولا ينبت لأن حصول الشدة بعد توقع الرخاء وظهور مخاتله وأسبابه أفظع مما إذا كان اليأس حاصلا من أول الأمر (رواه مسلم) فى الفتن وأشراط الساعة وأخرجه أيضا أحمد والشافعى والبيهقى (ج ٣ ص ٣٦٣). ١٥٢٩ - قوله (الريح) أى الهواء المسخر بين السماء والأرض (من روح الله) قيل: الروح بفتح الراء النفس والفرج والرحمة أى من رحمته تعالى يريح بها عباده ومنه قوله تعالى: ﴿فروح وريحان - الواقعة: ٨٩) وقوله: ﴿ولا تيأسوا من روح الله - يوسف: ٨٧﴾ فان قيل: كيف يكون الريح من رحمته مع أنها تجىء بالعذاب ؟ قلت: إذا كان عذابا للظلمة فيكون رحمة للمؤمنين حيث يتخلصون من الكفار الفجار، وأيضا الروح بمعنى الرائح أى الجانى من حضرة الله بأمره تارة للكرامة وأخرى للعذاب فلا يعيب فانه تأديب والتأديب حسن (تأتى بالرحمة) من إنشاء سحاب ماطر مثلا لمن أراد الله تعالى أن يرحمه (وبالعذاب) لمن أراد أن يملكه (فلا تسبوها) أى بلحوق ضرر منها فإنها مأمورة مقهورة مسخرة (وسلوا الله) وروى واسألوا (من خيرها) أى خير ما أرسلت به (وعوذوا به) بفتح العين وتشديد الواو من التعويذيقال عَوَّذ الرجل إذا دعاله بالحفظ، وقال له أعيذك بالله ولفظ أبى داود استعيذوا، وابن ماجه تعوذوا يقال تَعَوذَ واستعاذ بالله فأعاذه وعَدَوَذَه أى حفظه (من شرها) أى من شر ما أرسلت به. قال المظهر: فان قيل: كيف تكون الريح من روح الله أى رحمته مع أنها تجىء بالعذاب جوابه من وجهين: الأول أنه عذاب لقوم ظالمين رحمة لقوم مؤمنين. قال الطيبي: يؤيده قوله تعالى: (فقطع دابر القوم الذين ظلوا والحمد لله رب العالمين - الأنعام: ٤٥) الكشاف، فيه ايذان بوجوب الحمد عند إهلاك الظلمة، وهو من أجل النعم، الثانى بأن الروح مصدر بمعنى الفاعل أى الرائح. فالمعنى أن الريح من روائح الله تعالى أى من الأشياء التى تجىء من حضرته بأمره ليس لأحد مدخل فى مجيئها فتسارة تجىء بالرحمة وأخرى ٢٠١ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٣ - باب فى الرياح رواه الشافعى، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقى فى الدعوات الكبير. ١٥٣٠ - (٧) وعن ابن عباس، أن رجلا لمن الريح عند النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تلعنوا الريح، فإنها مأمورة، وإنه من أمن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه. رواه الترمذى، وقال: هذا حديث غريب. ١٥٣١ - (٨) وعن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون بالعذاب فلا يجوز سبها بل تجب التوبة عند التضرر بها وهو تأديب من الله تعالى وتأديبه رحمة للعباد - انتهى. (رواه الشافعى) فى الأم (ج ١ ص ٢٢٤) وفى المسند (ج ٦ ص ١١٤) (وأبو داود) فى الأدب وسكت عليه هو والمنذرى (وابن ماجه) فى الدعاء وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص ٢٥٠، ٢٦٨) والبخارى فى الأدب المفرد (ص ١٣٢) والحاكم فى المستدرك (ج ٤ ص ٢٨٥) وقال صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي وعزاه المنذرى فى تلخيص الستن للنسائى والشوكانى فى تحفة الذاكرين لابن حبان أيضا ، ولعل النسائى أخرجه فى السنن الكبرى. ١٥٣٠ - قوله (إن رجلا لعن الريح عند النبي ◌َّ) الحديث. رواه أبو داود أيضا ولفظه فى رواية: إن رجلا نازعته الريح رداءه على عهد النبي ◌َّم فلعنها (لا تلعنوا الريح) لفظ الترمذى وأبي داود: لا تلعن الريح (فإنها مأمورة) إما بالرحمة أو بالنقمة، وقيل: أى بأمرمًا والمنازعة من خاصيتها ولوازم وجودها عادة أو فإنها مأمورة حتى بهذه المنازعة أيضاً ابتلاء لعباده (وإنه) أى الثأن (من لعن شيئا ليس) أى ذلك الشىء (له) أى اللعن (بأهل) أى يمستحق (رجعت اللعنة عليه) أى على اللاعن لأن اللعنة، وكذا الرحمة تعرف طريق صاحبها . قال الطيبي: ليس له صفة شيئا واسمه ضمير راجمع اليه والضمير فى ((له)) راجع إلى مصدر لعن، وفى عليه إلى من على تضمين رجعت معنى أستقلت يعنى استقلت اللعنة عليه راجعة لأن اللعن طرد عن رحمة الله فمن طرد ما هو أهل لرحمة الله عن رحمته جعل مطروداً (رواه الترمذى) فى باب اللعنة من أبواب البر والصلة (وقال هذا حديث غريب) وفى بعض نسخ الترمذى: حديث حسن غريب وبعده لا نعلم أحداً أسنده غير بشر بن عمر - انتهى. والحديث أخرجه أبو داود فى الأدب وسكت عنه ، وقال المنذرى بعد نقل كلام الترمذى المذكور ما لفظه وبشر بن عمر هذا هو الزهرانى احتج به البخارى ومسلم - انتهى. ١٥٣١ - قوله (لا تسبوا الريح) فان المأمور معذور (فإذا رأيتم ما تكرهون) أى ريحا تكرهونها ٢٠٢ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٣ - باب فى الريح فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الربح وشر ما فيها وشر ما أمرت به. رواه الترمذى. ١٥٣٢ - (٩) وعن ابن عباس، قال: ماهبت ريح قط الاجنا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذابا، اللهم اجعلها رياحا ولا تجلها ربها. قال ابن عباس فى كتاب الله تعالى: لشدة حرارتها أو برودتها أو تأذيتم لشدة هبوبها (فقولوا) أى راجعين إلى خالقها وآمرما (اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح) أى باعتبار ذاتها (وخير ما فيها) أى باعتبار صفاتها (وخير ما أمرت به) على بناء المفعول أى من خالقها لطفا وجمالا ( رواه الترمذى) فى الفتن وصححه وأخرجه أيضا ابن السنى فى عمل اليوم والليلة (ص ٩٨). ١٥٣٢ - قوله (ماهبت ريح) أى ثارت وهاجت يعنى اشتدت (إلاجئا) بالألف من الجثو بمعنى القعود على الركب فقوله (على ركبتيه) تأكيد أو تجريد وكان هذا منه صلى الله عليه وسلم تواضعا لله تعالى وخوفا على أمته وتعليما لهم فى تبعيته. قال الأمير اليمانى: أى برك على ركبتيه وهى قعدة المخافة لا يفعلها فى الأغلب إلا الخائف، ورواه الطبرانى بلفظ: كان رسول اللّه مَّه إذا هاجت ريح استقبلها بوجهه وجنا على ركبتيه ومد يديه، وقال اللهم إنى أسألك من خير هذه الربح وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به اللهم اجعلها رحمة إلخ ( اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا) وجه هذا إن العرب تقول لاتلفح الشجر إلا من الرياح المختلفة ولا تلفح من ريح واحدة فهو ◌َّمِ دعا بأن يجعلها رياحا تلفح ولا يجعلها ريحا لا تلقح. قال الخطابي: إن الرياح إذا كثرت جلبت السحاب وكثرت الأمطار فزكت الزروع والأشجار وإذا لم تكثر وكانت ريحا واحدة فإنها تكون عقيمة والعرب تقول لا تلقح السحاب إلا من رياح. وقيل: إن الرياح هى المذكورة فى آيات الرحمة والريح هى المذكورة فى آيات العذاب كقوله عز وجل الريح العقيم وريحا صرصراً لكن قد عرف مما تقدم من حديث عائشة وأبى هريرة وأبى بن كعب ، ومن رواية الطبرانى لهذا الحديث إن الريح قد تأتى بالخير وقد تأتى بالشر، فلعلَ وجه قوله فى هذا الحديث اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا أن الرياح لا تأتى إلا بالخير والريح تأتى تارة بهذا وتارة بهذا فسأل الله أن يجعلها رياحا لأنها خير محض ولا يجعلها ريما تحتمل الخير والشر وسيأتى مزيد . الكلام فى ذلك (قال ابن عباس فى كتاب الله تعالى) أورد المؤلف قول ابن عباس تائيداً لقوله عليه الصلاة ٢٠٣ ١ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٣ - باب فى الرياح (إنا أرسلنا عابهم ريحاً صرصراً) و (أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ و﴿أرسلنا الرياح لواقع) و﴿أن يرسل الرياح مبشرات) والسلام رياحا وريحا فقوله فى كتاب الله خبر مقدم وقوله (إنا أرسلنا عليهم) مبتدأ بتقدير هذه الآيات الدالة على أن الرياح للخير والريح بالافراد للشر والجملة مقول القول (ريحا صرصراً) أى شديدة البرد والحبوب والآية من سورة القمر (وأرسلنا عليهم الريح العقيم) أى ما ليس فيه خير سميت عقيما لأنها أهلكت قوم عاد وقطعت دابرهم والمرأة العقيم التى لا تلد ولا تلقح والآية من سورة الذاريات (وأرسلنا الرياح لواقح) يعنى. تُلقِح الأشجار وتجعلها حاملة بالأنمار، قيل: أصله ملاقح جمع ملقحة فحذفت الميم تخفيفا وزیدت الواو بعد اللام وهو من النوادر، وهذا قول أبى عيدة يقال القَحَ الفَحلُ الناقة احبلها والفَحتِ الريحُ الشجر أو السحاب احمدتها ، وقيل: هى جمع لاقحة بمعنى حاملة. قال البغوى فى تفسيره: لواقح أى حوامل لأنها تحمل الماء إلى السحاب، وهى جمع اللاقحة - انتهى. وقال البيضاوى: أى حوامل شبه الريح التى جاءت بخير من انشاء مجاب ماظر بالحامل كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم ، وقيل: اللواقح بمعنى الملقحات للشجر أو السحاب، وفظيره الطوائح بمعنى المطبحات - انتهى. وإطلاق الواقع على الملقحات إما على الاسناد المجازى بأن يوصف. الرياح بصفة ما هى أسباب له أو المجاز اللغوى باعتبار السبية لأن لقح الرياح سبب لالقاحها أو باعتبارما كان. فان الملقح كان أولا لاقحا أو من باب النسبة (أى ذات اللقاح) كلابن وتامر على حذف الزوائد نحو أثقل فهو ثاقل كذا قيل ذكره فى اللعبات، وقيل اللواقح من الرياح التى تحمل اللقاح (ما تلقح به النخلة) إلى الشجر والتى تحمل الندى ثم تمجه فى السحاب فإذا اجتمع فى السحاب صار مطراً والآية من سورة الحجر (وأن يرسل الرياح مبشرات) بالمطركقوله سبحانه وتعالى: ﴿بشراً بين يدى رحمته - الأعراف: ٥٧) والآية من سورة الروم. قال الأمير اليمانى: قول ابن عباس بيان أنها جاءت مجموعة فى الرحمة ومفردة فى العذاب فاستشكل ما فى الحديث من طلب أن تكون رحمة وأجيب بأن المراد لا تهلكنا بهذه الريح لأنهم لوهلكوا بهذه الريح لم تهب ريح أخرى فتكون ريحا لا رياحا - انتهى. قال الطبى : معظم الشارحين على أن تأويل ابن عباس غير موافق للحديث. فقل التوربشتى عن أبى جعفر الطحاوى أنه ضعف هذا الحديث جداً وأبى أن يكون له أصل فى السنن وأنكر على أبى عبيدة تفسيره كما فسره ابن عباس، ثم استشهد أى الطحاوى بقوله تعالى: ﴿وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاعتها ريح عاصف - يونس: ٢٢) الآية. وبالأحاديث الواردة فى هذا الباب فإن جل استعمال الربح المفردة فى الباب فى الخير والشر، ثم قال النوربشتى: والذى قاله أبو جعفر وإن كان قولا متبنا فانا نرى أن ٢٠٤ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤- كتاب الصلاة ٥٣ - باب فى الرياح رواه الشافعى، والبيهقى فى الدعوات الكبير. لا تتسارع إلى رد هذا الحديث، وقد تيسر لنا تأويله على وجه لا يكون مخالفا النصوص المذكورة ثم ذكره بنحو ما تقدم عن الأمير اليمانى من شاء الوقوف عليه رجع إلى شرح المصابيح للتور بشتى وشرح المشكاة للقارى. وقال الطيبي: معنى كلام ابن عباس فى كتاب الله معناه إن هذا الحديث مطابق لما فى كتاب الله تعالى فان استعمال التنزيل دون أصحاب اللغة إذا حكم على الريح والرياح مطلقين كان إطلاق الريح غالبا فى العذاب والرياح فى الرحمة ، فعلى هذا لا ترد تلك الآية على ابن عباس لأنها مقيدة بالوصف ولا تلك الأحاديث لأنها ليست من كتاب الله وإنما قيدت الآية بالوصف ووحدت لأنها فى حديث الفلك وجريانها فى البحر فلوجمعت لأوهمت اختلاف الرياح وهو موجب للعطب أو الاحتباس ولو أفردت ولم تقيد بالوصف لآذنت بالعذاب والدمار ولأنها أفردت وكررت ليناط به مرة طيبة وأخرى عاصف ولو جمعت لم يستقم التعلق - انتهى. وقال السيوطى فى الاتقان (ج ١ ص ١٩٢) ذكرت الربح مجموعة ومفردة فحيث ذكرت فى سياق الرحمة جمعت أو فى سياق العذاب أفردت أخرج ابن أبى حاتم وغيره عن أبي بن كعب قال كل شىء فى القرآن من الرياح فهى رحمة وكل شىء فيه من الريح فهو عذاب، ولهذا ورد فى الحديث: اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا، وذكر فى حكمة ذلك أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والهيآت والمنافع وإذا ماجت منها ريح أثير لها من مقابلها ما يكسر سورتها فينشأ من بينهما ربح لطيفة تنفع الحيوان والنبات فكانت فى الرحمة رياحا، وأما فى العذاب فإنها تأتى من وجه واحد ولا معارض لها ولا دافع، وقد أخرج عن هذه القاعدة قوله تعالى فى سورة يونس: ﴿وجرين بهم بريح طيبة) وذلك لوجهين: لفظى وهو المقابلة فى قوله جاءتها ريح عاصف، ورب شىء يجوز فى المقابلة، ولا يجوز استقلالاًنحو ومكروا ومكرالله. ومعنوى وهو أن تمام الرحمة هناك أنما يحصل بوحدة الريح لا باختلافها فان السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد فاذا اختلف عليها الرياح كانت سبب الهلاك المطلوب هناك ويح واحدة ولهذا أكد هذا المعنى بوصفها بالطيب وعلى ذلك أيضا جرى قوله: ﴿إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد - الشورى: ٣٣) وقال ابن المنير: إنه على القاعدة لأن سكون الريح عذاب وشدة على أصحاب السفن - انتهى. (رواه الشافعى) فى الأم (ج ١ ص ٢٢٤) وفى المسند (ج ٦ ص ١١٤) قال أخبرنى من لا أتهم عن العلاء بن راشد عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه أبو يعلى والطبرانى فى الدعاء وفى الكبير من طريق حسين ابن قيس الرحبى الواسطى عن عكرمة وعزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠ ص ١٣٥ - ١٣٦) للطبر انى فقط وقال: فيه حسين بن قيس الرحبى الملقب بحنش، وهو متروك، وقد وثقه حصين بن نمير وبقية رجاله رجال الصحيح ـ انتهى. وفى تهذيب التهذيب (ج ٢ ص ٣٦٥) زعم أو حصن حصين بن نمير أنه أى حصين بن قيس شبخ صدوق - انتهى. وقد ضعفه جميع من عداه . ٢٠٥ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٣ - باب فى الرياح ١٥٣٣ - (١٠) وعن عائشة، قالت: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أبصر ناشئا من السماء - تعنى السحاب - ترك عمله واستقبله، وقال: اللهم إنى أعوذ بك من شر ما فيه، فان كشفه حمد الله، وإن مطرت، قال: اللهم سقياً نافعاً. رواه أبو داود، والنسائى، وابن ماجه، والشافعى، واللفظ له. ١٥٣٤ - (١١) وعن ابن عمر، أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد ١٥٣٣ - قوله (كان النبي ◌َّ إذا أبصر ناشئا) أى سحابا خارجا يعنى حادثا مرتفعاً ظاهراً (من السماء) قال التور بشتى: سمى السحاب ناشئا، لأنه ينشأ من الأفق يقال: نشأ أى خرج أو ينشأ فى الهواء أى يظهر، أو لأنه ينشأ من الأبخرة المتصاعدة من البحار والأراضى النزه ونحو ذلك. وقال الجزرى: الناشى من السحاب هو الذى لم يتكامل اجتماعه واصطحابه فهو فى أول أمره (تعنى) أى تريد عائشة بقولها ناشئا (السحاب) جملة معترضة لتفسير اللغة بين الشرط وجزاءه وهو قولها ترك. ولفظ أبى داود: كان إذا رأى ناشئا فى أفق السماء. ولفظ النسائى وابن ماجه: كان إذا رأى سحابا مقبلا من أفق من الآفاق أى من ناحية من النواحى (ترك) أى النبى محمد له (عمله) المشتغل به من الأمور المباحة، قاله القارى. وفى رواية أبى داود: ترك العمل وإن كان فى صلاة. وافظ النسائى وابن ماجه ترك ما هو فيه وإن كان فى صلاته (واستقبله) أى السحاب. وفى رواية النسائى وابن ماجه: حتى يستقبله. وليس عند أبى داود شىء منهما (من شر ما فيه) وعند النسائى وابن ماجه، من شر ما أرسل به وانتهت رواية النسائى إلى هذا (فان كشفه) أى أذهب الله ذلك السحاب ولم يمطر (حمد الله) أى على النجاة مما كان يخاف من العذاب. وقيل: أى من حيث أن الخير فيما اختاره الله، ولعل الشركان فى ذلك السحاب فيجب الحمد على دفع الشر، كأنه صلى الله عليه وسلم تذكر قوله تعالى فى قوم عاد: ﴿فلما رأوه عارضاً - الأحقاف: ٢٤) الآية. وليست هذه الجملة عند أبى داود (وإن مطرت قال اللهم سقيا نافعا) قال القارى: بفتح السين وضمها أى اسقنا سقيا أو أسألك سقيا، فهو مفعول مطلق أو مفعول به. ولفظ ابن ماجه: إن أمطر قال اللهم سيبا نافعا مرتين أو ثلاثة. وعند أبي داود: إن مطر قال اللهم صيبا هنيئاً ودعا بذلك خوفا من الضرر الذى قد يكون فى المطر (رواه أبو داود) فى الأدب وسكت عنه هو والمنذرى (والنسائى) فى عمل اليوم والليلة (وابن ماجه) فى الدعاء (والشافعى) فى الأم (ج ١ ص ٢٢٤) والمسند (ج ٦ ص ١١٤) (واللفظ له) أى لفظ الحديث للشافعى والباقين معناه . ١٥٣٤ - قوله (كان إذا سمع صوت الرعد) باضافة العام إلى الخاص للبيان، فإن الرعد هو الصوت ٢٠٦ مر عاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٣ - باب فى الرياح والصواعق ، الذى يسمع من السحاب، كذا قاله ابن الملك. والصحيح أن الرعد ملك مؤكل بالسحاب، فقد روى عن ابن عباس أن اليهود سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن الرعد، فقال: ملك من الملائكة مؤكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء اللّه، وسألوا عن الصوت الذى يسمع من السحاب، فقال زجرة بالسحاب إذا زجره حتى ينتهى إلى حيث أمر، أخرجه الترمذى وصححه. ونقل الشافعى عن الثقة عن مجاهد أن الرعد ملك والبرق أجنحته يسوق السحاب بها ، ثم قال وما أشبه ما قاله بظاهر القرآن . قال بعضهم: وعليه فيكون المسموع صوته أو صوت سوقه على اختلاف فيه. ونقل البغوى عن أكثر المفسرين أن الرعد ملك يسوق السحاب ، والمسموع تسبيحه. وقيل: البرق لمعان سوط الرعد يزجر به السحاب. وأما قول الفلاسفة: إن الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب، البرق ما يقدح من اصطكاكها فهو من حرزهم وتخمينهم فلا يعول عليه، كذا فى المرقاة . وقال الألوسى: للناس فى الرعد والبرق أقوال: والذى عول عليه أن الأول صوت زجر الملك المؤكل بالسحاب، والثانى لمعان مخاريقه التى هى من نار، والذى اشتهر عند الحكماء أن الشمس إذا أشرقت على الأرض اليابسة حللت منها أجزاء نارية يخالطها أجزاء أرضية فيركب منهما دخان ويختلط بالبخار، وهو الحادث بسبب الحرارة السماوية إذا أثرت فى البلة ، ويتصاعدان معاً إلى الطبقة الباردة ، وينعقد ثمة سحاب ويحتقن الدخان فيه ، ويطلب الصعود إن بقى على طبعه الحار، والنزول إن نقل ويرد وكيف كان يمزق السحاب بعنفه ، فيحدث منه الرعد وقد تشتعل منه لشدة حركته ومحاكته نار لامعة، وهى البرق إن لطفت، والصاعقة إن غلظت . وربما كان البرق سببا للرعد ، فان الدخان المشتعل ينطفىء فى السحاب، فيسمع لانطفاء، صوت، كما إذا أطفأنا النار بين أيدينا، والرعد والبرق يكونان معاً إلا أن البرق يرى فى الحال، لأن الأبصار لا يحتاج إلا إلى المحاذاة من غير حجاب، والرعد يسمع بعد، لأن السماع إنما يحصل بوصول تموج الهواء إلى القوه السامعة، وذلك يستدعى زمانا كذا قالوه، وربما يختلج فى ذهنك قرب هذا، ولا تدرى ماذا تصنع بما ورد عن حضرة من أسرى به ليلا بلا رعد ولا برق على ظهر البراق، وعرج إلى ذى المعارج فرجع، وهو أعلم خلق الله على الاطلاق، فأنا بحول الله تعالى أوفق لك بما يزيل الغين عن العين وسر جوامع الكلم التى أوتيها النبى صلى الله عليه وسلم ثم ذكر الآلوسى توجيها لذلك يشبه طريق الصوفية من كان له ذوق بذلك فليرجع إلى روح المعانى (ج ١ ص ١٧١) (والصواعق) جمع صاعقة. والظاهر أنها فى الأصل صفة من الصعق وهى الصراخ. وتاؤها للتأنيث إن قدرت صفة لمؤنث ، أو المبالغة إن لم تقدر كراوية، أو النقل من الوصفية إلى الاسمية كفيقة. وقيل: إنها مصدر كالعافية والعاقبة ، وهى اسم لكل هائل مسموع أو مشاهد. والمشهور أنها الرعد الشديد معه قطعة من نار لا تمر بشىء إلا أنت عليه ، وقد يكون معه جرم حجرى أو حديدى، كذا قال الآلوسى. وفى الجلالين: الصاعقة شدة صوت الرعد مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٣ - باب فی الرياح قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك. رواه أحمد، والترمذى، وقال: هذا حديث غريب. ( الفصل الثالث ) ١٥٣٥ - (١٢) عن عبد الله بن الزبير، فهى مأخوذة من الصعق ، وهى شدة الصوت. وقيل: هى نار تخرج من السحاب فيقدر له فعل أى ورأى الصواعق ، فهو من باب علفته تبناً وماءاً بارداً لمجاورة الصاعقة غالبا صوت الرعد مسموعا. ولعل اعتبار الجمع موافقة للآية المراد فيها التعدد المحيط بهم زيادة للنكال، قاله القارى فى شرح الحصن. وقال فى المرقاة: والصواعق بالنصب، فيكون التقدير وأحس الصواعق من باب علفتها تبناً وماءآ بارداً، أو أطلق السمع وأريد به الحس من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، وفى نسخة بالجر عطفاً على الرعد، وهو إنما يصح على بعض الأقوال فى تفسير الصاعقة. قال بعضهم هى نار تسقط من السماء فى رعد شديد، فعلى هذا لا يصح عطفه على شىء ما قبله . وقيل: الصاعقة صيحة العذاب أيضا وتطلق على صوت شديد غاية الشدة يسمع من الرعد، وعلى هذا يصح عطفه على صوت الرعد أى صوت السحاب ، فالمراد بالرعد السحاب بقرينة إضافة الصوت إليه ، أو الرعد صوت السحاب ففيه تجريد . وقال الطبى هى قعقعة رعد ينقض معها قطعة من نار يقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق أى مات إما لشدة الصوت وإما بالاحراق - انتهى. (وعافنا) أى أمتنا بالعافية (قبل ذلك) أى قبل نزول عذابك (رواه أحمد) (ج ٢ ص ١٠٠) (والترمذى) فى الدعوات، وأخرجه أيضا البخارى فى الأدب المفرد ، والدولابى فى الكى، وابن السنى فى عمل اليوم والليلة، والحاكم فى المستدرك (ج ٤ ص ٢٨٦) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٦٢) قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وقال ميرك نقلا عن التصحيح: إسناده جيد وله طرق. وقال الشوكانى فى تحفة الذاكرين: ضعف النووى إسناد الترمذى - انتهى. قلت: حديث إبن عمر هذا قد تفرد به أبو مطر عند الجميع. وقال الحافظ فى التقريب: أبو مطر شيخ الحجاج بن أرطاة مجهول ، وقال فى التهذيب فى ترجمته: ذكره ابن حبان فى الثقات . ١٥٣٥ - قوله (عن عبد الله بن الزبير) كذا فى جميع النسخ، وهو يدل على أن هذا الأثر موقوف على عبد الله بن الزبير. ورواية البيهقى نص فى ذلك حيث رواه بسنده إلى مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد الخ وفى النسخ الهندية من الموطأ( مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير أنه كان، الخ هكذا وقع فى نسخة الزرقانى والتنوير السيوطى والمنتقى الباجى، ولم يبين الزرقانى والسيوطى مرجع ٢٠٨ ١٠ ١ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٤ - كتاب الصلاة ٥٣ باب فی الرياح أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. - رواه مالك . ضمير قوله ((أنه كان)) وقال الباجى: قوله ((ان ابن الزبير)) يريد عبد الله كان إذا سمع الرعد ترك الحديث الخ. وهذا يدل على أن الأثر عنده موقوف على عبد الله بن الزبير، وعليه يدل ما وقع فى تفسير ابن كثير وتحفة الذاكرين وحاشية الحصن الحصين وهو الظاهر عندنا، وعامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدى أبو الحارث المدنى ثقة عابد تابعى مات سنة إحدى وعشرين ومأة. ( كان إذا سمع الرعد) أى صوته (ترك الحديث) أبى الكلام مع الأنام. قال الباجى: يريد - والله أعلم. ارتياعا منه واقبالا على ذكر الله عز وجل والتسبيح والاخبار بأن الرعد يسبح بحمده عز وجل. ويحتمل أن يكون الرعد ملكا يزجر السحاب - انتهى. قلت: ويؤيد هذا ما تقدم من حديث ابن عباس مرفوعا: أن الرعد ملك مؤكل بالسحاب معه مخاريق من نار (يسبح الرعد) أى يتزهه حال كونه متلبسا (بحمده) له تعالى، وقد تقدم أن الرعد ملك، فنسبة التسبيح إليه حقيقة، وهو الصحيح. وقيل: إسناده مجازى، لأن الرعد بمعنى الصوت سبب لأن يسبح الله السامع حامداً له خائفا راجيا (والملائكة من خيفته) أى من أجل خوف اللّه تعالى. وقيل: من خوف الرعد، فانه رئيسهم. وبعده فى الموطأ: ثم يقول (أى ابن الزبير): أن هذا الوعيد لأهل الأرض شديد. وروى ابن جرير عن أبى هريرة مرفوعا أنه كان إذا سمع الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده. وروى عن على أنه كان إذا سمع الرعد يقول : سبحان من سبحت له، وكذا روى عن ابن عباس وطاؤس والأسود بن يزيد أنهم كانوا يقولون كذلك، وكأنهم يذهبون إلى قول الله تعالى: ﴿ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته - الرعد: ١٣) وأخرج الطبرانى عن ابن عباس قال :قال رسول اللّه ◌ُٹے إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله تعالى، فانه لا یصیب ذا کراً ، وفى إسناده يحيى بن أبي كثير أبو النضر وهو ضعيف (رواه مالك) فى الموطأ فى باب الفول إذا سمعت الرعد من كتاب الجامع عن عامر ابن عبد الله بن الزبير أنه كان الخ وقد صمح النووى إسناده، وأخرجه أيضاً البخارى فى الأدب المفرد، والبيهقى (ج ٣ ص ٣٦٢). ٢٠٩ ٠ (٥) كتاب الجنائز (١) باب عيادة المريض وثواب المرض الفصل الأول ) ١٥٣٦ - (١) عن أبى موسى، قال: قال رسول الله صلى اللّه عيله وسلم: أطعموا الجائع، وعودوا المريض، (كتاب الجنائز) بفتح الجيم لا غير، جمع جنازة بالفتح والكسر، والكسر أفصح ، إسم للبت فى النعش أو بالفتح، إسم لذلك وبالكسر إسم النعش وعليه الميت . وقيل: عكسه . وقيل: هما لغتان فيهما ، فان لم يكن عليه ميت فهو سرير ونعش، وهى من جهزه يجيزه من باب ضرب إذا ستره، ذكره ابن فارس وغيره. أورد كتاب الجنائز بعد الصلاة كمأكثر المصنفين من المحدثين والفقهاء، لأن الذى يفعل بالميت من غسل وتكفين وغير ذلك لهمه الصلاة عليه لما فيها من فائدة الدعاء له بالنجاة من العذاب لاسيما عذاب القبر الذى سيدفن فيه. وقيل: لأنن للانسان حالتين: حالة الحياة وحالة الممات. ويتعلق بكل منهما أحكام العبادات وأحكام المعاملات، وأهم العبادات الصلاة، فلما فرغوا من أحكامها المتعلقة بالأحياء ذكروا ما يتعلق بالموتى من الصلاة وغيرها. قيل: شرعت صلاة الجنازة بالمدينة فى السنة الأولى من الهجرة ، فمن مات بمكة قبل الهجرة لم يصل عليه. (باب عيادة المريض) أى وجوبا وثوابا. وأصل عيادة عوادة بالواو فقلبت الواو ياء الكسرة ما قبلها ، يقال: مُدتُ المريض أعوده عباداً وعيادةً وعُوادةً إذا زرته وسألت عن حاله (وثواب المرض) الذى يصيب الانسان إذا صبر عليه . ١٥٣٦ - قوله (أطعموا الجائع) ندباً أو وجوباً إن كان مضطراً. قال فى المات: هو سنة إن لم يصل حد الاضطرار، وفرض إن وصل على الكفاية إن لم يتعين أحد ، وعين إن يتعين (وعودوا) أمر من العيادة (المريض) وهى سنة إن كان له متعهد، وواجب إن لم يكن، وجزم البخارى بالوجوب لظاهر الأمر، فقد ترجم عليه فى كتاب المرضى بلفظ ((باب وجوب عيادة المريض)) قال الحافظ: قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية كاطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون الندب للحث على التواصل والألفة. وجزم الداودى بالأول فقال هى فرض يحمله بعض الناس عن بعض. وقال الجمهور: هى فى الأصل ندب ، وقد ٢١٠ L مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ١ - باب عيادة المريض وثواب المرض وفكوا العانى. رواه البخارى. ١٥٣٧ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حق المسلم على المسلم خمس: تصل إلی الوجوب فی حق بعض دون بعض . و عن الطبری تتأ کد فی حق من ترجی پر کته، و آسن فیمن یراعی حاله ، وتباح فيما عدا ذلك . وفى الكافر خلاف كما سيأتى فى أول الفصل الثالث . ونقل النووى الاجماع على عدم الوجوب يعنى على الأعيان . واستدل بعموم قوله عودوا المريض على مشروعية العيادة فى كل مريض واستنى بعضهم الأرمد لكون عائده قديرى ما لا يراه هو. وتعقب بأنه قد يتأتى مثله فى بقية الأمراض كالمغمى عليه، وقد جاء فى عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم عند أبى داود وغيره، وقد ذكره المصنف فى الفصل الثانى، وسيأتى الكلام عليه هناك مفصلا، ويؤخذ من إطلاقه أيضاً عدم التقييد بزمان بمضى من إبتداء مرضه وهو قول الجمهور، وجزم الغزالى فى الاحياء بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث، واستند إلى حديث أنس الآتى فى الفصل الثالث ، وهو حديث ضعيف جدا وسيجىء الكلام عليه هناك، وفى إطلاق الحديث أيضا أن العيادة لا تتقيد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها فى طرفى النهار، ونقل ابن الصلاح عن الفراوى: أن العيادة تستحب فى الشتاء ليلا وفى الصيف نهاراً وهو غريب ومن آدابها أن لا يطيل الجلوس حتى يضجر المريض أو يشق على أهله، فان اقتضت ذلك ضرورة فلا بأس ويلتحق بعيادة المريض تعهده وتفقد أحواله والتلطف به وربما كان ذلك فى العادة سبيا لوجود نشاطه وانتعاش قوته (وفكوا) بضم الفاء وتشديد الكاف أى خلصوا (العانى) بالعين المهملة والنون المكسورة المخففة، وزن القاضى أى الأسير، وفكه تخليصه بالفداء أى أخلصوا الأسير المسلم فى أيدى الكفار أو المحبوس ظلما بغير حق، قال ابن بطال: فكاك الأسير واجب على الكفابة، وبه قال الجمهور. وقال إسحاق بن راهويه: من مال بيت المال. وقيل: المعنى أعتقوا الأسير أى الرقيق، وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنى (رواه البخارى) فى الأطعمة والنكاح والأحكام والجهاد والمرضى، وأخرجه أيضاً أحمد، وأبو داود والبيهقى (ج ٣ ص ٣٧٩). ١٥٣٧ - قوله (حق المسلم على المسلم خمس) أى خصال كلهن فروض على الكفاية. وقال القسطلانى: هذا يعم وجوب العين والكفاية والندب . وقال الشوكانى: المراد بحق المسلم أنه لا ينبغى تركه ويكون فعله إما واجبا أو مندوبا ندبا مؤكداً شبيها بالواجب الذى لا ينبغى تركه ، ويكون استعماله فى المعنيين من باب استعمال المشترك فى معنييه، فإن الحق يستعمل فى معنى الواجب، كذا ذكره ابن الأعرابى، وكذا يستعمل فى معنى الثابت ٢١١ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ١ - باب عيادة المريض وثواب المرض رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، واجابة الدعوة، وتشميت العاطس. متفق عليه. ١٥٣٨ - (٣) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حق المسلم على المسلم ست. قيل: يا رسول الله؟ ماهر. ومعنى اللازم ومعنى الصدق وغير ذلك - إنتهى. قلت وفى رواية لمسلم، وكذا عند أبي داود: وخمس تجب المسلم. على أخيه . وقد تبين بهذه الرواية أن معنى الحق هنا الوجوب. قال الحافظ: والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية. ثم العدد قد جاء فى الروايات مختلفاً، فيدل على أنه لا عبرة لمفهوم العدد، ولا يقصد به الحصر. ويؤتى به أحيانا على حسب ما يليق بالمخاطب (رد السلام) أى جوابه. وهو فرض عين من الواحد ، وفرض كفاية من جماعة يسلم عليهم. وأما السلام فسنة، فقد نقل ابن عبد البر وغيره إجماع المسلمين على أن إبتداء السلام سنة، وأن رده فرض وصفة الرد أن يقولُ وعليكم السلام. ويأتى الكلام عليه فى باب السلام من كتاب الآداب (واتباع الجنائز) أى المضى معها والمشى خلفها إلى حين دفنها بعد الصلاة عليها، وهو من الواجبات على الكفاية (واجابة الدعوة) بفتح الدال فيه مشروعية اجابة الدعوة ، وهذا إذا لم يكن هناك مانع شرعى أو عرفى ، وهى أعم من الوليمة. ويأتى الكلام عليها فى باب الوليمة من كتاب النكاح (وتشميت العاطس) أى جوابه بـ ((يرحمك الله) إذا قال الحمد لله. قال فى النهاية: التثميت بالشين المعجمة والسين المهملة الدعاء للعاطس بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما. واشتقاقه من الشوامت وهى القوائم، كأنه دعا العاطس بالثبات على طاعة الله. وقيل: الأصل فيه المهملة فقلبت معجمة. وقال صاحب المحكم: تسميت العاطس معناه الدعاء له بالهداية إلى السمت الحسن. وفيه دليل على مشروعية تشميت العاطس. ويأتى الكلام عليه فى باب العطاس والتثاؤب من كتاب الآداب. قال فى شرح السنة هذه الخصال كلها فى حق الاسلام يستوى فيها جميع المسلمين برهم وفاجرهم غير أن يخص البر بالبشاشة والمسألة والمصافة دون الفاجر المظهر لفجوره. قال المظهر إذا دعا المسلم المسلم إلى الضيافة والمعاونة يجب عليه طاعته إذا لم يكن ثمه ما يتضرر به فى دينه من الملاهى ومفارش الحرير ورد السلام واتباع الجنائز فرض على الكفاية. وأما قشميت العاطس إذا حمد الله وعيادة المريض فسنة إذا كان له متعهد، وإلا فواجب. ويجوز أن يعطف السنة على الواجب إن دل عليه القرينة كما يقال: صم رمضان وستة من شوال، ذكره الطبى (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الجنائز ومسلم فى كتاب الآداب، وأخرجه أيضا أبو داود فى الأدب والنسائى فى اليوم والليلة، وأخرجه ابن ماجه فى الجنائز بغير هذا السياق. ١٥٣٨ - قوله (حق المسلم على المسلم ست) من الخصال. ومفهوم العدد لا يفيد الحصر ، فللمسلم ٢١٢. مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ١ - باب عيادة المريض وتواب المرض قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس حمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه. رواه مسلم. ١٥٣٩ - (٤) وعن البراء بن عازب، قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، واجابة الداعى، وابرار المقسم ، حقوق أخر (إذا لقيته فسلم عليه) ندبا، ويلزمه رد السلام، واكتفى بذكره فى الحديث الأول (وإذا دعاك) أى للاعانة أو الدعوة (فأجبه) وجوبا إن كانت للإعانة أو وليمة العرض، وندبا إن كانت لغيرها (وإذا استنصحك) أى طلب منك النصيحة (فانصح له) وجوبا، وكذا يجب النصح وإن لم يستنصحه. وقال فى اللعات: هى سنة، وعند الاستنصاح واجبة. والنصيحة إرادة الخير المنصوح له. وقال الراغب: النصح تحرى قول أو فعل فيه إصلاح صاحبه. وفى رواية الترمذى والنسائى: وينصح له إذا غاب أو شهد أى يريد له الخير فى جميع أحواله ، وهو المراد بقوله إذا غاب أو شهد، إذ الأحوال لا تخلوا عن غيبة وحضور. والمقصود أنه لا يقصر النصح على الحضور كحال من يراعى الوجه، بل ينصح لأجل الايمان، فيسوى بين السر والاعلان (وإذا عطس) بفتح الطاء ويكسر (حمد الله) فيه أنه لا يشرع تشميت العاطس إذا لم يحمد الله، فالمطلق فى الحديث المتقدم محمول على هذا المقيد (فشمته) أى قل له يرحمك الله (وإذا مرض فعده) أمر من العيادة أى زره واسأل عن حاله (وإذا مات فاتبعه) حتى تصلى ويدفن. قال السيد: هذا الحديث لا يناقض الأول فى العدد، فإن هذا زائد، والزيادة مقبولة ، والظاهر أن الخمس مقدم فى الصدور ، قال والأمر للتسليم ، والعيادة الندب والاستحباب،، ولام فانصح له زائدة، ولو لم يحمد الله لم يستحب التشميت، ولذلك قال حمد الله قشمته، كذا قاله فى الأزهار (رواه مسلم) فى الآداب، وأخرجه أيضا البخارى فى الأدب المفرد، وأخرجه الترمذى فى الآداب، والنسائى فى الجنائز بلفظ : المؤمن على المؤمن ست خصال: يعوده إذا مرض، ويشهده إذا مات، ويجيبه إذا دعاه ، ويسلم عليه إذا لقيه ، ويشمته إذا عطس، وينصح له إذا غاب أو شهد. وفى الباب عن على عند أحمد والترمذى وابن ماجه وأبى مسعود عند أحمد وابن ماجه . ١٥٣٩ - قوله (أمرنا رسول اللّه تع بسبع ونهانا عن سبع) بحذف يميز العدد فى الموضعين أى خصال (ورد السلام) وفى رواية مسلم، وكذا فى رواية البخارى: وافشاء السلام، وهو يحتمل الابتداء بالسلام ورده (وابرار المقسم) بكسر همزة ابرار افعال من البر خلاف الحنث، والمقسم بضم الميم وسكون القاف وكسر السين، ٢١٣ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ١ - باب عيادة المريض وثواب المرض وقصر المظلوم، ونهانا: عن خاتم الذهب، وعن الحرير، والاستبرق، والديباج، والميثرة الحمر"، اسم فاعل من الاقسام أى تصديق من أقسم عليه، وهو أن يفعل ما سأله الملتمس وأقسم عليه أن يفعله، يقال بر وأبر القسم إذا صدقه . وقال الطيبي : المراد من المقسم الحالف ، وابراره جعله باراً صادقا فى يمينه أو جعل يمينه صادقة. والمعنى أنه لو حلف أحد على أمر مستقبل، وأنت تقدر على تصديق يمينه ولم يكن فيه معصية، كما لو أقسم أن لا يفارقك حتى تفعل كذا، وأنت تستطيع فعله، فافعل كيلا يحنث - انتهى. وفى رواية القسم بفتحات. قال السندى: إبرار القسم جعل الحالف باراً فى حلفه اذا أمكن كما إذا حلف والله زيد يدخل الدار اليوم ، فإذا علم به زيد وهو قادر عليه ولا مانع منه ينبغى له أن يدخل لئلا يحنث القائل ـ انتهى. قال القسطلانى: وهو خاص فيما يحمل من مكارم الأخلاق، فان ترتب على تركه مصلحة فلا ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام لأبى بكر فى قصة تعبير الرؤياء: لا تقسم حين قال أقسمت عليك يا رسول اللّه لتخبرنى بالذى أصبت - انتهى. وقال النووى: إبرار القسم سنة مستحبة متأكدة، وإنما يندب اليه إذا لم يكن فيه مفسدة أوخوف وضرر أونحو ذلك، فان كان شىء من هذا لم يبر قسمه، كما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبى بكر فى قصة تعبير الرؤيا لا تقسم ولم يخبر. وفى رواية لمسلم: وإنشاد الضوال مكان قوله: وإبرار المقسم. والضوال جمع الضالة، وهى الضائعة، وإنشادها تعريفها طريقها أو تعريف صاحبها بها (ونصر المظلوم) مسلما كان أو ذميا بالقول أو بالفعل. قال فى شرح السنة: هو واجب يدخل فيه المسلم والذى، وقد يكون ذلك بالقول، وقد يكون بالفعل وبكف الظالم عن الظلم - انتهى. وقال النووى: نصر المظلوم من فروض الكفاية، وهو من جملة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإنما يتوجه الأمر به على من قدر عليه ولم يخف ضررا (ونهانا عن خاتم الذهب) بفتح التاء ويكسر أى عن لبسه للرجال (وعن الحرير) أى لبس الثوب المنسوج من الأبريسم للرجال (والاستبرق) بهمزة قطع مكسورة، وهو الديباج الغليظ على الأشهر. وقيل: الرقيق، وهو تعريب استبرك (والديباج) بكسر الدال وتفتح، عجمى معرب الديبا، جمعه دبابيج وديابيج بالباء وبالياء ، لأن أصله دباج . وقيل: جمعه ديابيج، وهو الثوب الذى سداه ولحمته حريريعنى الثوب المتخذ من الأبريسم. وذكر الاستبرق والديباج بعد الحرير مع تناوله لهما من باب ذكر الخاص بعد العام اهتماما بحكمهما أو دفعا لتوهم أن اختصاصهما باسم يخرجهما عن حكم العام أو أن العرف فرق أسماءهما لاختلاف مسمياتهما، فربما توهم متوهم أنهما غير الحرير. وقال القارى: الديباج هو الرقيق. وقيل: الحرير المركب من الأبريسم وغيره مع غلبة الأبريسم والمراد بها الأنواع والتفصيل لتأكيد التحريم ( والميثرة الحمراء ) بكسر الميم وسكون التحتية وفتح المثلثة بلا همز، فهى مفعلة من الوثار، يقال وثريوثر بضم التاء فيهما وثارة بفتح الواو فهو وثيرأى وطى. لين وأصلها مؤثرة فقلبت الواو لكسرة الميم، جمعها مواثر ومياثر وهى من مراكب العجم تعمل من حرير أو ديباج وتتخذ كالفراش ٢١٤ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ١ - باب عيادة المريض وبواب المرض والقسى، وآنية الفضة .- وفى رواية - وعن الشرب فى الفضة. فإنه من شرب فيها فى الدنيا لم يشرب فيها فى الآخرة . الصغير ، وتحشى بقطن أو صوف يجعلها الراكب تحته على الرحال والسروج، كذا فى النهاية. وقيل: هى وطاء كانت النساء يصنعنه لأزواجهن على السروج، وكان من مراكب العجم، وتكون من الحرير ، وتكون من الصوف وغير ذلك. وقيل : أغشية للسروج تتخذ من الحرير. وقيل: هى سروج من الديباج. قال الطيبي: وصفها بالحمراء، لأنها كانت الأغلب فى مراكب الأعاجم يتخذونها رعونة - انتهى. والميرة إن كانت من الحرير، كما هو الغالب فيما كان من عادتهم ، فهى حرام، لأنه جلوس على الحرير واستعمال له وهو حرام على الرجال ، سواء كان على رحل أو سرج أو غيرهما ، وإن كانت ميثرة من غير الحرير فليست بحرام ، ويكون النهى فيها الزجر عن التشبه بالأعاجم أو السرف أو التزين لا للحمرة ، لأن الثوب الأحمر لاكراهة فيه وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبي ◌َّ لبس حلة حمراء، وبحسب ذلك تفصيل النهى بين التحريم والتنزيه (والقسى) بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة، فسرت فى كتاب اللباس من صحيح البخارى بأنها ثياب يوفى بها من الشام أو مصر مضلعة فيها حرير فيها أمثال الأترج. وقال الجزرى: هو ثياب منسوجة من كتان مخلوط بحرير يوتى بها من مصر ، نسبت إلى قرية على ساحل البحر قريبا من تنيس يقال لها: القس بفتح القاف ، وبعض أهل الحديث يكسرها. وقيل: أصل القسى القزى بالزاى منسوب إلى القز، وهو ضرب من الأبريسم. وقيل: هو ردى الحرير فأبدلت الزاى سينا. قال العينى. القس والتنيس وفرما كانت مدناً على ساحل بحر دمياط، غلب عليها البحر فاندثرت فكانت يخرج منها ثياب مفتخرة ويتاجربها فى البلاد - انتهى. وهذا القسى إن كان من حرير أو كان حريره أكثر من الكتان فالنهى عنه للتحريم وإلا فلكراهة التنزيه. قال ميرك: فان قلت ما الفرق بين هذه الأربعة؟ قلت: الحرير اسم عام والديباج نوع منه والاستبرق نوع من الديباج والقسى ما يخالطه الحرير أو ردى الحرير، وفائدة ذكر الخاص بعد العام بيان الاهتمام بحكمه ودفع توهم أن تخصيصه باسم مستقل ينافى دخوله تحت الحكم العام والاشعار بأن هذه الثلاثة غير الحرير نظراً إلى العرف وكونها ذوات أسماء مختلفة مقتضية لاختلاف مسمياتها (وآنية الفضة) والذهب أولى مع أنه صرح به فى حديث آخر، وهى حرام على العموم للسرف والخيلاء . قال الخطابي: وهذه الخصال مختلفة المراتب فى حكم العموم والخصوص والوجوب فتحريم خاتم الذهب وما ذكر معه من لبس الحرير والديباج خاص للرجال، وتحريم آنية الفضة عام للرجال والنساء لأنه من باب السرف والخيلة (وفى رواية) أى لمسلم (وعن الشرب) بضم الشين وفى معناه الأكل (فى الفضة) والذهب بالطريق الأولى (فانه) أى الشأن (من شرب فيها فى الدنيا) أى ثم مات ولم يتب (لم يشرب فيها فى الآخرة) قال المظهر: أى من اعتقد حلها ومات عليه فانه كافر، وحكم من لم يعتقد ذلك خلاف ذلك فانه ذنب صغير غلظ وشدد للرد والارتداع - انتهى. قال الطي فرله. ٢١٥ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥- كتاب الجنائز ١ - باب عيادة المريض وتواب المرض متفق عليه. ١٥٤٠ - (٥) وعن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل فى خرفة الجنة حتى يرجع. رواه مسلم . لم يشرب فيها كناية تلويحية عن كونه جهنميا فان الشرب من أو انى الفضة من دأب أهل الجنة لقوله تعالى: ﴿قوارير من فضة - الدهر: ١٦) فمن لم يكن هذا دأبه لم يكن من أهل الجنة فيكون جهنميا فهو كقوله انما يجرجر فى بطنه نار جهنم - انتهى. وقيل: الأولى أن يقال إنه لم يشرب فيها فى الجنة وإن دخلها فيحرم من الشرب فيها فى الجنة لشربه فيها فى الدنيا، وظاهر الحديث تأبيد التحريم فإن دخل الجنة شرب فى جميع أوانيها إلا فى آنية الفضة والذهب ومع ذلك لا يتألم لعدم الشرب فيها ولا يحد من يشرب فيها ويكون حاله كمال أصحاب المنازل فى الخفض والرفعة (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الجنائز والمظالم والنكاح والأشربة والمرضى واللباس والأدب والاستيذان والنذور، ومسلم فى اللباس، واللفظ للبخارى، وأخرجه أيضا الترمذى فى الاستيذان والأدب مطولاً، وفى اللباس مختصراً، والنسائى فى الجنائز والايمان والنذور والزينة وابن ماجه فى الكفارات واللباس مختصراً. ثم قوله ((متفق عليه)) يشعر بأن قوله وعن الشرب فى الفضة الخ اتفق الشيخان على اخراجه والأمر ليس كذلك فانه قد تفرد مسلم به ولم يخرجه البخارى . ١٥٤٠ - قوله (إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم) أى زاره فى مرضه (لم يزل فى خرفة الجنة) بضم المعجمة ومكون الراء وفتح الفاء بعدها هاء هى الثمرة إذا نضجت، وقيل: ما يخترف ويحتنى من ثمار النخل إذا أدركت أى لم يزل فى التقاط فواكه الجنة واختراف مجتناها أولم يزل فى مواضع خرفتها أى فى بساتينها شبه مر للم ما يحوزه ويحرزه عائد المريض من الثواب بما يحرزه المجتنى والمخترف من الثمر، وقيل: المراد بها هنا الطريق، والمعنى أن العائد يمشى فى طريق تؤديه إلى الجنة، قال الحافظ فى الفتح: والتفسير الأول أولى، فقد أخرجه البخارى فى الأدب المفرد من هذا الوجه، وفيه قلت لأبى قلابة ما خرفة الجنة؟ قال جناها، وهو عند مسلم من جملة المرفوع - انتهى. وفى رواية لمسلم: عائد المريض فى مخرفة الجنة حتى يرجع بفتح الميم والراء بينهما خاء معجمة ساكنة أى فى بستانها. قال الشوكانى: بالخاء المعجمة على زنة مرحلة، وهى البستان، ويطلق على طريق اللاحب أى الواضح أى عائد المريض فى بساتين الجنة وثمارها (حتى يرجع) أى الثواب حاصل العائد من حين يذهب للعيادة حتى يرجع إلى محله ويعلم منه أن من كان طريقه أطول كان أكثر ثوابا وليس المراد المكث الكثير عند المريض لما علم أنه يطلب التخفيف فى المكث عنده (رواه مسلم) فى البر والصلة والأدب، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى فى الجنائز، والبخارى فى الأدب المفرد والبيهقي (ج ٣ ص ٣٨٠) وابن أبى شيبة . ٢١٦ ۔ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥- كتاب الجنائز ١ - باب عيادة المريض وثواب المرض ١٥٤١ - (٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم ! فرضت فلم تعدنى. قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدى فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتنى عنده؟ يا ابن آدم ! استطعمتك فلم قطعمنى. قال: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى؟ يا ابن آدم ! استسقيتك فلم تسقنى. قال: يا رب ! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما أنك لو سقيته وجدت ١٥٤١ - قوله (إن الله تعالى يقول يوم القيامة) على لسان ملك أو بلا واسطة بلسان القال معاتبا لابن آدم بما قصر فى حق أولياء، (يا ابن آدم مرضت فلم تعدنى) بفتح المثناة الفوقية وضم العين وسكون الدال أى مرض عبدى الكامل الشديد القرب منى قرب مكانة إذ اسناد وصف العبد له تعالى دليل على ذلك ، قاله الحفنى وقال القارى: أراد مرض عبده وانما أضاف إلى نفسه تشريفا لذلك العبد فنزله منزلة ذاته، والحاصل أن من عاد مريضا لله تعالى فكأنه زار الله - انتهى. وقال النووى: قال العلماء انما أضاف المرض اليه سبحانه وتعالى والمراد العبد تشريفا للعبد وتقريبا له (كيف أعودك) أى كيف تمرض حتى أعودك (وأنت رب العالمين) والرب المالك والسيد والمدير والمربى والمنعم، وهذه الأوصاف تنافى المرض والنقصان والاحتياج والهلاك. قال القارى: حال مقررة لجهة الاشكال الذى يتضمنه كيف أى المرض انما يكون لاريض العاجز وأنت القاهر القوى المالك ، فان قيل إن الظاهر أن يقال كيف تمرض مكان كيف أعودك؟ قلنا عدل عنه معتذراً إلى ما عوتب عليه وهو مستلزم لنفى المرض (أما علمت أنك لوعدته لوجدتنى عنده) أى لوجدت رضانى وثوابى وكرامتى. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى فى تمام الحديث لو أطعمته لوجدت ذلك عندى أى ثوابه. قال الطيبي: فى العبارة اشارة إلى أن العيادة أكثر ثوابا من الاطعام والاسقاء الآتيين حيث خص الأول بقوله وجدتنى عنده فان فيه أيماء إلى أن اللّه تعالى أقرب إلى المنكسر المسكين - انتهى (استطعمتك) أى طلبت منك الطعام (كيف أطعمك وأنت رب العالمين) أى والحال أنك قطعم ولا تطعم (أما علمت أنه) أى الشأن (أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك) أى ثواب أطعامه (استسفينتك) أى طلبت منك الماء (فلم تسقنى) بالفتح والضم فى أوله (كيف أسقيك) بالوجهين (وأنت رب العالمين) أى مربيهم غير محتاج إلى شىء من الأشياء فضلا عن الطعام والماء (لو سقيته وجدت) بلا لام هنا اشارة إلى جواز ٢١٧ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ١ - باب عيادة المريض وثواب المرض ذلك عندی؟ . رواه مسم . ١٥٤٢ - (٧) وعن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابى يعوده، وكان إذا دخل على مريض يعوده قال: لا بأس، طهور انشاء الله، فقال له: لا بأس، طهور إن شاء الله. قال: كلا، بل حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، فقال النبى صلى الله عليه وسلم فنعم إذاً. حذفها لكن وقع فى صحيح مسلم باللام كاخواته، وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج١٠ ص ٣٥٠) (ذلك عندى) فان الله لا يضيع أجر المحسنين، وفى الحديث بيان أن الله تعالى عالم بالكائنات يستوى فى عله الجزئيات والكليات وأنه مبتل عباده بما شاء من أنواع الرياضات ليكون كفارة للذنوب ورفعا للدرجات العاليات (رواه مسلم) فى البر والصلة والأدب . ١٥٤٢ - قوله (إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابى) بفتح الهمزة أى واحد من سكان البادية فيل: اسمه قيس بن أبى حازم، كما فى ربيع الأبرار الزمخشرى، فقال فى باب الأمراض والعلل دخل النبى ورؤاهم على ويس بن أبى حازم يعوده، فذكر القصة. قال الحافظ : إن كان هذا محفوظا فهو غير قيس بن أبى حازم أحد المخضرمين، لأن صاحب القصة مات فى زمن النبى يَّه، وفيس لم ير النبي صلى الله عليه وسلم فى حال اسلامه فلا صحبة له ولكن أسلم فى حياته ولأبيه صحبة عاش بعده دهراً طويلا (بعوده) جملة حالية ، قال ابن عباس (وكان). النبى معََّ (إذا دخل على مريض) حال كونه (يعوده قال) له (لا بأس) أى لا مشقة ولا تعب عليك من هذا المرض بالحقيقة. قال الحافظ: أى إن المرض يكفر الخطايا فان حصلت العافية فقد حصلت الفائدتان والاحصل ريح التكفير (طهور) خبر مبتدأ محذوف أى هو طهور لك من ذنوبك أى مطهرة (إن شاء اللّه) يدل على أن قوله طهور دعاء لا خبر (فقال) أى النبى مؤثّ (له) أى للأعرابى (لا بأس) عليك هو (طهور) لك من ذنوبك أى مطهرلك (قال) أى الأعرابى مخاطبا للنبى معَ اللّه أقلت طهور (كلا) أى ليس بطهور. وقال القارى: أى ليس الأمر كما قلت أولا تقل هذا فان قوله كلا محتمل للكفر وعدمه، ويؤيده كونه أعرابيا خملقا فلم يقصد حقيقة الرد والتكذيب ولا بلغ حد اليأس والقنوط (بل حى) وفى البخارى: بل هى حى، وهكذا نقله الجزرى (ج ٧ ص ٤٠٣) (تفور) بالفاء أى يظهر حرما ووهجها وغليانها (على شيخ كبير) أى تغلى فى بدنه كغلى القدور (تزيره) بضم الفوقية وكسر الزاى من ازاره إذا حمله على الزيارة (القبور) نصب مفعول ثان، والهاء فى قيده أول والمعنى تبعثه إلى القبور (فنعم) بفتح العين (إذا ) بالتنوين، وفى بعض النسخ: إذن كما فى البخارى ٢١٨ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥-كتاب الجنائز ١ - باب عيادة المريض وثواب المرض رواه البخارى . ١٥٤٣ - (٨) وعن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى منا انسان، مسحه بيميته، ثم قال: اذهب الباس رب الناس ، واشف أنت الشافى ، لا شفاء إلا شفاءك فى باب عيادة الأعراب. قال القسطلانى الفاء مرتبة على محذوف وإذا جواب وجزاء، ونعم تقرير لما قال الأعرابي أى اذا أبيت فنعم أى كان كما ظننت . وقال الطيبي: يعنى أرشدتك بقولى لا بأس عليك الى أن الحمى تطهرك من ذنوبك فاصبر واشكر الله عليها فأبيت الإاليأس والكفران فكان كما زعمت وما اكتفيت بذلك بل رددت نعمة الله وأنت مسجع به قاله غضبا عليه - انتهى. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون ذلك دعاء عليه، ويحتمل أن يكون خبراً عمايؤل اليه أمره. وقال غيره: يحتمل أن يكون النبى م للم علم أنه سيموت من ذلك المرض فدعا له بأن تكون الخمى له طورة لذنوبه فأصبح ميتا، ويحتمل أن يكون أعلم بذلك لما أجابه الأعرابى بما أجابه، وزاد الطبرانى من حديث شرحبيل والد عبد الرحمن أن النبى ◌َ ◌ّم قال للأعرابى إذا أبيت فهى كما تقول قضاء الله كائن فما أمسى من الغد الا ميتا. وأخرجه الدولابى فى الكنى وابن السكن فى الصحابة، ولفظه: فقال النبي ◌َّ ما قضى الله فهو كائن فأصبح الأعرابي ميتا ، وفائدة الحديث: أنه لا نقص على الامام فى عيادة مريض من رعيته ولو كان أعرابيا جافيا ولا على العالم فى عيادة الجاهل ليعلمه ويذكره بما ينفعه ويأمره بالصبر لئلا يتسخط قدر الله فيسخط عليه ويسليه عن ألمه بل يغبطه بسقمه الى غير ذلك من جبر خاطره وخاطر أهله. وفيه أنه ينبغى المريض أن يتلقى موعظة العائد بالقبول ، ويحسن جراب من يذكره بذلك (رواه البخارى) فى علامات النبوة والمرضى والتوحيد. وأخرجه أيضا النسائى فى اليوم والليلة، والبيهقى (ج ٣ ص ٣٨٢ - ٣٨٣). ١٥٤٣ - قوله (إذا اشتكى) أى مرض (مسحه) أى النبي ◌ُ ◌ّم ذلك المريض. وقيل: موضع الوجع تفاولا لزوال ذلك الوجع (بيمينه ثم قال) أى داعيا (اذهب الباس) أى ازل شدة المرض، والباس بغير همز للمواخاة والازدواج فان أصله الهمزة، وقيل: سهلت الهمزة بقلبها ألفا لانفتاح ما قبلها، وهى لغة لقريش (رب الناس) نصبا بحذف حرف النداء (واشف أنت الشافى) وفى رواية البخارى: واشفه وأنت الشافى. قال الحافظ: فى رواية الكشمهينى بحذف الواو، والضمير فى اشفه للعليل أوهى ماء السكت، ويؤخذ منه جواز تسمية الله تعالى بما ليس فى القرآن بشرطين: أحدهما أن لا يكون فى ذلك ما يوهم نقصا والثانى أن يكون له أصل فى القرآن، وهذا من ذلك فان فى القرآن: وإذا مرضت فهو يشفين (لا شفاء) بالمد مبنى على الفتح والخبر محذوف، والتقدير حاصل لنا أو المريض (الا شفاءك) بالرفع على أنه بدل من موضع لا شفاء، وفى حديث أنس عند البخارى لا شافى الا أنت، وفيه إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوى لا ينجع إن لم يصادف تقدير اللّه تعالى. وقال الطبى: قوله لا شفاء خرج مخرج ٢١٩ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ١ - باب عيادة المريض ونواب المرض شفاء لا يغادر سقما. متفق عليه. ١٥٤٤ - (٩) وعنها، قالت: كان إذا اشتكى الانسان الشىء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال النبى صلى الله عليه وسلم باصبعه: بسم الله، قرية أرضنا بريقة بعضنا، الحصر تأكيداً لقوله: أنت الشافى، لأن خبر المبتدأ إذا كان معرفا باللام أفاد الحصر لأن تدبير الطبيب وتفع الدواء لا ينجح فى المريض إذا لم يقدر الله الشفاء (شفاء) منصوب بقوله اشف على أنه مفعول مطلق ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هو يعنى الشفاء المطلوب (لا يغادر) بالغين المعجمة أى لا يترك (سقما) بفتحتين ويجوز ضم ثم اسكان لغتان أى مرضا، والتفكير للتقليل، والجملة صفة لقوله «شفاء، وهو تكميل لقوله اشف، والجملتان معترضتان بين الفعل والمفعول المطلق، وفائدة قوله لا يغادر أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض فيخلفه مرض آخرمتولد منه فكان يدعو له بالشفاء المطلق لا بمطلق الشفاء. وفى الحديث: استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له. قال النووي: وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها فى كتاب الأذكار، وهذا المذكور ههنا من أحسنها ، وقد استشكل الدعاء الريض بالشفاء مع ما فى المرض من كفارة الذنوب والثواب كما تظافرت الأحاديث بذلك، والجواب أن الدعاء عبادة ولا ينافى الثواب والكفارة لأنهما يحصلان بأول مرض وبالصبر عليه والداعى بين حسنتين إما أن يحصل له مقصوده أو يعوض عنه يجلب نفع أو دفع ضرر وكل من فضل الله تعالى (متفق عليه) أخرجه البخارى فى المرضى وفى الطب، ومسلم فى الطب، واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضا النسائى فى اليوم والليلة ، وابن ماجه فى الطب . ١٥٤٤ - قوله (وعنها قالت كان) إما زائدة أو فيها ضمير الشأن يفسره ما بعده (إذا اشتكى. الانسان الشىء) بالنصب على المفعولية أى شكا وجع العضو ( منه) الضمير للانسان أى من جده (أو كانت به) أى بالانسان (قرحة) بفتح القاف وضمها ما يخرج من الأعضاء مثل الدمل (أو جرح) بالضم كمالجراحة بالسيف وغيره (قال النبى مَّ باصبعه) أى أشار بها قائلا، قاله القارى: قلت. وفى مسلم بعد قوله باصبعه ( هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها، والمعنى أنه كان يأخذ من ريقه على اصبعه شيئا ثم يضعها على التراب فيتعلق بها منه شىء فيمسح بها على الموضع الجريح، ويقول هذه الكلمات (بسم الله) أى أتبرك به (تربة أرضنا) أى هذه تربة أرضنا (بريقة بعضنا) أى ممزوجة بريقه، وهذا يدل على أنه كان يتفل عند الرقية، وفى رواية: وريقة بالواو بدل الموحدة. قال النووى: قال جمهور العلماء: المراد بأرضنا مهنا جملة الأرض، وقيل: أرض المدينة خاصة لبركتها والريقة أقل من الريق. قيل: وبعضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف ٢٢٠