النص المفهرس
صفحات 141-160
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله. قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئا فى مقامك هذا،
ثم رأيناك تكعكعت ، فقال: إنى رأيت الجنة،
قال: إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم الخ. وفى هذا الحديث ابطال
ما كان أهلَ الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب فى الأرض، وهو نحو قوله فى الحديث المشهور يقولون مطرنا
بنوء كذا. قال الخطابي: كانوا فى الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير فى الأرض من موت
أو ضرر فاعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتقاد باطل وأن الشمس والقمر خلفان مسخران ليس لهم) سلطان فى
غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما (ولا لحياته) أى لولادته، وهى تتمة للتقسيم وإلا فلم يدع أحد أن
الكسوف لحياة أحد أو ذكر لدفع توهم من يقول لا يلزم من أفى كونه سببا للفقدان لا يكون سببا للايجاد فعهم
الشارع النفى لدفع هذا التوهم (فإذا رأيتم ذلك) أى الكسوف فى أحد منهما لاستحالة كسوفهما معا فى وقت
واحد عادة، واستدل به على مشروعية صلاة خسوف القمر (فاذكروا الله) بالصلاة والتسبيح والتكبير والدعاء
والتهليل والاستغفار وسائر الأذكار (تناولت شينا) أى قصدت تناول شيء وأخذه كذا للأكثر تناولت
بصيغة الماضى، وفى رواية الكشمهينى : تناول بحذف إحدى التائين تخفيفا وضم اللام بالخطاب من المضارع،
ويروى تتناول على الأصل باثباتها (فى مقامك هذا) أى فى الموضع الذى صليت فيه (تكمكت) بتاء مثناة
فوقية فى أوله وكسافين مفتوحتين ومهملتين ساكنتين بعد كل منهما أى تأخرت أو تقهقرت، وفى رواية،
كعكعت بحذف التاء أوله، وهو يقتضى مفعولا أى رأيناك كعكعت نفسك. قال أبو عبيد: كعكعته فتكمكع.
وهو يدل على أن کعکع متعد وتکیکع لازم، وأختلف فى أنه ثلاثىمزيد أو رباعى مجرد، وقول الجوهرى وغيره
يدل على أنه ثلاثى مزيد فيه، لأنه نقل عن يونس كع يكع بالضم. وقال سيبويه: بالكسر أجود كمد وفر إذا
فكص على عقبيه، وفى رواية مسلم: رأيناك كففت أى نفسك بفائين خفيفتين من الكف وهو المنع (فقال) أى
النبي صلى الله عليه وسلم (إنى رأيت الجنة) أى روية عين بأن الحجب كسفت له دونها فرآها على حقيقتها وطويت
المسافة بينهما حتى أمكنه أن يتناول منها كبيت المقدس حيث وصفه لقريش، وهذا أشبه بظاهر هذا الحديث،
ويؤيده ما روى البخارى من حديث أسماء فى أوائل صفة الصلاة بلفظ دنت منى الجنة حتى لو اجترأت عليها
لجنتكم بقطاف من قطافها. ومنهم من حمله على أنه مثلت له فى الحائط كما تنطبع الصورة فى المرآة فرأى جميع
مافيها ، ويؤيده حديث أنس عند البخارى فى كتاب التوحيد لقد عرضت على الجنة والنار آنفا فى عرض هذا
الحائط وأنا أصلى، وفى رواية لقد مثات، ولمسلم لقد صورت ولا يقال إن الانطباع انما هو فى فى الأجسام
١٤١
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار
الصقبلة، لأن ذلك شرط عادى فيجوز أن تنخرق العادة خصوصا للنبى صلى الله عليه وسلم، لكن هذه
قصة أخرى وقعت فى صلاة الظهر ولا مانع أن يرى الجنة والنار مرتين بل مرارا على صور مختلفة وأبعد
من قال إن المراد بالرؤية رؤية العلم . قال القرطبى: لااحالة فى بقاء هذه الأمور على ظواهرها، ولاسيما على مذهب
أهل السنة أن الجنة والنار قد خلقتنا، وهما موجودتان الآن فيرجع إلى أن اللّه تعالى خلق لنبيه إدرا كا خاصا به
أدرك الجنة والنار على حقيقتهما (فتناولت) بين سعيد بن منصور في سننه من وجه آخر أن التناول كان حين
قيامه الثانى من الركعة الثانية ذكره الحافظ (منها) أى من الجنة (عنقوداً) بضم العين ، وهو من العنب ونحوه
ما تراكم منن حبه، وقيل: المراد قطعة من العنب (ولو أخذته) وفى رواية أخرى البخارى: ول أصبقه
واستشكل هذا مع قوله: فتناولت وأجيب بأنه يحمل التناول على تكلف الأخذ لا حقيقة الأخذ وقيل:
المراد تناولت لنفسى ولو أخذته لكم وأعطيتكم، حكاه الكرمانى وليس يجيد وقيل: المراد بقوله: تناولت
وضعت يدى عليه بحيث كنت قادراً على تحويله، لكن لم يقدر لى قطفه واو أخذته أى لو تمكنت من قطفه
ويدل عليه قوله فى حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة أهوى بيده ليتناول شيئا ، وفى حديث أسماء المذكور حتى
لو اجترأت عليها وكأنه لم يؤذن له فى ذلك فلم يح ترى عليه. وقيل: الارادة مقدرة أى أردت أن أتناول ثم
لم أفعل، ويؤيده حديث جابر عند مسلم، ولقد مددت يدى وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا اليه ثم بدأ
لى أن لا أفعل، ومثله البخارى من حديث عائشة فى آخر الصلاة بلفظ: حتى لقد رأيتنى أريد أن آخذ قطفا من الجنة
حين رأيتمونى جعلت أتقدم، ولمعبد الرزاق من طريق مرسلة أردت أن آخذ منها قطفا لأريكوه فلم يقدر، ولأحمد
من حديث جابر فحيل بينى وبينه، كذا فى الفتح (لأكلتم منه) أى من العنقود (ما بقيت الدنيا) وجه ذلك أنه
يخلق الله تعالى مكان كل حبة تقتطف حبة أخرى كما هو المروى فى خواص ثمر الجنة والخطاب عام فى كل جماعة
يتأتى منهم السماع والأكل إلى يوم القيامة لقوله ما بقيت الدنيا، وسبب تركه صلى الله عليه وسلم ، تناول
العنقود، قال ابن بطال: لأنه من طعام الجنة ، وهو لا يغنى والدنيا فانية لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. وقيل
لأنه لو تناوله ورآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب فيخشى أن يقع رفع التوبة والتكليف فلا ينفع نفسا إيمانها
وقيل: لأن الجنة جزاء الأعمال والجزاء بها لا يقع إلا فى الآخرة (ورأيت النار) كانت رؤيته صلى الله عليه وسلم
الار قبل رؤيته للجنة لما وقع فى رواية عبد الرزاق المذكورة عرضت على النبى صلى الله عليه وسلم النار فتأخر عن
مصلاه حتى أن الناس ليركب بعضهم بعضا ، وإذا رجع عرضت عليه الجنة فذهب يمشى حتى وقف فى مصلاء،
ولمسلم من حديث جابر لقد جىء بالنار حين رأيتمونى تأخرت مخافة أن يصيبنى من الفحها وفيه ثم جىء بالجنة
١٤٢
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
فلم أر كاليوم منظرا قط أفظع ،
وذلك حين رأيتمونى تقدمت حتى قمت فى مقامى، وزاد فيه ما من شىء توعدونه إلا قد رأيته فى صلاته هذه،
واللام فى النار للعهد أى رأيت نار جهنم (فلم أر كاليوم) أى مثل اليوم، والمراد من اليوم الوقت الذى هو فيه
(منظراً) منصوب بلم أر ( قط ) بتشديد الطاء ظرف الماضى أى أبداً. قال القارى: أى لم أر منظراً مثل منظر
اليوم فقوله كاليوم صفة منظراً فلما قدم نصب على الحال (أفظع ) أى أقبح وأبشع وأشنع وأسوأ، كذا وقع
فى جميع النسخ الموجودة المشكاة، وكذا فى النسخ الموجودة الموطأ من طبعات الهند، ولفظ المصابيح فلم أر
كاليوم منظراً أفظع قط منها، ولفظ البخارى فى النكاح من طريق عبد الله بن يوسف عن مالك عن زيد بن أسلم
والنسائى من طريق ابن القاسم عن مالك ومسلم من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ: فلم أر كاليوم
منظراً قط أى بدون لفظ أفظع، وكذا وقع فى نسخ الموطأ من طبعات مصر، ورواه البيهقى من طريق القعنى
بلفظ: فلم أر كاليوم منظرا أفظع منها . قال البيهقى: ورواه الشافعى أى عن مالك ولم يذكر قوله أفظع منها
والباقى سواء - انتهى. ورواه البخارى فى صلاة الكسوف من طريق القعنى بلفظ فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع،
وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٧ ص ١١٦) قال الحافظ: أى لم أر منظرا مثل منظر رأيته اليوم
حذف المرئى وأدخل التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى فيه وبعده عن النظر المألوف، وقيل: الكاف اسم ،
والتقدير ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرا. وقال القسطلانى: منظرا نصب بأر وأفظع صفة النصوب وكاليوم
قط اعتراض بين الصفة والموصوف وأدخل كاف التشبيه عليه لبشاعة ما رأى فيه وجوز الخطابى فى أفظع
وجهين: أن يكون بمعنى فظيع كأ كبر بمعنى كبير، وأن يكون أفعل تفضيل على بابه على تقدير منه فصفة فعل
التفضيل محذوفة. قال ابن السيد: العرب تقول مارأيت كاليوم رجلا، وما رأيت كاليوم منظرا والرجل
والمنظر لا يصح أن يشبها باليوم، والنحاة تقول معناه ما رأيت كرجل أراه اليوم رجلا وما رأيت كمنظر رأيته
اليوم منظرا وتلخيصه ما رأيت كرجل اليوم رجلا وكمنظر اليوم منظراً فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه
وجازت اضافة الرجل والمنظر إلى اليوم لتعلقهما به وملابستهما له، باعتبار رؤيتهما فيه. وقال غيره: الكاف هنا
اسم، وتقديره ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظراً، ومنظرا تمييز، ومراده باليوم الوقت الذى هو فيه، ذكره
الدمامينى والبرماوى لكن تعقب الدمامينى الأخير وهو قوله وقال غيره الخ بأن اعتباره فى الحديث يلزم
منه تقديم التمييز على عامله والصحيح منعه فالظاهرُ فى اعرابه أن منظراً مفعول أر وكاليوم. ظرف مستقر
صفة له، وهو بتقير مضاف محذوف، كما تقدم أى كمنظر اليوم، وقط ظرف لأر وأفظع حال من اليوم على
١٤٣
1
مرعاة المفاتيح ج .
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
ورأيت أكثر أملها النساء. قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بكفرمن. قيل: يكفرن بالله؟ قال:
يكفرن المشير ويكفرن الاحسان، لو أحسنت إلى إحدامن الدهر
ذلك التقدير، والمفضل عليه، وجارُه محذوفان أى كمنظر اليوم حال كونه أفظع من غيره ـ انتهى. (ورات أكثر
أهلها النساء) استشكل مع حديث أبى هريرة أن أدنى أهل الجنة منزلة من له زوجتان من الدنيا، ومقتضاه أن
النساء ثلثا أهل الجنة، وأجيب بحمل حديث أبى هريرة على ما بعد خروجهن من النار، وما قيل إنه خرج مخرج
التغليظ والتخويف فهو لغو، لأنه اخبار عن الرؤية الحاصلة، وفى حديث جابر، وأكثر من رأيت فيها النساء
اللاتى إن أؤتمن أفشين وإن سئلن بخلن وإن سألن الحفن وإن أعطين لم يشكرن، فدل على أن المرئى فى النار منهن
من أقصف بصفات ذميمة. قال الحافظ: حديث ابن عباس يفسر وقت الرؤية فى قوله صلى الله عليه وسلم لهن.
فى خطبة العيد قصدقن انى رأيتكن أكثر أهل النار. قال النووى: فيه دليل على أن بعض الاس اليوم معذب فى
جهنم (قالوا) أى الصحابة (بم) كذا فى البخارى فى صلاة الكسوف بالباء أصله بما بالألف وحذفت تخفيفا
أى بسبب أى شىء من الأعمال والبخارى فى النكاح .لم، باللام، وكذا فى مسلم والنسائى (قيل يكفرن) يحذف همزة
الاستفهام، والقائل أسماء بنت يزيد بن السكن التى تعرف بخطية النساء كما يدل عليه رواية البيهقى والطبرانى من
طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد (قال يكفرن العشير) قال الحافظ : كذا للجمهور عن مالك بلا واو ،
وكذا عند مسلم من رواية حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم، ووقع فى موطأ يحي بن يحيى قال: ويكفرن
المشير بزيادة واو. وقال ابن عبد البر: هكذا ليحيى وحده بالواو ولم يزدما غيره، والمحفوظ عن مالك من
رواية سائر الرواة بلا واو. قال الحافظ: ورواية يحيى وإن كانت شاذة، لكن معناها صحيح، لأن الجواب
طابق السوال وزاد وذلك أنه أطلق لفظ النساء فعم منهن المؤمنة والكافرة فلما قيل: أ يكفرن باقه فأجاب ويكفرن
المشير الح وكأنه قال نعم يقع منهن الكفر بالله وغيره، لأن منهن من يكفر بالله ومنهن من يكفر الاحسان
وقال ابن عبد البر: وجه رواية يحيى أن يكون الجواب لم يقع على وفق سؤال السائل لاحاطة العلم بأن من النساء
من يكفر باته فلم يحتج إلى جوابه، لأن المقصود فى الحديث خلافه - انتهى. والعشير الزوج وحمله بعضهم على
العموم وقال أراد به كل من يعاشرها من زوج أو غيره والألف واللام على الأول العهد، وعلى الثانى الجنس.
قيل: لم يعد كفير المشير بالباء كما عدى الكفر باه، لأن كفر العشير لا يتضمن معنى الاعتراف بخلاف الكفر
بالله (ويكفرن الاحسان) تفسير لقوله: يكفرن العشير إذ المراد كفر احسان لا كفر ذاته، فالجملة مع الواو
مبيئة الجملة الأولى على طريق أعجبنى زيد وكرمه وكفر الاحسان تغطيته وعدم الاعتراف به أو جحده وأفكاره،
كما يدل عليه قوله (لو أحسنت إلى أحدامن الدهر) بالنصب على الظرفية، زاد فى رواية البخارى فى صلاة
١٤٤
مرعاة المفاتيح ج .
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
ثم رأت منك شيئا قالت: مارأيت منك خيرا قط. متفق عليه.
١٤٩٧ - (٤) وعن عائشة تحر حديث ابن عباس، وقالت: ثم سجد فأطال السجود، ثم انصرف
وقد انجلت الشمس، خطب الناس،
الكسوف كله أى تمام عمر الرجل أو الزمان جميعه لقصد المبالغة والخطاب فى أحسنت لكل من يصلح لذلك من
الرجال فهو خطاب خاص لفظا عام معنى (شيئا) أى ولو حقيراً لا يوافق مواما من أى نوع كان ، وقيل:
التنوين فيه التقليل أى شيئا قليلا لا يوافق غرضها (خيراً) قليلا (قط) أى فى جميع ما معنى من العمر، وفى
الحديث المبادرة إلى الطاعة عند رؤية ما يحذر منه واستدفاع البلاء بذكر الله وأنواع طاعته وتحريم كفران
الحقوق ووجوب شكر المنعم وغير ذلك من الفوائد الكثير التى ذكرت فى شرحى البخارى المحافظ والعين وشرح
مسلم النووى (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٣٥٨،٢٩٨) ومالك وأبو داود والنسائى والبيرق
(ج ٣ ص ٣٢١).
١٤٩٧ - قوله (وعن عائشة نحو حديث ابن عباس) برفع نحو أى مثل حديثه فى المعنى (ثم سجد فأطال
السجود) كالركوع (ثم انصرف) عن الصلاة بالسلام بعد التشهد (وقد انجلت الشمس) بنون بعد ألف الوصل
أى صفت وانكشفت (خطب الناس) هذا ظاهر فى الدلالة على أن لصلاة الكسوف خطبة. قال العينى: حديث
الباب صريح فى الخطبة، وبها قال الشافعى واسحاق وابن جرير وفقهاء أصحاب الحديث. وقال أبو حنيفة ومالك
وأحمد: لا خطبة فيها قالوا لأن النبي ◌َّ أمرم بالصلاة والتكبير والصدقة ولم يأمرهم بالخطبة ولوكانت سنة
لأمرثم بها، وإنما خطب ◌َّ بعد الصلاة ليعلمهم حكمها فكأنه محتص به وقيل خطب بعدها لا لما بخصوصها
بل ليردهم عن قولهم: إن الشمس كسفت لموت ابراهيم وليخبرهم بما رأى فى الصلاة من الجنة والنار وغيرهما
من الآيات، كما فى الحديث، ولذا خطب بعد الانجلاء وأوكانت سنة خطب قبله كالصلاة والدعاء. وأجيب
عن الأول بأن المشروعية والسفية لا تتوقف على البيان بالقول بل تثبت بفعله مفت أيضا ومهنا قد ورد ذكر
الخطبة بعد صلاة الكسوف فى أحاديث كثيرة صحيحة فلا شك فى مشروعيتها واستحبابها، وعن الثانى بما فى
الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته
الأحاديث فلم يقتصر على الاعلام بسبب الكسوف والاخبار بما رأى من الجنة والنار وغيرهما من الآيات ، كما
لا يخفى على من تأمل فى حديث أسماء وحديث عائشة متفق عليها، وحديث جابر عند مسلم وحديث محمرة عند
أحمد والحاكم، والأصل مشروعية الاتباع والخصائص لا تثبت إلا بدليل. وقال ابن دقيق العيد: العذر المذكور
١٤٥
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠- باب صلاة الخسوف
حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا بخسفان لموت أحد
ولا لحياته، فإذا رأ يتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا
ضعيف ، لأن الخطبة لا تنحصر مقاصدها فى شىء معين بعد الاتيان بما هو المطلوب منها من الحمد والثناء
والموعظة، وقد يكون بعض هذه الأمور داخلا فى مقاصدها مثل ذكر الجنة والنار وكونهما من آيات الله، بل هو
كذلك جزما - انتهى. قال الحافظ: وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره هو من مقاصد خطبة الكسوف
فينبغى التأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم فيذكر الامام ذلك فى خطبة الكسوف ــ انتهى. وذكر الزيلعى كلام ابن
دقيق العيد بتمامه ولم يتعقبه بشىء. قال صاحب الهداية من الحنفية: ليس فى الكسوف خطبة لأنه لم ينقل. وتعقب
بأن الأحاديث قد ثبتت فيه، وهى ذات كثرة. قال الزيلعى فى نصب الراية (ج٢ ص ٢٣٦) بعد ذكر كلام صاحب
الهداية المذكور: هذا غلط، ثم ذكراً حاديث أسماء وابن عباس وعائشة متفق عليها، وحديث جابر عند مسلم، وحديث
سمرة عند أحمد وحديث عمرو بن العاص عند ابن حبان، وكلها مشتمل على ذكر الخطبة، وما قال فيها. وقال الحافظ
فى الدراية (ص ١٣٨) بعد ذكر كلام صاحب الهداية: وهذا النفى مردود بما فى الصحيحين عن أسماء ثم انصرف بعد
أن تجلت الشمس فقام خطب الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه - الحديث. وفى المتفق أيضا عن ابن عباس وعائشة،
ولمسلم عن جابر ولأحمد والحاكم عن سمرة ولابن حبان عن عمرو بن العاص - انتهى. قال بعض الحنفية:
لعل مراد صاحب الهداية بقوله: ((لم ينقل)) أى الأمر بها كما نقل الأمر بالصلاة والذكر والدعاء وغير ذلك. قلت:
صاحب الهداية قد نفى نقل الخطبة مطلقا، وهو الذى فهمه الزيلمى والحافظ ، ولذلك اتفقا على تغليطه والرد عليه،
والاحتمال الذى ذكره هذا البعض خلاف الظاهر فهو مردود. واحتج بعض أصحاب مالك على ترك الخطبة
بأنه لم ينقل فى الحديث أنه صعد المنبر وقد زيفه ابن المنير بأن المنبر ليس شرطا ثم لا يلزم من أنه لم يذكر أنه
لم يقع. قلت: ورد ذكر صعود المنبر صريحا فى حديث عائشة عند النسائى وحديث أسماء عند أحمد (ج ٦ ص ٣٥٤)
قال الحافظ: صرح أحمد والنساقى وابن حبان فى روايتهم بأنه صعد المنبر ، وكذا قال الزيلعى فى نصب الراية
(فحمد الله وأثنى عليه) زاد النسائى والبيهقى والحاكم فى حديث سمرة وشهد أنه عبدالله ورسوله (فإذا رأيتم ذلك)
أى الكسوف فى أحدهما (فادعوا الله) قال القسطلانى: وللحموى والمستملى فاذكروا الله بدل رواية الكشمهينى
فادعوا الله - انتهى. قال ابن الملك: إنما أمر بالدعاء لأن النفوس عند مشاهدة ما هو خارق للعادة تكون معرضة
عن الدنيا ومتوجهة إلى الحضرة العليا فتكون أقرب إلى الاجابة (وكبروا) أى عظموا الرب أو قولوا الله أكبر
(وصلوا) أى صلاة الكسوف والخسوف كما صليتم الآن وروى البخارى عن أبى مسعود قال قال النبي صلى الله
١٤٦
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
وقصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من اله أن يزنى عبده أو تزنى أمته،
عليه وسلم إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد من الناس ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموها (أى
الآية) فقوموا فصلوا. قال الحافظ: استدل به على أنه لاوقت لصلاة الكسوف معين، لأن الصلاة علقت
برؤية الكسوف، وهى ممكنة فى كل وقت من النهار، وبهذا قال الشافعى ومن تبعه، واستثنى الحنفية أوقات
الكرامة، وهو مشهور مذهب أحمد، وعن المالكية وقتها من حل النافلة إلى الزوال، وفى رواية إلى صلاة العصر
ورجح الأول بأن المقصود إيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء، وقد اتفقوا على أنها لا تقضى بعد الأنجلاء
فلو اتحصرت فى وقت لأمكن الانجلاء قبله فيفوت المقصود ولم أقف فى شىء من الطرق مع كثرتها على أنه صلى الله
عليه وسلم صلاها الأضحى لكن ذلك وقع اتفاقا، ولا يدل على منع ما عداه واتفقت الطرق على أنه بادر
اليها - انتهى. (وتصدقوا) لأن الصدقة تطفىء غضب الرب، وفى الحديث المبادرة بالصلاة وسائر ما ذكر من
الدعاء والتكبير والصدقة عند الكسوف. قال الشاه ولى الله الدهلوى فى حجة الله: الأصل فيها إن الآيات إذا
ظهرت انقادت لها النفوس والتجأت إلى الله تعالى وانفكت عن الدنيا نوع انفكاك فتلك الحالة غنيمة للمؤمن ينبغى
أن يبتهل فى الدعاء والصلاة وسائر أعمال البر، وأيضا فانها وقت قضاء الله الحوادث فى عالم المثال، ولذلك يستشعر
فيها العارفون الفزع وفزع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها لأجل ذلك، وهى أوقات سريان الروحانية فى
الأرض فالمناسب للحسن أن يتقرب إلى الله فى تلك الأوقات، وهو قوله مَّه فى حديث النعمان فإذا تجلى الله
لشىء من خلقه خشع له، وأيضاً فالكفار يسجدون للشمس والقمر فكان من حق المؤمن إذا رأى آية عدم
استحقاقها العبادة أن يتضرع إلى الله ويسجد له، وهو قوله تعالى: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر وأسجدوا لله
الذى خلقهن - فصلت: ٣٧) ليكون شعاراً للدين وجوابا مسكتا لمنكريه - انتهى. (يا أمة محمد) فيه ذكر الباعث
لهم على الامتثال وهو نسبتهم اليه صلى الله عليه وسلم، قاله القارى. وقيل: خاطبهم بذلك إظهاراً لمعنى الشفقة، كما
يقول أحد يا بنى وعدل عن يا أمتى لأن المقام مقام تخويف وتحذير وفى قوله أمتى اشعار بالتكريم (والله) أتى
باليمين لارادة التأكيد لخبره وإن كان لا يرتاب فى صدقه (ما من أحد أغير) أى أشد غيرة (من الله أن يزنى
عبده أو تزنى أمته) أى على زنا عبده أو أمته. قال القسطلانى: برفع أغير صفة لأحد باعتبار المحل، والخبر
محذوف منصوب أى موجوداً على أن ما حجازية (وهى تعمل عمل ليس) أو يكون أحد مبتدأ وأغير خبره على
أن ما تميمية، ويجوز نصب أغير على أنه خبر ما الحجازية، و ((من)) زائدة للتأكيد وأن يكون مجروراً بالفتحة
على الصفة للجرور باعتبار اللفظ والخبر المحذوف مرفوع على أن ما تميمية، وقوله: ((أن يزنى)) متعلق بأغير
١٤٧
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
يا أمة محمد! والله لوتعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا.
وحذف الجار من أن قياس مستمر. قال الحافظ: أغير أفعل تفضيل من الغيرة بفتح الغين المعجمة ، وهى فى اللغة
تغير يحصل من الحمية والأنفة، وأصلها فى الزوجين والأهلين وكل ذلك محال على الله تعالى، لأنه منزه عن كل تغير
ونقص فيتعين حلى على المجاز، فقيل لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر من يقصد اليهم أطلق عليه
ذلك لكونه منع من فعل ذلك وزجر فاعله وتوعده فهو من باب تسمية الشىء بما يترتب عليه. وقال ابن فورك:
المعنى ما أحد أكثر زجراً عن الفواحش من الله تعالى. وقال غيره غيرة الله ما يغير من حال العاصى بانتقامه منه
فى الدنيا والآخرة أو فى أحدهما، ومنه قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم - الرعد: ١١)
وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه فى مثل هذا على قولين إما ساكت وإما مؤول، على أن المراد بالغيرة
شدة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة. وقال الطبى: وجه اتصال هذا المعنى بما قبله من قوله: فادهوا اللّه
وكبروا إلخ من جهة أنهم لما أمروا باستدفاع البلاء بالدعاء والذكر والتكبير والصلاة والتصدق نأسب ردعهم
عن المعاصى التى هى من أسباب جلب البلاء وخص منها الزنا، لأنه أعظمها فى ذلك. وقيل: لما كانت هذه
المعصية من أقبح المعاصى وأشدها تأثيراً فى إثارة النفوس وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم فى هذا المقام من
مواخذة رب الغيرة وخالقها سبحانه وتعالى. ولعل تخصيص العبد والأمة بالذكر رعاية لحسن الأدب مع الله
تعالى لتنزهه عن الزوجة والأهل ممن يتعلق بهم الغيرة غالباً - انتهى كلام الحافظ. وقيل: الغيرة من صفات
الكمال تثبت لله تعالى كما هو مدلول اللغة، ولا دليل على صرفه عن ظاهر معناه، وما ذكروه من حقيقته ، فهو
بالنسبة إلينا، والله جل وعلا منزه عن مماثلة المخلوقات، فكما إن ذاته ليست كذواتنا فصفاته أيضا ليست كصفاتنا
وقه المثل الأعلى (لو تعلمون ما أعلم) قال الباجى: يريد أنه عليه الصلاة والسلام خصه الله تعالى بعلم لا يعلمه
غيره، ولعله ما أراه فى مقامه من النار وشناعة منظرها. وقال النووى: لو تعدون من عظم انتقام الله تعالى
من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة وما بعدها ما علمت، وترون النار كما رأيت فى مقامى هذا وفى
غيره لبكيتم كثيراً ولقل ضحككم لفكركم فيما علتموه - انتهى. ولا يخفى أنهم علموا بواسطة خبره إجمالا، فالمراد
التفصيل كعلمه صلى الله عليه وسلم، فالمعنى لو تعلمون ما أعلم كما أعلم. وقيل المعنى لودام عليكم كما دام علمى،
فإن علمه تَّ متواصل بخلاف علم غيره (لضحكتم قليلا) أى زمانا قليلا أو مفعول مطلق . وقيل: القلة مهنا.
بمعنى العدم كما فى قوله: قليل التشكى أى عديمه، والتقدير لتركتم الضحك ولم يقع منكم إلا نادراً لغلبة الخوف
واستيلاء الحزن (ولبكيتم كثيراً) خوفا من اللّه تعالى أو لتفكركم فيما علمتموه. وقيل: المعنى لوعلمتم من سعة
١٤٨
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
متفق عليه.
١٤٩٨ - (٥) وعن أبى موسى، قال: خسفت الشمس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فزما يخشى
أن تكون الساعة،
رحمة الله وحله وغير ذلك ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك. وفى الحديث من الفوائد غير ما تقدم الزجر عن
كثرة الضحك والحث على كثرة البكاء والاعتبار بآيات الله، وفيه الرد على من زعم أن الكواكب تأثيراً فى
الأرض لانتفاء ذلك عن الشمس والقمر فكيف بما دونها. ومن حكمة وقوع الكسوف، تبين أنموذج
ما سيقع فى القيامة، وصورة عقاب من لم يذنب فكيف بمن له ذنب، والتنبيه على سلوك طريق الخوف مع
الرجاء لوقوع الكسوف بالكوكب ثم كشف ذلك عنه، ليكون المؤمن من ربه على خوف ورجاء، والاشارة إلى
ققيح من يعبد الشمس أو القمر (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦ ص ١٦٤) ومالك والنسائى والبيهقى،
وأخرجه أبو داود مختصراً على قوله: الشمس والقمر لا يخفان لموت أحد (إلى قوله) وتصدقوا.
١٤٩٨ - قوله (خسفت الشمس) بفتح الخاء والسين (فقام النبي مُؤثّم فزعا) بكسر الزاى صفة مشبهة أو
بفتحها مصدر بمعنى الصفة أو مفعول مطلق لفعل مقدر ( يخشى ) بالبناء للفاعل فى محل النصب على الحال (أن
تكون) فى موضع النصب مفعول يخشى ( الساعة) بالرفع على أن تكون تامة أو على أنها ناقصة، والخبر محذوف
أى أن تكون الساعة قد حضرت أو نصب على أنها ناقصة واسمها محذوف أى تكون هذه الآية الساعة أى علامة
حضورها. قال ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى دوام المراقبة لفعل اله وتجريد الأسباب العادية عن تأثيرها
لمساتها، وفيه جواز الاخبار بما يوجبه الظن من شاهد الحال، لأن سبب الفزع يخفى عن المشاهد لصورة الفرع
فيحتمل أن يكون الفرع لغير ما ذكر، فعلى هذا فيشكل هذا الحديث من حيث أن الساعة مقدمات كثيرة لم تكن
وقعت كفتح البلاد واستخلاف الخلفاء وخروج الخوارج ثم الأشراط كطلوع الشمس من مغربها والدابة
والدجال والدعان وغير ذلك. ويجاب عن هذا بأجوبة: منها أن غلبة الخصية والدهدة ولجاءة الأمور العظام
تذهل الانسان عمايل. ومنها احتمال أن يكون الأمور المعلومة وقوعها بينه وبين الساعة كانت مقيدة بشرط يعنى
أن حالة استحضار إمكان القدرة غلبت على استحضار ما تقدم من الشروط، لاحتمال أن تكون تلك الأشراط
كانت مشروطة بشرط لم يتقدم ذكره، فيقع الخوف بغير أشراط لفقد الشرط. ومنها أن النبي مؤتمر قدر وقوع
الممكن لولا ما أغلبه الله تعالى بأنه لا يقع قبل الأشراط، وجعل ما سيقع كالواقع إظهاراً لتعظيم فأن الكسوف
١٤٩
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
فأتى المسجد، فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته قط يفعله، وقال:
وتنبيها لأمته أنه اذا وقع بعده يخشون أمر ذلك. لاسيما اذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط أو أكثروبفزعون
إلى ذكر الله والصلاة والصدقة ليدفع عنهم البلايا. ومنها أن راويه ظن أنه صلى الله عليه وسلم خشى أن تكون
الساعة، وليس يلزم من ظنه أن يكون الذى يَو فهم خشى ذلك حقيقة بل خرج النبى تؤثر مستعجلا مهتما بالصلاة
وغيرها من أمر الكسوف مبادراً إلى ذلك، وربما خاف أن يكون نوع عقوبة تحدث كما كان يخاف عند هبوب
الريح، فظن الراوى خلاف ذلك ولا اعتبار بظنه. وفيه أن تحسين الظن بالصحابى يقتضى أنه لا يجزم ذلك إلا
بتوقيف. ومنها لعله خشى أن يكون ذلك بعض المقدمات يعنى خشى أن يكون الكسوف مقدمة لبعض الأشراط
كطلوع الشمس من مغربها ، ولا يستحيل أن يتخلل بين الخسوف والطلوع المذكور أشياء مما ذكر، وتقع متتالية
بعضها أثر بعض مع استحضار قوله تعالى: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب - النحل: ٧٧) ومنها
أن هذا تخييل من الراوى وتمثيل منه كأنه قال فزع فزعا كفزع من يخشى أن تكون الساعة، والا فالتى تؤفضّ كان عالما
بأن الساعة لا تقوم وهو فيهم، وقد وعده اللّه مواعد لم تتم ولم تقع بعد، وأنما كان فزعه عند ظهور الآيات
كالخسوف والزلازل والريح والصواعق شفقا على أهل الأرض أن يأتيهم عذاب الله كما أتى من قبلهم من الأمم لاعن قيام
الساعة ( فأتى المسجد ) أى مسجد المدينة . قال ابن دقيق العيد: فى الحديث دليل على أن سنة صلاة الكسوف فى
المسجد وهو المشهور عن العلماء، وخير بعض أصحاب مالك بين المسجد والصحراء. والصواب: المشهور الأول. فان
هذه الصلاة تنتهى بالانجلاء، وذلك مقتض لأن يعنى بمعرفته ويراقب حال الشمس، فلو لا أن المسجد أرجح
لكانت الصحراء أولى، لأنها أقرب إلى ادراك حال الشمس فى الانجلاء وعدمه، وأيضا فانه يخاف من تأخيرها
فرات اقامتها بأن يشرع الانجلاء قبل اجتماع الناس وبروزهم - انتهى. ( ما رأيته قط يفعله) أى ما رأيت النبى
مرَّم يفعل مثله، كذا فى جميع النسخ الموجودة للشكوة بذكر كلة ما قبل رأيته، وهكذا نقله الجزرى فى جامع
الأصول ( ج ٧ ص ١١٨) وفى نسخ البخارى من طبعات الهند ومصر الحاضرة عندنا رأيته قط يفعله أى بدون
حرف النفى قبل رأيته، لكن قال العينى فى كثير من النسخ أى البخارى وقعت على الأصل وهوما رأيته قط يفعله -
انتهى. ولفظ مسلم والنسائى والبيهقى: ما رأيته يفعله فى صلاة قط. قال العينى: كلمة قط لا تقع إلا بعد الماضى
المنفى، ووجه النسخة التى هى بغير لفظة ما أن يقدر حرف النفى كما فى قوله تعالى: ﴿ قالله تفتؤا تذكريوسف
يوسف: ٨٥) أى لا تفتؤ ولا تزال تذكره تفجعا، حذف لا أو أن لفظ أطول فيه معنى عدم المساواة أى بما
لم يساو قط قياما رأيته يفعله، أو قط بمعنى حسب أى صلى فى تلك اليوم حسب بأطول قيام رأيته يفعله أو تكون
بمعنى أبدا لكن اذا كانت بمعنى حسب تكون القاف مفتوحة والطاء ساكنة (وقال) أى فى خطبته بعد فراغه من
١٥٠
1
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤- كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة أحسوفه
هذه الآيات التى يرسل الله، لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده،
صلاة الكسوف ( هذه الآيات) أى كسوف النيرين والزلزلة وهبوب الريح الشديدة (ولكن يخوف الله بها)
أى بالآيات (عباده) قال الله تعالى: وما ترسل بالآيات الا تخويفا. قال القسطلانى: فالكسوف من آياته
تعالى ((المخوفة)) إما أنه آية من آيات الله فلان الخلق عاجزون عن ذلك، وإما أنه من الآيات المخوفة فلان تبديل
النور بالظلمة تخويف، والله تعالى إنما يخوف عباده ليتركوا المعاصى ويرجعوا لطاعته التى بها فوزهم، وأفضل
الطاعات بعد الايمان الصلاة . وفيه رد على أهل الهيئة حيث قالوا: إن الكسوف أمر عادى لا تأخير فيه
ولا تقديم، لأنه لوكان كما زعموا لم يكن فيه تخويف ولا فزع. ولم يكن الأمر بالصلاة والصدقة معنى. ولئن سلمناً
ذلك فالتخويف باعتبار أنه يذكر القيامة لكونه أنموذجا قال الله تعالى : - فإذا برق البصر وخف القمر ...
القيامة: ٧) الآية، ومن ثم قام عليه السلام فزعا يخشى أن تكون الساعة، وكان عليه السلام اذا اشتد
هبوب الرياح تغير ودخل وخرج خشية أن تكون كريح عاد وإن كان هبوب الرياح أمرا عاديا، وقد كان
أرباب الخشية والمراقبة يفزعون من أقل من ذلك، إذ كل ما فى العالم علويه وسفليه دليل على نفوذ قدرة الله تعالى
وتمام قهره. وقد وقع فى حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غيرما يزعمه أهل الهيئة ، وهو
ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة والحاكم بلفظ: إن الشمس والقمر لا يتكسفان لموت أحد ولا
لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله وإن الله اذا تجلى لشىء من خلقه خشع له. وقد استشكل الغزالى هذه
الزيادة، وقال: إنها غير صحيحة نقلا، فيجب تكذيب ناقلها. وبنى ذلك على أن قول الفلاسفة فى باب الكسوف والخسوف
حق لما قام عليه من البراهين القطعية، وهو أن خسوف القمر عبارة عن انمحاء ضوءه بتوسط الأرض بينه وبين
الشمس من حيث أنه يقتبس نوره من الشمس والأرض كرة، والسماء محيطة بها من الجوانب، فإذا وقع القمر فى
ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس، وأن كسوف الشمس معناه وقوع جرم القمر بين الناظر والشمس ، وذلك
عند اجتماعهما فى العقدتين على دقيقة واحدة. قال ابن القيم: اسناد هذه الرواية لا مطعن فيه ورواته ثقات حفاظ
ولكن لعل هذه اللفظة مدرجة فى الحديث من كلام بعض الرواة ، ولهذا لا توجد فى سائر أحاديث الكسوف فقد
روى حديث الكسوف عن النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر صحابيا فلم يذكر أحد منهم فى حديثه هذه اللفظة،
فمن ههنا نشأ احتمال الادراج. وقال السبكى: قول الفلاسفة صحيح كما قال الغزالى، لكن إنكار الغزالى، هذه
الزيادة غير جيد، فانه مروى فى النسائى وغيره، وتأويله ظاهر فأى بعد فى أن العالم بالجزئيات ومقدر الكائنات
سبحانه يقدر فى أزل الأزل خسوفهما بتوسط الأرض بين الشمس والقمر، ووقوف جرم القمر بين الناظر والشمس
١٥١
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
فإذا رأيتم شيئا من ذلك، فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره. متفق عليه .
١٤٩٩ - (٦) وعره جابر، قال: انكسفت الشمس فى عهد رسول الله صلى الله عليه سلم يوم
مات ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ويكون ذلك وقت تجليه سبحانه وتعالى عليهما، فالتجلى سبب لكسوفهما، قضت العادة بأنه يقارن توسط الأرض
ووقوف جرم القمر ، لا مانع من ذلك ولا ينبغى منازعة الفلاسفة فيما قالوا اذا دلت عليه براهين قطعية - انتهى .
قال السندى: ويحتمل أن المراد اذا بدا (هذا لفظ أحمد والنسائى) أى بدو الفاعل للفعول أى اذا تصرف فى
شىء من خلقه بما يشاء خشع له أى قبل ذلك ولم يأب عنه - انتهى. وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم
الذى يذكره أهل الحساب ينافى قوله: يخوف الله بهما عباده وليس بشىء، لأن الله أفعالا على حسب الأسباب
العادية ، وأفعالا خارجة عن تلك الأسباب، وقدرته حاكمة على كل سبب ومسبب ، فيقتطع ما يشاء من الأسباب
والمسببات بعضها عن بعض، واذا ثبت ذلك فأصحاب المراقبة لله ولأفعاله الذين عقدوا أبصار قلوبهم بوحدانيته
وهموم قدرته على خرق العادة واقتطاع المسببات عن أسبابها وأنه يفعل ما يشاء، اذا وقع شىء غريب حدث
عندهم الخوف لقوة اعتقادهم المذكور، وذلك لا يمنع أن يكون ثمة أسباب تجرى عليها العادة إلى يشاء الله تعالى
خرقها، ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم عند اشتداد هبوب الريح يتغير ويدخل ويخرج خشية أن تكون كريح
عاد وإن كان هبوب الريح. وجوداً فى العبادة. وحاصله أن الذى يذكره أهل الحساب إن كان حقا فى نفس الأمر
لا ينافى كون ذلك مخوفا لعباد الله تعالى. وذكر ابن القيم فى كتاب مفتاح السعادة توجيها آخر لذلك، وقد نقله
السيوطى فى حاشية النسائى فارجع اليها (فإذا رأيتم شيئا من ذلك) أى مما ذكر من الآيات (فافزعوا) بفتح الزأى
أى التجأوا من عذابه أو توجهوا (إلى ذكره) ومنه الصلاة (ودعاء، واستغفاره) يقال فزعت إلى الشىء أى لجأت
اليه ويقال فزعت إلى فلان فأفزعنى أى لجأت إليه فألجانى واستعنت به فأعانى. فى الحديث إشارة إلى المبادرة إلى
ما أمر به، وتنبيه على الالتجاء إلى الله تعالى عند المخاوف بالدعاء والاستغفار، واشارة الى أن الذنوب سبب
البلايا والعقوبات العاجلة أيضا، وأن الاستغفار والتوبة سببان للحو يرجى بهما زوال الخاوف. قال الحافظ:
استدل بالحديث على أن الأمر لمبادرة إلى الذكر والدعاء والاستغفار وغير ذلك لا يختص بالكسوفين، لأن الآيات
أعم من ذلك، ولم يقع فى هذه الرواية ذكر الصلاة ، فلا حجة فيه لمن استحبها عند كل آية . وقال العينى: قوله:
فافزعوا إلى ذكر الله حجة لمن قال ذلك، لأن الصلاة يطلق عليها ذكر الله لأن فيها أنواعا من ذكر الله تعالى
(متفق عليه) وأخرجه أيضا النسائى البيهقى (ج ٣ ص ٣٤٠).
١٤٩٩ - قوله (انكسفت الشمس على عهد رسول اللّه بَ له يوم مات إبراهيم بن رسول اللّه، { لَّه) وأمه
١٥٢
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات.
مارية القبطية سرية رسول الله عزوفهم قد أهداما اليه المق وقس صاحب الاسكندرية ومصر، ولد فى ذى الحجة سنة ثمان
من الهجرة، وتوفى وهو أبن ستة عشر شهرا. وقيل: سبعة عشر. وقيل: ثمانية عشر وهو أصح ودفن بالبقيع. وقال
النبي صلى الله عليه وسلم: إن له مرضعا يتم رضاعه فى الجنة وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات بالمدينة فى السنة
العاشرة من الهجرة ، ثم اختلفوا، فقيل: فى ربيع الأول . وقيل: فى رمضان. وقيل فى ذى الحجة، قيل: فى عاشر
الشهر. وعليه الأكثر. وقيل: فى رابعه. وقيل: فى رابع عشره. ولا يصح شىء منها على قول ذى الحجة،
لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذ ذاك بمكة فى الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته وكانت بالمدينة بلا خلاف. نعم
قيل: إنه مات سنة تسع، فان ثبت يصح. وذكر الواقدى: أنه مات يوم الثلاثاء لعشر أيال خلون من شهر ربيع
الأول سنة عشر ، وتقدم قول ابن تيمية: أنه من نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب. وتقدم أيضا الاشارة إلى
تحقيق المرحوم محمود باشا الفلكى ليوم الكسوف الذى حصل فى السنة العاشرة يوم مات فيه ابراهيم عليه السلام.
وحاصله أن الشمس كسفت بالمدينة فى الساعة ٨ والدقيقة ٣٠ صباحا يوم الاثنين ٢٩ شوال سنة ١٠ الموافق
ليوم ٢٧ يناير سنة ٦٣٢ ميلادية وعلى هذا يكون ولادته فى جمادى الأولى سنة ٩ وعمره ثمانية عشر شهرا أو سبعة
عشر أو ستة عشر على اختلاف فى الروايات بادخال شهرى الميلاد والوفاة على الأول وإخراجهما على الثالث
وإدخال أحدهما على الثانى (فصلى بالناس ست ركعات) أى ركوعات إطلاقا للكل وإرادة للجزء (بأربع جدات)
أى فى ركعتين فيكون فى كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان. قال الطيبي: أى صلى ركعتين كل ركعة بثلاث
ركوعات - انتهى. والحديث قد اختلف فيه على جابر، فروى عنه عطاء كما ترى فصلى بالناس ست ركعات،
وروى عنه أبو الزبير أنه صلى ركعتين بأربع ركوعات، أخرجه مسلم وأحمد والنسائى ورواية عطاء مع كونها
فى صحيح مسلم قد أعلها البيهقى، إذ قال (ج ٣ ص ٣٢٦) بعد رواية حديث جابر من طريق عطاء مطولا ما لفظه
من نظر فى هذه القصة وفى القصة التى رواها أبو الزبير عن جابر علم أنها قصة واحدة، وأن الصلاة التى أخير
عنها إنما فعلها يوم توفى ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اتفقت رواية عروة بن الزبير وعمرة
بنت عبد الرحمن عن عائشة، ورواية عطاء بن يسار وكثير بن عباس عن ابن عباس، ورواية أبى سلمة بن
عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر، ورواية أبى الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلاها ركعتين
فى كل ركعة ركوعين ، وفى حكاية أكثرهم قوله صلى الله عليه وسلم: يومئذ إن الشمس والقمر آيتان من آيات
اللّه الخ. دلالة على أنه صلاها يوم توفى ابنه فخطب، وقال هذه المقالة ردا لقولهم: إنما كسفت لموته، وفى اتفاق
هؤلاء العدد مع فضل حفظهم دلالة على أنه لم يزد فى كل ركعة على ركوعين ، كما ذهب اليه الشافعى ومحمد بن
اسماعيل البخارى رحمهما الله تعالى - انتهى. وحاصله أن رواية أبى الزبير عن جابر أرجح لاتفاق الشيخين على
١٥٣
٠
مر عاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
رواه مسلم .
١٥٠٠ - (٧) وعن ابن عباس، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كسفت الشمس
ثمان ركعات فى أربع سيدات. وعن على مثل ذلك.
تخريجها ، ورواية عطاء مرجوحة لانفراد مسلم بها، وقد تقدم منا أن رواية تثليث الركوع وتربيعه فى كل ركعة
صحيحة، لكن رواية الركوعين فى كل ركعة أصح وأكثر وأشهر فيجب ترجيحها وتتعين هى للعمل، لأنه إنما
يؤخذ بالأصح، فالأصح من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود
والبيهقى (ج ٣ ص ٣٢٦).
١٥٠٠ - قوله (ثمان ركعات) أى ركوعات (فى أربع سجدات) يعنى ركع ثمان مرات كل أربع فى
ركما وجد فى كل ركعة سجدتين، وقد رواه مسلم من طريق آخر بلفظ: أنه صلى فى كسوف قرأ ثم ركع ثم قرأ
ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم سجد، قال والأخرى مثلها. والحديث يدل على أن من جملة صفات
صلاة الكسوف ركعتين فى كل ركعة أربع ركوعات، وهو مع كونه فى صحيح مسلم قد أعله البيه قى فقال.
(ج ٣ ص ٣٢٧) بعد روايته: وأما محمد بن اسماعيل البخارى فانه أعرض عن هذه الروايات التى فيها خلاف
رواية الجماعة، وقد روينا عن عطاء بن يسار وكثير بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلاها ركعتين
فى كل ركعة ركوعان ، وحبيب بن أبى ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلس (وصفه بذلك ابن خزيمة
والدار قطنى وابن حبان وغيرهم) ولم أجده ذكر سماعه فى هذا الحديث عن طاؤس، قال وقد روى سليمان عن
طاؤس عن ابن عباس من فعله أنه صلاها ست ركعات فى أربع سجدات ، فخالفه فى الرفع والعدد جميعا - انتهى.
وفيه أن إخراج مسلم لحديث حبيب بن أبى ثابت فى صحيحه دليل على أنه ثبت عنده أنه متصل وأنه لم يدلس
فيه. قال النووى: ما فى الصحيحين عن المدلس بعن ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى ، فالحديث
صحيح. وأما رواية سليمان الموقوفة فلا تعلل بها الرواية المرفوعة الصحيحة، لأن العبرة لما روى الراوى لا لما
رأى كذا قيل. وقد تقدم كلام ابن تيمية أن الصواب مع من أنكر على مسلم ونازعه فى إخراجه حديث صلاة
الكسوف بثلاث ركوعات وأربع ركوعات، وأن هذا من المواضع المنتقدة بلا ريب. وبالجملة هذا الحديث
وإن كان مخرجا فى صحيح مسلم لكن العمل على روايات الركوعين لكونها أكثر وأصح وأشهر وأرجح والله
تعالى أعلم (وعن على مثل ذلك) أى وروى عنه مثل رواية ابن عباس، كذا أحاله على حديث ابن عباس
ولم يذكر لفظه. وقد أسلفنا أن حديث على فى تربيع الركوع، أخرجه أحمد والبيهقى عنه مرفوعا من طريق
١٥٤
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
رواه مسلم .
١٥٠١ - (٨) وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: كنت ارتمى بأسهم لى بالمدينة فى حياة رسول الله
صلى الله عليه وسلم، إذ كسفت الشمس، فبذتها، فقلت: والله لأنظرن إلى ماحدث لرسول الله
صلى الله عليه وسلم فى كسوف الشمس. قال: فأتيته وهو قائم فى الصلاة رافع يديه، فجعل يسبح
وبهلل ویکبر ويحمد ويدعو
الحسن بن حر عن الحكم عن حنش عن على. وقيل: المراد من قوله وعن على مثل ذلك أى من فعله ، لأنه لوكان
من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لجعله حديثا على حدة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى
والبيهقى (ج ٣ ص ٣٢٧)).
١٥٠١ - قوله (وعن عبد الرحمن بن سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم وسكونها ابن حبيب بن عبد
شمس العبشمى يكنى أبا سعيد أسلم يوم فتح مكة، وصحب النى وَاتّمه. يقال: كان اسمه عبد كلال، وقيل غير
ذلك فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وشهد غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم شهد فتوح
العراق، وهو الذى افتتح سجستان وكابل وغيرهما فى خلافة عثمان، ثم نزل البصرة ومات بها سنة (٥٠) أو
بعدها ( كنت أرمى) افتعال من الرمى، أى أرمى كما وقع فى رواية أخرى لمسلم: كنت أرمى أى باب ضرب.
وفى أخرى له بينما أتَرَّفى أى من باب التفعل. وفى بعض النسخ: أترامى أى من باب التفاعل. قال فى المجمع
(ج ٢ ص ٤٠) خرجت ارتمى بأسهمى. وروى أترامى رميت بالسهم وارتميت وتراميت وراميت إذا رميت
به عن القسى. وقيل: خرجت أرتمى إذا رميت القنص وأترمى إذا خرجت ترمى فى الأهداف ونحوها - انتهى.
وقال النووى: قوله كنت ارتمى بأسهم أى أرمى، كما قاله فى الرواية الأولى، يقال: أربى وارتمى وأترامى
واتَرّمى كما قاله فى الرواية الأخيرة (بأسهم) جمع سهم (فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم) أى امتثالا
لقوله تعالى: ﴿واعدوا لهم ما استطعتم من قوة - الأنفال: ٤٠﴾، فانه صح أن النبي ◌ٍُّ فسرها بالرمى، وقال من
تعلم الرمى فتركه فليس منا (فنبذتها) أى وضعت السهام وألقيتها (فقلت) أى فى نفسى (لأنظرن) أى لأبصرن
(إلى ما حدث) أى تجدد من السنة (لرسول الله مَّة فى كسوف الشمس) زعم عبد الرحمن أنه لابد أن يقرر
النبي صلى الله عليه وسلم فى الكسوف شيئا من السنن فأراد أن ينظره (وهو قائم فى الصلاة رافع يديه) قال
النووى: فيه دليل لأصحابنا فى رفع اليدين فى القنوت، ورد على من يقول لا ترفع الأيدى فى دعوات الصلاة
١٥٥
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
حتى حسر عنها، فلما حسرعنها قرأ سورتين وصلى ركعتين. رواه مسلم فى صحيحه عن عبد الرحمن
ابن سمرة،
(حتى حسر عنها) على بناء المفعول أى أزيل الكسوف عن الشمس. ويحتمل أن لا يكون فى ((حسر)) ضمير ويكون
مستدأ إلى الجار والمجرور أى أزيل وكشف ما بها (فلما حسر عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين) هذا صريح فى
أنه شرع فى الصلاة بعد الانجلاء، وهو خلاف لسائر الروايات، فقال بعضهم: إن هذه الصلاة كانت تطوعا
مستقلا بعد انجلاء الكسوف لا أنها صلاة الكسوف، وهذا مخالف لظاهر قوله: فأتيته وهو قائم فى الصلاة الخ
وقال فى الاهات : صلى ركعتين أى أتم صلاته التى كان شرع فيها وحسر عنها فى أثناءما . وقال الطيبي: يعنى دخل
فى الصلاة ووقف فى القيام الأول وطول التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد حتى ذهب الخسوف، ثم قرأ القرآن
وركع ثم سجد، ثم قام فى الركعة الثانية وقرأ فيها القرآن وركع وسجد وتشهد وسلم - أنتهى. وقال النووى
بعد ذكر رواية مسلم بلفظ: فانتهيت إليه وهو رافع يديه يدعو ويكبر ويحمد ويهلل حتى جلى عن الشمس فقرأ
سورتين وركع ركعتين ما لفظه: هذا مما يستشكل ويظن أن ظاهره أنه ابتدأ صلاة الكسوف بعد انجلاء الشمس
وليس كذلك، فإنه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد انجلاءها، وقوله: فانتهيت اليه وهو رافع يديه محمول على أنه
وجده فى الصلاة، كما فى الرواية الأخرى: فأتيته وهو قائم فى الصلاة ، ثم جمع الراوى جميع ماجرى فى الصلاة
من دعاء وتكبير وتهليل وتحميد وتسبيح وقراءة سورتين فى القيامين الأخيرين الركعة الثانية، وكانت السورتان
بعد الانجلاء تتميما للصلاة فتمت جملة الصلاة ركعتين، أولها فى حال الكسوف، وآخرها بعد الانجلاء، وهذا
الذى ذكرته من تقديره لابد منه جمعا بين الروايتين ، لأنه مطابق الرواية الثانية ولقواعد الفقه ولروايات
باقى الصحابة - انتهى. لكن هذا الجواب لا يوافق رواية النسائى لحديث عبد الرحمن بن سمرة بلفظ: فأتيته ما يلى
ظهره وهو فى المسجد ، فجعل يسبح ويكبر ويدعو حتى حسر عنها ، قال ثم قام فصلى ركعتين وأربع سجدات -
انتهى. وعلى هذا فالترجيح لسائر الروايات التى تدل على أن انجلاء كان فى جلوس التشهد بعد الركعة الثانية وقبل
السلام. وظاهر هذا الحديث أنه صلى ركعتين كل ركعة بركوع، وهو أيضا مستبعد بالنظر إلى سائر الروايات.
وتأوله المازرى على أنها كانت صلاة تطوع بعد الانجلاء لاصلاة كسوف فإنه إنما صلى بعد الانجلاء
وابتداءها بعد الانجلاء لا يجوز. وضعفه النووى بمخالفته لقوله فأتيته وهو قائم فى الصلاة الخ. فتأوله هو
على أن قوله صلى ركعتين يعنى فى كل ركعة قيامان وركوعان - انتهى. وقال القرطبى: يحتمل أنه أنما أخبر
عن حكم ركعة واحدة وسكت عن الركعة الأخرى - انتهى. وهذا يرده لفظ النسائى: فصلى ركعتين أو أربع
سجدات، فالصواب أن يقال إن الترجيح لروايات الركوعين فى كل ركعة لكونها صريحة، ولكونها أصح
وأشهر وأكثر، والله تعالى أعلم. (رواه مسلم فى صحيحه عن عبد الرحمن بن سمرة) وأخرجه أيضا أحمد
١٥٦
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
وكذا فى شرح السنة عنه. وفى نسخ المصابيح عن جابر بن سمرة.
١٥٠٢ - (٩) وعن أسماء بنت أبى بكر، قالت: لقد أمر التى صلى الله عليه وسلم بالعتاقة فى
كسوف الشمس. رواه البخارى.
( الفصل الثانى )
١٥٠٣ - (١٠) عن سمرة بن جندب، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كسوف
لا نسمع له صوتا.
(ج ٥ ص ٦١ - ٦٢) وأبو داود والنسائى والحاكم (ج ١ ص ١٢٩) والبيهقى (ج٣ ص ٣٣٢) (وكذا فى
شرح السنة) البغوى صاحب المصابيح (عنه) أى عن عبد الرحمن بن سمرة (وفى نسخ المصابيح عن جابربن سمرة)
أى بدل عبد الرحمن بن سمرة ، فالظاهر أن ما فى المصابيح من خطأ الناسخ وسهوه، ويؤيد ذلك رواية صاحب
المصابيح هذا الحديث فى شرح السنة عن عبد الرحمن بن سمرة قال المؤلف وجدت حديث عبد الرحمن بن سمرة
فى صحيح مسلم وكتاب الحميدى والجامع وفى شرح السنة بروايته، ولم أجد لفظ المصابيح فى الكتب المذكورة
برواية جابر بن سمرة ، ذكره الطبي، كذا فى المرقاة .
١٥٠٢ - قوله (لقد أمر التى تَّثَّ بالعناقة) بفتح العين المهملة أى الاعتاق يعنى فك الرقاب من العبودية
(فى كسوف الشمس) فيه مشروعية الاعتاق عند الكسوف. والأمر محمول على الاستحباب دون الوجوب بالاجماع،
والاعتاق وسائر الخيرات مأمور بها فى خسوف الشمس والقمر، لأن الخيرات تدفع العذاب (رواه البخارى)
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦ ص ٣٤٥) وأبو داود والحاكم (ج ١ ص ٣٣٢) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٤٠).
١٥٠٣ - قوله (فى كسوف) أى للشمس كما فى رواية أبى داود والنسائى وغيرهما (لا نسمع له صوتا)
قال الفارى وغيره: هذا يدل على أن الامام لا يجهر بالقراءة فى صلاة كسوف الشمس - انتهى. وقال السندى:
يمكن أنه حكاية لحال من كان مع سمرة فى الصفوف البعيدة، ولا يلزم من عدم سماعهم نفى الجهر - انتهى.
وكذا قال المجد بن تيمية فى المنتقى، وابن حبان فى صحيحه، لكن فى رواية سمرة المطولة عند أبى داود والنسائى
والبيهقى وغيرهم ما يدفع هذا الاحتمال كما لا يخفى على المتأمل. والصواب أن يقال أن أحاديث الجهر (حديث
عائشة المتقدم فى أول الباب وحديث أسماء عند البخارى على ما ذكره الزيلعى فى نصب الراية، وابن الهمام فى فتح
القدير ، وحديث على عند ابن خزيمة والطحاوى) نصوص صريحة فى الجهر، وحديث سمرة وما فى معناه إن ثبت
١٥٧
مرعاة المفاتيح ج .
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
رواه الترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه.
١٥٠٤ - (١١) وعنت عكرمة، قال: قيل لابن عباس، ماتت فلانة، بعض أزواج النبى صلى اللّه
عليه سلم، نفر ساجدا، فقيل له: تسجد فى هذه الساعة ؟
ليس بنص فى السر وففى الجهر ولا يوازى أحاديث الجهر فى الصحة ، فيتعين تقديم أحاديث الجهر لكونها أصح
ولكونها متضمنة للزيادة ولكونها مثبتة (رواه الترمذى) وصححه (وأبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى
(والنسائي وابن ماجه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ١٦) وابن حبان والبيهقى (ج ٣ ص ٣٣٥ و ٣٣٩)
والطحاوى والحاكم (ج ١ ص ٣٣١ و ٣٣٤) وصححه، وقال ابن حزم فى المحلى (ج ٥ ص ١٠٢) هذا لا يصح،
لأنه لم يروه (عن سمرة) إلا ثعلبة بن عبّاد وهو مجهول - انتهى. وقال الحافظ فى التهذيب (ج ٢ ص ٢٤) فى
ترجمة ثعلبة: هذا ذكره ابن المدينى فى المجاهيل الذين يروى عنهم الأسود بن قيس. وأما الترمذى فصحح حديثه،
وذكره ابن حبان فى الثقات . وقال ابن حزم : مجهول ، وتبعه ابن القطان، وكذا نقل ابن المواق عن العجلى -
انتهى. وقال فى التلخيص: وأعله ابن حزم بجهالة ثعلبة بن عباد راويه عن سمرة. وقد قال ابن المدينى: إنه
مجهول، وقد ذكر (ابن حبان فى الثقات، مع أنه لا راوى له إلا الأسود بن قيس - انتهى. والحديث أخرجه
الترمذى وابن ماجه مختصرا، وأبو داود وابن حبان مطولا وأحمد والنسائى والحاكم والبيهقى مطولا ومختصرا.
١٥٠٤ - قوله (وعن عكرمة) مولى ابن عباس (ماتت فلانة) هى صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم،
ففى رواية البيهقى (ج ٣ ص ٣٤٣): قال عكرمة سمعنا صوتا بالمدينة، فقال لى ابن عباس با عكرمة! انظر
ما هذا الصوت، قال فذهبت فوجدت صفية بنت حيي امرأة النبى صلى الله عليه وسلم قد توفيت - الحديث. وفى
تهذيب الكمال الحافظ المزى عن عكرمة قال: توفيت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. قال اسحاق بن
راهويه: أظنه سماها صفية بنت حيي بالمدينة، فأتيت ابن عباس فأخبرته الخ كذا فى حاشية تهذيب التهذيب
(ج ٤ ص ١٢٨) (بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم) الظاهر أن الراوى فى اسمها فكنى عنها بلفظ
فلانة ثم بين أن المراد بقوله فلانة بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بالرفع بدل أو بيان أو خبر
مبتدأ محذوف والنصب بتقدير يعنى (غير) أى سقط ووقع (ساجداً) أى آنيا بالسجود (فقيل له تسجد) يحذف
الاستفهام (فى هذه الساعة) وفى الترمذى وأبى داود والبيهقى تسجد هذه الساعة أى بحذف حرف الجر قبل
هذه الساعة، وكان الوقت وقت كراهة الصلاة، فقاسوا عليها كراهة السجدة ، ففي رواية البيهقى المذكورة:
قال عكرمة فجئت الى ابن عباس فوجدته ساجدا ولما تطلع الشمس، فقلت سبحان الله تسجد ولم تطلع الشمس
١٥٨
٠
١
مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم آية فاسجدوا وأى آية أعظم من ذهاب أزواج
النبى صلى الله عليه وسلم؟ رواه أبو داود، والترمذى .
﴿ الفصل الثالث )
١٥٠٥ - (١٢) عن أبي بن كعب، قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فصلى بهم ، فقرأ بسورة من الطول،
بعد الح وفى رواية تهذيب الكمال: فأتيت ابن عباس فأخبرته فسجد فقلت له أتسجد ولما تطلع الشمس
الخ (إذا رأيتم آية) أى علامة مخوفة، قال الطيبي: قالوا المراد بها العلامات المنذرة بنزول البلايا والمحن التى يخوف
الله بها عباده ووفاة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من تلك الآيات، لأنهن ضممن إلى شرف الزوجية شرف
الصحبة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: أنا أمنة أصحابى، فإذا ذهبت أتى أصحابى ما يوعدون، وأصحابى أمنبة
أهل الأرض - الحديث. فهن أحق بهذا المعنى من غيرهن، فكانت وفاتهن سالبة للأمن، وزوال الآمنة موجب
الخوف (فاسجدوا) قال الطيبي: هذا مطلق، فان أريد بالآية خسوف الشمس والقمر فالمراد بالسجود الصلاة،
وإن كانت غيرها كمجئى الريح الشديدة والزلزلة وغيرهما ، فالسجود هو المتعارف. ويجوز الحمل على الصلاة أيضاً
لما ورد كان اذا حزبه أمر فزع الى الصلاة - انتهى. قلت: قد ثبت عن ابن عباس أنه صلى فى زلزلة بالبصرة،
كما روى البيهقي (ج ٣ ص ٣٤٣) (وأى آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم)، لأن لهن فضل
الصحبة مع فضل خاص ثابت للزوجية ليس لأحد من الأصحاب، وأيضا بذها بهن يذهب ما تفردن من العلم
بأحواله صلى الله عليه وسلم. قال القارى: لأنهن ذوات البركة فيحياتهن يدفع العذاب عن الناس ويخاف
العذاب بذها بهن، فينبغى الالتجاء الى ذكر الله والسجود عند انقطاع بركتهن ليندفع العذاب ببركة الذكر
والصلاة - انتهى. ولفظ البيهقى فى الرواية التى ذكرنا أولها فقال (أى ابن عباس): يا لا أم لك، أليس قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم فاسجدوا فأى آية أعظم من أن يخرجن أمهات المؤمنين من بين أظهرنا
ونحن أحياء (رواه أبو داود) وسكت عنه (والترمذى) وقال هذا حديث حسن غريب، وأخرجه أيضاً
البيهقى. قال المنذرى: فى إسناده سلم بن جعفر (البكراوى أبو جعفر الأعمى). قال يحيى بن كثير العنبرى: صاحبه
كان ثقة. وقال الموصلى، يعنى أبا الفتح الأزدى: متروك الحديث لا يحتج به، وذكر هذا الحديث - انتهى. قلت:
وثقة أيضاً ابن المدينى، وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال فى التقريب: صدوق تكلم فيه الأزدى بغير حجة .
١٥٠٥ - قوله (فصلى بهم) أى صلاة الكسوف (فقرأ بسورة من الطول) بضم الطاء وتكسر وبفتح
١٥٩
مرعاة المفاتيح ج .
٤ - كتاب الصلاة
٥٠ - باب صلاة الخسوف
وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام الثانية فقرأ بسورة من الطول، ثم ركع خمس ركعات،
وسجد سجدتين، ثم جلسٍ كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها. رواه أبو داود.
الواو. قال الطيبي: جمع الطولى كالكبرى والكبر (وركع خمس ركعات) أى ركوعات (ثم قام الثانية) بالنصب
على نزع الخافض ، كذا وقع فى جميع النسخ الحاضرة، وهكذا فى جامع الأصول ( ج٧ ص ١٢٥) قال القارى:
وفى نسخة أى من المشكاة الى الثانية - انتهى. وعند البيهقى: ثم قام فى الثانية (ثم جلس كما هو) أى كائنا على
الهيئة التى هو عليها (مستقبل القبلة) بالنصب أى جلس بعد الصلاة كجلوسه فيها يعنى مستقبل القبلة (حتى انجلى
کسوفها) أى انکشف وارتفع، والحديث دليل على أن صلاة الكسوف ر کعتان فى كل ركعة خمس ركوعات،
لكنه معلول كما ستعرف، فلا يعارض أحاديث الركوعين (رواه أبو داود) وأخرجه أيضاً عبد الله بن أحمد فى
زیادات المسند (ج ہ ص ١٤٣)، والحاكم (ج١ ص٣٣٣) والبيهقى (ج ٣ ص ٣٢٩) وقد سكت عنه أبو داود.
وقال المنذرى: فى إسناده أبو جعفر واسمه عيسى بن عبد الله بن ماهان الرازى وفيه مقال، واختلف فيه قول.
ابن معين وابن المدينى - انتهى. وقال الزيلعى: أبو جعفر الرازى، فيه مقال. قال النووى فى الخلاصة: لم يضعفه
أبو داود وهو حديث فى إسناده ضعف - انتهى. وقال البيهقى: هذا إسناد لم يحتج بمثله صاحبا الصحيح، وهذا
توهين منه للحديث بأن سنده بما لا يصلح للاحتجاج به. وقال الحاكم: الشيخان قد محجرا أبا جعفر الرازى ولم يخرجا
عنه وحاله عند سائر الأتمة أحسن الحال، وهذا الحديث فيه ألفاظ ورواته صادقون - انتهى. وتعقبه الذهبى، فقال
خبر منكر ، وعبد الله بن أبى جعفر (الراوى عن أبى جعفر عند أبى داود والحاكم) ليس بشىء، وأبوه فيه لين -
انتهى. وقال النيموى: فى إسناده لين. وقال الشوكانى: وروى عن ابن السكن تصحيح هذا الحديث - انتهى. قلت: فى
تصحيحه نظر قوى، فان أبا جعفر الرازى قد تفرد بهذا الحديث عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبى بن
كعب، وأبو جعفر مختلف فيه وثقه ابن معين فى رواية اسحاق بن منصور والدورى، ووثقه أيضا ابن المدينى فى
رواية وابن عمار الموصلى وأبو حاتم وابن سعد والحاكم وابن عبد البر. وقال أحمد فى رواية. والنسائى والعجلى:
ليس بالقوى. وقال عمرو بن على الفلاس وابن خراش: هو من أهل الصدق سيئ الحفظ. وقال أبو زرعة: شيخ
يهم كثيرا. وقال ابن حبان، كان ينفرد عن المشامير بالمناكير لا يعجبنى الاحتجاج بحديثه إلا فيما وافق الثقات .
وقال الحافظ فى التقريب: صدوق سيئى الحفظ - انتهى. والربيع بن أنس، ذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال
الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبى جعفر عنه، لأن فى أحاديثه عنه اضطرابا كثيرا - انتهى. وقد ظهر
بهذا كله أن من وثق أبا جعفر الرازى فانما وثقه لكونه من أهل الصدق والستر والصلاح، ومن تكلم فيه إنما
تكلم لسوء حفظه. ومن المعلوم أن الراوى إذا كان سيئى الحفظ لا يحتج بحديثه إذا تفرد به، والله أعلم.
١٦٠