النص المفهرس

صفحات 21-40

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
(٤٧) باب صلاة العيدين
وأشار اليه أبو داود فى ((باب من قال يصلى بكل طائفة ركعة ولا يقضون)) فقال بعد رواية حديث حذيفة بلفظ:
فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا، وكذا رواه عبد الله بن عبد الله ومجاهد عن ابن عباس عن النبي محمدالله
وعبد الله بن شقيق عن أبى هريرة عن النبي ◌َّ الخ تنبيه قال الحافظ: لم يقع فى شىء من الأحاديث المروية
فى صلاة الخوف تعرض لكيفية صلاة المغرب، وقد أجمعوا على أنه لا يدخلها قصر واختلفوا هل الأولى أن يصلى
بالأولى ثنتين والثانية واحدة أو العكس - انتهى كلام الحافظ. قلت: روى الدار قطنى (ص ١٨٧) والحاكم
(ص ٣٣٧) والبيهقى ( ج ٣ ص ٢٦٠) من طريق عمرو بن خليفة البكراوى عن الأشعث بن عبد الملك عن الحسن
عن أبى بكرة أن النبي ◌َّ صلى بالقوم فى الخوف صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم انصرف، وجاء الآخرون
فصلى بهم ثلاث ركعات . قال الحاكم سمعت أبا على الحافظ يقول هذا حديث غريب. قال الحاكم: وإنه صحيح
على شرط الشيخين وأقره الذهبي . وقال أبوداود بعد رواية حديث أبى بكرة فى صلاة الخوف فى الظهر، وكذلك
فى المغرب: يكون للامام ست ركعات، وللقوم ثلاثاً ثلاثا. وهذا يدل على أنه ليس عنده فى المغرب إلا القياس.
قال الشوكانى: وهو قياس صحيح . وقال البيهقى بعد ذكر كلام أبى داود هذا: وقد رواه بعض الناس عن أشعث
فى المغرب مرفوعا، ولا أظنه إلا واهما فى ذلك ، ثم ذكر الحديث من الطريق المذكور، وقد تفرد بروايته عمرو
ابن خليفة البكراوى . وقال فى اللسان فى ترجمته : ربما كان فى روايته بعض المناكير. وذكره ابن حبان فى الثقات
وأخرج له ابن خزيمة فى صحيحه. وأرجع لاختلاف العلماء فى كيفية صلاة المغرب فى الخوف إلى المغنى (ج ٢
ص ٤١٠ - ٤١١)
( باب صلاة العيدين) أى الفطر والأضحى. وأصل العيد عود، لأنه مشتق من عاد يعود عوداً، وهو
الرجوع ، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، كما فى الميزان والميقات، وجمعه أعياد للزوم الياء فى الواحد
أو الفرق بينه وبين أعواد الخشب. وسميا عيدين لكثرة عوائد اللّه تعالى فيهما، أو لأنهم يعودون اليهما مرة بعد
أخرى، أو لتكررهما وعودهما كل عام، أو لعود السرور بعودهما. قال فى الأزهار: كل اجتماع للسرور فهو
عند العرب عيد، يعود السرور بعوده. وقيل: لأن الله تعالى يعود على العباد بالمغفرة والرحمة، وقيل تفاؤلا بعوده
على من أدركه، كما سميت القافلة تفاؤلا برجوعها. وقيل: لعود بعض المباحاة فيهما واجباً كالفطر. وقيل لأنه
يعاد فيهما التكبيرات مرات، والله تعالى أعلم. وارجع لحكمة مشروعيتها إلى حجة الله البالغة (ج ٢ ص ٢٣)
تحدث الهند الشاه ولى الله الدهلوى، فإنه قد بسط الكلام فيها فأجاد وأحسن، واتفقوا على أن أول عيدتصلاة
النبي صلى الله عليه وسلم عيد الفطر فى السنة الثانية من الهجرة، وهى التى فرض رمضان فى شعبانها ، ثم داوم عليه
٢١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
الفصل الأول )
١٤٤٠ - (١) عن أبى سعيد الخدرى، قال: كان التى تثم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى،
النبي ◌َّم إلى أن توفاه الله عز وجل. وقيل: شرع عيد الأضحى أيضاً فى السنة الثانية من الهجرة. واختلفوا فى
حكم صلاة العيدين: قال المرتضى الزبيدى الحنفى فى شرح الاحياء: قال أصحابنا: صلاة العيدين واجبة على من
تجب عليه الجمعة نصاً عن أبى حنيفة فى روايته على الأصح، وبه قال الأكثرون، وهو المذهب. ونقل ابن هبيرة
فى الافصاح رواية ثانية عن الامام بأنها سنة. قال ابن عابدين: الأول قول الأكثرين، كما فى المجتبى ونص
على تصحيحه فى الخانية والبدائع والهداية والمحيط والمختار والكافى وغيرها - انتهى. ورجح السرخسى فى المبسوط
كونها سنة. وقال مالك والشافعى: سنة مؤكدة لرواية الأعرابى إلا أن تطوع. وقال أحمد هى فرض على
الكفاية كالجنائز إذا قام بها من يكفى سقطت عن الباقين، وبه قال بعض أصحاب الشافعى. والراجح عندى
ما ذهب إليه أبو حنيفة من أنها واجبة على الأعيان لقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر - الكوثر: ٢) والأمر
يقتضى الوجوب، ولمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على فعلها من غير ترك، ولأنها من أعلام الدين الظاهرة،
فكانت واجبة، ولا يخالف ذلك حديث الأعرابى، لأن المراد ففى وجوب ماعدا الصلوات الخمس فى كل يوم وليلة
وصلاة العيد ليست مما تجب وتتكرر فى كل يوم وليلة. واختلفوا فى شروطها ، فقال الحنفية يشترط لها جميع
ما يشترط للجمعة وجوباً وأداء إلا الخطبة، فانها ليست بشرط لها، بل هى سنة بعدها. وأجاز مالك والشافعى أن
يصليها منفرداً من شاء من الرجال والنساء والعبيد والمسافرين، وعن أحمد روايتان كالقولين، كما فى المغنى (ج ٢
ص ٣٩٢ - ٣٩٣) والمرجح عند الحنابلة هو القول الأول. والراجح عندى هو ما ذهب اليه مالك والشافعى
لعدم ما يدل على ما ذهب اليه الحنفية من كون شروط الجمعة شروطاً للعيد، والله تعالى أعلم .
١٤٤٠ - قوله (يخرج يوم الفطر والأضحى) أى يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى (إلى المصلى) أى
مصلى العيد ، وهو موضع معروف خارج باب المدينة ، بينه وبين باب المسجد ألف ذراع. قاله عمر بن شبة فى
أخبار المدينة عن أبى غسان الكتانى صاحب مالك. واستدل به على استحباب الخروج إلى الصحراء لأجل صلاة
العيد، وإن ذلك أفضل من صلاتها فى المسجد ولو كان واسعاً . وهذا مذهب الحنفية والحنابلة والمالكية.
وقال الشافعية فعلها فى المسجد الحرام وبيت المقدس أفضل من الصحراء تبعاً السلف والخلف ولشرفهما وأوسعهما
وفعلها فى سائر المساجد إن اتسعت أولى، لأنها خير البقاع وأطهرها، ولسهولة الحضور اليها، فلو صلى فى
الصحراء كان تاركاً للأولى. قال الشافعى فى الأم: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج فى
فى العيدين إلى المصلى بالمدينة، وكذا من بعده إلا من عذر مطر ونحوه، وكذلك عامة أهل البلدان إلا أهل مكة
٢٢
١

من عاة المفاتيح ج ٥
كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
فاول شىء يبدأ به الصلاء، ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم،
ثم أشار إلى أن سبب ذلك سعة المسجد وضيق أطراف مكة ، قال فلو عمر بلد فكان مسجد أهله يسعهم فى
الأعياد لم أر أن يخرجوا منه، فإن كان لا يسعهم كرهت الصلاة فيه ولا إعادة. قال الحافظ: ومقتضى هذا أن
العلة تدور على السعة والضيق لا لذات الخروج إلى الصحراء، لأن المطلوب جصول عموم الاجتماع، فإذا حصل
فى المسجد مع أفضليته كان أولى - انتهى. قال الشوكانى: وفيه أن كون العلة الضيق والسعة مجرد تخمين
لا ينتهض للاعتذار عن التأسى به صلى الله عليه وسلم فى الخروج إلى الجبانة بعد الاعتراف بمواظبته معروف على
ذلك. وأما الاستدلال على أن ذلك هو العلة بفعل الصلاة فى مسجد مكة فيجاب عنه باحتمال أن يكون ترك
الخروج إلى الجبانة لضيق أطراف مكة لا للسعة فى مسجدها - انتهى. والراجح عندى ما ذهب إليه الحنفية من
أن الخروج إلى الصحراء أفضل ولو كان مسجد البلد واسعاً، لأنه قد واظب النبى وى على الخروج إلى الجبانة
وترك مسجده، وكذلك الخلفاء بعده، ولا يترك النبى صلى الله عليه وسلم الأفضل مع قربه، ويتكلف فعل
الناقص مع بعده ، ولا يشرع لامته ترك الفضائل، ولأننا قد أمرنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به
ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص، ولم ينقل عن النبى مَثم أنه صلى العيد بمسجده إلا من عذر كما
سيأتى، ولأن هذا اجماع المسلمين، فان الناس فى كل عصر ومصر يخرجون إلى المصلى ، فيصلون العيد فى المصلى
مع سعة المسجد وضيقه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى فى المصلى مع شرف مسجده وصلاة النفل فى البيت
أفضل منها فى المسجد مع شرفه (فأول شىء يبدأ) أى التى تَبَث (به الصلاة) برفع ((أول، على أنه مبتدأ.
وقوله ((الصلاة)) خبره. ولفظ ((أول)) وإن كان نكرة فقد تخصص بالاضافة، والأولى جعل أول خبراً مقدماً
والصلاة مبتدأ، لأنه معرفة وإن تخصص أول، فلا يخرج عن التنكير. وجملة ((يبدأ به)) فى محل الجر صفة لشئ ..
وفيه أن السنة تقديم الصلاة على الخطبة ، وسيأتى الكلام عليه مبسوطاً (ثم ينصرف) أى من الصلاة (فيقوم
مقابل الناس) بكسر الباء حال أى مواجهاً لهم. وفى رواية ابن حبان: فينصرف إلى الناس قائماً فى مصلاه.
ولابن خزيمة فى رواية مختصرة خطب يوم عيد على رجليه، وهذا مشعر بأنه لم يكن اذ ذاك فى المصلى منير. وفيه
أن السنة كون الخطبة على الأرض عن قيام فى المصلى. والفرق بينه وبين المسجد ، أن المصلى يكون بمكان فيه
فضاء، فيتمكن من رويته كل من حضر بخلاف المسجد، فإنه يكون فى مكان محصور فقد لا يراه بعضهم. ووقع
فى آخر الحديث ما يدل على أن أول من خطب الناس فى المصلى على المنبر مروان. وسيأتى الكلام عليه فى آخر.
الباب (والناس جلوس) جملة اسمية حالية. و ((جلوس)) جمع جالس (على صفوفهم) أى مستقبلين له على حالتهم.
التى كانوا فى الصلاة عليها (فيعظهم) أى يخوفهم عواقب الأمور. وقيل: يذكرهم بالعواقب بشارة مرة، ونذارة
٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
ويوصيهم، ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطع بعنا قطعه، أو يأمر بشىء أمر به، ثم ينصرف.
متفق عليه .
١٤٤١ - (٢) وعن جابر بن سمرة، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيدين غير
مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة.
أخرى، وبالوعد فى الثواب ، وبالوعيد فى العقاب لئلا يستلذهم فرط السرور فى هذا اليوم ، فيغفلون عن الطاعة
ويقعون فى المعصية. وقيل: ينذرهم ويخوفهم ليتقوا من عقاب الله (ويوصيهم) بسكون الواو. وقيل: من
التوصية أى بالتقوى لقوله تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإيا كم أن اتقوا الله - النساء:
١٣١) وقيل: أى بما تبنى الوصية به. وقيل: أى فى حق الغير لينصحوا له. وقيل: بادامة الطاعات، والتحرز عن
السيئات، وبرعاية حقوق الله، وحقوق عباده، ومنها النصح التام لكل مسلم (ويأمرهم) أى وينها هم يعنى بما يظهر
له من الأمر والنهى المناسب للقام فيكون الاختصار على بأمرهم من باب الاكتفاء. وقيل: بأمرهم بالحلال
وينهاهم عن الحرام (وإن كان يريد) أى فى ذلك الوقت (أن يقطع) أى يرسل ( بعثاً ) بفتح الباء وسكون العين
مصدر بمعنى المبعوث يعنى طائفة من الجيش إلى جهة من الجهات للغزو (قطعه) أى أرسله. وقيل: ((قطعه))
بمعنى وزعه على القبائل وقسمه بأن يقول يخرج من بنى فلان كذا، ومن بنى فلان كذا . وفى النهاية: أى لو أراد
أن يفرد قوما من غيرهم يبعثهم إلى الغزو لأفردهم وبعثهم ( أو يأمر) بالنصب (بشىء) أى وإن كان يريد أن
يأمر بشىء مما يتعلق بالبعث وقطعه من الحرب والاستعداد لها، وليس هذا بتكرار، لأن معناه غير معنى الأول
على ما لا يخفى (أمر به) أى لأمر بما أراد به من الأمر (ثم ينصرف) أى ثم هو يرجع إلى بيته (متفق عليه) واللفظ
للبخارى فى باب الخروج إلى المصلى بغير منبر. وفى آخره: فقال أبو سعيد فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت
مع مروان، وهو أمير المدينة فى أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت ، فإذا مروان
يريد أن يرتقيه قبل أن يصلى بجذت بثوبه فيذنى، فارتفع لخطب قبل الصلاة. فقلت له: غيرتم والله. فقال:
يا أبا سعيد ! قد ذهب ما تعلم. فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم. فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا
بعد الصلاة بجعلتها قبل الصلاة - انتهى. وأصل الحديث أخرجه أحمد والنسائى وإليهتى (ج٣ ص ٢٨٠) وغيرهم
١٤٤١ - قوله (صليت مع رسول اللّه مَة العيدين غير مرة ولا مرتين) قال الطيبي: حال أى كثيراً
(بنير أذان ولا إقامة) فيه دليل على عدم شرعية الأذان والإقامة فى صلاة العيدين. قال الترمذى: والعمل عليه عند
أهل العلم من أصحاب التى تَّ وغيرهم أن لا يؤذن لصلاة العيدين ولالشىء من النوافل. وقال العراقى: وعليه
٢٤
٠٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤- كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
رواه مسلم .
١٤٤٢ - (٣) وعن ابن عمر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يصلون
العيدين قبل الخطبة.
عمل العلماء كافة. وقال ابن قدامة فى المغنى (ج ٢ ص ٣٧٨) ولا نعلم فى هذا خلافاً لمن يعتد بخلافه إلا أنه
روى عن ابن الزبير أنه أذن وأقام. وقيل: أول من أذن فى العيد ابن زياد - انتهى. وروى ابن أبى شيبة فى المصنف
باسناد صحيح قال: أول من أحدث الأذان فى العيد معاوية. وقد زعم ابن العربى أنه رواه عن معاوية من لا يوثق
به. قال ابن قدامة: وقال بعض أصحابنا: ينادى لها الصلاة جامعة، وهو قول الشافعى، وسنة رسول اللّه مح له
أحق أن تقبع ـ انتهى. قلت: استدل الشافعى لذلك بما روى عن الثقة عن الزهرى أنه صلى الله عليه وسلم كان
يأمر المؤذن فى العيدين فيقول الصلاة جامعة : قال الحافظ : وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة الكسوف
لثبوت ذلك فيها - انتهى. قال الأمير اليمانى: وفيه تأمل. قلت: ويخالفه ما روى مسلم عن عطاء عن جابر قال:
لا أذان للصلاة يوم العيد ولا إقامة ولا شىء ، فإن هذا يدل على أنه لا يقال إمام صلاتها شىء من الكلام قال
الزيدى: والاعتبار فى ذلك أنه لما توفرت الدواعى على الخروج فى هذا اليوم إلى المصلى من الصغير والكبير
سقط حكم الأذان والإقامة ، لأنهما للاعلام لتنبيه الغافل، والتهيؤ ههنا حاصل، فحضور القلب مع الله يغنى عن
اعلام الملك بلمته الذى هو بمنزلة الأذان والإقامة للاسماع. والذى أحمدته معاوية مراعاة للنادر ، وهو تنبيه
الغافل، فإنه ليس ببعيد أن يغفل عن الصلاة بما يراه من اللعب - انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد
وأبو داود والترمذى والبيهقى ( ج ٣ ص ٢٨٤).
١٤٤٢ - قوله ( كان رسول الله ريّم وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة) قال النور بشتى: ذكر
الشيخين مع النبى مرَّة فيما يقرره من السنة إنما يكون على وجه البيان لتلك السنة بأنها ثابتة معمول بها قد عمل
الشيخان بها بعده ، ولم ينكر عليهما ولم يغير ، وكان ذلك بمحضر من مشيخة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
وليس ذكرهما على سبيل الاشتراك فى التشريع معاذ الله أن يظن فيه ذلك - انتهى. قلت روى الجماعة إلا الترمذى
عن ابن عباس قال شهدت العيد مع رسول الله مرثية وأبى بكر وعمر وعثمان، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة.
وفى الحديثين دليل على أن تقديم صلاة العيد على الخطبة هو الأمر الذى داوم عليه النبي مثل وخلفاء،، واستمروا
على ذلك. قال الترمذى: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وغيرهم أن صلاة
العيدين قبل الخطبة. وقيل: إن أول من خطب قبل الصلاة . روان بن الحكم. وقال ابن قدامة (ج ٢ ص ٣٨٤):
لا نعلم فيه خلافا بين المسلمين إلا عن بنى أمية. وروى عن عثمان وابن الزبير أنهما فعلاه ، ولم يصح ذلك عنهما .
٢٥

مرعاة المفاتيح ج .
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
ولا يعتد بخلاف بنى أمية، لأنه مسبوق بالإجماع الذى كان قبلهم ، ومخالف لسنة رسول اللّه عزّ الصحيحة. وقد
أنكر عليهم فعلهم ، وعد بدعة ومخالفاً للسنة - انتهى. فلو خطب قبل الصلاة فهو كمن لم يخطب ، لأنه خطب فى
غير محل الخطبة فيعيد الخطبة بعد الصلاة فإن لم يفعل صحت الصلاة، وقد أساء لترك السنة، واليه ذهب المالكية
والحنابلة. قال الباجى؛ وما روى عن أبى سعيد من إنكاره على مروان تقديم الخطبة إنما كان على وجه الكراهة،
ولذلك شهد مع مروان العيد، ولو كان أمراً محرما أو شرطا فى صحة الصلاة لما شهده. وحكى القارى عن ابن
الهمام لو خطب قبل الصلاة خالف السنة، ولا يعيد الخطبة. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنها بعد الصلاة ،
ولا يجزئ التقديم . وأما الصلاة فصحيحة اتفاقا ـ انتهى. وفى مختصر المزنى عن الشافعى ما يدل على عدم الاعتداد
بالصلاة مع تقديم الخطبة . وكذا قال النووى فى شرح المهذب: إن ظاهر قص الشافعى أنه لا يعتد بها ، قال وهو
الصواب. وهذا يدل على أن تقديم الخطبة على صلاة العيد جرام عند الشافعى، وهو مذهب الشافعية، كما هو
مصرح فى كتب فروعهم. قيل: وجه الفرق بين الجمعة وغيرها فى تقديم الخطبة وتأخيرها أن خطبة الجمعة فريضة،
فلوقدمت الصلاة على الخطبة ربما يتفرق جماعة من الناس إذا صلوا الصلاة، ولا ينتظرون الخطبة فيأنموا وأما
خطبة العيد فسنة . فلوصلى بعض القوم فلم ينتظروا استماع الخطبة لا إثم عليهم، وأختلف فى أول من خطب قبل
الصلاة ، فروى عن عمر أنه فعل ذلك ، قال عياض ومن تبعه كابن العربى والعراقى: لا يصح عنه . قال الحافظ:
وفيما قالوه نظر، لأن عبد الرزاق وأبن أبى شيبة روياه جميعا باسناد صحيح، لكن يعارضه حديث ابن عباس
وحديث ابن عمر المذكوران، فان جمع بوقوع ذلك منه نادراً، وإلا فما فى الصحيحين أصح، وروى ابن المنذر
بإسناد صحيح إلى الحسن البصرى قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم يعنى على العادة،
فرأى ناساً لم يدركوا الصلاة ، ففعل ذلك أى صار يخطب قبل الصلاة . قال الحافظ: يحتمل أن يكون عثمان فعل
ذلك أحيانا. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهرى قال: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة فى العيد
معاوية. وروى مسلم عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان . وقد أخرج
الشافعى عن عبد الله بن يزيد نحو حديث ابن عباس المذكور، وزاد: حتى قدم معاوية فقدم الخطبة، فهذا يشير
إلى أن مروان إنما فعل ذلك تبعا لمعاوية، لأنه كان أمير المدينة من جهته. وروى ابن المنذر عن ابن سيرين أن
أول من فعل ذلك زياد بالبصرة. قال عياض: ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان، لأن كلا من مروان
وزياد كان عاملا لمعاوية، فيحمل على أنه ابتدأ ذلك وتبعه عماله، والله أعلم. وقد ظهر بما قدمنا أن العلة
التى ذكرت لتقديم عثمان الخطبة على الصلاة غير التى اعتل بها مروان، لأن عثمان راعى مصلحة الجماعة فى إدراكهم
الصلاة. وأما مروان فراعى مصلحتهم فى إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنهم كانوا فى زمن مروان يتعمدون
٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤- كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
متفق عليه .
١٤٤٣ - (٤) وسئل ابن عباس: أشهدت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العيد؟ قال: نعم،
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، ثم خطب،
ترك سماع خطبته لما فيها من سب من لا يستحق السب والإفراط فى مدح بعض الناس ، فعلى هذا إنما راعى
مصلحة نفسه. قال الحافظ : يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانا بخلاف مروان ، فواظب عليه ، فلذلك نصب
اليه - أنتهى. وقال العراقى: الصواب أن أول من فعله مروان بالمدينة فى خلافة معاوية، كما ثبت ذلك فى الصحيحين
عن أبى سعيد الخدرى، قال ولم يصح فعله عن أحد من الصحابة لا عن عمر ولا عثمان ولا معاوية ولا ابن الزبير -
انتهى. وقد عرفت صحة بعض ذلك، فالمصير إلى الجمع أولى (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى والنسائى
وابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ٢٩٦).
١٤٤٣ - قوله (وسئل) بصيغة المجهول (ابن عباس) وعند البخارى. فى آخر كتاب النكاح، عن
عبد الرحمن بن عابس سمعت ابن عباس سأله رجل (أشهدت) أى أحضرت؟ وفى المصابيح: بحذف حرف الاستفهام
موافقا لما فى رواية البخارى المذكورة. ووقع فى بعض نسخ البخارى: هل شهدت . وفى بعض الروايات:
أشهدت بذكر همزة الاستفهام ، وهكذا ذكر الجزرى رواية عبد الرحمن بن عابس (ج ٧ ص ٩١)) (العيد)
أى صلاته (قال) أى ابن عباس ( نعم) أى شهدته. وفى البخارى بعده. ولولا مكانى منه ما شهدته يعنى من
صغره قال خرج إلخ (خرج رسول اللّه مَّة) أى إلى المصلى (فصلى) بالناس العيد (ثم خطب) فيه دليل على
مشروعية خطبة العيد، وليس فيه أنها خطبتان كالجمعة، وأنه يقعد بينهما، ولم يثبت ذلك من فعله محور بسند معتبر،
وإنما صفعه الناس قياسا على الجمعة واستدلالا بما روى ابن ماجه عن يحيى بن حكيم عن أبى بحر عن عبيد الله بن
عمر والرقى عن اسماعيل بن مسلم عن أبى الزبير عن جابر قال خرج رسول الله مرثية يوم فطر أو أضحى خطب
قائما، ثم قعد قعدة ثم قام . قال البوصيرى: رواه النسائى فى الصغرى من حديث جابر إلا قوله: ((يوم فطر أو
أضحى، وإسناد ابن ماجه فيه اسماعيل بن مسلم، وقد أجمعوا على ضعفه. وأبو بحر ضعيف - انتهى. وبما روى
البزار فى مسنده عن سعد بن وقاص أن النبي تَثم صلى العيد بغير أذان ولا إقامة، وكان يخطب خطبتين يفصل
بينهما بجلسة. قال الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢ ص ٢٠٣): رواه البزار جادة، وفى اسناده من لم أعرفه -
انتهى. وقال النووى فى الخلاصة : وروى عن ابن مسعود أنه قال من السنة أن يخطب فى العيدين خطبتين، فيفصل
بينهما بجلوس ضعيف غير متصل، ولم يثبت فى تكرير الخطبة شىء، ولكن المعتمد فيه القياس على الجمعة - انتهى.
٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
ولم يذكر أذانا ولا إقامة، ثم أتى النساء فوعظهن، وذكرهن، وأمرمن بالصدقة، فرأيتهن بهوين إلى.
آذانهن وحلوةهن يدفعن إلى بلال، ثم ارتفع
(ولم يذكر) أى ابن عباس فى بيان كيفية صلاته مرثية (أذاناً ولا إقامة) وهذه الجملة معترضة (ثم أتى النساء)
أى بعد الخطبة، ومعه بلال. وهذا يشعر بأن النساءكن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم (فوعظهن) أى
أنذرهن العقاب أو نصحهن بالخصوص لبعدهن وعدم سماعهن الخطبة (وذكرهن) بتشديد الكاف من التذكير.
تفسير لسابقه أو تأكيد له. وقيل: تأسيس والمعنى ذكرهن بالأوامر والنواهى المختصة بهن (وأمرهن بالصدقة)
الظاهر أن المراد بها مطلق الصدقة. وقيل: المراد الزكاة خاصة وفيه استحباب وعظ النساء وتعليمهن أحكام الاسلام
وتذكير هن بما يجب عليهن ويستحب حثهن إلى الصدقة، وتخصيصهن بذلك فى مجلس منفرد. ومحل ذلك كله إذا أمن
الفتنة والمفسدة (بهوين) بفتح أوله وكسر الواو من الهُوِىّ وبضم أوله من الأهواء أى يقصدن (إلى آذانمن)
بالمد جمع أذن. وقيل: المراد يهوين بأيديهن إلى آذانهن اى يمددن أيديهن اليها (وحلوقهن) جمع حلق بفتح
الحاء وسكون اللام، وهو الحلقوم أى إلى ما فيها من القرط والقلادة (يدفعن) أى حال كونهن يدفعن ما أخذن من
آذانهن وحلو قهن (إلی بلال) أی بالقاء، فی ثوبه . وفى رواية : یهوین بأید یین یقذفته فى ثوب بلال، أى يمددن
أيديهن بالصدقة حال كونهن يرمين المتصدق به فى ثوب بلال ، يقال: أهوى بيده اليه أى مدها نحوه وأمالها
اليه ، ويقال: أهوى بيده إلى الشىء ليأخذه، أى مدّ يده اليه. وقيل: الباء زائدة. وحقيقته أهوى يده اليه أى
جعلها ماوية بمعنى ذاهبة قاصدة. ثم الأقرب أن الحلى كانت ملكا لهن. واستدل به على جواز صدقة المرأة من
مالها من غير توقف على إذن زوجها ، وعلى مقدار معين من مالها كالثلث خلافا لبعض المالكية . ووجه الدلالة
من القصة ترك الاستفصال عن ذلك كله، فانه رثة لم يسألهن هل استأذن أزواجهن فى ذلك أم لا، وهل هو خارج
من الثلث أم لا؟ ولو أختلف الحكم بذلك لسأل. لا يقال: إن الغالب حضور أزواجهن فتركهم الافكار يكون
رضا بفعلهن ، لأنا نقول إن النساءكن معتزلات لا يعلم الرجال من المتصدقة منهن من غيرها ، ولا قدر ما يتصدق
به، ولو علموا فسكوتهم ليس اذنا. وقال القرطبي: ليس فيه تسليم أزواجهن لهن ذلك، لأن من ثبت له الحق
فالأصل بقاءَه حتى يصرح بإسقاطه، ولم ينقل أن القوم صرحوا بذلك - انتهى. وأما قوله مَيّ لا يجوز لامرأة
عطية إلا بإذن زوجها، فهو محمول على الأولى، وخص منه أمر المولى، أو محمول على العطية العرفية من الهبة
للأجنبية بناء على المعاشرة الزوجية ، أو على الصدقات التطوعية دون الواجهات والفرضية. وقيل : لا يقاوم هذا
أحاديث الجواز فلا حاجة إلى الجمع والتوفيق (ثم ارتفع) أى ذهب وأسرع من ارتفع البعير فى سيره أى أسرع
٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
هو وبلال إلى بيته. متفق عليه.
١٤٤٤ - (٥) وعن ابن عباس: أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفطر ركعتين لم يصل
قبلهما ولا بعدهما.
وقال القسطلانى: أى رجع (هو) أى النبى مَّن (وبلال إلى بيته) أى إلى بيت النبى مَث. وفى الحديث خروج
النساء والصبيان إلى المصلى فى الأعياد وإن لم يصلوا (متفق عليه) أخرجه البخارى فى مواضع بألفاظ متقاربة،
واللفظ المذكور له فى باب «والذين لم يبلغوا الحلم منكم من كتاب النكاح، وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى
و ابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ٣٠٧).
١٤٤٤ - قوله (صلى يوم الفطر) صلاة العيد (ركعتين) هو دليل على أن صلاة العيد ركعتان وهو
إجماع فيمن صلى مع الامام فى الجبانة. وأما إذا فاتته صلاة الامام فصلى وحده ، فكذلك عند الأكثر. وذهب
أحمد والثورى إلى أنه يصلى أربعا. وأخرج سعيد بن منصورعن ابن مسعود من فاتته صلاة العيد مع الامام فليصل
أربعا، وهو إسناد صحيح. وقال اسحاق: إن صلاها فى الجبانة فركعتين، وإلا فأربعا. وقال أبو حنيفة: اذا قضى صلاة
العيدفهو خير بين اثنين وأربع (لم يصل قبلها) أى قبل الركعتين. وروى ((قبلها وبعدها)) بافراد الضمير نظراً إلى
الصلاة (ولا بعدهما) أى فى المصلى لحديث أبى سعيد الخدرى أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصلى قبل العيد شيئا
فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين. أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه، وحسنه الحافظ فى الفتح، وفى
بلوغ المرام. وأما ((قبل الركعتين)) فيحتمل الاطلاق والتقبيد. قال السندى: لم يصل قبلها أى مطلقا أو فى المصلى
وأما قوله:، ولا بعدها)، فلابد من تقييده بالمصلى - انتهى. قلت: حديث أبى سعيد الخدرى يشهد لكراهة
الصلاة قبل الركعتين مطلقا أى فى المصلى وفى غيره، لأنه نفى مطلق بخلاف حديث ابن عباس ، فانه أخبر أنه شاهده
فى المصلى لم يصل شيئا، وقد يكون صلى فى منزله، ففيه احتمال أن يكون مختصا بالمصلى دون البيت، ولذلك قلنا إن
قوله ((لم يصل قبلهما، يحتمل الاطلاق والتقييد. واختلف العلماء فى التطوع قبل صلاة العيد وبعدها فذهب أحمد
إلى أنه يكره التنغل قبلها وبعدها للامام والمأموم فى موضع الصلاة سواء كان فى المصلى أو المسجد، وهو مذهب
ابن عباس وابن عمر وروى ذلك عن غير واحد من الصحابة. وقال مالك: إن كانت الصلاة فى المصلى فإنه لا يقتفل
قبلها ولا بعدها، سواء كان اماما أو مأموما، وإن كانت فى المسجد ففيه روايتان: أحداهما المنع كالمصلى والأخرى
يتنفل قبل الجلوس وبعد الصلاة . وقال الشافعى: يكره للامام بعد الحضور التنفل قبلها وبعدها لاشتغاله بغير الأمم
ولمخالفته فعله ترتفع، لأنه صلى عقب حضوره، وخطب عقب صلاته. وأما المأموم فلا يكره له ذلك قبلها مطلقاً
٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
متفق عليه.
١٤٤٥ - (٦) وعن أم عطية،: قالت أمرنا أن تخرج الحيض يوم العيدين،
فى غير الوقت المنهى عنه ولا بعدها إن لم يسمع الخطبة ، لأنه لم يشتغل بغير الأمم بخلاف من يسمعها ، فإنه
معرض عن الخطيب بالكلية . وقال الحنفية لا يتنفل قبلها مطلقا وكذا بعدها فى مصلاها، فإن تنقل بعدها فى البيت
جاز. قال أبن العربى: التنفل فى المصلى لو فعل لنقل. ومن أجازه رأى أنه وقت مطلق للصلاة ، ومن تركه رأى أن
النبى وريثة لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى - انتهى. قال الحافظ: والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها
ولا بعدها خلافا لمن قاسها على الجمعة. وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص الا إن كان ذلك فى وقت
الكراهة الذى فى جميع الأيام - انتهى. وكذا قال العراقى فى شرح الترمذى. قال الشوكانى: وهو كلام صحيح
جار على مقتضى الأدلة ، فليس فى الباب ما يدل على منع مطلق النفل ولا على منع ما ورد فيه دليل يخصه كتحية
المسجد إذا أقيمت صلاة العيد فى المسجد - انتهى. قلت: القول الراجح عندى هو ما ذهب اليه أحمد من كراهة التنفل
للامام والمأموم فى موضع الصلاة قبلها وبعدها لحديث ابن عباس، ولما روى عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده
أن النبى ◌َثل كان يكبر فى صلاة العيد سبعا وخمسا، ويقول لا صلاة قبلها ولا بعدها، حكى ابن عقيل أن الامام
ابن بطة رواه باسناده، ذكره ابن قدامة فى المغنى. وقال الحافظ فى التلخيص: روى أحمدمن حديث عبد الله بن عمرو
مرفوعا: لا صلاة يوم العيد لا قبلها ولا بعدها، فان صح هذا كان دليلا على المنع مطلقا، لأنه نفى فى قوة النهى،
وقد سكت عليه الحافظ فينظرفيه (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذى وأبو داود وابن ماجه والبيهقى (ج٣
ص ٣٠٢،٢٩٥) وغيرهم
١٤٤٥ - قوله (وعن أم عطية) بفتح العين وكسر الطاء، اسمها نسيبة بضم الفون وفتح السين المهملة
وسكون الياء وفتح الياء الموحدة. وقيل: بفتح أولها مكبراً بنت الحارث، وقيل بنت كعب الأنصارية بايعت
النبى صلى الله عليه وسلم، وكانت من كبار الصحابيات، وكانت تغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً،
تداوى الجرحى، وتمرض المرضى، تعد فى أهل البصرة ، وكانت جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون
عنها غسل الميت ، لأنها شهدت غسل بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لحكت ذلك وأتقنت، حديثها أصل فى
غسل الميت. ويأتى حديثها هذا فى كتاب الجنائز (أمرنا) مبنى للمجهول للعلم بالآمر، وإنه رسول الله
وفى رواية للبخارى: أمرنا نبينا (أن تخرج) بضم النون وكسر الراء من الاخراج أى إلى المصلى (الحيض)
بالنصب على المفعولية، وهو بضم الحاء وتشديد الياء المفتوحة جمع حائض أى المباشرات بالحيض (يوم العيدين)
قال المالكى: فيه إفراد اليوم، وهو المضاف إلى العيدين، وهو فى المعنى مثنى. ونحو قوله: ((ومسح أذنيه
٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
وذوات الخدور، فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، وتعتزل الحيض عن مصلامن، قالت امرأة:
يا رسول الله ! إحدانا ليس لها جلباب؟
ظاهرهما وباطنهماً)، يعنى حيث أفرد الظاهر والباطن . قال ابن حجر: فلو روى الحديث بلفظ التقنية على الأصل
لجاز أى جاز أن يقول يومى العيدين أو يومى العيد (وذوات الخدور) منصوب بالكسركسلات عطفا على الحيض
والخدور بضم الخاء المعجمة والدال المهملة جمع خدربكسرها وسكون الدال، وهو ستر يكون فى ناحية البيت
تقعد البكر وراءه وقال الجزرى: الخدر ناحية فى البيت، يكون عليها ستر، فتكون فيها الجارية البكر ، وهى
المخدرة أى خدرت فى الخدر. وفى رواية: تخرج العوائق وذوات الخدور والحيض . والعوائق جمع
عاتق ، وهى الشابة أول ما تدرك. وقيل: هى التى قاربت البلوغ ، وقيل: هى الجارية التى قد أدركت
وبلغت ، غدرت فى بيت أهلها ولم تتزوج، سميت بذلك ، لأنها عتقت عن خدمة أبويها، ولم يملكها زوج بعد
(فيشهدن) أى يحضرن (جماعة المسلمين ودعوتهم) أى دعاء هم وفى رواية يشهدن الخير ودعوة المسلمين . قيل:
المراد بشهود الخير هو الدخول فى فضيلة الصلاة لغير الحيض. وقوله: ((دعوة المسلمين)) يعم الجميع. واستدل بقوله:
(دعوة المسلمين)) على مشروعية الدعاء بعد صلاة العيد، كما يدعى دبر الصلوات الخمس، وفيه نظر، لأنه لم يثبت
عن النبى معَّ دعاء صلاة العيدين، ولم ينقل أحد الدعاء بعدها بل الثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب
بعد الصلاة من غير فصل بشىء آخر، فلا يصح التسمك باطلاق قوله: « دعوة المسلمين، والظاهر أن المراد بها
الأذكار التى فى الخطبة وكلمات الوعظ والنصح، فان لفظ الدعوة عام والله تعالى أعلم (وتعتزل الحيض عن مصلاهن)
أى عن مكان صلاة النساء اللاتى لسن بحيض يعنى تنفصل وتقف فى موضع منفردات غير مختلطات بالمصليات خوف
التنجيس ، والاخلال بتسوية الصفوف، وهو خبر بمعنى الأمر. قال فى الفتح حمله الجمهور على الندب، لأن المصلى ليس
بمسجد فيمتنع الحيض من دخوله. وقال ابن المنير: الحكمة في اعتز الهن أى فى وقوفهن وهن لا يصلين مع
المصليات إظهار استهانة بالحال ، فاستحب لهن اجتناب ذلك - انتهى. وفى رواية: كنا نؤمر أن تخرج يوم العيد
حتى تخرج البكر من خدرها حتى نخرج الحيض ، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم ، ويدعون بدعاً هم يرجون
بركة ذلك اليوم وطهرته. وفى رواية: فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهد الخير ودعوة المسلمين. وفيه أن الحائض
لا تهجر ذكر الله ولا مواطن الخير كمجالس العلم والذكر سوى المساجد. قال الخطابي: أمر جميع النساء
بحضور المصلى يوم العيد لتصلى من ليس لها عذر وتصل بركة الدعاء إلى من لها عذر. وفيه ترغيب الناس فى حضور
الصلوات ومجالس الذكر ومقاربة الصلحاء لينالهم بركتهم (قالت امرأة) هى أم عطية نفسها، كما تدل عليه رواية
الشيخين (إحدانا) أى ما حكم واحدة منا (ليس لها جلباب) وقال القسطلانى: قوله: ، أحدانا)، أى بعضنا مبتدأ
٣١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها .
خبره ((ليس لها جلباب)) أى كيف تشهد ولا جلباب لها وذلك بعد نزول الحجاب. وفى رواية: أعلى احدانا
بأس اذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ والجلباب بكسر الجيم وسكون اللام وبموحدتين بينهما ألف، كساء تستقر
النساء به إذا خرجن من بيتهن. وقال فى القاموس: الجلباب كيسر داب وسنّمار القميص، وثوب واسع المرأة
دون الملحقة، أو ما يغطى به ثيابها من فوق كالملحفة، أو هو الخمار - انتهى. (لتلبسها) بضم التاء وسكون اللام
وكسر الموحدة وجزم المهملة ، أمر من الالباس على سبيل الندب (صاحبتها) بالرفع على الفاعلية (من جلبابها)
قال الحافظ: يحتمل أن يكون للجنس أى تغيرها من جنس ثيابها يعنى تغيرها من ثيابها ما لا تحتاج اليه. ويؤيده
رواية ابن خزيمة من جلابيها. والترمذى: فلتعرها أختها من جلابيبها. والمراد بالأخت الصاحبة. ويحتمل أن
يكون المراد تشركها معها فى ثوبها الذى عليها. ويؤيده رواية أبى داود تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها يعنى إذا
كان واسعا. ويحتمل أن يكون المراد بقوله («ثوبها)) جنس الثياب، فيرجع الأول. ويؤخذ منه جواز اشتمال
المرأتين فى ثوب واحد عند التستر. وقيل: إنه ذكر على سبيل المبالغة أى يخرجن على كل حال ولو اثنتين فى
جلباب - انتهى. وفى الحديث من الفوائد أن من شأن العواتق المخدرات عدم البروز الا فيما أذن لهن فيه . وفيه
استحباب اعداد الجلباب الرأة ، ومشروعية عارية الثياب. وفيه امتناع خروج المرأة بغير جلباب. وفيه استحباب
خروج النساء إلى شهود العيدين، سواءكن شواب أم لا ، وذوات هيئات أم لا ، قال الشوكانى: حديث أم عطية
وما فى معناه من الأحاديث قاضية بمشروعية خروج النساء فى العيدين إلى المصلى من غير فرق بين البكر والثيب
والشابة والعجوز والحائض وغيرها ما لم تكن معقدة أو كان فى خروجها فتنة، أوكان لها عذر. وقد اختلف العلماء فى
ذلك على أقوال: أحدها أن ذلك مستحب، وحملوا الأمر فيه على الندب ، ولم يفرقوا بين الشابة والعجوز، وهذا
قول أبى حامد من الحنابلة والجرجانى من الشافعية، وهو ظاهر إطلاق الشافعى. القول الثاني: التفرقة بين الشابة
والعجوز. قال العراقى: وهو الذى عليه جمهور الشافعية تبعاً لنص الشافعى فى المختصر. والقول الثالث: أنه جائز غير
مستحب لهن مطلقاً، وهوظاهر كلام الامام أحمد فيما نقله عنه ابن قدامة فى المغنى (ج٢ ص ٣٧٥-٣٧٦) والرابع:
أنه مكروه وقد حكاه التر مذى عن الثورى، وابن المبارك وهو قول مالك وأبى يوسف. وحكاه ابن قدامة عن
النخعى ويحيى بن سعيد الأنصارى، وروى ابن أبى شيبة عن النخعى أنه كره للشابة أن يخرج إلى العيدين. والقول
الخامس : أنه حق على النساء الخروج إلى العيد ، حكاه القاضى عياض: عن أبی بکر وعلى وابن عمر ، وقد روى
ابن أبى شيبة عن أبى بكروعلى أنهما قالا حق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين . قال الحافظ وقد ورد هذا
مرفوعا باستاد لا بأس به. أخرجه أحمد وأبو يعلى وابن المنذرمن طريق امرأة من عبد القيس عن أخت عبدالله بن
٣٢
١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
ااتي
متفق عليه .
رواحة والمرأة لم تسم، والأخت اسمها عمرة صحابية، وقوله: ((حق)) يحتمل الوجوب، ويحتمل تأكد الاستحباب -
انتهى. قال الشوكانى: والقول بكراهة الخروج على الاطلاق رد الأحاديث الصحيحة بالآراء الفاسدة، وتخصيص
الشواب بأباه صريح الحديث المتفق عليه وغيره - انتهى. قلت: ذهب الحنفية إلى كرامة الخروج للعيدين للشواب
دون العجائز. قال ابن الهمام وتخرج العجائز للعيد لا الشواب - انتهى. قال القارى: بعد نقل كلام ابن الهمام ما لفظه.
وهو قول عدل، لكن لابد أن يقيد بأن تكون غير مشتهاة فى ثياب بذلة باذن حليلها مع الأمن من المفسدة، بأن
لا يختلطن مع الرجال، ويكن عاليات من الحلى والحلل والبخور والشموم والتبختر والتكشف ونحوهما مما أحدثن
فى هذا الزمان من المفاسد . وقد قال أبو حنيفة: ملازمات البيوت لا يخرجن ـ انتهى. قلت: لا دليل على منع
الخروج للعيد للشواب وذوات الهيئات مع الأمن من المفاسد مما أحدثن فى هذا الزمان ، بل هو مستحب لهن ،
وهو القول الراجح. وأما الاستدلال على كراهة خروج النساء إلى العيدين مطلقا بقول عائشة: لو أدرك رسول الله
صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من الخروج. كما منعت نساء بنى اسرائيل فمردود لوجوه ثمانية سردها
ابن حزم فى المحلى (ج ٤ ص ٢٠٠) وقد أوردنا بعضها فى باب فضل الجماعة نقلا عن الفتح. قال الحافظ: وقد
ادعى بعضهم النسخ فيه. قال الطحاوى: وأمره عليه السلام بخروج الحيض وذوات الخدور الى العيد يحتمل أن
يكون فى أول الاسلام، والمسلمون قليل، فأريد التكثير بحضورهن إرهابا للعدو. وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك
وتعقب بأن النسخ لايثبت بالاحتمال. قال الكرمانى: تاريخ الوقت لا يعرف. قال الحافظ: بل هو معروف بدلالة
حديث ابن عباس أنه شهد خروجهن ، وهو صغير ، وكان ذلك بعد فتح مكة، ولا حاجة اليهن لقوة الاسلام حينئذ
فلم يتم مراد الطحاوى . وقد صرح فى حديث أم عطية بعلة الحكم ، وهو شهودهن الخير ودعوة المسلمين ورجاء
بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أم عطية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمدة، ولم يثبت عن أحد من
الصحابة مخالفتها فى ذلك. وأما قول عائشة لورأى النبى ريثم ما أحدث النساء الخ فلا يعارض ذلك لندوره إن
سلنا أن فيه دلالة على أنها افتت بخلافه مع أن الدلالة منه بأن عائشة أفتت بالمنع ليست صريحة . وفى قوله :
( أرهابا للعدو)) ونظر، لأن الاستفصار بالنساء والتكثر بهن فى الحرب دال على الضعف. والأولى أن يخص ذلك
بمن يؤمن عليها وبها الفتنة ولا يترتب على حضورها محذور ولا تزاحم الرجال فى الطريق ولا فى المجامع - انتهى.
وقال ابن قدامة بعد ذكر قول عائشة المذكور وسنة رسول اللّه مَّ أحق أن تتبع، وقول عائشة مختص بمن
أحدثت دون غيرها. ولاشك بأن ذلك يكره لها الخروج وانما يستحب لهن الخروج غير متطيبات ولا يلبسن ثوب
شهرة ولا زينة ويخرجن فى ثياب البذلة لقول رسول الله مؤلم: وليخرجن تفلات ولا يخالطن الرجال بل يكن ناحية
منهن - انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخارى فى مواضع ومسلم فى العيدين بألفاظ مختلفة واللفظ الذى أتى به
٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
١٤٤٦ - (٧) وعن عائشة، قالت: إن أبا بكر دخل عليها وعند جاريتان فى أيام منى تدفقان
وقضربان، وفى رواية: تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث ،
المصنف للبخارى فى باب ((وجوب الصلاة فى الثياب)) من أوائل الصلاة وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود
والنسائى وابن ماجه والبيهقى ( ج ٣ ص ٣٠٥ - ٣٠٦) وغيرهم.
١٤٤٦ - قوله (جاريتان) دون البلوغ من جوار الأنصار إحداهما لحسان بن ثابت، كما فى حديث
أم سلمة عند الطبرانى، أو كلاهما لعبد الله بن سلام، كما فى الأربعين للسلمى، وفى العيدين لابن أبى الدنيا من
طريق فليح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت دخل على أبو بكر، والنبى مَثُ متقنع، وحمامة وصاحبتها
تغنيان عندى. قال الحافظ: إسناده صحيح، ولم أقف على تسمية الأخرى، ولم يذكر أحد من مصنفى أسماء الصحابة
حمامة هذه. نعم ذكر الذهبى فى التجريد حمامة أم بلال اشتراها أبو بكر وأعتقها (فى أيام منى) بعدم الانصراف.
وقيل: ينصرف يعنى الثلاثة بعد يوم النحر، وهى أيام التشريق. والمراد أيام عيد الأضحى بالمدينة لا بمنى (تدففان)
بفائين من التدفيف أى تضربان بالدف يعنى مع الغناء وفى رواية لمسلم: تلعبان بدف. وللنسائى: تضربان يدفين
والدف بضم الدال وفتحها. والضم أفصح وأشهر. ويقال: له أيضاً الكربال بكسر الكاف، وهو الذى
لا جلاجل فيه ، فان كانت فيه فهو المزهر (وتضربان) أى بالدف فيكون عطفا تفسيريا. قال الطبى: هذا تكرار
لزيادة الشرح (وفى رواية) أى للشيخين (تغنيان) أى ترفعان أصواتهما بانشاد الشعر، وهو قريب من الحداء
(بما تقاولت الأنصار) أى قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء وفى رواية: بما تعازفت بعين مهملة وزاى وفاء
من العزف، وهو الصوت الذى له دوى. وفى رواية: بما تقاذفت بقاف بدل الغين وذال معجمة بدل الزاى من
القذف، وهو جاء بعضهم لبعض (يوم بعاث) بضم الباء الموحدة وتخفيف العين المهملة، وفى آخره ثاء مثلثة
بالصرف وعدمه. وقال صاحب المطالع. الأشهر فيه ترك الصرف. قال البكرى: هو موضع من المدينة على
ليلتين . وقال صاحب النهاية: هو اسم حصن للأوس. وقيل: هو موضع فى ديار بنى قريظة فيه أموالهم، وكان
بموضع الوقعة فى مزرعة لهم هناك، ولا منافاة بين القولين. قال الخطابي: يوم بعاث يوم مشهور من أيام العرب ،
وكانت فيه مقتلة عظيمة بين الأوس والخزرج ، وكانت النصرة للأوس، واستمرت المقتلة مائة وعشرين سنة
حتى جاء الإسلام فألف الله بينهم ببركة النبى مَثّ على ما ذكره ابن إسحاق وغيره، وتبعه على هذا جماعة من
شراح الصحيحين. قال الحافظ : وفيه نظر، لأنه يوهم أن الحرب التى وقعت يوم بعاث دامت هذه المدة ، وليس
كذلك . فسيأتى فى أوائل الهجرة قول عائشة: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، فقدم المدينة، وقد افترق
ماؤهم وقتلت سراتهم. وقد روى ابن سعد بأسانيده أن النفر السنة أو الثمانية الذين لقوا التى تمثم يمنى أول من
٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
والنبى صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبى صلى الله عليه وسلم
عن وجهه، فقال: دعهما يا با بكر: فانها أيام عيد - وفى رواية: يا أبا بكر: إن لكل قوم عيداً،
وهذا عيدنا.
لقيه من الأنصار وكانوا قد قدموا مكة ليحالفوا قريشاً كان فى جملة ما قالوه له لما دعاهم إلى الاسلام والنصر له
وأعلم أنما كانت وقعة بعاث عام الأول، فموعدك الموسم القابل، فقدموا فى السنة التى تليها، فبايعوه ، وهى
البيعة الأولى، ثم قدموا الثانية، فبايعوه، وهم سبعون نفساً، وهاجر النبي ميه فى أوائل التى تليها. فدل ذلك على
أن وقعة بعاث كانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وهو المعتمد. نعم دامت الحرب بين الحين الأوس والخزرج
المدة التى ذكرها فى أيام كثيرة شهيرة - انتهى. وزاد فى الرواية المذكورة: وليستا بمعنيتين أى ليس الغناء عادة
لهما ، ولا هما معروفتان به . قال فى الشرح السنة: كان الشعر الذى تغنيان به فى وصف الحرب والشجاعة ، وفى
ذكره معونة لأمر الدين. وأما الغناء بذكر الفواحش والمنكرات من القول فهو المحظور من الغناء. وحاشا أن يجرى
شىء من ذلك بحضرته عليه الصلاة والسلام (منغش بثوبه) أى متغط وملف به (فانتهرهما أبو بكر) أى زجر
الجاريتين. وفى رواية: فانتهرنى. ويجمع بأنه شرك بينهن فى الانتهار والزجر: أما عائشة فلتقريرما لهما على الغناء
وضرب الدف. وأما الجاريتان فلفعلهما ذلك فى بيت النبي ◌َّة: وزاد فى رواية وقال: مزمارة الشيطان عند
رسول اللّه ◌َ؟ بكسر الميم آخره ماء تانيث يعنى الغناء أو الدف، وهى مشتقة من الزمير، وهو الصوت الذى
له صغير. ويطلق على الصوت الحسن والغناء، وسميت به الآلة التى يزمر بها. وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها
تلهى، فقد تشغل القلب عن ذكر الله تعالى، وهذا من الشيطان، وهذا من أبى بكر الصديق إنكار لما سمع معتمداً على
ما تقرر عنده من منع الغناء واللهو مطلقاً، ولم يعلم أنه مث أقرهن على هذا القدر اليسير لكونه دخل فوجده
مضطجعاً، فظنه نابما فتوجه له الافكار (فكشف النبى صلى الله عليه وسلم عن وجهه) أى الثوب. وفى رواية:
فكشف رأسه (دعهما) أى أترك الجاريتين (فانها) أى هذه الأيام (أيام عيد) أى أيام سرور وفرح شرعى
لأهل الاسلام (وفى رواية) أى للشيخين (يا با بكر إن لكل قوم) أى إن لكل طائفة من الأمم المختلفة (عيداً)
يسمونه باسم مثل النيروز والمهرجان (وهذا) أى هذا الوقت أو هذا اليوم. (عيدنا) أى يوم عيدنا معاشر
الاسلام، وهو يوم سرور شرعى، فلا ينكر مثل هذا، قال الحافظ: قوله: ((إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا، فيه
تعليل الأمر بتركهما وإيضاح خلاف ما ظنه الصديق من أنهما فعلنا ذلك بغير علمه صلى الله عليه وسلم لكونه
دخل فوجده مغطى بثوبه ، فظنه نائما فتوجه له الافكار على ابنته من هذه الأوجه مستصحبا لما تقرر عنده من منع
الغناء واللهو فبادر الى إنكار ذلك قياما عن النبى مثل بذلك مستندا إلى ما ظهر له فأوضح له التى زيز الحال،
٣٥

نت المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
وعرفه الحكم مقرونا بيان الحكمة بأنه يوم عيد أى يوم سرور شرعى ، فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر فى
الأعراس. وبهذا يرتفع الاشكال عمن قال كيف ساغ للصديق إنكار شىء أقره النبي مع ، وتكلف جوابا
لا يخفى تعسفه ـ انتهى. وقال الطيبى: وهذا اعتذار منه عليه الصلاة والسلام بأن إظهار السرور فى يوم العيدين
شعار أهل الدين، وليس كسائر الأيام قال النووى اختلف العلماء فى الغناء، فأباحه جماعة من أهل الحجاز، وهى
رواية عن مالك وحرمه أبو حنيفة وأهل العراق، ومذهب الشافعى كراهته، وهو المشهور من مذهب مالك . واحتج
المجوزون بهذا الحديث ، وأجاب الآخرون بأن هذا الغناء إنما كان فى الشجاعة والقتل والحذق فى القتال ونحو
ذلك مما لا مفسدة فيه بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر. ويحملها على البطالة والقبيح. قال
القاضى : إنما كان غناهما بما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور والغلبة، وهذا لا يهيج الجوارى
على شر، ولا إنشادهما كذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالانشاد، ولهذا قالت: وليستا بمغنيتين
أى ليستا من يغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى، والتعريض بالفواحش، والتشبيب بأهل الجمال وما يحرك
النفوس ويبعث الهوى، والغزل كما قيل: ((الغنارقية الزنا)، وليستا أيضاً ممن اشتهر وعرف باحسان الغنا
الذى فيه تمطيط وتكسير ، وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن ، ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسبا، والعرب
قيسمى الانشاد غنا، وليس هو من الغنا المختلف فيه، بل هو مباح. وقد استجازت الصحابة غنا العرب الذى هو مجرد
الانشاد والترنم، وأجازوا الحداء وفعلوه بحضرة النبى مرة. وفى هذا كله إباحة مثل هذا وما فى معناه، وهذا أو مثله
ليس بحرام - انتهى كلام النووى. وقال الحافظ فى الفتح: استدل جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة
الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة. ويكفى فى رد ذلك تصريح عائشة بقولها: ((وليستا بمغنيتين، فتفت عنهما من طريق
المعنى ما أثبتته لهما باللفظ ، لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترتم الذى تسميه العرب النصب بفتح النون
وسكون المهملة وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنياً، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير، وتهييج وتشويق
بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح. قال القرطبي: قولها ((ليستا بمغنيتين)، أى ليستا من يعرف الغناء كما يعرفه
المغنيات المعروفات بذلك ، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذى يحرك الساكن، ويبعث
الكامن، وهذا النوع اذا كان فى شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف فى
تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات
المجانين والصبيان ، حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن
جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وإن ذلك يثمر سنى الأحوال ، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة
وقول أهل المخرفة، والله المستعان - انتهى. قال الحافظ: وينبغى أن يعكس مرادهم ويقرأ ستى عوض النون
١
٣٦
١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
متفق عليه .
١٤٤٧ (٨) وعن أنس، قال: كان رسول الله ثم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات،
الخفيفة المكسورة بغير همز بمثناة تحتية ثقيلة مهموزا. وأما الآلات فقد حكى قوم الاجماع على تحريمها ، وحكى
بعضهم عكسه . وقد بسط الكلام فى ذلك الشوكانى فى الفيل فى آخر أبواب السبق ، والعلامة البوفالى فى دليل الطالب
وهداية السائل، وسنذكر تفصيل المسئلة فى كتاب النكاح. وفى الموضع الذى يليق بذلك إنشاء الله تعالى.
ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف فى العرس وبحوه إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه، كما سنبينه فى كتاب
النكاح. قال الحافظ: وأما التفافه صلى اللّه عليه وسلم بثوب ففيه إعراض عن ذلك لكون مقامه يقتضى أن يرتفع
عن الإصغاء إلى ذلك لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذى أقره، إذ لا يقر على باطل ،
والأصل التنزه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتا وكيفية تقليلا لمخالفة الأصل. وفى هذا
الحديث من الفوائد مشروعية التوسعة على العيال فى أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم به بسط النفس وترويح
البدن من كلف العبادة وأن الاعراض عن ذلك أولى. وفيه أن إظهار السرور فى الأعياد من شعار الدين. وفيه
جواز دخول الرجل على ابنته وهى عند زوجها إذا كان له بذلك عادة وتأديب الأب بحضرة الزوج وإن تركه الزوج
إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء. وفيه أن مواضع أهل الخير تنزه عن اللهو
واللغو، وإن لم يكن فيه إثم إلا باذنهم. وفيه أن التلميذ اذا رأى عند شيخه ما يستكره مثله بادر إلى إنكاره ،
ولا يكون فى ذلك افتيات على شيخه، بل هو أدب منه ورعاية لحرمته، وإجلال لمنصبه. وفيه فتوى التلميذ بحضرة
شيخه بما يعرف من طريقته. ويحتمل أن يكون أبو بكر ظن أن النبى مؤيّة نام فخشى أن يستيقظ، فيغضب على
ابنته، فبادر الى سد هذه الذريعة. واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء ولو لم تكن مملوكة، لأنه
رَبّ لم ينكر على أبى بكر سماعه، بل أنكر إنكاره واستمرتا إلى أن أشارت اليهما عائشة بالخروج. ولا يخفى أن محل
الجواز ما اذا أمنت الفتنة بذلك . واستنبط من تسمية أيام منى بأنها أيام عيد مشروعية قضاء صلاة العيد فيها لمن
فاتته - انتهى كلام الحافظ. (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى باب اذا فاته العيد يصلى ركعتين - والحديث أخرجه
أيضاً أحمد والنسائى.
١٤٤٧ - قوله (لا يغدو) أى لا يخرج إلى المصلى لصلاة العيد (يوم الفطر) أى يوم عيد الفطر (حتى
يأكل تمرات) ولفظ الاسماعيلى. وابن حبان والحاكم. ما خرج يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثا أو خمساً أو سبعاً
أو أقل من ذلك أو أكثر وتراً وهى أصرح فى المداومة على ذلك. قال المهلب: الحكمة فى الأكل قبل الصلاة أن
٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
ويأكلهن وزا. رواه البخاري.
١٤٤٨ - (٩) وعن جابر، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق.
لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلى العيد، فكأنه أراد سدّ هذه الذريعة. وقيل: لما وقع وجوب الفطر عقب
وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة الى امتثال أمر الله تعالى. ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك،
ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع. وسيأتى توجيه آخر لابن المنير فى شرح حديث بريدة فى الفصل الثانى.
قال ابن قدامة لا نعلم فى استحباب تعجيل الأكل يوم الفطر اختلافا - انتهى. والحكمة فى استحباب التمر لما فى
الحلو من تقوية البصر الذى يضعفه الصوم، ولأن الحلو ما يوافق الايمان ، ويعبر به المنام ، ويرق به القلب، وهو
أيسر من غيره، ومن ثم استحب بعض التابعين أنه يفطر على الحلو مطلقا كالعسل، رواه ابن أبى شيبة عن معاوية
ابن قرة وابن سيرين وغيرهما، وروى فيه معنى آخر عن ابن عون أنه سئل عن ذلك، فقال إنه يحبس البول، وهذا
كله فى حق مرن يقدر على ذلك ، وإلا فينبغى أن يفطر ولو على الماء ليحصل له شبه ما من الاتباع (ويا كلمن)
بالرفع (وتراً) ولفظ أحمد. ويا كلهن أفرادا والحكمة فى جعلهن وترا الاشارة إلى الوحدانية، وكذلك كان
يفعل ◌َّم فى جميع أموره تبركا بذلك (رواه البخارى) وأخرجه أيضاً أحمد والبخارى فى تاريخه والترمذى
وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج ١ ص ٣٩٤) والبيهقى (ج ٣ ص ٢٨٢ - ٢٨٣) . وقول المصنف رواه
البخارى فيه شىء، لأن جملة «ويأكلهن وترا، أوردها البخارى تعليقاً ووصلها أحمد وغيره، وإيراد المصنف
يقتضى أنه يرويها فى صحيحه موصولا، وليس كذلك، فانه أخرج الحديث موصولا مسنداً من طريق مشيم عن
عبيد الله بن أبى بكر بن أنس عن أنس إلى قوله: ((حتى يأكل تمرات)) ثم قال: وقال مرّتجى ابن رجاء حدثى
عبيد الله بن أبى بكر قال حدثنى أنس عن النبى صلى الله عليه وعلم ويأكلهن وتراً. ويمكن أن يقال من قبل المصنف
أنه لم يلتزم بيان التمييز بين الموصولات والمعلقات فى ديباجة الكتاب ، لكن مواقع استعمالاته فى بيان المخرج
يشعر بالالتزام حيث قال فى بعض المواضع: رواه البخارى، والأمر فيه هين، قاله ميرك. قلت: قوله رواه البخارى
لا يخلو عن نظر، والأمر ليس بهين، كما لا يخفى على المتأمل الخبير. والظاهر أن المصنف قلد فى ذلك الجزری حیث
قال فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٩٧) بعد ذكر الحديث إلى قوله: ((ویا کلین وتراً )) رواه البخارى.
١٤٤٨ - قوله (إذا كان يوم عيد) بالرفع فاعل ((كان)، وهى تامة تكتفى بمر فوعها أى إذا وقع يوم عيد.
وجواب إذا قوله: (خالف الطريق) أى رجع من مصلاه فى غير طريق الذهاب اليه يعنى يخرج اليه من طريق،
ويرجع من أخرى، ففى رواية الاسماعيلى: كان إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطريق الذى ذهب فيه،
٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
رواه البخارى.
فيستحب الذهاب إلى صلاة العيد فى طريق ، والرجوع فى طريق أخرى للامام والمأموم جميعاً تأسياً واقتداء به
صلى الله عليه وسلم، وبه قال الحنفية والحنابلة وأكثر الشافعية. قال الحافظ فى الفتح: وبه قال أكثر أهل العلم ،
وقد اختلف فى الحكمة فى مخالفته صلى الله عليه وسلم الطريق فى الذهاب والرجوع يوم العيد على أقوال كثيرة .
قال الحافظ: اجتمع لى منها أكثر من عشرين. قولا: فقيل إنه فعل ذلك ليشهد له الطريقان. وقيل: سكانهما من
الجن والانس. وقيل: ليسوى بينهما فى مزية الفضل بمروره أوفى التبرك به أو ليشم رائحة المسك من الطريق
التى يمر بها، لأنه كان معروفا بذلك. وقيل: ليزور أقاربه الأحياء والأموات. وقيل: ليصل رحمه. وقيل:
ليتفائل بتغير الحال إلى المغفرة والرضاء. وقيل: لاظهار شعار الاسلام فيهما. وقيل: لاظهار ذكر الله. وقيل:
ليغيظ المنافقين أو اليهود. وقيل: ليرهبهم بكثرة من معه. وقيل: فعل ذلك ليعمهم فى السرور به ، أو التبرك
بمروره وبرؤيته، والانتفاع به فى قضاء حواتجهم فى الاستفتاء، أو التعلم والاقتداء والاسترشاد، أو الصدقة،
أو السلام عليهم، أو غير ذلك. وقيل: لأن الملائكة تقف فى الطرقات ، فأراد أن يشهد له فريقان منهم .
وقيل : لئلا يكثر الازدحام. وقيل: لأن عدم التكرار أنشط عند طباع الأنام. وقيل: غير ذلك . وأشار ابن
القيم إلى أنه فعل ذلك لجميع ما ذكر من الأشياء المحتملة القريبة: قال القسطلانى: ثم من شاركه صلى الله عليه
وسلم فى المعنى ندب له ذلك، وكذا من لم يشاركه فى الا ظهر تأسياً به عليه الصلاة والسلام كالرمل والاضطباع
سواء فيه الإمام والمأموم. وقال ابن قدامة: وفى الجملة الاقتداء به سنة لاحتمال بقاء المعنى الذى فعله من أجله ،
ولأنه قد يفعل الشىء لمعنى، ويبقى فى حق غيره سنة مع زوال المعنى كالرمل والاضطباع فى طواف القدوم،
وفعله هو وأصحابه لاظهار الجلد الكفار، وبقى سنة بعد زوالهم، ولهذا روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال:
فيم الرملان الآن ولمن نبدى منا كبنا؟ وقد نفى الله المشركين، ثم قال مع ذلك: لا ندع شيئاً فعلناه مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه البخارى) من طريق فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث عن جابر. واختلف
الرواة فى الرواية عن فليح، فبعضهم جعله عن جابر، كما فى البخارى والبيهقى (ج ٣ ص ٣٠٨) وبعضهم جعله
عن أبى هريرة، وهو عند أحمد والترمذى وابن ماجه وابن حبان والحاكم (ج ١ ص ٢٩٦) والبيهقى (ج ٣
(ص ٣٠٨) أيضاً. وقد رجح البخارى كونه عن جابر حيث قال: حديث جابر أصح، وكذا رجحه الترمذى
تبعاً لشيخه البخارى، وخالفه أبو مسعود الدمشقى، فرجح أنه عن أبى هريرة. قال الحافظ: ولم يظهر لى فى ذلك
ترجيح. وقال الشيخ أحمد شاكر: وأنا أرجح صحتهما معا سمع سعيد بن الحرث الحديثين من جابر وأبى هريرة،
فكان يروى مرة حديث هذا ومرة حديث ذاك. قال الحافظ: قد تفرد بهذا الحديث فليح، وهو مضعف عند ابن
معین والنسائی وأبى داود، ووثقه آخرون ، فحديثه من قبيل الحسن ، لكن له شواهد من حديث ابن عمر وسعد
٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٧ - باب صلاة العيدين
١٤٤٩ - (١٠) وعن البراء، قال: خطبنا النبى صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال: إن أول ما نبدأ
به فى يومنا هذا أن نصلى، ثم نرجع فنحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن
فصلى، فانما هو شأة لحم
القرظ وأبي رافع وعثمان بن عبيد اللّه التيمى وغيرهم يعضد بعضها بعضاً، فعلى هذا فهو من القسم الثانى من
قسمی الصحيح - انتهى .
١٤٤٩ - قوله (خطبنا النبي ◌َّثة) أى فى المدينة (يوم النحر) أى يوم عيد الأضحى بعد أن صلى العيد
(فقال) أى فى خطبته (إن أول ما نبدأ به) بصيغة المتكلم والجمع بين الأول. و«ما نبدأ به) للتأكيد والمبالغة
(فى يومنا هذا) أى يوم عيد النحر (أن نصلى) صلاة العيد. قيل: المعنى أول ما يكون به الابتداء فى هذا اليوم
الصلاة التى بدأنا بها، وقدمنا فعلها، فعبر بالمستقبل عن الماضى، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ وما نقموا منهم إلا
أن يؤمنوا - البروج: ٨) أى الايمان المتقدم منهم وفى رواية للبخارى: خرج النى مَّ يوم أضحى إلى
البقيع فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: إن أول نسكنا فى يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع فننحر-
الحديث. وهذا ظاهر فى أن ذلك الكلام وقع منه بعد الصلاة للاعلام بأن ما فعله من تقديم الصلاة ثم
الخطبة، وأن تقديم كل من هذين على الذيج هو المشروع الذى لا ينبغى مخالفته (ثم نرجع) من المصلى إلى المنزل
(فننحر) بالنصب فيهما عطفاً على نصلى. ويرفعان أى نحن نرجع فنتحر أى ما من شأنه، أن ينحر ، ونذيح ما من
شأنه أن يذبح من الأضحية. وقيل: المراد بالنحر هنا الذى هو فى لبة الابل ما يشمل الذيح، وهو ما فى الحلق
مطلقاً. وقد يطلق النحر على الذيح بجامع إنهار الدم. ثم التعقيب!((ثم)) لا يستلزم عدم تخلل أمر آخر
بين الأمرين ، فلا يدل ذلك على تقديم الخطبة على الصلاة (فمن فعل ذلك) أى ما ذكر من تقديم الصلاة
على الذيح يعنى أخر النحر عن الصلاة (فقد أصاب سنتنا) أى طريقتنا وصادف شريعتنا (ومن ذيح) أى أضحيته
(قبل أن نصلى) العيد (فانما هو) أى المذبوح المفهوم من ذيح (شأة لحم) أى ليست أضحية ولا ثواب فيها ، بل
هو مجرد لم يؤكل ليس فيه معنى العبادة. قال الطبى: هذه الاضافة بيانية كخاتم فضة أى شأة هى لحم، لأن
الشأة شأتان: شأة يأكل لحمها الأهل، وشأة نسك. يتصدق بها لله تعالى. وقال القسطلانى: استشكلت هذه
الاضافة بأن الاضافة إما معنوية مقدرة بمن كخاتم حديد أو باللام كغلام زيد أو بفى كضرب اليوم أى ضرب
فى اليوم، وأما لفظية صفة مضافة إلى معمولها كضارب زيد وحسن الوجه، ولا يصح شىء منها فى شأة لحم.
وأجيب بأن الاضافة بتقدير محذوف أى شأة طعام لحم أى لا طعام نسك أو ما أشبه ذلك يعنى شأة لحم غير
٤
١