النص المفهرس

صفحات 1-20

◌ِهِ اللَّهُ العَ الَّةُ
(٤٦) باب صلاة الخوف
(باب صلاة الخوف) أى أحكام الصلاة عند الخوف من الكفار، ولما كان لصلاة الخوف أحكام
وصفة تختص بها بخلاف الصلوات التى عم الناس معرفتها دعت الحاجة إلى بيان صفتها وأحكامها ، وههنا عدة
أبحاث نوردها مجملا، ليكون الطالب على بصيرة الأول أنهم اختلفوا فى أى سنة نزل بيان صلاة الخوف؟ فقال
الجمهور أن أول ما صليت فى غزوة ذات الرقاع. واختلف أهل السير فى أى سنة كانت هى، فقال عامة أهل السير
ابن اسحاق وابن عبد البر وغيرهما أنها كانت بعد بنى النضير والخندق فى جمادى الأولى سنة أربع. وقال ابن
سعد وابن حبان: فى عاشر المحرم سنة خمس. وقال أبو معشر بعد بنى قريظة فى آخر السنة الخامسة وأول التى
تليها. وقال البخارى: بعد خيبر فى السنة السابعة، وهو الراجح عند ابن القيم والحافظ . وذهب ابن القيم: إلى
أن أول صلاة صليت للخوف بعسفان، وكانت فى عمرة الحديبية، وهى بعد الخندق وقريظة سنة ست. وصليت
بذات الرقاع أيضا فعلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان ، وقد بسط الكلام فى الهدى فى الاستدلال لذلك، واليه
جنح الحافظ فى الفتح حيث قال بعد الاستدلال لهذا القول: وإذا تقرر أن أول ما صليت صلاة الخوف بعسفان
وكانت فى عمرة الحديبية، وهى بعد الخندق وقريظة وقد صليت صلاة الخوف فى غزوة ذات الرقاع ، وهى بعد
عسفان فتعين تأخرها عن الخندق وعن قريظة وعن الحديبية أيضا فيقوى القول بأنها بعد خيير ، لأن غزوة خيبر
كانت عقب الرجوع من الحديبية - انتهى. الثانى أنهم اتفقوا على أن النبى مَّه لم يضل صلاة الخوف بغزوة
الخندق . واختلفوا فى سبب ذلك ، فقيل كانت تلك الغزوة بعد نزول صلاة الخوف، وأنه أخر الصلاة يومئذ
فسيانا، يدل عليه ما روى أحمد من حديث ابن لهيعة عن أبى جمعة حبيب بن سباع، قال إن رسول الله مزيج
عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال هل على أحد منكم إنى صليت العصر؟ قالوا: لا يا رسول الله! ماصليتها
فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر، ثم أعاد المغرب. قال الحافظ: وفى صحته نظر، لأنه مخالف لما فى الصحيحين من
قوله مَبِّ لعمر واقه ماصليتها، ويمكن الجمع بينهما بتكلف. وقيل: أخرها عمداً، لأنه كان مشغولا بالقتال، والاشتغال
بالقتال والمسايفة يمنع الصلاة، قاله صاحب الهداية والطحاوى وأبو بكر الجصاص الرازى. وقيل: لأنه لم يكن أمر

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤- كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
حينئذ أن يصلى صلاة الخوف راكبا ، فقد روى عن أبى سعيد الخدرى قال: كنا مع رسول الله يوم الخندق،
فشغلنا، الحديث. وفى آخره وذلك قبل أن ينزل عليه ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) أخرجه أحمد والنسائى
والطيالسى وعبد الرزاق وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والبيهقى فى السنن والطحاوى. وقيل: لتعذر الطهارة
وقيل: لأنه كان فى حضر، وحكم صلاة الخوف أن تكون فى السفر، قاله ابن الماجشون. وقيل أخرها عمداً،
لأنه كانت قبل نزول صلاة الخوف ، ذهب إليه الجمهور، كما قال ابن رشد، وبه جزم ابن القيم فى الهدى ،
والحافظ فى الفتح، والقرطبي فى شرح مسلم، وعياض فى الشفاء، والزيلعى فى نصب الراية، وابن القصار. وهذا
هو الراجح عندنا. الثالث أن جمهور العلماء متفقون على أن حكمها باق بعد النبي مَثل، وحكى عن المزنى من
الشافعية أنها منسوخة حيث لم يصلها التى تَّه يوم الخندق فتأخيره فى غزوة الخندق دال على نسخ صلاة الخوف.
قال ابن القصار: هذا قول من لا يعرف السنن ، لأن صلاة الخوف نزلت بعد الخندق، وحكى عن أبى يوسف:
أنها كانت تختص برسول اللّه مَّ لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم - ٤: ١٠٢) الآية . جوزت بشرط كونه
صلى الله عليه وسلم فيهم فاذا خرج من الدنيا انعدم الشرط، ولأنها لما فيها من كثرة ما ينافى الصلاة، كالذهاب
والمجىء والأعمال الكثيرة شرعت لرغبة الناس إلى الصلاة خلفه وث وميل كل أحد إلى بركة الاقتداء به. وأما
بعده عرَّ ففيم يرغب، فصلاة الخلوف بجماعة واحدة. وإمام واحد مقصورة على عهده مَثيم، وأجيب عن الآية
بأنها قيد واقعى نحوقوله تعالى: إن خفتم فى صلاة المسافر وتخصيص النبى صلى الله عليه وسلم بالخطاب لا يوجب
تخصيصه بالحكم ما لم يقم دليل على اختصاصه به، ولأن الصحابة أنكروا على مانعى الزكاة قولهم إن الله تعالى خص
نبيه بأخذ الزكاة بقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة - ٩: ١٠٣﴾ وقال ابن العربى: شرط كونه فيهم إنما ورد ليان
الحكم لا لوجوده أى بين لهم بفعلك، لأنه أوضح من القول - انتهى. وأيضاً ما ثبت فى حق النبي مؤفيه
ثبت فى حقنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به فإن الله تعالى أمر باتباعه، وأيضا فان الصحابة أجمعوا على صلاة
الخوف، فروى أن عليا صلى صلاة الخوف ، ليلة الهرير، وصلاها أبو موسى الأشعرى بأصبهان بأصحابه . وروى
أن سعيد بن العاص كان أميراً على الجيش بطبر ستان، فقال أيكم صلى مع رسول اللّه مَّم صلاة الخوف فقال
حذيفة أنا فقدمه فصلى بهم. قال الزيلعى: دليل الجمهور وجوب الاتباع والتأسى بالنى مَّم ، وقوله: صلوا كما
وأيتمونى أصلى، والأفعال المنافية أنما هى لأجل الضرورة، وهى موجودة بعده مزثم. وقد وردت صلاة
الخوف من قوله عليه الصلاة والسلام ، کما رواه البخارى فى صحيحه فى تفسير سورة البقرة فی باب قوله: ﴿فان
خفتم فرجالا أو ركبانا - ٢: ٢٣٩) بسنده عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال
٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
يتقدم الامام وطائفة من الناس - الحديث. وفى آخره قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن
رسول الله يع. الرابع أن صلاة الخوف جائزة فى الحضر إذا أحتيج إلى ذلك بنزول العدو قريباً من البلد.
قال به الجمهور الشافعى وأحمد وأبو حنيفة ومالك فى المشهور عنه، وحكى عنه أنها لا تجوز فى الحضر، وبه قال ابن
الماجشون. وقال أصحابه: يجوز، كما قال الجمهور، وهو الحق، لأن قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقت لهم
الصلاة - ٤: ٤١٠٢ الآية، عام فى كل حال. الخامس أن الخوف لا يؤثر فى عدد الركعات فى حق الامام
والمأموم جميعا فى قول أكثر أهل العلم منهم ابن عمر والنخعى ومالك والشافعى وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه
وسائر أهل العلم من علماء الأمصار لا يجيزون ركعة. وقال ابن عباس والحسن البصرى وعطاء وطاؤس ومجاهد
والحكم بن عتيبة وقتادة واسحاق والضحاك والثورى: أنها ركعة عند شدة القتال يومى إيما" ، واستدل لهم بما روى
عن حذيفة أن النبي ◌َّ صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى
والأثرم، وصححه ابن حبان ، ومثله عند النسائى وابن خزيمة عن ابن عباس وعند النسائى والأثرم عن زيد بن
ثابت، وبما روى عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم فى الحضر أربعا وفى السفر ركعتين وفى
الخوف ركعة. أخرجه أحمد ومسلم وغيرهما. قلت: وأول الجمهور بأن المراد به ركعة مع الامام، وليس فيه
نفى الثانية، وفيه أنه لا منافاة بين وجوب واحدة ، والعمل باثنتين حتى يحتاج إلى التأويل للتوفيق لجواز أنهم
عملوا بالأحب والأولى، وأيضا يرد هذا التأويل قوله: لم يقضوا. وأما تأويلهم لم يقضوا بأن المراد منه أنهم لم يعيدوا
الصلاة بعد الأمن فبعيد جداً. السادس ذكر أبو داود فى سننه لصلاة الخوف ثمانية أوجه ، وكذا ابن حبان فى
صحيحه، وزاد تاسعا، وقال: ليس بينها تضاد، ولكنه يَ ◌ّ صلى صلاة الخوف مراراً، والمرأ مباح له أن
يصلى ما شاء عند الخوف من هذه الأنواع، وهى من الاختلاف المباح. وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر
وجهاً، وبينها فى جزء مفرد. وقال ابن العربى فى القبس: جاء فيها روايات كثيرة أصحها ست عشرة رواية مخلفة
ولم يبينها. وقال النووى فى شرح مسلم نحوه ولم يدينها أيضا، وقد بينها العراقى فى شرح الترمذى، وزاد وجها
آخر فصارت سبعة عشر وجها ، لكن قال يمكن أن تتداخل . وقال ابن القيم: أصولها ست صفات بلغها بعضهم
أكثر وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة فى قصة جعلوا ذلك وجهاً من فعل النبي تزيثم وإنما هو من اختلاف الرواة
قال الحافظ: وهذا هو المعتمد ،واليه أشار شيخنا (العراقى) بقوله يمكن أن تتداخل، وحكى ابن القصار المالكى
أن النبي ◌َّ صلاها عشر مرات. وقال ابن العربى: صلاها أربعا وعشرين مرة. وقال الزيلعى فى نصب الراية
(ج ٢ ص ٢٤٧) ذكر بعض الفقهاء: أن النبى مَثم صلاها فى عشرة مواضع والذى استقر عند أهل السير
٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
والمغازى أربعة مواضع ذات الرقاع وبطن نخل وعسفان وذى قرد، حديث ذات الرقاع أخرجه البخارى وغيره
عن سهل بن أبى حثمة وفى لفظ للبخارى عمن صلى مع النبى مَّةٍ وحديث بعان نخلة. أخرجه النسائي عن جابر
قال كنا مع النبي ◌َّ ببطن تخل والعدو بيننا وبين القبلة - الحديث. وحديث عسفان أخرجه أبو داود والنسائى
عن أبي عياش الزرقى، وحديث ذى قرد أخرجه النسائي عن ابن عباس أنه مَ ◌ّه صلى بذى قرد - الحديث.
السابع قال ابن قدامة: يجوز أن يصلى صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله عزّة. قال أحمد: كل
حديث يروى فى أبواب صلاة الخوف ، فالعمل به جائز، وقال: ستة أوجه أو سبعة، يروى فيها كلها جائز. وقال
الأثرم قلت لأبي عبد الله (الامام أحمد) تقول بالأحاديث كلها كل حديث فى موضعه أو تختار واحداً منها قال
أنا أقول من ذهب اليها كلها حسن. وأما حديث سهل فأنا أختاره، ثم بين ابن قدامة هذه الوجوه الستة وقال
بعد ذكر الوجه السادس ، وهو أن يصلى بكل طائفة ركعة ولا تقضى شيئا ما لفظه فهذه الصلاة يقتضى عموم
كلام أحمد جوازها، لأنه ذكر ستة أوجه ولا أعلم وجهاً سادسا سواها، وأصحابنا ينكرون ذلك - انتهى. قلت:
الصفات الثابتة فى الأحاديث الصحيحة كلها جائزة عند جميع العلماء، وإنما الاختلاف عندهم فيما هى أولى وأفضل
إلا ثلاث صور، فإنه قد أولها من لا يقول بها على تقدير ثبوتها، كما سيأتى. قال السهيلى: اختلف العلماء فى الترجيح،
فقالت طائفة يعمل منها بما كان أشبه بظاهر القرآن وقالت طائفة يحتهد فى طلب الأخير منها فانه الناسخ لما قبله
وقالت طائفة يؤخذ بأصحها نقلا وأعلاها رواة، وقالت طائفة يؤخذ بجميعها على حسب اختلاف أحوال الخوف
فاذا اشتد الخوف أخذ بأيسرها مؤنة - انتهى. قلت: ورجح أحمد والشافعى ماروى عن يزيد بن رومان عن صالح
ابن خوات عمن صلى مع رسول الله مَّ وهو الحديث الثانى من هذا الباب لسلامة الصفة المذكورة فيه من
كثرة المخالفة، ولكونها أحوط لأمر الحرب، واختار مالك ما روى هو عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد
عن صالح بن خوات عن سهل بن أبى حثمة موقوفا عليه حيث قال فى الموطأ، وحديث القاسم بن محمد عن صالح بن
خوات أحب ماسمعت إلى فى صلاة الخوف، واختار أبو حنيفة ومحمد ماروى عن ابن مسعود عند أبىداود بسند
ضعيف، وما روى عن ابن عمر عند البخاري وغيره، وهو الحديث الأول من الباب، وفى دلالتهما على مذهب
أبى حنيفة ومحمد خفاء، كما سيأتى ولم يختر اسحاق شيئاً على شىء، وبه قال الطبرى وغير واحد، منهم ابن المنذر
وسرد ثمانية أوجه. وأما الصور الثلاث المختلف فيها فالأول منها أن يصلى الامام بكل طائفة صلاة منفردة
ويسلم بها ، فيكون الامام فى الثانية متفلا يؤم المفترضين ، وأوله بعض الحنفية بما لا يلتفت اليه وأذكر بعضهم
ثبوته، وهو مردود أيضا. والثانى أن يصلى بالطائفة الأولى ركعتين ولا يسلم ثم تسلم الطائفة. وتتصرف
ولا تقضى شيئاً وتأتى الطائفة الأخرى فيصلى بهم ركعتين ويسلم بها ولا تقضى شيئا فيكون له أربع ركعات
٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
الفصل الأول )!
١٤٣٣ - (١) عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: غزوت مع رسول الله صلى اللّه
عليه وسلم قبل تجد، فوازينا العدو، فصاففنا لهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى لنا،
فقامت طائفة معه ،
بسلام واحد وللقوم ركعتان ركعتان فقط، وقد أوله الحنفية والمالكية والحنابلة بما هو غنى عن الرد
وارجع إلى المغنى. والثالث الاقتصار على ركعة أنكره الشافعى ومالك وأبو حنيفة وأصحاب أحمد وأولوه بما
تقدم مع الجواب. والثامن أن صلاة الخوف تجوز بشرائط منها أن يكون العدو مباح القتال وأن لا يؤمن
هجومه، ومنها أن يكون هجوم من يريد صلاة الخوف مباحا فلو كانوا عصاة كالبغاة مثلا لا يجوز لهم صلاة
الخوف، ومنها أن يكون فى المصلين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين كل طائفة ثلاثة فأكثر قاله أبو الخطاب.
وقال القاضى: إن كانت كل فرقة أقل من ثلاثة كرهناه ، وحكاه الحافظ عن الشافعى وعلل بأنه أعاد عليهم ضمير
الجمع بقوله أسلحتهم. قال ابن قدامة: والأولى أن لا يشترط هذا، لأن ما دون الثلاثة عدد نصح به الجماعة ،
فجاز أن يكون طائفة كالثلاثة ، ومنها أن لا يقاتل فى الصلاة وهذا عند الحنفية.
١٤٣٣ - قوله (قال ) أى ابن عمر (غزوت) أى الكفار. فى القاموس. غزا العدو سار إلى قتالهم
وأصل الغزو القصد (مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) حال (قبل نجد) بكسر القاف وفتح الموحدة ، نصباً
على الظرف أى جهة نجد ، والنجد كل ما ارتفع من بلاد العرب من تهامة إلى العراق. وقال الأبهرى: المراد هنا
نجد الحجاز لاتجد اليمن. قال العينى والقسطلانى: وهذه الغزوة غزوة ذات الرقاع (فوازينا) بالزاى أى قابلنا
بالموحدة وحاذينا من الموازاة، وهى المقابلة والمواجهة. وأصله من الازاء بهمزة فى أوله. قال الجوهرى: يقال
هو بازاء، أى بحذاءه، وقد آزيته إذا حاذيته، ولا تقل: وازيته بالواو ـ انتهى. فعلى هذا أصل وازينا آزينا
قلبت الهمزة واو . وقال القارى بعد نقل كلام الجوهرى: لكن رواية المحدثين مقدمة على نقل اللغويين مع أن
المثبت مقدم على النافى، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، لا سيما ووافقهم صاحب النهاية أو هما لغتان
كالمواكلة والمؤاخذة - انتهى. (فصاففنا) أى قمنا صفين، كما سيأتى (لحم ) أى لحربهم أو جعلنا نفوسنا صفين
فى مقابلتهم (يصلى لنا) أى لأجلنا أو يصلى بنا بالموحدة. وقال القارى: أى يصلى بالجماعة إماماً لنا. والحديث
من أقوى الحجج على وجوب الجماعة حيث ما ترك فى تلك الحالة - انتهى. وكانت هذه الصلاة رباعية. قال الحافظ:
وسيأتى فى المغازى (من صحيح البخارى) ما يدل على أنها كانت صلاة العصر (فقامت طائفة معه) تصلى أى

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه، وسجد سجدتين، ثم
انصرفوا مكان/ الطائفة التى لم تصل، فجاؤا، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم ركعة،
وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم، فركع لفسه ركعة، وسجد سجدتين.
حيث لا تبلغهم سهام العدو (وركع) وفى رواية فركع (رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه) أى مع الذين
قاموا معه (وسجد سجدتين) أى بمن معه ثم ثبت قائماً (ثم انصرفوا) أى الطائفة التى صلت تلك الركعة
(مكان الطائفة التى لم تصل) أى فقاموا فى مكانهم فى وجه العدو (فحاؤا) أى الطائفة الأخرى التى كانت تحرس ،
وهو عليه الصلاة والسلام قائم فى الثانية مننظر لها (ثم سلم) أى النبى صلى الله عليه وسلم وحده (فقام كل واحد
منهم) أى من المأمومين من الطائفتين (فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين) قال الحافظ: ظاهره أنهم أتموا
لأنفسهم فى حالة واحدة ، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى ، وإلا فيستلزم تضبيع
الحراسة المطلوبة، وافراد الامام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود، ولفظه: ثم سلم
فقام هولاء أى الطائفة فقضوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم
ركعة ثم سلموا - انتهى. وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، ووقع فى
الرافعى تبعاً لغيره من كتب الفقه أن فى حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الطائفة الأولى
فأتموا ركعة ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا ولم نقف على ذلك فى شىء من الطرق، وبهذه الكيفية أخذ
الحنفية واختار الكيفية التى فى حديث ابن مسعود أشهب من المالكية والأوزاعى، ورجح ابن عبد البر الكيفية
الواردة فى حديث ابن عمر على غيرها لقوة الاسناد ولموافقة الأصول فى أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام
أمامه - انتهى مختصراً. وقال القرطبى فى شرح مسلم: والفرق بين حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود أن فى
« حديث ابن عمر كان قضاءهم فى حالة واحدة ويبقى الامام كالحارس وحده ، وفى حديث ابن مسعود كان قضاءهم
متفرقا على صفة صلاتهم . وقد تأول بعضهم حديث ابن عمر على ما فى حديث ابن مسعود، وبه أخذ أبو حنيفة
وأصحابه غير أبى يوسف، وهو نص أشهب من أصحابنا خلاف ما تأواه ابن حبيب، والله أعلم - انتهى. قلت:
حديث ابن مسعود ظاهر فى أن الطائفة التى صلت مع الامام آخراً هى بدأت بالقضاء قبل الطائفة الأولى
أى والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، وليس هذا فى قول أبى حنيفة. وقال القارى فى شرح
قوله: فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين، تفصيله أن الطائفة الثانية ذهبوا إلى وجه العدو
وجاءت الأولى إلى مكانهم وأتموا صلاتهم منفردين وسلموا وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الثانية
وأتموا منفردين وسلموا، كما ذكره بعض الشراح من علماءنا. قال ابن الملك: كذا قيل: وبهذا أخذ أبو حنيفة
٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
وروی نافع نحوه، وزاد: فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالا،
لكن الحديث لم يشعر بذلك - انتهى. قال القارى: وهو كذلك، لكن قال ابن الهمام: ولا يخفى أن هذا
الحديث انما يدل على بعض ما ذهب إليه أبو حنيفة ، وهو مشى الطائفة الأولى واتمام الطائفة الثانية فى مكانها
من خلف الامام ، وهو أقل تغييراً، وقد دل على تمام ما ذهب اليه ما هو موقوف على ابن عباس من رواية
أبى حنيفة، ذكره محمد فى كتاب الآثار، وساق اسناد الامام ، ولا يخفى أن ذلك مما لا مجال للرأى فيه فالموقوف
فيه كالمرفوع - أنتهى. قلت: ومذهب أبى حنيفة، كما سيأتى أن الطائفة الأولى تتم الركمة التى بقيت عليها
بلا قراءة كاللاحق ، والطائفة الثانية تقضيها بالقراءة كالمسبوق، وهذا شىء لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أصلا ولا عن أحد من أصحابه بل لا يعرف عن أحد من الأمة قبل أبى حنيفة. وأما أثر بن عباس فليس فيه
أدنى إشارة إلى ذلك فضلا أن يكون نصاً فى ذلك. قال محمد فى كتاب الآثار (ص ٣٥) أخبرنا أبو حنيفة عن
حماد عن ابراهيم فى صلاة الخوف قال: إذا صلى الامام بأصحابه فلتقم طائفة منهم مع الامام ، وطائفة بازا.
العدو فيصلى الامام بالطائفة الذين معه ركعة ثم تنصرف الطائفة الذين صلوا مع الامام من غير أن يتكلموا حتى
يقوموا فى مقام أصحابهم ، وتأتى الطائفة الأخرى فيصلون مع الامام الركعة الأخرى ، ثم ينصرفون من غير أن
يتكلموا حتى يقوموا فى مقام أصحابهم، وتأتى الطائفة الأولى حتى يصلوا ركعة وحداناً ثم ينصرفون فيقومون
مقام أصحابهم ، وتأتى الطائفة الأخرى حتى يقضوا الركعة التى بقيت عليهم وحدانا . قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة
حدثنا الحارث بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهم مثل ذلك قال: وبهذا كله نأخذ. وأما
الطائفة الأولى فيقضون ركعتهم بغير قراءة، لأنهم أدركوا أول الصلاة مع الامام فقراءة الإمام لهم قراءة.
وأما الطائفة الأخرى فانهم يقضون ركعتهم بقراءة، لأنهم فاتتهم مع الامام وهذا كله قول أبى حنيفة - انتهى.
(وروى نافع) أى عن ابن عمر أيضاً (نحوه) أى معنى ما رواه سالم عنه. ولفظ حديث نافع عند البخارى فى
تفسير سورة البقرة من طريق مالك عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف ، قال: يتقدم الامام
وطائفة من الناس فيصلى بهم الامام ركعة ، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه
ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة ، ثم ينصرف الامام
وقد صلى ركمتين، فيقوم كل واحد من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الامام ، فيكون
كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين فان كان خوف الخ. (وزاد) أى نافع عن ابن عمر (فان كان خوف)
أى هناك أو وقع خوف شديد والتنوين للتعظيم (هو أشد من ذلك) الذى تقدم بأن لا يمكن معه الانقسام
والاصطفاف وغير ذلك (صلوا) حينئذ بحسب الامكان (رجالا) بكسر الراء وتخفيف الجيم جمع راجل.
٧

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦٠ - باب صلاة الخوف
قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلى القبلة، أو غير مستقبليها، قال نافع: لا أرى ابن عمر ذکر
ذلك الا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الرازى فى تفسيره: الراجل الكائن على رجله ماشياً كان أو واقفاً . انتهى. (قياماً) بكسر القاف جمع قائم.
وقيل: إنه مصدر بمعنى اسم الفاعل أى قائمين، وهما حالان من فاعل صلوا أى صلوا حال كونهم راجلين قائمين
(على أقدامهم) زاد مسلم: يومى ايماء. وقوله قياماً على أقدامهم تفسير لقوله رجالا. قال ابن حجر: فيه إشارة
إلى ترك الركوع والسجود، والايماء اليهما عند العجز عنهما لقوله قياماً على أقدامهم، و يكون المراد قيامهم
على أقدامهم فى كل حالاتهم من صلاتهم (أو ركباناً) أى راكبين على دوابهم بضم الراء جمع راكب، وأو للتخيير
أو الاباحة أو التنويع (مستقبلى القبلة أو غير مستقبايها) أى بحسب ما يتسهل لهم. والحاصل أنه إذا اشتد الخوف
والتحم القتال ووقعت المسايفة أو اشتد الخوف من غير التحام القتال والمسايفة صلوا كيف ما أمكنهم رجالا
وركباناً إلى القبلة وإلى غيرها يومنون بالركوع والسجود على قدر الطاقة ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها ، وبه
قالت الحنابلة ، فيجوز عندهم الصلاة فى شدة الخوف وحالة المسايفة والتحام القتال ماشياً وراكباً وطالباً ومطلوباً
وكذا عند الشافعية إلا لطالب عدو لا يخشى كرهم عليه أو انقطاعا من رفقته، وكذا عند المالكية، لكنهم قالوا
لا يصنعون ذلك حتى يخدوا فوت الوقت، وأيضاً اختلفوا فى الطالب فقال ابن عبد الحكم: لا يصلى (أى الطالب)
إلا بالأرض صلاة الأمن. وقال ابن حبيب: هو فى سعة من ذلك وإن كان طالباً ، وحكى ذلك عن مالك . وقال
القسطلانی قال مالك: یصلی (أى الطالب) راکباً حيث توجهت دابته إذا عاف فوت العدو إن نزل - انتهى.
وقالت الحنفية: لا يجوز الصلاة فى حالة المسايفة والقتال ولا فى حالة المشى مطلقاً أى لا طالباً ولا مطلوباً،
ويجوز الصلاة راكباً للطلوب، ولو كانت الدابة سائرة لا للطالب. قيل: قول ابن عمر فى هذا الحديث قياماً على
أقدامهم يؤيد الحنفية فى فنى الصلاة فى حالة المشى، واليه يظهر ميل البخارى حيث قال: باب صلاة الخوف رجالا
وركباناً راجل قائم. قال الحافظ: يريد به أن المراد به ههنا القائم، ويطلق على الماشى أيضاً، وهو المراد فى سورة
الحج يأتوك رجالا. الآية - انتهى. وفرق الحنيفة بين المشى فى الصلاة وبين الصلاة ماشياً، فجوزوا الأول قالوا،
وهو المذكور فى حديث ابن عمر دون الثانى، ولا يخفى ما فيه (قال نافع لا أرى) بضم الهمزة أى لا أظن (ذكر
ذلك) أى قوله فإن كان خوف الخ. (إلا عن رسول اللّه ◌َّ) هكذا أخرجه مالك عن نافع فى موطأ، بالشك،
وكذا أخرجه البخارى فى صحيحه من طريق مالك. قال ابن عبد البر: رواه عن نافع جماعة لم يشكوا فى رفعه،
منهم ابن أبىذئب وموسى بن عقبة و أيوب بن موسى، و کذا رواه الزهرى عن سالم عن ابن عمر مرفوعا ، ورواه
خالد بن معدان عن ابن عمر مرفوعا - انتهى. وقال الحافظ: قد أخرج مسلم حديث ابن عمر من طريق الثورى
٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
رواه البخارى.
١٤٣٤ - (٢) وعن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول الله
عن موسى بن عقبة فذكر صلاة الخوف نحو سیاق الزهرى عن سالم ، وقال فى آخره قال ابن عمر فاذا كان خوف
أكثر من ذلك فليصلٍ راكباً أو قائماً يومى إيماء، ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبد الرحمن عن موسى
ابن عقبة موقوفا كله، لكن قال فى آخره وأخبرنا نافع أن عبد الله بن عمر كان يخبر بهذا عن النبى صلى الله عليه
وسلم فاقتضى ذلك رفعه كله ، ثم ذكر الحافظ رواية الموطأ والبخارى ثم قال: ورواه عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر مرفوعا كله بغير شك. أخرجه ابن ماجه ولفظه قال رسول الله مؤثر فى صلاة الخوف أن يكون
الامام يصلى بطائفة، فذكر نحو سياق سالم عن أبيه ، وقال فى آخره فان كان خوف أشد من ذلك فرجالا
أو ر کباناً ، وإسناده جید . والحاصل أنه أختلف فى قوله فان كان خوف أشد من ذلك هل هو مرفوع أو موقوف
على ابن عمر، والراجح وقفه. والله أعلم بـ انتهى. (رواه البخارى) حديث سالم عن أبيه أخرجه الجماعة
والبيهقى (ج ٣ ص ٢٦٠) وحديث نافع عن ابن عمر أخرجه مالك فى موطأه والبخارى فى تفسير قوله تعالى:
﴿فإن خفتم فرجالا أوركبانا - البقرة: ٢٩٢° والبيهقى (ج ٣ ص ٢٥٦، ٢٦٠ - ٢٦١).
١٤٣٤ - قوله (وعن يزيد بن رومان) بضم الراء المهملة ، المدنى، مولى آل الزبير بن العوام، ثقة من
صغار التابعين، مات سنة (١٣٠) (عن صالح بن خوات) بفتح المعجمة وتشديد الواو، وآخره تاء مثناة من
فوق أى ابن جبير ، بضم الجيم ، ابن النعمان الأنصارى، المدنى ، تابعى مشهور، عزيز الحديث ، ثقة ، ووى له
الجماعة هذا الحديث، وأبوه خوات بن جبير، صحابى جليل، أول مشاهده أحد . وقيل: شهد بدراً مات بالمدينة
سنة (٤٠) أو بعدها وله (٧٤) وقيل (٧١) سنة (عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) ولفظ البخارى
عمن شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: إن اسم هذا المبهم سهل بن أبى حثمة، لأن القاسم بن محمد
روى حديث صلاة الخوف عن صالح بن خوات عن سهل بن أبى حثمة ، وهذا هو الظاهر من رواية البخارى،
ولكن الراجح أنه أبوه خوات بن جبير، لأن أبا أويس رواه عن يزيد بن رومان شيخ مالك فيه فقال عن
صالح بن خوات عن أبيه. أخرجه ابن منده فى معرفة الصحابة من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقى من طريق
عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه ، وجزم النووى فى تهذيبه بأنه خوات بن جبير
وقال: إنه محقق من رواية مسلم وغيره، وسبقه لذلك الغزالى، ويؤيده أيضاً تعيين كونها ذات الرقاع، فانه انما
يصح ذلك فى روايته عن أبيه إذ ليس فى رواية صالح عن سهل أنه صلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيده
أيضاً أن سهلا لم يكن فى سن من يخرج فى تلك الغزوة لصغره، لكن لا يلزم منه أن سهلا لا يرويها، فيحتمل أن

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتى معه ركعة،
ثم ثبت قائما، وأنمواً لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاء العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى
بهم الركعة التى بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم.
صالحا سمعه منهما. ورواية سهل تكون مرسل صحابى (يوم ذات الرقاع) بكسر الراء جمع الرقعة بمعنى الخرقة،
وهى القطعة من الثوب، وسميت هذه الغزوة ذات الرقاع، لأن الظهر كان قليلا وأقدام المسلمين نقبت من الحفاء
فلفوا عليها الخرق، وهى الرقاع. رواه البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى، وهو الصحيح فى تسميتها.
وقيل : سميت بذلك ، لأنهم رقعوا فيها راياتهم . وقيل: بشجر بذلك الموضع ، يقال له ذات الرقاع. وقيل:
بل الأرض التى كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع. وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله
ابن حبان. وقال الواقدى: سميت بجبل هناك فيه بقع ، وهذا لعله مستند ابن حبان ، ويكون قد تصحف جبل
بخيل، وقد رجح السهيلى والنووى السبب الذى ذكره أبو موسى، ثم قال النووى: ويحتمل أن تكون سميت بالمجموع
وأغرب الداودى فقال: سميت ذات الرقاع!وقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، كذا فى الفتح
وسبب وقوعها أن أعرابياً جاء يحلب الى المدينة، فقال إنى رأيت ناسا من بنى ثعلبة وبنى أنمار قد جمعوا لكم جموعا
وأنتم فى غفلة عنهم فخرج النبي مَثّ اليهم واستعمل على المدينة أبا ذر الغفارى. وقيل: عثمان بن عفان، وخرج فى
أربعمائة: وقيل: فى سبعمائة، فلقى جمعاً من بنى ثمابة، فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال. وقيل: لم يلق كبداً لأن العدو تفرق
فى الجبال إلا أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف، لأنه كان يخاف أن يجتمعوا فيحملوا على المسلمين،
وقد تقدم اختلاف أهل العلم فى تأريخ هذه الغزوة. وأن الراجح عند أهل السير أنها كانت فى جمادى الأولى
سنة أربع، وعند البخارى أنها بعد خيبر سنة سبع (صلاة الخوف) مفعول صلى (أن طائفة) قال الطيبي: متعلق
بما يتعلق به عمن أى روى عمن صلى مع رسول اللّه مَ فيه أن طائفة (صفت معه) أى الصلاة (وطائفة)
بالنصب للعطف . وقيل: بالرفع على الابتداء أى وطائفة أخرى (وجاه العدو) بكسر الواو ويضم أى ماذيهم
ومواجههم، ونصبه على الظرفية بفعل مقدر (فصلى بالتى معه) أى بالطائفة التى معه صلى الله عليه وسلم (ثم)
أى لما قام الى الركعة الثانية (ثبت) حال كونه (فانما وأتموا) أى الطائفة التى صلى بها الركعة الأولى (لأنفسهم) الركعة
الأخرى (ثم) أى بعد سلامهم (انصرفوا) إلى وجه العدو (فصفوا وجاه العدو) أى فى غير حالة الصلاة
(وجاءت الطائفة الأخرى) التى كانت وجاء العدو إلى مكان الطائفة الأولى فاقتدوا به (فصلى بهم الركعة) الثانية
(التى بقيت من صلاته) صلى الله عليه وسلم (ثم ثبت جالساً) فى التشهد ولم يخرج من صلاته بالسلام (وأتموا)
أى الطائفة التى جاءت بعد (لأنفسهم) الركمة الأخرى، وجلسوا معه فى التشهد (ثم سلم بهم) أى بالطائفة
١٠
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
متفق عليه .
الأخيرة أى معهم ليحصل لهم فضيلة التسليم معه صلى الله عليه وسلم، كماحصل للطائفة الأولى فضيلة التحريم معه
صلى الله عليه وسلم، وقد صلى كل طائفة ركعة مع النبى صلى الله عليه وسلم وركمة لأنفسهم وحدانا. وهذه
الكيفية اختارها الشافعى وأحمد، وقال مالك: يتشهد الطائفة الثانية مع الامام ، فإذا سلم الامام قاموا فقضوا .
ما فاتهم كالمسبوق. واستدل بحديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبى حثمة قال ابن قدامة
والأول أولى لقول الله تعالى: ﴿ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك - النساء: ١٠٢) وهذا يدل
على أن صلاتهم كلها معه، ولأنه روى أنه مرّ سلم بالطائفة الثانية، ولأن الأولى أدركت معه
فضيلة الاحرام، فينبغى أن يسلم بالثانية ليسوى بينهم ثم ذكر مذهب أبي حنيفة ثم قال: ولنا ما روى صالح بن
خوات عمن صلى مع النبى معَّ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، فذكر الحديث وقال: العمل بهذا أولى،
لأنه أشبه بكتاب الله تعالى وأحوط للصلاة والحرب. أما موافقة الكتاب فإن قول الله تعالى: ﴿ ولتأت طائفة
أخرى. لم يصلوا فليصلوا معك) يقتضى أن جميع صلاتها معه وعند أبي حذيفة تصلى معه ركعة فقط، وعندنا جميع
صلاتها معه إحدى الركعتين توافقه فى أفعاله وقيامه، والثانية تأتى بها قبل سلامه ثم تسلم معه ومن مفهوم قوله:
لم يصلوا أن الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها، وعلى قولهم لم تصل إلا بعضها - انتهى. قلت: الظاهر أن الله
تعالى ذكر فى الآية صفة الركعة الأولى وسكت عن حال الركعة الثانية، وكانت هى موضع الفصل، وفعل ذلك
للتوسع والمتبادر من تعبير صلاة الطائفة الأولى بالسجدة فى قوله: فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، أنهم بعد أداء
الركعة ينصرفون إلى وجه العدو ولا يتمون لأنفسهم الركعة الأخرى ولو أتموما لأطلق عليها الصلاة ، فذكر لفظ
السجدة يؤيد الحنفية فى أن الطائفة الأولى تنصرف إلى وجه العدو بعد الركعة، لأنه يدل على عدم تمام صلاتها
وعلى مذهب الشافعية ومن وافقهم كان الأولى أن يقال فإذا صلوا والمتبادر من ذكر لفظ الصلاة فى ذكر الطائفة
الثانية فى قوله: ﴿ولنأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾ أنهم يتمون لأنفسهم فى ذلك المكان ، وهذا أوفق
للشافعية ، فملوا قوله: فإذا سجدوا ، على معنى فإذا صلوا، بقرينة قوله فليصلوا. وحملت الحنفية قوله فليصلوا،
على معنى فليسجدوا، لقوله: فإذا سجدوا. وقد ظهر من هذا أن الآية لا توافق واحداً من المذهبين بتمامه للاجمال
فى حال الركعة الثانية نعم تنطبق على الصفة المذكورة فى حديث ابن مسعود، فإن حاصلها أن الطائفة الأولى تذهب
إلى وجه العدو بعد ركعة وتجئ الطائفة الأخرى فتصلى مع الامام ركعة ثم تتم لنفسها ركعة أخرى هناك ثم
ترجع إلى وجه العدو، وهذه الصفة هى ظاهر الآية كذا ذكر بعض الحنفية، وقد بسط ابن قدامة الكلام فى كون
الصفة المختارة عند الأئمة الثلاثة أحوط للصلاة والحرب، فعليك أن ترجع إلى المغنى (متفق عليه) أخرجه البخارى
فى المغازى من طريق قتيبة عن مالك، ومسلم فى الصلاة من طريق يحيى بن يحي عن مالك عن يزيد بن رومان .
وأخرجه أيضاً مالك وأبو داود والنسائى والبيهقى (ج ٣ ص ٢٥٢)

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
١٤٣٥ - (٣) وأخرج البخارى بطريق آخر عن القاسم، عن صالح بن خوات، عن سهل بن
أبي حثمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
١٤٣٥ - قوله (وأخرج البخارى بطريق آخر) أى من طريق مسدد عن يحيى القطان عن شعبة عن
عبد الرحمن بن القاسم (عن القاسم) أى أبن محمد بن أبي بكر الصديق (عن سهل بن أبى حثمة عن النبي مَثيم) أى
نحوه، وهذه الرواية مرسل صحابى، لأن أهل العلم بالاخبار اتفقوا على أن سهلا كان صغيراً فى زمن النبي صلى الله
عليه وسلم، فمات النبى تَّت، وهو إبن ثمان سنين، فلم يكن إذ ذاك فى سن من يخرج فى تلك الغزوة ،
وعلى هذا فتكون روايته لقصة صلاة الخوف مرسلة، ويتعين أن يكون مراد صالح بن خوات من صلى مع النبى
صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف غيره، والذى يظهر أنه أبوه كما تقدم. واعلم أن البخارى روى أولا حديث
سهل بن أبى حثمة موقوفا عليه قوله من طريق مسدد عن يحيى القطان عن يحمي الأنصارى عن القاسم عن صالح عن
سهل بن أبى حثمة قال: يقوم الامام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه وطائفة من قبل العدو وجوههم الى العدو
فيصلى بالذين معه ركعة ثم يقومون غيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين فى مكانهم ، ثم يذهب هؤلاء
إلى مقام أولائك، فیجی. أولاتك فیر کع بهم ركعة ، فله ثنتان ثم یر کعون ويسجدون سجدتین، ثم رواه مرفوعا
قال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن
أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أى مثل المتن الموقوف من رواية يحيى عن يحيى. وقد أورده مسلم
وأبو داود والنسائى من هذا الطريق بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه فى الخوف فصفهم
خلفه صفين ، فذكر الحديث. وهو مما يقوى أن سهل بن أبى حثمة لم يشهد ذلك وأن المراد بقول صالح بن
خوات ممن شهد أبوه لاسهل. والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذى والنسائي وابن ماجه والبيهقى موقوفا
ومرفوعا. وأخرجه مالك موقوفا قال ابن عبد البر هذا الحديث موقوف عند رواة الموطأ، ومثله لا يقال بالرأى
وقد جاء مرفوعا مسنداً - انتهى. قال الزرقانى: وتابع مالكا على وقفه يحيى القطان وعبد العزيز بن أبى حازم،
كلاهما عن يحيى الأنصارى، ورفعه يحيى القطان فى روايته عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح
عن سهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الخوف - الحديث. قال ابن عبد البر: وعبد الرحمن
ابن القاسم أسن من يحيى بن سعيد وأجل - انتهى هذا ورواية البخارى والنسائى والترمذى وابن ماجه ساكتة عن
بيان سلام الامام. ورواية أحمد ومسلم وأبى داود صريحة فى أنه يسلم الامام بالطائفة الثانية بعد أداءهم الركعة
الثانية، كما هو منطوق رواية يزيد بن رومان عن صالح، وهو مختار الشافعى وأحمد، كما تقدم. ورواية مالك صريحة
فى أن الامام يسلم منفردا قبل أن تأتى الطائفة الثانية بالركعة الأخرى وقال الدار قطنى بعد ما روى حديث
١٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
١٤٣٦ - (٤) وعن جابر، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا كنا بذات
الرقاع، قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بها.
وجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة، فأخذ سيف نبى الله
صلى الله عليه وسلم، فاخترطه، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتخافى؟ قال: لا. قال: فمن
يمنعك منی؟ قال: الله يمنعنى منك،
يزيد بن رومان: قال ابن وهب قال مالك أحب إلى هذا ثم رجع، وقال: قضاءهم يكون بعد السلام أحب إلى
- انتهى. وقال ابن عبد البر: وهذا الذى رجع اليه مالك بعد أن قال بحديث يزيد بن رومان، وانما اختاره
ورجع اليه للقياس على سائر الصلوات أن الامام لا ينتظر المأموم وأن المأموم انما يقضى بعد سلام الإمام
- انتهى. والراجح عندى: مختار الشافعية والحنابلة الوجوه التى تقدمت فى كلام ابن قدامة، ولم تفرق المالكية
والحنفية بين أن يكون العدو فى جهة القبلة أم لا، وفرق الشافعى والجمهور ، فحملوا حديث سهل على أن العدو كان
فى غير جهة القبلة فلذلك على بكل طائفة وحدها جميع الركعة، وأما إذا كان العدو فى جهة القبلة فعلى ما فى حديث
ابن عباس أن الامام. يحرم بالجميع ويركع بهم فإذا سجد سجد معه صف وحرس صف إلى آخره، ويأتى حديث
جابر: صفنا صفين والعدو بيننا وبين القبلة .
١٤٣٦ - قوله (حتى إذا كنا بذات الرقاع) أى بالمكان الذى كانت به غزوة ذات الرقاع، فسميت
البقعة باسم الوقعة (قال) أى جابر (كنا) أى معشر الصحابة عند إرادة نزول المنزل (إذا أتينا) أى مررنا
(على شجرة ظليلة) أى مظللة أى ذات ظل كثيف، يعنى كثيرة الظل (تركناها لرسول الله (ئل) لینزل تحتها
ويستظل بها ، يعنى فكذا فعلنا بذات الرقاع ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة للاستراحة، فيه تفرق
الناس عن الامام فى الغزو عند القائلة والاستظلال بالشجر، وهذا محله إذا لم يكن هناك ما يخافون منه (قال)
أى جابر (فجاء رجل من المشركين) إسمه غورث (وزن جعفر) بن الحارث. وقيل: إسمه دعثور. وقيل:
غويرث (وسيف رسول اللّه مثل معلق بشجرة) أى بشجرة كان النبى مَثم تحت ظلها. فيه تعليق السيف بالشجرة
فى السفر عند النوم وقت القائلة (فأخذ) أى المشرك (سيف فى اللّه مية) لكونه نائما (فاخترطه) بالخاء المعجمة
والمثناة الفوقية والراء آخره طاء مهملة أى سله من غمده، وهو غلافه (قال) أى المشرك (فمن يمنعك منى)
بضم العين ((ومن )) إستفهام يتضمن معنى النفى كأنه قال لا مانع لك منى وكرر ذلك فى رواية للبخارى ثلاث مرات
(قال) أى رسول الله صلى الله عليه وسلم (الله) أى هو الذى سلطك على (يمنعنى منك) أى يخلصنى منك
١٣

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
قال: فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعمد السيف وعلقه، قال: فنودى بالصلاة،
فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين. قال: فكانت لرسول الله صلى
الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتان.
إذ لاحول ولا قوة إلا بالله. قال الطيبي: كان يكفى فى الجواب أن يقول رسول اللّه مَ ثّل الله، فبسط اعتماداً
على الله وإعتضاداً بحفظه وكلاءته، قال الله تعالى: ﴿ والله يعصمك من الناس - المائدة: ٦٧) - إنتهى. وهذا
من أعظم الخوارق للعادة فانه عدو متمكن بيده سيف مشهور فلم يحصل للنبى من ے روع ولا جزع. قال
الحافظ: فيه فرط شجاعته مَثّه وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجمال (قال) أى جابر (فتهدده) أى
هدده وخوفه (أصحاب رسول اللّه وَّع) ظاهره يشعر بأنهم حضروا القصة وأنه أنما رجع عما كان عزم
عليه بالتهديد وليس كذلك فإنه وقع فى رواية للبخارى بعد قوله فعلق بها سيفه: قال جابر فنمنا نومة فإذا رسول الله
يدعونا بجثناه، فاذا عنده أعرابى جالس، فقال رسول اللّه مَ ◌ّه إن هذا إخترط سيفى وأنا نائم فاستيقضت،
وهو فى يده صلتاً، فقال لى من يمنعك، قلت: اللّه، فها هوذا جالس ثم لم يعاقبه رسول اللّه مَثل. فقد بينت هذه
الرواية أن هذا القدر لم يحضره الصحابة وإنما سمعوه من النبى محمد م بعد أن دعاهم واستيقظوا. ووقع فى رواية
أخرى للبخارى بعد قوله: قلت اللّه فشام السيف. والمراد أغمده وكان الأعرابى لما شاهد ذلك الثبات العظيم
وعرف أنه حيل بينه وبينه تحقق صدقه وعلم أنه لا يصل اليه فألقى السلاح وأمكن من نفسه (فعمد السيف)
بفتح الميم المخففة وتشدد أى أدخله فى غلافه. وفى صحيح مسلم : فأغمد أى من الاغماد (وعلقه) أى فى مكانه،
ووقع فى رواية ابن إسحاق بعد قوله: قال الله فدفع جبريل فى صدره فوقع السيف من يده فأخذه النبى مزولة
فقال من يمنعك أنت منى قال لا أحد قال قم فاذهب لشأنك فلما ولى قال أنت خير منى فقال مفع أنا أحق
بذلك، ثم أسلم بعد. وفى لفظ، قال: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول اللّه، ثم أتى قومه فدعاهم إلى
الاسلام. ويجمع بين قوله فها هو ذا جالس ثم لم يعاقبه، وبين رواية ابن اسحاق بأن قوله: فاذهب لشأنك كان بعد
أن أخبر الصحابة بقصته فمن عليه لشدة رغبة النبي صلى الله عليه وسلم فى استئلاف الكفار ليدخلوا فى الاسلام
ولم يؤاخذه بما صنع بل عفا عنه، وقد تقدم أنه أسلم بعد ذلك وأنه رجع إلى قومه واهتدى به خلق كثير
( قال) أى جابر (فنودى) أى أذن وأقيم للظهر (فصلى بطائفة ركعتين) ثم سلم وسلموا (ثم تأخروا) أى إلى
جهة العدو (وصلى) وفى مسلم: فصلى أى النبى مَّثم متنفلا (بالطائفة الأخرى) التى كانت فى جهة العدو بعد
مجيئها اليه عليه الصلاة والسلام (ركعتين) ثم سلم وسلموا (قال) أى جابر (فكانت لرسول الله صلى الله عليه
وسلم أربع ركعات) أى بتسليمتين فرضاً ونفلا (والقوم ركعتان) فرضاً واستدل به على جواز صلاة المفترض
١٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
متفق عليه .
خلف المنتفل ، كذا قرره النووى فى شرح مسلم جمعاً بينه وبين حديث جابر الآتى فى الفصل الثانى، وحديث
أبى بكرة قال صلى النبى معَ ◌ّه فى خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بازاء العدو فصلى ركعتين ثم سلم وافطلق
الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم - الحديث. أخرجه
أبو داود والنسائى وابن حبان وغيرهم باسناد صحيح. قال الزيلعى فى نصب الراية (ج ٢ ص ٢٤٦) حديث
أبى بكرة صريح فى أنه عليه الصلاة والسلام سلم من الركعتين وحديث جابر ليس صريحاً، فلذلك حمله بعضهم على
حديث أبى بكرة، ومنهم النووى ، ومنهم من لم يحمله عليه ، ومنهم القرطبى وقال فى (ج ٢ ص ٥٦) لفظ
الصحيحين من حديث جابر قد يفهم منه أنه لم يسلم من الركعتين، وهو الأقرب، كما فهمه القرطبي فى شرح مسلم.
وقد يفهم منه أنه سلم من الركعتين ويفسره حديث أبى بكرة كما فهمه النووى، بل قد جاء مفسراً من رواية جابر
أنه سلم من الركعتين، كما رواه البيهقى فى المعرفة من طريق الشافعى. قلت: الأقرب عندى هو ما فهمه النووى،
بل هو المتعين لحديث أبي بكرة، وهو حديث صحيح، ولرواية جابر المفسرة عند النسائى وابن خزيمة والدار قطنى
والبيهقى. والأحاديث يفسر بعضها بعضاً. قال الزيلعى: وعلى كل حال فالاستدلال على الحنفية بحديث جابر صحيح
وإن لم يسلم من الركعتين، لأن فرض المسافر عندهم ركعتان والقصر عزيمة فان صلى المسافر أربعاً وقعد فى
الأولى صحت طلائه وكانت الأخريان له نافلة. وقد ذهل عن هذا جماعة من شراح الحديث ، ومنهم النووى:
وقالوا لا يحسن الاستدلال عليهم إلا بحديث أبى بكرة أو بحديث جابر على تقدير أنه سلم فى الركعتين - انتهى.
وقد رد بمثل ذلك ابن حزم فى المحلى (ج ٤ ص ٢٢٨) فارجع اليه إن شئت ويأتى بقية الكلام فى شرح حديث
جابر فى الفصل الثانى ثم الكيفية المذكورة فى حديث جابر مخالفة للكيفية التى فى حديث يزيد بن رومان مع أن
الموضع واحد وذلك لاختلاف الزمان ، فيحمل على أنه عليه الصلاة والسلام صلى فى هذا الموضع مرتين ، مرة
كما رواه يزيد بن رومان، ومرة كما رواه جابر، أو يحمل على تعدد غزوة ذات الرقاع، فقد قيل: إنها وقعت
مرتين: مرة فى السنة الخامسة، ومرة فى السنة السابعة. والله أعلم (متفق عليه) فيه نظر، فان البخارى لم يسنده فى
صحیحه أصلا، بل ذكره معلقاً فى المغازی فی غزوة ذات الرقاع، فقال : وقال أبان حدثنا يحيى بن أبي كثير عن
أبى سلمة عن جابر قال: أقبلنا - الحديث. ورواه أيضاً متصلا باسناده لكن لم يذكر فيه قصة الصلاة، ووهم
مجد الدين بن تيمية فى المنتقى حيث قال بعد ذكره باللفظ المذكور متفق عليه. قال الزيلعى (ج٢ ص٢٤٦) لم يصل
البخارى سنده به، ووهم شيخنا علاء الدين مقلداً لغيره فقال أخرجاه وقد نص على ذلك الحميدى، وعبد الحق فى
كتابيهما الجمع بين الصحيحين مع أن البخارى وصل سنده به فى مواضع لكن ليس فيه قصة الصلاة. قال: ووهم
١٥

جى عاء المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
١٤٣٧ - (٥) وعنه، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصففنا خلفه
صفين، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا،
ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعا، ثم اتحدر بالسجود والصف الذى يليه، وقام الصف المؤخر
فى تحر العدو، فلما قضى النبى صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذى يليه، انحدر الصف
المؤخر بالسجود ،
النووى فى الخلاصة، فذكره باللفظ المذكور وقال: متفق عليه - انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج ٣
ص ٣٦٤) والبيهقى (ج ٣ ص ٢٥٩).
١٤٣٧ - قوله (وعنه) أى عن جابر (قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف) فى
صحيح مسلم قال: شهدت مع رسول اللّه مَثّ صلاة الخوف (فصففنا) وفى بعض النسخ من صحيح مسلم ((فصفنا))
(خلفه) أى خلف رسول الله مرثية (صفين والعدو بيننا وبين القبلة) قد رود فى رواية لمسلم عن جابر تعيين القوم
الذين حاربوهم، ولفظها: غزونا مع رسول اللّه تَّ قوما من جهينة فقاتلونا قتالا شديداً فلما صلينا الظهر قال
المشركون لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم فا خبر جبريل رسول اللّه مَبه، فذكر ذلك لنا رسول اللّه مَثم قال: وقالوا
أنه ستأتيهم صلاة هى أحب إليهم من الأولاد، فلا حضرت العصر قال صفناصفين والمشركون بيننا وبين القبلة -
الحديث. وروى أحمد وأبوداود والنسائى والبيهقى وابن حبان، وصححه من حديث أبی عیاش الزرقی مثل حديث
جابر ، وزاد تعيين محل الصلاة أنها كانت بعفان، فالظاهر أن جابراً روى القصتين معا أى قصة صلاة الخوف
بغزوة ذات الرقاع وكان العدو فيها فى غير جهة القبلة وقصة صلاة الخوف بغزوة عسفان، وكان العدو فيها وجاه
القبلة. والله تعالى أعلم (فكبر النبى ◌َبيل) أى للتحريم (وكبرنا جميعا) أراد به الصفين (ثم ركع) أى بعد
القراءة (ثم انحدر بالسجود) أى انهط اليه وانخفض له. وقال القارى: أى نزل متلبساً بالسجود أو بسببه
(والصف الذى يليه) أى وانحدر الصف الذى يقرب منه، وهو عطف على الضمير المتصل من دون تأكيد، لأنه
قد وقع الفصل ، والافراد باعتبار لفظ الصف المراد به القوم (وقام ) أى بقى قائماً (الصف المؤخر) أى الذين
تأخروا للحراسة لمن إمامهم فى سجودهم (فى نحر العدو) أى فى مقابلتهم. ونحر كل شىء أوله (فلما قضى النبى مؤلّة
السجود) أى أداه. والمعنى فلما فرغ من السجدتين (وقام الصف الذى يليه) يعنى رفعوا رؤسهم من السجود،
وقاموا معه عليه الصلاة والسلام (اتحدر الصف المؤخر بالسجود) أى سجد الآخرون الذين كانوا خلف الصف
١٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
ثم قاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر المقدم، ثم ركع النبى صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا،
ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود، والصف الذى يليه الذى كان مؤخراً
فى الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر فى نحر العدو، فلما قضى النبى صلى الله عليه وسلم السجود
والصف الذى يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم
وسلمنا جميعا.
الأول ( ثم ) أى لما فرغوا من سجدتهم (قاموا) وفى مسلم: وقاموا ( ثم تقدم الصف المؤخر) ووقفوا مكان
الصف الأول أى بعد أن استووا مع الأولين فى القيام خلفه صلى الله عليه وسلم فى الركعة الثانية (وتأخر المقدم)
قيل : الحكمة فى التقدم والتأخر حيازة فضيلة المعية فى الركعة الثانية جبرا لما فاتهم من المعية فى الركعة الأولى
(ثم ركع النبى صلى الله عليه وسلم) أى قام وقرأ الفاتحة والسورة، ثم ركع. قاله الطبي (الذى كان مؤخراً فى
الركعة الأولى) صفة ثانية للصف. وقدر ابن حجر لفظ ((وهو)) قبل هذا الموصول الثانى (وقام الصف المؤخر)
هو الذى كان مقدما فى الركعة الأولى (فى نحر العدو) وفى بعض النسخ من صحيح مسلم: فى نحور العدو أى
بلفظ الجمع (انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبى مَ مٍ وسلمنا جميعاً) وفى رواية لمسلم: فلما سجد
الصف الثانى، ثم جلسوا جميعاً سلم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحديث دليل على أنه إذا كان العدو
فى جهة القبلة فإنه يخالف ما إذا لم يكن كذلك، فانها تمكن الحراسة مع دخولهم جميعاً فى الصلاة. وذلك أن الحاجة
إلى الحراسة أنها تكون فى حال السجود فقط، لأن حال الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدو ، فيتابعون
الامام جميعاً فى القيام والركوع، ويحرس الصف المؤخر فى حال السجدتين بأن يتركوا المتابعة للامام ، ثم
يسجدون عند قيام الصف الأول ، ويتقدم الصف المؤخر إلى محل الصف المقدم ، ويتأخر المقدم ليتابع المؤخر
الامام فى السجدتين الأخيرتين، فيصح مع كل من الطائفتين المتابعة فى سجدتين . قال النووى: وحديث ابن عباس
(عند البخارى وغيره) نحو حديث جابر. لكن ليس فيه تقدم الصف وتأخر الآخر. وبهذا الحديث قال الشافعى
وابن أبى ليلى وأبو يوسف إذا كان العدو فى جهة القبلة. ويجوز عند الشافعى تقدم الصف الثانى وتأخر الأول
كما فى رواية جابر، ويجوز بقاء هما على حالهما، كما هو ظاهر حديث ابن عباس - أنتهى. والصفة المذكورة فى
حديث جابرلا توافق ظاهر الآية، ولا توافق الرواية الأولى عن ابن عمر، ولا رواية بزيد بن رومان، ولا رواية
جابر فى غزوة ذات الرقاع إلا أنه قد يقال إنها تختلف الصفات باختلاف الأحوال. وقال الطحاوى : ليس هذا
١٧
٠٠٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
رواه مسلم.
﴿ الفصل الثانى )g»
١٤٣٨ - (٦) عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى بالناس صلاة الظهر فى الخوف
بيطن نخل، فصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، ثم جاء طائفة أخرى، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم.
بخلاف القرآن لجواز أن يكون قوله تعالى شر ولنأت طائفة أخرى - النساء: ١٠٢ - اذا كان العدو فى غير القبلة،
وذلك بديانه تَّ ثم بين كيفية الصلاة اذا كان العدو فى جهة القبلة، والله أعلم (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً
أحمد (ج٣ ص ٣١٩) والنسائى وابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ٢٥٧).
١٤٣٨ - قوله (كان) قال القارى: ليس للاستمرار، بل لمجرد الربط والدلالة على المضى
(يصلى بالناس صلاة الظهر فى الخوف) أى فى حالة الخوف (ببطن تخل) بفتح النون وسكون الخاء المعجمة ، وهو
موضع من المدينة على يومين، وهو بواد يقال له «شدخ، بالشين المعجمة والدال المهملة والخاء المعجمة، وفيه
طوائف من قيس وبنى فزارة وأشجع وأنهار. وقال ابن حجر: اسم موضع بين مكة والطائف ، ذكره القارى.
وغفل من قال إن المراد تخل بالمدينة. واستدل به على مشروعية صلاة الخوف فى الحضر، وليس كما قال، لأنه
لم يحفظ عنه عليه السلام أنه صلى صلاة خوف قط فى حضر، ولم يكن له حرب قط فى حضر إلا يوم الخندق.
ولم يكن آية الخوف نزلت بعد. فالصحيح أن المراد به موضع من تجد من أراضى غطفان، كما تقدم (فصلى
بطائفة ركعتين ، ثم سلم) هذا صريح فى أنه عليه السلام سلم من الركعتين . ومثله حديث أبى بكرة عند أبي داود
والنسائى وغيرهما، وقد تقدم ( ثم جاء طائفة أخرى، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم) فكانت لرسول الله مزيف }
أربع ركعات بتسليمتين فرضاً ونفلا، ولكل طائفة ركعتان ركعتان فرضاً. وبهذا قال الحسن والشافعى وأحمد
قال القارى : لا إشكال فى ظاهر الحديث على مقتضى مذهب الشافعى ، فانه محمول على حالة القصر، وقد صلى
بالطائفة الثانية ففلا، وعلى قواعد مذهبنا مشكل جدا، فإنه لو حمل على السفر لزم اقتداء المفترض خلف المتنفل ،
وهو غير صحيح عندنا ، فلا يحمل عليه فعله عليه الصلاة والسلام، وإن حمل على الحضر يأ باه السلام على رأس
كل ركعتين اللهم إلا أن يقال هذا من خصوصياته. وأما القوم فأتموا ركعتين أخريين بعد سلامه. واختار
الطحاوى أنه كان فى وقت كانت الفريضة تصلى مرتين - انتهى كلام القارى. قلت: لا شك أن الحديث مشكل
على الحنفية جدا، وقد عجزوا عن جوابه ، ولذلك قال السندى فيه اقتداء المفترض بالمنفل ، ولم أرلهم عنه جوابا
شافياً - انتهى. فأما قولهم: إن هذا خاص برسول الله بضع لفضيلة الصلاة خلفه، فإن فى الاثتمام به من البركة فى
١٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
رواه فى شرح السنة .
الفصل الثالث : %
١٤٣٩ - (٧) عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضجنان وعسفان،
النافلة ما ليس فى الائتمام بغيره فى الفريضة، ففيه أنه لا يشبه الخصوص بالادعاء، وقد قال علي: صلوا كما
رأيتمونى أصلى، وأمرنا باتباعه، فما ثبت فى حقه ثبت فيه حقنا مالم يقم دليل على اختصاصه به. وأما قول الطحاوى:
إنه يجوز أن يكون ذلك كان من رسول الله عزبث، والفريضة حينئذ تصلى مرتين، فيكون كل واحدة منهما فريضة،
وقد كان ذلك يفعل فى أول الاسلام ثم نسخ، ففيه أنه يرده ما قال ابن حزم فى المحلى (ج ٤ ص ٢٢٧) فهذا
آخر فعل رسول اللّه مٍَّ، لأن أبا بكرة شهده، وإنما كان إسلامه يوم الطائف بعد فتح مكة وبعد حنين، ولم يغز عليه
السلام بعد الطائف غير تبوك فقط، وأيضا قد روى ابن حزم بسنده (ج ٤ ص ٢٢٦) عن أبى بكرة أنه صلى مع
رسول الله مَّم صلاة الخوف، فصلى بالذين خلفه ركعتين، والذين جاؤا بعد ركعتين، فكانت للنبي محمد له أربعاً،
ولهؤلاء ركعتين. وأجاب بعضهم بأن المراد بالسلام السلام الذى فى التشهد، وهو السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين. وهذا غنى عن الرد لكونه ظاهر البطلان، فإن المتبادر منه سلام التحلل من الصلاة ، وهو
المعروف، وهو الذى يدل عليه سياق الروايات فى ذلك فالحمل عليه متعين (رواه) أى البغوى صاحب المصابيح
(فى شرح السنة) وأخرجه أيضا النسائى والشافعى فى كتاب الأم (ج ١ ص ١٥٣) والدارقطنى (ص١٨٦ -١٨٧)
وابن خزيمة والبيهقى فى المعرفة وفى السنن (ج ٣ ص ٢٥٩) كلهم من طريق الحسن عن جابر . وقال البزار روى
الحسن عن جابر بن عبد الله أحاديث، ولم يسمع منه. وقال ابن أبى حاتم: سألت أبي سمح الحسن عن جابر،
قال ما أرى، ولكن هشام بن حسان يقول عن الحسن ثنا جانر، وأنا أفكر هذا ، إنما الحسن عن جابر كتاب،
مع أنه أدرك جابراً - انتهى . قلت: وذلك لا يقتضى الانقطاع، وأخرج ابن جرير وأحمد والطحاوى (ج١
ص ١٨٧) من طريق قتادة عن سليمان اليشكرى عن جابر مثله. وأشار اليه أبو داود فى السنن. ونقل الحافظ عن
البخارى وابن معين أن قتادة لم يسمع من اليشكرى .
١٤٣٩ - قوله (نزل بين ضجنان) يفتح الضاد المعجمة وسيكون الجيم وبنونين بينهما ألف. قال
الجزرى: هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة (وعسفان) بضم مهملة أولى وسكون ثانية، موضع على مرحلتين من
مكة . قاله فى القاموس . وقال الجزرى: هى قرية جامعة بين مكة والمدينة - انتهى. وزاد النسائى: محاصراً
١٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٤ - كتاب الصلاة
٤٦ - باب صلاة الخوف
فقال المشركون: هؤلاء صلاة هى أحب اليهم من آباتهم وأبنائهم، وهى العصر، فأجمعوا أمركم، فتميلوا
عليهم ميلة واحدة، وإن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقسم أصحابه شطرين، فيعلى
بهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، فتكون لهم ركعة، ولرسول الله صلى
الله عليه وسلم ركعتان. رواه الترمذى، والنسائى.
المشركين (فقال المشركون) أى بعضهم لبعض (لهؤلاء) أى المسلمين (من آباءهم وأبناءهم) وفى النسائى: من
أبناءهم وأبكارهم (وهى العصر) لما وقع من تأكيد المحافظة على مراعاتها فى قوله تعالى: ﴿ حافظوا على الصلوات
والصلاة الوسطى - البقرة: ٢٣٨﴾ (فأجمعوا) بفتح الهمزة وكسر الميم من الاجماع (أمركم) أى أمر القتال. والمعنى
فأعزموا عليه (فتميلوا) بالنصب على جواب الأمر أى فتحملوا. ولفظ الترمذى: فيلوا، وعند النسائى: ثم ميلوا
أى بصيغة الأمر (وإن جبريل أتى النبى صلى الله عليه وسلم) قال الطيبي: حال من قوله: ((فقال المشركون، على
نحو جاء زيد والشمس طالعة (شطرين) أى نصفين، كما فى رواية النسائى. وفى بعض النسخ من سنن النسائي:
بصفين (فيصلى) بالنصب (بهم) وفى رواية النسائى: فيصلى بطائفة منهم (وتقوم) بالنصب (طائفة أخرى وراءهم
وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) وفى رواية النسائى: وطائفة مقبلون على عدوهم قد أخذوا حذرهم وأسلحتهم . قال
الطبي: أى ما فيه الحذر. وفى الكشاف: جعل الحذر، وهو التحرز والتيقظ، آلة يستعملها الغازى، فلذلك جمع بينه
وبين الأسلحة فى الأخذ دلالة على التيقظ التام والحذر الكامل، ومن ثم قدمه على أخذ الأسلحة (فتكون لهم) أى لكل
طائفة منهم (ركعة) وقع فى الترمذى والنسائى لفظ ((ركعة)) مكرراً أى مع النبى مَّة، ويصلى كل طائفة منهم
ركعة أخرى لأنفسهم لتكون لكل منهما ركعتان. وقال قوم: هو محمول على ظاهره، وعدوه من خصائص صلاة
الخوفى (ولرسول الله {يضع ركعتان) تابعه فى الركعة الأولى الطائفة الأولى، وفى الثانية الطائفة الأخرى . ولا يخفى
أن قوله: ((فتكون لهم ركعة، ولرسول الله ركعتان، لا يصح ترتبه على ما وقع فى المشكوة قبله من لفظ
الحديث. ووقع عند الترمذى قبل ذلك. ثم يأتى الآخرون، ويصلون معه ركعة واحدة. ولفظ النسائى: ثم
يتأخر هؤلاء، ويتقدم أولئك، فيصلى بهم ركعة، تكون لهم مع النبي ◌َّ ركعة ركعة الخ. والظاهر أن المصنف
ذكر ذلك السياق تقليداً لما نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٦ ص ٤٧٣ - ٤٧٤) ولم يراجع جامع الترمذى
والنسائى، ولم يتأمل فى ما فى السياق المذكور من الخلل، والله تعالى أعلم (رواه الترمذى) فى تفسير سورة النساء
وصححه (والنسائى) فى الصلاة، وأخرجه أيضاً أحمد وابن جرير، كلهم من طريق عبد الله بن شقيق عن أبى هريرة.
١