النص المفهرس

صفحات 481-500

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٤ - باب التنظيف والتبكير
من مجلسه ذلك . رواه الترمذى .
﴿ الفصل الثالث ):
١٤٠٨ - (١٦) عن نافع، قال: سمعت ابن عمر يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يقيم الرجل الرجل من مقعده ويجلس فيه.
فى الصفوف مكانا يتحول اليه فليقم ثم يجلس. وقيل: يتحول إلى مكان صاحبه ويتحول صاحبه إلى مكانه (من
مجلسه ذلك) أى إلى غيره، كما فى رواية أحمد وأبي داود. قال الشوكانى: والحكمة فى الأمر بالتحول أن الحركة
تذهب النعاس. ويحتمل أن المهكنة فيه انتقاله من المكان الذى أصابته فيه الغفلة بنومه وإن كان النائم لا حرج
عليه فقد أمر الفبي مَّة فى قصة نومهم عن صلاة الصبح فى الوادى بالانتقال منه وأيضاً من جلس ينتظر الصلاة
فهو فى صلاة، والنعاس فى الصلاة من الشيطان، فربما كان الأمر بالتحول لاذهاب ما هو منسوب إلى الشيطان
من حيث غفلة الجالس فى المسجد عن الذكر أو سماع الخطبة أو ما فيه منفعة (رواه الترمذى) وأخرجه أيضاً أحمد
(ج ٢ ص ٢٢، ٣٢، ١٣٥) وأبو داود وابن حبان فى صحيحه، والبيهقى (ج ٣ ص ٢٣٧) وقد صححه الترمذى
وسكت عليه أبو داود ، ونقل المنذرى تصحيح الترمذى وأقره. وفى إسناده محمد بن اسحاق، وهو مدلس، لكن قد
صرح بالتحديث فى رواية أحمد (ج ٢ ص ١٣٥) وفى الباب عن سمرة عند البزار والطبرانى فى الكبير والبيهقى
( ج ٣ ص ٢٣٨) مرفوعا بلفظ: إذا نمس أحدكم يوم الجمعة فليتحول إلى مكان صاحبه، ويتحول صاحبه إلى
مكانه. قيل لاسماعيل (راوى الحديث عن الحسن عن سمرة) والامام يخطب، قال نعم - انتهى. قال الهيشمى:
وفيه اسماعيل بن مسلم المكى، وهو ضعيف. وقال البزار: اسماعيل لا يتابع على حديثه - انتهى. وفى سماع الحسن
عن سمرة خلاف قد تقدم .
١٤٠٨ - قوله (نهى رسول اللّه ◌َيفضل أن يقيم الرجل الرجل) أى نهى عن اقامة الرجل الرجل، فان
مصدرية (من مقعده) بفتح الميم أى من موضع قعود الرجل الثانى (ويجلس فيه) أى فى مقعده بالنصب عطفاً على
يقيم أى وأن يجلس. والمعنى أن كل واحد منهما منهى عنه. ولو صحت الرواية بالرفع لكان الكل المجموعى
منهياً عنه. وظاهر النهى التحريم فلا يصرف عنه الا بدليل، فلا يجوز أن يقيم أحداً من مكانه ويجلس فيه ، لأن
من سبق الى مباح فهو أحق به. قال ابن حجر: قوله ((يجلس)، بالنصب عطف على يقيم، فكل منهى عنه على حدته
وروى بالرفع فالجملة حالية، والنهى عن الجمع حتى لو أقامه ولم يقعد هو فى مكانه لم يرتكب النهى. والوجه هو
الراوية الأولى وما أفادته، لأن العلة الايذاء، وهو حاصل بكل على الانفراد حرم، لأن من سبق الى المباح فهو
٤٨١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٤ - باب التنطيف والتبكير
قيل لنافع: فى الجمعة؟ قال: فى الجمعة وغيرها. متفق عليه.
١٤٠٩ - (١٧) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحضر الجمعة
ثلاثة نفر: فرجل حضرما بلغو، فذلك حظه
أحق به بنص الحديث الصحيح - انتهى. قلت: محط الايذاء انما هو الاقامة منه، وذكر الجلوس للسبب العادى،
وأوقام الجالس باختياره وأجلس غيره فلا كراهة فى جلوس غيره. وأما ما روى أحمد ومسلم من امتناع ابن عمرعن
الجلوس فى مجلس من قام له برضاه فهو محمول على أنه كان تورعا منه، لأنه ربما استحيا منه انسان فقام له بدون
طيبة من نفسه لكن الظاهر أن من فعل ذلك فقد أسقط حق نفسه وتجويز عدم طيبة نفسه ، بذلك خلاف الظاهر .
ولو بعث من يقعد له فى مكان ليقوم عنه إذا جاء هو جاز أيضاً من غير كراهة . ولو فرش له نحو سجادة فلغيره
تنحيتها، والصلاة مكانها لأنه لا حرمة لها، ولأن السبق بالأجسام لابما يفرش. وقيل: لا يجوز، لأنه سبق اليه فصار
كجر الموات (قيل لنافع) هو مولى ابن عمر راوى الحديث عن ابن عمر والقائل لنافع هو ابن جريج (فى الجمعة)
أى هذا النهى فى الجمعة خاصة أو مطلقاً (قال) أى نافع ( فى الجمعة وغيرها) يعنى النهى عام فى حق سائر الأيام فى
مواضع الصلوات ، وقد ورد التقييد بيوم الجمعة فى حديث جابر آخر أحاديث الفصل الأول ، وتقدم الكلام عليه
هناك، وقد بوب البخارى على حديث ابن عمر المطلق ((باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد فى مكانه»
قال الحافظ : وكأن البخارى اغتنى عنه (أى عن حديث جابر المقيد ييوم الجمعة ) بعموم حديث ابن عمر المذكور
فى الباب. وبالعموم المذكور احتج نافع حين سأله ابن جريج عن الجمعة - انتهى. وبالنظر إلى عمومه أورده
المصنف فى الجمعة ، واستدل به على التبكير ، كما تقدم بيان وجه المناسبة فى شرح حديث جابر (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى الجمعة والاستيذان، ومسلم فى الاستيذان ، وأخرجه أيضاً أحمد فى مواضع من مسنده،
والبيهقى ( ج ٣ ص ٢٣٢).
١٤٠٩ - قوله (ثلاثة نفر) يعنى ثلاثة أصناف من الرجال (فرجل) الفاء تفصيلية، لأن التقسيم حاصر،
فإن حاضرى الجمعة ثلاثة: فمن رجل لاغ مؤز يتخطى رقاب الناس، فحظه من الحضور اللغو والأذى، ومن
ثان طالب حفظه غير مؤذ، فليس عليه ولا له الا أن يتفضل الله بكرمه، فيسعف مطلوبه، ومن ثالث طالب
رضا الله عنه. متحر احترام الخلق فهو هو، ذكره الطبي (حضرها بلغو) بياء الجر فى أوله أى حضوراً متلبساً
بكلام عبث أو فعل باطل حال الخطبة . وفى بعض النسخ: يلغو على المضارع، وكذا نقله الجزرى فى جامع
الأصول (ج ١٠ ص ٢٦٥) وهكذا وقع فى رواية أحمد، وفى بعض النسخ من السنن الكبرى للبيهقى. وعلى
هذا فيكون حالا من الفاعل أى يعبث ويتكلم بما لا يعنيه (فذلك) أى اللغو. وفى أبى داود: وهو (حظه) أى
٤٨٢
٠
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٤ - باب التنظيف والتبكير
منها. ورجل حضرما بدعاء، فهو رجل دعا الله، إن شاء أعطاء وإن شاء منعه. ورجل حضرها
بانصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدا، فهى كفارة إلى الجمعة التى تليها وزيادة ثلاثة
أيام، وذلك بأن الله يقول ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) رواه أبو داود.
١٤١٠ - (١٨) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تكلم يوم الجمعة
والامام يخطب، فهو كمثل الحمار
حظ ذلك الرجل (منها) أى من الجمعة أى ليس له نصيب من صلاة الجمعة وخطبتها وإن سقطت الفريضة عنه .
وقال ابن حجر: أى لا حظ له كامل، لأن الدغو يمنع كمال ثواب الجمعة. ويجوز أن يراد باللغو ما يشمل التخطى
والايذاء بدليل نفيه عن الثالث أى فذلك الأذى حظه (ورجل حضرها بدعاء) أى مشتغلا به حال الخطبة حتى
منعه ذلك من أصل سماعه أو كماله أخذاً من قوله: (( فى الثالث)) بانصات وسكوت . وفى أبى داود: يدعو بلفظ
المضارع (إن شاء أعطاه) أى مدعاه لسعة حله وكرمه (وإن شاء منعه) عقابا على ما أساء به من اشتغاله بالدعاء
عن سماع الخطبة ، فإنه مكروه عندنا حرام عند غيرنا، قاله ابن حجر (ورجل حضرها بانصات) أى مقترنا باستماع
الخطبة (وسكوت) عن اللغو. وقيل هما بمعنى، وجمع بينهما للتأكيد ومحله إذا سمع الخطبة (ولم يؤذ أحداً)
أى بنوع آخر من الأذى كالاقامة من مكانه أو القعود على سجادته بغير رضاه (فهى) أى جمعته الشاملة للخطبة
والصلاة والأوصاف المذكورة ( كفارة) أى له ، قاله الطبي. يعنى لذنوبه من حين انصرافه (إلى الجمعة التى)
أى إلى مثل تلك الساعة من الجمعة التى (تليها) أى تقربها. وهى التى قبلها على ما ورد منصوصاً (وزيادة ثلاثة أيام)
بالجر عطف على الجمعة (وذلك) أى ما ذكر من كفارة ما بين الجمعتين من السبعة وزيادة ثلاثة أيام
( رواه أبو داود) وسكت عليه. وقال العراقى: إسناده جيد. وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٢ ص ١٨١، ٢١٤)
وابن خزيمة فى صحيحه ، والبيهتقی (ج ٣ ص ٢١٩) وابن أبى حاتم وابن مردويه .
أ
١٤١٠ - قوله (من تكلم) ظاهره المنع من جميع أنواع الكلاء من غير فرق بين ما لافائدة فيه وغيره
لاطلاق الكلام فيه. ويؤيده أنه إذا جعل قوله: أنصت مع كونه أمراً بمعروف لغواً، كما تقدم ، ومحبطاً لفضيلة
"صلاة فغيره من الكلام أولى بأن يسمى لغواً. وقد ذهب إلى تحريم كل كلام الجمهور، ولكن قيد ذلك
ضهم بالسامع للخطبة، والأكثر لم يقيدوا قالوا وإذا أراد الأمر بالمعروف فليجعله بالاشارة (والامام يخطب)
أى والمتكلم يعلم كراهة الكلام أو حرمته، وهذا لأجل قوله (فهو كمثل الحمار) أى صفته كصفته أو مثله
٤٨٣

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٤ - باب التنظيف والتبكير
يحمل أسفارا، والذى يقول له: أنصت، ليس له جمعة. رواه أحمد.
١٤١١ - (١٩) وعن عبيد بن السباق، مرسلا، قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: فى
جمعة من الجمع: يا معشر المسلمين !
الغريب الشأن كمثل الحمار (يحمل) صفة أو حال (أسفارا) جمع سفر بالكسر أى كتباً كباراً من كتب العلم،
كناية عن العلم بلا عمل، وعن عدم نفع عليه مع تحمل التعب والمشقة فى تحصيله. وقيل: إنما شبه من لم يمسك
عن الكلام فى حال الخطبة بالحمار الحامل للأسفار، لأنه فاته الانتفاع بأبلغ نافع، وقد تكلف المثقة وأتعب
نفسه فى حضور الجمعة، والمشبه به كذلك فاته الانتفاع أبلغ نافع مع تحمل التعب فى استصحابه، والحاصل أنه شبهه
بالحمار بجامع عدم الانتفاع. وقال الطيبي: شبه المتكلم العارف بأن التكلم حرام، لأن الخطبتين قائمة مقام
الركعتين بالحمار الذى حمل أسفارا من الحكمة، وهو يمشى ولا يدرى ما عليه (والذى يقول) أى بالعبارة
لا بالاشارة (له) أى لهذا المشبه بالحمار (أنصت) أى استمع (ليس له جمعة) فيه دليل على أنه لا صلاة له ،
فان المراد بالجمعة الصلاة إلا أنها تجزئه إجماعا فلابد من تأويل هذا بأنه فنى للفضيلة التى يحوزها من أنصت،
وهو كما فى حديث عبد الله بن عمرو: من لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً. قال ابن وهب أحد رواته:
معناه أجزأته الصلاة وحرم فضيلة الجمعة. قال النووى: لا تبطل الجمعة بالكلام بلا خلاف وإن قلنا بحرمته.
وخير ((فلا جمعة له)) أى كاملة يعنى أن المراد بتفيها نفى كمال ثوابها لا نفى أصله. وقد احتج بالحديث على حرمة
الكلام حال الخطبة، فان تشبيهه بالمشبه به المستكر، وملاحظة وجه الشبه يدل على قبح ذلك، وكذلك نسبته
إلى فوات الفضيلة الحاصلة بالجمعة ماذاك الا لما يلحق المتكلم من الوزر الذى يقاوم الفضيلة فيصير محبطاً لها
(رواه أحمد) (ج١ ص٢٣٠) وأخرجه أيضا ابن أبى شيبة فى المصنف، والبزار فى مسنده، والطبرانى فى الكبير
وفى إسناده مجالد بن سعيد، وقد ضعفه الناس، ووثقه النسائى فى رواية، كذا فى مجمع الزوائد (ج ٢ ص ١٨٤)
قلت: وقال محمد بن المثنى يحتمل حديثه لصدقه. وقال العجلى: جائز الحديث. وقال البخارى: صدوق. وقال
يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه، وهو صدوق، ولذلك قال الحافظ فى بلوغ المرام: لا بأس باسناده، وله شاهد
قوى فى جامع حماد. وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده حسن.
١٤١١ - قوله (وعن عبيد) بضم العين بلا إضافة (بن السباق) بفتح السين المهملة وتشديد الباء الموحدة
الثقفى المدنى، يكنى أبا سعيد من ثقات الطبقة الوسطى من التابعين روى له الستة، وذكره مسلم فى الطبقة الأولى
من تابعى أهل المدينة (مرسلا) أى بحذف الصحابى ورواه ابن ماجه موصولا، كما سيأتى (من الجمع) بضم
الجيم وفتح الميم ، جمع جمعة ، وقد تجمع على جمعات (يا معشر المسلمين) وفى بعض نسخ الموطأ : يا معاشر المسلمين
٤٨٤

مرعاة الفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٤ - باب التنظيف والتبكير
إن هذا يوم جعله الله عبداً، فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم
بالسواك. رواه مالك.
١٤١٢ - (٢٠) ورواه ابن ماجه عنه، وهو عن ابن عباس متصلا.
وهكذا وقع فى رواية البيهقى. قال النووى: المعشر الطائفة التى يشملهم وصف فالشباب معشر، والشيوخ معشر،
والنساء معشر، والأنبياء معشر، وما أشبهها (إن هذا يوم جعله الله عيداً) أى للمسلمين خاصة ، فى رواية ابن
ماجه: إن هذا يوم عيد جعله الله المسلمين (فاغتسلوا) فان التنظيف والتجمل فى الأعياد مطلوب ومندوب.
وظاهر لفظ الموطأ أن الاغتسال لا يختص بمن يشهد الجمعة. ولفظ ابن ماجه: فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل ،
يشير إلى أنه يختص بمن يحضرها. واختلف فى أن الغسل لصلاة الجمعة أو ليومها، فذهب محمد وداود، وهى
رواية عن أبى يوسف ، أنه لليوم فيشمل الصبيان والنساء والرجال والعبيد، ولا يختص بمن يشهد الصلاة . وذهب
الجمهور إلى أنه للصلاة لا لليوم ، فيختص بمن يحضر صلاة الجمعة. والظاهر أنههنا اغتسالان: أحدهما لليوم،
والثانى للصلاة . وقد ورد فى كليهما الأحاديث، والأول مندوب، والثانى مؤكد بل واجب، فمن اغتسل قبل
الجمعة حصل له فضل الغسلين ، ومن اغتسل بعد الجمعة حصل له فضل غسل اليوم ، ولم يحصل فضل غسل الصلاة
الذى اختلف العلماء فى أنه سنة مؤكدة أو واجب (ومن كان عنده طيب) ولو من طيب امرأته. وقيل: أى من
طيب الرجال ، وهو ما ليس له لون وله رائحة (فلا يضره أن يمس منه) قال الطيبي: فان قيل: هذا إنما يقال
فيما فيه مظنة ضرر وحرج، ومس الطيب، ولاسيما يوم الجمعة، سنة مؤكدة فما معناه؟ قلت: لعل رجالا من
المسلين توهموا أن مس الطيب من عادة النساء، فنفى الحرج عنهم، كما هو الوجه فى قوله: (فلا جناح عليه أن
يطوف بهما - ٢: ١٥٨﴾ مع أن السعى واجب أو ركن - انتهى. قال الزرقانى: عبره على شأن معنى الندب
والترغيب، فهو بمنزلة التصريح بأنه غير واجب، وأوجبه أبو هريرة ، فان لم يحمل على ايجاب سنة وندب فالجمهور
على خلافه - انتهى. ولفظ ابن ماجه: وإن كان طيب فليمس منه (وعليكم بالسواك) أى ألزموه لتأكد
استحبابه يوم الجمعة خصوصاً عند الوضوء والغسل تكميلا الطهارة والنظافة (رواه مالك) عن ابن شهاب الزهرى
عن عبيد بن السباق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ.
١٤١٢ - (ورواه ابن ماجه) بسنده (عنه) أى عن ابن السباق (وهو) أى عبيد (عن ابن عباس
متصلا) روايه ابن ماجه هذه تخالف لما روى البخارى فى صحيحه من طريق شعيب عن الزهرى، قال طاؤس:
قلت لابن عباس: ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤسكم وإن لم تكونوا
جنباً، وأصيبوا من الطيب. قال ابن عباس: أما الغسل فنعم. وأما الطيب فلا أدرى. وفى رواية: قال لا أعلمه.
٤٨٥

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
١٤١٣ - (٢١) وعن البراء، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: حقا على المسلمين أن
يغتسلوا يوم الجمعة، وليس أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيب. رواه أحمد، والترمذى
وقال : هذا حديث حسن.
(٤٥) باب الخطبة والصلاة
وأجيب بأن فى سنده عند ابن ماجه صالح بن أبى الأخضر الذى روى عن الزهرى عن عبيد، وصالح ضعيف ،
وقد خالفه مالك فرواه عن الزهرى عن عبيد مرسلا. قال الحافظ : فإن كان صالح حفظ فيه ابن عباس أحتمل
أن يكون ذكره بعد ما نسيه أو عكس ذلك - انتهى. ورواه البيهقى (ج ٣ ص ٢٤٣) من طريق الشافعى عن
مالك عن ابن شهاب عن ابن السباق مرسلا ، ثم قال هذا هو الصحيح مرسل، وقد روى موصولا ولا يصح
وصله - انتهى. وروى نحوه الطبرانى فى الأوسط والصغير من حديث أبى هريرة مرفوعاً ، لكن ليس فيه ذكر
الطيب. قال الهيشمى (ج ٢ ص ١٧٢ - ١٧٣) رجاله ثقات.
١٤١٣ - قوله (حقاً) بالنصب قال الطيبي: «حقاً)) مصدر مؤكد أى حق ذلك حقاً، فحذف الفعل
وأقيم المصدر مقامه اختصاراً (أن يغتسلوا) فاعل حق المقدر (يوم الجمعة) ظرف للاغتسال (وليمس) بكسر
اللام، ويسكن. قال الطيبي: عطف على ما سبق بحسب المعنى، اذ فيه سمة الأمر أى ليقتلوا أو ليمس
(من طيب أهله) أى بشرط طيب أهله لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يحل مال أمرى مسلم إلا عن طيب نفس أو
من طيب له عند أهله (فان لم يحد) أى طيباً (فالماء له طيب) قال العراقى: المشهور فى الرواية بكسر الطاء
وسكون المثناة من تحت أى أنه يقوم مقام الطيب، قال الطيبي: أى عليه أن يجمع بين الماء والطيب، فإن تعذر
الطيب فالماء كاف، لأن المقصود التنظيف وإزالة الرائحة الكريهة. وفيه تطيب لخاطر المساكين - انتهى
(رواه أحمد) (ج ٤ ص ٢٨٢، ٢٨٣) (والترمذي، وقال هذا حديث حسن ) قال شيخنا فى شرح الترمذى فى
كونه حسنا كلام فان مداره على يزيد بن أبى زياد الهاشمى الكوفى، وقد ضعفه جماعة. قال الذهبي فى الميزان:
قال يحيى: ليس بالقوى، وقال أيضاً لا يحتج به. وقال ابن المبارك. ارم به. وقال شعبة: كان يزيد بن أبى زياد
وفاعا. وقال أحمد: حديثه ليس بذلك، وخرج له مسلم مقرونا بآخر. وقال الحافظ فى التقريب: إنه كبر
فتغیر ، وصار يتلقن ۔ انتهى .
(باب الخطبة والصلاة) أى خطبة الجمعة وصلاتها وما يتعلق بصفاتهما وكمالاتهما وبيان أوقاتهما.
والخطبة بالضم مصدر خطب يخطب خطابة وخطبة أى وعظ . ويطلق على الكلام الذى يخطب به ، وهو الكلام
٤٨٦
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤- كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
الفصل الأول )!
١٤١٤ - (١) عن أنس، أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلى الجمعة حين تميل الشمس.
المنثور المسجع ونحوه، كذا فى القاموس . وفى عرف الشرع عبارةن ءكلام يشتمل على الذكر والتشهد والصلاة
والوعظ . واختلف هل هى شرط فى صحة صلاة الجمعة، وركن من أركانها أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنها شرط
وركن. وقال أقوام: إنها ليست بفرض، وجمهور أصحاب مالك على أنها فرض إلا ابن الماجشون،
ذكره ابن رشد. قلت: ذهب داود الظاهرى وابن حزم والحسن البصرى والجوينى إلى أن خطبة الجمعة ليست
فرضنا، بل هى مندوية، وهو الظاهر، لأنه لم ينتهض دليل على إيحابها لا من كتاب ولا من سنة. وأما قوله تعالى:
﴿فاسعوا إلى ذكر الله - ٦٢: ٩) فليس فيه حجة على ذلك، لأن المراد بالذكر المأمور بالسعى اليه هو الصلاة.
غاية الأمر أنه متردد بينها وبين الخطبة ، وقد وقع الاتفاق على وجوب الصلاة ، والنزاع فى وجوب الخطبة
فلا ينتهض هذا الدليل للوجوب. قال ابن حزم: قد أقدم بعضهم فقال إن قول الله تعالى: ﴿فاسعوا الى ذكر الله)
إنما مراده الى الخطبة، وجعل هذا حجة فى إيجاب فرضها. قال ابن حزم: من لهذا المقدم؟ إن اللّه تعالى
أراد بالذكر المذكور فيها الخطبة، بل أول الآية وآخرها يكذبان ظنه الفاسد، لأن الله تعالى إنما قال: (إذا نودى
للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾، ثم قال عز وجل: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض،
وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا﴾ فصح أن الله تعالى إنما افترض السعى إلى الصلاة إذا نودى لها،
وأمر اذا قضيت بالانتشار، وذكره كثيرا، فصح يقينا أن الذكر المأمور بالسعى له هو الصلاة، وذكر الله تعالى
فيها بالتكبير والتسميع والتمجيد والقراءة والتشهد لا غير ذلك، فإن قالوا لم يصلها عليه السلام قط إلا بخطبة . قلنا
ولا صلاها عليه السلام قط إلا بخطبتين قائما يجلس بينهما ، فاجعلوا كل ذلك فرضا لا تصح الجمعة إلا به، ولا صلى
عليه السلام قط إلا رفع يديه فى التكبيرة الأولى، فأبطلوا الصلاة بترك ذلك - انتهى.
١٤١٤ - قوله (حين تميل الشمس) أى تزول عن كبد السماء وعن استواءها، يعنى بعد تحقق الزوال. قال
الحافظ : فى التعبير بـ « کان ) إشعار بمواظمتہ ◌ُٹے على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس ۔ انتهى . وفيه دليل لما
ذهب إليه الجمهور من أن أول وقت الجمعة إذا زالت الشمس كوقت الظهر، وأنها لا تصلى الا بعد الزوال .
ويدل له أيضا ما رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: كنا نجمع مع رسول اللّه مَّه إذا زالت الشمس، ثم
ترجع نتتبع الفئى. قال النووى: قال مالك وأبو حنيفة والشافعى وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم:
لا تجوز الجمعة الا بعد زوال الشمس، ولم يخالف فى هذا إلا أحمد بن حنبل واسحاق، لجوزاها قبل الزوال .
٤٨٧
1
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
رواه البخارى.
١٤١٥ - (٢) وعن سهل بن سعد، قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة.
١
وروى فى هذا أشياء عن الصحابة لا يصح منها شىء إلا ما عليه الجمهور - انتهى. واستدل لأحمد ومن وافقه بحديث
سهل بن سعد الآتى، وسنذكر وجه الاستدلال مع الجواب عنه، ثم إنه اختلف أصحاب أحمد ، فقال بعضهم:
وقتها وقت صلاة العيد، فتجوز فى أول النهار . وقال الخرقى: وإن صلوا الجمعة قبل الزوال فى الساعة السادسة
أجزأتهم. وظاهره أنه لا يجوز صلاتها فيما قبل الساعة السادسة ، وهو الذى مححه ورجحه ابن قدامة فى المغنى
(ج ٢ ص ٣٥٧) والأولى والأفضل عندهم أن لا تصلى إلا بعد الزوال ليخرج من الخلاف، ويفعلها فى الوقت
الذى كان النبى مَّة يفعلها فيه فى أكثر أوقاته (رواه البخارى) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذى وأبو داود
والبيهقى (ج ٣ ص ١٩٠).
١٤١٥ - قوله (ما كنا نقيل) بفتح النون، من قال يقيل قيلولة فهو قائل. قال فى النهاية: المقيل والقيلولة
الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم (ولا نتغدى) بالغين المعجمة والدال المهملة من الغداء، وهو الطعام
الذى يوكل أول النهار. زاد فى رواية أحمد ومسلم والترمذى: فى عهد النبى مَّ (إلا بعد الجمعة) أى بعد فراغ
صلاتها . وفى رواية للبخارى: كنا نصلى مع النبي مَثَ الجمعة، ثم تكون القائلة. واستدل به لأحمد على جواز
صلاة الجمعة قبل الزوال، لأن الغداء والقيلولة محلهما قبل الزوال، وحكى عن ابن قتيبة أنه قال لا يسمى غداء ولا قائلة
بعد الزوال. وأجيب عنه بأنه لا دلالة فيه على أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال، بل فيه أنهم كانوا
يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة، ثم ينصرفون فيقيلون ويتغدون، فيكون قائلتهم وغداهم
بعد الجمعة عوضاً عما فاتهم فى وقته من أجل بكورهم . والحاصل أن قائلتهم وغداءهم بعد الجمعة لما كانا قائمين مقام
القيلولة والغداء، أطلق عليهما ذلك مجازاً، وهذا كما أطلق رسول الله ميم على السحور اسم الغداء فقال العرباض
ابن سارية: هلم الى الغداء المبارك. أخرجه أبو داود والنسائى، فكما أنه لا يصح الاستدلال بقوله مثل هذا على
جواز السحور وقت الغداء أى بعد طلوع الفجر إلى الزوال، كذلك لايصح الاستدلال بلفظ القيلولة والتغدى
على جواز صلاة الجمعة قبل الزال . وبالجملة حمل الجمهور حديث سهل على التبكير، وأنهم كانوا يشتغلون أول
الهار بآلة الجمعة ، فيؤخرون الغداء والقيلولة عن وقتهما . والحاصل أن ما كان غداء فى غير يوم الجمعة يكون بعد
صلاة الجمعة، فلا يبقى فيه غداء، وكذا القيلولة. وقال الأمير اليمانى: ليس فى حديث سهل دليل على الصلاة قبل
الزوال، لأنهم فى المدينة ومكة لا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد صلاة الظهر، كما قال تعالى: ﴿وحين تضعون ثيابكم
٤٨٨
١٠

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
١
من الظهيرة - ٢٤: ٥٨) نعم كان ◌َّ يسارع بصلاة الجمعة فى أول وقت الزوال بخلاف الظهر، فقد كان
يؤخره بعده حتى يجتمع الناس - انتهى. واستدل لأحمد أيضا بحديث سلمة: كنا نصلى مع رسول الله عز ظيم.
الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به. وفى رواية: وما نجد فيئا نستظل به. وجه الاستدلال أنه قد ثبت
أنه ◌ّ كان يخطب خطبتين، ويجلس بينهما، ويقرأ القرآن فى الخطبة مثل سورة ﴿ق﴾ و ﴿تبارك)، ويذكر
الناس، ويقرأ فى صلاتها بسورة (الجمعة) و(المنافقين) ولو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال لما انصرف
منها إلا وقد صار للحيطان ظل يستظل به. وأجيب عنه بأن خطبته ◌َّم وصلاته كانتا قصداً فلا يزيد شغله فى
الخطبة والصلاة على الساعة الواحدة العرفية، ومع مضى الساعة الواحدة لا يمكن أن يكون لجدران المدينة فئى
يستظل به لقصر جدرانها، إذ ذاك قال الشوكانى: المراد ففى الظل الذى يستظل به لا نفى أصل الظل ، كما هو
الأكثر الأغلب من توجه النفى الى القيود الزائدة. ويدل على ذلك قوله: (( ثم نرجع تتبع الفى، وانما كان
كذلك لأن الجدران كانت فى ذلك العصر قصيرة لا يستظل بظلها إلا بعد توسط الوقت فلا دلالة فى ذلك على
أنهم كانوا يصلون قبل الزوال - انتهى. واستدل له أيضا بحديث أنس قال كنا نبكر بالجمعة ، ونقيل بعد
الجمعة ، أخرجه البخارى. قال الحافظ: ظاهره أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، لكن طريق الجمع أولى
من دعوى التعارض وقد تقرر فيما تقدم أن التبكير يطلق على فعل الشىء فى أول وقته أو تقديمه على غيره ، وهو
المراد هنا . والمعنى أنهم كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة بخلاف ما جرت به عادتهم فى صلاة الظهر فى الحر ،
فانهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الابراد واستدل له أيضاً بحديث جابر أن النبي مؤثّه كان يصلى
الجمعة ثم تذهب إلى جمالنا فتريحها حين تزول الشمس، أخرجه أحمد ومسلم والنسائى. قيل: المتبادر منه أن صلاتهم
كانت قبل الزوال، لأنه قد صرح بأن إراحتهم لنواضحهم بعد الجمعة كانت عند الزوال. وقعقب بأن قوله :
((حين تزول الشمس)) يحتمل أن يكون متعلقاً بقوله: ((يصلى)) فلا يتم الاستدلال به. واستدل له أيضاً بما روى
عبد الله بن أحمد فى زيادات المسند، والدار قطنى وأبو نعيم فى كتاب الصلاة، وابن أبى شيبة من رواية عبد الله
ابن سيدان قال: شهدت الجمعة مع أبى بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر فكانت
صلاته و خطبته الی أن أُقول انتصف النهار ، ثم شهدتها مع عمان فكانت صلاته و خطبته الى أن أقول زال النهار
فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره. وأجيب عنه بأن عبد الله بن سيدان بسين مهملة مكسورة بعدها تحتية
ساكنة. قيل : سندان بالنون بعد السين المطرودى السلمى غير معروف العدالة. قال ابن عدى: شبه المجهول، وقال
1
٤٨٩

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
متفق عليه .
١٤١٦ - (٣) وعن أنس، قال: كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا
اشتد الحر أبرد بالصلاة، يعنى الجمعة.
البخارى: لا يتابع على حديثه. وقال اللالكائى: مجهول لا خير فيه . وقال النووى فى الخلاصة: اتفقوا على ضعفه
ابن سندان - انتهى. بل قد عارضه ما هو أقوى منه، فروى ابن أبى شيبة من طريق سويد بن غفلة أنه صلى مع
أبي بكر وعمر حين زالت الشمس. قال الحافظ: اسناده قوى. وقد ظهر بما ذكرنا أنه ليس فى صلاة الجمعة قبل
الزوال حديث صحيح صريح. فالقول الراجح هو ما قال به الجمهور. قال شيخنا فى شرح الترمذى: والظاهر
المعول عليه هو ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس. وأما ما ذهب اليه بعضهم من
أنها تجوز قبل الزوال فليس فيه حديث صحيح صريح - انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود
والترمذى وابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ٢٤١).
١٤١٦ - قوله (إذا اشتد البرد) فيه نوع من المشاكلة. والمراد عدم اشتداد الحر (بكر) أى تعجل
"وأسرع (بالصلاة) أى صلاها فى أول وقتها (أبرد بالصلاة) أى صلاها بعد أن وقع ظل الجدار فى الطريق كيلا
يتأذى الناس بالشمس. كذا قال بعض الشراح من الحنفية (يعنى الجمعة) يعنى أنه ليس الحديث فى صلاة الجمعة ،
وانما هو فى صلاة الظهر الا أن أنساً لما استدل به على صلاة الجمعة قياساً على الظهر حمله بعض الرواة عليها فقال يعنى
الجمعة، فليس دليل الايراد بصلاة الجمعة فى شدة الحر الا القياس لا الحديث. قال الشوكانى: يحتمل أن يكون
قوله: ((يعنى الجمعة)) من كلام التابعى أو لمن دونه أخذه قائله مما فهمه من التسوية بين الظهر والجمعة عند أنس
حيث استدل لما سئل عن الجمعة بقوله: ((كان يصلى الظهر)) ويؤيده ما عند الاسماعيلى عن أنس من طريق أخرى،
وليس فيه قوله: ((يعنى الجمعة)) - انتهى. والحاصل أن الروايات تدل على أن الايراد بالجمعة عند أنس إنما هو
بالقياس على الظهر لا النص لكن أكثر الأحاديث تدل على التفرقة فى الظهر، وعلى التبكير فى الجمعة مطلقا من غير
تفصيل. قال الكرمانى. قال الفقهاء: ندب الابراد الا فى الجمعة لشدة الخطر فى فواتها، ولأن الناس يبكرون
اليها ، فلا يأذون بالحر . وقال ابن قدامة فى المغنى (ج ٢ ص ٢٩٦): ولا فرق فى استحباب إقامة الجمعة عقيب
الزوال بين شدة الحر وغيره ، فان الجمعة يجتمع لها الناس، فلو انتظروا الايراد شق عليهم، ولذلك كان النبى
رَبّ يفعلها إذا زالت الشمس فى الشتاء والصيف على ميقات واحد، وقال فى (ج ١ ص ٣٩٠): فأما الجمعة
فيسنّ تعجيلها فى كل وقت بعد الزوال من غير إبراد، لأن سلمة بن الأكوع قال: كنا نجمع مع رسول اللّه ع
٤٩٠
1
1
١٠٠
١
.---

مرعاة المفاتيح ج.٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
رواه البخارى .
١٤١٧ - (٤) وعن السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوله اذا جلس الامام على المنبر ،
على عهد رسول اللّه مَث، وأبي بكر، وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس، زاد النداء الثالث
إذا زالت الشمس، متفق عليه، ولم يبلغنا أنه أخرها، بل كان يعجلها، حتى قال سهل بن سعد: ما كنا نقيل
ولا نتغدى الا بعد الجمعة، أخرجه البخارى، ولأن السنة التبكير بالسعى اليها ويجتمع الناس لها، فلو أخرها لتأذى
الناس بتأخير الجمعة - انتهى. قلت: وقد نحا البخارى الى مشروعية الايراد بالجمعة ، واليه ميل الحنفية . والراجح
عندنا التعجيل من غير فرق بين الحر والبرد لعدم النص فى الايراد بالجمعة. والله تعالى أعلم (رواه البخارى)
والحديث قصة وحاصلها أن الحكم بن أبى عقيل الثقفى كان نائباً على البصرة عن ابن عمه الحجاج بن يوسف ،
وكان الحكم على طريقة ابن عمه فى تطويل الخطبة يوم الجمعة حتى يكاد الوقت أن يخرج، فأنكر ذلك على الحكم
بعضهم، وسأل الحكم عن أنس كيف كان التى تَّ يصلى الظهر؟ فأجاب أنس بما ذكر من الحديث . والحديث
أخرجه البخارى فى الأدب المفرد أيضا وأخرجه أبو يعلى فى مسنده مع القصة، والبيهقى (ج ٣ ص ١٩١، ٢٩٢)
معها وبدونها .
١٤١٧ - قوله (كان الاداء) الذى ذكره الله فى القرآن (أوله) بالرفع بدل من اسم , كان وخبرها
((إذا جلس الإمام)). وفى رواية لابن خزيمة: كان ابتداء النداء الذى ذكره الله فى القرآن يوم الجمعة (إذا جلس
الامام على المنير) أى قبل الخطبة، وثانيه وهو الاقامة، إذا فرغ من الخطبة ونزل (على عهد رسول الله مر ثية)
أى فى زمانه (وأبي بكر وعمر) يعنى فى خلافتهما. وفى رواية لابن خزيمة: كان الأذان على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر أذانين يوم الجمعة. قال ابن خزيمة: قوله: ((أذانين)) يريد الأذان والإقامة يعنى
تغليا أو لاشتراكهما فى الاعلام (فلما كان عثمان) أى زمن خلافته" قال الطيبى: «كان، تامة أى حصل عهده.
وقيل: يصح كونها ناقصة ، والخبر محذوف أى خليفة (وكثر الناس) أى المومنون بالمدينة عن أن يسمعوا
الأذان عند باب المسجد (زاد) أى عثمان بعد مضى مدة من خلافته (النداء الثالث) أول الوقت عند الزوال
قبل خروجه وصعوده على المنبر ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت، وانما سماه ثالثا بالنسبة إلى إحداثه، لأنه
زيد على النداءين الذين كانا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان الشيخين، وهما الأذان بعد صعود
الامام على المنبر قبل قراءة الخطبة، وهو المراد بالنداء الأول والاقامة بعد فراغه من الخطبة عند نزوله، وهو
المراد بالنداء الثانى. وفى بعض الروايات الحديث: فأمر عثمان بالأذان الأول، وهو الموافق للواقع فعلا، لأنه
٤٩١
1

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
على الزوراء.
يبدأ به قبل خروج الامام . وفى بعض رواياته أيضا تسميته الثانى باعتبار أنه زيد على الأذان الذى كان قبل، وعدم
إعتبار الاقامة فى العدد ، لأنها ليست أذانا وإن كانت من النداء للصلاة ، والحاصل أنه باعتبار كونه مزيداً بسمى
ثالثا ، وباعتبار كونه جعل مقدما على الأذان والإقامة يسمى أولا ، وبالنظر إلى الأذان الحقيقى دون الاقامة
يسمى ثانيا، قال الطبى: إنما زاد عثمان ذلك لكثرة الناس فرأى هو أن يؤذن المؤذن قبل الوقت (يعنى
المعتاد، وهو صعوده على المنبر بعد الزوال) لينتهى الصوت الى نواحى المدينة. ويجتمع الناس قبل خروج
الامام لثلا يفوت عنهم أوائل الخطبة (على الزوراء) بفتح الزاى وسكون الواو بعدها راء ممدودة موضع بالسوق
بالمدينة ، قاله البخارى فى جامعه الصحيح. وفى رواية إبن خزيمة وإبن ماجه زاد النداء الثالث على دار فى السوق
يقال لها الزوراء، وزاد فى رواية للبخارى وغيره فثبت الأمر على ذلك. قال الحافظ : والذى يظهر أن الناس
أخذوا بفعل عثمان فى جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الأمر ، لكن ذكر الفاكهانى: أن أول من أحدث
الأذان الأول بمكة الحجاج ، وبالبصرة زياد، وبلغنى أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة.
وروى ابن أبى شيبة من طريق ابن عمر قال : الأذان الأول يوم الجمعة بدعة فيحتمل أن يكون قال ذلك على
سبيل الافكار. ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما لم يكن فى زمنه يسمى بدعة
لكن منها ما يكون حسنا ومنها ما يكون بخلاف ذلك . وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لاعلام الناس بدخول وقت
الصلاة قياسا على بقية الصلوات ، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدى الخطيب - انتهى كلام
الحافظ . وقد ذكر الشيخ أحمد محمد شاكر فى تعليقه على الترمذى (ج ٢ ص ٣٩٣) هنا كلاما حسنا أحببنا إيراده
لعل الله ينفع به الطالبين، قال ((فائدة)) فى رواية عند أبى داود فى هذا الحديث كان يؤذن بين يدى رسول الله
صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد، فظن العوام بل كثير من أهل العلم أن هذا
الآذان يكون أمام الخطيب مواجهة ، فجعلوا مقام المؤذن فى مواجهة الخطيب (قريبا من المنبر) على كرسى أو
غيره، وصار هذا الأذان تقليداً صرفا لا فائدة له فى دعوة الناس إلى الصلاة وإعلامهم حضورها ، كما هو
الأصل فى الأذان ، والتأن فيه، وحرصوا على ذلك، حتى لينكرون على من يفعل غيره، وإتباع السنة أن يكون
على المنارة عند باب المسجد ليكون إعلاما لمن لم يحضر، وحرصوا على إبقاء الأذان قبل خروج الامام ، وقد
زالت الحاجة اليه لأن المدينة لم يكن بها (مسجد جامع) إلا المسجد النبوى وكان الناس كلهم يجمعون فيه،
وكثروا عن أن يسمعوا الأذان عند باب المسجد ، فزاد عثمان الأذان الأول ليعلم من بالسوق ومن حوله
حضور الصلاة ، أما الآن وقد كثرت المساجد، وبنيت فيها المنارات، وصار الناس يعرفون وقت الصلاة بأذان
المؤذن على المنارة فانا نرى أن يكتفي بهذا الأذان ، وأن يكون عند خروج الامام اتباعا للسنة أو يؤمر المؤذنون
٤٩٢
۔
١
،%

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
رواه البخارى.
١٤١٨ - (٥) وعن جابر بن سمرة، قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان، يجلس بينهما
عند خروج الامام أن يؤذنوا على أبواب المساجد - إنتهى. قلت: اذا وقعت اليوم الحاجة الى النداء العثمانى
فى بلد كما وقعت بالمدينة فى عهد عثمان رضى الله عنه فلا بأس بأن يؤذن على موضع مرتفع كالمنار أو سطح البيت
خارج المسجد قبل خروج الامام كما كان فى زمن عثمان رضى الله عنه . وأما بغير الحاجة وعند عدم الضرورة
فالاكتفاء بالأذان عند خروج الامام هو المتعين عندى. وأما كون هذا الأذان أمام الخطيب مواجهة قريبا
من المنبر فليس فى شىء من السنة، فان السنة أن يؤذن عند باب المسجد ليحصل فائدة الأذان لا داخل المسجد
عند المنبر، والله تعالى أعلى (رواه البخارى) بألفاظ وأسانيد. وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى
وإبن ماجه واليهقى (ج ٣ ص ١٩٢، ٢٠٥).
١٤١٨ - قوله (كانت للنبى معَّثل خطبتان) فيه أن المشروع خطبتان، وقد ذهب الى وجوبهما الشافعى
وأحمد. قال إبن قدامة: يشترط للجمعة خطبان، وهذا مذهب الشافعى وقال مالك والأوزاعى وإسحاق وأبو ثور
وإبن المنذر وأصحاب الرأى: يجزيه خطبة واحدة، وقد روى عن أحمد ما يدل عليه، فانه قال لا تكون الخطبة إلا
كما خطب النبى صلى الله عليه وسلم أو خطبة تامة - انتهى. وقال الشوكانى: قد ذهب إلى وجوبهما العترة الشافعى.
وحكى العراقى فى شرح الترمذى عن مالك وأبى حنيفة والأوزاعى وإسحاق بن راهويه وأبى ثور وابن المنذر
وأحمد بن حنبل فى رواية أن الواجب خطبة واحدة ، قال واليه ذهب جمهور العلماء، ولم يستدل من قال
بالوجوب إلا بمجرد الفعل مع قوله: ((صلواكما رأيتمونى أصلى)) - الحديث. وقد عرفت ألا ذلك ينتهض لاثبات
الوجوب بعنى لأن مجرد الفعل لا يفيد الوجوب. وأما قوله: ((صلوا كما رأيتمونى، فهو مع كونه غير صالح
للاستدلال به على الوجوب ليس فيه إلا الأمر بايقاع الصلاة على الصفة التى كان يوقعها عليها والخطبة ليست بصلاة
(يجلس بينهما) أى بين الخطبتين. وفيه إشارة إلى أن خطبته كانت حالة القيام وقد ورد ذلك مصرحا عن جابر
نفسه، وعن ابن عمر وكعب بن عجرة، كما سيأتى، قال الشوكانى فى شرح حديث ابن عمر وجابر: فيه أن القيام حال
الخطبة المشروع. قال ابن المنذر: وهو الذى عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار. واختلف فى وجوبه ، فذهب
مالك والشافعى الى الوجوب غير أن مالكا قال: إنه واجب لو تركه أساء، وصحت الجمعة. وقال الشافعى: إنه شرط
فى صحة الخطبة ، وإنه متى خطب قاعدا لغير عذر لم تصح. قال ابن قدامة ويحتمله كلام أحمد. وذهب أبو حنيفة
إلى أن القيام سنة وليس بواجب، قال إبن قدامة: قال القاضى: يجزيه الخطبة قاعدا، وقد نص عليه أحمد ، وهو
مذهب أبى حنيفة واستدل الأولون بحديث جابر وابن عمر وبغيرهما من الأحاديث الصحيحة: قال الشوكانى
٤٩٣
!

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
يقرأ القرآن، ويذكر الناس،
لاشك أن الثابت عنه صلى الله عليه وسلم وعن الخلفاء الراشدين هو القيام حال الخطبة، ولكن الفعل بمجرده لا يفيد
الوجوب . وفى الحديث مشروعية الجلوس بين الخطبتين . واختلف فى وجوبه، فذهب الشافعى إلى أنه فرض ،
وشرط لصحة الخطبة . وذهب الجمهور مالك وأحمد وأبو حنيفة الى أنه غير واجب . استدل من أوجب ذلك
بفعله صلى اللّه عليه وسلم، وقوله: ((صلوا كما رأيتمونى أصلى))، وقد تقدم الجواب عن مثل هذا الاستدلال
قال ابن المنذر: لم أجد الشافعى دليلا، والفعل، وإن اقتضى الوجوب عند الشافعى، لا يدل على بطلان الجمعة
بتركه وأى فرق بين الجلوس قبلهما وبينهما مع أن كلا منهما ثابت عنه عليه الصلاة والسلام. قال جمع من الشافعية
وهو كما قال، والعجب إيجاب هذا دون الاستقبال، قاله القارى. (يقرأ القرآن) تفسير الخطبة. وقال القاضى:
هو صفة ثانية للخطبتين. والراجح محذوف، والتقدير يقرأ فيهما. وقوله (ويذكر الناس) عطف عليه داخل فى
حكمه - انتهى. والتذكير هو الوعظ والنصيحة ، وذكر ما يوجب الخوف والرجاء من الترهيب والترغيب. واستدل
به على مشروعية القراءة والوعظ فى الخطبة ، ولا خلاف فيه وأنما الخلاف فى الوجوب، فذهب الشافعى إلى أنه
يشترط فى الخطبة الوعظ والقراءة، قال النووى: قال الشافعى: لا نصح الخطبتان الا بحمد الله تعالى والصلاة على
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما والوعظ، وهذه الثلاثة واجبات فى الخطبتين، وتجب قراءة آية من القرآن فى
إحداهما على الأصح، ويجب الدعاء للمؤمنين فى الثانية على الأصح. وقال مالك وأبو حنيفة والجمهور: يكفى من
الخطبة ما يقع عليه الاسم . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك فى رواية عنه: يكفى تحميدة أو تسبيحة أو
تهليلة، وهذا ضعيف، لأنه لا يسمى خطبة. ولا يحصل به مقصودها مع مخالفته ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم
- انتهى. قلت الراجح عندى أنه لا يجب فى خطبة الجمعة شىء سوى حمد الله والموعظة، لأن ذلك يسمى خطبة
ويحصل به المقصود فأجزأ ، وما عداه من الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم وقراءة القرآن والدعاء لانسان
ليس على اشتراطه ووجوبه فى الخطبة دليل ، ولا يجب أن يخطب على صفة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم
بالاتفاق، لأنه قد روى أنه كان يقرأ آيات، ولا يجب قراءة آيات، ولكن يستحب أن يقرأ آيات كذلك، ولما
روت أم هشام قالت: ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا من فى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب بها فى كل
جمعة. وفى حديث الشعبى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة. وقوله: ((يذكر الناس)) دليل صريح على
أن الخطبة وعظ وتذكير الناس، وأنه مؤثّم كان يعلم أصحابه فى خطبة الجمعة قواعد الاسلام وشرائعه
ويأمرهم وينهاهم فى خطبته اذا عرض له أمر أو نهى، وكان يأمرهم بمقتضى الحال، فلا بد للخطيب من أن يعظ
الناس، ويذكرهم ويبين لهم ما يحتاجون إليه . . فإن كان السامعون من غير العرب وعظهم بلغتهم ، فان التذكير
٤٩٤
سعد
!
:
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
فكانت صلاته قصدا، وخطبته قصدا. رواه مسلم
١٤١٩ - (٦) وعن عمار، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن طول صلاة
الرجل وقصر خطبته، مثنة من فقهه،
١
والوعظ فى بلاد العجم لا يفيد، ولا يحصل أثره إلا إذا كان بلغتهم. وحديث جابر هذا هو أول دليل على
هذا (فكانت صلاته قصداً) أى متوسطة بين الافراط والتفريط من التقصير والتطويل بفتح القاف وسكون
الصاد ، وآخره دال، وهو الوسط بين الطرفين، وهو المعتدل الذى لا يميل إلى أحد طرفى التفريط والافراط
(وخطبته قصداً) قال الطيبي: أصل القصد الاستقامة فى الطريق ، استعير للتوسط فى الأمور والتباعد عن الافراط،
ثم التوسط بين الطرفين كالوسط أى كانت صلاته ومَّ متوسطة ، لم تكن فى غاية الطول ، ولا فى غاية القصر
وكذلك الخطبة . وذلك لا يقتضى مساواة الخطبة للصلاة اذ توسط كل يعتبر فى بابه ، فلا يخالف حديث عمار
الآتى (رواه مسلم) هما حديثان عند مسلم رواهما عن جابر بن سمرة، تم الأول على قوله ((ويذكر الناس)
وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائى وإبن ماجه والبيهقي (ج٣ ص ٢١٠) ولفظ الثانى: قال جابر كنت أصلى مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً. ونسب المجد هذا فى المنتقى للجماعة إلا
البخارى وأبا داود. قلت: وأخرجه البيهقى (ج ٣ ص ٢٠٧) أيضاً.
١٤١٩ - قوله (إن طول صلاة الرجل) أى إطالتها (وقصر خطبته) بكسر القاف وفتح الصاد أى
تقصيرها (مثنة) بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة (من فقهه) أى علامة يتحقق بها فقهه مفعلة بنيت
من، إن المسكورة المشددة وحقيقتها مظنة ومكان لقول القائل: انه فقيه، لأن الصلاة مقصودة بالذات، والخطبة
توطئة لها، فتصرف العناية الى الأهم، كذا قيل، أو لأن حال الخطبة توجهه الى الخلق وحال الصلاة مقصده
الخالق . فمن فقاهة قلبه اطالة معراج ربه، أو لأن الصلاة هى الأصل ، والخطبة هى الفرع، ومن القضايا الفقهية
أن يؤثر الأصل على الفرع بزيادة. وقال الطبيبى: قوله ((من فقهه)) صفة ((مثنة)) أى مثنة ناشئة من فقهه فى النهاية
أى ذلك مما يعرف به فقه الرجل ، فكل شىء دل على شيء فهو مثنة له. وحقيقتها أنها مفعلة من معنى أن التى
التحقيق غير مشتقة من لفظها، لأن الحروف لا يشتق منها، وانما ضمن حروفها دلالة على أن معناها فيها. قال
النووى: قال الأزهرى والأكثرون: الميم فيها زائدة، وهى مفعلة، قال الأزهرى: غلط أبو عبيد فى جعله الميم
أصلية. وقال القاضى عياض: قال شيخنا ابن سراج: هى أصلية - انتهى. قال الشوكانى: وانما كان اقصار الخطبة
علامة من فقه الرجل، لأن الفقيه هو المطلع على جوامع الألفاظ، فيتمكن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن
٤٩٥
!

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان سحراً. رواه مسلم.
١٤٢٠ - (٧) وعن جابر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه،
وعلا صوته، واشتد غضبه ،
المعانى الكثيرة (فأطلوا الصلاة وأقصروا الخطبة) قال النووى: الهمزة فى ((أقصروا)) همزة وصل، وليس هذا
الحديث مخالفاً الأحاديث المشهورة فى الأمر بتخفيف الصلاة، ولقوله فى الرواية المتقدمة: «كانت صلاته قصداً
وخطبته قصداً)، لأن المراد بحديث عمار أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلا يشق على
المأمومين، وهى حينئذ قصد أى معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها. وقال العراقى: أوحيث أحتيج إلى
التطويل لإ دراك بعض من تخلف، قال وعلى تقدير تعذر الجمع بين الحديثين يكون الأخذ فى حقنا بقوله، لأنه أدل
بفعله لاحتمال التخصيص. وقال القارى: لا تنافى بينهما ، فإن الأول أى حديث جابر دل على الاقتصاد فيها،
والثانی أی حدیث عمار على اختيار المزیة فی الثانية منهما ، ثم لا ینافى هذا ما ورد فى مسلم من حديث أبی زید ، قال
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر خطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد
المنبر :خطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى ، ثم صعد المنبر :خطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان ،
وبما هو كان - انتهى. لوروده نادراً اقتضاه الوقت، ولكونه بياناً للجواز، وكأنه كان واعظا، والكلام فى
الخطب المتعارفة - انتهى. (وإن من البيان سحرا) أى من البيان ما يصرف قلوب المستمعين إلى قبول ما يستمعون
فشبه الكلام العامل فى القلوب الجاذب للعقول بالسحر لأجل ما اشتمل عليه من الجزالة وتناسق الدلالة وإفادة
المعانى الكثيرة. والظاهر أنه من عطف الجمل، ذكره استطراداً. وقال الطيبي: الجملة حال من ((أقصروا، أى
أقصروا الخطبة وأنتم تأتون بها معانى جمة فى ألفاظ يسيرة، وهى من أعلى طبقات البيان، ولذلك قال صلى الله عليه
سلم أوتيت جوامع الكلم. قال النووى: قال القاضى: فيه تأويلان أحدهما أنه ذم، لأنه إمالة للقلوب، وصرفها
بمقاطع الكلام البه، حتى يكتسب من الإثم به، كما يكتسب بالسحر، وأدخله مالك فى الموطأ فى ((باب ما يكره
من الكلام ، وهو مذهبه فى تأويل الحديث. والثانى أنه مدح ، لأن الله تعالى امتن على عباده بتعليمهم البيان. وشبه
بالسحر لميل القلوب اليه. وأصل السحر الصرف، فالبيان بصرف القلب ويميله إلى ما يدعو اليه. قال النووى:
وهذا التأويل الثانى هو الصحيح (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد ( ج٤ ص ٢٦٣) والبيهقى (ج٣ ص٢٠٨).
١٤٢٠ - قوله (وعن جابر) أى ابن عبد الله (إذا خطب) أى الجمعة كما فى رواية لمسلم (احمرت عيناه
وعلا صوته) بالرفع أى ارتفع صوته (واشتد غضبه) يفعل ذلك لا زالة الغفلة من قلوب الناس ليتمكن فيها
٤٩٦
L
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
حتى كأنه منذر جيش، ويقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين
أصبعيه: السبابة والوسطى. رواه مسلم.
١٤٢١ - (٨) وعن يعلى بن أمية، قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر
﴿ ونادوا يا مالك
كلامه صلى الله عليه وسلم فضل تمكن أو لأنه يتوجه فكره إلى الموعظة، فيظهر عليه آثار الهيبة الالهية. واستدل
به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته وكلامه، ليكون مطابقاً للفصل الذى يتكلم فيه من ترغيب
أو ترهيب . ولعلى اشتداد غضبه صلى الله عليه وسلم كان عند انذاره أمراً عظيما (كأنه منذر جيش) هو الذى
يحتى مخبراً للقوم بما قد دهمهم من عدو أو غيره أى كمن ينذر قوما من قرب جيش عظيم قصدوا الإغارة عليهم
(يقول) ضميره عائد لمنذر، والجملة صفته (صبحكم) بتشديد الباء، وفاعله ضمير يعود إلى العدو المنذر منه،
ومفعوله يعود إلى المنذرين أى نزل بكم العدو صباحا. والمراد سينزل، وصيغة الماضى للتحقق مثل حال الرسول
مرَّة فى خطبته وإنذاره بمجئى القيامة، وقرب وقوعها، وتهالك الناس فيما يرديهم بحال من نذر قومه عند غفلتهم
يحيش قريب منهم يقصد الاحاطة بهم بغتة من كل جانب. فكما أن المنذر يرفع صوته، وتحمر عيناه، ويشتد غضبه
على تغاظهم، كذلك حال رسول اللّه تَّى. وإلى قرب المجنى أشار باصبعيه. ونظيره ما روى أنه لما نزل ,وأنذر
عشيرتك الأقربين ، صعد الصفا، فجعل ينادى يا بنى فهريا بنى عدى - الحديث (مساكم) بتشديد السين
مثل ((صبحكم)) ويحتمل أن ضمير يقول للنبي مَثّل، والجملة حال. وضمير (( صبحكم، للعذاب والمراد به قرب منكم
إن لم تطيعونى (ويقول) أى النبى صلى الله عليه وسلم عطف على احمرت (بعثت أنا والساعة) روى يرفعها ونصبها،
والمشهور نصبها على المفعول معه، والرفع عطفاً على الضمير، وأكد بالضمير المنفصل ليصح العطف أى بعثنى اليكم
قريباً من القيامة (ويقرن) بضم الراء على المشهور الفصيح، وحكى كسرها (السبابة) بالجر على البدلية وجوز"
الرفع أى المسبحة (رواه مسلم) فى الجمعة، وكذا البيهقى ( ج ٣ ص ٢١٣،٢٠٦) وأخرجه أيضاً أحمد وابن
ماجه فى السنة وهذا طرف من حديث طويل عندهم .
١٤٢١ - قوله (وعن يعلى بن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية (ونادوا) أى أهل النار
الداخلون فيها، وهم الكفار (يا مالك) باثبات الكاف، وهى قراءة الجمهور. وقرأ الأعمش ((ونادوا يا مال))
بالترخيم ، ورويت عن على ، وهى قراءة ابن مسعود، وفيه إشعار بأنهم لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بالتمام
فان قات كيف قال ونادوا يا مالك بعد ما وصفهم بالابلاس؟ أجيب بأنها أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة ، فتختلف
٤٩٧

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
ليقض علينا ربك ) متفق عليه.
١٤٢٢ - (٩) وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان، قالت: ما أخذت ﴿ق والقرآن المجيد )
الا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرأما كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس.
بهم الأحوال، فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم، ويستغيثون أوقاتا لشدة ما بهم (ليقض علينا ربك) أى بالموت
قال الطيبي: من قضى عليه أى أماته. ومنه قوله: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه - ٢٨: ١٥ ) أى أماته. ومعنى
الآية يقول الكفار لمالك خازن النار سل ربك أن يقضى علينا، يقولون هذا لشدة ما بهم، فيجابون بقوله:
( إنكم ما كثون)) أى خالدون. وفيه نوع استهزاء بهم دل هذا الحديث وما قبله. وقوله تعالى: ﴿إن أنت إلا
نذير - ٢٣:٣٥) وقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلافيها نذير -٢٤:٣٥ ) وقوله تعالى: ﴿ليكون للعالمين نذيراً -
١:٢٥﴾ على أن الناس إلى الإنذار والتخويف أحوج منهم إلى التبشير لتماديهم فى الغفلة وانهماكهم فى الشهوات
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى ذكر الملائكة وصفة النار من بدء الخلق، وفى تفسير سورة الزخرف، ومسلم فى
الصلاة وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٤ ص ٢٢٣) والترمذى فى الصلاة وأبوداود فى القراءات والنسائى فى السنن
الكبرى والبيهقى (ج ٣ ص ٢١١).
١٤٢٢ - قوله (وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان) هى أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها الأنصارية
التجارية. قال أحمد بن زهير: سمعت أبى يقول: أم هشام بنت حارثة بايعت بيعة الرضوان، ذكره ابن عبدالبرفى
الاستيعاب، ولم يذكراسمها. وذكرها الحافظ فى الاصابة والتهذيب والتقريب ((ولم يسمها)، أيضاً، وقال فى التقريب
صحابية مشهورة (قالت ما أخذت) أى ما حفظت (ق والقرآن المجيد) أى هذه السورة (يقرأها) قال الطيبي:
فقلا عن المظهر ، وتبعه ابن الملك: إن المراد أول السورة لا جميعها، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ جميعها فى
الخطبة. وقال ابن حجر: أى كلها وحملها على أول السورة صرف للنص عن ظاهره - انتهى. وقال القارى:
الظاهر أنه كان يقرأ فى كل جمعة بعضها، لحففات الكل فى الكل. قلت: الظاهر عندى ما قاله ابن حجر. والله تعالى
أعلم (كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس) فيه دليل على مشروعية قراءة سورة ق فى الخطبة كل جمعة. قال العلماء:
وسبب اختياره صلى الله عليه وسلم هذه السورة لما اشتملت عليه من ذكر البعث والموت والمواعظ الشديدة
والزواجر الأكيدة . وفيه دلالة لقراءة شىء من القرآن فى الخطبة كما سبق، وقد قام الإجماع على عدم وجوب
قراءة السورة المذكورة ولا بعضها فى الخطبة، وكانت محافظته على هذه السورة اختياراً منه لما هو الأحسن فى
الوعظ والتذكير . وفيه دلالة على ترديد الوعظ ، كذا فى السبل. قال الشوكانى بعد ذكر أحاديث ورد فيها ذكر
قراءة القرآن فى الخطبة. وقد استدل بحديث الباب وماذكرناه من الأحاديث على مشروعية قراءة شئ من القرآن
٤٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
رواه مسلم.
١٤٢٣ - (١٠) وعن عمرو بن حريث: أن النبى صلى الله عليه وسلم: خطب وعليه عمامة سوداء
قد أرخى طرفيها بين كتفيه يوم الجمعة. رواه مسلم.
١
١٤٢٤ - (١١) وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب: إذا جاء
أحدكم يوم الجمعة والامام بخطب، فليركع ركعتين،
فى الخطبة ، ولا خلاف فى الاستحباب ، وأنما الخلاف فى الوجوب ، كما تقدم، قال والظاهر من أحاديث الباب
أن النبي ◌َّه كان لا يلازم قراءة سورة أوآية مخصوصة فى الخطبة، بل كان يقرأ مرة هذه السورة ومرة هذه،
ومرة هذه الآية ومرة هذه - انتهى. وعلى هذا فالمراد بكل جمعة فى حديث الباب جمعات حضرت أم هشام فيها (رواه
مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٦ ص ٤٣٥ - ٤٣٦، ٤٦٣) وأبو داود والنسائى والبيهقى (ج ٣ ص ٢١١)
والحاكم (ج ١ ص ٢٨٤).
١٤٢٣ - قوله (وعن عمرو بن حريث) بالتصغير القرشى المخزومى، صحابى صغير مات سنة (٨٥)
وقيل: قبض النبى صلى الله عليه وسلم، وله (١٢) سنة ( خطب) وفى رواية: خطب الناس (وعليه عمامة)
بكسر العين ( سوداء) فيه لباس الثوب الأسود فى الخطبة وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت فى الحديث
الصحيح: خير ثيابكم البياض. وأما لباس الخطباء السواد فى حال الخطبة فجائز، ولكن الأفضل البياض ، كما
ذكرنا، وإنما لبس العمامة السوداء فى هذا الحديث بيانا للجواز (قد أرخى) أى سدل وأرسل ( طرفيها ) بالتثنية
أى طرفى عمامته. قال النووى: هكذا هو فى جميع نسخ بلادنا وغيرها طرفيها بالتثنية، وكذا هو فى الجمع بين
الصحيحين للحميدى. وذكر القاضى عياض أن الصواب المعروف طرفها بالافراد. وإن بعضهم رواه طرفيها
بالنثنية، والله أعلم - انتهى (بين كتفيه يوم الجمعة) فيه أن إرسال طرفى العمامة بين الكتفين ولبس الزينة يوم الجمعة
سنة. قال الأمير اليمانى. من آداب العمامة إرسال العذبة بين الكتفين، ويجوز تركها بالأصالة. قلت: سيأتى
بسط الكلام فيه فى كتاب اللباس. ومن أحب التفصيل رجع إلى تحفة الأحوذي (ج ٣ ص ٤٨ - ٥٠) وشرح
الشمائل (ص ٦٦ - ٦٧) للبيجورى، والمرقاة (ج ٢ ص ٢٣٢) (رواه مسلم) فى الحج، وأخرجه أبو داود
والنسائى فى الزينة، والترمذى فى الشمائل، وابن ماجه فى الصلاة، والبيهقى (ج ٣ ص ٢٤٦).
د
١٤٢٤ - قوله (وهو يخطب) جملة حالية أى يوم الجمعة (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والامام يخطب
فليركع ركعتين) أى ندبا. وفيه دليل على مشروعية تحية المسجد واستحبابها حال الخطبة للداخل بتلك الحالة .
٤٩٩
٤

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
ولينجوز فيهما.
وإلى ذلك ذهب الحسن وابن عيينة والشافعى وأحمد وأسحاق ومكحول وأبو ثور وابن المنذر. وحكاه النووى
عن فقهاء المحدثين. وحكى ابن العربى أن محمد بن الحسن حكاه عن مالك (وليتجوز) بكسر اللام ويسكن أى
ليخفف. فيه مشروعية التخفيف لتلك الصلاة ليتفرغ لسماع الخطبة، ولا خلاف فى ذلك بين القائلين بأنها تشرع
صلاة التحية حال الخطبة . والحديث حجة على مالك وأبى حنيفة فى منع الداخل عن صلاة التحية فى أثناء الخطبة
وقد أجاب من تبعهما عن هذا الحديث بأجوبة: منها المعارضة بقوله تعالى: ﴿وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له
وأنصتوا - ٧: ٢٠٤﴾ وبقوله صلى الله عليه وسلم: إذا قلت لصاحبك أنصت، والامام يخطب يوم الجمعة،
فقد لغوت ، قالوا فاذا امتنع الأمر بالمعروف، وهو أمر اللاغى بالانصات مع قصر زمته، فمنع التشاغل بالتحية
مع طول زمنها أولى ، وبقوله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الذى دخل يتخطى رقاب الناس: اجلس، فقد
آذيت. أخرجه أبو داود والنسائى، وصححه ابن خزيمة وغيره من حديث عبد الله بن بسر، قالوا فأمره
بالجلوس، ولم يأمره بالتحية. وروى الطبرانى من حديث ابن عمر رفعه إذا دخل أحدكم، والامام على المنبر ،
فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الامام. والجواب عن ذلك كله أن المعارضة التى قول إلى إسقاط أحد الدليلين
إنما يعمل بها عند تعذر الجمع، والجمع مهنا ممكن. أما الآية فليست الخطبة كلها قرآنا. وأما ما فيها من
القرآن فالجواب عنه كالجواب عن الحديث ، وهو تخصيص عمومه بالداخل . وأيضاً فصلى التحية يجوز أن
يطلق عليه أنه منصت لحديث أبى هريرة أنه قال يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ فأطلق
على القول سراً السكوت. وأما حديث ابن بُسر فهو أيضاً واقعة عين لا عموم فيها، فيحتمل أن يكون ترك
أمره بالتحية قبل مشروعيتها. ويحتمل أن يجمع بينهما بأن يكون قوله: ((اجلس، أى بشرطه، وقد عرف قوله
الداخل. فلا تجلس حتى تصلى ركعتين. فمعنى قوله: ((اجلس)، أى لا تتخط ، أو ترك أمره بالتحية لبيان الجواز
فانها ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع فى أواخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحية، وقد اتفقوا على
استثناء هذه الصورة. ويحتمل أن يكون صلى التحية فى مؤخر المسجد، ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة فوقع منه
التخطى فأنكر عليه. والجواب عن حديث ابن عمر بأنه ضعيف فيه أيوب بن نهيك، وهو منكر الحديث ، قاله
أبو زرعة وأبو حاتم. والأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله كذا فى الفتح. قال بعض الحنفية. حديث جابر
مبيح للصلاة ، وحديث الانصات محرم لها ، فاجتمع المبيح والمحرم فترجح - انتهى. وفيه أن الترجيح للحرم إنما
يكون إذا لم يمكن الجمع، والجمع ههنا ممكن، كما تقدم. وقال الأمير اليمانى: هذا أمر الشارع، وهذا أمر الشارع،
فلا تعارض بين أمريه، بل القاعد ينصت ، والداخل يركع التحية . وقال الشوكانى: حديث الانصات وارد فى
٥٠٠
دلد