النص المفهرس
صفحات 441-460
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٢ - باب الجمعة
١٣٧٨ - (١٥) وعرب ابن عباس، أنه قرأ: {اليوم أكملت لكم دينكم) الآية،
وأسناده أضعف - انتهى. وقال الهيشمى فى سند حديث أنس يزيد الرقاشى: وفيه كلام ــ انتهى. وقال القارى:
ذكره السيوطى فى باب من لا يسأل فى القبر، وقال: أخرجه أحمد والترمذى وحسنه، وابن أبى الدنيا عن ابن عمرو،
ثم قال: وأخرجه ابن وهب فى جامعه والبيهقى أيضا من طريق آخر عنه بلفظ: إلا برئى من فتنة القبر. وأخرجه
البيهقى أيضا من طريق ثالثة عنه موقوفا بلفظ: وفى الفتان - انتهى. قلت: لم أجد عند الترمذى تحسينه فلعله وهم
وقع فى النسخة التى كانت بيد السيوطى، لكن الحديث رواه أحمد من طريق آخر صحيح (ج ٢ ص ١٧٦، ٢١٩)
وجاء نحوه أيضا من حديث جابر رواه أبو نعيم فى الحلية (ج ٣ ص ١٥٥، ١٥٦) باسناد فيه ضعف. قال
ابن القيم: حديث جابر تفرد به عمرو بن موسى الوجيهى، وهو مدنى ضعيف - انتهى . قال السيوطى: قال القرطبى
هذه الأحاديث أى التى تدل على نفى سوال القبر لا تعارض أحاديث السوال السابقة أى لا تعارضها بل تخصها
وتبين من لا يسئل فى قبره ولا يفتن فيه من يجرى عليه السوال ويقاسى تلك الأموال ، وهذا كله ليس فيه
مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه وإنما فيه التسليم والإنقياد لقول الصادق المصدوق. قال الحكيم الترمذى: ومن
مات يوم الجمعة فقد انكشف له الغطاء عماله عند الله. لأن يوم الجمعة لا تسجر فيه جهنم وتغلق أبوابها ولا يعمل
سلطان النار فيه ما يعمل فى سائر الأيام فإذا قبض الله عبداًمن عبيده فوافق قبضه يوم الجمعة كان ذلك دليلا لسعادته
وحسن مآبه وأنه لا يقبض فى ذلك اليوم إلا من كتب له السعادة عنده فلذلك يقيه فتنة القبر ، لأن سببها إنما
هو تمييز المنافق من المؤمن. قلت: ومن تتمة ذلك أن من مات يوم الجمعة له أجر شهيد، فكان على قاعدة الشهداء
فى عدم السؤال، كما أخرجه أبو نعيم فى الحلية عن جابر قال: قال رسول اللّه تَّم من مات يوم الجمعة أو ليلة
الجمعة أجير من عذاب القبر وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء. وأخرج حميد فى ترغيبه عن اياس بن بكير :
أن رسول الله مَّم قال من مات يوم الجمعة كتب له أجر شهيد ووقى فتنة القبر. وأخرج من طريق ابن جريج
عن عطاء قال: قال رسول اللّه تَّ ما من مسلم أو مسلمة يموت فى يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقى عذاب القبر
وفتنة القبر ولقى الله ولا حساب عليه وجاء يوم القيامة ومعه شهود يشهدون له أو طابع، وهذا الحديث لطيف
صرح فيه بنفى الفتنة والعذاب معا - انتهى كلام السيوطى. قال ابن القيم فى حديث جابر: تفرد به عمر بن موسى.
الوجيهى، وهو مدنى ، ضعيف .
١٣٧٨ - قوله (اليوم أكملت لكم دينكم) أى ما تحتاجون اليه فى تكليفكم من تعليم الحلال والحرام.
وقواعد العقائد وقوانين القياس وأصول الاجتهاد. وقيل: أى أحكامه وفرائضه وشرائعه فلم يتزل بعدها حلال
ولا حرام (الآية) وهى قوله ﴿وأتممت عليكم نعمتي) أى بالهداية والتوفيق، أو بإكمال الدين، أو بفتح مكة
٤٤١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٢ - باب الجمعة
وعنده يهودى، فقال: لونزلت هذه الآية علينا لاتخذناها عيدا، فقال ابن عباس: فأنها نزلت فى يوم
عيدين، فى يوم جمعة، ويوم عرفة. رواه الترمذى، وقال: هذا حديث حسن غريب.
١
ودخولها آمنين. وقيل: أى أمور دنياكم {ورضيت﴾ أى اخترت ﴿لكم الإسلام دينا) حال أى اخترته لكم
من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرضى وحده (وعنده) أى وعند ابن عباس (يهودى) أى حاضر. وفى
حديث عمر بن الخطاب عند البخارى فى كتاب الايمان: أن رجلا من اليهود قال له أى لعمر . قال الحافظ :
هذا الرجل، هو كعب الأحبار، بين ذلك مسدد فى مسنده، والطبرى فى تفسيره ، والطبرانى فى الأوسط، والبخارى.
فى المغازى: أن ناسا من اليهود، وله فى التفسير: قالت اليهود فيحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك
جماعة، وتكلم كعب على لسانهم وأطلق على كعب هذه الصفة اشارة إلى أن سؤاله عن ذلك وقع قبل اسلامه لأن
اسلامه كان فى خلافة عمر على المشهور، وأطلق عليه ذلك باعتبار ما مضى (فقال) أى اليهودى (لاتخذناها) أى.
جعلنا يوم نزولها (عيداً) نعظمه فى كل سنة ونسر فيه لعظم ما حصل فيه من كمال الدين (فانها) أى الآية (نزلت)
أى علينا (فى يوم عيدين) أى وقت عيدين لنا (فى يوم جمعة ويوم عرفة) وفى بعض نسخ المشكاة وجامع
الترمذى: فى يوم الجمعة أى معرفا باللام، وهو بدل مما قبله بإعادة الجار ، يعنى أنزلها الله فى يومى عيد لنا فضلا
وإحساناً من غير أن تجعلهما عيدين بأنفسنا، أو قد تضاعف السرور لنا بإنزالها فانا نعظم الوقت الذى نزلت فيه
مرتين وإن كان نزولها فى الوقت المشتمل على اليومين، فانها نزلت على النبى مؤثّ بعرفة يوم الجمعة. وفى حديث
عمر عند الطبرى: نزلت يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد، والطبرانى: وهما لنا عيدان. قال
الطبي : فى جواب ابن عباس لليهودى اشارة إلى الزيادة فى الجواب ، يعنى ما اتخذنا عيداً واحداً، بل عيدين،
وتكرير اليوم تقرير لاستقلال كل يوم بما سمى به وإضافة يوم إلى عيدين كإضافة اليوم إلى الجمعة أى يوم الفرح
المجموع، والمعنى يوم الفرح الذى يعودون مرة بعد أخرى فيه إلى السرور. قال الراغب: العيد ما يعاود مرة
بعد أخرى وخص فى الشريعة بيوم الفطر ويوم النحر، ولما كان ذلك اليوم مجعولا للسرور فى الشريعة، كما نبه
النبى تَّ بقوله أيام منى أيام أكل وشرب وبعال صار يستعمل العيد فى كل يوم فيه مسرة . والحديث من أدلة
فضل الجمعة، لأن فيه أخبر الله نبيه تَّم والمؤمنين أنه قد أكمل لهم دينهم فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً فلما أكمل
لهم الدين تمت عليهم النعمة، وفى يوم وقع ذلك له فضل عظيم (رواه الترمذى) فى تفسير سورة المائدة وحسنه.
وأخرجه أيضا ابن جرير فى تفسيره، وأصل الحديث عند الشيخين وغير هما عن عمر بن الخطاب أن رجلا من
اليهود قال له الخ.
٤٤٢
١
٠
٠
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣ - باب وجوبها
١٣٧٩ - (١٦) وعن أنس، قال: كان رسول اللّه عَّ إذا دخل رجب قال: اللهم بارك لنا فى
رجب وشعبان وبلغنا رمضان. قال: وكان يقول: ليلة الجمعة ليلة آَغْره، ويوم الجمعة أزهر. رواه
البيهقى فى الدعوات الكبير.
(٤٣) باب وجوبه
١٣٧٩ - قوله (إذا دخل رجب) أى الشهر الذى هو فرد من الأشهر الحرم منون. وقيل: غير منصرف
(اللهم بارك لنا) أى فى طاعتنا وعبادتنا (فى رجب وشعبان) يعنى وفقنا للاكثار من الأعمال الصالحة فيهما
(وبلغنا رمضان) أى إدراكه بتمامه والتوفيق لصيامه وقيامه. قيل: ولم يقل ورمضان لبعده عن أول رجب
(قال) أى أنس (وكان يقول) وَثّ (ليلة الجمعة ليلة أغر) قال الطبى: أى أنور من الغرة - انتهى. وكان الظاهر
أن يقال غراء، وإنما قال أغر بحذف الموصوف أى زمان أو وقت أغر. وقال القارى: نزل ليلته منزلة يومه
خوصف بأغر على طريق المشاكلة، أو ذكره باعتبار أن ليلة بمعنى ليل إذ التاء لوحدة الجنس لا التأنيث. قلت:
وذكره السيوطى فى الجامع الصغير عن البيهقى وابن عساكر وابن السنى فى عمل اليوم والليلة والهيشمى فى مجمع
الزوائد عن البزار بلفظ: ليلة غراء (ويوم الجمعة يوم أزهر) قال الطيبي: الأزهر الأبيض، ومنه أكثروا الصلاة
على فى الليلة الغراء، واليوم الأزهر أى ليلة الجمعة ويومها - انتهى. والنورانية فيهما معنوية لذاتهما ، فالنسبة
حقيقية أو للعبادة الواقعة فيهما ، فالنسبة مجازية ، قاله القارى (رواه البيهقى) وأخرجه أيضا ابن عساكر،
وابن السنى (ص ٢١٢) قال العزيزى: وفيه ضعف، كما فى الأذكار (ص ١٤٣) ونسبه الهيشمى فى مجمع الزوائد
(ج٢ ص ١٦٥) البزار، وقال: فيه زائدة بن أبى الرقاد. قال البخارى: منكر الحديث، وجهله جماعة ــ انتهى.
قلت: وقال البزار . لا بأس به، وإنما نكتب من حديثه ما لم نجد عند غيره، كذا فى التهذيب، وفيه أيضا زيادة
التميرى، وهو ضعيف.
1
(باب وجوبها) أى الأحاديث الدالة على وجوبها وفرضيتها. قال فى شرح السنة: الجمعة من فروض
الأعيان عند أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أنها من فروض الكفايات. وقال ابن الهمام: الجمعة فريضة محكمة
بالكتاب والسنة والإجماع، وقد صرح أصحابنا بأنه فرض آكد من الظهر وبا كفار جاحدها - انتهى. وفى كتاب
الرحمة فى اختلاف الأمة : اتفق العلماء على أن الجمعة فرض على الأعيان، وغلطوا من قال هى فرض كفاية . وقال
العراقى: مذاهب الأئمة الأربعة متفقة، على أنها فرض عين، لكن بشروط يشترطها أهل كل مذهب . وحكى ابن
١
٤٤٣
- - ----
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣ - باب وجوبها
الفصل الأول )
١٣٨٠ - ١٣٨١ (١ - ٢) عن ابن عمر، وأبى هريرة، أنهما قالا: سمعنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول على أعواد منبره: لينتهين أقوام
المنذر الاجماع على أنها فرض عين. وقال الامام البخارى فى صحيحه: باب فرض الجمعة لقوله تعالى: ﴿إِذا نودى
للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خيرلكم إن كنتم تعلمون - ٦٢: ٩) ثم ذكر حديث
أبى هريرة السابق فى الفصل الأول من باب الجمعة بلفظ: هذا يومهم الذى فرض عليهم. قال الحافظ: استدلال
البخارى بهذه الآية على فرضية الجمعة سبقه اليه الشافعى فى الأم وكذا حديث أبى هريرة ثم قال : فالتنزيل
والسنة يدلان على ايجابها قال: وعلم بالاجماع أن يوم الجمعة، هو الذى بين الخميس والسبت. وقال الشيخ الموفق
(فى المغنى ج ٢ ص ٢٩٥) الأمر بالسعى يدل على الوجوب إذ لا يجب السعى إلا إلى واجب. وقال الزين بن
المنيروجه الدلالة من الآية مشروعية النداء لها إذ الأذان من خواص الفرائض، وكذا النهى عن البيع، لأنه لا
ينهى عن المباح ، يعنى نهى تحريم إلا إذا أفضى إلى ترك واجب ويضاف الى ذلك التوبيخ على قطعها قال: وأما
وجه الدلالة من الحديث، فهو من التعبير بالفرض، لأنه للالزام، وإن أطلق على غير الالزام ، كالتقدير، لكنه متعين
له لاشتماله على ذكر الصرف لأهل الكتاب عن اختياره وتعيينه لهذه الأمة، سواء كان ذلك وقع لهم بالتنصيص
أم بالاجتهاد. وفى سياق القصة اشعار بأن فرضيتها على الأعيان لا على الكفاية ، وهو من جهة اطلاق الفرضية
ومن التعميم فى قوله: فهدانا الله له والناس لنا فيه تبع. واختلف فى وقت فرضيتها فالأكثر أنها فرضت بالمدينة،
وهو مقتضى ما تقدم أن فرضيتها بالآية المذكورة ، وهى مدنية، ويدل عليه أيضاً ما روى ابن ماجه بسند ضعيف
من حديث جابر قال: خطبنا رسول اللّهِ مَّ فقال يا أيها الناس توبوا إلى ربكم - الحديث، وفيه: واعلموا أن
اللّه كتب عليكم الجمعة فى يومى هذا فى مقامى هذا فى شهرى هذا الى يوم القيامة. وقال الشيخ أبو حامد: فرضت
يمكة ، وهو غريب، واستدل بعضهم لذلك بما أخرجه الدار قطنى عن ابن عباس قال: أذن النبي ◌َّ فى الجمعة قبل
أن يهاجر ولم يستطع أن يجمع بمكة فكتب الى مصعب بن عمير الخ. ذكره الحافظ فى التلخيص: ولم يبين أن هذه
الرواية فى أى كتاب للدار قطنى وكيف حالها من حيث الصحة والضعف .
١٣٨٠-١٣٨١ - قوله (على أعوادمنيره) أى على درجاته، وذكره للدلالة على كمال التذكير وللاشارة
إلى اشتهار هذا الحديث. وقال الأمير اليمانى: أى منبره الذى من عود لا على الذى كان من الطين ولا على الجذع
الذى كان يستند اليه (ليفتهين أقوام) قيل: أبهم خوف كسر قلب من يعينه، لأن النصيحة فى الملاً فضيحة
٤٤٤
P
١
١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣ - باب وجوبها
عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن اللّه على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين. رواه مسلم .
الفصل الثانى )
١٣٨٢ - (٣) عن أبي الجعد الضمرى،
(عن ودعهم) بفتح الواو وسكون الدال (الجمعات) أى عن تركهم إياها والتخلف عنها تهاونا من غير عذر
من ودع الشئ يدعه ودعا اذا تركه. وقول النحاة: أن العرب أماتوا ماضى يدع ومصدره أعنى، ودع ودعا استغناء
بترك تركا معناه أن الغالب عدم استعمالها أى يحمل على قلة استعمالها استغناء بما هو أخف منهما لا أن معناه عدم استعمالها
أصلاوالا نافاه استعمال الودع فى هذا الحديث الفصيح. فالحق ثبوت استعمالها فى فصيح الكلام ، وحمل كلام النحاة
على ما مر . وقيل قولهم مردود، والحديث حجة عليهم قال النور بشتى: لا عبرة بما قال النحاة ، فان قول الذى
ورفع، هو الحجة القاضية على كل ذى فصاحة . وقال السيوطى: والظاهر أن استعماله ههنا من الرواة المولدين الذين
لا يحسنون العربية، ورده السندى بأنه لا يخفى على من تتبع كتب العربية أن قواعد العربية مبنية على الاستقراء
الناقص دون التام عادة ، وهى مع ذلك أكثريات لا كليات فلا يناسب تغليط الرواة (أو ليختمن اللّه على قلوبهم)
أى يطبع عليها ويغطيها بالرين كناية عن اعدام اللطف وأسباب الخير، يعنى لينعنهم لطفه وفضله . وقال القرطبي:
الختم عبارة عما يخلقه الله تعالى فى قلوبهم من الجهل والجفاء والقسوة. وقال العراقى: المراد بالطبع على قلبه أنه
يصير قلبه قلب منافق، كما روى الطبر انى من حديث عبد الله ابن أبى أو فى مرفوعا باسناد جيد من سمع النداء يوم
الجمعة ولم يأتها ثم سمع النداء ولم يأتها ثلاثا طبع على قلبه، لجعله قلب منافق. قال الهيشمى: وفيه من لم يعرف.
قيل: ومن ختم على قلبه بالرين قد يتيقظ للخير فى بعض الأوقات بخلاف الغافل عن مولاه، فلا يتفطن للخير أصلا
فلهذا ترقى فقال (ثم ليكونن) بضم الفون الأولى (من الغافلين) أى ثم يترقى بهم فى الشر إلى هذه المرتبة. قال
الطيبي: ثم اتراخى الرتبة، فان كونهم من جملة الغافلين المشهود عليهم بالغفلة ادعى لشقائهم وأنطق لخسرانهم من
مطلق كونهم محتوما عليهم. وقيل: المراد الدائمين فى الغفلة . قال القاضى: والمعنى أن أحد الأمرين كائن لا محالة
أما الانتهاء عن ترك الجمعات أو ختم الله على قلوبهم فان اعتياد ترك الجمعة يغلب الرين على القلب ويزهد النفوس
فى الطاعة ، وذلك يؤدى بهم إلى أن يكونوا من الغافلين أى عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال وعن ترك ما
يضرهم منها . والحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة والتساهل فيها ومن أدلة أنها من فروض الأعيان
(رواه مسلم) وكذا البيهقى (ج ٣ ص ١٧١) وأخرجه أحمد والنسائى والبيهقى أيضاً (ج ٣ ص ١٧١ - ١٧٢).
من حديث ابن عمر، وابن عباس .
1
١٣٨٢ - قوله (عن أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة (الضمرى) بفتح الضاد المعجمة وسكون
٤٤٥
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣ - باب وجوبہا
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ترك ثلاث جمع تهاونا بها، طبع الله على قلبه.
رواه أبو داود، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه، والدارمى.
١٣٨٣ - (٤) ورواه مالك عن صفوان بن سليم.
الميم ، نسبة إلى ضمرة بن بكر بن عبد مناة، قاله فى جامع الأصول ، وكذا فى المغنى محمد طاهر الفتنى ، ووقع فى
بعض نسخ المشكاة: الضميرى ، بضم الضاد وفتح الميم، وهو خطأ، وأبو الجعد الضمرى، لا يعرف اسمه. قال الترمذى
سألت محمداً عن اسم أبي الجعد، فلم يعرف اسمه. وقيل: اسمه كنيته. وقيل: اسمه أدرع. وقيل: عمرو بن بكر. وقيل:
جنادة، صحابى. قال الخزرجى: له أربعة أحاديث، وعند الأربعة حديث. قال ابن سعد: بعثه النبى مَّ بحيش
قومه لغزوة الفتح، ولغزوة تبوك. ويقال: إن عثمان استقضاء قتل مع عائشة يوم الجمل (من ترك) أى من
تجب عليه (ثلاث جمع) بضم الجيم وفتح الميم. قال الباجى: وأما اعتبار العدد فى الحديث فانتظار للفيئة
وأمهال منه تعالى عبده للتوبة. قال الشوكانى: يحتمل أن يراد حصول الترك مطلقاً سواء توالت الجمعات أو آفرقت
حتى لو ترك فى كل سنة جمعة لطبع الله على قلبه بعد الثالثة، وهو ظاهر الحديث. ويحتمل أن يراد ثلاث جمع
متوالية ، كما فى حديث أنس عند الديلى فى مسند الفردوس ، لأن موالاة الذنب ومتابعته مشعرة بقلة المبالاة به -
انتهى. قلت: الاحتمال الثانى هو المتعين لما تقرر فى الأصول من حمل الروايات المطلقة على المقيدة ، ويزيد حديث
أنس ما رواه أبو يعلى برجال الصحيح عن ابن عباس من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الاسلام وراء
ظهره. قال الشوكانى: هكذا ذكره موقوفا، وله حكم الرفع، لأن مثله لا يقال من قبل الرأى ، كما قال العراقى
(تهاوناً بها) قيل: المراد بالتهاون الترك من غير عذر فيكون مفعولا مطلقاً للنوع، وقيل: هو مفعول له. وقيل:
هو مصدر فى موضع الحال أى متهاوناً . قال فى العات: الظاهر أن المراد بالتهاون التكاسل وعدم الجد فى أداء.
وقلة الاهتمام به لا الاهانة والاستخفاف، فان الاستخفاف بفرائض الله كفر، وفيه أن الطبع المذكور أنما يكون
على قلب من ترك ذلك تهاوناً فينبغى أن تحمل الأحاديث المطلقة على هذا الحديث المقيد بالتهاون، وكذلك تحمل
الأحاديث المطلقة على المقيدة بعدم العذر (طبع الله على قلبه) أى ختم عليه وغشاء ومنعه الألطاف أو صير قلبه قلب
منافق (رواه أبو داود الخ) وأخرجه أيضاً الشافعى وأحمد (ج٣ ص٤٢٤) وأبن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما
والبغوى والدولابى فى الكنى (ج ١ ص ٢١ - ٢٢) والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقى ( ج٣
ص ٢٤٧،١٧٣) وفى رواية لابن خزيمة وابن حبان: من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق. والحديث
قد حسنه الترمذى، وصححه و ابن السکن ، ومکت عنه أبو داود .
١٣٨٣ - (ورواه مالك) فى الموطأ (عن صفوان بن سليم) قال مالك: لا أدرى أعن النبي ◌ُفَّ أم
٤٤٦
١
٠
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣ - باب وجوبها
١٣٨٤ - (٥) وأحمد عن أبى قتادة .
١٣٨٥ - (٦) وعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول اللّه ◌َ}: من ترك الجمعة من غير عذر
فليصدق بديار، فإن لم يجد فنصف دينار. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة.
لا أنه قال: من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه. وصفوان بن سليم بضم السين
وفتح اللام، المدنى أبو عبد الله القرشى الزهرى، مولاهم ثقة، فقيه، تابعى، عابد، زاهد، مات سنة (١٣٢)
وهو ابن (٧٢) سنة، فالحديث مرسل ومع ذلك قد تردد الامام مالك فى رفعه. قال ابن عبد البر: هذا يسند
من وجوه أحسنها حديث أبى الجعد الضمرى. أخرجه الشافعى وأصحاب السنن الأربعة - انتهى. ذكره السيوطى.
١٣٨٤ - (وأحمد) (ج ٥ ص ٣٠٠) (عن أبى قتادة) مرفوعا من ترك الجمعة ثلاث مرات من
غير ضرورة طبع على قلبه، وإسناده حسن، كما قال المنذرى فى الترغيب، والهيشمى فى مجمع الزوائد (ج٢ص١٩٢)
والدار قطنى فى العلل. وأخرجه أيضاً الحاكم وقال: صحيح الإسناد . وفى الباب عن جماعة من الصحابة، ذكرهم
الشوكانى فى النيل والهيشمى فى مجمع الزوائد .
١
١٣٨٥ - قوله (من ترك الجمعة) أى صلاتها ممن تلزمه (فليتصدق بدينار) قال فى المفاتيح: الأمر
للندب لدفع إثم الترك (بدينار) أى كفارة (فان لم يجد) أى الدينار (فبنصف دينار) أى فليتصدق بنصفه . قال
ابن حجر: وهذا التصدق لا يرفع اثم الترك أى بالكلية حتى ينافى خبر من ترك الجمعة من غير عذر لم يكن لها
كفارة دون يوم القيامة، وانما يرجى بهذا التصدق تخفيف الاثم. وذكر الدينار ونصفه لبيان الأكمل ، فلا ينافى
ذكر الدرهم أو نصفه، وصاع حنطة أو نصفه فى رواية لأبى داود، لأن هذا البيان أدنى ما يحصل به الندب،
ذكره القارى. يعنى أن الأمر بالتصدق بدينار للواجد وبنصفه لغير الواجد بيان للأكمل، والا فيحصل أصل
السنة بالتصدق بالدرهم ونصفه الخ وقيل: الأولى أن يقال إن التصدق بالدرهم أو نصفه لمن لم يجد الدينار ونصفه
قال السندى: والظاهر أن الأمر للاستحباب، ولابد من التوبة بعد ذلك، فانها المساحية للذنب (رواه أحمد)
(ج ٥ ص ١٤،٨) (وأبو داود وابن ماجه) والنسائى والبيهقى (ج ٣ ص ٢٤٨) أيضاً أما أحمد وأبو داود
فأخرجاه من طريق همام عن قتادة عن قدامة بن وبرة عن سمرة . وأما ابن ماجه فأخرجه من طريق نوح بن قيس
عن أخيه عن قتادة عن الحسن عن سمرة. وأخرجه النسائى من الطريقين ، وكذا البيهقى. و قدامة بن وبرة قال
الحافظ: مجهول. وقال الذهبي: لا يعرف. وقال أبو حاتم عن أحمد، لا يعرف. وقال مسلم: قيل لأحمد:
يصح حديث سمرة من ترك الجمعة؟ فقال قدامة يرويه لا نعرفه. وقال عثمان الدارمى عن ابن معين: ثقة. وقال
٤٤٧
أ
٠
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣ - باب وجوبها
١٣٨٦ - (٧) وعن عبد الله بن عمرو، عن النى صلى الله عليه وسلم، قال: الجمعة على من
سمع النداء. رواه أبو داود.
البخارى : لم يصح سماعه من سمرة. وقال ابن خزيمة فى صحيحه. لا أقف على سماع قدامة من سمرة، ولست،
أعرف قدامة بن وبرة بعدالة ولا جرح، كذا فى التهذيب. فطريق قدامة ضعيف لجهالته ولعدم سماعه من قتادة.
وأما طريق الحسن عن سمرة فقد تقدم ما فيه من الكلام .
١٣٨٦ - قوله (الجمعة على من سمع النداء) وفى أبى داود: الجمعة على كل من سمع النداء. ورواه
الدار قطنى ، ومن طريقه البيهقى بلفظ: إنما الجمعة على من سمع النداء أى حقيقة أو حكما. قال الشوكانى: ظاهر
الحديث عدم وجوب الجمعة على من لم يسمع النداء، سواء كان فى البلد الذى تقام فيه الجمعة أو فى خارجه، وقد
ادعى فى البحر الاجماع على عدم اعتبار سماع النداء فى موضعها، واستدل لذلك بقوله: إذ لم تعتبره الآية، وأنت
تعلم أن الآية قد قيد الأمر بالسعى فيها بالنداء لما تقرر عند أئمة البيان من أن الشرط قيد لحكم الجزاء والنداء
المذكور فيها يستوى فيه من فى المصر الذى تقام فيه الجمعة، و من خارجه. فعم إن صح الاجماع كان هو
الدليل على عدم اعتبار سماع النداء لمن فى موضع إقامة الجمعة عند من قال بحجية الاجماع. وقد حكى العراقى فى
شرح الترمذى عن الشافعى ومالك وأحمد بن حنبل أنهم يوجبون الجمعة على أهل المصر وإن لم يسمعوا
النداء. وقد اختلف أهل العلم فيمن كان خارجاً عن البلد الذى تقام فيه الجمعة، ثم بسط الأقوال فيه مع العزو
إلى قائليها، قال والمراد بالنداء المذكور فى الحديث هو النداء الواقع بين يدى الامام فى المسجد لأنه الذى كان
فى زمن النبوة لا الواقع على المنارات، فانه محدث، كما سيأتى، وقال ابن الملك المراد به الأذان أول الوقت كما
هو الآن فى زماننا ليعلم الناس وقت الجمعة ليحضروا ويسعوا إلى ذكر الله، وإنما زاده عثمان لينتهى الصوت إلى
نواحى المدينة. والظاهر عندى ما قاله الشوكانى (رواه أبو داود) والدار قطنى والبيهقى أيضا من طريق قبيصة
ابن عقبة السوائى عن سفيان الثورى عن محمد بن سعيد الطائفى عن أبى سلمة بن نبيه عن عبد الله بن هارون عن
عبد الله بن عمرو. قال أبو داود روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصوراً (أى موقوفا) على عبد الله بن
عمرو، وإنما أسنده قبيصة - انتهى. وقد تفرد به محمد بن سعيد عن أبى سلمة، وتفرد به أبو سلمة عن عبد الله
ابن هارون. وأبو سلمة وعبد الله بن هارون كلاهما مجهولان، كما فى التقريب. وقد ورد من وجه آخر أخرجه
الدار قطنى من رواية الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا. وزهير بن
محمد روى عن أهل الشام منا كير. والوليد مدلس، وقد رواه بالعنعنة. وأخرجه الدار قطنى من وجه آخر من
رواية محمد بن الفضل عن حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا. ومحمد بن الفضل
٤٤٨
١
١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣ - باب وجوبها
١٣٨٧ - (٨) وعن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: الجمعة على من آواه الليل
إلى أهله. رواه الترمذى: وقال: هذا حديث اسناده ضعيف.
والحجاج مدلس مختلف فى الاحتجاج به. وقد ظهر بذلك أن جميع طرق هذا
ضعيف جداً نسبوه إلى الكذب
الحديث متكلم فيه فى الاستدلال به على اعتبار سماع النداء حقيقة أو حكما لمن فى موضع إقامة الجمعة نظر لا يخفى
على المتأمل . فالحق عدم اعتبار ذلك ، والقول بوجوب شهود الجمعة على كل من فى موضع إقامة الجمعة لاطلاق
الآية وعمومها . والله أعلم .
١٣٨٧ - قوله (الجمعة على من آواه الليل إلى أهله) قال الجزرى: يقال أوَيْتُ إلى المنزل وآويت
غيرى، وأوينتُه. وفى الحديث من المتعدى. قال المظهر: أى الجمعة واجبة على من كان بين وطنه وبين الموضع
الذى يصلى فيه الجمعة مسافة يمكنه الرجوع بعد أداء الجمعة إلى وطنه قبل الليل، ذكره القارى. وقال الحافظ فى الفتح
بعد ذكر هذا الحديث مانصه: والمعنى أنها تجب على من يمكنه الرجوع الى أهله قبل دخول الليل. واستشكل
بأنه يلزم منه أنه يجب السعى من أول النهار، وهو بخلاف الآية ـ انتهى. وقيل: معناه أن الجمعة على من
كان آويا الى أهله أى مقيما فى وطنه غير مسافر. وحاصله أن الجمعة واجبة على المقيم لا على المسافر. قلت:
الحديث قد استدل به من قال من السلف: أنها تجب على من يؤويه الليل الى أهله، لكنه حديث ضعيف غير صالح
للاحتجاج، كما ستعرف (رواه الترمذى) من طريق الحجاج بن نصير عن معارك بن عبّاد عن عبد الله بن سعيد
المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة. وروى البيهقى (ج ٣ ص ١٧٦) نحوه من طريق مسلم عن معارك (وقال هذا
حديث اسناده ضعيف) ونقل عن أحمد أنه لم يعده شيئا، وضعفه لحال إسناده، وقال لمن ذكره له أستغفر
ربك. وهذا لأن فى سنده ثلاثة ضعفاء الأول الحجاج بن نصير قال الحافظ: ضعيف كان يقبل التلقين . ضعفه
ابن معين والنسائى وابن سعد والدارقطنى والأزدى وغيرهم. وقال أبو داود: تركوا حديثه. والثانى معارك بن
عباد ضعفه الدار قطنى. وقال البخارى: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: واهى الحديث. والثالث عبد الله بن سعيد
المقبرى،وهو متروك الحديث. واعلم أنهم اتفقوا على أنه يشترط للجمعة الجماعة والوقت والخطبة والعقل.
البلوغ والذكورة والحرية والسلامة من المرض والاقامة والاستيطان . واختلفوا فى أنه هل يشترط العدد
الخصوص. المعين أم لا، وفيه أقوال كثيرة ذكرها الحافظ فى الفتح (ج ٤ ص ٥٠٧) وابن حزم فى المحلى (ج )
ص ٤٦ - ٤٩) والشوكانى فى الفيل (ج ٣ ص ١٠٨ - ١٠٩) منها أنه اثنان كالجماعة ، وهو قول النخعى وأهل
الظاهر. ومنها اثنان مع الامام، وهو قول أبي يوسف ومحمد. ومنها أنه ثلاثة معه ، وهو مذهب أبي حنيفة
٤٤٩
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣ - باب و جوبها
ومنها أنه اثنا عشر. ومنها أربعون بالامام، وهو قول الشافعى، واليه ذهب أحمد فى إحدى الروايتين عنه.
ومنها خمسون فى رواية عن أحمد. والراجح عندى ما ذهب اليه أهل الظاهر أنه تصح الجمعة باثنين، لأنه
لميقم دليل على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت الجماعة فى سائر الصلوات باثنين ، ولافرق بينها وبين الجمعة
فى ذلك، ولم يأت فص من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا. قال الشوكانى: الجمعة
يعتبر فيها الاجتماع، وهو لا يحصل بواحد. وأما الاثنان فبإنضمام أحدهما إلى الآخر يحصل الاجتماع. وقد
أطلق الشارع اسم الجماعة عليهما ، فقال الاثنان فما فوقهما جماعة كما تقدم ، وقد انعقدت سائر الصلوات بهما
بالاجماع . والجمعة صلاة فلا تختص بحكم يخالف غيرما الا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر
فى غيرها. وقد قال عبد الحق: إنه لا يثبت فى عدد الجمعة حديث، وكذلك قال السيوطى: لم يثبت فى شىء من
الأحاديث تعيين عدد مخصوص - انتهى. واختلفوا أيضاً فى محل اقامة الجمعة، فقال أبو حنيفة وأصحابه:
لا تصح الا فى مصر جامع، وذهب الأئمة الثلاثة الى جوازها وصحتها فى المدن والقرى جميعاً. واستدل
لأبى حذيفة بما روى عن على مرفوعا: لا جمعة ولا تشریق الا فى مصر جامع. وقد ضعف أحمد ، وغيره رفعه،
وصحح ابن حزم، وغيره وقفه، وللاجتهاد فيه مسرح ، فلا ينتهض للاحتجاج به فضلا عن أن يخصص به عموم
الآية أو يقيد به اطلاقها مع أن الحنفية قد تخبطوا فى تحديد المصر الجامع وضبطه على أقوال كثيرة متباينة
متناقضة متخالفة جداً، كما لا يخفى على من طالع كتب فروعهم. وهذا يدل على أنه لم يتعين عندهم معنى الحديث.
والراجح عندنا ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من عدم اشتراط المصر وجوازها فى القرى لعموم الآية واطلاقها،
وعدم وجودما يدل على تخصيصها ، ولايد لمن يقيد ذلك بالمصر الجامع أن يأتى بدليل قاطع من كتاب أو سنة
متواترة أو خبر مشهور بالمعنى المصطلح عند المحدثين، وعلى التنزل بخبر واحد مرفوع صريح صحيح يدل على
التخصيص بالمصر الجامع . ويدل أيضاً على شرعيتها فى القرى ماروى البخارى وغيره عن ابن عباس أن أول
جمعة جمعت بعد جمعة فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مسجد عبدالقيس بجوائى قرية من قرى البحرين.
كذا فى رواية وكيع عند أبي داود، وكذا للاسماعيلى. وهذا أولى من قول البكرى وغيره. إنها مدينة، لأن
ما ثبت فى نفس الحديث أصح مع احتمال أن تكون فى أول قرية ثم صارت مدينة. وأما ما حكى الجوهرى
والزمخشرى والجزرى أن جواثى أسم حصن بالبحرين فلا ينافى كونها قرية . والظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا
إلا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية فى زمن نزول
الوحى، ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن ، كما استدل جابر وأبو سعيد على جواز العزل ، فانهم
١
٤٥٠
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣ - باب وجوبها
فعلوه، والقرآن ينزل، فلم ينهوا عنه، ولم يثبت برواية فوية أو ضعيفة أنه أسلم أهل قرية قبل عبد القيس. ومن
ادعى ذلك فعليه البيان. قال الحافظ فى شرح حديث ابن عباس المذكور: فيه إشعار بتقدم اسلام عبد القيس على
غيرهم من أهل القرى وهو كذلك، كما قررته فى أواخر كتاب الايمان ، وقال فيه فى شرح حديث عبد القيس ،
ما لفظه: فيه دليل على تقدم اسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة ، وكانت مساكن
عبد القيس بالبحرين وما والاهامن أطراف العراق. ويدل على سبقهم إلى الاسلام أيضاً مارواه المصنف (يعنى
البخارى) فى الجمعة عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت الخ ، قال وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم اليهم
فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الاسلام ـ انتهى مختصراً. ويدل عليه أيضاً ما روى البيهقى فى المعرفة
أن النبى صلى الله عليه وسلم حين ركب من بنى عمرو بن عوف فى هجرته إلى المدينة مر على بنى سالم ، وهى قرية
بين قبا والمدينة، فأدركته الجمعة فصلى فيهم الجمعة وكانت أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
قدم، وما روى ابن أبى شيبة وابن حزم عن عمر أنه كتب إلى أهل البحرين أن جمعوا حيثما كنتم. قال الحافظ :
وهذا يشمل المدن والقرى ، وما روى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون
فلا يعيب عليهم. وذكره ابن حزم بلفظ: فلا ينهاهم عن ذلك. وروى البيهقى (ج ٣ ص ١٧٨ ) من طريق
الوليد بن مسلم سألت الليث بن سعد فقال: كل مدينة أو قرية فيها جماعة أمروا بالجمعة ، فإن أهل مصر وسواحلها
كانوا يجمعون الجمعة على عهد عمر وعثمان بأمرهما، وفيهما رجال من الصحابة. واختلفوا أيضاً أنه إذا
وجبت الجمعة فى موضع بشرائطها فعلى من يجب شهودها من أهل ذلك الموضع، ومن كان فى حواليه ، فقالت
طائفة: تجب الجمعة على من آواه الليل إلى أهله واستدلوا لذلك بحديث أبى هريرة ، الذى فرغنا من شرحه، وقد
عرفت أنه ضعيف جداً. وقالت طائفة: إنها تجب على من سمع النداء حقيقة أوحكما. واستدلوا لذلك بحديث
عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم، وقد تقدم أنه أيضاً ضعيف. وقالت طائفة: تجب على من بينه وبين المنار
ثلاثة أميال . أما من هو فى البلد فتجب عليه ولو كان من المنار على ستة أميال . وقالت طائفة: تجب على أهل
المصر، ولا تجب على من كان خارج المصر، سمع النداء أو لم يسمع. وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا فى مصر. /
جامع أو فيما هو فى حكمه كمصلى العيد. قال ابن الهمام: ومن كان من توابع المصر فحكمه حكم أهل المصر فى
وجوب الجمعة عليه. واختلفوا فيه، فعن أبى يوسف إن كان الموضع يسمع فيه النداء من المصر فهو من توابع
المصر، وإلا فلا. وعنه أنها تجب فى ثلاثة فراسخ. وقال بعضهم: قدر ميل. وقيل: قدر ميلين. وقيل: سنة
أميال. وقيل: إن أمكنه أن يحضر الجمعة ويبيت بأهله من غير تكلف تجب عليه الجمعة ، وإلا فلا . قال فى
البدائع: وهذا أحسن - انتهى. والراجح عندى: أنه لا يشترط سماع الأذان فى المصر، وكذا فى القرية
٤٥١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣ - باب وجوبها
١٣٨٨ - (٩) وعن طارق بن شهاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجمعة حق واجب
على كل مسلم فى جماعة، الا على أربعة: عبد ملوك
الكبيرة. وأما من كان خارج المصر والقرية الكبيرة من أهالى القرى الصغيرة القريبة أو البعيدة فلا يجب عليهم
الشهود فى المصر أو القرية الكبيرة للجمعة ، بل لهم أن يقيموا الجمعة فى مساكنهم لوجوب الجمعة عليهم أهموم
قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله - ٦٢: ٩) ولعدم ما يدل على وجوب
الإتيان إلى المصر للجمعة على من كان فى حواليه. وارجع لمزيد التفصيل إلى عون المعبود (ج ١ ص ٤١٣
- ٤١٦) وقد ألف عداءنا رسائل عديدة فى مسئلة إقامة الجمعة فى القرى، وبسطوا الكلام فيها فى الرد على
الحنفية، فعليك أن تراجع هذه الرسائل .
١٣٨٨ - قوله (وعن طارق بن شهاب) بن عبد شمس البجلى الأحمسى أبو عبد الله الكوفى أدرك
الجاهلية، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع منه شيئا قال أبو حاتم: ليست له صحبة، والحديث الذى رواه
مرسل. قال الحافظ فى الاصابة: اذا ثبت أنه لقى النبى صلى الله عليه وسلم فهو صحابي على الراجح، واذا ثبت أنه
لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابى، وهو مقبول على الراجح. وقد أخرج له النسائى عدة أحاديث. وذلك
مصير منه الى إثبات صحبته. وأخرج له أبو داود حديثا واحدا، وقال: طارق رأى النبي صلى الله عليه وسلم،
ولم يسمع منه شيئا - انتهى. وقال ابن الأثير فى جامع الأصول: رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وليس له سماع منه
إلاشاذا ، ذكره ابن الترکانی فی الجوهر النقي، والمصنف فى رجال المشكاة . غزا طارق فی خلافة أبيبكر وعمر ثلاثا
وثلاثين أو أربعا وثلاثين غزوة، ومات سنة (٨٢ أو ٨٣ أو ٨٤) (الجمعة) أى صلاتها (حق واجب) أى فرض
مؤكد (على كل مسلم) فيه دليل على أن صلاة الجمعة من فروض الأعيان، ورد على من قال بأنها فرض كفاية
(فى جماعة) لأنها لا تصح إلا بجماعة بالإجماع، وإنما اختلفوا فى العدد المخصوص الذى تحصل به، كما تقدم (إلا
على أربعة عبد ملوك) بالجر على أنه عطف بيان للأربعة، قال القارى: وفى بعض النسخ برفع عبد وما بعده على
أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو هم. و((أو)) بمعنى الواو. قال الطيبي: ((إلا) بمعنى غير، وما بعده مجرور صفة
لمسلم أى على كل مسلم غير عبد ملوك الخ وقال ابن حجر: الأحسن جعله استثناء من واجب على كل مسلم.
والتقدير إلا أنها لا تجب على أربعة. ولفظ أبي داود: إلا أربعة عبد مملوك أى باسقاط لفظ ((على)). قال السيوطى:
وقد يستشكل (أىقوله عبد مملوك الخ بصورة المرفوع) بأن المذكورات عطف بيان لأربعة، وهو منصوب،
لأنه استثناء من موجب. والجواب أنها منصوبة لا مرفوعة، وكانت عادة المتقدمين أن يكتبوا المنصوب
٤٥٢
١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣- باب وجوبها
أو امرأة، أو صبى، أو مريض. رواه أبو داود.
بغير (ألف) ويكتبوا عليه تنوين النصب، ذكره النووى فى شرح مسلم. قال السيوطى ورأيته أنا فى كثير من
كتب المتقدمين المعتمدة، ورأيته فى خط الذهبى فى مختصر المستدرك. وعلى تقدير أن تكون مرفوعة أعرب خير
مبتدأ - انتهى. وقوله: ((عبد مملوك)) فيه دليل على أن الحرية شرط لوجوب الجمعة، وأن الجمعة غير واجبة.
على العبد ، وهو متفق علیه إلا عند داود ، فقال بوجوبها علیه لدخوله تحت عموم الخطاب فى قوله: ﴿يا أيها
الذين آمنوا إذا نودي للصلاة ٦٢: ٩) الخ، وأجيب عنه بأنه خصصته الأحاديث وإن كان فيها مقال، فانه يقوى
بعضها بعضا (أو إمرأة) فيه أن الذكورة من شرائط وجوب الجمعة، وأن الجمعة لا تجب على المرأة، وهو مجمع
عليه. وقال الشافعى : يستحب للعجائز حضورها باذن الزوج (أو صبى) فيه أن البلوغ شرط لوجوب الجمعة،
وهو متفق على أن لا جمعة على الصبى، وفى معناه المجنون (أو مريض) أى مرضا يشق معه الحضور عادة فيه أن
المريض لا تجب عليه الجمعة إذا كان الحضور يجلب عليه مشقة وهو يدل على أن صحة البدن من شرائط وجوب
الجمعة . قال البيهقى فى المعرفة: وعند الشافعى لا جمعة على المريض الذى لا يقدر على شهود الجمعة إلا بأن يزيد
فى مرضه ...... أو يبلغ به مشقة غير محتملة، وكذلك من كان فى معناه من أهل الأعذار - انتهى. وقال
ابن الهمام: الشيخ الكبير الذى ضعف يلحق بالمريض، فلا يجب عليه - انتهى. وقد ألحق أبو حنيفة الأعمى
بالمريض وإن وجد قائدا لما فى ذلك من المشقة، ولأن القادر بقدرة الغير غير قادر عنده، وقال الشافعى وأبو يوسف
ومحمد: إنه غير معذور إن وجد قائدا، فيجب عليه عندهم عند تيسر القائد (رواه أبو داود) وقال طارق: قد
رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئا، قال ابن الهمام: وليس هذا قدحا فى صحبته ولا فى الحديث،.
بل بيان للواقع - انتهى. والحديث أخرجه أيضا البيهقى فى السنن (ج ٣ ص ١٧٢، ١٨٣) والدار قطنى
(ص ١٦٤) وأخرجه الحاكم (ج١ ص ٢٨٨) والبيهقى فى المعرفة من حديث طارق المذكور عن أبى موسى.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ فى التلخيص: وصححه غير واحد . وقال
الخطابى فى المعالم (ج ١ ص ٢٤٤): ليس إسناد هذا الحديث بذلك، وطارق بن شهاب لا يصح له سماع من
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه قد لق النبي صلى الله عليه وسلم - انتهى. قال العراقى: فإذا قد ثبتت صحبته
فالحديث صحيح. وغايته أن يكون مرسل صحابى، وهو حجة عند الجمهور، إنما خالف فيه أبو اسحاق الاسفراينى،
بل ادعى بعض الحنفية الاجماع على أن مرسل الصحابى حجة - انتهى. وبنحو هذا قال النووى فى شرح المهذب
(ج ٤ ص ٤٨٣)، وفى الخلاصة، قلت: وقد اندفع الاعلال بالارسال بما فى رواية الحاكم من ذكر أبى موسى
على أن الحديث شواهد ذكرها الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢ ص ١٧٠) والشوكانى فى النيل (ج ٣ ص ١٠٣)
والزيلعى فى نصب الراية (ج٢ ص١٩٩) فمنها حديث جابر عند الدار قطنى (ص ١٦٤)، والبيهقى (ج ٣ ص١٨٤)
٤٥٣
1
:
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣ - باب و جو بها
١٣٨٩ - (١٠) وفى شرح السنة بلفظ المصابيح عن رجل من بنى وائل.
( الفصل الثالث ).
١٣٩٠ - (١١) عن ابن مسعود، أن النبى مَّثم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر
وجلا يصلى بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم.
وهو آخر حديث الباب، وسيأتى الكلام فيه. ومنها حديث تميم الدارى عند العقيلى والحاكم أبى أحمد
والبيهقى ( ج ٣ ص ١٨٣) والطبرانى و ابن أبى حاتم فى العلل (ج ١ ص ٢١٢) قال ابن القطان: فيه أربعة
ضعفاء على الولاء. قلت فيه الحكم بن عمرو، وقد ضعفه النساقى وغيره ، وضرار بن عمرو الملطى، وهو متروك
وأبو عبد الله الشامى ضعفه الأزدى. ومنها حديث ابن عمر عند الطبرانى فى الأوسط والبيهقى (ج٣ ص ١٨٤)
وفيه أبو البلاد: قال أبو حاتم: لا يحتج به . ومنها حديث أبى هريرة ، أخرجه الطبر انى فى الأوسط بلفظ: خمسة لا
جمعة عليهم: المرأة والمسافر والعبد والصبى وأهل البادية. وفيه ابراهيم بن حماد ضعفه الدار قطنى. قال فى النهاية:
إن البادية تختص بأهل العمد والخيام دون أهل القرى والمدن. ومنها حديث مولى لآل الزبير، أخرجه البيهقى
(ج ٣ ص ١٨٤) ومنها حديث أم عطية، أخرجه البيهقى وابن خزيمة بلفظ: نهينا عن اتباع الجنائز، ولا
جمعة علينا .
١٣٨٩ - (وفى شرح السنة) أى البغوى (بلفظ المصابيح عن رجل) متعلق بلفظ المصابيح، قاله الطبي
(من بنى وائل) لفظ المصابيح هكذا: ((تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صييا أو مملوكا أو مريضا .. ولفظ
شرح السنة على ما ذكره القارى: ((عن محمد بن كعب أنه سمع رجلا من بنى وائل يقول قال النبى صلى الله عليه وسلم:
تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صبى أو مملوك)) ورواه طارق بن شهاب عن النبى صلى الله عليه وسلم
وزاد : أو مريض - انتهى . والحديث أخرجه البيهقى فى السنن (ج ٣ ص ١٧٣) قال أخبرنا أبو بكر بن الحسن
القاضى وأبو زكريا بن أبى إسحاق قالا ثنا أبو العباس الأصم أنبأ الربيع بن سليمان أنبأ الشافعى أنبأً ابراهيم بن محمد
حدثنى سلمة بنت عبد الله الخطمى عن محمد بن كعب أنه سمع رجلا من بنى وائل يقول قال النبى صلى الله عليه
وسلم فذكر بلفظ شرح السنة سواء. وفيه ابراهيم بن محمد بن أبى يحمي الأسلى، وقد تقدم الكلام فيه .
١٣٩٠ - قوله (قال لقوم) أى فى شأنهم (ثم أحرق) بالنصب من الاحراق أو من التحريق (على
رجال يتخلفون) أى من غير عذر (عن الجمعة) أى عن إتيان صلاة الجمعة (بيوتهم) مفعول ((لأحرق)). والمعنى
لقد قصدت أن أستخلف رجلا ليؤم الناس ، ثم أذهب أنا الى المتخلفين من غير علة ، فأحرق بيوتهم أى ما فى
٤٥٤
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٣ - باب وجوبها
رواه مسلم.
١٣٩١ - (١٢) وعن ابن عباس، أن النبى تَفي قال: من ترك الجمعة عن غير ضرورة، كتب منافقا
فی کتاب لا يمحى ولا يبدل - وفى بعض الروايات - ثلاثا. رواه الشافعى.
١٣٩٢ - (١٣) وعن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر، فعليه الجمعة يوم الجمعة، الا مریض، أو مسافر، أو امرأة، أو صبى،
أو ملوك. فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى اللّه عنه،
بيوتهم من أنفسهم ومتاعهم عليهم . وفى هذا من الوعيد ما لا يوصف. فإن قلت كيف يترك الفرض ويشتغل بهم؟
قلت : لا يلزم من الاستخلاف ترك فرض الجمعة مطلقا، فإنه يتصور تكرارها . قال ابن الهمام: قال السرخسى:
الصحيح من مذهب أبي حنيفة جواز اقامتها فى مصر واحد فى مسجدين وأكثر. وبه نأخذ لاطلاق لا جمعة إلا
فى مصر، فإذا تحقق تحقق فى كل منها . قال ابن الهمام: وهو الأصح فارتفع الاشكال من أصله كذا فى المرقاة . .
والحديث دليل على أن الجمعة من فروض الأعيان (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والبيهقى (ج٣ ص ١٧٢)
والحاكم (ج ١ ص ٢٩٢) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه هكذا إنما خرجا بذكر العتمة وسائر
الصلوات - انتهى. وهذا وهم من الحاكم، فإن الحديث أخرجه مسلم يذكر الجمعة صريحا .
١٣٩١ - قوله (من ترك الجمة) أى صلاتها (من غير ضرورة) بفتح الضاد أى من غير علة وعذر
كالمطر والمرض والوحل ونحوها ( كتب منافقا) وعيد شديد (فى كتاب لا يمحى) أى ما فيه (ولا يبدل)
بالتشديد ويخفف أى لا يغير بغيره ما لم يتب. وقيل: أو ما لم يتصدق (وفى بعض الروايات ثلاثا) أى قال من ترك
الجمعة ثلاثا (رواه الشافعی) فی کتاب الأم (ج١ ص ١٨٤).
١٣٩٢ - قوله (فعليه الجمعة) أى يجب عليه صلاة الجمعة (يوم الجمعة) ظرف الجمعة (أو مسافر)
فلا يجب عليه حضورها وهو يحتمل أن يراد به مباشر السفر أى السائر. وأما النازل فيجب عليه ولو نزل بمقدار
الصلاة. وإليه ذهب جماعة، منهم الزهرى والنخعى ، وقيل: لا تجب عليه، لأنه داخل فى لفظ المسافر. واليه
ذهب الجمهور، وهو الأقرب والأشبه ، لأن أحكام السفر باقية له من القصر ونحوه (أو امرأة أوصى مملوك)
قال الطبى : رفع على الاستثناء من الكلام الموجب على التأويل أى من كان يؤمن فلا يترك الجمعة الا مريض،
فهو بدل من الضمير المستكن فى يترك الراجع الى من (فمن استغنى بلهو أو تجارة) أى عن طاعة الله (استغنى اللّه عنه)
٤٥٥
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٤ - باب التنظيف والتبكير
والله غنى حميد. رواه الدارقطنى.
(٤٤) باب التنظيف والتبكير
# ( الفصل الأول ):
١٣٩٣ - (١) عن سلمان، قال: قال رسول اللّه تَع: لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر
ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته،
أى فليعلم أن الله مستغن عنه وعن عبادته وعن جميع عباده، وإنما أمرهم بالعبادة ليتشرفوا بالطاعة (والله غنى)
بذاته (حميد) محمود فى جميع صفاته، سواء حمد أو لم يحمد، أو غنى عن العباد وطاعتهم. لا يعود نفعها اليه، حميد
أى حامد لمن أطاعه يثنى عليه ويشكره باعطاء الجزيل على العمل القليل. وفى الحديث إشارة إلى قوله تعالى ﴿ وإذا
وأو تجارة أو لهوا انفضوا اليها وتركوك قائما، قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين
٦٢: ١١) (رواه الدار قطنى) (ص ١٦٤) وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٣ ص ١٨٤) وفيه ابن لهيعة، وهو
متكلم فيه، ومعاذ بن محمد الأنصارى شيخ لابن لهيعة لا يعرف. كذا ذكر الذهبي، قاله فى الجوهر النقى. وقال
الحافظ فى اللسان: ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال ابن عدى: سكر الحديث، ثم أخرج له من رواية ابن لهيعة
عنه عن أبى الزبير عن جابر رفعه فى الجمعة ، وقال معاذ: غير معروف . وروى الطبرانى فى الأوسط من حديث
أبى سعيد الخدرى بمعناه. وفيه على بن يزيد الأهانى .
(باب التنظيف) أى تطهير الثوب والبدن من الوسخ والدرن، ومن كماله التدهين والتطيب (والتبكير)
فى النهاية : بكر بالتشديد ، أتى الصلاة فى أول وقتها ، وكل من أسرع إلى شىء فقد بكر اليه.
١٣٩٣ - قوله (لا يغتسل) بالرفع (ويتطهر ما استطاع من طهر) بالتفكير البالغة فى التنظيف، أو المراد
به التنظيف بأخذ الشارب والظفر والعانة والايط ، أو المراد بالغسل غسل الجسد، وبالتطهير غسل الرأس
وتنظيف الثياب (ويدهن من دهنه) بتشديد الدال بعد المثناة التحتية من باب الافتعال أى يطلى بالدهن ليزيل شعث
رأسه ولحيته به. وفيه إشارة إلى التزين يوم الجمعة (أو يمس) بفتح الياء والميم (من طيب بيته) أى إن لميحد دهنا.
أو ((أو)) بمعنى الواو، فلا ينافى الجمع بينهما. وأضاف الطيب إلى البيت إشارة إلى أن السنة أن يتخذ المرأ لنفسه
طيا، ويجعل استعماله له عادة ، فيدخره فى البيت. كذا قال الطبى بناء على أن المراد بالبيت حقيقته، لكن فى
٤٥٦
١
:
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٤ - باب التنظيف والتبكير
ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلى ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الامام، إلا غفر له ما ينه
وبين الجمعة الأخرى .
حديث عبدالله بن عمرو عند أبى داود: أو يمس من طيب امرأته، فعلى هذا فالمعنى إن لم يتخذ لنفسه طيبا فليستعمل
من طيب أمرأته، وهو موافق لحديث أبى سعيد عند مسلم: ولو من طيب المرأة . وفيه أن بيت الرجل يطلق ،
ويراد به امرأته، ذكره الحافظ فى الفتح. وقال القارى: المراد بقوله من طيب بيته حقيقة بيت الرجل، وهو أعم
من أن يكون متزوجا أو عزبا، ولا ينافيه من طيب امرأته، لأن طيها غالبا من عنده. ويطلق عليه .... أنه
من طيب بيته ، فان الاضافة تصح لأدنى ملابسة . ولما كان طيبها غالبا متميزا عن طيب الرجل متعينا متينا لها
أشار عليه السلام أنه ينبغى أن يكون للرجل طيب مختص لاستعماله وأكد فى التطيب يوم الجمعة وبالغ حتى قال
ولو من طيب المرأة (ثم يخرج) أى إلى المسجد، كما فى حديث أبى أيوب عند ابن خزيمة. ولأحمد من حديث
أبى الدرداء: ثم يمشى، وعليه السكينة (فلا يفرق) بتشديد الراء المكسورة (بين اثنين) بالتخطى أو بالجلوس
بينهما، ففى حديث عبدالله بن عمرو المذكور: ثم لم يتخط رقاب الناس. وفى حديث أبى الدرداء: ولم يتخط أحدا
ولميؤذه، وهو كناية عن التبكير أی عليه أن یبکر فلا یتخطى رقاب الناس ولا یزاحم رجاین فیدخل بينهما، لأنه ربما
ضيق عليهما خصوصا فى شدة الحر واجتماع الأنفاس . قال الزين بن المنير : التفرقة بين اثنين تتناول القعود بينهما،
وإخراج أحدهما والقعود مكانه. وقد يطلق على مجرد التخطی وفى التخطی زیادة رفع رجلیه علی رؤسهما أو أ کتافهما،
وربما تعلق بثيابهما شىء مما برجليه. وفى الحديث كراهة التفرقة بين الاثنين. والأكثر على أنها كراهة تنزيه، وإختار
ابن المنذر التحريم ، وبه جزم النووى فى زوائد الروضة (ثم يصلى ما كتب له) أى قدر وقضى له من سنة الجمعة.
فيه أن الصلاة قبل الجمعة لا حد لها ، وأقله ركعتان تحية المسجد (ثم ينصت) بضم أوله من أنصت إذا سكت
سكوت مستمع (إذا تكلم الامام) أى شرع فى الخطبة. فيه أن من تكلم حال تكلم الامام لم يحصل له من الأجر
ما فى الحديث. وفيه دليل على جواز الكلام قبل تكلم الامام (إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) وفى
رواية: ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى . وفى رواية: حط عنه ذنوب ما بينه وبين الجمعة الأخرى. تأنيث الآخر
بفتح الخاء لا بكسرها. والمراد بها الجمعة التى مضت لما فى حديث أبى ذر عند ابن خزيمة، غفر له ما بينه وبين الجمعة
التى قبلها، ولابن حبان من حديث أبى هريرة: غفر له مابينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام من التى بعدها،
ولأبى داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة: كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التى قبلها. والمراد غفران الصغائر
لما زاده فى حديث أبى هريرة عند ابن ماجه: مالم تغش الكبائر. وذلك أن معنى هذه الزيادة أى فانها إذا غشيت
لا تكفر، وليس المراد أن تكفير الصغائر شرطه اجتناب الكبائر إذ اجتناب الكبائر بمجرده يكفر الصغائر كما
٤٥٧
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٤ - باب التنظيف والتبكير
رواه البخارى.
١٣٩٤ - (٢) وعن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اغتسل، ثم أتى
الجمعة فصلى ما قدر له،
نطق به القرآن فى قوله: ﴿ إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم - ٤: ٣١) أى نمح عنكم صغاركم .
ولا يلزم من ذلك أن لا يكفر الصغائر إلا اجتناب الكبائر، وإذا لم يكن امرأ صغائر تكفر رجى له أن يكفر عنه
بمقدار ذلك من الكبائر ، وإلا أعطى من الثواب بمقدار ذلك وقد تبين بمجموع ما ذكر من الغسل والتنظيف
إلى آخره أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما تقدم من غسل وتنظف وتطيب
أو دهن ولبس أحسن الثياب والمشى بالسكينة وترك التخطى والتفرقة بين الاثنين وترك الأذى والتنفل
والانصات وترك اللغو وفى حديث عبد الله بن عمرو: فمن تخطى أو لغا كانت له ظهراً. وفى الحديث مشروعية
النافلة قبل صلاة الجمعة لقوله: يصلى ما كتب له، ثم قال ثم ينصت اذا تكلم الامام . فدل على تقدم ذلك على
الخطبة، وقد بينه أحمد من حديث نبيشة الهذلى بلفظ: فإن لم يجد الامام خرج صلى ما بدأ له. واستدل به على أن
التبكير ليس من ابتداء الزوال، لأن خروج الامام يعقب الزوال، فلا يسع وقتاً يتنفل فيه (رواه البخارى)
وأخرجه أيضاً أحمد والنسائى والدارمى والبيهقى (ج ٣ ص ٢٤٢، ٢٤٣) ولفظ النسائى: ما من رجل يتطهر يوم
الجمعة كما أمر، ثم يخرج من بيته حتى يأتى الجمعة ، وينصت حتى يقضى صلاته إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة .
ورواه الطبرانى فى الكبير بإسناد حسن نحو رواية النسائى. وقال فى آخره: إلا كان كفارة لما بينه وبين الجمعة
الأخرى ما اجتنبت المقتلة، وذلك الدهر كله .
١٣٩٤ - قوله (من اغتسل) أى للجمعة لحديث: إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل، أو مطلقا. وفيه دلالة
على أنه لابد فى إحرازه لما ذكر من الأجر من الاغتسال إلا أن فى الرواية الآتية بيان أن غسل الجمعة سنة
وليس بواجب. وقيل: ليس فيها نفى الغسل، وقد ذكر الغسل فى الرواية الأولى، فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء
فى الرواية الثانية لمن تقدم غسله على الذهاب فاحتاج الى إعادة الوضوء (ثم أتى الجمعة) أى الموضع الذى تقام
فيه الجمعة، كما يدل عليه قوله (فصلى) أى من سنة الجمعة أو النوافل (ما قدر له) بتشديد الدال. فيه دليل على
مشروعية الصلاة قبل الجمعة، وأنه لا حد لها . وقد ورد فى سنة الجمعة التى قاما أحاديث أخرى ضعيفة . ذكرها
الحافظ فى الفتح (ج ٤ ص ٥٠٩)، والزيلعى فى نصب الراية (ج ٢ ص ٢٠٦، ٢٠٧). قال الحافظ: وأقوى
ما يتمسك به فى مشروعية ركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعا:
٤٥٨
١
١
١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤- كتاب الصلاة
٤٤ - باب التنظيف والتبكير
ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلى معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة
أيام. رواه مسلم.
١٣٩٥ - (٣) وعنه، قال: قال رسول اللّه عَّ: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة
فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام.
ما من صلاة مفروضة الا وبين يديها ركعتان. ومثله حديث عبد الله بن مغفل: بين كل أذانين صلاة (ثم أنصت
حتى يفرغ) أى الامام (من خطبته) قال النووى: قوله ((حتى يفرغ من خطبته)) هكذا هو فى الأصول من غير
ذكر الامام، وعاد الضمير اليه للعلم به وإن لم يكن مذكوراً (ثم يصلى معه) بالرفع عطفا على (( ثم أنصت)). وفيه
دليل على أن النهى عن الكلام أبما هو حال الخطبة لابعد الفراغ منها ولو قبل الصلاة، فانه لانهى عنه، كما دلت عليه
· حتى)) (غفر له ما بينه) أى ذنوب ما بينه (وبين الجمعة الأخرى) أى الماضية لا المستقبلة (وفضل ثلاثة أيام)
أى من التى تلى بعدها و«فضل» مرفوع عطفاً بالواو بمعنى مع على ما فى ما بينه أى بين يوم الجمعة الذى فعل فيه
.اذكر مع زيادة ثلاثة أيام على السبعة، أى وغفرت له ذنوب ثلاثة أيام مع السبع لتكون الحسنة بعشر أمثالها. وجوز
الجر فى «فضل» للعطف على الجمعة، والنصب على المفعول معه. قال النووي: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة
أيام أن الحسنة بعشر أمثالها، وصار يوم الجمعة الذى فعل فيه هذه الأفعال الجميلة فى معنى الحسنة التى تجعل بعشر
أمثالها . والمراد بما بين الجمعتين من صلاة الجمعة وخطبتها الى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية حتى تكون سبعة
أيام بلا زيادة ولا نقصان، ويضم اليها ثلاثة، فتصير عشرة. قال ابن حجر: لا ينافى ما قبله، لأنه عليه الصلاة
والسلام كان أخبر بأن المغفور ذنوب سبعة أيام ثم زيد له ثلاثة أيام، فأخبر به إعلاماً بأن الحسنة بعشر أمثالها
(رواه مسلم) وأخرج البيهقى (ج ٣ ص ٢٤٣) نحوه .
١٣٩٥ - قوله (من توضأ) قد استدل به على أن غسل الجمعة سنة. قال القرطبى: ذكر الوضوء وما معه
مرتبا عليه الثواب المقتضى للصحة ، فدل على أن الوضوء كاف ، وقد تقدم الجواب عنه آنفاً (فأحسن الوضوء)
أى أتى بمكلاته من سننه ومستحباته. قال النووى: معنى إحسان الوضوء الاتيان به ثلاثا ثلاثا، وذلك الأعضاء
وإطالة الغرة، والتحجيل، وتقديم الميامن، والاتيان بسننه المشهورة (ثم أتى الجمعة) أى أتى المسجد لصلاة الجمعة.
وقال القارى: أى حضر خطبتها وصلاتها (فاستمع وأنصت) أى سكت للاستماع، قاله السندى. وقال الرازى
فى تفسيره: الانصات سكوت مع استماع. ومتى انفك أحدهما عن الآخر لا يقال له إنصات. وقال العينى فى
شرح البخارى: الانصات هو السكوت مع الاصغاء - انتهى. (غفر له ما بينه وبين الجمعة) السابقة وهى سبعة أيام
٤٥٩
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤٤ - باب التنظيف والتبكير
ومن مس الحصا فقد لغا. رواه مسلم
١٣٩٦ - (٤) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذا كان يوم الجمعة، وقفت الملائكة
على باب المسجد، يكتبون الأول، فالأول، ومثل المهجر
بناء على أن الحساب من وقت الصلاة الى مثله من الثانية فبزيادة ثلاثة أيام تم عشرة (ومن مس الحصى) أى
لتسويتها سواء مسها فى الصلاة أو قبلها بطريق اللعب فى حال الخطبة (فقد لغا) أى ومن لغا فلا جمعة له، كما جاء.
والمراد أنه يصير محروماً من الأجر الزائد. قال النووى: فيه النهى عن مس الحصى وغيره من العبث فى حال
الخطبة . وفيه اشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة. والمراد باللغو ههنا الباطل المذموم المردود- انتهى
(رواه مسلم) وأخرجه أيضاً الترمذى وأبو داود وابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ٢٢٣).
١٣٩٦ - قوله (إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة) هم غير الحفظة ، كما يدل عليه الأحاديث الواردة فى
فضل التبكير . والمعنى أنهم يستمرون من طلوع الفجر وهو أول اليوم شرعا أو من طلوع الشمس، وهو أول النهار
العرفى، أو من ارتفاع النهار، أو من حين الزوال. قال القارى: وهو أقرب، ورجحه أيضاً الشاه ولى الله
الدهلوى فى المسوى شرح الموطأ (ج١ ص ١٥٠) واليه مال الشوكانى، وبه قالت المالكية، وهو وجه الشافعية
والأول هو ظاهر كلام الشافعى، وصححه النووى والرافعى وغيرهما. والثانى أيضاً وجه الشافعية. والراجح
عندى هو الثالث ، وقد اختاره ابن رشد فى البداية، وسيأتى بسط الكلام فى ذلك (على باب المسجد) وعند ابن
خزيمة على كل باب من أبواب المسجد ملكان يكتبان الأول فالأول . قال الحافظ: فكان المراد بقوله , على باب
المسجد ، ههنا جنس الباب ، ويكون من مقابلة المجموع بالمجموع. قلت: وفى رواية للشيخين، إذا كان يوم الجمعة
كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة. وفى أخرى لمسلم: على كل باب من أبواب المسجد ملك يكتب. وفى
رواية للنسائى : تقعد الملائكة على أبواب المسجد. وكذا فى حديث أبي أمامة عند أحمد والطبرانى، وحديث على
وأبى سعيد عند أحمد (يكتبون الأول فالأول) قال الطيبي: أى الداخل الأول. والفاء فيه، و((ثم)) فى قوله:
((ثم كالذى يهدى بقرة)) كلتاهما لترتيب النزول من الأعلى إلى الأدنى، لكن فى الثانية تراخ ليس فى الأولى -
انتهى . قال القسطلانى قال فى المصابيح نصب (أى الأول) على الحال، وجاءت معرفة، وهو قليل (ومثل المهجر)
بضم الميم وتشديد الجيم المسكورة، إسم فاعل من التهجير أى صفة المبكر إلى الجمعة. فالمراد بالتهجير التبكير أى
المبادرة إلى الجمعة بعد الصبح . وقيل: المراد الذى يأتى فى الهاجرة أى عند شدة الحرقرب نصف النهار ، فيكون
دليلا المالكية فى قولهم : إن الساعات من حين الزوال، وإن الذهاب إلى الجمعة بعد الزوال لاقبله ، لأن التهجير هو
٤٦٠