النص المفهرس
صفحات 381-400
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
قال الحافظ: وهذا الذى قاله هو الأشهر. ومنهم من عبر ذلك باثنى عشر ألف قدم بقدم الانسان. وقيل: هو
أربعة آلاف ذراع. وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع. وقيل: وخمس مائة صححه ابن عبد البر. وقيل غير ذلك،
وقد عقد البخارى فى صحيحه ترجمة أورد فيها ما يدل على أن اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة ، كما هو
مختار الأئمة الثلاثة، واختاره أيضا الشاه ولى الله الدهلوى وهو مروى عن ابن عباس وابن عمر. وقال
أبو حنيفة أقل مسافة القصر مسيرة ثلاثة أيام ولياليها ، ولا يشترط السفر كل يوم ، بل إلى الزوال ، لأنهم جعلوا
النهار للسير والليل للاستراحة، ولا اعتبار بالفراسخ على أصل مذهبه، لكن المتأخرين قدروا ذلك بالفراخ
تسهيلا، ففى البحر عن النهاية الفتوى على ثمانية عشر فرسخا. وفى المجتبى فتوى أكثر أئمة خوارزم على خمسة
عشر فرسخا ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل عند القدماء منهم ثلاثة آلاف ذراع، وعند المتأخرين أربعة آلاف
ذراع، والذراع عند الأولين اثنان وثلاثون إصبعا وعند الآخرين أربع وعشرون إصبعا، والاصبع عند الكل
ست شعيرات مضمومة البطون إلى الظهور، وكل شعيرة مقدار ست شعور من ذنب الفرس التركى.
والراجح عندى ما ذهب اليه الأئمة الثلاثة أنه لا يقصر الصلاة فى أقل من ثمانية وأربعين ميلا بالهاشمى.
وذلك أربعة برد أى ستة عشر فرسخا ، وهى مسيرة يوم وليلة بالسير الحثيث. وذهب أكثر علماء أهل الحديث
فى عصرنا إلى أن مسافة القصر ثلاثة فراسخ مستدلين لذلك بحديث أنس المتقدم فى كلام الحافظ ومال ابن قدامة
إلى قول الظاهرية أنه يجوز القصر فى كل سفر قصيرا كان أو طويلا حيث قال بعد الرد على أقوال الأئمة الأربعة:
والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه. وأما السفر الذى يجوز فيه القصر
فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: الأول أنه تقصر فى كل سفر من غير تفصيل طاعة أو معصية، مباح أو قربة،
مكروه أو مندوب، قاله أبو حنيفة وأصحابه اعتبار الاطلاق ظاهر لفظ السفر. والثانى لا يجوز إلا فى سفر قربة
اختاره أحمد فى أحد قوليه. والثالث لا يجوز إلا فى مباح، قاله مالك فى المشهور من قوليه والشافعى قولا
واحدا وهو المنصوص عن أحمد، كما فى المغنى، وكره مالك القصر لمن خرج متصيد اللهو. وأما من كان معاشه
فيقصر، والراجح عندى هو القول الثانى أنه لا يقصر المسافر إلا أن يكون سفره فى طاعة وقربة أو فيما
أباح الله له، قال ابن قدامة: لأن الترخص شرع للإعانة على تحصيل المقصد المباح توصلا إلى المصلحة،
فلو شرع ههنا لشرع إعانة على المحرم تحصيلا الفسدة ، والشرع منزه عن هذا ، والنصوص وردت فى حق الصحابة ،
وكانت أسفارهم مباحة ، فلا يثبت الحكم فى من سفره مخالف لسفرهم، ويتعين حمله على ذلك جمعا بين النصين ..
وقياس المعصية على الطاعة بعيد لتضادهما. وأما الموضع الذى يبدأ منه المسافر بقصر الصلوة، فقال ابن قدامة
١
٣٨١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
الفصل الأول )
١٣٤٢ - (١) عن أنس: أن رسول اللّه يَّ صلى الظهر بالمدينة أربعا، وصلى العصر بذى الحليفة
ركعتين. متفق عليه.
ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت مصره أو قريته ويخلفها وراء ظهره، قال وبه قال مالك والأوزاعى
وأحمد والشافعى وأبو اسحاق وأبو ثور. وعن عطاء أنه كان يبيح القصر فى البلد لمن نوى السفر وعن الحارث
ابن أبى ربيعة أنه أراد سفرا، فصلى بالجماعة فى منزله ركعتين وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب
عبد الله وعن عطاء أنه قال إذا دخل عليه وقت صلاة بعد خروجه من منزله قبل أن يفارق بيوت المصر يباح له
القصر - انتهى مختصرا. وفى رواية عن مالك أنه قال: لا يقصر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون منها بنحو
ثلاثة أميال، وبقول الجمهور قال أبو حنيفة وأصحابه وهو الراجح، لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقصر
فى سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة، ولأن الرجل لا يكون ضاربا فى الأرض حتى يخرج
وأما الزمان الذى يجوز للمسافر إذا أقام فيه فى بلد أن يقصر فاختلفوا فيه جدا إلا أن الأشهر منها أربعة
أقوال: أحدها مذهب مالك والشافعى: أنه إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتم ، والثانى مذهب أبى حنيفة
والثورى أنه اذا أزمع على اقامة خمسة عشر يوما أتم. والثالث مذهب أحمد وداود: أنه إذا ازمع على أكثر من
أربعة أيام أتم. والرابع مذهب اسحاق بن راهويه: انه اذا ازمع على أكثر من تسعة عشر يوما أتم . فسدة
القصر عند مالك والشافعى ثلاثة أيام غير يومى الدخول والخروج، وعند أبي حنيفة أربعة عشر يوما، وعند
أحمد أربعة أيام وعند اسحاق تسعة عشر يوما. والراجح عندى: ما ذهب إليه أحمد والله تعالى أعلم.
١٣٤٢ - قوله (صلى الظهر بالمدينة) أى فى اليوم الذى أراد فيه الخروج إلى مكة للحج أو العمرة
(أربعا) أى أربع ركعات (وصلى العصر يذى الحليفة) بضم المهملة وفتح اللام، تصغير حلفة. و((ذو الحليفة))
«وضع على ثلاثة أميال من المدينة على الأصح، وهو ميقات أهل المدينة المشهور الآن ببئر على (ركعتين) قصرا
لأنه كان فى السفر. والحديث دليل على أن من أراد السفر لا يقصر حتى يبرز من البلد، لأن النبى معَة لم يقصر حتى
حرج من المدينة. واستدل به على استباحة قصر الصلاة فى السفر القصير، لأن بين المدينة وذى الحليفة ثلاثة
أميال. وقيل: ستة أميال. وقيل: سبعة. وتعقب بأن ذا الحليفة لم تكن منتهى السفر وغايته، وإنما خرج
اليها حيث كان قاصدا مكة فأتفق نزوله بها ، وكانت أول صلاة حضرت بها العصر فقصرها، واستمر يقصر إلى
أن رجع (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والبيهقى (ج ٣ ص ١٤٥، ١٤٦).
٣٨٢
١
----
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
١٣٤٣ - (٢) وعن حارثة بن وهب الخزاعى، قال: صلى بنا رسول اللّه تمثل ونحن أكثر ما كنا
قط وآمنه بمعا، ركعتين.
١٣٤٣ - قوله (وعن حارثة) بالحاء المهملة والمثلثة (بن وهب) بفتح الواو وسكون الهاء (الخزاعى)
بضم الخاء المعجمة ، نسبة إلى خزاعة وحارثة هذا أخو عبيد الله بن عمر الخطاب لأمه، صحابى نزل الكوفة ،
وكان عمر زوج أمه أم كلثوم بنت جرول بن المسيب الخزاعية (صلى بنا رسول اللّه مؤثّم، ونحن أكثر ما كنا)
برفع ((أكثر)) على أنه خبر نحن، و ((ما) مصدرية، ومعناه الجمع، لأن ما أضيف اليه أفعل التفضيل يكون
جمما (قط) بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة فى أفصح اللغات، ظرف بمعنى الدهر والزمان، متعلق بـ((كنا))،
ويختص بالماضى المنفى فى الغالب الشائع وربما استعمل بدون النفى، كما فى هذا الحديث وله نظائر (وآمنه) بالرفع
عطف على ((أكثر))، وقط مقدر ههنا، والضمير فيه راجع إلى ((ما كنا)، والواو فى (( ونحن)) الحال المعترضة
بين ((صلى)) ومعموله وهو (بمنا) بكسر الميم والألف، منصرفا وفى بعض النسخ: بمنى بالياء غير منصرف، وهو
يذكر ويؤنث، فإن قصد الموضع فذكر، ويكتب بالألف وينصرف، وإن قصد البقعة فمؤنث ، ولا ينصرف
ويكتب بالياء، والمختار تذكيره، وسمى بذلك لكثرة ما يمنى فيه أى يراق من الدماء (ركعتين) أى فى حجة
الوداع. والمعنى صلى بنا رسول الله تَّ بمنا ركعتين، والحال أنا فى ذلك الوقت أكثر أكواننا فى سائر الأوقات
عددا وأكثر أكواننا فى سائر الأوقات أمنا. وإسناد الأمن إلى الأوقات مجاز، كذا قاله الطيبي. ويجوز أن
تكون ((ما)) نافية خبر المبتدأ الذى هو نحن و(أكثر)) منصوبا على أنه خبر كان. ويجوز أعمال ما فى ما قبلها إذا كانت
بمعنى ليس، فكما يجوز تقديم خبر ليس عليه يجوز تقديم خبر ما فى معناه عليه. والتقدير ونحن ما كنا قط أكثر
منا فى هذا الوقت ولا آمن منافيه، وفى الحديث دليل على جواز القصر فى السفر من غير خوف ، ورد على من
زعم أن القصر مختص بالخوف. وللحديث شاهد من حديث ابن عباس عند الترمذى وصححه، والنسائى بلفظ:
خرج من المدينة إلى مكة لايخاف إلا الله يصلى ركعتين، والذى قال إن القصر مختص بالخوف تمسك بقوله تعالى:
﴿ وإذا ضريتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتكم الذين كفروا - ٤: ١٠١)
ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم. فقيل لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب، والشرط هنا
خرج مخرج الغالب، لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك الخوف فى الأسفار. وقيل: هو من الأشياء التى شرع
الحكم فيها بسبب، ثم زال السبب، وبقى الحكم كالرمل. وقيل: القصر مع الخوف ثابت بالكتاب، والقصر
مع الأمن ثابت بالسنة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضة ما تواتر عنه مَّي من القصر مع الأمن. قال
٠
٣٨٣
!
1
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
الخطابى فى المعالم (ج ٢ ص ٢١١): ليس فى قوله: ((صلى بنا)) دليل على أن المكى يقصر الصلاة بمنى، لأن
رسول الله مر ثية كان مسافرا يمنى، فصلى صلاة المسافر، ولعله لوسأل رسول الله ور بيع عن صلاته لأمره بالاتمام،
وقد يترك رسول اللّه مَ ثّل بيان بعض المأمور فى بعض المواطن اقتصادا على ما تقدم من البيان السابق خصوصاً
فى مثل هذا الأمر الذى هو من العلم الظاهر العام ، وكان عمر بن الخطاب يصلى بهم فيقصر، فإذا سلم التفت اليهم ،
وقال أتموايا أهل مكة ، فإنا قوم سفر - انتهى. قلت: اتفق الأئمة على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها
ويمنى وسائر المشاهد، لأنه عندهم فى سفر، لأن مكا ليست دار إقامة إلا لأهلها أو لمن أراد الإقامة بها،
وكذلك منى وعرفات والمزدلفة. واختلفوا فى صلاة المكى بمنى وغيرها من المشاهد، فقال مالك يتم بمكة
ويقصر بمنى ، و كذلك أهل منی یتمون بمنی ویقصرون بمكة وعرفات، قال و هذه المواضع مخصوصة بذلك ، لأن
النبى يَّ لما قصر بعرفة لم يميز من وراءه، ولا قال لأهل مكة: أتموا، وهذا موضع بيان، ومن روى عنه أن
المكى يقصر بمنى ابن عمر وسالم والقاسم وطاؤس، وبه قال الأوزاعى واسحاق، وقالوا: إن القصر سنة
الموضع، وإنما يتم بمنى وعرفات من كان مقيما فيها. وقال أكثر أهل العلم: منهم عطاء والزهرى والثورى
والكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه والشافعى وأحمد وأبو ثور، ولا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات لانتفاء
مسافة القصر . وحاصل مذهب مالك ، كما يدل عليه كلامه فى الموطأ، أن القصر عنده لأجل النسك بشرط السفر،
لكنن لا للسفر الشرعى ، بل لمطلق السفر، ولذلك يتم عنده أهل مكة ومنى وعرفة والمزدلفة فى أمكنتهم،
ويقصرون فى غيرها وضابطه عنده أن أهل كل مكان يتمون به ويقصرون فيما سواه خلافا للأئمة الثلاثة ، فإن
القصر عندهم للسفر الشرعى ، فلا يقصر فى هذه الأمكنة إلا من كان مسافراً شرعيا. قال ابن المنير المالكى: السر
فى القصر فى هذه المواضع المتقاربة إظهارا لله تعالى تفضله على عباده، حيث اعتدلهم بالحركة القريبة اعتداده فى
السفر البعيد، فجعل الوافدين من عرفة إلى مكة كأنهم سافروا اليها ثلاثة أسفار سفر إلى مزدلفة ، ولهذا يقصر أهل
مكة بمنى، فهى على قربها من عرفة معدودة بثلاث مسافات ، كل مسافة منها سفر طويل. وسر ذلك - والله أعلم -
أنهم كلهم وقد، وإن القريب كالبعيد فى إسباغ الفضل، ذكره القسطلانى. وقال الباجى: إن أهل مكة إذا حجوا
اقتضى ذلك بلوغا إلى عرفة، ورجوعا إلى مكة، ولو كان منتهى سفرهم عرفة لما قصروا الصلاة ، واحتسب فى هذا
السفر بالذهاب والمجيق، لأن من خرج من مكة إلى عرفة محرما بالحج فلابد له من الرجوع الى مكة بحكم
الإحرام الذى دخل فيه، لأنه لا يصح أن يتم عمله الذى دخل فيه إلا بالرجوع الى مكة. وأما سائر الأسفار فان
نوى فيه المسير والمجيتى فإنه لا يلزمه الرجوع، وله أن يقيم فى منتهى سفره، أو يمضى منه إلى موضع سواء.
فالواجب على أهل مكة إذا خرجوا للحج أن يصلوا ر کعتين حتی ینصرفوا الی مکة ، وذلك يقتضى أن يصلوا
٣٨٤
١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
: ٤١ - باب صلاة السفر
متفق عليه .
١٣٤٤ - (٣) وعن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنما قال اللّه تعالى ﴿أن تقصروا
من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) فقد أمن الناس. قال عمر:
ركعتين فى البداءة والعودة، ويصلون كذلك بعرفة والمزدلفة وغيرهما - انتهى بتغيير يسير. وقال بعض
المالكية: لو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال لهم النبى مؤفضّم: أتموا، وليس بين مكة ومنى مسافة القصر، فدل
على أنهم قصروا للنسك. وأجيب بأن الترمذى روى من حديث عمران بن حصين أنه مؤ فيم كان يصلى بمكة
ركعتين، ويقول: يا أهل مكة! أتموا، فإنا قوم سفر، وكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى استغناء بما تقدم بمكة.
قال الحافظ: وهذا ضعيف، لأن الحديث من رواية على بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، ولو صح فالقصة
كانت فى الفتح، وقصة منى فى حجة الوداع، وكان لا بد من بيان ذلك لبعد العهد - انتهى . قلت روى البيهقى
(ج ٣ ص ١٣٥، ١٣٦) من طريق على بن زيد بن جدعان عن أبى نضرة قال: سأل شاب عمران بن حصين عن
صلاة رسول اللّه وَضيع فى السفر. فقال: إن هذا الفتى يسألنى عن صلاة رسول الله مَفيم فى السفر، فاحفظوهن
عنى ما سافرت مع رسول اللّه مَفي سفرا قط إلا صلى ركعتين حتى يرجع، وشهدت معه حنين والطائف فكان
يصلى ركعتين ، ثم حجت معه واعتمرت فصلى ركعتين، ثم قال: يا أهل مكة! أتموا الصلاة ، فإنا قوم سفر -
الحديث. وفيه نص على أنه مَّم قال ذلك فى الحج أيضا ورد على ما قيل: إن القصة لم تكن إلا فى الفتح
(متفق عليه) وأخرجه أيضا الترمذى وأبو داود فى الحج والنسائى فى الصلاة والبيهقى (ج ٣ ص ١٣٤، ١٣٥).
١٣٤٤ - قوله (قلت لعمر بن الخطاب: إنما قال الله تعالى: أن تقصروا) وفى صحيح مسلم: قات
لعمر بن الخطاب: ﴿ليس عليكم جناح أن تقصروا - ٤: ١٠١ ) أى واذا ضربتم فى الأرض أى سافرتم فليس
عليكم جناح أى وزر وحرج أن تقصروا بضم الصاد أى فى أن تقصروا أى فى القصر، وهو خلاف المد، يقال
قصرت الشىء أى جعلته قصيرا بحذف بعض أجزاءه، فمتعلق القصر جملة الشىء لا بعضه، فإن البعض متعلق
الحذف دون القصر. فحينئذ قوله (من الصلاة) ينبغى أن يكون مفعولا لتقصروا على زيادة من حسب ما رآه
الأخفش. وأما على رأى غيره من عدم زيادتها فى الاثبات. فتجعل تبعيضية، ويراد بالصلاة الجنس، ليكون
المقصور بعضا منها، وهو الرباعيات ، قاله أبو السعود (إن خفتم أن يفتنكم) أى ينالكم بمكروه (الذين كفروا
فقد أمن الناس) أى وذهب الخوف، فما بالهم يقصرون الصلاة، أو فما وجه القصر؟ (قال عمر) وفى صحيح
٣٨٥
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
ـ، فقال: صدقة قصدق الله بها عليكم، فأقبلوا صدقته.
حجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله
مسلم: فقال بزيادة الفاء وحذف الفاعل (عجبت مما عجبت) أنت (فسألت رسول اللّه مفع) أى عن ذلك كما فى
مسلم (فقال صدقة) أى قصر الصلاة فى السفر صدقة (تصدق اللّه) أى تفضل (بها عليكم) أى توسعة ورحمة. قال
السندى: أى شرع لكم ذلك رحمة عليكم، وإزالة للمشقة نظرا إلى ضعفكم وفقركم. وهذا المعنى يقتضى أن ما ذكر
فيه من القيد فهو اتفاقى، ذكره على مقتضى ذلك الوقت، والا فالحكم عام ، والقيد لا مفهوم له. ولا يخفى ما فى
الحديث من الدلالة على اعتبار المفهوم فى الأدلة الشرعية وأنهم كانوا يفهمون ذلك، ويرون أنه الأصل، وأن
الذى يَّم قررهم على ذلك، لكن بين أنه قد لا يكون معتبرا أيضا بسبب من الأسباب، فإن قلت يمكن التعجب
مع عدم اعتبار المفهوم أيضا بناء على أن الأصل هو الإتمام لا القصر، وانما القصر رخصة جاءت مقيدة
للضرورة، فعند انتفاء القيد مقتضى الأدلة هو الأخذ بالأصل، قلت: هذا الأصل إنما يعمل به عند انتفاء الأدلة.
و أما مع وجود فعل النبي مَّ بخلافه فلا عبرة به، ولا يتعجب من خلافه، فليتأمل - انتهى كلام السندى
(فاقبلوا صدقته) أى سواء حصل الخوف أم لا، وإنما قال فى الآية (إن خفتم) لأنه قد خرج مخرج الأغلب
لكون أغلب أسفار النبى معَّة وأصحابه لم تخل من خوف العدو لكثرة أهل الحرب إذ ذاك لحينئذ لا تدل الآية
على عدم القصر إن لم يكن خوف لأنه بيان للواقع اذ ذاك فلا مفهوم له . قال ابن القيم: قد أشكلت الآية على
عمر وغيره، فسأل عنها رسول اللّه تَّة، فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من اللّه، وشرع شرعه للأمة، وكان
هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الجناح مرتفع فى قصر الصلاة عن الآمن والخائف. وغايته أنه نوع
تخصيص المفهوم أو رفع له - انتهى. وقد احتج بالحديث لمن قال بأن القصر رخصة، والإتمام أفضل. قال
الخطابى فى المعالم (ج ١ ص ٢٦١): فى هذا حجة لمن ذهب الى أن الإتمام هو الأصل ألا ترى أنهما (أى يعلى بن
أمية وعمر) قد تعجبا من القصر مع عدم شرط الخوف، فلو كان أصل صلاة المسافر ركعتين لم يتعجبا من ذلك
فدل على أن القصر إنما هو عن أصل كامل قد تقدمه، خذف بعضه، وأبقى بعضه. وفى قوله: ((صدقة تصدق
اقه بها عليكم، دليل على أنه رخصة رخص لهم فيها، والرخصة إنما تكون إباحة لا عزيمة - انتهى. وأجيب
عن ذلك بأن الأمر بقبولها يقتضى وجوب القبول، وأنه لا محيص عنها، فإن أصل الأمر للوجوب، فلا يبقى له
خيار الرد شرعا ، وجواز الاتمام رد لها لا قبول ، على أن الصدقة من اللّه تعالى فيما لا يحتمل التمليك عبارة عن
الإسقاط، فلا يحتمل اختيار القبول وعدمه. وأيضا العبد فقير فإعراضه عن صدقة ربه يكون قبيحا ، ويكون من
قبيل أن رأه استغنى. وفى رد صدقة أحد عليه من التأذى عادة ما لا يخفى فهذه من أمارات الوجوب، ويوافقه حديث:
أنها تمام غير قصر. واحتج لهم أيضا بقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة - ٤: ١٠١)
٣٨٦
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
فإن أفى الجناح لا يدل على العزيمة ، بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر انما يكون عن شىء
أطول منه. وأجيب عنه بوجوه: منها أن الآية وردت فى قصر صفة الصلاة بترك الركوع والسجود الى
الايماء، وترك القيام الى الركوب فى الخوف. فالمراد بالقصر فى الآية إدخال التخفيف فى كيفية أداء الركعات فى
الخوف دون القصر فى عدد الركعات فى صلاة السفر. ومنها أن المراد بالقصر فى الآية القصر فى كمية الركعات
وعددها ، وبالصلاة صلاة الخوف لا صلاة المسافر. فالآية نزلت فى قصر العدد فى صلاة الخوف لا فى صلاة
السفر. ومنها أنه إنما أتى بهذه العبارة، لأن المسلمين لكمال ولعهم بالعبادة وتكثيرها وأداءما بالتمام كأنهم كانوا
يتحرجون فى القصر، وكانوا يعدونه جناحا فقال ليس عليكم جناح أن تقصروا ولا حرج، فإن الركعتين فى حكم
الأربعة كما قال الذين ذهبوا الى وجوب السعى بين الصفا والمروة فى قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف
بهما - ٢ : ١٥٨﴾ وقال ابن القيم فى الهدى (ج١ ص ١٣١): وقد يقال: إن الآية اقتضت قصر يتناول قصر
الأركان بالتخفيف ، وقصر العدد بنقصان ركعتين. وقيد ذلك بأمرين الضرب بالأرض ، والخوف ، فإذا وجد
الأمران أبيح القصران فيصلون صلاة الخوف ، مقصورة عددها وأركانها، وإن انتفى الأمران فكانوا آمنين
مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإذا وجد
الخوف والإقامة قصرت الأركان، واستوفى العدد، وهذا نوع قصر ، وليس بالقصر المطلق فى الآية ، فإن
وجد السفر والأمن قصر العدد، واستوفى الأركان، وسميت صلاة أمن، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق،
وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد. وقد تسمى تامة باعتبار تمام أركانها ، وأنها لم تدخل فى
قصر الآية. والأول اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين ، والثانى يدل عليه كلام الصحابة كعائشة وابن عباس
وغيرهما. قالت عائشة: فرضت الصلاة ركعتين، فلما هاجر رسول اللّه مَفيم الى المدينة زيد فى صلاة الحضر،
وأقرت صلاة السفر. فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع، وانما هى مفروضة كذلك،
و أن فرض المسافر ركعتان. وقال ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم فى الحضر أربعا، وفى السفر
ركعتين ، وفى الخوف ركعة . وقال عمر بن الخطاب: صلاة السفر ركعتان والجمعة ركعتان والعيد ركعتان تمام
غير قصر على لسان محمد عَّةٍ. وقد خاب من افترى. وهذا ثابت عن عمر رضى الله عنه، وهو الذى سأل النبى
مََّّ ما بالنا نقصر؟ وقد أمنا؟ فقال له رسول اللّه ◌َيّن: صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته. ولا تناقض
بين حديثيه، فإن النبي مَّ لما أجابه بأن هذه صدقة الله عليكم، ودينه اليسر السمح علم عمر أنه ليس المراد من
الآية قصر العدد، كما فهمه كثير من الناس، فقال صلاة السفر ركمتان تمام غير قصر. وعلى هذا فلا دلالة فى
الآية على أن قصر العدد مباح منفى عنه الجناح، فإن شاء المصلى فعله وإن شاء أتم، وكان رسول اللّه مز فيه
٣٨٧
-- -
--..
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
رواه مسلم .
١٣٤٥ - (٤) وعن أنس، قال: خرجنا مع رسول اللّه وَّ من المدينة إلى مكة، فكان يصلى
ركعتين ركتين، حتى رجعنا إلى المدينة، قيل له: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا.
يواظب فى أسفاره على ركعتين ركعتين ، ولم يربع قط إلا شيئا فعله فى بعض صلاة الخوف ، كما سنذكره هناك
ونبين ما فيه - انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضا الشافعى وأحمد والترمذى فى التفسير وأبو داود والنسائى
وابن ماجه فى الصلاة والبيهقى (ج ٣ ص ١٣٤ - ١٤١) وغيرهم .
١٣٤٥ - قوله (من المدينة) أى متوجهين (إلى مكة) أى للحج كما فى رواية لمسلم (فكان يصلى) أى
الرباعية (ركعتين ركعتين) أى كل رباعية ركعتين (قيل له) أى لأنس. والقائل أى السائل هو يحيى بن أبى
اسحاق الحضرمى الراوى عن أنس كما صرح به فى رواية البخارى فى الصلاة (أقمتم) بحذف همزة الاستفهام
وفى رواية أبى داود: هل أقعتم (شيئا) أى من الأيام (قال) أى أنس (أقمنابها) أى بمكة وبضواحيها (عشرا)
أى عشرة أيام ، وانما حذفت التاء من العشرة مع أن اليوم مذكر، لأن المميز إذا لم يذكر جاز فى العدد التذكير
والتأنيث . ولا يعارض هذا حديث ابن عباس المذكور بعده وحديث عمران الآتى فى الفصل الثانى، لأنهما فى
فتح مکه ، وهذا فى حجة الوداع، قال الامام أحمد : إنما وجه حدبث أنس أنه حسب مقام النبي ◌ُٹے بمكة ومنى،
وإلا فلا وجه له غير هذا. واحتج بحديث جابر: أن النبى مَّ قدم مكه صبيحة رابعة من ذى الحجة
(يوم الأحد) فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح فى اليوم الثامن (يوم الخميس) ثم خرج
الى متى، وخرج من مكة متوجها إلى المدينة بعد أيام التشريق. ومثله حديث ابن عباس عند البخارى بلفظ: قدم
النبي ◌َّثم وأعمابه لصبح رابعة يلبون بالحج لحديث. قال الحافظ: ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر
فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها كما قال أنس وتكون مدة اقامته بمكة أربعة أيام سواء،
لأنه خرج منها فى اليوم الثامن فصلى الظهر بمنى . وقال المحب الطبرى: أطلق على ذلك إقامة بمكة لأن هذه
المواضع مواضع السك، وهى فى حكم التابع لمكة، لأنها المقصود بالأصالة، لا يتجه سوى ذلك، كما قال الامام
أحمد - انتهى. وقدأً شكل الحديث على الشافعية، لأنه قد تقرر عندهم أنه لونوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع
عينه انقطع سفره بوصوله ذلك الموضع بخلاف ما لونوى دونها وإن زاد عليه. ولا ريب أنه تمَّع فى حجة الوداع كان
جازما بالإقامة بمكة المدة المذكورة وأجاب البيهقى فى السنن الكبرى (ج٣ ص١٤٩) بما نصه: وإنما أراد أنس
بقوله «فأقمنا بها عشرا، أی بمکه و منى وعرفات، وذلك لأن الأخبار الثابتة تدل على أن رسول الله ٹے قدم مكه فى
٣٨٨
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
حجته لأربع خلون من ذى الحجة فأقام بها ثلاثا يقصر، ولم يحسب اليوم الذى قدم فيه مكة ، لأنه كان فيه سائرا ،
ولا يوم التروية، لأنه خارج فيه إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ، فلما طلعت الشمس
سار منها إلى عرفات ، ثم دفع منها حين غربت الشمس حتى أتى المزدلفة، فبات بها ليلتئذ حتى أصبح، ثم دفع
منها حتى أتى منى فقضى بها نسكه، ثم أفاض إلى مكة فقضى بها طوافه، ثم رجع إلى منى فأقام بها، ثم خرج الى المدينة،
فلم يقم مَّة فى موضع واحد أربعا يقصر-انتهى كلام البيهقى. وتعقبه ابن التركمانى، وتعقبه متجه عندى، قال أقام بمكة
أربعة أيام يقصر، فانه ◌َّثم قدم صبح رابعة من ذى الحجة فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع وبعض الثامن
فاوباللاقامة بها بلاشك، ثم خرج الى منى يوم التروية ، وهو الثامن قبل الزوال. وهذا يبطل تقديرهم بأربعة أيام،
ولهذا حكى ابن رشد عن أحمد وداود أنه اذا أزمع على أكثر من أربعة أيام ، أتم ، قال واحتجوا بمقامه عليه
السلام فى حجته بمكة مقصرا أربعة أيام. وذكر صاحب التمهيد عن الأثرم قال أحمد أقام عليه السلام اليوم الرابع
والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح بالأبطح فى الثامن. فهذه إحدى وعشرون صلاة قصر فيها، وقد أجمع
على اقامتها وظهر بهذا بطلان قول البيهقى: «فلم يقم عليه السلام فى موضع واحد أربعا يقصر)، وكيف يقول كان
سائرا فى اليوم الرابع مع أنه قدم فى صبيحته فأقام بمكة ؟! وكيف لا يحسب يوم الدخول مع أن الأحكام المتعلقة
بالسفر لينقطع حكمها يوم الدخول إذا نوى الإقامة، ويلحق بما بعده أصله رخصة المسح والافطار؟! فلا معنى
لاخراجه بعد نية الاقامة بغير دليل شرعى، وكذا يوم الخروج قبل خروجه . وفى اختلاف العلماء للطحاوى روى
عن ابن عباس وجابر أنه عليه السلام قدم مكة صبيحة رابعة من ذى الحجة ، فكان مقامه الى وقت خروجه أكثر
من أربع ، وقد كان يقصر الصلاة، فدل على سقوط الاعتبار بالأربع ـ انتهى كلام أبن التركمانى. وأجاب
بعضهم عن هذا التعقب بأنه إنما يخالفنا إذا أقام أربع ليال مع أيامها التامة . ويمكن أنه صلى الله عليه وسلم خرج
فى اليوم الثامن من قبل الوقت الذى دخل فيه فى اليوم الرابع، فما تمت له الأيام الأربع، كذا أجاب، ولا يخفى
ما فيه، قلت: واستدل الشافعية والمالكية على مذهبهم بنهيه صلى الله عليه وسلم المهاجر عن إقامة فوق ثلاث بمكة
فتكون الزيادة عليها إقامة لاقدر الثلاث. قال القسطلانى: الترخيص فى الثلاث يدل على بقاء حكم السفر بخلاف الأربعة.
فالأربع حد الاقامة ، وما دونه حد السفر يقصر فيه. ورد ذلك بأن الثلاث قدر قضاء الحوائج لا لكونها غير
إقامة. قال ابن حزم فى المحلى (ج٥ ص ٢٤) ليس فى هذا الخبر نص ولا إشارة الى المدة التى اذا أقامها المسافر
يتم صلاته، وإنما هو فى حكم المهاجر لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام ليحاز شغله وقضى حاجته فى الثلاث، ولا حاجة
الى أكثر منها ، ولا يدل على أنه يصير مقيما فى الأربعة، ولو احتمل لا يثبت حكم شرعى بالاحتمال ، قال وأيضا
٣٨٩
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السعر
متفق عليه .
فان المسافر مباح له أن يقيم ثلاثا وأكثر من ثلاث لا كراهية فى شىء من ذلك. وأما المهاجرفكروه له أن يقيم
بمكة بعد انقضاء نسكه أكثر من ثلاث فأى نسبة بين إقامة مكروهة وإقامة مباحة ، وأيضا فإن مازاد على الثلاثة
الأيام المهاجر داخل عندهم فى حكم أن يكون مسافرا. لا مقيما وما زاد على الثلاثة للمسافر فاقامة صحيحة. وهذا
مانع من أن يقاس أحدهما على الآخر، وأيضا فإن إقامة قدر صلاة واحدة زيادة على الثلاث مكروهة للمهاجر،
فينبغى عندهم اذا قاسوا عليه المسافر أن يتم، وهو خلاف مذهبهم . وقد ظهربهذا أنه ليس حديث مرفوع صريح
فى ما ذهب اليه المالكية والشافعية. وكذا فيما ذهب اليه الحنفية كما صرح به ابن رشد فى البداية . وقال صاحب
العرف الشذى لامرفوع لأحد ولكل واحد آثار. فاستدل الحنفية بما روى الطحاوى عن ابن عباس
وابن عمر قالا إذا قدمت بلدة وأنت مسافر، وفى نفسك أن تقيم خمسة عشر يوما أكمل الصلاة بها ، وإن كنت
لا تدرى متى نظعن فاقصرها، ذكره الزيلمى فى نصب الراية، والحافظ فى الدراية، والعينى فى البناية وأبن الهمام
فى فتح القدير. وروى نحوه محمد بن الحسن فى كتاب الآثار عن ابن عمر وحده. قال الشوكانى ورُدً بأنه من
مسائل الاجتهاد، ولا حجة فى أقوال الصحابة فى المسائل التى للاجتهاد فيها مسرح، قال والحق أن من حط
رحله بيلد ونوى الاقامة بها أياما من دون تردد لا يقال له مسافر، فيتم الصلاة ولا يقصر إلا لدليل ، ولا دليل
ههذا إلا فى ما فى حديث الباب من إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة، والاستدلال به
متوقف على ثبوت أنه صلى الله عليه وسلم عزم على إقامة أربعة أيام الا أن يقال: إن تمام أعمال الحج فى مكة
لا يكون فى دون الأربع، فكان كل من يحج عازما على ذلك فيقتصر على هذا المقدار، ويكون الظاهر والأصل
فى حق من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام هو التمام، وإلا لزم أن يقصر الصلاة من نوى إقامة سنين متعددة،
ولا قائل به. ولا يرد على هذا قوله فى إقامته بمكة فى الفتح: إنا قوم سفر، لأنه كان إذ ذاك مترددا ، ولم يعزم
على إقامة مدة معينة - انتهى. قلت: لا شك أنه صلى الله عليه وسلم كان جازما بالإقامة أربعة أيام بمكة فى
حجته، لأنه دخل بها صبيحة رابعة ، وخرج منها إلى منى فى بعض الثامن أى بعد صلاة الصبح ، فكان ناويا لإقامة
تلك المدة بلا شك، وقد قصر بها الصلاة. فهذا يدل على مذهب الامام أحمد . ولم يثبت من حديث مرفوع
قولى أو فعلى أنه صلى الله عليه وسلم أزمع على أكثر من أربعة أيام وقصر الصلاة. فالقول الراجح عندى هو
ما ذهب اليه أحمد، والله أعلم. وأما حديث ابن عباس فسيأتى الكلام فيه (متفق عليه) وأخرجه أيضاً الترمذى
وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ١٣٦ و ١٤٥ و ١٤٨ و ١٥٣ وغيرهم.
٣٩٠
---
٠
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤- كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
١٣٤٦ - (٥) وعن ابن عباس، قال: سافر التى ◌َّ سفرا، فأقام تسعة عشر يوما يصلى ركعتين
ركعتين، قال ابن عباس: فنحن فصلى فيما بيننا وبين مكة، تسعة عشر، ركعتين ركعتين،
١٣٤٦ - قوله (سافر النبي (مر فقع سفراً) أى فى فتح مكة ، ففي رواية للبخارى فى المغازى أقام التى { لّمه
بمكة تسعة عشر يوما يصلى ركعتين. وذكره المجد بن تيمية فى المنتقى بلفظ: لما فتح النبي ◌َ في مكة أقام فيها تسع
عشرة يصلى ركعتين (فأقام) أى فلبث (تسعة عشر) بتقديم الفوقية على السين (يوما) بليلته (يصلى) أى حال
كونه يصلى (ركعتين ركعتين) أى يقصر الصلاة الرباعية، لأنه كان متردداً متى تهيأ له فراغ حاجته وهو انجلاء
حرب هوازن ارتحل واعلم أنه اختلفت الروايات فى إقامته مية بمكة عام الفتح، فروى تسعة عشر، كما ذكره
المصنف. وروى عشرون، أخرجه عبد بن حميد فى مسنده. وروى سبعة عشر بتقديم السين، أخرجه أحمد
وأبو داود والنسائى وابن ماجه وابن حبان والبيهقى. وروى خمسة عشر، أخرجه أبوداود والنسائى كلها عن ابن
عباس. وروى ثمانية عشر، كما فى حديث عمران الآتى. قال البيهقى فى السنن الكبرى (ج ٣ ص ١٥١): وأصح
هذه الروايات فى ذلك عندى رواية من روى تسع عشرة أى بتقديم التاء، وهى الرواية التى أودعها البخارى فى
الجامع الصحيح ، وجمع أيضاً البيهقى بين روايات تسع عشرة وثمان عشرة وسبع عشرة بأن من رواها تسع عشرة
عد يوم الدخول ويوم الخروج، ومن روى ثمان عشرة لم يعد أحد اليومين، ومن قال سبع عشرة لم يعدهما .
قال الحافظ فى التلخيص (ص ١٢٩): وهو جمع متين، وتبقى رواية خمسة عشر شاذة لمخالفتها، ورواية عشرين،
وهى صحيحة الإسناد إلا أنها شاذة أيضاً اللهم إلا أن يحمل على جبر الكسر، ورواية ثمانية عشر ليست
بصحيحة من حيث الاسناد أى لما فى سنده على بن زيد بن جدعان ، وهو ضعيف ، وسيأتى الكلام فيه، وقال فى
الفتح بعد ذكر الجمع المذكور: وأما رواية خمسة عشر فضعفها النووى فى الخلاصة، وليس يجيد، لأن رواتها
ثقات ، ولم ينفرد بها ابن اسحاق، فقد أخرجها النسائى من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك. وإذا ثبت
أنها صحيحة فليحمل على أن الراوى ظن أن الأصل رواية سبع عشرة، فذف منها يومى الدخول والخروج،
فذكر أنها خمس عشرة. واقتضى ذلك أن رواية تسع عشرة أرجح الروايات. وبهذا أخذ اسحاق بن راهويه
ويرجحها أيضاً أنها أكثر ماوردت به الروايات الصحيحة وأخذ الثورى وأهل الكوفة برواية خمس عشرة، لكونها
أقل ما ورد فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقا ـ انتهى. (قال ابن عباس) استنباطاً من هذا الحديث (فنحن أعلى
فيما بيننا وبين مكة تسعة عشر) أى يوماً. ولفظ الترمذى: فنحن فصلى فيما بيننا وبين تسع عشرة (ركعتين ركعتين)
وفى رواية للبخارى: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة. وفى رواية للبيهقى (ج ٣ ص ١٥٠): فنحن إذا
سافرنا فأقمنا تسعة عشر صلينا ركعتين ركعتين. ولأبي يعلى: إذا سافرنا فأقمنا فى موضع تسعة عشر
1
٣٩١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
فاذا أقمنا، أكثر من ذلك صلينا أربعا. رواه البخارى.
(فاذا أقمنا) أى مكثنا (أكثر من ذلك صلينا أربعاً) وقد أخذ به اسحاق بن راهويه أيضا، كما تقدم فى كلام
الحافظ، فمدة القصر عنده وعند ابن عباس تسعة عشر يوما، فإذا أجمع على أكثر من ذلك فى موضع أتم .
قال الترمذى: أما إسحاق فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس هذا، قال لأن ابن عباس روى عن النبى
عرَّفٍّ ثم تأوله بعد النبى مرِّ (يعنى أخذ به وعمل عليه بعد وفاته مزّة) - انتهى. قلت: الاستدلال بهذا
الحديث على أن من يقيم هذه المدة (تسعة عشر أو خمسة عشر على اختلاف الروايتين والمذهبين) قصداً يقصر،
لا يخلو عن إشكال، لأنه موقوف على ثبوت أنه مَّم أزمع فى أول الأمر على إقامته بمكة هذه المدة ، ولا دلالة
فى هذه القصة على ذلك أصلا، بل الظاهر أن النبي مَّ أقام بمكة هذه المدة اتفاقا، لايدرى أول الأمر أن أقامته
تمتد إلى متى، لأنه كان متردداً متى تهيأ له فراغ حاجته يرحل. ومن كان كذلك يقصر أبداً، لأنه لم ينو الاقامة ،
والأصل بقاء السفر، ولذا قال الترمذى: أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر مالم يجمع إقامة، وإن أتى عليه
سنون، وكذا قال ابن المنذر. وأما الاستدلال بحديث ابن عباس على أن من يزيد على هذه المدة يتم، كما قال
ابن عباس واسحاق ففى غاية الخفاء، هذا وقد أجاب عن الاشكال المذكور الامام ابن تيمية فى أحكام السفر
(ص ٨١) بأنه معلوم بالعادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضى فى ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال إنه
كان يقول اليوم أسافر، غدا أسافر ، بل فتح مكة وأهلها وما حولها كفار حاربون له، وهى أعظم مدينة فتحها ،
وبفتحها ذلت الأعداء، وأسلمت العرب. ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا ينقضى فى أربعة أيام ، فعلم أنه
أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضى فى أربعة أيام، وكذلك تبوك إلى آخر ما قال . ولا يخفى ما فيه على المتأمل
(رواه) أى أصل الحديث (البخارى) وإلا فالسياق المذكورليس للبخارى، فإن الحديث رواه البخارى فى الصلاة
بلفظ: أقام النبي ◌َّثم تسعة عشر يقصر الصلاة، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا ، ورواه فى
المغازى من طريقين مختصرا بلفظ: أقام النبي مُؤثّه بمكة تسعة عشر يوما يصلى ركعتين، ومطولا بلفظ: أقمنا
مع النبي ◌َّم فى سفر تسع عشرة نقصر الصلاة . وقال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فاذا
أزدنا أتممنا. والسياق الذى ذكره المصنف إنما هو الترمذى والبيهقى بفرق يسير. والبغوى إنما ذكر فى
المصابيح سياق البخارى المختصر. ولعل المصنف أعرض عنه لاختصاره ، وأورد سياق الترمذى والبيهقى ، لكونه
واضحا مطولا، لكن كان ينبغى له أن ينبه على تصرفه هذا ، فان صفيعه يدل على أن السياق المذكور للبخارى،
والأمر ليس كذلك، كما عرفت والحديث أخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقى
(ج ٣ ص ١٤٩، ١٥٠، ١٥١).
٣٩٢
=
١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
١٣٤٧ - (٦) وعن حفص بن عاصم، قال: صحبت ابن عمر فى طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين،
ثم جاء رحله، وجاس، فراى ناسا قياما، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون. قال: لوكنت
مسبحا أتممت صلانى. صحبت رسول اللّه مَةٍ، فكان لا يزيد فى السفر على ركعتين، وأبا بكر،
وعمر، وعثمان كذلك .
١٣٤٧ - قوله (وعن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين
(صحبت ابن عمر) أى رافقت عمى عبد الله بن عمر بن الخطاب (فصلى لنا الظهر ركعتين) قصرا ثم أقبل وأقبلنا
معه (ثم جاء) وفى مسلم: حتى جاء (رحله) أى منزله ومسكنه (وجلس) وجلسنا معه فانت منه التفاتة نحو حيث
صلى (فرأى ناسا قياما) بكسر القاف جمع قائم أى قائمين للصلاة فى المكان الذى صلوا الفرض فيه (فقال) إنكارا
(ما يصنع هؤلاء؟ قلت يسبحون) أى يصلون النافلة فالسبحة هنا صلاة النفل (لو كنت مسبحا) أى مصليا
النافلة فى السفر (أتممت صلاتى) أى المكتوبة. قال السندى: لعل المعنى لوكنت صليت النافلة على خلاف ما جاءت
به السنة لأتممت الفرض على خلافها أى لو تركت العمل بالسنة لكان تركها لإتمام الفرض أحب وأولى من تركها
لا.تيان النفل، وليس المعنى لوكانت النافلة مشروعة لكان الاتمام مشروعا حتى يرد عليه ما قبل إن شرع الفرض
قاماً يفضى إلى الحرج، إذ يلزم حينئذ الاتمام. وأما شرع النفل فلا يفضى إلى حرج، لكونها إلى خيرة المصلى -
انتهى. وقال الحافظ فى الفتح: مراد ابن عمر بقوله هذا يعنى أنه لوكان مخيرا بين الاتمام وصلاة الراتبة لكان
الاتمام أحب إليه، لكنه فهم من القصر التخفيف ، فلذلك كان لا يصلى الراتبة ولا يتم (فكان لا يزيد فى السفر على
ركعتين) أى فى غير المغرب، إذ لا يصح ذلك فى المغرب قطعا. والمعنى لا يزيد نفلا قبل الفريضة وبعدها (وأبابكر)
أى وصحبت أبا بكر (وعمر وعثمان كذلك) أى صحبتهم كما صحبته مَّه، وكانوا لا يزيدون فى السفر على
ركعتين . وفيه دليل على أنه مَّ واظب على القصر فى السفر ولازمه، ولم يصل تماماً. وذكر الموقوف بعد المرفوع
مع أن الحجة قائمة بالمرفوع ليبين أن العمل استمر على ذلك، ولم يطرق اليه نسخ ولا معارض ولا راجح، لكن
فى ذكر عثمان إشكال، لأنه كان فى آخر أمره يتم الصلاة. وأجيب بما سيأتى فى الفصل الثالث من حديث
ابن عمر وعثمان صدراً من خلافته. قال فى المصابيح: وهو الصواب، ذكره القسطلانى، أو المراد أنه إنما كان
يتم إذا كان نازلا. وأما إذا كان سائرا فيقصر. فلذلك قيده فى هذه الرواية بالسفر. وقال الزركشي: ولعل
ابن عمر أراد فى هذه الرواية أيام عثمان فى سائر أسفاره فى غير منى، لأن إتمامه كان بمنى ، كما فسره عمران بن
الحصین فی روايته. والحديث فيه إشكال آخر، فانه يدل على أنه ګے کان لا يتنفل فى السفر. وقد روى ابن عمر
٣٩٣
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
نفسه، كما سيأتى فى الفصل الثانى، أن النبى موجه كان يصلى النافلة بعد الظهر والمغرب. وورد فى حديث أبى قتادة
عند مسلم فى قصة النوم عن صلاة الصبح فى السفر: ثم صلى ركعتين قبل الصبح ثم صلى الصبح. وقد روى عنه
ريف أنه صلى صلاة الضحى فى السفر. كما تقدم، وصلاة الليل على الدابة، كما سيأتى من حديث ابن عمر، وصلاة
الزوال أو الراتبة قبل الظهر، كما فى حديث البراء عند الترمذى وأبى داود. وأيضاً بشكل على إنكار ابن عمر
على المتنفلين ما سيأتى فى آخر الباب أن ابن عمر كان يرى ابنه عبيد اللّه يتنفل فى السفر، فلا ينكر عليه، وما روى
عن ابن عمر أنه كان يصلى على راحلته فى السفر حيثما توجهت به. قال العراقى: الجواب أن النفل المطلق
وصلاة الليل لم يمنعهما أبن عمر ولا غيره. فأما السنن الرواتب فيحمل حديث الباب على الغالب من أحواله فى
أنه لا يصلى الرواتب، وحديثه فى فعل الراتبة على أنه فعله فى بعض الأوقات لبيان استحبابها وإن لم يتأكد فعلها
فيه كتأكده فى الحضر، أو أنه كان نازلا فى وقت الصلاة ولا شغل له يشتغل به عن ذلك، أو سائراً،
وهو على راحلته. ولفظ ((كان)) فى حديث الباب لا يقتضى الدوام ولا التكرار على الصحيح، فلا تعارض بين
حديثيه. وقيل: مذهب ابن عمر الفرق بين الرواتب والنوافل المطلقة كالتهجد والوتر والضحى وغير ذلك،
فيحمل الإنكار على الأول ، والاثبات على الثانى، ولا يخفى ما فيه. وقيل: نفى التطوع فى السفر محمول على
ما بعد الصلاة خاصة أى الرواتب البعدية ، فلا يتناول ما قبلها ولا ما لا تعلق له بها من النوافل المطلقة ، واليه مال
البخارى، كما يظهر من تبويبه. قال الحافظ: وهو فيما يظهر أظهر. قلت: بل هو فى غاية الخفاء فضلا عن أن يكون
ظاهرا فضلا عن أن يكون أظهر لما سيأتى من حديث ابن عمر نفسه فى إثبات الرواتب البعدية. وقيل :
لعل النبى تَيفية كان يصلى الرواتب فى رحله فلا يراه ابن عمر. وقيل: النفى محمول على الصلاة على الأرض ،
والإثبات على الدابة. قال الحافظ: وقد جمع ابن بطال بين ما أختلف عن ابن عمر فى ذلك بأنه كان يمنع
التنفل على الأرض، ويقول به على الدابة. وقيل: الأولى أن يحمل حديث الباب أى عدم الزيادة على ركعتى
الفرض على حالة السير وحديث الثبوت على حالة النزول والقرار، وهو المختار من مذهب الحنفية ، كما صرح
به فى الدر المختار وفى الكبيرى، هو أعدل الأقوال. قلت: قد اختلف العلماء فى التنفل فى السفر على ستة
أقوال: أحدها المنع مطلقاً. الثانى الجواز مطلقاً. الثالث الفرق بين الرواتب والمطلقة، وهو مذهب ابن عمر، كما
أخرجه ابن أبى شيبة باسناد صحيح. الرابع الفرق بين الليل والنهار فى المطلقة . الخامس الفرق بين الرواتب البعدية
وغيرها ، فيحمل النفى على الأولى، فلا يتناول ما قبلها ولا النوافل المطلقة. السادس ما اختاره ابن القيم حيث قال
فى الهدى (ج ١ ص ١٣٤): كان من هديه تَج الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه مَيّ أنه صلى سنة الصلاة
٣٩٤
١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
متفق عليه
١٣٤٨ - (٧) وعن ابن عباس، قال: كان رسول اللّه تحميل يجمع بين صلاة الظهر والعصر،
قبلها ولا بعدها إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر، فانه لم يكن ليدعهما حضراً ولا سفراً، قال وأما ابن عمر
فكان لا يتطوع قبل الفريضة ولا بعدها إلا من جوف الليل مع الوتر، وهذا هو الظاهر من هدى النبي تز له،
كان لا يصلى قبل الفريضة المقصورة ولا بعدها شيئا ، ولم يكن يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها ، فهو كالتطوع
المطلق لا أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الاقامة. ويؤيد هذا أن الرباعية قد خففت إلى ركعتين تخفيفاً على
المسافر، فكيف يجعل لها سنة راتبة يحافظ عليها، وقد خفف الفرض ركعتين، فلولا قصد التخفيف على المسافر
وإلا كان الاتمام أولى به، وقال أيضاً (ج ١ ص ٨٣) وكان أى النبى مرَّة فى السفر يواظب على سنة الفجر،
والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل فى السفر أنه مَ فيم صلى سنة راتبة غيرهما ، ولذلك كان
ابن عمر لا يزيد على ركعتين، وسئل عن سنة الظهر فى السفر، فقال لوكنت مسبحاً لأتممت. وهذا من فقهه
رضى الله عنه، فإن الله سبحانه وتعالى خفف عن المسافر فى الرباعية شطرها، فلوشرع له الركعتان قبلها أو بعدها
لكان الاتمام أولى به. وتعقب قوله: لم يفعل فى السفر أنه مَّ صلى سنة راتبة غير سنة الفجر والوتر، بما سيأتى
من حديث ابن عمر فى إثبات الراتبة البعدية للظهر والمغرب. قال الترمذى: اختلف أهل العلم بعد النبي ◌َّ
فرأى بعض أصحاب النبي مَّث أن يتطوع الرجل فى السفر، وبه يقول أحمد وإسحاق، ولم تر طائفة أن يصلى قبلها
ولا بعدها ومعنى من لم يتطوع فى السفر قبول الرخصة ، ومن تطوع فله فى ذلك فضل كثير ، وهو قول أكثر أهل
العلم يختارون التطوع فى السفر - انتهى. قلت: والراجح عندى أن لا يترك فى السفر الوتر وسنة الفجر. وأما
غيرهما من الرواتب القبلية والبعدية فهى إلى خيرته، إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وإن شاء تركها ولا شئ عليه
أعنى أنها لا تبقى فى حقه متأكدة كسنة صلاة الاقامة، والله أعلم (متفق عليه) فيه أن السياق المذكور ليس لهما
ولا لأحدهما، بل هو مجموع من مجموع ما فيهما، فأول الحديث إلى قوله ((أتممت صلاقى)) من أفراد مسلم، لم يروه
البخارى أصلا. وقوله: صحبت رسول اللّه مَّ إلى آخر الحديث)) هو سياق البخارى. وعند مسلم: يا ابن أخى!
إنى صحبت رسول اللّه مَّ فى السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين
حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى
قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة - ٣٣: ٢١ ) وسياق المشكاة موافق لما فى
المصابيح. ولونبه المصنف على تصرف البغوى فى سياق الحديث لكان أحسن. والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذى
وأبو داود وابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ١٥٨).
١٣٤٨ - قوله (كان رسول اللّه مَثّ يجمع بين صلاة الظهر والعصر) أى جمع تأخير، وهو أن يؤخر
٣٩٥
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء.
الظهر إلى أن يدخل وقت العصر، فيصلى الظهر والعصر جميعاً فى وقت العصر (إذا كان على ظهر سير) قال القسطلانى:
باضافة ظهر إلى سير. وللأصيلى وابن عساكر وأبى الوقت وأبى ذر عن الكشمهينى: ظهر بالتنوين، يسير بلفظ
المضارع بتحتانية مفتوحة فى أوله أى حال كونه يسير، وعزافى الفتح الأولى للأصيلى، والثانية للكشمهينى. ولفظ ظهر
فى قوله: ((ظهرسير، مقحم للتأكيد كقوله: الصدقة عن ظهر غنى. وقد يزاد فى مثل هذا اتساعا للكلام، كأن السير
مستند إلى ظهرقوى من المطى مثلا. وقيل: جعل للسير ظهر، لأن الراكب مادام سائرا فكأنه راكب ظهر، وفيه جناس
التحريف بين الظهر والظهر (ويجمع بين المغرب والعشاء) أى كذلك. واستدل به على جوازجمع التأخير فى السفر. وأما
جمع التقديم فسيأتى الكلام فيه فى شرح حديث معاذبن جبل الآتى. واحتج بحديث ابن عباس هذا من قال باختصاص
الجمع بالسائردون النازل . وفى مسئلة الجمع بين الصلاتين فى السفر سبعة أقوال: أحدها أنه يجوز الجمع بين الظهر والعصر
والمغرب والعشاء فى السفر فى وقت أحدهما جمعا حقيقيا تقديما وتأخيرا مطلقاً أى سواء كان سائرا أم لا، وسواء
كان سيرا بجدا أم لا. قال به كثير من الصحابة والتابعين ومن الفقهاء الثورى والشافعى وأحمد واسحاق وأبو ثور
وابن المنذر وأشهب. وحكاه ابن قدامة عن مالك أيضاً. وقال الزرقانى: واليه ذهب مالك فى رواية مشهورة.
قلت: وهو مختار المالكية، كما فى فروعهم، واختاره الشاه ولى اللّه الدهلوى، حيث قال فى حجة الله (ج٢ ص ١٨):
- من رخص السفر الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. والأصل فيه ما أشرنا أن الأوقات الأصلية ثلاثة
الفجر والظهر والمغرب، وانما اشتق العصر من الظهر والمغرب من العشاء، ولئلا تكون المدة الطويلة فاصلة بين
الذكرين ، ولئلا يكون النوم على صفة الغفلة، فشرع لهم جمع التقديم والتأخير، لكنه لم يواظب عليه ولم يعزم
عليه مثل ما فعل فى القصر - انتهى. والثانى أنه يختص الجمع بمن يجد فى السير أى يسرع، قاله الليث، وهو قول
مالك فى المدونة. واستدل لهما بما روى فى الصحيح عن ابن عمر قال كان النبى مُؤْم يجمع بين المغرب والعشاء
(جمع تأخير) إذا جدبه السير، وسيأتى الجواب عنه. والثالث أنه يختص بما إذا كان سائرا لا نازلا، قاله
ابن حبيب من المالكية . واستدل لذلك بقوله: إذا كان على ظهر سير فى حديث الباب. وأجيب عن ذلك بماوقع
من التصريح فى حديث معاذ بن جبل فى الموطأ بلفظ: أن النبى مَّ أخر الصلاة (فى غزوة تبوك) خرج فصلى الظهر
والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعا. قال الشافعى فى الأم قوله: ((ثم دخل ثم خرج))
لا يكون الا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلا ومسافرا. وقال ابن عبد البر هذا أوضح دليل فى الرد على من
قال لا يجمع الامن جد به السير، وهو قاطع الالتباس. وقال الباجى: مقتضى قوله: (( ثم دخل ثم خرج)) أنه
مقيم غير سائر لأنه انما يستعمل فى الدخول فى المنزل والخباء، والخروج منهما ، وهو غالب الاستعمال الا أن يريد
٣٩٦
-
١
١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
1
أنه خرج من الطريق إلى الصلاة ، ثم دخله للسير، وفيه بعد. وكذا حكى عياض هذا التأويل عن بعضهم ثم استبعده
ولاشك فى بعده وكأنه مَّ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته التفرقة فى حال الجمع بين ما اذا كان سائراً أو
نازلا، ومن ثم قال الشافعية ترك الجمع أفضل. والرابع أن الجمع مكروه قال ابن العربى: إنها رواية المصريين
عن مالك، والخامس أنه يختص بمن له عذر حكى عن الأوزاعى. والسادس أنه يجوز جمع التأخيردون
التقديم وهو اختيار ابن حزم ، وسيأتى الكلام فيه. والسابع أنه لا يجوزالجمع مطلقا الابعرفة والمزدلفة، وهو
قول الحسن والنخعى وأبى حنيفة وصاحبيه، ووقع عند النووى أن الصاحبين خالفا شيخهما، ورد عليه السروجى فى
شرح الهداية ، وهو أعرف بمذهبه وأجاب هؤلاء عما ورد من الأخبار فى ذلك بأن الذى وقع جمع صورى،
وهو أنه أخر المغرب مثلا الى آخر وقتها، وعجل العشاء فى أول وقتها. وتعقبه الخطابى فى المعالم (ج١ ص ٢٦٤)
بما حاصله أن الجمع من الرخص العامة لجميع الناس عامهم وخاصهم، فلوكان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقا من
الاتيان بكل صلاة فى وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها ما لا يدركه أكثر الخاصة فضلا عن العامة. وأما
أمره وَي للمستحاضة بالجمع الصورى، فهو وارد فى شىء يندر وجوده، على أنه تمَّع قيد ذلك بقوله: إن قويت
كما تقدم ، فإن قدرت المستحاضة على معرفة أوائل الأوقات وأواخرها، وعلى الاغتسال ثلاث مرات جمعت بين
الصلاتين فعلا وصورة. ومن الدليل على أن الجمع رخصة، قول ابن عباس أراد أن لا يخرج أمته، أخرجه
مسلم. وهذا يقدح فى حمله على الجمع الصورى، لأن النزول للصلاتين والخروج اليهما مرة واحدة وإن كان أسهل
من النزول مرتين ، لكن لا يخلو ذلك عن حرج ومشقة بسبب عدم معرفة أكثر الناس أوائل أوقات الصلاة
وأواخرها بخلاف الجمع الوقتى فهو أيسر و أخف من الجمع الفعلى، وهذا ظاهرواً يضافان الأخبار جاءت صريحة
بالجمع فى وقت إحدى الصلاتين، وهى نصوص صريحة لا تحتمل تأويلا، كما سيأتى. قال الشيخ عبدالحى اللكنوى فى
التعليق الممجد (ص ١٢٩): حمل أصحابنا يعنى الحنفية الأحاديث الواردة فى الجمع على الجمع الصورى . وقد بسط
الطحاوى الكلام فيه فى شرح معانى الآثار، لكن لا أدرى ماذا يفعل بالروايات التى وردت صريحا بأن الجمع
كان بعد ذهاب الوقت، وهى مروية فى صحيح البخارى وستن أبي داود وصحيح مسلم وغيرها من الكتب المعتمدة
على ما لا يخفى على من نظرفيها ، فان حمل على أن الرواة لم يحصل التمييز لهم ، فظنوا قرب خروج الوقت ، خروج
الوقت ، فهذا بعيد عن الصحابة الناصين على ذلك ، وأن أختير ترك تلك الروايات بابداء الخال فى الاسناد فهو
أبعد وأبعد مع إخراج الأئمة لها وشهادتهم بتصحيحها، وإن عورض بالأحاديث التى صرحت بأن الجمع كان
بالتأخير الى آخر الوقت والتقديم فى أول الوقت فهو أعجب ، فان الجمع بينها بحملها على اختلاف الأحوال ممكن
٣٩٧
۔۔
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
رواه البخارى.
١٣٤٩ - (٨) وعن ابن عمر، قال: كان رسول اللّه وَثم بصلى فى السفر على راحلته حيث توجهت به
بل هو الظاهر - انتهى كلام الشيخ اللكنوى. وأيضاً المتبادر الى الفهم من لفظ الجمع هو الجمع الوقتى لا الفعلى.
قال الخطابي فى المعالم (ج١ ص ٢٦٤) ظاهر اسم الجمع عرفا لا يقع على من أخر الظهر حتى صلاها فى آخروقتها
وعجل العصر فصلاها فى أول وقتها، لأن هذا قد صلى كل صلاة منهما فى وقتها الخاص بها ، وإنما الجمع المعروف
بينهما أن تكون الصلاتان معا فى وقت إحداهما ألا ترى أن الجمع بينهما بعرفة والمزدلفة كذلك - انتهى. ولوسلم أن
لفظ الجمع عام يشمل الوقتى والفعلى كليهما فالروايات الصريحة فى جمع التقديم والتأخير معينة المراد من لفظ الجمع
فى الروايات المطلقة، وأن المقصود هو الجمع الوقتى أى الحقيقى لا الصورى أى الفعلى. ومما يرد الحمل على
الجمع الصورى جمع التقديم الآتى ذكره فى الفصل الثانى. قال الحافظ: وفى هذه الأحاديث أى أحاديث الجمع
الحقيقى الصريحة المفسرة تخصيص لحديث الأوقات التى بينها جبريل للنبي مزيفة وبينها النبي معرفة للأعرابى حيث قال
فى آخرها الوقت ما بين هذين - انتهى. وبهذا يندفع ما قيل إن هذه الصلوات عرفت موقتة بأوقاتها بالدلائل
المقطوع بها من الكتاب والسنة والإجماع، فلا يجوز تغييرها عن أوقاتها بخبر الواحد، لأن خبر الواحد لا يقبل
فى معارضة الدليل المقطوع به، لأن أحاديث الأوقات عامة وأحاديث الجمع خاصة بالسفر، ولا تعارض بين
العام والخاص، فتحمل أحاديث الأوقات على ما عدا حالة السفر (رواه البخارى) من طريق عكرمة عن ابن
عباس . قال ميرك: ورواه مسلم بمعناه قلت: روى مسلم من طريق أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
أن رسول اللّه ◌َب جمع بين الصلاتين فى سفرة سافرها فى غزوة تبوك، جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء
قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال أراد أن لا يحرج أمته. وأخرج البيهقى الرواية الأولى
(ج ٣ ص ١٦٤) .
١٣٤٩ - قوله (على راحلته) الراحلة من الابل ما كان منها صالحا ، لأن يرتحل أى يشد عليه الرحل
والقوى منها على الأحمال والأسفار الذكر والأنثى، والتاء المبالغة (حيث توجهت به) أى ولو إلى غير القبلة. قيل
الضمير عائد إلى حيث أو الى النبى معَّة، والباء للتعدية، والعائد إلى حيث محذوف أى اليه. وقوله: (حيث
توجهت به، متعلق بقوله: «يصلى)) ففى حديث عامر بن ربيعة عند البخارى رأيت رسول اللّه مَ فيه، وهو على
الراحلة ، يسبح يومى برأسه قبل أى وجه توجه. قيل: وهو قيد احتراز، فصوب أى جهة سفره قبلته، فلو صلى
إلى غير ما توجهت به دابته لا يجوز. قال الحافظ: واستدل به على أن جهة الطريق تكون بدلا عن القبلة، حتى
لا يجوز الانحراف عنها عامدا قاصداً لغير حاجة المسير إلا إن كان سائرا فى غير جهة القبلة فاتحرف إلى جهة
٣٩٨
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
يومى ايماء صلاة الليل الا الفرائض، ويوتر على راحلته .
القبلة فإن ذلك لا يضره على الصحيح. وقال ابن قدامةٍ : وقبلة هذا المصلى حيث كانت وجهته، فان عدل عنها نظرت
فان كان عدوله إلى جهة الكعبة جاز، لأنها الأصل، وإنما جاز تركها للعذر، فاذا عدل اليها أتى بالأصل، وإن
عدل إلى غيرها عمدا فسدت صلاته، لأنه ترك قبلته عمداً (يومى) بياء مبدلة من همزة من أومأ. قال الطيبي: حال
من فاعل يصلى، وكذا على راحلته (إيماء) نصب على المصدرية أى يشير برأسه إلى الركوع والسجود من غير أن
يضع جبهته على ظهر الراحلة ، وكان يومى للسجود أخفض من الركوع تمييزاً بينهما، وليكون البدل على وفق الأصل
وقد وقع ذلك صريحا فى حديث جابر الآتى فى الفصل الثانى (صلاة الليل) مفعول يصلى. وفيه أن المراد بقوله:
﴿وحيث ما كنتم فولواوجوهكم شطره -١٤٤:٢﴾ الفراض (إلا الفرائض) مستثنى من صلاة الليل أى لكن الفرائض.
فلم يكن يصليها على الراحلة، فالاستثناء منقطع لامتصل، لأن المرادخروج الفرائض من الحكم ليلية أو نهارية (ويوتر)
بعد فراغه من صلاة الليل (على راحلته) قال ابن الملك يدل على عدم وجوب الوتر يعنى لأنه لوكان واجبا لما
جازت صلاته على الدابة . قلت : الحديث نص فى جواز الوتر على الدابة فى السفروهو من علامات عدم وجوب
الوتر. واختلف فيه أهل العلم، فقال مالك والشافعى وأحمد بجوازه، وهو مروى عن على وابن عمر وعطاء بن
أبى رباح والحسن البصرى . وقولهم هو الحق . وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز الوتر الاعلى الأرض، كما فى الفرائض
وهو خلاف السنة الثابتة. قال محمد بن نصر المروزى فى كتاب الوتر بعد رواية الأحاديث، والآثار الدالة على
جواز الوتر على الدابة ما لفظه: وزعم النعمان يعنى أبا حنيفة أن الوتر على الداية لا يجوز خلافا لما روينا .
واحتج له بعضهم بحديث رواه عن ابن عمرأنه نزل عن دابته فأوتر بالأرض. فيقال لمن احتج بذلك هذا ضرب
من الغفلة، هل قال أحد لا يحل للرجل أن يوتر بالأرض؟ إنما قال العلماء لا بأس أن يوتر على الدابة، وإن
شاء أوتر بالأرض، وكذلك كان ابن عمر يفعل ربما أوتر على الداية، وربما أوتر على الأرض (أى طلبا
للافضل). وعن نافع أن ابن عمر کان ربما أوترعلى راحلته، وربما نزل. وفى رواية ؛کان یوترعلى راحلته، وكان
ربما نزل - انتهى. وقال الشيخ عبد الحى اللكنوى فى التعليق الممجد (ص ١٣١) أخذ أصحابنا يعنى الحنفية
بالآثار الواردة بنزول ابن عمر للوتر، وشيدوه بالأحاديث المرفوعة فى نزوله وَيثة للوتر . وقال المجوزون
لأدائه على الدابة إنه لا تعارض مهنا إذ يجوز أن يكون النبى تؤثّ فعل الأمرين، فأحيانا أدى الوتر على الدابة
وأحيانا على الأرض واقتدى به ابن عمر. ويؤيده ما أخرجه الطحاوى فى شرح معانى الآثار عن مجاهد عن محمد
ابن إسراق عن نافع قال: كان ابن عمر يوتر على الراحلة ، وربما نزل فأوتر على الأرض. وذكر الطحاوى بعد ما
أخرج آثار الطرفين الوجه فى ذلك عندنا أنه قد يجوز أن يكون رسول اللّه تَويل كان يوتر على الراحلة قبل أن
٣٩٩
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٤١ - باب صلاة السفر
متفق عليه .
يحكم بالوتر، ويغلظ أمره، ثم أحكم بعد ولم يرخص فى تركه، ثم أخرج حديث: إن الله أمدكم بصلاة هى خير لكم
من حمر النعم الخ من حديث خارجة وأبى بصرة، ثم قال فيجوز أن يكون ما روى ابن عمر عن رسول اللّه مؤيّة
من وتره على الراحلة كان منه قبل تأكيده إياه، ثم نسخ ذلك - انتهى. وفيه نظر لا يخفى إذ لا سبيل الى إثبات
الفسخ بالاحتمال ما لم يعلم ذلك بنص وارد فى ذلك - انتهى كلام الشيخ اللكنوى. وفى الحديث جواز التفل
على الراحلة فى السفر وهو ما أجمع عليه المسلمون . قال الشوكانى : جواز التطوع على الراحلة للسافر قبل جهة
مقصده إجماع كما قال النووى والعراقى والحافظ وغيرهم، وانما الخلاف فى جواز ذلك فى الحضر، لجوزه أبو يوسف
وأبو سعيد الأصطخرى من أصحاب الشافعى وأهل الظاهر . وقال ابن حزم وقد روينا عن إبراهيم النخعى قال :
كانوا يصلون على رحالهم ودوابهم حيثما توجهت، قال وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين عموما فى الحضر
والسفر. قال النووى: وهو محكى عن أنس بن مالك. قال العراقى: استدل من ذهب إلى ذلك بعموم الأحاديث
التى لم يصرح بذكر السفر، وهو ماش على قائدتهم أنه لا يحمل المطلق على المقيد، بل يعمل على كل منهما . فأما
من يحمل المطلق على المقيد، وهم الجمهور حملوا الروايات المطلقة على المقيدة . وظاهر الأحاديث عدم الفرق
بين السفر الطويل والقصير (لأن الروايات ليس فيها شىء من التحديد فوجب الامتثال بالعموم) واليه ذهب
الشافعى وجمهور العلماء (أبو حنيفة وصاحباه وأحمد وداود وغيرهم)، وذهب مالك إلى أنه لا يجوز الا فى سفر يقصر
فى مثله الصلاة (لأن الروايات التى حكاها ابن عمر وغيره وردت فيما يقصر فيه الصلاة)، وهو محكى عن الشافعى
لكنها حكاية غريبة - أنتهى. وقال الحافظ: قد أخذ بمضمون هذه الأحاديث فقهاء الأمصار إلا أن أحمد
وأبا ثوركانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة. والحجة لذلك حديث الجارود بن أبى سهرة
عن أنس أن النبي مُّم كان إذا أراد أن يتطوع فى السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث وجهت ركابه، أخرجه
أبو داود وأحمد والدارقطنى - انتهى. وقال ابن قدامة فى المغنى (ج١ ص ٤٣٦): وإن كان يعجز عن استقبال
القبلة فى ابتداء الصلاة كراكب راحلة لا تطيعه أوكان فى قطار أى جماعة الايل التى تربط بعضها ببعض فليس عليه
استقبال القبلة فى شىء من الصلاة، وإن أمكنه افتتاحها إلى القبلة تخرج فيه روايتان : إحداهما يلزمه لرواية أنس
عند أحمد وأبي داود أنه عليه السلام استقبل بناقته القبلة فكبر. والثانية لا يلزمه، لأنه جزء من أجزاء الصلاة.
أشبه سائر أجزاء ها والحديث يحمل على الفضيلة والندب ـ انتهى. وكان السر فيما ذكر من جواز التطوع على الدابة
فى السفر تحصيل النوافل على العباد وتكثيرها تعظيما لأجورهم رحمة من الله بهم (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى
باب ألوتر فى السفر، وأخرجه أيضاً مالك وأحمد وأبو داود والنسائى والطحاوى والبيهقى (ج ٢ ص ٥، ٤٩١).
٤٠٠
٠
٠