النص المفهرس

صفحات 241-260

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا.
يكون عاما فى الأعمال الشرعية. قال الحافظ: سبب وروده خاص بالصلاة، ولكن اللفظ عام، وهو
المعتبر وعدل عن خطاب النساء إلى خطاب الرجال تعميما للحكم، فغلب الذكور على الإناس فى الذكر (ما تطيقون)
أى الذى تطيقون المداومة عليه وحذف العائد للعلم به. قال الحافظ: أى اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون
المداومة عليه فمنطوقه يقتضى الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة ومفهومه يقتضى النهى عن تكلف
ما لا يطاق (فإن الله لا يمل حتى تملوا) بفتح الميم فيها. قال البيضاوى: الملال فتور يعرض للنفس من كثرة
مزاولة شىء فيوجب الكلال فى الفعل والاعراض عنه وأمثال ذلك على الحقيقة إنما تصدق فى حق من يعتريه
التغير والانكسار ، فأما من تنزه عن ذلك فيستحيل تصور هذا المعنى فى حقه، فإذا أسند اليه أول بما هو منتهاه
وغايته كاسناد الحياء وغيره إلى الله تعالى، فالمعنى والله أعلم، أعملوا حسب وسعكم وطاقتكم فإن الله لا يعرض
عنكم اعراض الملول عن الشىء ولا ينقص ثواب أعمالكم ما بقى لكم نشاط فإذا فترتم فاقعدوا فانكم إذا .لتم
عن العبادة وأنيتم بها على وجه كلال وفتور كان معاملة اللّه معكم حينئذ معاملة ملول عنكم وقال التوربشتى:
اسناد الملال إلى الله تعالى على طريقة المشاكلة والازدواج، وهو أن تكون إحدى اللفظتين موافقة للأخرى وإن
خالفتها معنى، والعرب تفعل ذلك إذا جعلوما جوابا وجزاء لها وإن كانت مخالفة فى المعنى ، فمعنى الحديث
لا يقطع ثواب عملكم حتى تتركوا العمل ملالا وسأمة من كثرته وثقله فعبر عن ترك الاثابة وقطع الجزاء بالملال
لأنه بحذاءه وجواب له فهو لفظ خرج على مثال لفظ كقول الله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها - ٤٢: ٤٠)
ومنه قول عمرو بن كلثوم التغلبى: ألا لا يجهلن أحد علينا - فنجهل فوق جهل الجاهلينا. ومن المستبعد أن يفتخر
ذو عقل بجهل وانما أراد فنجازيه لجهله وذعاقبه على سوء صفيعه. والحاصل أنه أطلق لفظ الملال على الله على جهة
المقابلة اللفظية مجازاً. قال القرطبى: وجه مجازه أنه تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن يقطع العمل ملالا عبر عن
ذلك بالملال من باب تسمية الشىء باسم سببة. وقال الهروى: معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سواله
فتزهدوا فى الرغبة اليه. وقيل: معناه لا يتناهى حقه عليكم فى الطاعة حتى يتناهى جهدكم، وهذا كله بناء على أن
حتى على بابها فى انتهاء الغاية وما يترتب عليها من المفهوم وجنح بعضهم إلى تأويلها فقيل معناه لا يمل اللّه إذا
ملتم أولا يمل أيدا وإن مللتم، وهو مستعمل فى كلام العرب، ومنه قولهم فى البليغ لا ينقطع حتى تنقطع
خصومه أى لا ينقطع بعد انقطاع خصومه، بل يكون على ما كان عليه قبل ذلك فانه لو انقطع حين ينقطعون
لم يكن له عليهم مزبة. وقيل إن حتى، بمعنى الواو فيكون التقدير لا يعل وأنتم تملون فنفى عنه الملل وأثبته لهم.
وقيل: حتى بمعنى حين أى لا يمل حين تملون. قال الحافظ: كونه على طريق المشاكلة والازدواج أولى وأجرى
على القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظية، ويؤيده ما وقع فى بعض طرق حديث عائشة فان الله لا يمل من
٢٤١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
متفق عليه .
١٢٥٢ - (٤) وعن أنس، قال: قال رسول اللّه ◌َ فيه: ليصل أحدكم نشاطه، وإذا فتر فليقعد.
متفق عليه.
١٢٥٣ - (٥) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نمس أحدكم
النواب حتى تملوا من العمل لكن فى سنده موسى بن عبيدة الربذى، وهو ضعيف. وأخذ بظاهر الحديث جماعة من
الأئمة فقالوا يكره قيام جميع الليل، وبه قال مالك مرة ثم رجع عنه، وقال: لا بأس به ما لم يضر بصلاة
الصبح فإن كان يأتى وهو ناعس فلا يفعل، وإن كان إنما يدركه كسل وقتور فلا بأس به. وكذا قال الشافعى:
لا أكرهه الا لمن خشى أن يضر بصلاة الصبح، قاله الزرقانى (متفق عليه) واللفظ لمسلم. وأخرجه أيضاً مالك
وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ١٧).
١٢٥٢ - قوله (ليصل) بكسر اللام (نشاطه) بفتح النون أى قدر نشاطه أو مدة نشاطه وزمان انبساطه ،
فنصبه على الظرفية أو صلاته التى ينشط لها (فإذا فتر) بفتح التاء المثناة فوق أى ضعف وكسل فى أثناء القيام
(وليقعد) أى ويتم صلاته قاعدا، أو إذا فتر بعد فراغ بعض التسليمات فليقعد لا يقاع ما يقى من نوافله قاعدا، أو إذا
فتر بعد انقضاء البعض فليترك بقية النوافل جملة إلى أن يحدث له نشاط، أو إذا فتر بعد الدخول فيها فليقطعها خلافا
المالكية حيث منعوا من قطع النافلة بعد التلبس بها، ذكره القسطلانى. والحديث طرف من حديث طويل. أخرجه
الشيخان وغيرهما ذكر فى أوله سبب هذا القول وهو أنه قال أنس دخل النبى مؤثّم المسجد فإذا حبل ممدود بين
ساريتين أى من سوارى المسجد فقال ما هذا الحبل؟ قالوا هذا حبل لزينب أى ابنة جحش أم المؤمنين فإذا فترت
تعلقت، فقال النبى معَّه لأحلوه ليصل أحدكم الخ. قال الحافظ: والحديث فيه الحث على الاقتصاد فى العبادة
والنهى عن التعمق فيها والأمر بالاقبال عليها بنشاط، وفيه إزالة المنكر باليد واللسان، وجواز تنفل النساء فى
المسجد، واستدل به على كراهة التعلق فى الحبل فى الصلاة - انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ١٨).
١٢٥٣ - قوله (إذا نعس) بفتح العين من بابى فتح ونصر (أحدكم) أى أخذته فترة فى حواسه، فقارب
النوم والنعاس بضم العين فترة فى الحواس أو مقاربة النوم أو الوسن، وأول النوم وهى ريح لطيفة تأتى من قبل الدماغ
تغطى العين ولا تصل إلى القلب فإذا وصلته كان توما، وفى العين والحكم النعاس النوم. وقيل: مقاربته. قال الحافظ:
المشهور التفرقة بينهما وإن من قرت حواسه بحيث يسمع كلام جليسه ولا يفهم معناه، فهو ناعس، وإن زاد على
٢٤٢
١

ـرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
وهو يصلى فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فان أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدرى أمله يستغفر
فيسب نفسه .
ذلك فهو نائم . ومن علامات النوم الرؤيا طالت أو قصرت (وهو يصلى) جملة اسمية فى موضع الحال. وفى رواية
أبي داود: وهو فى الصلاة. قيل المراد فى صلاة الليل، لأنها محل النوم غالباً، وهذا عند مالك وجماعة. وقال النووى:
الجمهور على عمومها الفرض والنفل ليلا أو نهاراً لكن لا يخرج فريضة عن وقتها (فلير قد) بضم القاف من باب
نصر أى فليتم احتياطاً، لأنه علل بأمر محتمل، كما سيأتى، والأمر للندب ، قاله الزرقانى. وفى حديث أنس عند
البخارى : فلينم . وعند محمد بن نصر فى قيام الليل : فلينصرف فليرقد. وفى حديث أبى هريرة عند أبى داود وغيره :
إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع . وفى رواية عائشة عند النسائى:
فلينصرف أى بعد أن يتم صلاته مع تخفيف لا أنه يقطع الصلاة بمجرد النعاس، خلافا للمهلب حيث حمله على
ظاهره، فقال إنما أمر بقطع الصلاة لغلبة النوم ، فدل على أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك عنى عنه - انتهى. وقد
تقدم أن هذا الحديث حمله مالك وطائفة على نقل الليل خلافا للجمهور. قال المهلب: إنما هذا فى صلاة الليل ،
لأن الفريضة ليست فى أوقات النوم ولا فيها من التطويل ما يوجب ذلك - انتهى. قال الحافظ: قد قدمنا أن
الحديث جاء على سبب لكن العبرة بعموم اللفظ فيعمل به أيضاً فى الفرائض ما أمن بقاء الوقت - انتهى. قلت:
أشار الحافظ بقوله قدمنا أنه جاء على سبب إلى ما روى محمد بن نصر فى قيام الليل (ص ٧٧) عن عائشة قالت
مرت برسول الله مَثم الحولاء بنت تويت فقيل له يا رسول الله أنها تصلى بالليل صلاة كثيرة فإذا غلبها النوم
ارتبطت بحبل فتعلقت به فقال رسول اللّه مَّة بل تصلى ما قويت على الصلاة فاذا نمست فلتتم (حتى يذهب
عنه النوم) أى ثقله فالنعاس سبب للأمر بالنوم (فإن أحدكم) علة للرقاد وترك الصلاة (إذا صلى وهو ناعس)
جملة حالية يريد أنه إذا صلى فى حال غلبة النوم (لا يدرى) أى ما يفعل حذف المفعول للعلم به واستأنف بياناً
قوله (لعله يستغفر) بالرفع أى يريد أن يدعو ويستغفر لنفسه (فيسب نفسه) أى يدعو عليها، وقد صرح به النسائى
فى روايته: والمعنى يريد ويقصد أن يستغفر له فيسب نفسه أى يدعو عليها من حيث لا يدرى مثلا يريد أن يقول
اللهم اغفر لى فيقول اللهم اعفرلى، والعفر هو التراب فيكون دعاء عليه بالذل والهوان، وهو تمثيل وإلا
فلا يشترط التصحيف. وقوله: فيسب بالنصب جواباً للعل ، والرفع عطفا على يستغفر، وجعل ابن أبى جمرة علة
النهى خشية أن يوافق ساعة للاجابة . قال القسطلانى: والتر جی فی لعل عائد إلى المصلى لا إلى المتكلم به أى لايدرى
أمستغفر أم ساب مترجيا للاستغفار، وهو فى الواقع بضد ذلك وغاير بين لفظى النعاس فقال فى الأول نعس
بلفظ الماضى، وهنا بلفظ اسم الفاعل تنبيهاً على أنه لا يكفى تجدد أدنى نعاس وتقضيه فى الحال بل لا بد من ثبوته
٢٤٣

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب القصد فى العمل
متفق عليه .
١٢٥٤ - (٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه وَّى: إن الدين يسر، ولن يشاد
الدين أحد
بحيث يفضى إلى عدم درايته بما يقول وعدم عليه بما يقرأ - انتهى. وقال الطيبي: الفاء فى ((فيسب)) للية
كاللام فى قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا - ٢٨: ٨﴾ قال المالكى: يجوز فى («فيسب»
الرفع باعتبار عطف الفعل على الفعل ، والنصب باعتبار جعل فيسب جواباً للعل ، فانها مثل ليت فى اقتضاءها جواباً
منصوباً، ونظيره قوله تعالى: ﴿لعله يزكى أو يذكر فتفعه الذكرى - ٨٠: ٤) نصبه عاصم ورفعه الباقون -
انتهى كلامه. قال الطيبي: النصب أولى لما مر، ولأن المعنى لعله يطلب من اللّه لذقبه الغفران ليصير مزكى فيتكلم
بما يجلب الذنب فيزيد العصيان، فكأنه سب نفسه - انتهى. والحديث يدل على أن النعاس لا ينقض الوضوء إذ
لو كان ناقضا الوضوء لما منع الشارع عن الصلاة بخشية أن يدعو على نفسه بل وجب أن يذكر الشارع أنه
لا تصح صلاته مع النعاس، أو نحوه لانتقاض وضوءه، وفيه الحث على الاقبال على الصلاة بخشوع وفراغ قلب
ونشاط ، وفيه أمر الناعس بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النعاس ، وفيه اجتناب المكروهات فى الطاعات وجواز
الدعاء فى الصلاة من غير تقييد بشىء معين (متفق عليه) وأخرجه أيضا الترمذى وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقى (ج ٣ ص ١٦).
١٢٥٤ - قوله (إن الدين) وفى رواية النسائى: إن هذا الدين أى دين الاسلام (يسر) بضم الياء
التحتية وسكون السين أى مبنى على اليسر والسهولة فلا تشددوا على أنفسكم على دأب الرمبانية ، وقيل: يسر مصدر
وضع موضع المفعول مبالغة ، ذكره الطيبي. وقال القسلانى: أى ذو يسر، وذلك لأن الإلتشام بين الموضوع
والمحمول شرط، وفى مثل هذا لا يكون إلا بالتأويل، أو هو اليسر نفسه كقول بعضهم فى النبى تَبث إنه عين الرحمة
مستدلا بقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين - ٢١: ١٠٧ ) كأنه لكثرة الرحمة المودعة فيه صار
نفسها، والتأكيد بأن فيه رد على منكر يسر هذا الدين، فإما أن يكون المخاطب به منكرا أو على تقدير تنزيله
منزلته أو على تقدير المنكرين غير المخاطبين أو لكون القصة مما يهتم بها قال تعالى: ﴿ ما جعل عليكم فى الدين من
حرج - ٢٢: ٧٨﴾ وقال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر - ٢: ١٨٥) وسماه يسرا بالنسبة إلى
ذاته أو بالنسبة إلى سائر الأديان، لأن الله تعالى رفع عن هذه الأمة الإصر الذى كان على من قبلهم . ومن
أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم وتوية هذه الأمة بالاقلاع والعزم والندم (ولن يشاد الدين أحد)
بضم الياء وتشديد الدال للمغالبة من الشدة ، وهو منصوب بلن . والدين منصوب على المفعولية وأصله لا يقاوم
٢٤٤.
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
إلاغليه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشىء من الدلجة.
الدين ولا يقابله أحد بالشدة ولا يجرى بين الدين وبينه معاملة بأن يشدد كل منهما على صاحبه (إلا غلبه) الدين
ويعجزه عن العمل، والمعنى لا يتعمق أحد فى الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز. وانقطع عن عمله كله أو
بعضه فيغلب. والمقصود أنه لا يفرط أحد فيه ولا يخرج عن حد الاعتدال. قال ابن المنير: فى هذا الحديث علم
من أعلام النبوة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع أى منفرد ومتعمق فى الدين ينقطع ، وليس المراد
منه منع طلب الأكمل فى العبادة، فإنه من الأمور المحمودة بل منع الإفراط المؤدى إلى الملال أو المبالغة فى
التطوع المفضى إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلى طول الليل كله ويغالب النوم إلى
أن غلبته عيناه فى آخر الليل فنام عن صلاة الصبح فى الجماعة أو إلى أن خرج الوقت المختار أو إلى أن طلعت
الشمس، خرج وقت الفريضة . وفى حديث محجن بن الأدرع عند أحمد: لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة وخير دينكم
اليسرة وقد يستفاد من هذا الاشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة فى موضع الرخصة
تنطع كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضى به استعماله إلى حصول الضرر (فددوا) بالمهملة من
السداد، وهو القصد والتوسط فى العمل أى ألزموا السداد أى الصواب من غير إفراط ولا تفريط (وقاربوا)
فى العبادة وهو بالموحدة أى إن لم تستطيعوا الأخذ بالأ كمل فاعملوا بما يقرب منه. قال الطيبي: الفاء جواب شرط
محذوف يعنى إذا بينت لكم ما فى المشادة من الوهن فسددوا أى أطلبوا السداد، وهو القصد المستقيم الذى
لاميل فيه وقاربوا تأكيد للتسديد من حيث المعنى يقال قارب فلان فى أموره إذا اقتصد (وأبشروا) بقطع الهمزة
من الابشار. وفى لغة : بضم الشين من البشرى بمعنى الابشار أى أبشروا بالثواب الجزيل على العمل الدائم وإن
قل. والمراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره وأبهم
المبشر به تعظيما له وتفخيما (واستعينوا) على مداومة العبادة من بين الأوقات (بالغدوة) بفتح أوله وضمه
وسكون الثانية سير أول النهار إلى الزوال ، أو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس . وقال الطيبي: الغدوة بالضم
ما بين صلاة الغدوة إلى طلوع الشمس وبالفتح المرة من الغدو وهو سير أول النهار نقيض الرواح (والروحة)
بالفتح إسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل. وقيل: السير بعد الزوال (وشىء) أى واستعينوا بشىء ولو قليل،
وفى تنكير شىء الدال على القلة إشارة إلى أنه لا ينبغى أن يترك القيام بالليل ولو يسيراً، فان الاكثار فيه يتعب
الجسد ويضر بالمزاج (من الدلجة) بضم أوله وفتحه وإسكان اللام، سير آخر الليل. وقيل: سير الليل كله ،
ولهذا عبر فيه بالتبعيض، ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار وهذه الأوقات الثلاثة أطيب أوقات المسافر.
والمعنى استعينوا على مداومة العبادة بايقاعها فى الأوقات المنشطة، وفيه تشيه للسفر إلى الله تعالى بالسفر الحسى،
٢٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
رواه البخارى
١٢٥٥ - (٧) وعن عمر، قال: قال رسول اللّه وَ}: من نام عن حزبه أو عن شىء منه، فقراء
فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل.
ومعلوم أن المسافر إذا استمر على السير انقطع وعجز وإذا أخذ الأوقات المنشطة نال المقصد بالمداومة . قال
القسطلانى: فى هذا استعارة الغدوة والروحة وشىء من الدلجة لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة ، فإن هذه
الأوقات أطيب أوقات المسافر، فكأنه تمَّع خاطب مسافرا إلى مقصده فنبهه على أوقات نشاطه فان المسافر إذا
سافر الليل والنهار جميعاً عجز وانقطع وإذا تحرى السير فى هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة
وحسن هذه الاستعارة إن الدنيا فى الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون
فيها البدن للعبادة (رواه البخارى) فى كتاب الايمان. وأخرجه أيضا النسائى فيه وأحمد وابن حبان والبيهقى
(ج٣ ص ١٨) كلهم من طريق عمر بن على المقدمى عن معن بن محمد الغفارى عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن
أبى هريرة وعمر بن على، هذا بصرى ثقة لكنه مدلس شديد التدليس، وصفه بذلك ابن سعد وغيره. وهذا الحديث
من افراد البخارى عن مسلم وصححه وإن كان من رواية مداس بالعنعنة لتصريحه فيه بالسماع من طريق أخرى ،
فقد رواه ابن حبان فى صحيحه من طريق أحمد بن المقدام أحد شيوخ البخارى عن عمر بن على المذكور قال :
سمعت معن بن محمد، فذكره وهو من افراد معن بن محمد ، وهو ثقة قليل الحديث، لكن تابعه على شقه الثانى
ابن أبى ذئب عن سعيد. أخرجه البخارى فى كتاب الرقاق بمعناه ولفظه: سددوا وقاربوا وزاد فى آخره: والقصد
القصد تبلغوا، ولم يذكر شقه الأول. ومن شواهده حديث عروة الفقيمى عن النبى مَبه قال: إن دين الله يسر. ومنها
حديث بريرة قال: قال رسول اللّه ◌َيّ عليكم هديا قاصداً، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه . رواهما أحمد وإسناد
كل منهما حسن، كذا فى الفتح .
١٢٥٥ - قوله (من نام عن حزبه) بكسر الحاء المهملة وسكون الزاى المعجمة وبالموحدة، هو ما يجعله
الإنسان وظيفة له من صلاة أو قراءة أو غيرهما. وقال السيوطى: الحزب هو الجزء من القرآن يصلى به.
وقال العراقى: هل المراد به صلاة الليل أو قراءة القرآن فى صلاة أو غير صلاة، يحتمل كلامن الأمرين - انتهى.
والمعنى من فاته ورده كله فى الليل لغلبة النوم. والحمل على الليل بقرينة النوم ويشهد له آخر الحديث، وهو قوله:
ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، ويؤيده قوله فى رواية للنسائى: من نام عن حزبه أو قال عن جزءه من الليل
(أو عن شىء منه) أى من حزبه أى فاته بعض ورده (كتب له) جواب الشرط (كأنما قرأه من الليل) صفة
٢٤٦
١

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
١٢٥٦ - (٨) وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صل
رواه مسلم .
مصدر محذوف أى أثبت أجره فى صحيفة عمله اثباتا مثل اثباته حين قرأه من الليل. وقوله كتب له الخ. قال
القرطبي: هذا تفضل من اللّه تعالى، وهذه الفضيلة إنما تحصل لمن غلبه نوم أو عذر منعه من القيام مع أن نيته
القيام، وظاهره أن له أجره مكملا مضاعفاً، وذلك لحسن نيته وصدق تلهفه وتأسفه، وهو قول بعض شيوخنا.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون غير مضاعف أذ التى يصليها أكمل وأفضل، والظاهر هو الأول قلت: بل هو
المتعين والا فأصل الأجر يكتب بالنية. قال الشوكانى: الحديث يدل على مشروعية اتخاذ ورد فى الليل وعلى
مشروعية قضاءه إذا فات لنوم أو عذر من الأعذار ، وأن من فعله ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كان كمن
فعله فى الليل. وقد ثبت من حديث عائشة عند مسلم والترمذى وغيرهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا منعه
من قيام الليل نوم أو وضع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ، وفيه استحباب قضاء التهجد إذا فاته من الليل -
انتهى . وفى الحديث إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد
شكورا - ٢٥: ٦٢) قال الفاضى: أى ذوى خلفة يخلف كل منهما الآخر يقوم مقامه فيما ينبغى أن يعمل فيه من
فاته ورده فى أحدهما تداركه فى الآخر ـ انتهى. وهو منقول عن كثير من السلف كابن عباس وقتادة والحسن
وسلمان، كما ذكره السيوطى فى الدر، فتخصيصه بما قبل الزوال مع شمول الآية النهار بالكمال إشارة إلى المبادرة
بقضاء الفوت قبل إتيان الموت، أو لأن ما قارب الشىء يعطى حكمه (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذى
وأبو داود والنسائى وابن ماجه، وأخرجه مالك موقوفا على عمر من قوله ، والبيهقى مرفوعا و موقوفا (ج٢
ص ٤٨٥) والحديث مما استدركه الدار قطنى على مسلم ، وزعم أنه معلل بأن جماعة رووه هكذا مرفوعا وجماعة
رووه موقوفاً. قال النووى: وهذا التعليل فاسد. والحديث صحيح، واسناده صحيح أيضاً، لما بينا أن الصحيح بل
الصواب الذى عليه الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين أنه إذا روى الحديث مرفوعا و موقوفا أو موصولا
ومن سلاحكم بالرفع والوصل، لأنها زيادة ثقة. وسواء كان الرافع والواصل أكثر أو أقل فى الحفظ والعدد.
١٢٥٦ - قوله (وعن عمران بن حصين) مصغراً (صل) أى الفرض ، والحديث خرج جوابا عن
سؤال، كما يدل عليه أوله قال أى عمران بن حصين: كانت بى بواسير فسألت رسول اللّه مُؤثّم عن الصلاة فقال
صل قائما. والبواسير جمع باسور، يقال بالموحدة وبالنون ، والذى بالموحدة ورم فى باطن المقعدة. وقيل:
علة فى المقعدة يسببها تمدد عروق المقعدة ويحدث فيها نزف دم. وقيل: هو فى عرف الأطباء نفاطات تحدث على
نفس المقعدة ينزل منها كل وقت مادة ، والذى بالنون قرحة فاسدة فى البدن لا تقبل البرأ مادام فيها ذلك الفساد .
٢٤٧
٠

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
قائما، فان لم تستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب.
والمراد بقوله عن الصلاة أى عن صلاة المريض بدليل قوله: كانت بى بواسير. وفى رواية الترمذى: سألت عن صلاة
المريض (قائما) هذا صريح فى وجوب القيام فى الفرض فى حق المستطيع إذ السوال كان فيه دون النوافل فراكب
السفينة يجب له القيام إن استطاعه كما عليه الجمهور. ومن يجوز القعود له يجعل مظنة عدم الاستطاعة بمنزلة عدم
الاستطاعة (فان لم تستطع) أى القيام (فقاعدا) أى فصل حال كونك قاعدا، واستدل به من قال: لا ينتقل المريض
إلى القعود الا بعد عدم القدرة على القيام. وقد حكاه عياض عن الشافعى وعن مالك وأحمد وإسحاق : لا يشترط
العدم بل وجود المشقة ، ويدل لذلك حديث ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: يصلى المريض قائما،
فان نالته مشقة صلى جالسا، فإن نالته مشقة صلى نائماً يؤمى برأسه. أخرجه الطبرانى فى الأوسط. وقال:
لم يروه عن ابن جريج الا جلس بن محمد الضبعى. قال الهيثمى: ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات - انتهى.
قال الحافظ: والمعروف عند الشافعية أن المراد بنفى الاستطاعة وجود المشقة الشديدة بالقيام أو خوف زيادة
المرض أو الهلاك، ولا يكتفى بأدنى مشقة ، ومن المشقة الشديدة دوران الرأس فى حق راكب السفينة وخوف
الغرق لو صلى قائما فيها. قلت: ويدل لذلك حديث جعفر بن أبى طالب: أن النبي ◌َّ أمره أن يصلى فى السفينة
قائما إلا أن يخشى الغرق. أخرجه البزار، وفيه رجل لم يسم، وبقية رجاله ثقات، وسنده متصل، قاله الهيشمى. قال
الحافظ : ولم يبين كيفية القعود فيؤخذ من اطلاق قوله: فقاعدا أنه يجوز أن يكون القعود على أى صفة شاء المصلى،
وهو مقتضى كلام الشافعى فى البويطى. وقد أختلف فى الأفضل: فعن الأئمة الثلاثة: يصلى متربعا واضعا ليديه على
ركبتيه. وقيل: يجلس مفترشا وهو موافق لقول الشافعى فى مختصر المزنى. وصححه الرافعى ومن تبعه. وقيل:
متوركا. فى كل منها أحاديث - انتهى. (فان لم تستطع) أى القعود المشقة (فعلى جذب) أى فصل على جنبك.
قال المجد بن تيمية فى المنتقى: وزاد النسائى فإن لم تستطع فمستلقيا لا يكلف الله نفسا إلا وسعها - انتهى.
والمراد الجنب الأيمن متوجها إلى القبلة، ففى حديث على عند الدارقطنى مرفوعا باسناد ضعيف: يصلى المريض
قائماً إن استطاع، فان لم يستطع صلى قاعداً ، فان لم يستطع أن يسجد أوما برأسه ، وجعل سجوده أخفض من
ركوعه ، فإن لم يستطع أن يصلى قاعداً صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة فان لم يستطع أن يصلى على جنبه
الأيمن صلى مستلقيا رجلاه ما يلى القبلة، وهو حجة للجمهور فى الانتقال من القعود إلى الصلاة على الجنب الأيمن
قالوا ويكون كتوجه الميت فى القبر، وعن الحنفية وبعض الشافعية يستلقى على ظهره ، ويجعل رجليه إلى القبلة ،
وحديثا عمران وعلى يردان عليهم، لأن الشارع قدم فيهما الصلاة على الجنب على الاستلقاء، وصرح بأن حالة
الاستلقاء تكون عند العجز عن حالة الاضطجاع. قال ابن الحمام: لا ينتهض حديث عمران حجة على العموم،
فانه خطاب له وكان مرضه البواسير وهو يمنع الاستلقاء، فلا يكون خطابه خطابا للأمة - انتهى. قلت:
٢٤٨
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
رواه البخارى.
١٢٥٧ - (٩) وعنه، أنه سأل النبى تَفّ عن صلاة الرجل قاعدا، قال: إن صلى قائما فهو أفضل،
ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد.
يرد عليه حديث على المذكور ، فإنه خرج على وجه بيان الحكم لكل مريض من غير تخصيص برجل دون رجل
ومرض دون مرض. واستدل بقوله: فان لم تستطع فمستلقيا على أنه لا ينتقل المريض بعد عجزه عن الاستلقاء
إلى حالة أخرى كالاشارة بالرأس ثم الايماء بالطرف ثم اجراء القرآن والذكر على اللسان ثم على القلب لكون
جميع ذلك لم يذكر فى الحديث، وهو قول الحنفية والمالكية وبعض الشافعية. وقال بعض الشافعية بالترتيب
المذكور. ولما كانت القدرة شرطاً فى الفرض وسقط بالضرر، ففى النفل أولى، ففيه تنبيه على نوع مناسبة للباب
(رواه البخارى) وأخرجه أيضاً الترمذى وأبو داود وابن ماجه وغيرهم .
١٢٥٧ - قوله (وعنه) أى عمران بن حصين وهذا حديث آخر لعمران غير الحديث المتقدم ، لا أنهما
روايتان فى حديث واحد، كما توهم بعضهم وهما حدينان صحيحان، وكل منها مشتمل على حكم غير الحكم الذى
اشتمل عليه الآخر (أنه سأل) أى عمران (النبى مَّم عن صلاة الرجل) حال كونه (قاعداً) سوال عمران عن
الرجل خرج مخرج الغالب. فلا مفهوم له بل الرجل والمرأة فى ذلك سواء، والنساء شقائق الرجال (قال) وفى
البخارى: فقال أى النبى صلى الله عليه وسلم (إن صلى) حال كونه (قائماً فهو أفضل) قال الخطابي: إنما هو فى
التطوع دون الفرض ، لأن الفرض لا جواز له قاعداً والمصلى يقدر على القيام، وإذا لم يكن له جواز لم يكن لشىء
من الأجر ثبات - انتهى. وقال الحافظ: حكى ابن التين وغيره عن أبى عبيد وابن الماجشون وإسماعيل القاضى
وابن شعبان والاسماعيلى والداودى وغيرهم: أنهم حملوا حديث عمران على المتنفل، وكذا نقله الترمذى عن الثورى
قال: وأما المعذور إذا صلى جالسا، فله مثل أجر القائم. وقد روى فى بعض الحديث مثل قول سفيان الثورى
يشير إلى ما أخرجه البخارى من حديث أبى موسى رفعه إذا مرض العبد أو سافر كتب له صالح ما كان يعمل وهو
صحيح مقيم ، ولهذا الحديث شواهد كثيرة (ومن صلى) أى نفلا حال كونه (قاعداً) أى بغير عذر (فله نصف
أجر القائم) قال النووى فى الخلاصة: قال العلماء هذا فى صلاة النافلة أى مع القدرة على القيام. وأما الفرض
فلا يجوز القعود فيه مع القدرة على القيام بالاجماع فان عجز لم ينقص ثوابه - انتهى. (ومن صلى) حال كونه
(نائماً) أى مضطجعا على هيئة النائم مع القدرة على القيام والقعود (فله نصف أجر القاعد) يستثنى من عمومه
النبي صلى الله عليه وسلم فإن صلاته قاعداً لا ينقص أجرها عن صلاته قائما لحديث عبد الله بن عمرو الآتى فى الفصل
٢٤٩

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
الثالث وقد عد الشافعية هذه المسئلة من خصائصه مَّة. والحديث يدل على أنه يجوز أن يتطوع مضطجعا على
الجنب لغير عذر أى مع القدرة على القيام والقعود. قال ابن حجر: فيه أبلغ حجة على من حرم الاضطجاع فى صلاة
النفل مع القدرة على القعود. وقال الطيبي : وهل يجوز أن يصلى التطوع نائما مع القدرة على القيام أو القعود
فذهب بعض إلى أنه لا يجوز، وذهب قوم إلى جوازه، وأجره نصف القاعد، وهو قول الحسن، وهو الأصح
والأولى لثبوته فى السنة - انتهى. قلت: اختلف شراح الحديث فى هذا الحديث هل هو محمول على التطوع
أو على الفرض فى حق غير القادر ؟ فحمله الجمهور على المتطوع القادر كما تقدم وحمله آخرون، ومنهم: الخطابى
على المفترض الذى يمكنه أن يتحامل ، فيقوم مع مشقة وزيادة ألم فجعل أجره على النصف من أجر القائم ترغيبا
له فى القيام لزيادة الأجر وإن كان يجوز قاعداً، وكذا فى الاضطجاع. قال الخطابي فى المعالم (ج ١ ص ٢٢٥)
أما قوله صلاته نائما على النصف من صلاته قاعداً فإنى لا أعلم أنى سمعته إلا فى هذا الحديث ولا أحفظ عن أحد
من أهل العلم أنه رخص فى صلاة التطوع نائما، كما رخصوا فيها قاعدا، فإن صحت هذه اللفظة عن النّى مَّةٍ ولم تكن
من كلام بعض الرواة أدرجه فى الحديث وقاسه على صلاة القاعد أو اعتبره بصلاة المريض نائما إذا لم يقدر على
القعود، فإن التطوع مضطجعا للقادر على القعود جائز، كما يجوز أيضاً للمسافر إذا تطوع على راحلته، فأما من
جهة القياس ، فلا يجوز له أن يصلى مضطجعا، كما يجوزله أن يصلى قاعداً لأن القعود شكل من أشكال
الصلاة وليس الاضطجاع فى شىء من أشكال الصلاة - انتهى. وقد لخص الحافظ فى الفتح كلام الخطابى، ثم
فقل عنه أنه قال: وقد رأيت الآن أن المراد بحديث عمران المريض المفترض الذى يمكنه أن يتحامل فيقوم مع
مشقة فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم ترغيبا له فى القيام مع جواز قعوده - انتهى. قال الحافظ:
وهو حمل متجه قال: فمن على فرضا قاعداً وكان يشق عليه القيام أجزأه ، وكان هو ومن صلى قائما سواء. فلو
تحامل هذا المعذور وتكلف القيام ولو شق عليه كان أفضل لمزيد أجر تكلف القيام، فلا يمتنع أن يكون أجره
على ذلك نظير أجره على أصل الصلاة ، فيصح أن أجر القاعد على النصف من أجر القائم. ومن صلى النفل قاعداً
مع القدرة على القيام اجزأه وكان أجره على النصف من أجر القائم بغير أشكال قال: ولا يلزم من اقتصار العلماء فى
حمل الحديث على صلاة النافلة أن لا تراد الصورة التى ذكرها الخطابى. وقد ورد فى الحديث ما يشهد لها ، فعند
أحمد من طريقٍ ابن جريج عن ابن شهاب عن أنس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهى محمة فحم الناس
فدخل التى تُوفّ المسجد والناس يصلون من قعود فقال صلاة القاعد نصف صلاة القائم رجاله ثقات، وعند النسائى
متابع له من وجه آخر ، وهو وارد فى المعذور، فيحمل على من تكلف القيام مع مثقته عليه ، كما بحثه الخطابى -
انتهى كلام الحافظ مختصراً. قال الشيخ أحمد محمد شاكر فى تعليقه على الترمذى (ج ٢ ص ٢١٠) بعد نقل
كلام الخطابى ما لفظه: وكل هذا تكلف وتمحل من الخطابى بناء على زعمه أنه لم يرخص أحد من أهل العلم فى
٢٥٠

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
رواه البخارى.
( الفصل الثانى )
١٢٥٨ - (١٠) عن أبى أمامة، قال: سمعت النبي ◌َثم يقول: من أوى إلى فراشه طاهرا،
وذكر الله حتى يدركه النعاس، لم يتقلب ساعة من الليل يسأل الله فيها خيرا من خير الدنيا والآخرة،
الا أعطاه إياه .
صلاة التطوع نائما، حاول تأول الحديث ليخرجه عن معناه أو التشكيك فى صحة اللفظ فى النائم ، والحديث
حجة على أقوال العلماء، وليست أقوالهم حجة على الحديث ، ومع ذلك فان ما لم يعلمه الخطابى من أقوال
العلماء فى هذا عليه غيره ، فقد نقل الشوكانى عن الحافظ العراقى قال: أما نفى الخطابى وابن بطال للخلاف فى
صحة التطوع مضطجعا للقادر فمردود، فان فى مذهب الشافعية وجهين: الأصح منهما الصحة. وعند المالكية
فيه ثلاثة أوجه: حكاها القاضى عياض فى الإكمال. أحدها الجواز مطلقا فى الاضطرار، والاختيار الصحيح
والمريض بظاهر الحديث، وهو الذى به صدر القاضى كلامه. وقد روى الترمذى باسناده عن الحسن البصرى
جوازه، فكيف يدعى مع هذا الخلاف القديم والحديث الاتفاق - انتهى. قلت: الظاهر عندى هو قول الجمهور ،
فالحديث محمول على المتطوع القادر، والراجح أنه يجوز صلاة التطوع مضطجعا مع القدرة على القيام أو القعود
لظاهر الحديث، والله أعلم (رواه البخارى) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن "
ماجه والبيهقى (ج ٢ ص ٣٠٨ - ٤٩١).
١٢٥٨ - قوله ( من أوى) بالقصر ويمد ( إلى فراشه) أى أتاه لينام فى النهاية. أوى وآوى بمعنى
واحد يقال أويت إلى المنزل وآويت اليه وأويت غيرى وآويته. وأنكر بعضهم المقصور المتعدى. وقال الأزهرى:
هى لغة فصيحة . وقال النووى: إذا أوى إلى فراشه فقصور. وأما آوانا فممدود. هذا هو الصحيح المشهور
الفصيح. وحكى القصر فيهما وحكى المد فيهما، كذا فى المرقاة (طاهراً) أى متوضأ (وذكر الله) بلسانه أى
نوع من الأذكار . ولفظ الترمذى: يذكر الله، وهى جملة حالية (حتى يدركه النعاس) بضم النون يعنى حتى ينام
( لم يتقلب) من النقلب أى من جنب الى جنب. وقال القارى: أى لم يتردد ذلك الرجل على فراشه، وفى عمل اليوم
والليلة لم ينقلب أى من الانقلاب، قيل: المراد من الانقلاب هنا الاستيقاظ والانتباه من النوم (ساعة)
بالنصب أى فى ساعة (يسأل الله) حال من فاعل ((يتقلب)) (فيها) أى فى تلك الساعة (خيرا) الخير هنا ضد الشر
(من خير الدنيا والآخرة) المراد من الخير الثانى الجنس، والتنوين فى الأول للتذكير (الا أعطاء إياه) قال الطبى:
٢٥١
--------

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
ذكره النووى فى كتاب الأذكار برواية ابن السنى.
١٢٥٩ - (١١) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول اللّه وَبيع: عجب ربنا من رجلين:
رجل ثار عن وطاته ولحافه من بين حبه وأهله الى صلاته، فيقول
هو أيضا حال من يسأل، وجاز لأن الكلام فى سياق النفى يعنى لا يكون السائل حال من الأحوال فى أى زمان من
الليل الاكونه معطى إياه أى ما طلب فلا يخيب (ذكره النووى) وفى بعض النسخ: النواوى بالألف (فى كتاب
الأذكار) (ص ٧٥) فى باب ما يقوله أذا أراد النوم واضطجع على فراشه (برواية ابن السنى) هو الامام الحافظ
الثقة أبو بكر أحمد بن محمد بن اسحاق بن ابراهيم بن اسباط الدينورى، مولى جعفر بن أبى طالب الهاشمى المعروف
بابن السنى، بضم السين المهملة . وتشديد الفون المكسورة. قيل:" نسبة إلى العمل بالسنة، وهو صاحب كتاب
عمل اليوم والليلة. وراوى ستن النسائى سمع النسائى وأبا خليفة الجمحى وزكريا الساجى وغيرهم، وأكثر الترحال.
روى عنه خلق كثير كان دينا خيرا صدوقا عاش بضعاً وثمانين سنة. قال القاضي: أبو زرعة روح بن محمد سبط ابن
السنى سمعت عمى على بن أحمد بن محمد يقول: كان أبى يكتب الحديث فوضع القلم فى أنبوبة المحبرة ورفع يديه يدعو
الله تعالى فات، وذلك فى آخر سنة أربع وستين وثلاث مائة. وروى ابن السنى هذا الحديث فى آخر عمل اليوم
والليلة فى باب ما يقول إذا أخذ مضجعة (ص ٢٢٩) من طريق شهربن حوشب عن أبى أمامة، ومن هذا الطريق
أخرجه الترمذى فى الدعوات ، وقال : حديث حسن. وقد روى هذا أيضاً عن شهر بن حوشب عن أبى ظبية عن
عمرو بن عبسة عن النبى مَث - انتهى. قال المنذرى فى كتابه عمل اليوم والليلة: صنف العلماء فى عمل اليوم والليلة
والدعوات كتبا كثيرة ومن أحسنها للإمام أبى عبد الرحمن النسائى، وأحسن منه لصاحبه الحافظ أحمد بن محمد
المعروف بابن السنى الدينورى المتوفى سنة أربع وستين وثلاثمائة، وهو أجمع الكتب فى هذا الفن لكنها مطولة
قال: فحذفت الأسانيد لضعف همم الطالبين - انتهى. وقد ورد فى الباب أحاديث، ذكرها ابن السنى والمنذرى
والهيثمى :
١٢٥٩ - قوله (عجب ربنا) قيل العجب روعة تعترى الانسان عند استعظام الشىء، والعجب لله بمعنى
مجرد الاستعظام . قال الطيبى : أی عظم ذلك عنده و کبرلدیه. وقيل : عجب ربنا أی رضی وأئاب، والأول أو جه
لقوله: أنظروا الى عيدى على وجه المباهاة - انتهى. (من رجلين) قال القارى: أى رضى واستحسن فعلهما
( رجل) بالجر، بدل، وجوز الرفع، فالتقدير أحدهما أو منهما أو هما رجل (ثار) أى قام على سرعة بهمة
ونشاط ورغبة (عن وطاءه) بكسر الواو أى فراشه اللين (ولحافه) بكسر اللام أى تو به الذى فوقه. قيل: اللحاف
كل ما يلتحف به أى يتغطى واللباس الذى فوق ما سواء ( من بين حبه) بكسر الحاء المهملة أى محبوبه (فيقول
٢٥٢

مرعاة المفاتيح ج .٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
اللّه لملائكته: أنظروا الى عبدى، ثار عن فراشه ووطائه من بين حبه وأمله الى صلاته، رغبة فيما
عندى، وشفقا ما عندى، ورجل غزا فى سبيل الله فانهزم مع أصحابه، فعلم ما عليه فى الانهزام وماله
فى الرجوع، رجع حتى عريق دمه، فيقول الله لملائكته: أنظروا الى عبدى رجع رغبة فما عندى،
وشفقا ما عندى حتى هريق دمه. رواه فى شرح السنة.
B ( الفصل الثالث )
١٢٦٠ - (١٢) وعن عبد الله بن عمرو، قال: حدثت أن رسول اللّه رَفع قال: صلاة الرجل قاعدا
نصف الصلاة .
الله لملائكته) أى مباهاة لعبده (أنظروا الى عبدى) أى نظر الرحمة المترتب عليه الاستغفارله والشفاعة والاضافة
التشريف، وأى تشريف أو تفكروا فى قيامه من مقام الراحة (رغبة) أى لا رياء وسمعة بل ميلا (فيما عندى) من
الجنة والثواب، أو من الرضاء واللقاء يوم المآب (وشفقا) أى حذرا وخوفا (ما عندى) من الجحيم وأنواع
العذاب، أو من السخط والحجاب (ورجل) بالوجهين (غزا فى سبيل الله) أى مخلصا لوجه الله (فانهزم) أى
غلب وهرب (فعلم ما عليه) أى من الاثم أومن العذاب (فى الانهزام) إذا كان بغير عذر له فى المقام (وماله) أى
وعلم ماله من الثواب والجزاء (فى الرجوع) أى فى الاقبال على محاربة الكفار ولو كانوا أكثر منه فى العدد
وأقوى عنه فى العدد (فرجع) أى حسبة للّه وجاهد (حتى «ريق) أى صب، والهاء بدل من الهمزة ( دمه) يعنى
قتل واستشهد. والحديث من أدلة استحباب قيام الليل وفضيلته ( رواه) صاحب المصابيح (فى شرح السنة) أى
باسناده. وأخرجه أيضا أحمد وأبو يعلى والطبرانى وابن حبان فى صحيحه. قال العراقى: واسناده جيد. وقال
الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢ ص ٢٥٥) اسناده حسن ، ونقل القارى عن الجزرى أنه قال: رواه أحمد باسناد
صحيح، فيه عطاء بن السائب، وروى له الأربعة، والبخارى متابعة، ورواه الطبرانى - انتهى.
١٢٦٠ - قوله (حدثت) بصيغة المجهول أى حدثنى ناس من الصحابة (صلاة الرجل قاعداً نصف
الصلاة) أى قائما، والمعنى صلاة القاعد لغير عذر فيها نصف ثواب صلاة القائم، فيتضمن صحة صلاة القاعد
وفقصان أجرها. قال النووي: هذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعداً مع القدرة على القيام فهذا له نصف
ثواب القائم. وأما إذا صلى النفل قاعداً لمجزه عن القيام فلا ينقص ثوابه بل يكون كثوابه قائما. وأما الفرض
فإن صلاته قاعداً مع القدرة على القيام لم يصح ، فلا يكون فيه ثواب بل يأثم وإن صلى الفرض قاعداً لعجزه عز
٢٥٣

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
قال: فأتيته فوجدته يصلى جالسا، فوضعت يدى على رأسه. فقال: مالك يا عبد الله ابن عمرو؟
قلت: حدثت يا رسول الله! أنك قلت: صلاة الرجل قاعدا على نصف الصلاة، وأنت تصلى قاعداً.
قال: أجل، ولكنى لست كأحد منكم. رواه مسلم.
١٢٦١ - (١٣) وعن سالم بن أبي الجعد، قال: قال رجل من خزاعة: لیتی صليت فاسترحت،
القيام أو مضطجعا لعجزه عن القيام والقعود فئوابه كثوابه قانما لا ينقص فيتعين حمل الحديث فى تنصيف الثواب
على من صلى النفل قاعداً مع قدرته على القيام هذا تفصيل مذهبنا، وبه قال الجمهور فى تفسير هذا الحديث وحكاه
عياض عن جماعة، منهم الثورى وابن الماجشون - انتهى مختصرا. (فوضعت يدى) الظاهر أنه فعل ذلك بعد
فراغه صلى اللّه عليه وسلم من الصلاة إذ ما يظن به ذلك قبله (على رأسه) أى ليتوجه اليه، وكأنه كان هناك مانع
من أن يحضر بين يديه ، ومثل هذا لا يسمى خلاف الأدب عند طائفة العرب لعدم تكلفهم وكمال تأثفهم ، قاله
القارى. وقيل: هذا على عادة العرب فيما يعتنون به. وقيل : كان ذلك فى عادتهم فيما يستغربونه ويتعجبون منه ، كفعل
المستغرب للشىء المتعجب من وقوعه مع من استغرب منه. ونظيره أن بعض العرب كان ربما لمس لحيته الشريفة
عند مفاوضته معه. وقيل: صدر ذلك عنه من غير قصد منه استغرابا وتعجبا (فقال مالك) أى ما شأنك وما
عرض لك (على نصف صلاة القائم) أى يقاس صلاة الرجل قاعداً على نصف صلاته قائما فى الثواب (وأنت تصلى
قاعداً) أى فكيف اخترت نقصان الأجر مع شدة حرصك على تكثيره (قال أجل) أى نعم قد قلت ذلك
(ولكنى لست كأحد منكم) أى ذلك الذى ذكرت من أن صلاة الرجل قاعداً على نصف صلاته قائما هوحكم غيرى
من الأمة فهو مختص بهم. وأما أنا خارج عن هذا الحكم ويقبل ربى منى صلاتى قاعداً مقدار صلافى قائماً،
فصلاتى النافلة قاعداً مع القدرة على القيام فى تمام الأجر وكمال الثواب كصلاتى قائما، أو ذلك من خصائصى لما
اختص به من غاية التوجه والحضور والمعرفة والقرب فلا تقيسونى على أحد ولا تقيسوا أحداً على. قال النووي:
هذا من خصائصه وفّم جعلت نافلته قاعداً مع القدرة على القيام كنافلته قائما تشريفاً له، كما خص بأشياء معروفة
فى كتب أصحابنا وغيرهم وقد استقصيتها فى أول كتاب تهذيب الأسماء واللغات (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً
أبو داود والنسائى
١٢٦١ - قوله (وعن سالم بن أبي الجعد) الغطفانى الأشجعى، مولاهم الكوفى ، ثقة من أوساط التابعين
مات سنة سبع، أو ثمان وتسعين، وقيل: مائة أو بعد ذلك ( من خزاعة ) بضم الخاء المعجمة وبالزاى ، قبيلة ،
وهو صفة رجل (ليتنى صيلت فاسترحت) أى بالاشتغال بالصلاة لكونها مناجاة مع الرب تعالى، أو بالفراغ
٢٥٤

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
فكرأهم عابوا ذلك عليه، فقال: سمعت رسول اللّه مَيفعل يقول: أقم الصلاة يا بلال! أرحنا بها.
رواه أبو داود.
(٣٥) باب الوتر
منها لاشتغال الذمة بها قبل الفراغ عنها (فكأنهم) أى بعض الحاضرين (عابوا ذلك عليه) لأن ظاهر كلامه يدل على
أن الصلاة ثقيلة وشاقة عليه فيطلب الاستراحة بعد رفعها. قال فى العات عابوا ذلك عليه لما تبادر إلى أفهامهم من
طريان الكسل والثقل كأنه قال يا ليتنى صليت فاسترحت ونمت فانى لم اطق انتظارها ، وقال الطيبي: أى عابوا
تمنيه الاستراحة فى الصلاة وهى شاقة على النفس وثقيلة عليها ولعلهم نسوا قوله تعالى: ﴿ وإنها لكبيرة الا على
١٦١ شعين - ٢: ٤٥﴾ (فقال) أى الرجل الخزاعى (سمعت رسول الله عزّه يقول أقم الصلاة يابلال أرحنا بها) أى
لست أريد مافهمتم حاشا ذلك، بل أردت ما أراده رسول اللّه مَثم بقوله يا بلال أرحنا بها فسكتوا، واعلم أنه ذكر
فى معنى قوله مَّفي أرحنا بها يا بلال وجهان: أحدهما أن أذن بالصلاة حتى نستريح بأدائها من شغل القلب فيها.
وثانيهما أنه كان اشتغاله مَّه بالصلاة راحة له، فانه كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعباً، فكان يستريح
بالصلاة لما فيها من مناجاة الله تعالى، ولذا قال وجعلت قرة عين لى فى الصلاة وما أقرب الراحة من قرة العين
وهذان المعنيان مذكوران فى النهاية، والفرق بينهما أن الراحة فى الأول بخلاص الذمة بالأداء عن تعب الاشتغال
بالصلاة ، وتعلق القلب بها . وفى الثانى الراحة بوجود الصلاة ولذة المناجاة وشهود الحق الذى كان يحصل فيها ،
ولا شك أن الحمل على المعنى الثانى أنسب وأليق بمقامه مر ثية (رواه أبو داود) فى كتاب الأدب ، وسكت عليه
هو ، والمنذرى.
(باب الوتر) أى صلاة الوتر ، وبيان وقته، وعدد ركعاته، وقراءته ، وقضاءه ، وقنوته . و کونه واجبا
أو سنة وغير ذلك مما يشتمل عليه أحاديث الباب من الأمور المتعلقة بالوتر ، كمشروعية الركعتين بعده جالسا ،
وما يقال بعد الفراغ منه من التسبيح، والوتر بكسر الواو الفرد أو مالم يتشفع من العدد وبفتحها الثأر، وفى لغة
مترادفان . قال ابن التين: أخلف فى الوتر فى سبعة أشياء: فى وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه
بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفى آخر وقته، وصلاته فى السفر على الدابة. قال الحافظ: وفى قضاءه، والقنوت
فيه، وفى محل القنوت منه، وفيما يقال فيه وفى فصله ووصله، وهل تسن ركعتان بعده ، وفى صلاته من قعود،
وفى أول وقته ، وفى كونه أفضل صلاة التطوع أو الرواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتى الفجر - انتهى. وقد
ذكر المصنف من الأحاديث ما يجىء فى شرحها بيان أكثر هذه الأشياء.
٢٥٥
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
الفصل الأول )
١٢٦٢ - (١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى،
١٢٦٢ - قوله (صلاة الليل) الحديث خرج جوابالسؤال، ففي رواية للبخاري: أن رجلا جاء إلى
النبى صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال كيف صلاة الليل فقال مثنى مثنى. قال الحافظ: وقد تبين من الجواب أن
السؤال وقع عن عددها أو عن الفصل والوصل. وفى رواية محمد بن نصر قال قال رجل يا رسول الله كيف
تأمرنا أن نصلى من الليل. وقيل: جوابه بقوله ((مثنىء يدل على أنه فهم من السائل طلب كيفية العدد لا مطلق الكيفية.
قال الحافظ : فيه نظر وأولى ما فسر به الحديث من الحديث (مثنى) بلا تنوين، لأنه غير منصرف لتكرار العدل
فيه، قاله صاحب الكشاف . وقال آخرون: ومنهم سيبويه العدل والوصف وهو يفيد التكرار، لأنه بمعنى اثنين
اثنين . وأما إعادة مثنى الثانى فللمبالغة فى التأكيد، وإلا فالتكرار يكفى فى إفادته مثنى الأول، وهو خبر لفظا،
لكن معناه الأمر والندب. والمقصود أنه ينبغى الصلى أن يصليها ركعتين ركعتين. قال الحافظ: وقد فسره ابن
عمر راوى الحديث فعند مسلم من طريق عقبة بن حريث قال قلت: لاين عمر ما معنى مثنى مثنى . قال تسلم من
كل ركعتين وفيه رد على من زعم من الحنفية أن معنى مثنى أن يتشهد بين كل ركعتين، لأن راوى الحديث أعلم
بالمراد به ، وما فسره به هو المتبادر إلى الفهم ، لأنه لا يقال فى الرباعية مثلا أنها مثنى - انتهى. قلت: ويؤيد
حمله على الفصل بالسلام بين كل ركعتين حديث المطلب بن ربيعة مرفوعا عند أحمد بلفظ: الصلاة مثنى مثنى
وتشهد وتسلم فى كل ركعتين الخ. ويؤيده أيضا ما تقدم من حديث عائشة فى باب صلاة الليل كان يصلى فيما بين أن
يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين. ويؤيده أيضا حديث ابن عباس
عند ابن خزيمة فى قصة مبيته فى بيت خالته ميمونة حيث وقع فيه التصريح بالفصل، ولفظه: يسلم من كل ركعتين .
وحديث أبى أيوب عند أحمد أن رسول الله مَّ كان إذا قام يصلى من الليل صلى أربع ركعات لا يتكلم ولا يأمر
بشىء ويسلم بين كل ركعتين. وأما حديث عائشة عند البخاري وغيره يصلى أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن
ثم يصلى أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، فليس فيه دليل على الوصل، وقد اعترف بذلك الشيخ محمد أنور
حيث قال: لا دليل فيه للحنفية فى مسئلة أفضلية الأربع، فان الانصاف خير الأوصاف، وذلك لأن الأربع
هذه لم تكن بسلام وأحد، بل جمع الراوى بين الشفعين لتناسب بينهما نحو كونهما فى سلسلة واحدة بدون جلسة
فى البين كالترويحة فى التراويح، فانها تكون بعد أربع ركعات، هكذا شرح به أبو عمر فى التمهيد - انتهى.
واستدل بالحديث على تعين الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل. قال ابن دقيق العيد فى شرح العمدة (ج٢
ص ٨٣) أخذ به مالك فى أنه لا يراد فى صلاة النفل على ركعتين، وهو ظاهر هذا اللفظ فى صلاة الليل، وقد
٢٥٦
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
ورد حديث آخر صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، وإنما قلنا إنه ظاهر اللفظ لأن المبتدأ محصور فى الخبر ، فيقتضى
ذلك حصر صلاة الليل فيما هو مثنى وذلك هو المقصود إذ هو ينافى الزيادة لما انحصرت صلاة الليل فى المثنى -
انتهى. وقال الأمير اليمانى: قال مالك لا تجوز الزيادة على اثنين، لأن مفهوم الحديث الحصر، لأنه فى قوة
ما صلاة الليل إلا مثنى مثنى، لأن تعريف المبتدأ قد يفيد ذلك على الأغلب - انتهى. ويجوز الزيادة على الركعتين
عند الشافعى وأحمد وأبى حنيفة، لما صح وثبت عن النبى يَّن أنه صلى النافلة أكثر من ركعتين ، ومحمل الحديث
عند الشافعى وأحمد على أنه لبيان الأفضل، لما صح من فعله تَّ يخالف ذلك ، ويحتمل أن يكون للارشاد إلى
الأخف إذ السلام بين كل ركعتين أخف على المصلى من الأربع فما فوقها لما فيه من الراحة غالباً وقضاء ما يعرض
من أمر مهم ، ومحمله عند الحنفية الحصر فى الاشفاع يعنى لا يجوز الجلوس على الأكثر أو الأقل من ركعتين .
قال فى الهداية: ومعنى ما رواه شفعا لاوترا، وقد تقدم الرد عليه فى كلام الحافظ واستدل به أيضا على عدم
النقصان عن ركعتين فى النافلة ما عدا الوتر. واختلفوا فيه أيضا فقال مالك وأبو حنيفة: التطوع بركعة واحدة
باطل ، إلا أنهما اختلفا فى الوتر فقال مالك بالجواز، وأبو حنيفة بالمنع . وذهب الشافعى وأحمد إلى جواز التطوع
بركعة فردة ، واستدل بعض الشافعية للجواز بعموم قوله الصلاة خير موضوع فمن شاء استكثر ومن شاء استقل،
مصمحه ابن حبان وقد اختلف من رأى الزيادة على الركعتين فى النافلة فى الفصل والوصل أيهما أفضل فذهب
الشافعى وأحمد إلى أن الفصل فى صلاة الليل والنهار أفضل ، واستدل لهما بما رواه الترمذى وأبو داود والنسائى
وابن ماجه من حديث ابن عمر مرفوعا صلاة الليل والنهار مثنى مثنى وتعقب بأن أكثر أئمة الحديث أعلوا
زيادة قوله والنهار وضعفوها ، لأنها من طريق على الأزدى البارقى عن ابن عمر، وهو ضعيف عند ابن معين .
روى محمد بن نصر فى سوالاته وابن عبد البر فى التمهيد عن يحيى بن معين أنه قال صلاة النهار أربع لا تفصل
بينهن ، فقيل له إن ابن حنبل يقول صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فقال بأى حديث؟ فقيل له بحديث الأزدى عن
ابن عمر فقال ومن على الأزدى؟ حتى أقبل هذا منه وأدع يحيى بن سعيد الأنصارى عن نافع عن ابن عمر أنه
كان يتطوع بالنهلر أربما لا يفصل بينهن ، لوكان حديث الأزدى صحيحا لم يخالفه ابن عمر يعنى مع شدة اتباعه.
وقال الترمذى: وروى الثقات عن ابن عمر عن النبى معَّهم ولم يذكروا فيه صلاة النهار وحكم النسائى على راويها
بأنه أخطأ فيها. وقال الدار قطنى فى العلل: إنها وهم. وقال الحافظ: روى ابن وهب بإسناد قوى عن ابن عمر
قال صلاة الليل والنهار مثنى مثنى موقوف. أخرجه ابن عبد البر من طريقه فلعل الأزدى اختلط عليه الموقوف
بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة من يشترط فى الصحيح أن لا يكون شاذا ـ انتهى. قلت:
قد صححها ابن خزيمة وابن حبان والحاكم فى المستدرك وقال رواتها ثقات. وقال الخطابي: إن سيل الزيادة.
٢٥٧

مرعاة المفاتيح ج ؟
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
فاذا خشى أحدكم الصبح، صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى.
من الثقة أن تقبل. وقال البيهقى: هذا حديث صحيح، وقد صححه البخارى لما سئل عنه، ثم روى ذلك بسنده
اليه قال وقد روى عن محمد بن سبرين عن ابن عمر مرفوعا بإسناد كلهم ثقات - انتهى كلام البيهقى ، وله طرق
وشواهد، وقد ذكر بعض ذلك الحافظ فى التلخيص وذهب أبو حنيفة إلى أن الأفضل فيهما أربع أربع ولم أر
حديثاً صحيحاً صريحاً يدل على أفضلية ذلك فى الليل والنهار وذهب بعضهم إلى أن الأفضل فى صلاة الليل مثنى
مثنى، وأما فى صلاة النهار فأربع أربع، وهو قول الثورى وابن المبارك وإسحاق وأبى يوسف ومحمد ، واستدل
لهم بمفهوم حديث ابن عمر صلاة الليل مثنى مثنى قالوا إنه يدل بمفهومه على أن الأفضل فى صلاة النهار أن تكون أربعا
وتعقب بأنه مفهوم لقب وليس بحجة على الراجح، وعلى تقدير الأخذ به فليس بمنحصر فى أربع، وبأنه خرج
جوابا للسوال عن صلاة الليل فقيد الجواب بذلك مطابقة للوال، واستدلوا أيضا بما تقدم من حديث أبى أيوب
مرفوعا أربع قبل الظهرليس فيهن تسليم، وقد أسلفنا الكلام فيه مع الجواب عن هذا الاستدلال والأولى عندى
أن تكون صلاة الليل مثنى مثنى، لكونه أجاب به السائل، ولكون أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقا ، وأما
صلاة النهار فإن شاء صلى أربعا بسلام واحد أو بسلامين لحديث على الأزدى ، ولحديث أبى أيوب وقد عرفت
ما فيهما من الكلام (فاذا خشى أحدكم الصبح) أى فوت الوتر بطلوع الفجر وظهوره (صلى ركعة واحدة توتر)
أى هذه الركعة الفردة ( له) أى لأحدكم (ما قد صلى) أى تجعل تمام ما صلى وتراً، فإن تلك الواحدة كما أنها
بذاتها وتر، كذلك يصير بها جميع صلاة الليل وتراً ، قال ابن الملك: أى تجعل هذه الركعة الصلاة التى صلاها
فى الليل وتراً بعد أن كانت شفعا ، والحديث حجة الشافعى فى قوله: الوتر ركعة واحدة ، وتعقبه القارى بما
نقله عن ابن الهمام أن نحو هذا كان قبل أن يستقر أمر الوتر، وفيه أنه لادليل على أن هذا كان قبل استقرار أمر
الوتر ، ولا على أن الوتر محصور فى ثلاث ركعات، فهو مردود على ابن الهمام. قال السندى: فى حاشية النسائى
قوله: فإذا خشيت الصبح فواحدة ، ظاهر الحديث مع أحاديث آخر يفيد جواز الوتر بركعة واحدة، كما هو
مذهب الجمهور، والقول بأنه كان ثم نسخ إثباته مشكل - انتهى. ووقع فى رواية للبخارى: صلاة الليل مثنى مثنى،
فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما صليت وفيه رد على من ادعى من الحنفية أن الوتر بواحدة
مختص بمن خشى طلوع الفجر ، لأنه علقه بإرادة الانصراف ، وهو أعم من أن يكون لخشية طلوع الفجر أو
غير ذلك واعلم أنه ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد إلى صحة الايتار بركعة واحدة إلا أن مالكا
اشترط تقدم الشفع قبلها، فكان الوتر عنده ثلاث ركعات بتسليمتين وجوباً، ففي المدونة قال مالك: لا ينبغى لأحد أن
يوتر بواحدة ليس قبلها شىء لا فى حضر ولا فى سفر، لكن يصلى ركعتين ثم يسلم ثم يوتر بواحدة - انتهى. قال
٢٥٨

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
الحافظ: واستدل بقوله توتر له ما قد صلى على تعين الشفع قبل الوتر، وهو عن المالكية بناء على أن قوله ما قد صلى
: أى من النفل، وحمله من لا يشترط سبق الشفع على ما هو أعم من النفل والفرض، وقالوا أن سبق الشفع شرط
فی الکمال لا فی الصحة، ويؤيده حدیث أبی أیوب مرفوعا الوتر حق فمن شاء أوتر بخمس و من شاء بثلاث ومن
شاء بواحدة. أخرجه أبو داود والنسائى، وصححه ابن حبان والحاكم، وصح عن جماعة من الصحابة أنهم
أو تروا بواحدة من غير تقدم نقل قبلها، ففى كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد أن
عثمان قرأ القرآن ليلة فى ركعة لم يصل غيرها، وسيأتى فى الدعوات أى عند البخارى حديث عبد الله بن ثعلبة أن
سعداً أوتر بركعة، وسيأتى فى المناقب عن معاوية أنه أو تر بر کعة، وأن ابن عباس استصوبه، وفی کل ذلك رد على
ابن التين فى قوله: إن الفقهاء لم يأخذوا بعمل معاوية فى ذلك، وكأنه أراد فقهاءم ـ انتهى كلام الحافظ. وقد
ذكر محمد بن نصر فى قيام الليل آثاراً كثيرة عن السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم فى الوتر بركعة من أحب
الوقوف عليها رجع اليه. قال الشوكانى فى الفيل نقلا عن الحافظ العراقى: وممن كان يوتر بركعة من الصحابة
الخلفاء الأربعة وسعد بن أبى وقاص ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب وأبوموسى الأشعرى وأبو الدرداء وحذيفة
وابن مسعود وابن عمر وابن عباس ومعاوية وتميم الدارى وأبو أيوب الأنصارى وأبو هريرة وفضالة بن عبيد
وعبد الله بن الزبير ومعاذ بن الحارث القارى، وهو مختلف فى صحبته . وقد روى عن عمر وعلى وأبى وابن مسعود
الايتار بثلاث متصلة، ومن أوتر بركعة سالم بن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عياش بن أبى ربيعة والحسن
البصرى ومحمد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح وعقبة بن عبد الغافر وسعيد بن جبير ونافع بن جبير بن مطعم
وجابر بن زيد والزهرى وربيعة بن أبى عبد الرحمن وغيرهم، ومن الأئمة مالك والشافعى والأوزاعى وأحمد
وإسحاق وأبو ثور وداود وابن حزم - انتهى. واستدل لهم فيما قالوا من جواز الايتار بركعة واحدة فردة،
بحديث ابن عمر هذا ، وبحديثه الآتى بعد ذلك، وبحديث عائشة السابق فى باب صلاة الليل يسلم من كل ركعتين
ويوتر بواحدة ، فانه يدخل فيه الركعتان اللتان قبل الأخيرة ، فهو كالنص فى موضع النزاع، وبحديث أبى أيوب
الآتى فى الفصل الثانى، وبحديث ابن عباس عند مسلم الوتر ركعة من آخر الليل ، وبحديث القاسم بن محمد عن
عائشة أن النبى مَث أو تر بركعة. رواه الدار قطنى وإسناده صحيح، وبما روى الطحاوى من طريق سالم بن عبد الله
ابن عمر عن أبيه أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة وأخبر أن النبي ◌َّثة كان يفعله. قال الحافظ فى الفتح:
وإسناده قوى، وذكره فى التلخيص (ص ١١٧) بلفظ: أن النبي ◌َّ كان يفصل بين الشفع والوقر، ثم قال
رواه أحمد وابن حبان وأين السكن فى صحيحيهما، والطبرانى من حديث ابراهيم الصائغ عن نافع عن ابن عمر
به، وقواه أحمد. قال فى الفتح: ولم يعتذر الطحاوى عنه إلا بإحتمال أن يكون المراد بقوله بتسليمة أى التسليمة
٢٥٩

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
التى فى التشهد، ولا يخفى بعد هذا التأويل - انتهى. وبحديث ابن عباس أن النبى مؤقتة أو تر بركعة، رواه ابن
حبان من طريق كريب، ذكره فى التلخيص وفى هذه الأحاديث رد على ابن الصلاح فيما قال لا نعلم فى روايات
الوتر مع كثرتها أنه عليه السلام أو تر بواحدة حسب وذهب أبو حنيفة إلى أن الوتر ثلاث ركعات موصولة
بتشهدين وتسليمة واحدة لا أقل منها ولا أكثر، فالوتر عنده كصلاة المغرب يجلس فى الثانية ثم يقوم دون تسليم
ويأتى بالثالثة ثم يجلس ويتشهد ويسلم. واستدل له بالأحاديث التى تدل على الايتار بثلاث ركعات، كحديث عائشة
أن رسول الله ورفع كان لا يسلم فى ركعتى الوتر. أخرجه النسائي والحاكم (ج ١ ص ٣٠٤) والدار قطنى والبيهقى
(ج ٣ ص ٣١) بإسناد حسن، وكحديث أبي بن كعب عند النسائى بلفظ: يوتر بسبح اسم ربك الأعلى،
وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد لا يسلم إلا فى آخرهن. وقد بين فى عدة طرق أن السور الثلاث
بثلاث ركعات وكحديث ابن أبزى عند النسائى أيضاً نحوه وفيه أن هذه الأحاديث ليس فيها ما يدل على
الحصر فى الايتار بالثلاث وأنه لا يجوز أقل منها ولا أكثر، وليس فيها تصريح الجلوس فى الركعة الثانية ، بل
فى رواية عائشة عند الحاكم (ج ١ ص ٣٠٤) على ما نقله الحافظ فى الفتح والتلخيص ، والزرقانى فى شرح
المواهب اللدنية، والذهبى فى تلخيص المستدرك، وقد صوب ذكرها النيموى فى تعليق التعليق، وذكرها أيضاً البيهقى
(ج ٣ ص ٣١) نفى الجلوس فى الثانية. ولفظها: كان النبى رَّم يوتر بثلاث لا يقعد إلا فى آخرمن، وكذا ينفيه
حديث النهى عن التشبه بصلاة المغرب ولم أجد حديثا مرفوعا صحيحاً صريحاً فى إثبات الجلوس فى الركعة الثانية
عند الايتار بثلاث واستدل له أيضاً بحديث النهى عن البتيراء وسيأتى الجواب عنه. قال الحافظ فى الفتح: وحمل
الطحاوى قول عائشة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة ومثله على أن الركعة مضمومة إلى الركعتين قبلها
ولم يتمسك فى دعوى ذلك إلا بالنهى عن البتيراء. أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد عن عبد الله بن محمد بن يوسف
نا أحمد بن محمد بن اسماعيل بن الفرج نا أبى نا الحسن بن سليمان قبطية ناعثمان بن محمد بن ربيعة بن أبى
عبد الرحمن نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبى سعيد أن النبي مَثّ نهى عن
البتيراء أن يصلى الرجل واحدة يوتر بها. وأجيب عنه بوجوه: أحدها أنه حديث ضعيف، فان فى سنده عثمان
ابن محمد. قال عبد الحق فى أحكامه بعد ذكره من جهة ابن عبد البر الغالب على حديث عثمان بن محمد بن ربيعة الوهم.
وقال ابن القطان فى كتاب الوهم والايهام: هذا حديث شاذ لا يعرج عليه مالم يعرف عدالة رواته ، وعثمان بن محمد
ابن ربيعة الغالب على حديثه الوهم. والثانى أنه معارض بما رواه ابن ماجه والطحاوى ومحمد بن نصر من طريق
الأوزاعى عن المطلب بن عبد الله المخزومى أن رجلا سأل ابن عمر عن الوتر فأمره بثلاث يفصل بين شفعه ووتره
٢٦٠