النص المفهرس

صفحات 221-240

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
وفى رواية لمسلم: ثم يبسط يديه ويقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم؟ حتى ينفجر الفجر.
١٢٣١ - (٦) وعن جابر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن فى الليل لساعة،
وهى عندنا صحاح قوية، قال رسول اللّه مؤفي: ينزل ولم يقل كيف ينزل، فلا نقول كيف ينزل، نقول كما
قال رسول الله عزوفه. وروى البيهقى فى كتاب الأسماء والصفات عن أبى محمد أحمد بن عبد الله المزنى يقول:
حديث النزول قد ثبت عن رسول الله عزفى من وجوه صحيحة، وورد فى التنزيل ما يصدقه، وهو قوله: ﴿روجاء
ربك والملك صفا صفا - ٩٠: ٢٢﴾ - انتهى. وذكر البيهقى عنه مثل هذا فى السنن الكبرى (ج ٣ ص ٣) أيضاً
(وفى رواية لمسلم: ثم يبسط يديه) قال النووى: هو إشارة إلى نشر رحمته، وكثرة عطاءه. واجابته، وإسباغ
فعمته (ويقول) أى بذاته، أو على لسان ملك من خواص ملائكته (من يقرض) بضم الياء من الإقراض.
والمراد بالقرض عمل الطاعة، - وا. فيه الصدقة والصلاة والصوم والذكر وغيرها من الطاعات. وسماء قرضا
ملاطفة للعباد ، وتحريضاً لهم على المبادرة إلى الطاعة ، فإن القرض إنما يكون من يعرفه المقترض ، وبينه وينه
موانسة ومحبة، لحين بتعرض للقرض يبادر المطلوب منه بإجابته لفرحه بتأهيله للاقتراض منه، وأدلاله عليه،
وذكره له. والمعنى من يعطى العبادة البدنية والمالية على سبيل القرض وأخذ العوض (غير عدوم) أى رباً غنياً
غير فقير عاجز عن العطاء (ولا ظلوم) بعدم وفاء دينه أو بنقصه أو بتأخير أداء، عن وقته. وإنما خص نفى ماتين
الصفتين ، لأنهما المانعان غالباً عن الاقراض، فوصف الله تعالى ذاته بنفى هذا المانع. وحاصل المعنى من يعمل
خيرا فى الدنيا يحد جزاءه كاملا فى العقبى، فشبه هذا المعنى بالاقراض. وفيه تحريض على عمل الطاعة، وإشارة
إلى جزيل الثواب عليها (حتى ينفجر الفجر) أى ينشق أو يطلع ويظهر الصبح وهى غاية للبسط والقول، أى لايزال
يقول ذلك حتى يضىء الفجر. وفيه دليل على امتداد وقت الرحمة واللطف التام إلى إضاءة الفجر. وزاد فى رواية
الدار قطنى فى آخر الحديث: ولذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله، وله من رواية ابن سمعان عن الزهرى
ما يشير إلى أن قائل ذلك هو الزهرى. وبهذه الزيادة تظهر وتتضح مناسبة ذكر الحديث فى باب التحريض على قيام
الليل. وفى الحديث من الفوائد تفضيل صلاة آخر الليل على أوله، وتفضيل تأخير الوتر، لكن ذلك فى حق من طمع
أن ينقبه وأن آخر الليل أفضل الدعاء والاستغفار. ويشهد له قوله تعالى: وإن الدعاء فى ذلك الوقت مجاب.
ولا يعترض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين ، لأن سبب التخلف وقوع الخلل فى شرط من شروط الدعاء.
كالاحتراز فى المطعم والمشرب والملبس أو لاستعجال الداعى أو بأن يكون الدعاء باثم أو قطيعة رحم أو تحصل
الاجابة، ويتأخر وجود المطلوب لمصلحة العبد أو لأمر يريده الله تعالى.
١٢٣١ - قوله (إن فى الليل لساعة) بلام التأكيد أى مبهمة كساعة الجمعة ، وليلة القدر، وأبهمت
٢٢١
-

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
لا يوافقها رجل مسلم، يسأل الله فيها خيرا من أمر الدنيا والآخرة، الا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة.
رواه مسلم.
١٢٣٢ - (٧) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول اللّه ◌َبَّ: أحب الصلاة إلى الله صلاة
داود، وأحب الصيام الى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه،
لأجل أن يجتهد الشخص جميع الليل، ولا يقتصر على العبادة فى وقت دون وقت ، وسیأتی مزيد الكلام فيه
(لا يوافقها رجل مسلم) وكذا امرأة مسلمة. وهذه الجملة صفة لساعة أى ساعة من شأنها أن يترقب لها ويغتم
الفرصة لإ دراکہا لأنها من نفحات رب رؤف رحيم ، وهی کالبرق الخاطف ، فمن وافقها أی تعرض لها
واستغرق أوقاته مترقباً للعانها فوافقها قضى وطره (يسأل الله) أى فيها، والجملة صفة ثانية أو حال (خيرا من
أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه) أى حقيقة أو حكماً (وذلك) أى المذكور من ساعة الاجابة (كل ليلة)
بالنصب على الظرفية، وهو خبر ذلك أى ثابت فى كل ليلة ، يعنى وجود تلك الساعة ، لا يتقيد بليلة مخصوصة، أى
لا يختص ببعض الليالى دون بعض ، فينبغى تحرى تلك الساعة ما أمكن كل ليلة . قال النووى: فيه إثبات ساعة
الإجابة فى كل ليلة ، ويتضمن الحث على الدعاء فى جميع ساعات الليل رجاً مصادفتها - انتهى. وقال العزيزى:
قال الشيخ: ظاهر الرواية التعميم فى كل الليل ، لكن من المعلوم أن الجوف أفضله ، فعلى كل حال ساعة أول
النصف الثانى والتى بعدها أفضل ، نعم من لم يقم فيهما فالأخيرة لرواية الحاكم: أنه لا يزال ينادى إلا إلا إلا،
وفى أخرى: هل من تائب هل من مستغفر الخ حتى يطلع الفجر - انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد .
١٢٣٢ - قوله (أحب الصلاة) أى أكثر ما يكون محبوبا من جهة شرف الوقت وزيادة المشقة على النفس
(إلى الله) أى من النوافل (صلاة داود) عليه السلام (وأحب الصيام) أى أكثر ما يكون محبوبا (إلى الله صيام
داود) وفى رواية: وأحب الصوم إلى اللّه صوم داود. واستعمال أحب بمعنى محبوب قليل، لأن الأكثر فى أفعل
التفضيل أن يكون بمعنى الفاعل. ونسبة المحبة فيهما إلى الله تعالى على معنى إرادة الخير لفاعلهما (كان) استئناف
مبين للجملتين السابقتين. وفى بعض النسخ: وكان بزيادة الواو (ينام) أى داود (نصف الليل) أى نصفه الأول
والظاهر أن المراد كان ينام من الوقت الذى يعتاد فيه النوم إلى نصف الليل، أو المراد بالليل ما سوى الوقت الذى
لا يعتاد فيه النوم من أول . والقول بأنه ينام من أول الغروب لا يخلو عن بعد (ويقوم) أى بعد ذلك ، ففى
رواية لمسلم: كان يرقد شطر الليل ثم يقوم ثلث الليل بعد شطره (ثلثه) أى فى الوقت الذى ينادى فيه الرب تعالى
٢٢٢
١
١
:

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
و يتام سدسه، و يصوم يوما، ويفطر يوما.
هل من سائل هل من مستغفر؟ (وينام سدسه) بضم الدال ويسكن أى سدسه الأخير ، ثم يقوم عند الصبح، وكان
ينام السدس الأخير ليستريح من نصب القيام فى بقية الليل، وإنما صارت هذه الطريقة أحب إلى الله تعالى، لأنه
أخذ بالرفق للنفس التى يخشى منها السأمة التى هى سبب ترك العبادة، والله تعالى يحب أن يديم فضله ويوالى
احسانه، قاله الكرمانى. وإنما كان ذلك أرفق، لأن النوم بعد القيام يريح البدن ويذهب ضرر السهر وذبول
الجسم بخلاف السهر إلى الصباح. وفيه من المصلحة أيضا استقبال صلاة الصبح، وأذكار النهار بنشاط وإقبال ،
ولأنه أقرب إلى عدم الرياء، لأن من تام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون سليم القوى، فهو أقرب الى أن يخفى
عمله الماضى على من يراه ، أشار اليه ابن دقيق العيد قال فى اللعات. قيل: الحديث يشكل بأنه لم يكن عمل نينا
◌َّ دائما على هذا الوجه فالجواب أن صيغة التفضيل إما بمعنى أصل الفعل أو الأحبية إضافية محمولة على
بعض الوجوه، لكونه أقرب إلى الاعتدال وحفظ صحته ، ولما قيل فى نوم السدس الأخير من دفع الكلفة
والملال - انتهى. وقال القارى: ولعله مَّمه ما التزم هذا النوم، ليكون قيامه جامعا لمقام سائر الأنبياء، وليهون
على أمته فى القيام بوظيفة الاحياء (ويصوم) أى داود (يوما ويفطر يوما) قال ابن المنير: كان داود عليه السلام
يقسم ليله ونهاره لحق ربه وحق نفسه، فأما الليل فاستقام له ذلك فى كل ليلة ، وأما النهار فلما تعذر عليه أن يجزئه
بالصيام ، لأنه لا يتبعض ، جعل عوضا من ذلك أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فيتنزل ذلك منزلة التجزئة فى شخص
اليوم، قيل: وهو أشد الصيام على النفس، فإنه لا يعتاد الصوم ولا الافطار، فيصعب عليه كل منهما. وظاهر قوله:
أحب الصيام يقتضى ثبوت الأفضلية مطلقا، ووقع فى بعض الروايات أفضل الصيام صيام داود، ومقتضاه أن
تكون الزيادة عليه كصوم يومين و افطار يوم وكصيام الدهر بلا صيام أيام الكراهة مفضولة، وانما كان
ذلك أعدل الصيام وأحبه إلى اللّه، لأن فاعله يؤدى حق نفسه وأهله وزائره أيام فطره بخلاف من يصوم الدهر
أى يتابع الصوم ويسرده، فإنه قد يُفَوّت بعض الحقوق وقد لا يشق باعتياده فلا يحصل المقصود من قمع
النفس نظير ما قاله الأطباء من أن المرض إذا تعود عليه البدن لم يحتج إلى دواء، ولم يلتزم النبى مؤ يّة الوصف
المذكور فى صيامه لما قيل إن فعله كان مختلفا يتضمن مصالح راجعة إلى أمته أقوياً هم وضعفاً هم، وكان يفعل
العبادات بحسب ما يظهر له من الحكمة فى أوقات الطاعات دون الحالات المألوفات والعادات. وقد روى البخارى
وغيره عن عائشة قالت كان رسول اللّه ◌َ فّم ليدع العمل بالشىء، وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس
فيفرض عليهم ، زاد فى رواية قالت: وكان يحب ماخف على الناس. قال الشوكانى : الحديث يدل على أن صوم
يوم وافطار يوم أحب إلى الله من غيره، وإن كان أكثر منه، وما كان أحب إلى الله عزوجل فهو أفضل،
والاشتغال به أولى، وفى رواية لمسلم: أن عبد الله بن عمرو قال النبى مؤلّم: إنى أطيق أفضل من ذلك فقال
٢٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
متفق عليه.
١٢٣٣ - (٨) وعن عائشة، قالت: كان تعنى رسول اللّه عنه: ينام أول الليل، ويحيى آخره، ثم
إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، فان كان عند النداء الأول جنبا، وثب فأفاض
عليه الماء ،
لا أفضل من ذلك ، ويدل على أفضلية قيام ثلث الليل بعد نوم نصفه، وتعقيب فيام ذلك الثلث بوم السدس الآخر
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى قيام الليل، وفى كتاب الأنبياء، ومسلم فى الصيام، وأخرجه أيضاً أحمد
وأبو داود فى الصوم، والنسائى فيه وفى الصلاة، وابن ماجه فى الصوم، والبيهقى (ج ٣ ص ٣) وأخرج
الترمذى فضل الصوم فقط .
١٢٣٣ - قوله (تعنى) تفسيراضمير كان. قال ابن الملك: أى تريد عائشة بذلك (رسول الله به) بالنصب
وهو مفعول تعنى فى الظاهر، واسم كان فى المعنى (ينام أول الليل) أى إلى تمام نصفه الأول ومعلوم أنه كان
لا ينام الا بعد فعل العشاء، لأنه يكره النوم قبلها (ويحيى آخره) أى بالصلاة. قال السندى: من الاحياء، واحياء
الليل قعميره بالعبادة، وجعله من الحياة على تشبيه النوم بالموت، وضده بالحياة لا يخلو عن سوء أدب - انتهى.
وهذا لفظ مسلم. ولفظ البخارى: كان ينام أوله ويقوم آخره فيصلى (أى فى السدس الرابع والخامس)،
ثم يرجع إلى فراشه (أى لينام السدس السادس ليقوم لصلاة الصبح بنشاط) (ثم) أى بعد صلاته وفراغه من
ورده (إن كانت له حاجة إلى أهله) المراد مباشرة زوجته (قضى حاجته) أى فعلها. وفى رواية النسائى: فإذا
كان له حاجة ألم بأهله أى قرب من زوجته، وهو كناية عن الجماع. وكلة ثم على بابها، كما تقدمت الاشارة
اليه، فيؤخذ منه أنه ◌َّ كان يقدم التهجد ثم يقضى أى بعد إحياء الليل حاجته من نساءه، فإن الجدير به أداء
العبادة قبل قضاء الشهوة. وقيل: يمكن أن ثم ههنا لتراخى الاخبار أخبرت أولا أن عادته صلى اللّه عليه وسلم
كانت مستمرة بنوم أول الليل واحياء آخره. ثم أن اتفق له احتياج إلى أهله يقضى حاجته، ثم ينام فى كلنا
الحالتين . قال ابن حجر: وتأخير الوطأ الى آخر الليل أولى، لأن أول الليل قد يكون متلتا، والجماع على الامتلاء مضر
بالإجماع (ثم ينام) أى السدس الأخير ليستريح (فإن كان عند النداء الأول) تعنى الأذان المتعارف عند تبيين
الصبح (جنبا وثب) بواو ومثلثة وموحدة مفتوحات أى قام بنهجة وشدة وسرعة (فأفاض عليه الماء) أى أسال
على جميع بدنه الماء يعنى اغتسل. هكذا فى جميع النسخ للشكاة، وكذا فى المصابيح أى فإن كان عند النداء الأول
جنبا وثب فأفاض عليه الماء. ولفظ مسلم: فإذا كان عند النداء الأول قالت وثب ولا والله ما قالت:
٢٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
وإن لم يكن جنبا توضأ للصلاة، ثم صلى ركعتين. متفق عليه.
( الفصل الثانى )
١٢٣٤ (٩) عن أبى أمامة، قال: قال رسول اللّه ◌َ ث: عليكم بقيام الليل، فانه دأب الصالحين قبلكم،
وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكفرة السيئات، ومنهاة عن الاثم.
قام فأ فاض عليه الماء، ولا والله ماقالت اغتسل وأنا أعلم ما تريد، ولفظ البخارى: فإذا أذن المؤذن وثب،
فان كانت به حاجة (أى أثر حاجة أو المراد بالحاجة هى الجنابة لكونها أثرا لها أو المراد حاجة الاغتسال
بقرينة الجزاء) اغتسل ، وإلا توضأ وخرج. وهذا يدل على أن بعض الرواة ذكره بالمعنى وحافظ بعضهم على
اللفظ. ولفظ النسائى: فإذا سمع الأذان وثب، فإن كان جنبا أفاض عليه من الماء وإلا توضأ، ثم خرج إلى
الصلاة أى بعد أن صلى ركعتى الفجر (وإن لم يكن جنبا توضأ للصلاة) وفى مسلم: توضأ وضوء الرجل للصلاة أى
إما للتجديد، لأن نومه صلى الله عليه وسلم لا ينقض الوضوء، أو لحصول ناقض آخر غير النوم (ثم صلى ركعتين)
وفى مسلم: ثم صلى الركعتين أى سنة الصبح فى بيته، ثم خرج إلى المسجد لصلاة الصبح. ويؤخذ من الحديث أنه
ينبغى الاهتمام بالعبادة وعدم التكاسل بالنوم والاقبال عليها بنشاط (متفق عليه) ولفظه لمسلم. وأخرجه أيضاً
النسائى والترمذى فى الشمائل، وأخرجه أيضاً النسائى وابن ماجه مختصرا بلفظ: كان ينام أول الليل ويحيى آخره .
١٢٣٤ - قوله (عليكم بقيام الليل) أى التهجد فيه (فإنه دأب الصالحين قبلكم) بسكون الهمزة ويحرك
أى عادتهم. قال الطيبي: الدأب العادة والشأن، وقد يحرك، وأصله من دأب فى العمل إذا جد وتعب، أى هى
عادة قديمة واظب عليها الأنبياء والأولياء السابقون (وهو) أى مع كونه اقتداء بسيرة الصالحين (قربة لكم
إلى ربكم) أى مما تتقربون به إلى اللّه تعالى (ومكفرة) بفتح الميم وسكون الكاف مصدر ميمى بمعنى إسم الفاعل من
الكفر وهو الستر (للسيئات) أى خصلة ساترة ماحية لذنوبكم، والحسنات كلها تكفير السيئات، كما قال تعالى:
﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات - ١١: ١١٤) وقيام الليل يزيد عليها لكونه (منهاة) بفتح الميم وسكون النون
مصدر ميمى أيضاً بمعنى اسم الفاعل من النهى (عن الإثم) كذا فى جميع النسخ، وكذا فى المصابيح ،
وهكذا عند البيهقى، وكذا نقله الجزرى (ج ١٠ ص ٢٦٦). ولفظ الترمذى فى حديث أبى أمامة: للاثم
أى بلام الجر بدل عن، نعم وقع فى رواية بلال عند الترمذى: عن الإثم. والمعنى ناهية عن ارتكاب
ما يوجب الإثم. قال تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر - ٢٩: ٤٥﴾ وقال الجزرى فى النهاية:
منهاة عن الاثم أى حالة من شأنها أن تنهى الاثم أو هى مكان مختص بذلك، وهى مفعلة من النهى،
٢٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
رواه الترمذى .
١٢٣٥ - (١٠) وعن أبى سعيد الخدرى. قال: قال رسول الله مثل: ثلاثة يضحك اللّه البهم:
والميم زائدة. زاد فى رواية بلال عند الترمذى والبيهقى، وفى رواية سلمان الفارسى عند الطبرانى فى الكبير:
ومطردة للداء عن الجسد أى طارد ومبعد للداء عن البدن، أو حالة من شأنها إبعاد الداء، أو مكان مختص
به، ومعنى الحديث أن قيام الليل قرية تقربكم، إلى ربكم، وخصلة تكفر سيئاتكم، وتنهاكم عن
المحرمات، وتطرد الداء عن أجسادكم ( رواه الترمذى) فى الدعوات وأخرجه أيضاً ابن أبى الدنيا فى كتاب
التهجد ، وابن خزيمة فى صحيحه، والحاكم وابن عدى فى الكامل ، والطبرانى فى الكبير الأوسط والبيهقى فى
الستن (ج ٢ ص ٥٠٢) كلهم من رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث. قال الحاكم صحيح على شرط البخارى
قال الشوكانى: عبد الله بن صالح كاتب الليث مختلف فيه - انتهى. وقال الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢ ص ٢٥١)
قال عبد الملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون، وضعفه جماعة من الأئمة . وقال فى التقريب فى ترجمته: صدوق
كثير الغلط ثبت فى كتابه، وكانت فيه غفلة - انتهى. وفى الباب عن بلال عند الترمذى وغيره بإسناد ضعيف،
وعن سلمان الفارسى عند الطبرانى وغيره . وفيه عبد الرحمن بن سليمان بن أبى الجون، وثقه دُحيم وابن حبان
وابن عدى ، وضعفه أبو داود وأبو حاتم .
١٢٣٥ - قوله (ثلاثة) أى ثلاثة رجال، قاله الطيبي: والأولى أشخاص، ويراد بها الأنواع ليلائم
القوم، ولذا قال ابن حجر أصناف . وقيل: ثلاثة نفر (يضحك الله) قيل الضحك من اللّه الرضا وإرادة الخير.
وقيل: بسط الرحمة بالإقبال وبالاحسان، أو بمعنى يأمر ملائكته بالضحك ويأذن لهم فيه ، كما يقال السلطان قتله،
إذا أمر بقتله. قال ابن حبان فى صحيحه: هو من نسبة الفعل إلى الآمر. وهو فى كلام العرب كثير. وقيل: إن
الضحك وأمثاله مما هو من قبيل الانفعال إذا نسب إلى الله يراد به غايته. وقيل: بل المراد إيجاد الانفعال فى
الغير، فالمراد مهنا الاضحاك. ومذهب أهل التحقيق أنه صفة سمعية يلزم إثباتها مع نفى التشبيه وكمال التنزيه ،
كما أشار إلى ذلك مالك، وقد سئل عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم، والكيف غير معلوم، والايمان
به واجب، والسوال عنه بدعة (اليهم) قبل عدى الضحك بإلى لتضمينه معنى الإقبال. وقال الطبى: الضحك
مستعار للرضى، وفى إلى معنى الدنو كأنه قيل إن الله يرضى عنهم ويدنو اليهم برحمته ورأفته، ويجوز أن يضمن
الضحك معنى النظر ، ويعدى بالى. فالمعنى أنه تعالى ينظر اليهم ضاحكا أى راضياً عنهم مستعطفا عليهم، لأن الملك
اذا نظر إلى رعيته بعين الرضى لا يدع شيئاً من الانعام الافعله، وفى عكسه قوله تعالى: ﴿ولا يكلمهم الله
ولا ينظر اليهم يوم القيامة - ٣: ٧٧) - انتهى. قلت: قد تقدم أن مذهب أهل التحقيق إثبات الضحك الله
٢٢٦
۔
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب التحريض على قيام الليل
الرجل إذا قام بالليل يصلى، والقوم اذا صفوا فى الصلاة، والقوم اذا صفوا فى قتال العدو.
رواه فى شرح السنة .
١٢٣٦ - (١١) وعن عمرو بن عبسة، قال: قال رسول اللّه وَّامٍ: أقرب ما يكون الرب من العبد
فى جوف الليل
تعالى من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه، وهو الحق عندنا، فالتفويض والتسليم أسلم وأصوب (الرجل) خص
ذكره نظرا لغالب الأحوال (اذا قام بالليل يصلى) نفلا وهو التهجد، وأمله لم يقل القوم إذا قاموا مع أنه المطابق
لما بعده من المتعاطفين لئلا يوهم قيد الجماعة والاجتماع. قال الطبى: إذا لمجرد الظرفية، وهو بدل عن الرجل
كقوله تعالى: {واذكر فى الكتاب مريم اذ انتبذت - ١٦:١٩﴾ أى ثلاثة رجال يضحك اللّه منهم وقت قيام
الرجل بالليل. وفى إبدال الظرف مبالغة، كما فى قوله: أخطب ما يكون الأمير قائما - انتهى. (والقوم اذا صفوا)
يحتمل البناء للفاعل والمفعول (للصلاة) وسووا صفوفهم على سمت واحد، وتراصوا كما أمروا به (والقوم)
المسلمون (إذا صفوا فى قتال العدو) أى لقتال الكفار بقصد إعلاء كلمة الله تعالى (رواه) أى البغوى
(فى شرح السنة) ونسبه السيوطى فى الجامع الصغير إلى أحمد وأبي يعلى، وأخرجه ابن ماجه فى باب ما أنكرت الجهمية
من كتاب السنة بلفظ: إن الله ليضحك على ثلاثة للصف فى الصلاة . وللرجل يصلى فى جوف الليل. وللرجل
يقاتل أراه قال خلف الكتيبة. وفى سنده عبد الله بن اسماعيل عن مجالد بن سعيد، وعبد الله بن اسماعيل هذا
قال فيه أبو حاتم والذهبى فى الكاشف مجهول، و بجالد قال فى التقريب فى ترجمته ليس بالقوى ، وقد تغير فى
آخر عمره - انتهى. وأخرج له مسلم فى صحيحه، لكن مقرونا بغيره، وأخرجه البزار بغير هذين السياقين ،
وفیه محمد بن أبي ليلى ، وفيه كلام كثير لسوء حفظه لا لكذبه .
١٢٣٦ - قوله (عن عمرو بن عبسة) بفتح العين المهملة والباء الموحدة (أقرب ما يكون الرب من العبد)
أى الإنسان حراً كان أو رقيقاً (فى جوف الليل) خبر أقرب أى أقربيته تعالى من عباده كائنة فى الليل. قال
الطيبي: إما حال من الرب أى قائلا فى جوف الليل من يدعونى فاستجيب له؟ - الحديث، سدت مسد الخبر،
أومن العبد أى قائماً فى جوف الليل داعيا مستغفرا، ويحتمل أن يكون خبر الأقرب، ومعناه سبق فى باب السجود
مستقصى. فإن قلت المذكور مهنا أقرب ما يكون الرب من العبد، وهناك أقرب ما يكون العبد من ربه ،
فا الفرق؟ أجيب بأنه قد علم مما سبق فى حديث أبى هريرة من قوله. ينزل ربنا الخ أى رحمته سابقة، فقرب
رحمة الله من المحسنين سابق على إحسانهم، فإذا سجدوا قربوا من ربهم بإحسانهم، كما قال: ﴿واسجد واقترب -
٢٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله فى تلك الساعة، فكن. رواه الترمذى. وقال.
هذا حديث حسن صحيح غريب اسنادا.
٩٦: ١٩ ) وفيه أن لطف الله وتوفيقه سابق على عمل العبد وسبب له، ولولاء لم يصدر من العبد خير قط - انتهى.
وقال ميرك: فإن قلت ما الفرق بين هذا القول، وقوله: فيما تقدم فى باب السجود أقرب ما يكون العبد
من ربه، وهو ساجد؟ قلت: المراد ههنا بيان وقت كون الرب أقرب من العبد، وهو جوف الليل، والمراد
هناك بيان أفربية أحوال العبد من الرب، وهو حال السجود، تأمل - انتهى. يعنى فإنه دقيق وبالتأمل
حقيق وتوضيحه أن هذا وقت تجلّ خاص بوقت ، لا يتوقف على فعل من العبد لو جوده لاعن سبب ، ثم كل من
أدركه أدرك نمرته، ومن لا فلا ، غايته أنه مع العبادة أتم منفعة ونتيجة . وأما القرب الناشىء من السجود
.فمتوقف على فعل العبد وخاص به، فناسب كل محل ما ذكر فيه، كذا فى المرقاة. (الآخر) صفة لجوف الليل
على أنه ينصف الليل ، ويجعل لكل نصف جوفا، والقرب يحصل فى جوف النصف الثانى، فابتداء، يكون من
الناث الأخير ، وهو وقت القيام للتهجد، قاله الطيبى. وقال القارى: ولا يبعد أن يكون ابتداءه من أول النصف
.الأخير (فإن استطعت) أى قدرت ووفقت (أن تكون ممن يذكر الله) فى ضمن صلاة أو غيرها (فى تلك الساعة)
إشارة إلى لطفها (فكن) أى اجتهد أن تكون من جملتهم. وهذا أبلغ مما لو قيل إن استطعت أن تكون ذاكرا
فكن ، لأن الأولى فيها صفة عموم شامل الأنبياء والأولياء، فيكون داخلا فى جملتهم ولأحقابهم بخلاف الثانية
قال الطيبي: فى قوله: فان استطعت إشارة إلى تعظيم شأن الأمر وتفخيمه، وفوز من يستسعد به ، ومن ثمة قال أن
تكون ممن يذكر الله أى تنخرط فى زمرة الذاكرين الله، ويكون لك مساهمة فيهم، وهو أبلغ من أن يقال إن
استطعت أن تكون ذاكرا - انتهى. (رواه الترمذى) فى الدعوات (وقال هذا حديث حسن صحيح غريب
إسنادا) تمييز عن الغريب أى غريب سندا لامتنا، واعلم أن المراد بالحديث الغريب من حيث الاسناد فقط
حديث يعرف منه عن جماعة من الصحابة ، وانفرد واحد بروايته عن صحابى آخر. قال السيوطى فى التدريب
(ص١٩٢): وينقسم الغريب أيضاً إلى غريب متنا واسنادا، كما لوانفرد بمتنه راو واحد وإلى غريب إسنادا
لا متنا حدیث معروف روی منه جماعة من الصحابة انفرد واحد بروايته عن صحابى آخر ، وفيه يقول الترمذى
غريب من هذا الوجه - انتهى. وقال الزرقانى فى شرح البيقونية (ص ٩٢): ثم الحديث قد يغرب متنا وإسنادا
كحديث الفرد بروايته واحد ، وقد يغرب إسنادا فقط كأن يكون معروفا برواية جماعة من الصحابة فينفرد به
راو من حديث صحابى آخر ، فهو من جهته غريب مع أن متنه غير غريب. قال ابن الصلاح: ومن ذلك غرائب
الشيوخ فى أسانيد المنون الصحيحة ، قال وهذا الذى يقول الترمذى فيه غريب من هذا الوجه، قال ولا أرى
٢٢٨
١
-----

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
١٢٣٧ - (١٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَثّم: رحم الله رجلا قام من الليل فصلى،
وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح فى وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت،
وأيقظت زوجها
هذا النوع، يعنى غريب الاسناد فقط، ينعكس، فلا يوجد أبدا ما هو غريب متنا وليس غريبا إسنادا إلا إذا
اشتهر الحديث الفرد عمن انفرد به، فرواه عنه عدد كثير ، فإنه يصير غريبا مشرورا وغريبا متنا لا أسنادا، لكن
بالنظر إلى أحد طرفى الإسناد فان إسناده غريب فى طرفه الأول، مشهور فى طرفه الآخر، كحديث: إنما
الأعمال بالنيات، فإن الشهرة إنما طرأت له من عند يحيى بن سعيد وما ذكره من أن غريب الاسناد لا ينعكس هو
بالنظر إلى الوجود كما قال ، وإلا فالقسمة العقلية تقتضى العكس، ومن ثم قال ابن سيد الناس، فيما شرحه من.
الترمذى الغريب أقسام: غريب سندا ومتنا، أو متنا لا سندا، أو سندا لا متنا ، وغريب بعض السند ، وغريب
بعض المتن، فالأول واضح، والثانى هو الذى أطلقه، ولم يذكر له مثالا لعدم وجوده، ثم ذكر الزرقانى أمثلة الأقسام.
الثلاثة الباقية، ولاتنافى بين الغرابة والصحة، كما بين فى علم الأصول. قال الزرقانى: الغرابة تجامع الصحة والضعف ،
فالغريب الصحيح كأفراد الصحيح وهى كثيرة، و الغريب الذى ليس بصحيح هو الغالب على الغريب - انتهى
مختصرا. وحديث عمرو بن عبسة هذا أخرجه ابن خزيمة فى صحيحه والحاكم والبيهقى، وله حديث آخر مطول
أخرجه أحمد (ج٤ ص ١١٤) وفيه فقلت هل من ساعة أقرب إلى الله تعالى؟ قال جوف الليل الآخر - الحديث
١٢٣٧ - قوله (رحم الله رجلا) خبر عن استحقاقه الرحمة واستیجابه ها ، أو دعاء له ومدح له محسن
ما فعل. وقال العلقمى: هو ماض بمعنى الطلب (قام من الليل) أى بعضه (فصلى) أى التهجد (وأيقظ امرأته)
وفى حديث أبى سعيد وأبى هريرة الآتى: إذا أيقظ الرجل أهله ، وهو أعم لشموله الولد والأقارب (فصلت)
ما كتب الله لها ولوركعتين (فإن أبت) أن تستيقظ. وقيل: أى امتنعت عن القيام الغابة النوم، وكثرة الكسل
(نضح) وفى رواية ابن ماجه: رش (فى وجهها الماء) ليزول عنها النوم. والمراد التلطف معها، والسعى فى قيامها
لطاعة ربها مهما أمكن. قال تعالى: ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى - ٢:٥﴾ وفيه أن من أصاب خيرا ينبغى له أن
يتحرى إصابة الغير، وأن يحب له ما يحب لنفسه، فيأخذ بالأقرب فالأقرب. وقوله: ((رحم الله، تنبيه للأمة بمنزلة
رش الماء على الوجه لاستيقاظ النائم، وذلك أنه مُّ لما نال بالتهجد ما نال من الكرامة والمقام المحمود أراد
أن يحصل لأمته نصيب وافر، فحثهم على ذلك بألطف وجه. قيل: خص الوجه بالنضح، لأنه أفضل الأعضاء
وأشرفها، وبه يذهب النوم والنعاس أكثر من بقية الأعضاء، وهو أول الأعضاء المفروضة غسلا، وفيه العينان
وهما آلة النوم (رحم الله امرأة قامت من الليل) أى وفقت بالسبق (فصلت) صلاة التهجد (وأيقظت زوجها)
٢٢٩

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
فصلى، فإن أبى نضحت فى وجه الماء. رواه أبو داود، والنسائى.
١٢٣٨ - (١٣) وعرف أبى أمامة، قال: قيل يا رسول الله! أى الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل
الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات: رواه الترمذى.
١٢٣٩ - (١٤) وعن أبى مالك الأشعرى، قال: قال رسول اللّه عَّثه: إن فى الجنة غرنا
الواو لمطلق الجمع. وفى الترتيب الذكرى إشارة لا تخفى، قاله القارى (فصلى) أى بسببها (فإن أبى) أن يقوم الغلبة
النوم (أضحت) أی رشت (فى وجهه الماء) لیزول عنه النوم وينتبه. وفى الحديث الدعاء بالرحمة للحی کما يدعى بها
ليت، وفيه فضيلة صلاة الليل وفضيلة مشروعية إيقاظ النائم للتنفل كما يشرع للفرض، وهو من المعاونة على البر
والتقوى. وفيه بيان حسن المعاشرة وكمال الملاطفة والموافقة. وفيه إشارة إلى أن الرجل أحق بأن يكون
مسابقاً بالقيام وإيقاظ امرأته، وإلى أن فضل الله لا يختص بأحد، فقد يكون المرأة سابقة على الرجل
(رواه أبوداود والنسائى) وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما والبيهقى (ج ٢
ص ٥٠١) والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، وسكت عنه أبو داود، وكذا المنذرى فى الترغيب، وصحح
النووى سنده فى رياض الصالحين (ص ٤٤٢). وقال المنذرى فى مختصر السنن: فى سنده محمد بن عجلان،
وقد وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم الرازى، واستشهد به البخارى، وأخرج له مسلم فى المتابعة، وتكلم فيه
بعضهم - انتهى . وفى الباب عن أبى مالك الأشعرى، رواه الطبرانى فى الكبير، وفيه محمد بن اسماعيل بن عياش ،
وهو ضعيف، قاله الهيثمى.
١٢٣٨ - قوله (أى الدعاء أسمع) أى أقرب إلى أن يسمعه الله أى يقبله. قال الطيبي: أى أرجى للإجابة،
لأن المسموع على الحقيقة ما يقترن بالقبول ولابد من مقدر إما فى السؤال أى أى أوقات الدعاء أقرب إلى
الإجابة ؟، وإمافى الجواب أى دعاءه فى جوف الليل (قال جوف الليل) بالرفع على تقدير حذف المضاف وإقامة
المضاف اليه مقامه أى دعاء جوف الليل. وروى بالنصب على الظرفية أى الدعاء فى جوف الليل (الآخر) صفة
للجوف ، فيتبعه فى الاعراب. قال الخطابي: المراد ثلث الليل الآخر، وهو الخامس من أسداس الليل ( ودبر
الصلوات المكتوبات) برفع دبر ونصبه (رواه الترمذى) فى الدعوات وقد تقدم الحديث مع شرحه فى الفصل
الثانى من باب الذكر بعد الصلاة ، أعاده هنا، لأنه من أدلة استحباب الدعاء فى ضمن الصلاة وغيرها فى ثلث الليل
الآخر ، ومن أدلة أنه وقت الاجابة .
١٢٣٩ - قوله (إن فى الجنة غرفا) بضم الغين المعجمة وفتح الراء المهملة، جمع غرفة بالضم، وهى العلية
٢٣٠
١
:
١

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدما الله لمن ألأن الكلام، وأطعم الطعام، وتابع
الصيام، وصلى بالليل والناس نيام. رواه البيهقى فى شعب الايمان .
١٢٤٠ - (١٥) وروى الترمذى عن على نحوه، وفى روايته: لمن أطاب الكلام.
أى البيت فوق البيت أى علالى فى غاية من اللطافة ونهاية من الصفاء والنظافة (يرى) بالبناء للمفعول (ظاهرها من
باطنها وباطنها من ظاهرها) لكونها شفافة لا تحجب ماوراءها (أعدها اللّه) أى ميأما (لمن الآن) أى أطاب كما
فى رواية (الكلام) أى بمداراة الناس، واستعطافهم. قال الطيبي: جعل جزاء من تلطف فى الكلام الغرفة، كما فى
قوله تعالى: ﴿أولئك يجزون الغرفة - ٢٥: ٧٥) بعد قوله: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناء
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً - ٢٥: ٦٣). وفيه تلويح على أن لين الكلام من صفات عباد الله الصالحين
الذين خضعوا لبارتهم وعاملوا الخلق بالرفق فى القول والفعل، وكذا جعلت جزاء من أطعم، كما فى قوله:
﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا، ولم يقتروا - ٦٧:٢٥)، وكذا جعلت جزاء من صلى بالليل، كما فى قوله:
( والذين يبيتون لربهم سجدا وقياماً - ٢٥: ٦٤﴾. ولم يذكر فى التنزيل الصيام استغناء بقوله بما صبروا لأن
الصيام صبر كله (وأطعم الطعام) للعيال والفقراء والأضياف ونحو ذلك، قاله المناوى. وقيل: يكفى فى إطعام
الطعام أهله ومن يمونه، وهذا إذا قصد الاحتساب. وقيل: المراد بالطعام الزائد على ما يحتاجه لنفسه وعياله
(وتابع الصيام) أى أكثر منه بعد الفريضة بحيث تابع بعضها بعضاً ، ولا يقطعها رأسا ، قاله ابن الملك . وقيل:
يكفى فى متابعة الصوم مثل حال أبى هريرة وابن عمر وغيرهما من صوم ثلاثة أيام من كل شهر أوله، ومثلها من
أوسطه وآخره، والاثنين، والخميس، ويوم عرفة وعاشوراء وعشر ذي الحجة. وفى رواية: أدام الصيام. والمراد
به الكثرة، لا المواصلة، ولا صوم الدهر (وصلى بالليل) أى تهجد لله تعالى (والناس) أى غالبهم ( نيام)
بكسر النون. جمع نائم أى لا يتهجدون . وإن لم يكونوا نائمين. والأوصاف الثلاثة أى لين الكلام ، وإطعام
الطعام، والصلاة بالليل إشارة إلى استجماع صفة الجود والتواضع والعبادة المتعدية واللازمة (رواه اليهقى فى
شعب الإيمان) وأخرجه أيضاً أحمد وابن حبان فى صحيحه ، والطبرانى فى الكبير . قال الهيثمى فى مجمع الزوائد
(ج٢ ص ٢٥٤) بعد عزوه إلى الطبرانى: رجاله ثقات .
١٢٤٠ - (وروى الترمذى عن على) أى ابن أبى طالب (نحوه) فى باب قول المعروف من
أبواب البر والصلة وفى باب صفة غرف الجنة من أبواب صفة الجنة . ولفظه إن فى الجنة غرنا ترى ظهورها من
بطونها، وبطونها من ظهورها، فقام أعرابى فقال لمن هى يا رسول الله ؟ ! فقال لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام،
:
٢٣١

مرعاة المفاتيح ج ٤
---
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
الفصل الثالث )
١٢٤١٠ - (١٦) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال لى رسول اللّه مثل: يا عبد الله!
لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل ترك قيام الليل. متفق عليه.
وأدام الصيام، وصلى بالليل، والناس نيام. قال الترمذى: هذا حديث غريب لانعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن
اسحاق - انتهى. وعبد الرحمن بن أسحاق هذا. قال الحافظ فى التقريب فى ترجمته: ضعف، ولكن له شاهد قوى
من حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد والطبرانى فى الكبير والحاكم. قال المنذرى. والهيشمى: إسناده حسن.
وقال الحاكم: صحيح على شرطها.
١٢٤١ - قوله (لا تكن مثل فلان) أى فى هذه الخصلة التى أذكرها لك وهى أنه ( كان يقوم من الليل)
- أى فيه كإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أى فى يوم الجمعة . وقال الحافظ: أى بعض الليل وسقط لفظ ((من)) من
رواية الأكثر، وهى مرادة - انتهى. وقال العينى: ليس فى رواية الأكثرين لفظ من موجودا، بل اللفظ كان
يقوم اليل أى فى الليل، والمراد فى جزء من أجزاءه. وقال القسطلانى: يقوم الليل أى بعضه ـ انتهى. ونقله
الجزرى فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٤٦) يذكر لفظ ((من)). ووقع عند البيهقى بحذفه (فترك قيام الليل) أى
لاعن عذر، بل دعة ورفاهية ، فلم يكن من الموفين بعهدهم إذا عاهدوا . قال ابن العربى: فى هذا الحديث دليل على
أن قيام الليل ليس بواجب ، إذ لو كان واجباً لم يكتف تاركه بهذا القدر ، بل كان يذمه أبلغ الذم . وفيه استحباب
الدوام على ما اعتاده المرأ من الخير من غير تفريط. وفيه الاشارة إلى كراهة قطع العبادة وإن لم تكن
واجبة. وقيل: معنى قوله ((كان يقوم الليل) أى غالبه أو كله («فترك قيام الليل)) أصلاحين ثقل عليه، أى
فلا تزد أنت فى القيام أيضاً فإنه يؤدى إلى الترك رأساً. قال السندى: يريد أن الا كثار فى قيام الليل قد يؤدى إلى
تركه رأساً، كما فعل فلان، فلا تفعل أنت ذاك، بل خذ فيه التوسط والقصد أى لأن التشديد فى العبادة قد يؤدى
إلى تركها وهو مذموم. وقال فى اللعات: فيه تنبيه على منعه من كثرة قيام الليل والافراط فيه بحيث يورث
الملالة والسآمة - انتهى. وقوله مثل فلان قال الحافظ: لم أقف على تسميته فى شىء من الطرق وكان ابهام هذا القصد
الستر عليه كالذى تقدم قريباً فى الذى نام حتى أصبح. قال ابن حبان: فيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب إذا
قصد بذلك التحذير من صنيعه (متفق عليه) أخرجه البخارى فى قيام الليل، ومسلم فى الصوم. وأخرجه أيضاً النسائى
وابن ماجه كلاهما فى الصلاة والبيهقى (ج ٣ ص ١٤).
٢٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
١٢٤٢ - (١٧) وعن عثمان بن أبي العاص، قال: سمعت رسول اللّه مَثل يقول: كان لداود عليه
السلام من الليل ساعة يوقظ فيها أهله يقول: يا آل داود: قوموا فصلوا، فإن هذه ساعة يستجيب.
الله عزوجل فيها الدعاء إلا لساحر أو عشار.
١٢٤٢ - قوله (كان لداود) فى الله (عليه السلام من الليل ساعة) بالرفع اسم كان وممن)» بيانية متقدمة،
قاله القارى، ويفسر هذه الساعة المبهمة ما تقدم فى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كان أى داود ينام نصف
الليل ويقوم ثلثه - الحديث. فوقت إيقاظه لأهله هو وقت قيامه وهو وقت الاجابة، كما سبق (يوقظ فيها أهله)
لقوله تعالى: ﴿اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور - ٣٤: ١٣﴾ أى القائم بالليل. ويناسبه قوله
تعالى: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون - ٥١: ١٧) (يقول) وفى المسند فيقول بزيادة الفاء (فصلوا) أى
من الليل ولو قليلا (فان هذه ساعة يستجيب اللّه فيها الدعاء) أى يقبله، والصلاة نفسها دعاء، لأن الثناء والقيام فى
خدمة المولى تعرض للعطاء، أو لاشتمالها على الدعاء المحفوف بالذكر والثناء (إلا لساحر) أى لمخالفته الخالق
(أو عشار) بفتح العين المهملة وتشديد الشين المعجمة أى آخذ العشور من أموال الناس على عادة أهل الجاهلية ،
وذلك لكونه ترك فرض الله، وهو ربع العشر ولمضرته الخلق، يقال عَشَرت المال عشْرًا وُعُثُورا فانا عاشر
من باب قتل وعَشَّرتُه فانا ◌ُعشّر وعشَّار إذا أخذت عشره وعَثَرت القوم عَشْرا وُعُثُورا من باب قتل
وعَثَرتهم إذا أخذت عشر أموالهم، وأما من يعشر الناس على ما فرض الله حسن جميل محتسب ما لم يتعد فيأثم
بالتعدى والظلم وقد عشر جماعة من الصحابة للنبي مرثية وللخلفاء بعده، وسمى هذا عاشرا للاضافة ما يأخذه إلى
العشر كربع العشر ونصفه كيف وهو يأخذ العشر جميعه فيما سقته السماء والعيون وعشر أموال أهل الذمة فى
التجارات. وقيل : المراد بالعشار فى الحديث المكاس والماكس، وهو الذى يأخذ من التجار إذا مروا به مكساً
باسم العشر ، والمكس الضريبة أى دراهم كانت تؤخذ من بائعى السلع فى أسواق الجاهلية. وقيل هو ما يأخذه
أعوان الدولة عن أشياء معينة عند بيعها أو عند ادخالها فى البلاد والمدن قال رسول اللّه مَثيم: ليس على المسلمين
عشورا أى ليس عليهم غير الزكاة من الضرائب والمكس ونحوهما . وقال القارى: قوله: أو عشار أى آخذ العشر،
وهو المكاس وإن أخذ أقل من العشر، لأن ذلك باعتبار غالب أحوال المكاسين وذلك لمضرته الخلق ، وأو
للتنويع لا للشك - انتهى . وبالجملة ليس المراد بالعشار المذكور فى الحديث العاشر أى الساعى الذى يأخذ الصدقة
من المسلمين على ما فرض الله من ربع العشر أو نصفه أو العشر جميعه ولا من يأخذ العشر أو نصفه أو نحوه من
أهل الذمة إذا مروا بأموال التجارة . وقيل: المكس النقصان والماكس من العمال من ينقص من حقوق المساكين
٢٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
رواه أحمد.
١٢٤٣ - (١٨) وعن أبى هريرة، قال: سمعت رسول اللّه وَثم يقول: أفضل الصلاة بعد المفروضة
صلاة فى جوف الليل.
ولا يعطيها بتمامها، قاله البيهقى. قال الطيبي: استثنى من جميع خلق الله تعالى الساحر والعشار تشديدا عليهم
وتغليظاً وأنهم كالآئسين من رحمة الله تعالى العامة للخلائق كلها ، وتنبيهاً على استجابة دعاء الخلق كائناً من كان
سواهما - انتهى. يعنى فانهم وإن قاموا ودعوا لم يستجب لهم لغلظ معصيتهم وصعوبة توبتهم، أو المعنى أنهم
ما يوفقون لهذا الخير لما ابتلوا به من الشر الكثير، فالاستثناء على الأول متصل، وعلى الثانى منفصل. قاله القارى
(رواه أحمد) (ج ٤ ص ٢٢) من طريق على بن زيد وهو ابن جدعان عن الحسن (البصرى) قال مر عثمان بن
أبي العاص على كلاب بن أمية ، وهو جالس على مجلس العاشر بالبصرة فقال ما يجلسك ههنا قال استعملنى هذا
على هذا يعنى زيادا فقال عثمان ألا أحدثك حديثا سمعته من رسول الله عزَّ قال بلى فقال عثمان سمعت
رسول اللّه ◌َوفق يقول كان لداود نبى الله - الحديث. وفى آخره: فركب كلاب بن أمية سفينته فأتى زيادا فاستعفاء
فأعفاه ـ انتهى. والحسن البصرى كان يرسل كثيرا ويدلس ، ولم يصرح ههنا بسماعه عن عثمان بن أبي العاص،
بل المفهوم من كلام الحافظ أنه لم يسمع منه شيئاً حيث قال فى تهذيب التهذيب (ج٢ ص ٢٢٣، ٢٢٤) روى
الحسن عن أبي بن كعب وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب ولم يدركهم ، وعن ثوبان وعمار بن ياسر وأبى هريرة
وعثمان بن أبي العاص ومعقل بن سنان ولم يسمع منهم - انتهى .
١٢٤٣ - قوله (أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة فى جوف الليل) أى سدسه الرابع والخامس.
وهذه الأفضلية باعتبار الزمان ، فالصلاة فى البيت أفضل باعتبار المكان . وفى الحديث دليل لما اتفق عليه العلماء
أن النفل المطلق فى الليل أفضل منه فى النهار، وذلك لأن الخشوع فيه أوفر، وفيه حجة لأبى اسحاق المروزى ومن
وافقه من الشافعية: أن صلاة الليل أفضل من السنن الرواتب . وقال أكثر العلماء: الرواتب أفضل، لأنها تشبه
الفرائض. قال النووى: والأول أقوى وأوفق لنص هذا الحديث. قال الطيبي: ولعمرى أن صلاة التهجد لو لم يكن
فيها فضل سوى قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا - ١٧: ٧٩) وقوله
تعالى: ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع إلى قوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين - ٣٢: ١٦ - ١٧)
وغيرهما من الآيات لكفاه مزية - انتهى. قال ميرك: وقد يجاب عن هذا الحديث بأن معناه من أفضل
الصلاة وهو خلاف سياق الحديث - انتهى. وقيل: يحمل الحديث على أن المراد بقوله ((بعد المفروضة)) أى
بعد الفرائض وما يتبعها من السنن، وقد يقال التهجد أفضل من حيث زيادة مشقته على النفس ، وبعده عن الرياء
٢٣٤

مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
رواه أحمد.
١٢٤٤ - (١٩) وعنه، قال: جاء رجل إلى النى مَع فقال: إن فلانا يصلى بالليل، فإذا أصبح
سرق، فقال: إنه سينهاه ما تقول. رواه أحمد، والبيهقى فى شعب الإيمان.
١٢٤٦٠١٢٤٥ - (٢١،٢٠) وعن أبى سعيد، وأبى هريرة، قالا: قال رسول اللّه ◌َلي: إذا أيقظ
الرجل أهله من الليل ،
والرواتب أفضل من حيث الآكدية فى المتابعة للفروضة فلا منافاة (رواه أحمد) أصل هذا الحديث عند مسلم .
والترمذى وأبى داود والنسائى وابن خزيمة فى صحيحه بألفاظ متقاربة، وسيأتى فى الفصل الأول من باب صيام
التطوع .
١٢٤٤ - قوله (جاء رجل) لم أقف على تسميته (فقال إن فلاناً) أى رجلا معيناً، ولم يدر من هو
(فاذا أصبح) أى قارب الصبح (سرق) أو المراد سرق بالنهار ولو بالتطفيف ونحوه، وهو بفتح الراء
من باب ضرب (فقال إنه) أى الشأن (سينهاه) من النهى (ما تقول) قال الطيبي: هو فافعل سينهاه يعنى أن قولك
يدل على أنه محافظ على الصلوات فان من لا يدع الصلاة بالليل لا يدعها بالنهار، فمثل تلك الصلاة سينهى عن
الفحشاء والمنكر فيتوب عن السرقة. ومعنى السين التأكيد فى الاثبات أى بالنسبة إلى عدمها، كما أن لن التأكيد
فى النفى أى بالنسبة إلى لا. وقال ابن حجر: فمثل هذه الصلاة لا محاله تنهاه فيتوب عن السرقة قريباً، فالسين على
أصلها من التنفيس إذ لابد من مزاولة الصلاة زمناً حتى يجد منها حالة فى قلبه تمنعه من الاثم ـ انتهى. وفى بعض
النسخ: ستنهاه أى بالمثناة الفوقية، فالفاعل إما ضمير فيه عائد إلى الصلاة أى هى تنهاه عما تقول، أو ما فى قوله
ما تقول، لأنها عبارة عن الصلاة. ووقع فى بعض النسخ ((ما يقول)) أى بالغيبة أى الرجل الأول والصحيح
ما تقول بالخطاب، قاله القارى: وفى الحديث إيماء إلى قوله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر -
٢٩: ٤٥) أى أن مواظبتها تحمل على ترك ذلك (رواه أحمد الخ) وأخرجه أيضاً البزار. قال الهيشمى فى
مجمع الزوائد (ج ٢ ص ٢٥٨) بعد عزوه لأحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح. وأخرج البزار أيضاً مثله
عن جابر. قال الهيشمى: ورجاله ثقات - انتهى. قلت: قد وقع الاختلاف فى سند هذا الحديث فرواه غير واحد،
ومنهم وكيع عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة، ورواه قيس عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر. وقال
جرير بن عبد الحميد، وزياد بن عبد الله عن الأعمش عن أبى صالح عن جابر، نقله ابن كثير فى تفسيره (ج ٧
ص ٢٩٦) عن البزار .
١٢٤٦،١٢٤٥ - قوله (إذا أيقظ الرجل أهله) أى امرأته. وقيل: نساء، وأولاده وأقاربه (من الليل)
٢٣٥

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
فصليا أو صلى ركعتين جميعا، كتبا فى الذاكرين والذاكرات. رواه أبو داود ، وابن ماجه.
١٢٤٧ - (٢٢) وعن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه عَّ: أشراف أمتى حملة القرآن،
وأصحاب الليل .
أى فى بعض أجزاء الليل (فصليا) أى الرجل والمرأة، أو الرجل وأهله (أو صلى) أى كل واحد منهما. وأو الشك
من الراوى بين الافراد والتثنية (ركعتين جميعاً) تأكيد لضمير صليا (( أو صلى، لما تقرر أن المراد كل واحد
منهما . وفى رواية لأبى داود: من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين جميعاً (من غير شك). ولعظ
ابن ماجه: إذا استيقظ الرجل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين. قال السندى: قوله إذا استيقظ الرجل أى مثلا ،
وكذا العكس فلا مفهوم لا.سم الرجل ، كما يدل عليه حديث أبى هريرة (السابق فى الفصل الثانى) والمقصود إذا
استيقظ أحدهما وأيقظ الآخر، والله أعلم، بل الظاهر أنه لا مفهوم للشرط أيضاً. والمقصود أنهما إذا صليا
من الليل ولو ركعتين كتبا الخ. وانما خرج هذا الشرط مخرج العادة. وفيه تنبيه على أن شأن الرجل أن يستيقظ
أولا ويأمر امرأته بالخير. وفيه أنه يجوز الايقاظ للنوافل، كما يجوز للفرائض، ولا يخفى تقييده بما إذا علم من
حال النائم أنه يفرح بذلك أولم يثقل عليه ذلك (كنبا) أى الصنفان من الرجال والنساء (فى الذاكرين والذاكرات)
أى كتب الرجل فى الذاكرين الله كثيرا والمرأة فى الذاكرات كذلك أى ومن كتب كذلك فله أجر عظيم،
كما فى قوله تعالى: ﴿ والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيما - ٣٣: ٣٥) ففى
الحديث إشارة إلى تفسير القرآن (رواه أبو داود وابن ماجه) وأخرجه أيضاً النسائى وابن حبان فى صحيحه
والحاكم وألفاظهم متقاربة. قال الحاكم، صحيح على شرط الشیخین، کذا فى الترغيب . وأخرجه أيضاً البيهقى (ج٢
ص ٥٠١) وقال النووى فى رياض الصالحين رواه أبو داود بإسناد صحيح. والحديث ذكر أبو داود والبيهقى.
الاختلاف فى رفعه ووقفه. وقال المنذرى فى مختصر السنن: رواه النسائي، وابن ماجه مسندا أى مرفوعا، وهذا
يشير إلى أنه لم ير هذا الاختلاف شيئا، وهذا لأن الرفع زيادة الثقة فتقبل .
١٢٤٧ - قوله (أشراف أمتى) جمع شريف (حملة القرآن) جمع حامل أى حفظته المداومون على
تلاوته العاملون بأحكامه فانهم الحملة حقيقة (وأصحاب الليل) أى الملازمون لإحياء الليل بصلاة أو ذكر أو نحو
ذلك. وإنما قلنا الملازمون، لأن صاحب الشىء، وابن الشىء الملازم له، كقولهم ابن السبيل أى الملازم له . قال
الطيبي: المراد بقوله حملة القرآن من حفظه وعمل بمقتضاه وإلا كان فى زمرة من قيل فى حقهم ، كمثل الحمار يحمل
أسفاراً، وإضافة الأصحاب إلى الليل تنبيه على كثرة الصلاة فيه، كما يقال ابن السبيل لمن يواظب على السلوك فيه -
انتهى أى وكما يقال ابن الوقت لمن يحافظ أوقاته ويراعى ساعاته ليرتب طاعاته. والحديث من أدلة فضل أهل صلاة
٢٣٦
١
٦

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٣ - باب التحريض على قيام الليل
رواه البيهقى فى شعب الايمان.
١٢٤٨ - (٢٣) وعن ابن عمر، أن أباه عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، كان يصلى من الليل
ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة، ثم يتلو هذه الآية:
﴿وأمر أملك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك
الليل وفضل أهل القرآن (رواه البيهقى) وأخرجه أيضا ابن أبى الدنيا. والطبرانى فى الكبير . والحديث سنده
ضعيف، لأن المنذرى صدره فى الترغيب بلفظة: روى وأهمل الكلام فى آخره . وهذه علامة الاسناد الضعيف ،
كما صرح بذلك فى بدء الكتاب.
١٢٤٨ - قوله (وعن ابن عمر أن أباه عمر بن الخطاب) كذا فى جميع النسخ لشكاة ، وكذا وقع
فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٤٥) والظاهر أنه وهم من الجزرى، وتبعه المصنف فى ذلك ، فان الحديث فى
جميع نسخ الموطأ من رواية زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب، وكذا حكاه السيوطى فى الدر المنثور عن
موطأ مالك. وهكذا أخرجه محمد فى موطأ عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه، وكذا ذكر السیوطی فی الدر
المنور عن البيهقى، و کذا روى ابن أبى حاتم بسنده عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب (كان يصلى
من الليل) وفى موطأ محمد: كان يصلى كل ليلة (ما شاء الله) أى من عدد الركعات، أو من استيفاء الأوقات.
وفى موطأ محمد: ما شاء الله أن يصلى (حتى اذا كان من آخر الليل) عند السحر (أيقظ أهله للصلاة) أى لادراك
شىء من صلاة التهجد. وقيل يحتمل أن يكون ايقاظه لصلاة الفجر، والأول أظهر بل هو المتعين يعنى أنه
لم يكلف أهله منه ما كان هو يفعله بل يوقظهم فى آخر الوقت ليصلوا تخفيفاً لهم (يقول لهم) أى عند الاستيقاظ
(الصلاة) كذا وقعت فى جميع النسخ مرة. وفى الموطأ وقعت مكررة، وهى منصوبة بتقدير أقيموا أو صلوا.
ويجوز الرفع بمعنى حضرت الصلاة ، قاله القارى (ثم يتلو هذه الآية) التى فى آخر سورة طه (وأمر أهلك
بالصلاة) وهى بعمومها تشمل صلاة الليل، والمعنى استنقذهم من عذاب الله بأمر اقامة الصلاة (واصطبر عليها)
أى أصبر أنت على محافظتها، كما قال تعالى: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا - ٦٦: ٦﴾ وقيل: المعنى اصبر عليها
فعلا فان الوعظ بلسان الفعل أبلغ منه بلسان القول. وقال القارى: أى بالغ فى الصبر على تحمل مشقاتها ومشاق
أمر أهلك بها فاقبل أنت معهم على عبادة الله تعالى ولا تهتم بأمر الرزق وفرغ قلبك لأمر الآخرة، لأنا لعظمتنا
وقدرتنا على رزق العباد (لا نسألك) أى لا نكلفك (رزقا) أى تحصيل رزق لنفسك ولا لغيرك بل نسألك العبادة
(نحن نرزقك) كما نرزق غيرك. قال ابن كثير: يعنى اذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحسب، كما
: ٢٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
والعافية للتقوى). رواه مالك
(٣٤) باب القصد فى العمل
قال تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب - ٢:٦٥، ٣} وقال تعالى: ﴿ وما خلقت
الجن والانس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق - ٥١: ٥٦، ٥٧) الآية. وقد أخرج أحمد والبيهقى وغيرهما عن
ثابت قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله يا أهلاه صلوا صلوا. قال ثابت
وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة (والعاقبة) أى المحمودة أو حسن العاقبة فى الدنيا والآخرة
وهى الجنة (للتقوى) أى لأهل التقوى على حذف المضاف، روى ابن النجار وابن عساكر وابن مردويه عن
أبى سعيد الخدرى قال: لما نزلت هذه الآية كان النبي صلى الله عليه وسلم يجيقى إلى باب على صلاة الغداة ثمانية أشهر
يقول: الصلاة رحمكم الله أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. قال الباجى: يحتمل أن
عمر، رضى الله عنه، يوقظهم امتثالا لأمر البارى تعالى، فيتلو هذه الآية عند امتثالها ليتأكد قصده لذلك.
ويحتمل أن يقرأ ذلك على سبيل الاعتذار من ايقاظهم - انتهى. (رواه مالك) فى موطأه عن زيد بن أسلم عن
أبيه أن عمر بن الخطاب الخ لاعن ابن عمر عن عمر، كما وقع فى المشكاة وجامع الأصول.
(باب القصد) بفتح القاف وسكون الصاد المهملة هو سلوك الطريق المعتدلة والتوسط بين الافراط
والتفريط: والمراد باب استحباب ذلك وأصل القصد الاستقامة فى الطريق، كقوله تعالى: ﴿وعلى الله قصد
السبيل - ٩:١٦) ومنها: جائر أى على اللّه بيان الطريق المستقيم، وهو من اضافة الصفة إلى الموصوف.
والمعنى على الله بيان السبيل القصد وهو الاسلام، والقصد مصدر يوصف به فهو بمعنى قاصد يقال سبيل قصد
وقاصد أى مستقيم كأنه يقصد الوجه الذى يؤمه السالك لا يعدل عنه، ثم استعير للتوسط فى الأمور. ومنه
قوله مرثم القصد القصد. رواه البخارى فى حديث طويل، والمعنى ألزموا الطريق الوسط المعتدل. ومنه قوله
فى حديث جابر عند ابن ماجه: أيها الناس عليكم القصد عليكم القصد أى من الأمور فى القول والفعل والتوسط بين
طريق الافراط والتفريط . ومنه قوله فى حديث جابر عند مسلم : كانت خطبته قصدا أى لا طويلة ولا قصيرة .
ومنه قوله عليكم مديا قاصدا الخ. أخرجه أحمد والحاكم من حديث بريدة، والمعنى طريقاً معتدلا. ومنه قوله:
ماعال من اقتصد. أخرجه أحمد عن ابن مسعود أى ما افتقر من لا يسرف فى الانفاق ولا يقتر (فى العمل) أى
الصالح . وقال القارى: أى عمل النوافل .
٢٣٨
١
٦
٠

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
الفصل الأول )
١٢٤٩ - (١) عن أنس، قال: كان رسول اللّه وَّل يفطر من الشهر حتى يظن أن لا يصوم منه
شيئا، ويصوم حتى يظن أن لا يفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته،
ولا نائما إلا رأيته: رواه البخارى.
١٢٥٠ - (٢) وعن عائشة، قالت: قال رسول اللّه مَع: أحب الأعمال إلى الله أدومها
١٢٤٩ - قوله (يفطر من الشهر) أى أياماً كثيرة. وقيل: أى يكثر الفطر فى الشهر (حتى نظن) بنون
الجمع التى للتكلم وبالياء التحتانية على البناء للمجهول، ويجوز بالمثناة الفوقية التى للخاطب مبنياً للفاعل ، قال الحافظ
ويؤيده قوله بعد ذلك الا رأيته ، فإنه روى بالضم والفتح معاً (أن لا يصوم) بفتح الهمزة، ويجوز فى يصوم
النصب على كون أن مصدرية ، والرفع على كونها مخففة من الثقيلة، فيوافق ما فى رواية أنه (منه) أى من الشهر
(شيئاً) يعنى يكثر الفطر فى الشهر حتى نظن أنه لا يريد أن يصوم منه شيئاً ثم يصوم باقيه (ويصوم) أى ويكثر
الصوم فى الشهر (حتى نظن) بالوجوه الثلاثة (أن لا يفطر) بالإعرابين (منه) أى من الشهر (شيئاً) أى ثم يفطر
باقيه (وكان) أى رسول اللّه مَاللّه. وفى الشمائل كنت (لا تشاء) قال المظهر: لا بمعنى ليس أو بمعنى لم أى لست
تشاء أو لم تكن تشاء، أو لازمان تشاء أولا من زمان تشاء (أن تراه) أى رؤيته فيه (من الليل مصلياً الا رأيته)
أى مصلياً (ولا) تشاء أن تراه من الليل (نائماً الا رأيته) أى نائماً. قال الطيبي: هذا التركيب من باب
الاستثناء على البدل، وتقديره على الاثبات أن يقال إن تشاء رؤيته متهجداً رأيته متهجدا، وإن تشاء رؤيته
نائماً رأيته نائماً ، أى كان أمره قصدا لا اسراف فيه ولا تقصير ، ينام فى وقت النوم وهو أول الليل ويتهجد فى
وقته وهو آخره. وعلى هذا حكاية الصوم ويشهد له حديث ثلاثة رهط على ما روى أنس قال أحدهم: أما أنا
فأصلى الليل أبدا. وقال الآخر: أصوم النهار أبدا ولا أفطر، فقال رسول اللّه مَّم أما أنا فأصلى وأنام وأصوم
وأفطر، فمن رغب عن سنتي فليس منى - انتهى. وفى رواية للبخارى: قال حميد سألت أنساً عن صيام النبى مر ◌َّ
فقال ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائماً الا رأيته ولا مفطر الا رأيته ولا من الليل قائماً الا رأيته ولا نائماً
الا رأيته - الحديث . يعنى أنه كان يصوم ويفطر ولا يصوم الشهر كله، وكذا كان يصلى وينام ولا يصلى الليل
كله فكان عمله التوسط بين الافراط والتفريط، وهذا هو المراد من القصد فى العمل (رواه البخارى) فى قيام
الليل، وفى الصوم. وأخرجه أيضاً أحمد والنسائى والترمذى فى الشمائل والبيهقى (ج ٣ ص ١٧).
١٢٥٠ - قوله (أحب الأعمال إلى الله أدومها) خرج هذا جواب سوال، ففى رواية للشيخين قالت،
٢٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٤ - باب القصد فى العمل
وإن قل. متفق عليه .
١٢٥١ - (٣) وعنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا من الأعمال
أى عائشة: سئل النبي ◌َّ أى الأعمال أحب إلى الله؟ قال أدومه. قال ابن العربى: معنى المحبة من اللّه تعلق الارادة
بالثواب أى أكثر الأعمال ثواباً أدومها (وإن قل) أى ولو قل العمل، والحاصل أن العمل القليل مع المداومة
والمواظبة خير من العمل الكثير مع ترك المراعاة والمحافظة، لأن العمل القليل يصل إلى الأكثر من الكثير الذى
يفعل مرة أو مرتين ثم يترك ويترك العزم عليه على أن العزم على العمل الصالح مما يثاب عليه، وأيضاً أن العمل الذى
يداوم عليه هو المشروع وأن ما توغل فيه بعنف ثم قطع فانه غير مشروع ، قاله الباجى. قال النووى فى الحديث
الحث على المداومة على العمل وإن قليله الدائم خير من كثير ينقطع ، وإنما كان كذلك، لأن بدوام القليل تدوم
الطاعة والذكر والمراقبة والنية والاخلاص والاقبال على الخالق سبحانه وتعالى بخلاف الكثير المنقطع
ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة. وقال ابن الجوزى: إنما أحب الدائم
لمعنبن أحدهما : أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، وهو متعرض للذم ولذا ورد.
الوعيد فى حق من حفظ آية ثم نسيها وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه. والثانى: أن مداوم الخير ملازم
للخدمة ، وليس من لازم الباب فى كل يوم وقتا ماكمن لازم يوما كاملا ثم انقطع - انتهى. (متفق عليه) أخرجه
البخارى فى باب القصد والمداومة على العمل من كتاب الرقاق. ومسلم فى الصلاة. وأخرجه أيضاً مالك والنسائى
وابن ماجه والبيهقى (ج ٢ ص ٤٨٥) بألفاظ متقاربة. قال فى الأزهار: هذا الحديث من أفراد مسلم. قال
الأبهرى: لعل المصنف جعله متفقاً عليه، لما روى البخارى عن مسروق قال سألت عائشة أى الأعمال أحب إلى
النبيِ مَّ؟: قالت الدائم - انتهى. فتكون رواية البخارى نحو رواية مسلم فى المعنى، ويكون الحديث متفقاً عليه
بتفاوت يسير فى اللفظ ، والمصنف قد لا يلتفت اليه . قلت الحديث بهذا السياق موجود فى البخارى فقد روى
من طريق أبى سلمة عن عائشة أن رسول اللّه مَّم قال سددوا وقاربوا - الحديث، وفيه: أن أحب الأعمال
أدومها إلى اللّه وإن قل. وفى رواية: قالت سئل النبي مَّ أى الأعمال أحب إلى الله؟ قال أدومه وإن قل.
وقال أكلفوا من الأعمال ما تطيقون .
١٢٥١ - قوله (خذوا من الأعمال) أى من أعمال البر صلاة وغيرها، وحمله الباجى وغيره على
الصلاة خاصة، لأن الحديث ورد فيها. لما روى مسلم عن عائشة أن الحولاء بنت تويت مرت بها وعندها
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت هذه الحولاء بنت تويت زعموا أنها لا تنام الليل. وفى رواية: لا تنام
تصلى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنام الليل خذوا من العمل الخ. وحمله على جميع العبادات
أولى، لأن العبرة لعموم اللفظ. وقال عياض: يحتمل أن يكون هذا خاصا بصلاة الليل، ويحتمل أن
٢٤٠
۔۔
١