النص المفهرس
صفحات 481-500
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
درجة .
الناقص، لأن الله تعالى يزيد عباده من فضله ولا ينقصهم من الموعود شيئا. ومنها: الفرق بقرب المسجد وبعده.
ومنها: الفرق بحال المصلى كأن يكون أعلم أو أخشع. ومنها: الفرق بالمنتظر الصلوة وغيره . ومنها: الفرق بإدراك
كلها أو بعضها. ومنها: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم. ومنها: أن السبع مختصة بالفجر والعشاء ، وقيل: بالفجر
والعصر لاجتماع الملائكة، والخمس بما عدا ذلك. ومنها: أن السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية، ورجحه
الحافظ فى الفتح، ورجح الشوكانى الأول. واعلم أن التخصيص بهذا العدد من أسرار النبوة التى تقصر العقول
عن أدراكها. قال النور بشتى: أما وجه قصر الفضيلة على خمس وعشرين تارة، وعلى سبع وعشرين أخرى ،
فمرجعه إلى العلوم النبوية التى لا يدركها العقلاء اجمالا فضلا عن التفصيل، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة
النبوة هى اجتماع المسلمين على اظهار شعار الاسلام - انتهى. وقد تعرض جماعة منهم الكرمانى والبلقينى للكلام
على وجه الحكمة فى هذا العدد الخاص، وذكروا مناسبات وتعليلات، وهى أقوال تخمينية ليس عليها نص، وقد
طول الكلام فى ذلك الحافظ فى الفتح، من أحب الوقوف على ذلك رجع اليه (درجة) هو مميز العدد المذكور،
وفى الروايات كلها التعبير بقوله درجة ، أو حذف المميز الا طرق حديث أبى هريرة ، ففى بعضها ضعفا ، وفى
بعضها جزء، وفى بعضها درجة، وفى بعضها صلاة، ووقع هذا الأخير فى بعض طرق حديث أنس، والظاهر أن
ذلك من تصرف الرواة ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن فى العبارة. قال ابن سيد الناس: هل هذه الدرجات
والأجزاء بمعنى الصلوات، فيكون صلاة الجماعة بمثابة خمس وعشرين أو سبع وعشرين صلاة؟ أو يقال إن لفظ
الدرجة والجزء لا يلزم منهما أن يكون بمقدار الصلوة، الظاهر الأول ، ففى حديث أبى هريرة أن رسول الله
مرَّ قال: صلوة الجماعة تعدل خمسا وعشرين صلوة من صلوة الفذ، رواه السراج. وفى لفظ له: صلوة مع
الامام أفضل من خمسة وعشرين صلوة بصليها وحده ، أسنادهما صحيح، وفى حديث ابن مسعود بخمس وعشرين
صلوة - انتهى. قلت: حديث أبى هريرة أخرجه أيضا مسلم بكلا اللفظين، وحديث ابن مسعود أخرجه أحمد
باستاد رجاله ثقات. قال الحافظ: معنى الدرجة أو الجزء حصول مقدار صلوة المتفرد بالعدد المذكور الجمع ،
وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن بعضهم زعم خلاف ذلك، قال: والأول أظهر، لأنه قد ورد مبينا فى بعض
الروايات - انتهى. وكأنه يشير إلى ما ذكرنا من الروايات. ثم ظاهر قوله تفضل، وكذا قوله تزيد فى رواية
لمسلم، وكذا قوله تضعف في حديث أبي هريرة عند البخارى أن صلوة الجماعة تساوى صلوة المنفرد وتزيد عليها
العدد المذكور، فيكون لمصلى الجماعة ثواب ست أو ثمان وعشرين من صلاة الفذ. قال الباجى :: يقتضى هذا أن
صلوة المأموم تعدل ثمانية وعشرين درجة من صلوه الفذ، لأنها تزيد سبعا وعشرين درجة - انتهى. وهل هذا.
التضعيف يختص بالتجمع فى المسجد أو لا يختص به؟ الظاهر الأول ، قال الحافظ: وهو الراجح فى نظرى.
٤٨١
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
متفق عليه .
والحديث حث على الجماعة، وفيه دليل على عدم وجوبها وأنها ليست شرطا لصحة الصلاة. قال الباجى:
والاستدلال منه بمعنيين: الأول بلفظ تفضل، فلو لم تكن صلاة الفذ مجزئة لما وصفت بأنها تفضل لأنه لا تفاضل
بين صلاة الجماعة وبين ما ليس بصلوة . والثانى بالدرجات، فلو لم تكن لصلاة الفذ درجة لما جاز أن يقال إن
صلاة الجماعة تزيد عليها سبعا وعشرين درجة - انتهى. ويدل عليه أيضا ما ورد فى رواية لمسلم من حديث ابن عمر
بلفظ: صلوة الجماعة أفضل من صلوة الفذ، لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك فى أصل الفضل ، فان ذلك يقتضى
وجود فضيلة فى صلوة المنفرد، وما لا يصح لا فضيلة فيه. وقال الشوكانى: والمشترك ههنا لابد أن
يكون هو الاجزاء والصحة، والاقلا صلوة فضلا عن الفضل. وقال السندى: استدلوا بهذا الحديث وأمثاله
على عدم وجوب الجماعة ، لأن تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بتلك الدرجات فرع صحة صلاة الفذ، وهذا
ليس بشىء لأن معنى وجوب الجماعة عند غالب من يقول به من العلماء هو أنها واجبة على المصلى حالة الصلوة،
يأثم المصلى بتركها بلا عذر لا أنها من واجبات الصاوة بمعنى أنها شرط فى صحتها ، تبطل الصلوة بانتفاءها، فانه ما
قال بالمعنى الثانى الا شرذمة قليلون - انتهى. وأجيب أيضا بأن المراد من الحديث انما هو الترغيب فى الجماعة
بيان زيادة ثوابها على صلوة المتفرد لا غير ، وأما الوجوب فله دليل آخر ، والحاصل أن الحديث انما سيق لبيان
فضل الجماعة والترغيب فيها ، لالبيان السنية أو الوجوب وانما ذكر صاوة الفذ و قابل بها ليظهر فضل صلوة
الجماعة، فهو لتعقل صورة الحساب فقط كما فى حديث الزكوة عند أبي داود: فى كل أربعين درهما درهم ، فإنه لم يرد به
بيان النصاب ليجب درهم على من كان عنده أربعون درهما ، انما أراد به بيان الحساب بأن الخمسة فى المأتين كالدرهم
فى الأربعين. هكذا حديث ابن عمر هذا وما شابهه انما سيق لبيان الحساب لا لصحة صلاة المنفرد بمعنى عدم
نقصان فيها، فتأمل. وقال بعضهم: إن صيغة أفعل قد ترد لاثبات صفة الفضل فى إحدى الجهتين كقوله تعالى
﴿ وأحسن مقيلا - ٢٥: ٢٤) وتعقب بأنه انما يقال ذلك على قلة حيث ترد صيغة أفعل مطلقة غير مقيدة
فيعدد معين، فإذا قلنا هذا العدد أزيد من هذا بكذا فلابد من وجود أصل العدد. وقال بعضهم: يحمل الفذ فى
الحديث على المعذور أى المنفرد لعذر. وتعقب بأن قوله صلوة الفذ صيغة عموم، فيشمل من صلى منفردا بعذر
١
وبغير عذر حمله على المعذور يحتاج الىدليل وأيضاً ففضل الجماعة حاصل للمعذور، لأن الأحاديث قد دلت على أن
أجره لا ينقص عما يفعله لولا العذر، فروى أبو موسى عن النبي ◌َّم اذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثل
ما كان يعمل مقيما صحيحا . رواه أحمد والبخارى وأبو داود، وعن أبى هريرة مرفوعا: من توضأ فأحسن
الوضوء ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم
شيئا (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد ومالك والترمذى والنسائى وابن ماجه والبيهقى.
٤٨٢
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
١٠٦٠ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌ُّثه: والذى نفسى بيده، لقد هممت أن آمر
بحطب، فيحطب، ثم آمر بالصلوة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف الى رجال. وفى
رواية : لا يشهدون الصلوة
١٠٦٠ - قوله (والذى نفسى) أى ذاتى أو روحى (بيده) هو قسم كان النبي مَّة كثيرا ما يقسم به ،
والمعنى أن أمر نفوس العباد بيد الله، أو بتقديره وتدبيره أو فى ملكه وتحت تصرفه، وفيه جواز القسم على
الأمر الذى لا شك فيه، تنبيها على عظم شأنه (لقد هممت) هو جواب القسم أكده باللام وقد ، والهم العزم ،
وقيل دونه، والمعنى: لقد قصدت. وزاد مسلم فى أوله أنه يؤثّ فقد ناسا فى بعض الصلوات فقال: لقد هممت،
فأفاد ذكر سبب الحديث (أن آمر) بالمد وضم الميم ، أى خدمى لما فى رواية فنيتى (بحطب) بفتحتين ، ما أعد من
الشجر وقود النار. قال القارى: أى بجمع حطب عظيم (فيحطب) بالفاء وضم المثناة التحتية مبنيا للفعول منصوبا
عطفا على المنصوب المتقدم ، وكذا الأفعال الواقعة بعده أى فيجمع الحطب. قال الطيبي : يقال حطبت الحطب
واختطبته أى جمعته. قال المؤلف: فيحطب كذا وجدناه فى صحيح البخارى والجمع للحميدى وجامع الأصول
وشعب الايمان. وفى المصابيح فيحتطب أى من الاحتطاب. قلت: وكذا وقع لأبى الوقت فى رواية البخارى
وللبيهقى (ج ٣ ص ٥٥). وحطب واحتطب بمنى واحد (ثم آمر) بالمد وضم الميم (بالصلوة) العشاء أو الفجر
أو الجمعة أو مطلقا، كلها روايات ولا تضاد لجواز تعدد الواقعة، قاله القسطلانى. قلت: عامة الروايات
عن أبى هريرة على الابهام ، نعم يومى آخر هذه الرواية أنها العشاء لقوله لشهد العشاء. وفى رواية مسلم لشهدها،
يعنى صلوة العشاء ولذلك فسرها القارى بالعشاء، قال: ويحتمل بقاءه على عمومه إن تعددت القصة. وقال
النووى: جاء فى رواية أن هذه الصلوة التى هم بتحريقهم للتخلف عنها هى العشاء، وفى رواية أنها الجمعة ، وفى رواية
يتخلفون عن الصلوة مطلقا ، وكله صحيح، ولا منافاة بين ذلك أى لحمله على تعدد القضية (فيؤذن) بفتح الذال
المشددة (لها) أى لأجلها (ثم آمر رجلا فيؤم الناس) فيه دليل لجواز استخلاف الامام وانصرافه لعذر (ثم)
أخالف الى رجال أى آتيهم من خلفهم. وقال الجوهرى: خالف الى فلان أى أناه اذا غاب عنه، أو المعنى أخالف
المشتغلين بالصلوة قاصدا الى بيوت الذين لم يخرجوا عنها الى الصلوة فأحرقها عليهم . وقيل معناه أذهب اليهم .
وقيل: المعنى أخالف الفعل الذى أظهرت من اقامة الصلوة فأتركه وأسير اليهم ، أو أخالف ظنهم فى أنى
مشغول بالصلوة عن قصدى اليهم. والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان، وهو منصوص فى رواية لأحمد بلفظ:
لولا ما فى البيوت من النساء والذرية - الحديث (وفى رواية) أى أخرى (لا يشهدون الصلوة) أى لا يحضرون
٤٨٣
١
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
فأحرق عليهم بيوتهم،
الجماعة من غير عذر. قال المؤلف: وليس فى الصحيح فى هذه الرواية لا يشهدون الصلوة بل فى رواية أخرى،
نقله الطيبي . قلت : هذا اعتراض من صاحب المشكوة على البغوى حيث ذكر سياق الحديث فى المصابيح بلفظ:
ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلوة الخ، فان الظاهر منه أن قوله: لا يشهدون الصلاة ، موجود فى الرواية
التى ساق البغوى لفظها، مع أن هذا اللفظ ليس فى هذه الرواية بل فى رواية أخرى ، فكان عليه أن ينبه على ذلك
ويقول بعد قوله إلى رجال . وفى رواية. لا يشهدون الصلوة ، كما قال المؤلف. وهذا الاعتراض متجه عندى،
كما لا يخفى، وفى رواية لأبي داود: ثم آتى قوما يصلون فى بيوتهم ليست بهم علة ، فيكون الوعيد على ترك الجماعة
بغير عذر لا على ترك الصلوة، وفيه دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة ، ولو قلنا إنها فرض ، وكذا
الجمعة (فأحرق) بتشديد الراء وفتح القاف وضمها كسابقه، وهو مشعر بالتكثير والمبالغة فى التحريق (عليهم)
أى على المتخلفين عن الجماعة (بيوتهم) بالنار عقوبة لهم. وفيه اشعار بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل
المراد تحريق المقصودين وبيوتهم ، وفى رواية لمسلم: ثم تحرق بيوتا على من فيها . والحديث قد استدل به لأحمد
ومن وافقه على أن الجماعة واجبة وجوب عين، وهو من أوضح أدلة القائلين بالوجوب. قال الحافظ فى الفتح:
الحديث ظاهر فى كون الجماعة فرض عين لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية
لكانت قائمة بالرسول ومن معه . وأجاب الجمهور عنه بأجوبة: الأول أن نفس الحديث يدل على خلاف المدعى
وهو عدم الوجوب، لكونه تَّ هم بالتوجه الى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركما إذا توجه.
وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه، وبأن تركها لحال التحريق لا يستلزم الترك مطلقا لا مكان
أن يتداركها فى جماعة آخرين قبل التحريق أو بعده. والثانى أن الخبرورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة،
وانما المراد المبالغة، ويرشد الى ذلك وعيدهم بالعقوبة التى يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الاجماع على منع
عقوبة المسلمين بذلك . وأجيب بأن ذلك وقع قبل تحريم التعذيب بالنار ، حمل التحديد على حقيقته غير
يمتنع ، على أنه لو فرض أن هذا التواعد وقع بعد التحريم لكان مخصصا له ، فيجوز التحريق فى عقوبة تارك
الصاوة بالجماعة. والثالث كونه مثل ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجبا ماعفا عنهم. وتعقب بأنه
لايهم الا بما يجوز له فعله لو فعله، والترك لا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا الزجروا بذلك وتركوا
التخلف الذى ذمهم بسببه، علا أنه جاء فى رواية لأحمد بيان سبب الترك، وهو قوله مرثية: لولا مافى البيوت
من النساء والذرية أقمت صلوة العشاء وأمرت فتيانى يحرقون ما فى البيوت بالنار، وسيأتى هذا الحديث.
والرابع أن التهديد لقوم تركوا الصلوة رأسا لا مجرد الجماعة. وتعقب بما تقدم من رواية أبى داود بلفظ:
٤٨٤
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضله
ثم أتى قوما يصلون فى بيوتهم ليست بهم علة ، وبقوله لا يشهدون الصلوة بمعنى لا يحضرون الجماعة ، وفى رواية
عند أحمد لا يشهدون العشاء فى الجميع أى فى الجماعة ، وفى حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجه مرفوعا . لينتهين
وجال عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم. والخامس أن الحديث ورد فى الحث على مخالفة فعل أهلى
النفاق والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل ، وهو قريب من الوجه الثانى
والسادس أن الحديث ورد فى حق المنافقين خاصة ، فليس التهديد على ترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل
وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة، مع العلم بأنه لا صلوة لهم، وبأنه مر ◌ّة كان
معرضا عنهم وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم ، وقال: لا يحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه . وتعقب هذا التعقب
بأنه لا يتم الا أن ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبا عليه ولا دليل على ذلك ، فإذا ثبت أنه كان مخيرا
فليس فى اعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم. قال الحافظ : والذى يظهر لى أن الحديث ورد فى
المنافقين. لقوله فى رواية من حديث أبى هريرة هذا عند الشيخين: ليس صلوة أثقل على المنافقين من العشاء
والفجر - الحديث. لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر ، يدل على ذلك ما فى رواية أبى داود: ويصلون
فى بيوتهم ليست بهم علة ، ففيه دليل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر، لأن الكافر لا يصلى فى بيته أنما يصلى
فى المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا فى بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء ، وأيضا قوله فى رواية أحمد
أولا مافى البيوت من النساء والذرية يدل على أنهم لم يكونوا كفارا، لأن تحريق بيت الكافر اذا تعين طريقا الى
الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية فى بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق فى الحديث نفاق الكفر
فلا يدل على عدم الوجوب، لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم ، وسياق
الحديث يدل على الوجوب من جهة المبالغة فى ذم من تخلف عنها. قال الطيبي : خروج المؤمن من هذا الوعيد
ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جازلهم التخلف عن الجماعة ، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم و عادتهم،
وأنه مناف لأحوالهم لأنه من صفات المنافقين، ولو دخلوا فى هذا الوعيد ابتداء لم يكن بهذه المثابة. ويعضده
ما روى عن ابن مسعود من قوله: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق قد علم نفاقه، رواه
مسلم - انتهى كلامه. لا يقال: فهذا يدل على ما ذهب اليه صاحب هذا الوجه (السادس) لانتفاء أن يكون
المؤمن قد تخلف ، وأنما ورد الوعيد فى حق من تخلف، لأنى أقول: بل هذا يقوى ما ظهر لى أولا أن المراد
بالنفاق نفاق المعصية لا نفاق الكفر ، فعلى هذا الذى خرج هو المؤمن الكامل لا العاصى الذى يجوز اطلاق
النفاق عليه مجازا لما دل عليه مجموع الأحاديث - انتهى كلام الحافظ. والسابع أن فريضة الجماعة كانت فى أول
٤٨٥
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
والذى نفسى بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء.
الاسلام لأجل سد باب التخلف عن الصلوة على المنافقين ثم نسخ، حكاه عياض . قال الحافظ: ويمكن أن يتقوى
بثبوت نسخ الوعيد المذكور فى حقهم ، وهو التحريق بالنار، وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه التحريق من جواز
العقوبة بالمال - انتهى. قال النووي: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق فى غير المتخلف عن الصلوة والغال فى
الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما - انتهى. هذا، وههنا وجوه أخرى للجواب
عن هذا الحديث تركناما للاختصار، وأقرب الأجوبة عندى هو الوجه الثانى، يعنى أن الحديث خرج مخرج
الزجر لا الحقيقة، وانما المراد المبالغة بدليل أنه لم يفعله ويثير، ولا دليل على أنهم انزجروا وتركوا التخلف،
وكان يمكن له ◌ََّ أن يحرق ما فى بيوتهم بعد اخراج النساء والذرية منها (والذى نفسى بيده) أعاد القسم البالغة
فى التأكيد (لو يعلم أحدهم) أى الذين لا يشهدون الصلوة (أنه يجد) أى فى المسجد (عرقا) بفتح العين المهملة
وسكون الراء وبالقاف، العظم الذى عليه بقية لحم. قال الطيبي: العرق بالسكون العظم الذى أخذ منه اللحم أى
معظمه وبقى عليه لحم رقيق، يقال عرقت العظم إذا أخذت أكثر ما عليه من اللحم نهشا . وفى المحكم عن الأصمعى:
العرق بسكون الراء قطعة لحم، قيل هو اللائق هنا، وقيل: الأول لأنه أشد مبالغة فى اظهار الخساسة المقصودة.
ولفظ الموطأ والنسائى عظما قيل هو أنسب الوصف بقوله (سمينا) قال ابن حجر قيد به لأن العظم السمين فيه
دسومة قد يرغب فى مضغه لأجلها (أو مرماتين) تثنية مرماة بكسر الميم وقد تفتح، ظلف الشاة أو مابين ظلفيها من
اللحم، قاله الخليل. وكذا قال البخارى فيما نقله المستعلى فى روايته فى كتاب الأحكام عن الفربرى. قال
عياض: فالميم على هذا أصلية، وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنضال محددة يرمونها فى كوم من
تراب، فأيهم أثبتها فى الكوم غلب، وهى المرماة والمدحاة، قيل: ويبعد أن تكون هذه مرادا لحديث لأجل
الثنية. وحكى الحربى عن الأصمعى : أن الرماة سهم الهدف ، وقال ويؤيده ما روى عن أبي رافع عن أبى هريرة
بلفظ : لو أن أحدهم اذا شهد الصلوة معى كان له عظم من شاة سمينة أو سهمان لفعل. وقيل: المرماة سهم يتعلم
عليه الرمى، وهو سهم دقيق مستو غير محدد، وهو أحقر السهام وأرذلها . قال الزين بن المنير:
ويدل على ذلك التثنية فانها مشعرة بتكرر الرمى بخلاف السهام المحددة الحربية فإنها لا يتكرر رميها.
وقال الزمخشرى : تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العرق معه، و وجهه ابن
الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين وكان مما يؤكل أتبعه بالسهمين لأنهما مما يتلهى به - انتهى (حسنتين) بفتحتين أى
جيدتين. قال الحافظ: انما وصف العرق بالسمن. والمرماة بالحسن. ليكون ثم باعث نفسانى على تحصيلهم)
(أشهد العشاء) أى علوتها، فالمضاف محذوف، والمعنى لو علم أنه لو حضر الصلوة يجد نفعا دنيويا وإن كان خسيسا.
٤٨٦
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
رواه البخارى. ولمسلم نحوه.
١٠٦١ (٣) - وعنه، قال: أتى التى تَّ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله! إنه ليس لى قائد
يقودفى الى المسجد، فسأل رسول اللّه يريد أن
حقيرا لحضرها لقصور همته على الدنيا ، ولا يحضرها لما لها من مثوبات الآخرة ونعيمها ، فقيه توبيخ واشارة
إلى ذم المتخلفين بوصفهم بالحرص على الشىء الحقير من مطعوم أو ملعوب به مع التفريط فيما يحصل به رفيع
الدرجات ومنازل الكرامات. وفى الحديث من الفوائد تقديم التهديد والوعيد على العقوبة، وسره أن
المفسدة اذا ارتفعت بالأهون من الزواجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة فهو من باب الدفع بالأخف. وفيه
جواز العقوبة بالمال، كذا استدل به كثير من القاتلين بذلك من المالكية وغيرهم . وفيه جواز أخذ أمل
الجرائم على غرة لأنه مع مم بذلك فى الوقت الذى عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة ، فأراد أن
بغتهم فى الوقت الذى يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد، وفى السياق اشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف
بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل، وترجم عليه البخاری فی کتاب الأشخاص وفی کتاب الأحكام، باب
اخراج أهل المعاصى والريب من البيوت بعد المعرفة ، يريد أن من طلب منهم بحق فاختفى أو امتنع فى بيته
لددا ومطلا أخرج منه بكل طريق يتوصل اليه بها، كما أراد الني تريثم اخراج المتخلفين عن الصلوة بالقاء النار
عليهم فى بيوتهم. وفيه الرخصة للامام أو نائبه فى ترك الجماعة لأجل اخراج من يستخفى فى بيته ويتركها ، ولا
بعد أن يلحق بذلك الجمعة فقد ذكروا من الأعذار فى التخلف عنها خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم فى حق
الامام كالغرماء. واستدل به ابن العربى على جواز اعدام محل المعصية، كما هو مذهب مالك. قال العينى:
و کذلك روی عن بعض أصحابنا وادعى الجمهور النسخ (رواه البخارى) فى الصلوة وفى كتاب الأشخاص و کتاب
الأحكام ، وأخرجه أيضا أحمد ومالك والنسائى والبيهقى (ولمسلم نحوه) وكذا الترمذى وأبى داود وابن ماجه.
١٠٦١ - قوله (رجل أعمى) قال النووى وغيره: هو ابن أم مكتوم كما جاء مفسرا فى سنن أبي داود
وغيره، يعنى بذلك رواية أبى داود والنسائى الآتية فى الفصل الثالث (ليس لى قائد) القائد هو الذى يمسك يد
الأعمى ويأخذها ويذهب به حيث شاء ويجره ، من القود وهو ضد السوق فهو من أمام، وذلك من خلف،
والمراد نفى القائد الملائم أى الموافق المساعد ، لا نفى القائد مطلقا، جمعا بينه وبين ما وقع فى الرواية الآتية عند
أبى داود: ولى قائد لا يلائمنى ، إذا كان الأعمى المذكور فى حديث أبى هريرة هذا هو ابن أم مكتوم ، وقيل هما
واقعتان (يقودنى) أى يمسكنى و يأتى معى (إلى المسجد) لصلاة الجماعة وفى رواية النسائى الى الصلوة (أن
٤٨٧
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
يرخص له فيصلى فى بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلوة؟ قال نعم.
قال: فأجب. رواه مسلم.
١٠٦٢ - (٤) وعن ابن عمر، أنه أذن بالصلوة فى ليلة ذات برد وريح،
يرخص له) أى فى ترك الجماعة فى المسجد (فيصلى فى بيته) إما جماعة أو منفردا (فرخص له) أى رخص أولا
(فلما ولى) أى رجع وأدبر (هل تسمع النداء بالصلوة) أى التأذين بها (فأجب) أمر من الاجابة أى أجب النداء
واتبعه بالفعل، يعنى فأت الجماعة، قيل الترخيص فى أول الأمر اجتهاد منه رؤّم، والأمر بالاجابة بوحى جديد
من الله تعالى نزل فى الحال، أو أنه تغير اجتهاده رَّمَ اذا قلنا بالصحيح، وقول الأكثرين أنه يجوز له الاجتهاد.
وقيل أطلق له الجواب أى رخص له أولا مطلقا ثم قيده بقيد عدم سماع النداء، ومفهومه أنه اذا لم يسمع النداء
كان ذلك عذرا له، واذا سمعه لم يكن له عذر عن الحضور . وقيل الترخيص أولا باعتبار العذر، والأمر بالاجابة
الندب ، فكأنه قال: الأفضل لك والأعظم لأجرك أن تجيب وتحضر فأجب، ويدل لكون الأمر الندب مع العذر
حديث ابن عباس الآتى فى الفصل الثانى، والحديث ظاهر فى وجوب الجماعة وجوب عين ، فيأثم المصلى بتركها .
و أجاب الجمهور عن ذلك بأنه سأل على له رخصة فى أن يصلى فى بيته وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره،
فقيل لا. ويؤيد هذا أن حضور الجماعية يسقط بالعذر باجماع المسلمين ، ومن جملة العذر العمى اذا لم يجد قائدا،
كما فى حديث عتبان بن مالك فى الصحيحين أنه رخص له حيث شكا بصره أن يصلى فى بيته. وتعقب بأن هذا التأويل
ضعيف ، لما تقدم أن المعذور لا ينقص أجره عما يفعله لولا العذر، كما يدل عليه حديث أبى موسى. وما ادعى
أحد أن الجماعة فرض عين مع وجود العذر أيضاً فتدبر. وحمل بعضهم حديث الأعمى على أن النبى مؤثّة على
منه أنه يمشى بلا قائد لحذقه وذكائه كما هو مشاهد فى بعض العميان ؟شى بلا قائد، لا سيما اذا كان يعرف المكان
قبل العمى أو بتكرر المشى اليه يستغنى عن القائد. وأجاب بعضهم بأن الدعوى وجوب الجماعة فى المسجد
عينا سمع النداء أو لم يسمع، والحديث أنما يدل على وجوب الجماعة عينا على من سمع النداء فقط لا مطلقا، وهو
أخص من الدعوى ، فلا يتم التقريب (رواه مسلم) وأخرجه أيضا النسائى والبيهقى وغيرهما .
١٠٦٢ - قوله (وعن ابن عمر أنه أذن) عبارة البخارى هنا عن نافع أن ابن عمر أذن ، وفى باب الأذان
للبخارى أيضا قال (أى نافع) أذ ابن عمر، وهذا صريح فى أن أذن على صيغة المعروف (فى ليلة ذات برد)
بسكون الراء (وريح) وكان ابن عمر اذ ذاك مسافرا فأذن فى ليلة باردة بضجنان كما فى رواية البخارى ، وهو
٤٨٨
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
ثم قال: ألاصلوا فى الرحال، ثم قال: إن رسول اللّه ◌َ بل كان يأمر المؤذن اذا كانت ليلة ذات
برد ومطر يقول:
بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم وبينونين بينهما ألف على وزن فلان، غير منصرف. قال الزمخشرى فى الفائق:
جبل بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلا (ثم قال) اى ابن عمر بعد فراغ الأذان (ألا) بتخفيف اللام التنبيه
(صلوا) بصيغة الأمر (فى الرحال) بكسر الراء بعدها حاء مهملة جمع رحل، وهو مسكن الرجل وما فيه من
أثاثه، أى صلوا فى منازلكم (كان يأمر المؤذن اذا كانت) أى وقعت (ليلة) بالرفع (ذات برد) صفتها والمراد
البرد الشديد (ومطر) أى كثير، وفى رواية للبخارى: فى الليلة الباردة أو المطيرة أى الماطرة. وفى صحيح
أبى عواقة: ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح. وقوله أو ليس للشك ، بل للتنويع، وفيه رد على من قال ان
ابن عمر قاس الريح على المطر بجامع المشقة العامة، لأنه نص فيه على الريح، وفيه أيضا أن كل واحد من البرد
والمطر والريح عذر بانفراده فى التأخر عن الجماعة، وبه قال الجمهور. ونقل ابن بطال فيه الإجماع، لكن
المعروف عند الشافعية والمالكية والحنفية أن الريح عذر فى الليل فقط ، وأما المطر والبرد فقالوا إن كلا منهما
عذر فى الليل والنهار کلیھما . وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، لكن فى سنن أبي داود من طريق
ابن اسحاق عن نافع فى هذا الحديث: فى الليلة والغداة القرة ، وفيها باسناد صحيح من حديث أبى المليح عن أبيه
أنهم مطروا يوما (أى يوم حنين) فرخص لهم، وكذا فى حديث ابن عباس عند الشيخين أنه قال لمؤذنه فى يوم
مطير - الحديث. قال الحافظ، ولم أرفى شىء من الأحاديث الترخص بعذر الريح فى النهار صريحا لكن القياس
يقتضى الحاقه - انتهى. (يقول) أى بعد الفراغ من الأذان، ففى رواية للبخارى: كان يأمر مؤذنا يؤذن ثم يقول
على أثره يعنى أثر الأذان ، فإنه صريح فى أن قوله: ألا صلوا فى الرحال . كان بعد فراغ الأذان. فان قلت: فى
حديث ابن عباس عند الشيخين: فلما بلغ المؤذن حى على الصلوة فأمره أن ينادى الصلوة فى الرحال. وقال:
فعل هذا من هو خير منه، وهو يقتضى أن ذلك يقال بدلا عن الحيعلتين، وظاهر الحديث أنه يقال بعد الفراغ
من الأذان، فما الجمع بينهما. أجيب بأن الأمرين جائزان، لأمره مؤثّ بكل منهما لكن بعده أحسن.
ٹلا یتخرم نظام الآذان، وقد ورد الجمع بينهما فى حديث آخر أخرجه عبد الرزاق و غيره باسناد صحيح ، عن
نعيم بن النجام قال: أذن مؤذن التى تَّ للصبح فى ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قعد فلا حرج، فإ) قال
الصلوة خير من النوم قالها ، ولا منافاة بين الجمع بينهما، سواء زيد فى أثناء الأذان بعد الجميعلتين أو زيد بعد
فراغه، لأنه يمكن أن يقال ان المراد من قوله الصلوة فى الرحال الرخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى حى على
الصلوة أى علموا اليها الندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولو بحمل المشقة. وفى حديث جابر عند مسلم ما يؤيد
٤٨٩
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
ألا صلوا فى الرحال. متفق عليه.
١٠٦٣ - (٥) وعنه، قال: قال رسول اللّه ◌َل إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلوة،
ذلك ولفظه: خرجنا مع رسول اللّه مؤفه فى سفر فطرنا فقال ليصل من شاء منكم فى رحله ، وقد تبين بقوله من
شاء أن أمره عليه السلام بقوله ألا صلوا فى الرحال، ليس أمر عزيمة، حتى لا يشرع له الخروج إلى الجماعة،
وانما هو راجع إلى مشيتهم، فمن شاء صلى فى رحله، ومن شاء خرج إلى الجماعة (ألا صلوا) أمر اباحة كما تقدم
آنفا (فى الرحال) العذر، والصلوة فى الرحال أعم من أن تكون جماعة أو منفردة ، لكنها مظنة الانفراد،
والمقصود الأصلى فى الجماعة ايقاعها فى المسجد، وزاد البخارى فى رواية: فى السفر، قال الحافظ: ظاهره
اختصاص ذلك بالسفر، ورواية مالك عن نافع الآتية يعنى رواية الباب مطلقة ، وبها أخذ الجمهور، لكن
قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضى أن يختص ذلك بالمسافر مطلقا، ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة فى الحضر
دون من لا تلحقه - انتهى . قلت: فى سنن أبى داود من طريق محمد بن اسحاق عن نافع فى هذا الحديث: فى المدينة
فى الليلة فى المطيرة والغداة القرة، فصرح بأن ذلك فى المدينة ليس فى سفر، لكن ابن اسحاق رواه عن نافع
بالعنعنة، وهو مدلس، وقد خالفه الثقات، فإنهم قالوا فيه: فى السفر (متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك وأبوداود
والنسائي وابن ماجه والبيهقى ، وفى الباب عن ابن عباس، وقد تقدم لفظه، وعن سمرة أخرجه أحمد وعن
أبى المليح عن أبيه، وعن جابر وتقدم لفظهما، وعن عبد الرحمن بن سمرة أخرجه الحاكم وعبد الله بن أحمد، قال:
وجدت فى كتاب أبى بخط يده وأكبر على أنى قد سمعته منه ثنا على بن عبد الله الخ (ج ٥ ص ٦٢) وعن نعيم بن
النحام ، وعن عمرو بن أوس عن صحابى لم يسم أخرج حديثهما أحمد.
١٠٦٣ - قوله (إذا وضع) بصيغة المجهول (عشاء أحدكم) بفتح العين فى الموضعين، طعام آخر النهار،
ويقهم منه أن تقديم الطعام إذا وضع بين يدى الآكل ، لا إذا وجده مطبوخا أو مغروفا فى الأوعية ، ويدل
عليه أيضا ما فى حديث أنس عند البخارى: إذا قدم العشاء، ولمسلم: إذا قرب العشاء، وعلى هذا فلايناط الحكم بما
إذا حضر العشاء، ولكنه لم يقرب للأ كل كما لولم يقرب (وأقيمت الصلوة) قيل الألف واللام للعهد، والمراد بالصلوة
المغرب، لقوله فابدؤا بالعشاء، ولقوله فى حديث أنس عند البخارى: فابدؤا به قبل أن تصلوا المغرب. وفى رواية
ابن حبان والطبرانى: إذا وضع العشاء وأحدكم صائم. وقيل: اللام لتعريف الماهية، والمراد حقيقة الصلوة. قال
الفاكهانى: ينبغى حمله على العموم نظراً إلى العلة، وهى التشويش المفضى إلى ترك الخشوع، وذكر المغرب لا يقتضى
الحصر فيها لأن الجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصائم - انتهى. قال الحافظ بعد ذكر
٤٩٠
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
فابدؤا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه، وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلوة ،
هذين القولين: وحمله على العموم نظرا إلى العلة، الحاقا للجائع بالصائم والغداء بالعشاء، لا بالنظر إلى اللفظ الوارد -.
انتهىج قلت: حديث عائشة الآتى يؤيد العموم (فابدؤا بالعشاء) أى بأكله ، واختلفوا فى هذا الأمر، فالجمهور على
أنه للندب. وقيل للوجوب، وبه قالت الظاهرية. واستدل الجمهور بفعله عليه السلام من كونه ألقى الكتف أثناء أكله
منها حين دعى إلى الصلوة. أخرجه البخارى من حديث عمرو بن أمية، لأنه لو كان تقديم الأكل واجبا لما قام إلى
الصلوة". وتعقب بأنه يحتمل أن يكون اتفق فى تلك الحالة أنه قضى حاجته من الأكل فلا تتم الدلالة به. ثم
اختلف الجمهور، فمنهم من قيده بمن إذا كان محتاجا إلى الأكل شديد التوقان اليه ، وهو المشهور عن الشافعية،
وزاد الغزالى ما اذا خشى فساد المأكول. ومنهم من قيده بما إذا كان الطعام خفيفا أو ما يؤتى عليه مرة واحدة
كالسويق واللبن، وإلا يبدأ بالصلوة، نقله ابن المنذر عن مالك. ومنهم من لم يقيده ، وهو قول الثورى وأحمد
واسحاق، وعليه يدل فعل ابن عمر الآتى. وأفرط ابن حزم وقال: تبطل الصلوة. والراجح عندى ما قاله أحمد
ومن وافقه، فيستحب تقديم العشاء مطلقا أى سواء كان محتاجا اليه أم لا، وسواء كان خفيفا أم لا، وسواء
خشى فساد المأكول أم لا. واستدل بعض الشافعية والحنابلة بقوله فابدؤا على تخصيص ذلك بمن لم يشرع فى
الأكل، وأما من شرع فيه ثم أقيمت الصلوة فلا يتمادى بل يقوم إلى الصلوة ، لكن صنيع ابن عمر يبطل
ذلك. قال النووى: وهو الصواب. وتعقب بأن صنيع ابن عمر اختيار له ، وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضى
ما ذكروه، لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما يدفع به شغل البال ، ويؤيد ذلك حديث عمرو بن أمية الذى أشرنا
اليه، فعم ينبغى أن يدار الحكم مع العلة وجودا أو عدما، ولا يتقيد بكل ولا بعض (ولا يعجل) أى أحدكم إلى
الصلوة (حتى يفرغ منه) أى من أكل العشاء. قال الطبى: أفرد قوله ((يعجل)) نظرا إلى لفظ ((أحد، وجمع قوله «فابدؤا))
نظرا إلى لفظ«کے». قال: والمعنی إذا وضع عشاء أحد کمفابدؤا أنتم بالعشاء، ولا يعجل هوحتی یفرغ معكممنه۔انتهى.
وأجاب البرماوى بأن النكرة فى الشرط تعم فيحتمل أن الجمع لأجل عموم أحد - انتهى. وقال القارى: الظاهر أن
الخطاب بالجمع لافادة عموم الحكم، وأنه غير مختص بأحد دون أحد، أو المراد به الموافقة معه، ثم أداء الصلوة
جماعة ، لينال الفضيلة. والحديث دليل على أن تقريب الطعام ووضعه بين يدى الآكل من أعذار ترك الجماعة
(وكان ابن عمر) هو موصول عطفا على المرفوع السابق، مقولة نافع (يوضع له الطعام) هو أعم من العشاء
(وتقام الصلوة) أى جماعة مغربا أو غيرها، لكن رواه البيهقى والسراج بسندهما عن نافع بلفظ: وكان ابن عمر
إذا حضر عشاءه . ورواه ابن حبان بسنده عن نافع أن ابن عمر كان يصلى المغرب إذا غابت الشمس ، وكان
أحيانا بلقاء وهو صائم، فيقدم له عشاء، وقد نودى للصلوة، ثم تقام وهو يسمع ، فلا يترك عشاء، ولا يعجز
٤٩١
مرعاة المفاتيح ج.٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
فلا يأتيها حتى يفرغ منه، وإنه ليسمع قراءة الامام. متفق عليه.
١٠٦٤ - (٦) وعن عائشة، رضى الله عنها، أنها قالت: سمعت رسول الله مثل يقول: لا صلوة.
بحضرة الطعام ، ولا
حتى يقضى عشاءه ثم يخرج فيصلى (فلا يأتيها) أى الصلوة فى المسجد (حتى يفرغ منه) أى من أكله. وليس فى
صحيح البخارى لفظ ((منه)) (وأنه) الواو الحال (ليسمع) بلام التأكيد (قراءة الامام) أى من قربه من المسجد.
واستنبط من الحديث كرامة الصلوة بحضرة الطعام الذى يريد أكله لما فيه من ذهاب كمال الخشوع. قال
النووى: ويلتحق به ما فى معناه مما يشغل القلب، وهذا إذا كان فى الوقت سعة، فإن ضاق صلى على حاله محافظة على
حرمة الوقت، ولا يجوز التأخير . وحكى المتولى وجها أنه يبدأ بالأكل وإن خرج الوقت ، لأن مقصود الصلوة
الخشوع فلا يفوته - انتهى. وهذا إنما يجئى على قول من يوجب الخشوع، ثم فيه نظر لأن المفدتين إذا
تعارضتا اختصر على أخفها ، وخروج الوقت أشد من ترك الخشوع ، بدليل صلوة الخوف وغير ذلك ، واذا
صلى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة، وتستحب الاعادة عند الجمهور. واستدل به القرطبي على أن شهود
صلوة الجماعة ليس بواجب، لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل وإن فاتته الصلوة بالجماعة. وفيه نظر لأن بعض من
ذهب إلى الوجوب كابن حبان جعل حضور الطعام عذرا فى ترك الجماعة ، فلا دليل فيه حينئذ على اسقاط
الوجوب مطلقا. وفيه دليل على تقديم نضبة الجموع فى الصلوة على فضيلة أول الوقت ، فانهما لما تراحا
قدم الشارع الوسيلة إلى حضور القلب على أداء الصلوة فى أول الوقت (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد
وأبو داود والترمذى وابن ماجه والبيهقى، وليس فى حديث مسلم القسم الموقوف على ابن عمر من فعله، بل هو عند
البخارى فقط، وأخرج نحوه الترمذى وأبو داود وابن ماجه، وفى الباب عن عائشة وأنس عند الشيخين وعن
أم سلمة عند أحمد وأبي يعلى والطبرانى وعن سلمة بن الأكوع وابن عباس وأنس عدد الطبرانى.
١٠٦٤ - قوله (لا صلوة) أى كاملة، وقيل هو نى بمعنى نهى، ويؤيده رواية أبي داود: لا يعلى
الرجل بحضرة الطعام (بحضرة الطعام) وفى بعض النسخ («بحضرة طام)) كما فى صحيح مسلم، أتى بحضور طمام بين
يدى من يريد أكله، وفيه دليل على أن حمل الصلوة فى قوله أقيمت الصلوة فى الحديث السابق على العموم أولى لأن
. لفظ صلوة فى هذا الحديث نكرة فى سياق التى، ولاشك أنها من صيغ العموم، ولأن لفظ الطعام مطلق غير مقيد
بالعشاء، فالظاهر أن ذكر المغرب فى حديث أنس من التنصيص على بعض أفراد العام وليس بتخصيص (ولا) أى ولا
٤٩٢
مرجاة المفاتيح ج
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
هو يدافعه الأخبنان. رواه مسلم.
١٠٦٥ (٧)- وص أبى هريرة قال: قال رسول اللّه عَبضعة، إذا أقيمت الصلوة فلا صاوة
صلوة كاملة حاصلة (هو یدافعه) غیر (هو)) مبتدأ خبره «يدافعه)) والجملة وقعت حالا بلا واو ، وفى بعض النسخ :
ولا وهو يدافعه بالواو، كما فى صحيح مسلم (الأخبثان) وفى رواية أحمد والبيهقى: ولا وهو يدافع الأخبثين
أى البول والغائط، ويلحق بهما ما كان فى معناهما مما يشغل القلب، ويذهب كمال الخشوع، كالريح والقىء. قال
الطبي: أى ولا صلوة حاصلة المصلى فى حال يدافعه الأخبشان عنها، فاسم ((لا)، الثانية وخبرها محذوفات، وقوله.
هو يدافعه الأخبئان حال، وبؤيده رواية ابن حبان بلفظ: لا يصلى أحدكم وهو يدافع الآخبثين ، وقيل فى
رواية الكتاب حذف تقديره: ولا صاوة حين هو يدافعه الأخبتان فيها، والمدافعة إما على حقيقتها، يعنى
الرجل بدفع الأخبثين حتى يؤدى الصلوة، والأخبثان يدفعانه عن الصلاة ، وإما بمعنى الدفع مبالغة، وهذا مع
المدافعة، وأما إذا كان يجد فى نفسه ثقل ذلك، وليس هناك مدافعة فلا نهى عن الصلاة معه ومع المدافعة فهى
مكروهة، قيل تنزيها لنقصان الخشوع، فلو خشى خروج الوقت إن قدم التبرز واخراج الأخبئين قدم.
الصلوة، وهى صحيحة مكروهة، ويستحب اعادتها. ولا تجب عند الجمهور، كما قال النووى: وعن الظاهرية أنها
باظلة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والبيهقى.
١٠٦٥ - قوله (إذا أقيمت الصلوة) المراد بإقامة الصلوة الاقامة التى يقولها المؤذن عند ارادة الصاوة».
وهو المعنى المتعارف. قال العراقى: وهو المتبادر إلى الأذهان من هذا الحديث، والأحاديث التى نذكرما فى
شرح الحديث تبين ذلك المعنى كما سيأتى. ثم المراد بإقامة المؤذن هو شروعه فى الإقامة ليتهياً المأمومون لإدراك
التحريم مع الامام. ومما يدل على ذلك رواية ابن حبان بلفظ إذا أخذ المؤذن فى الاقامة، وحديث أبى موسى
عند الطبرانى فى الكبير والأوسط أن النبى ثم رأى رجلا يصلى ركعتى الغداة حين أخذ المؤذن يقيم فغمز
التى تَّ منكبه وقال: إلا كان هذا قبل هذا. قال: العراقى: إسناده جيد. وقال الهيشمى: رجاله موثقون.
ويدل عليه أيضا حديث ابن عباس قال: كنت أصلى وأخذ المؤذن فى الاقامة، بجذبنى النبى مَّم وقال: أتصلى
الصبح أربعا. أخرجه أبو داود الطيالسى والسيهق والبزار وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما والحاكم
وقال صحيح على شرط مسلم، والطبرانى فى الكبير قال الهيثمى: رجاله ثقات (فلا صلوة) يحتمل أن يتوجه النفى.
إلى الصحة أو إلى الكمال، والظاهر توجيهه إلى الصحة لأنها أقرب المجازين إلى الحقيقة، ويحتمل أن يكون النفى.
بمعنى النهى، مثل قوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج - ٢ : ١٩٧) أی فلا تصلوا حیتذ ،
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
إلا المكتوبة.
ويؤيده ما رواه البخارى فى تاريخه والبزار وغيرهما عن أنس قال خرج رسول الله في حين أقيمت الصلوة
فرأى ناسا يصلون ركحتى الفجر فقال: صلاتان معا؟ ونهى أن تصليا إذا أقيمت الصلوة، وهو من رواية شريك."
ابن عبد الله بن أبى نمر عنه، واختلف عليه فى وصله وارساله، والنهى المذكور للتحريم لأنه أصل فيه
(إلا المكتوبة) أى تلك الصلوة المفروضة، فالألف واللام ليست لعموم المكتوبات وإنما هى راجعة إلى الصلوة
التى أقيمت ، وقد ورد التصريح بذلك فى رواية لأحمد والطحاوى بلفظ: فلا صلوة إلا التى أقيمت ، والمعنى
إذا شرع المؤذن فى الاقامة للصلوة التى لم تؤدوما فلا تصلوا حينئذ إلا التى أقيمت لها، فالنهى متوجه إلى
الاشتغال بصلوة غير تلك المكتوبة لمن عليه تلك المكتوبة، وأما الشروع خلف الامام فى الناظة لمن أدى
المكتوبة قبل ذلك فلا يشمله النهى، لأن المأمور بهذا الحكم ليس إلا من عليه تلك المكتوبة، كما هو ظاهر السياق.
والحديث فيه دليل على أن الاشتغال بالرواتب وغيرها وقت إقامة الصاوة أو بعد الاقامة والامام فى الصلوة
التى أقيمت لها منوع، سواء كانت الراتبة سنة الصبح أو غيرها، وسواء كان فى المسجد فى زاوية منه أو إلى
أسطوانة أو فى الصف أو خلفه أو كان خارج المسجد فى مكان عند بابه. قال الخطابى فى المعالم (ج ١ ص ٢٧٤):
فى هذا بيان أنه منوع من ركعتى الفجر وُمن غيرها من الصلوات إلا المكتوبة. وقال النووى فى شرح مسلم
(ج١ ص ٢٤٧): فيه النهى الصريح عن افتاح نافظة بعد إقامة الصلوة، سواء كانت راتبة كسنة الصبح والظهر
والعصر، أو غيرها . انتهى. وقال الحافظ فى الفتح (ج٣ ص ٣٦٨): فيه منع التنفل بعد الشروع فى إقامة الصلوة،
سواء كانت راتبة أم لا، لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة. وزاد مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار فى هذا
الحديث ((قيل يا رسول الله ولاركعتى الفجر، قال ولا ركعتى الفجر)) أخرجه ابن عدى فى ترجمة يحيى بن نصر
ابن حاجب، وإسناده حسن - انتهى. قلت: وأخرجه أيضا البيهقى (ج٢ ص ٤٨٣) وأما ما يذكر من زيادة
الاستثناء فى آخر الحديث بلفظ: إلا ركعتى الفجر فلا أصل لها، كما صرح به البيهقى. وقال الشوكانى فى النيل (ج٢
ص ٣٣٠): الحديث يدل على أنه لا يجوز الشروع فى النافلة عند إقامة الصلوة . من غير فرق بين ركعتى الفجر
وغيرهما - انتهى. قال النووي: والحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقيب شروع الامام،
وإذا اشتغل بنافلة فاته الاحرام ، وفاته بعض مكملات الفريضة ، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكالها. واختلف
العلماء فيمن لم يصل ركعتى الفجر، وقد أقيمت الصلوة: فذهبَ أهل الظاهر إلى أنه إذا سمع الاقامة لم يحل
له الدخول فى ركعتى الفجر ولا غيرهما من النوافل سواء كان فى المسجد أو خارجه، فإن فعل فقد عصى. قال الشوكانى:
وهو قول أهل الظاهر وفقله ابن حزم عن الشافعى وعن جمهور السلف، وحكى القرطبى فى المفهم عن أبى هريرة
٤٩٤
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
وأهل الظاهر أنها لا تنعقد صلوة قطوع فى وقت إقامة الفريضة . قال الخطابي: روى عن عمر بن الخطاب أنه كان
يضرب الرجل إذا رأه يصلى الركعتين والامام فى الصلوة. وقال المنذرى فى مختصر سنن أبي داود: قال أبو هريرة
مظاهره، وروى عن عمر أنه كان يضرب على صلاة الركعتين بعد الاقامة ، وذهب اليه بعض الظاهرية ، ورأوا
أنه يقطع صلاته إذا أقيمت عليه الصلوة وكلهم يقولون لا يبتدى نافلة بعد الاقامة لنهيه مزيفة. قال الشوكانى بعد ذكر
ما ذهب اليه أهل الظاهر من عدم جواز الدخول فى النافلة بعد سماع الاقامة سواء كان فى المسجد أو خارجه هذا
القول هو الظاهر. وقال شيخنا فى شرح الترمذى: هو القول الراجح المعول عليه وذهب الشافعى وأحمد
إلى أن ذلك مكروه. قال الخطابي فى المعالم (ج١ ص ٢٤٧): روى الكراهية فى ذلك عن ابن عمر وأبى هريرة،
وكره ذلك سعيد بن جبير وابن سيرين وعروة بن الزبير وابراهيم النخعى وعطاء، وإليه ذهب الشافعى وأحمد ..
انتهى . وقال ابن رشد فى البداية: وقال الشافعى إذا أقيمت الصلوة فلا يركعهما أصلا لا داخل المسجد.
ولا خارجه. وقال ابن قدامة فى المغنى: إذا أقيمت الصلاة فلا يشتغل بالنافلة، سواء خاف فوت الركعة أو
لم يخف، وبه قال الشافعى - انتهى. قلت: الظاهر أن الشافعى وأحمد وافقا أهل الظاهر فى عدم الجواز هذا
وقد ظهر من أقوالهم المذكورة أنهم متفقون على حمل الحديث على عمومه، وأنه غير مقصور على المسجد.
فعلة النهى ومناط الكرامة ومثار المنع عندهم هو أداء السنة حال إقامة الصلوة ، والاشتغال بالنافلة عن الفريضة،
وقد تقدم ذلك فى كلام النووى. وهذا هو الحق عندى، فإن هذه العلة قد جاءت منصوصة فى بعض الروايات
كحديث أنس عند البزار وغيره قال: خرج رسول اللّه مَثّم حين أقيمت الصلوة، فرأى ناسا يصلون ركعتى
الفجر، فقال صلاتان معا؟ نهى أن تصليا إذا أقيمت الصلوة ، وكحديث أبى موسى الأشعرى عند الطبر انى فى
الكبير: أن رسول اللّه تَّ رأى رجلا يصلى ركعتى الغداة حين أخذ المؤذن يقيم، فغمز النبي محمد الله منكبه، وقال
ألا كان هذا قبل هذا، وكحديث ابن عباس عند أبى داود الطيالسى وغيره قال: كنت أصلى وأخذ المؤذن فى
الاقامة، جذبنى التى مَثّ فقال أتصلى أربعا؟ ويدل عليه أيضا قصديره بقوله إذا أقيمت الصلاة، وقوله فى
رواية لأحمد: لا صلوة بعد الاقامة إلا المكتوبة، فهذه الروايات كلها نصوص صريحة فى أن مناط النهى هو
الاشتغال بالنافلة بعد الاقامة لاغير، وهى تدفع الناويلات الواهية الفاسدة الآتية التى تكلف لها الطحاوى وغيره من
الخفية وذهب مالك إلى أنه إذا كان قد دخل المسجد ليصليهما نأقيمت الصلوة فليدخل مع الامام فى الصلوة
ولا يركعهما فى المسجد وإن كان لم يدخل المسجد فان لم يخف أن يفوته الامام بركعة فظير كعهما خارج المسجد ،
وإن عاف فوات الركعة الأولى فليدخل مع الامام وقال أبو حنيفة: إن خشى فوت الركعتين معا ، وأنه
٤٩٥
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤- كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
لا يدرك الامام قبل رفعه من الركوع فى الثانية دخل معه، وإلا فظير كعهما يعنى ركعتى الفجر خارج المسجد ثم
يدخل مع الامام، فوافق أبو حنيفة مالكا فى الفرق بين أن يدخل المسجد أو لا يدخله ، وخالفه فى الحد فى ذلك،
فقال يركعهما خارج المسجد ما ظن أنه يدرك ركعة من الصبح مع الامام ، قال صاحب فيض البارى: هذا أى
صلاتهما خارج المسجد بشرط إدراك ركعة هو المذهب (أى مذهب أبى حنيفة) عندى، كما فى الجامع الصغير
والبدائع، واختاره صاحب الهداية، وصرحوا به فى باب إدراك الفريضة، وصرح به علماء المذاهب الأخرى
كالقسطلانى (والخطابى) من الشافعية وابن رشد والباجى من المالكية، ولا رواية عنه فى داخل المسجد -
انتهى. قال ابن رشد: وإنما اختلف مالك وأبو حنيفة فى القدر الذى يراعى من فوات صلوة الفريضة لاختلافهم
فى القدر الذى يفوت به فضل الجماعة إذ فضل الجماعة عندهم أفضل من ركعتى الفجر، فمن رأى أنه يفوت بقوات
ركعة قال يتشاغل بهما ما لم تفته ركعة من المفروضة ، ومن رأى أنه يدرك الفضل بإدراك ركعة من الصلوة لقوله
عليه الصلوة والسلام من أدرك ركعة من الصلوة فقد أدرك الصلوة قال يتشاغل بهما ما ظن أنه يدرك ركعة
منهما، ومالك إنما يحمل هذا على من فاتته الصلوة دون قصد منه- انتهى. وقد ظهر من مذهبهما أنهما قصرا حكم .
الحديث على المسجد ولم يحملاه على عمومه. وهذا يدل على أن مناط النهى عندهما هو كونه مصليا فى المسجد غير
المكتوبة التى أقيمت لها، لأن فيه المخالفة على الامام. قال فى الهداية: التقييد بالأداء عند باب المسجد يدل على
الكراهة فى المسجد إذا كان الامام فى الصلاة. قال ابن الحمام: لأنه يشبه المخالفة للجماعة والاتباذ عنهم، فينبغى
أن لا يصلى فى المسجد إذا لم يكن عند باب المسجد مكان. لأن ترك المكروه مقدم على فعل السنة - انتهى.
وقال ابن رشد: من قصر ذلك على المسجد فالعلة عنده أنمبا هو أن تكون صلاتان معا فى موضع واحد لمكان
الاختلاف على الامام ـ انتهى. واختصاص الحكم بالمسجد هو الذى فهمه !بن عمر، فقد قال الحافظ فى الفتح:
قد فهم ابن عمر اختصاص المنع بمن يكون فى المسجد لا خارجا عنه فصح عنه أنه كان يحصب من يقفل
فى المسجد بعد الشروع فى الاقامة، وصح عنه أنه قصد المسجد فسمع الاقامة فصلى ركعتى الفجر فى بيت حفصة ثم
. دخل المسجد فصلى مع الامام. ويؤيده ما روى عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ،ے يقول:
لا صلوة لمن دخل المسجد والإمام قائم يصلى فلا ينفرد وحده بصلاة ولكن يدخل مع الامام فى الصلوة. رواه
الطبرانى فى الكبير. قال الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج٢ ص ٧٥): وفيه يحيى بن عبد الله البابتى وهو ضعيف-
اتھی. قلت : یحی البسابحی هذا ابن امرأة الأوزاعی، ضغه أبو زرعة وغیرہ. وقال ابن أبى حاتم بأتى عن
الثقات بأشياء معضلة بهم فيها فهو ساقط الاحتجاج فيما انفرد به. وقال أبو حاتم: لا يعتد به. وقال ابن عدى له
أحاديث صالحة تفرد ببعضها، وأثر الضعف على حديثه بين، وقد أكثر عن الأوزاعى ولم يسمع منه شيئا. وقال
٤٩٦
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
فى التقريب فى ترجمته: ضعيف، حديث ابن عمر هذا ضعيف لا يصلح للاستدلال والتخصيص، والظاهر عندى
أن الحديث موقوف من قول ابن عمر وفنياه، كما يدل عليه فعله، فرهم فيه يحيى البابلى وجعله مرفوعا من قول
التى تَّة. وقوله ◌َبْل إذا أقيمت الصلوة إلخ مطلق غير مقيد بالمسجد بل هو عام للمسجد وغيره ، فيجب حمله
على عمومه ولا يجوز قصره على المسجد، لأن تخصيص النص بالرأى غير جائز ابتداء فلا يخص إلا بدليل من
الكتاب والسنة الصحيحة ، ولا يجوز تخصيصه بقول أحد كائنا من كان، والحجة هى السنة دون فهم الصحابى.
وفعله أو قوله وعلة النهى أنما هو الاشتغال بالنافظة عن الفريضة عند الاقامة أو بعدها وقد جاء ذلك مصرحا
فى بعض الروايات، كما تقدم ، ولا دخل للمسجد فى العلية وأما ما قال ابن رشد فى ذكر وجه الاختلاف بين
مالك وأبى حنيفة فى القدر الذى يراعى من فوات الفضيلة من أن أبا حنيفة قيد بادراك الركعة، لأن فضل
الجماعة أنما يحصل عنده بادراك ركعة ففيه أن إدراك الفضل لا يتوقف عندهم على إدراك الركبة بل يحصل ذلك
با دراك التشهد أيضا. قال الشامى (ج١ ص ٦٧١): المداد منا على إدراك فضل الجماعة، وقد اتفقوا على
إدراكه بادراك التشهد، فيأتى بالسنة اتفاقا أى أورجا إدراك التشهد، كما أوضحه فى الشرنبلاليسة أيضاً، وأقره
فى شرح المنية وشرح نظم الكغز وحاشية الدور لنوح أفندى وشرحها الشيخ اسماعيل ونحوه فى القهستانى،
وجزم به الشارح فى المواقيت - انتهى. قال صاحب الفيض: ثم وسع محمد (رح) فى إدراك ركعة، وأجاز هما.
عند إدراك القعدة أيضا. ثم مشائخنا وسعوا بهما فى المسجد أيضا (وحكاه النووى فى شرح مسلم عن أبى حنيفة
وأصحابه)، وأظن أن أول من وسع بهما فى المسجد هو الطحاوى تذهب إلى جوازهما فى ناحية المسجد بشرط
الفصل بينهما وبين المكتوبة حتى لا يعد واصلا بينهما وبين المكتوبة، وهو مثار النهى عنده. ولعلك علمت
أن القيدين الذين كان صاحب المذهب ذكرهما ارتفع أحدهما بتوسيع محمد ، والآخر بتوسيع الطجاوى. أما
أنا فأعمل بمذهب الإمام أبى حنيفة، وقد أخى به الناس ـ انتهى. قلت: مناط الثهن برعلته عند الطحاوى هو
اختلاط الفرض والنفل، ومخالطة الصف، وعدم الفصل بين النافلة والفريضة فى المكان، فقد قال فى تأويل حديث
أبى هريرة أنه قد يجوز أن يكون أراد بهذا النهى عن أن يصلى خيرها فى موطنها الذى فيه، فيكون مصليها قد وصلها
بتطوع فيكون النهى من أجل ذلك لا من أجل أن يصلى فى آخر المسجد ، ثم يتنحى الذى يصلبها من ذلك المكان،
فيخالط الصفوف ويدخل فى الفريضة - انتهى. واستدل لذلك بما رواه هو وأحد (ج٥ ص ٣٤٥) عن محمد بن
عبد الرحمن بن ثوبان عن عبد الله بن مالك بن بحينة أن رسول الخرس مسد لة من مالك بن بجينة وهو
متصب یصلى ثمه بین یدی نداء الصبح فقال لا تجعلوا هذه الصلوة مكملاتعلى النهر وجسدها، واجعلوا بينهما
١٩٧
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة و فضلها
فصلا. قال الطحاوى: فبين هذا الحديث أن الذى كرهه رسول اللّه مَّ لابن بحينة هو وصله إياها بالفريضة
فى مكان واحد لم يفصل بينهما بشىء، وليس لأنه كره له أن يصليهما فى المسجد إذا كان فرغ منها تقدم إلى
الصفوف فصلى الفريضة مع الناس - انتهى. قلت: تأويل الطحاوى هذا ضعيف جدا بل باطل والاستدلال
له يحديث محمد بن عبد الرحمن أبطل، فانه لو كان المراد بالفصل فيه الفصل بالمكان أى بالتقدم أو التأخر للزم
أن لا يكون ذلك الفصل مطلوبا فى الظهر، ويجوز أداء سنة الظهر متصلا بالفرض مخالطا للصف من غير فصل
بالتقدم ، ولا يقول به أحد علا أنه لا دليل على ما ذكر فى حد الفصل بالمكان بأن يصلى فى مؤخر المسجد ثم
بشى إلى أول المسجد ومقدمه ويخالط الصف فيدخل فى الفريضة، فإن الفصل بين النفل والفرض بالمكان قد
يحصل بالتقدم بخطوة بل بالكلام أيضا ، فلو صلى أحد ركعتى الفجر قريبا من الصف أو مخالطا له ودخل فى
الفريضة بعد أن مشى خطوة فقد صدق عليه أنه جعل الفصل بين النفل والفرض بالمكان ، فيلزم أن يكون هذا
جائزاً عند من يقول بالفصل بالمكان . والحاصل أن جعل الصلوة فى مؤخر المسجد ثم مشيه إلى مقدم المسجد
والصف حدا للفصل بالمكان لا أثارة عليه من على، وكذا لا دليل على كون علة النهى اختلاط الصلوتين ومخالطة
الصفوف بل علة النهى هو أداء السنة حال إقامة الصلوة كما تقدم، وإذا عرفت هذا فاعلم أن المراد بالفصل فى
حديث محمد بن عبد الرحمن هو الفصل بالزمان لا غير ، والمعنى اجعلوا بين سنة الفجر وفرضه فصلا أى بالزمان.
بأن تصلوها قبل الاقامة لاعندها ليحصل الفصل بين السنة والفرض، وهذا الفصل مطلوب فى جميع المكتوبات ،
وإنما خص الفجر بالذكر، لأن هذه القصة وقعت عند الفجر ، فإن ابن بحينة صلى ركعتى الفجر ، حال إقامة
الصلوة فأمره بالفصل ليجتنب فيما بعد عن التنفل حال الاقامة وبعدها، وهذا مشترك بين الفجر وغيره من
المكتوبات، وليؤدى بعض المستحبات التابعة لسنة الفجر، كالاضطجاع على الشق الأيمن فكأنه أمره بالفصل
ليمكن له الاضطجاع بعد سنة الفجر قبل الاقامة ، فإن حال الاقامة لا يمكنه الإتيان بهذا المستحب، لأن بعد
إتمام السنة يدخل فى الفريضة ولا يشتغل بأداء المستحب، وهذا مختص بصلوة الفجر. وأما قوله مَثيم: لا تجعلوا
هذه الصلوة كصلوة قبل الظهر وبعدها أى فإن سنة الظهر قد تؤدى فى المسجد بخلاف سنة الفجر، أو فإنها
لا يشرع الاضطجاع بعدها بخلاف ركعتى الفجر، ولا يحصل هذا إلا إذا فصل بين ركعتى الفجر وفرضه
بالزمان، وبذلك تنتفى المشابهة بين سنة الظهر وسنة الفجر ، أو فإنه يجوز أداء سنة الظهر بحيث يفرغ منها متصلا
بالاقامة لفرضه من غير فصل أى بدون تقدم بالزمان والدليل على أن المراد بالفصل الفصل بالزمان ما ورد فى
بعض الأحاديث من علة النهى منصوصا، وهى أداء السنة وقت إقامة الصلوة أو بعدها كما تقدم من حديث أبى
موسى الأشعرى وابن عباس وأنس بن مالك. وبدل على ذلك أيضا ما روى مسلم وأبو داود والنسائى
٤٩٨
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤٠- كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
وابن ماجه، واللفظ لمسلم من حديث عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس قال: دخل رجل المسجد ورسول الله
صلى الله عليه وسلم فى صلوة الغداة فصلى ركعتين فى جانب المسجد ثم دخل مع رسول الله مطلع فلا
سلم رسول الله يح قال يا فلان ! بأى الصلاتين اعتددت أ بصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟ وأخرجه
الطحاوى عنه بلفظ: أن رجلا جاء ورسول الله زل فى صلوة الصبح، فركع ركعتين خلف الناس،
ثم دخل مع النبي صلى فى صلوته - الحديث. قال البيهقى فى المعرفة بعد روايته: ما لفظه رواه مسلم فى الصحيح
عن زهير بن حرب عن مروان بن معاوية، ورواه عبد الواحد بن زياد عن عاصم، وقال يصلى ركعتين قبل
أن يصل إلى الصف. وهذا يرد قول من زعم أنه انما أنكره لا يصاله بالصفوف فى حال اشتغاله بالركعتين
أو لأنه لم يجعل بين النفل والفرض فصلا بتقدم أو تكلم ، لأن هذا قد أخبر بأنه صلاهما فى جانب المسجد قبل
أن يصل إلى الصف، ثم دخل مع النبي عَل ـ انتهى. وقال الخطابى فى المعالم (ج ١ ص ٢٧٤): فى هذا
دليل على أنه إذا صادف الامام فى الفريضة لم يشتغل بركمتى الفجر وتركهما إلى أن يقضيهما بعد الصلوة . وقوله
أيتهما صلاتك (في رواية أبى داود) مسئلة إنكار يريد بذلك تبكيتة على فعله وفيه دلالة على أنه لا يجوز له أن
يفعل ذلك وإن كان الوقت يتسع الفراغ منهما قبل خروج الامام من صلاته، لأن قوله أو التى صليت معنا يدل
على أنه قد أدرك الصلوة مع رسول الله ثم بعد فراغه من الركعتين - انتهى. وقال النووى فى شرح مسلم
(ج ١ ص ٢٤٧): فيه دليل على أنه لا يصلى بعد الإقامة نافلة وإن كان يدرك الصلوة مع الإمام ، ورد على من
قال إن علم أنه يدرك الركعة الأولى والثانية يصلى النافلة وقال ابن عبد البر كل هذا إنكار منه لذلك الفعل،
فلا يجوز لأحد أن يصلى فى المسجد شيئا من النوافل إذا قامت المكتوبة كذا فى شرح الموطأ الزرقانى.
وأما ما قال الطباوى تحت ما رواه من حديث ابن سرجس أنه قد يجوز أن يكون قوله كان خلف الناس أى
كان خلف صفوفهم لا فصل بينه وبينهم فكان شبه المخالط، وهذا مكروه عندنا، وانما يجب أن يصليهما فى
مؤخر المسجد، ثم يمشى من ذلك المكان إلى أول المسجد، فأما أن يصليهما مخالطا لمن يصلى الفريضة فلا
فهو مردودعليه، لأن المراد من خلف الناس هو جانب المسجد، كما جاء مصرحا فى رواية مسلم: فصلى ركعتين
فى جانب المسجد، فإنه صريح فى أنه صلى فى جانب من جوانب المسجد وزاوية من زواياه، والروايات يفسر
بعضها بعضا، ومع ذلك نهاه التي تت، فعلم أن أداء السنة حال إقامة الصلوة والاشتغال بالنافلة عن الفرض،
سواء كان فى مقدم المسجد أو موخره ممنوع. قال الشيخ سلام الله الدحلوى فى المحلى شرح الموطأ وهو من
العلماء الحنفية من أولاد الشيخ عبد الحق الفهلوى صاحب المعات: ومن الحنفية من قال إنما أنكر النبى مزيفة، لأن
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٣ - باب الجماعة وفضلها
الرجل صلاها فى المسجد بلا حائل فشوش على المصلين ، ويرده ما فى مسلم عن ابن سرجس دخل رجل المسجد وهو
وريثة فى صلوة الغداة فصلى ركعتين فى جانب المسجد - الحديث. فإنه يدل على أن أداء الرجل كان فى جانب لا
مخالطا للصف بلا حائل - انتهى ملخصا. وقال الشيخ عبد الحى اللكنوى فى التعليق الممجد (ص ٨٦): وحل
الطحاوى هذه الأخبار (أى أحاديث ابن سرجس وابن بحينة وغيرهما) على أنهم صلوا فى الصفوف لا فصل بينهم
وبين المصلين بالجماعة، فلذلك زجرهم التى ميثيل، لكنه حمل من غير دليل معتد به، بل سياق بعض الروايات
يخالفه، وقال فيه أيضا ذكر الطحاوى أن معنى قوله: فلا صلوة إلا المكتوبة النهى عن أداء التطوع فى موضع
الفرض ، فإنه يلزم حينئذ الوصل ، وبسط الكلام فيه، لكن لا يخفى على الماهر أن الظاهر الأخبار المرفوعة هو
المنع - انتهى. فإن قلت قال ابن الملك والعينى وغيرهما من الحنفية إن قوله عليه السلام: اذا أقيمت الصلوة
فلا صلوة إلا المكتوبة ليس على عمومه ، بل خصت منه سنه بعجر بعوله عليه السلام: لا تدعوهما وإن طردتكم
الخيل ، أخرجه أبو داود ، فيكره أداء السنن عند الإقامة إلا سنة الفجر فيجوز أداءها، ويجمع بين القضيتين.
يعنى فضيلة ركعتى الفجر وفضيلة الجماعة. قلت: لا يجوز تخصيصها من عموم قوله إذا أقيمت الصلوة الخ.
لأنه ورد النهى الصريح فى أداء سنة الفجر عند الاقامة من غير احتمال ولا تمويل كحديث عبد الله بن سرجس
وأبى موسى الأشعرى وابن عباس وأنس بن مالك وقد ذكرنا ألفاظهم، وكحديث عبد الله مالك بن بحينة قال:
من النبى مَّ برجل وقد أقيمت الصلوة يصلى ركعتين فذا انصرف رسول الله تَّ لات به الناس فقال أ الصبح
أربعا، أ الصبح أربعا؟ أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه والدارمى والطساوى. ولفظ مسلم فى رواية: أتصلى
الصبح أربعا؟ قال النووى: هو استفهام إنكار و معناه أنه لا يشرع بعد الإقامة للصبح إلا الفريضة، فإذا صلى
ركعتين نافلة بعد الإقامة ثم صلى معهم الفريضة صار فى معنى من صلى الصبح أربعا، لأنه صلى بعد الإقامة أربعا.
وقال العينى: والمراد أن الصلوة الواجبة إذا أقيم لها لم يصل فى زمانها غيرها من الصلوة فإنه إذا صلى ركعتين مثلا
بعد الإقامة نافلة لها ثم صلى معهم الفريضة صار فى معنى من صلى الصبح أربما لأنه صلى بعد الإقامة أربعا - انتهى.
فأحاديث هولاء الصحابة كما ترى صريحة فى أنه مع نهى عن وكتى القهر عند الإقامة فلا يصح تخصيصهما
من عموم حديث أبى هريرة، ومن يخصصهما بعد هذا النهى تصريح فهو معاند السنة ومتعصب مفرط، وأما الجمع
بين الفضيلتين يعنى فضيلة ركعتى الفجر وفضيلة الجماعة فهو مكن بأن يدخل فى الجماعة وبعد الفراغ من الفجر
يودى الركعتين فإن تلك الساعة وقت لها فى حقه. وأما ما يذكر عن ابن مسعود أنه صلى ركعتى الفجر إلى
أسطوانة من المسجد ثم دخل فى الصلوة، وعن أبى الدرداء أنه كان يصلى الركعتين فى ناحية المسجد ثم يدخل