النص المفهرس

صفحات 441-460

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤- كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
رواه أبو داود وابن ماجه.
١٠٣٧ - (٧) وعن عقبة بن عامر، قال: قلت. يا رسول الله! فضلت سورة ((الحج)) بأن فيها
سجدتين؟ قال نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما.
وذكر فى الحج أو اقرأه فى الحج سجدتين، أى عقب ما يشاء، و تفلحون. قال السندى: ومن لا يقول بالثانية
يحملها على السجدة الصلانية لقرانها بالركوع، ويعتذر عن هذا الحديث بأن فى إسناده ابن منين وهو مجهول، كما
قاله ابن القطان، لكن قد جاء أحاديث متعددة فى الباب، فيؤيد بعضها بعضا بحيث يصير الكل حجة - انتهى. قلت
الظاهر: أن هذا الحديث حسن، كما ستعرف. وأما حمل السجدة الثانية على سجدة الصلاتية فيسأتى جوابه مع
بسط الكلام فى المسئلة (رواه أبو داود وابن ماجه) وأخرجه أيضا الدار قطنى والحاكم والبيهقى كلهم من طريق
الحارث بن سعيد العتقى عن عبد الله بن منين عن عمرو بن العاص، وقد سكت عنه أبو داود والمنذرى. وقال الحافظ
فى اللخيص: حسنة المنذرى والنووى، وضعفه عبد الحق وابن القطان - انتهى. قال عبد الحق فى أحكامه: وعبد الله
ابن منين لا يحتج به ، قال ابن القطان: وذلك لجهالته، فانه لا يعرف، روى عنه غير الحارث بن سعيد وهو
رجل لا يعرف له حال. فالحديث من أجله لا يصح. كذا فى نصب الراية (ج ٢ ص ١٨٠) قلت عبد الله
ابن منين بنون مصغرا وثقه يعقوب بن سفيان ، كما فى تهذيب التهذيب والتقريب. والحارث بن سعيد العنقى
قال الحافظ فى التقريب: إنه مقبول. فالظاهر أن الحديث لا ينحط عن درجة الحسن .
١٠٣٧ - قوله (فضلت) بتقدير همزة الاستفهام ففى المسند ((أفضلت)) وهو بضم الفاء من التفضيل
(ومن لم يسجدهما) أى السجدتين (فلا يقرأهما) أى آيتى السجدة. قال العلامة الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على
الترمذى (ج٢ ص ٤٧١): ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالحديث ظاهر اللفظ، وان من أتى على آية السجدة،
ولم يرد السجود ترك الآية . وعن ذلك استدل به بعضهم على وجوب سجود التلاوة. وأجاب بعض القائلين بأنها
سنة بأن ترك تلاوتها لئلا يتضرر القارئى بترك سنة السجود . وهذا كله عندى غير جيد بل هو خطأ، لأن هذا
الكلام من كلام العرب لا يراد به ظاهره إنما هو تقريع وزجر كقوله مَّم ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت))
وأمثال ذلك مما يعرف من فقه كلام العرب ومناحيهم وإنما يريد ريع فى هذا الحديث أن يحض القارئ على
السجود فى الآيتين، فكما أنه لا ينبغى له أن يترك قراءتهما لا ينبغى له إذا قرأهما أن يدع السجود فيهما انتهى.
والحديث نص كالحديث السابق ان فى سورة الحج بعدتين ، واليه ذهب أحمد والشافعى وإسحاق وأبو ثور
وابن المنذر، وهو قول عمر وعلى وعبد الله بن عمر وأبى موسى وأبى الدرداء وعمار وأبى عبد الرحمن السلمى
٤٤١
۔۔۔

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة.
٢١ - باب سجود القرآن
رواه أبو داود، والترمذى،
وأبى العالية وزر. وقال ابن عباس: فضلت سورة الحج بسجدتين، قال ابن قدامة بعد ذكر هؤلاء الصحابة والتابعين:
لم تعرف لهم مخالفا فى عصرهم، فيكون إجماعا. وقد قال أبو إسحاق أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون فى
الحج سجدتين. وقال ابن عمر لو كنت تاركا أحداهما لتركت الأولى وذلك لأن الأولى اخبار ، والثانية أمر ،
واتباع الأمر أولى - أنتهى. وروى البيهقى فى المعرفة وأبو داود فى المراسيل عن خالد ابن معدان قال ، فضلت
سورة الحج بسجدتين)). وفى هذاكله رد صريح على أبى حنيفة وغيره ممن أنكر السجدة الأخيرة من سورة
الحج محتجا بأن آخر الحج السجود فيها سجود الصلاة لاقترانه بالركوع بخلاف الأولى فان السجود فيها مجرد عن
ذكر الركوع. ولهذا لم يكن قوله تعالى: ﴿يا مريم اقتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين - ٣: ٤٣)
من مواضع السجدات بالاتفاق. قال ابن الحمام: والسجدة الثانية فى الحج الصلوة عندنا، لأنها مقرونة بالأمر بالركوع،
والمعهود فى مثله من القرآن كونه من أوامر ما هو ركن الصلوة بالاستقراء نحو (اسجدى واركتى مع
الراكعين) - انتهى. قلت لاعبرة بمثل هذا الاستقراء والرأى الفاسد بعد ما ثبت السجدة الأخيرة من سورة الحج
بالأحاديث وآثار الصحابة. فالحق أن فى سورة الحج سجدتين كما ذهب اليه الشافعى وأحمد. قال الإمام ابن القيم فى.
إعلام الموقعين (ج٢ ص ٨): فأما الرأى فيدخل على فساده وجوه: منها أنه مردود بالنص. ومنها أن اقتران
الركوع بالسجود فى هذا الموضع لا يخرجه عن كونه موضع سجدة، كما ان اقترانه بالعبادة التى هى أعم من
الركوع لا يخرجه عن كونه سجدة وقد صح سجوده فى النجم ، وقد قرن السجود فيها بالعبادة، كما قرنه بالعبادة فى
سورة الحج، والركوع لم يزده إلا تاكيدا. ومنها ان أكثر السجدات المذكورة فى القرآن متناولة لسجود الصلاة ثم
بينها ثم قال فإرادة سجود الصلوة بآية السجدة لا تمنع كونها سجدة، بل تؤكدها وتقويها، ثم ذكر ما يوضح ذلك،
ثم قال وهذا السجود شرعه الله ورسوله عبودية عند تلاوة هذه الآيات واستماعهما، وقربة اليه، وخضوعا
لعظمته ، وتذللا بين يديه . واقتران الركوع ببعض آياته مما يؤكد ذلك ويقويه، لا يضعفه ويوهيه وأما.
قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتى لربك الح﴾ فانما لم يكن موضع سجدة، لأنه خبر خاص عن قول الملائكة لامرأة
بعينها أن تدير العبادة لربها بالقنوت، وتصلى له بالركوع والسجود فهو خبر عن قول الملائكة لها ذلك وإعلام.
من اللّه تعالى لنا أن الملائكة قالت ذلك لمريم، فسياق ذلك غير سياق آيات السجدات - انتهى. (رواه
أبو داود والترمذى) وأخرجه أيضا ابن عبد الحكم فى فتوح مصر (ص ٢٨٩) وأحمد فى المسند (ج٤ ص١٥١
- ١٥٥)، والدار قطنى (ص ١٥٧)، والحاكم (ج١ ص ٢٢١: ج٢ ص ٢٩٠)، والبيهقى (ج ٢ ص ٣١٧).
كلهم من طريق ابن لهيعة عن مشرع بن هاعان عن عقبة بن عامر. وقد ذكر الحاكم أنه تفرد به ابن لهيعة، وأكده
الحاكم بأن الرواية صحت فيه من قول عمر وابنه وابن مسعود وابن عباس وأبى الدرداء وأبى موسى وعمار، ثم
٠٤٤٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوى. وفى المصابيح: ((فلا يقرأما))، كما فى شرح السنة.
١٠٣٨ - (٨) وعن ابن عمر: أن النبى صلى الله عليه وسلم سجد فى صلوة الظهر، ثم قام فركع،
فرأوا أنه قرأ «تنزيل، السجدة)).
ساقها موقوفة عنهم ، وأكده البيهقى بما رواه فى المعرفة من طريق خالد بن معدان مرسلا (وقال) أى الترمذى
(هذا حديث ليس إسناده بالقوى) أى الكلام الذى يذكر فى ابن لهيعة وابن ماعان . والظاهر أن الحديث حسن ؛
وإسناده قوى. قال ابن القيم: حديث ابن لهيعة يحتج منه بما رواه عنه عبادلة كعبد الله بن وهب وعبد الله بن
المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئى. قال أبو زرعة: كان ابن المبارك وابن وهب يتبعان أصوله وقال عمرو بن
على من كتب عنه قبل احتراق كتبه مثل ابن المبارك وابن المقرئى أصح ممن كتب بعد احتراقها . قال ابن وهب
كان ابن لهيعة صادقا . وقد انتقى النسائى هذا الحديث من جملة حديثه ، وأخرجه واعتمده ، وقال ما أخرجت من
من حديث ابن لهيعة قط إلا حديثا واحدا ، يعنى هذا الحديث ثم ذكره انتهى كلام ابن القيم مختصرا . وهذا
الحديث مما رواه عبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقرئى مع الآخرين عن ابن لهيعة فهو مما يحتج به من
أحاديثه. وأما مشرح بن هاعان فقال الحافظ فى التقريب: إنه مقبول . وقال الذهبى فى الميزان: صدوق لينه
ابن حبان. وقال عثمان بن سعيد عن ابن معين: ثقة . وقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به . فالظاهر أن الحديث
لا ينزل عن درجة الحسن. وقد اعتضد بحديث عمرو بن العاص المتقدم، وبرواية خالد بن معدان المرسلة ،
وبآثار الصحابة . وقال ميرك كما فى المرقاة الحديث صحيح (وفى المصابيح فلا يقرأها كما فى شرح السنة) أى بإعادة
الضمير إلى السورة. والمعنى أنه لا يقرأها بكمالها وقيل الضمير لآية السجدة. قال ميرك، نقلا عن التصحيح،
كذا وقع فى أكثر نسخ المصابيح فلا يقرأها بغير ميم ، وهو غلط . والذى ثبت فى أصول روايتنا فلا يقرأهما
بالتثنية - انتهى. وقال التوربشتى: كذا وجدناها فى نسخ المصابيح، وهو غلط. والصواب فلا يقرأهما بإعادة
الضمير إلى السجدتين ، وكذا وجدنا فى كتابى أبى داود والترمذى وغيرهما من كتب أهل الحديث. قلت الأمر
كما قال ميرك والتوريشتى .
١٠٣٨ - قوله (سجد) أى سجدة التلاوة (فى صلوة الظهر) وفى رواية أحمد فى الركعة الأولى من
صلوة الظهر (ثم قام فركع) قال ابن الملك : يعنى لما قام من السجود إلى القيام ركع ، ولم يقرأ شيئا من باقى
السورة وإن كانت القرأة جائزة. قال القارى: بل القراءة أفضل ، ولعلها كانت الصلوة تطول ، أو تركها لبيان
الجواز، مع أنه لا نص فى عدم قراءته عليه السلام آخر السورة ، ثم انه لم يكتف بالركوع وإن كان جائزا أيضا،
كما هو مذهبنا، إختيارا للعمل بالأفضل - انتهى. قلت: لا بد للقول بالاكتفاء بالركوع عن السجود من دليل من
كتاب أوسنة، ولا يكفى فى مثل هذا القياس (فرأوا) أى علوا (أنه قرأ تنزيل السجدة) بنصب تنزيل على المفعولية،
٤٤٣

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
رواه أبو داود.
١٠٣٩ - (٩) وعنه: أنه كان رسول اللّه لم يقرأ عليها القرآن، فإذا مر بالسجدة، كبر وسجد
وجدنا معه .
وبرفعه على الحكاية. والسجدة مجرورة. ويجوز نصبها بتقدير أغنى، ورفعها بتقدير هو. والمعنى سمعوا بعض
قراءته، لأنه كان قد يرفع صوته ببعض ما يقرأ به فى الصلوات السرية ليعلموا سنية قراءة تلك السورة. والحديث
يدل على مشروعية سجود التلاوة فى الصلوة السرية. وقد تقدم الكلام فى ذلك (رواه أبو داود) من طريق
معتمر ويزيد بن هارون وهشم عن سلمان التيمى عن أمية عن أبى مجلز عن ابن عمر. قال أبو داود: قال محمد بن
عيسى: يعنى شيخه، لم يذكر أمية أحد إلا معتمر، وسكت عنه المنذرى والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج ٢
ص ٨٣) والطحاوى والحاكم (ج١ ص ٢٢١) لكن بإسقاط أمية بين سليمان وأبى مجلز. قال الحاكم: صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقى (ج٢ ص ٣٢٢) على الوجهين. قال الحافظ فى
التلخيص (ص١١٤) بعد ان نسب الحديث لأبى داود والحاكم: وفيه أمية شیخ لسلمان النیمیرواهلهعن أبى مجلز،
وهو لا يعرف قاله أبو داود فى رواية الرملى عنه. وفى رواية الطحاوى عن سليمان عن أبى مجلز. قال: ولم اسمعه منه،
لكنه عند الحاكم بإسقاطه. ودلت رواية الطحاوى على أنه مدلس - انتهى. وقال الذهبي: فى الميزان (ج١ ص١٢٨)
أمية عن أبى مجاز لاحق لا يدرى من ذا. وعنه سليمان التيمى، والصواب إسقاطه من بينهما -انتهى. وفى تهذيب التهذيب
(ج١ ص ٣٧٣) أمية عن أبى مجلز عن ابن عمر فى الصلوة قاله معتمر بن سليمان عن أبيه . ورواه غير واحد
عن سليمان التيمى عن أبى مجلز ، قال الحافظ بعد ذكر قول أبى داود المتقدم فى رواية الرملى: ويحتمل أن هذا
تصحيف من أحد الرواة، كان عن المعتمر عن أبيه، فظنه عن أمية ، ثم كرر ذكر أبيه، والله أعلم، لكن وقع عند
أحمد عن يزيد بن هارون عن سليمان عن أبى مجلز به ثم قال قال سليمان ولم اسمعه من أبى مجلز. وحكى الدار قطنى
أن بعضهم رواه عن المعتمر فقال عن أبيه عن أبى أمية ، وزيفه، ثم جوز إن كان محفوظا أن يكون المراد به
عبد الكريم ابن أبى الخارق، فإنه يكنى أبا أمية، وهو بصرى، والله أعلم - انتهى. قلت: قد تحصل من هذا
كله ان أمية هذا مجهول وان معتمر بن سليمان تفرد بذكره، والصواب أن يكون سليمان عن أبى مجلز.
بإسقاط أمية بينهما كما روى غير واحد من أصحاب سليمان، وكذا وقع عند أحمد والطحاوى والحاكم، وعند
أبى داود و البيهقى أيضا فى رواية غير المعتمر وأن سليمان لم يسمع هذا الحديث من أبى مجلز. كما صرح به فى
رواية أحمد والطحاوى والبيهقى ، وانه دلس فى رواية الحاكم. وعلى هذا فالسند منقطع . وفى تصحيح الحاكم لهذا
الحديث عندى كلام ، والله أعلم.
١٠٣٩ - قوله (فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسيدنا معه) فيه أن المستمع للقرآن إذا قرى بحضرته
٤٤٤

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
السجدة سجد مع القارئ . وفيه أنه يشرع التكبير لسجود التلاوة . واليه ذهب الشافعى وأحمد وأصحاب الرأى ،
سواء كان فى الصلاة أو غيرها. وبه قال مالك إذا سجد فى الصلاة، واختلف عنه فى غير الصلاة ، وكان الثوری
يعجبه هذا الحديث. قال أبو داود: يجبه، لأنه كبر. أى لأن فيه ذكر التكبير. ولم يرد ذكر التكبير لسجود التلاوة إلا
فى هذا الحديث. وهل هو تكبير الافتاح أو النقل. قال الأمير اليمانى: الاول أقرب ، ولكنه يجنزئ بها عن تكبيرة
النقل لعدم ذكر تكبيرة أخرى. وقيل يكبر له. وعدم الذكر ليس دليلا. وقال فى الشرح الكبير (ج١ ص ٧٩٣)
لا يشرع فى ابتداء السجود أكثر من تكبيرة. وقال الشافعى، إذا سجد خارج الصلاة كبر تكبيرتين للافتاح
والسجود، كما لوصلى ركعتين . ولنا حديث ابن عمر، وظاهره أنه كبر واحدة، ولأن معرفة ذلك من الشرع ،
ولم يرد به ، ولأنه مجود منفرد، فلم يشرع فيه تكيران كسجود السهو. وقياسهم يبطل بسجود السهو. وقياس
هذا على مجود السهو أولى من قياسه على الركعتين لشبهه به، ولأن الإحرام بالركعتين يتخلل بينه وبين السجود
أفعال كثيرة، فلذلك لم يكتف بتكبيرة الاحرام عن تديرة السجود بخلاف هذا - انتهى. ويشرع أيضا
التكبير لرفع الراس من سجود التلاوة عند الشافعى وأحمد وأصحاب الرأى فى الصلاة وغيرها . ولا دليل على ذلك
إلا اعتباره بسجدة الصلاة، وبسجود السهوبعد السلام واختلفوا فى رفع اليدين مع تكبير السجود، فعند
الحنفية لا يرفع سواء كان فى الصلاة أو غيرها. وقال الشافعى وأحمد: يرفع يديه فى تكبيرة الابتداء إن سجد
خارج الصلاة، لأنها تكبيرة الا حرام ، وان كان فى الصلاة فكذلك، نص عليه أحمد لما روى وائل بن حجر أنه
رأى النبي ◌َّ يكبر إذا خفض، ويرفع يديه فى التكبير. قال أحمد: هذا يدخل فى هذا كله. ورواية أخرى
عنه لا يرفع يديه فى الصلاة، اختاره القاضى، قال فى الشرح الكبير: وهو قياس المذهب لقول ابن عمر،
وكان لا يفعل ذلك فى السجود متفق عليه. ويتعين تقديمه على حديث وائل بن حجر لأنه أخص منه، ولذلك
قدم عليه فى سجود الصلاة كذلك مهنا- انتهى. واختلفوا أيضافى التشهد والتسليم بعد سجود التلاوة والقيام قبله.
فذهبت الحنفية إلى أنه لا تشهد فيه، ولا تسليم. واختلفوا فى القيام، فقيل: يستحب أن يقوم فيسجد ، روى ذلك
عن عائشة، ولأن الخرور الذى مدح به أولئك فيه أكمل. وقيل: لا يستحب القيام، كذا فى المرقاة. والمشهور
عن أحمد أن التسليم واجب. وروى عنه انه لا تسليم فيه، قال أحمد: أما التسليم فلا أدرى ما هو، لأنه لم ينقل
عن النبى وَّم فيه سلام. واختلف قول الشافعى فيه. وأما التشهد فنص أحمد على أنه لا يفتقر اليه، لأنه لم ينقل
عنى التى تَّثْل، ولا عن أحد من أصحابه. واختار أبو الخطاب أنه يفتقر إلى التشهد قياسا على الصلاة كذا فى
الشرح الكبير. والحق عندنا أنه لا يشرع الرفع مع تكبير السجود، سواء كان فى الصلاة أو فى غيرها ، وكذا؟
٤٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
رواه أبو داود.
١٠٤٠ - (١٠) وعنه أنه قال: إن رسول اللّه ◌َبثم قرأ عام الفتح سجدة، فسجد الناس كلهم، منهم
الراكب والساجد على الأرض حتى إن الراكب ليسجد على يده . رواه أبو داود.
لا يشرع فيه التشهد والتسليم والقيام، لأن معرفة ذلك من الشارع ، ولم ينقل فيه شئ عن النبي {ٹے ، ولا يجزئى
القياس فيه (رواه أبو داود) وأخرجه البيهقى (ج٢ ص ٣٢٥) من طريقه، وسنده لين، لأنه من رواية عبد الله
ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمرى. وقد تكلم فيه غير واحد . وقال الذهبي: صدوق فى حفظه
شئ. واخرج له مسلم مقرونا بأخيه عبيدالله بن عمر. والحديث. أخرجه الحاكم أيضا، لكن من رواية أخيه
عبيد اللّه المصغر، وهوثقة، ولهذا قال حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. قال الحافظ: وأصله
فى الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ آخر .
١٠٤٠ - قوله (قرأ عام الفتح) أى فتح مكة (سجدة) أى آية سجدة بانضمام ما قبلها أو بعدها أو منفردا
ليان الجواز (والساجد) أى ومنهم الساجد (على الأرض) متعلق بالساجد ، ولما كان الراكب لا يسجد على
الأرض جعل غير الساجد عليها قسيما له. ففيه إيماء إلى أن الراكب لا يلزمه النزول للسجود على الأرض
(حتى ان الراكب) بكسران وتفتح (ليسجد على يده) أى الموضوعة على السرج أو غيره ليجد الحجم حالة
السجدة ، قاله القارى: والحديث نص فى جواز سجود الراكب على يده فى سجود التلاوة. وهو يدل على جواز
سجود التلاوة لمن كان راكبا من دون نزول، لأن التطوعات على الراحلة جائزة. وهذا منها قال ابن قدامة
فى المغنى (ج ١ ص ٦٥٨): اذا كان على الراحلة فى السفر جاز أن يومتى بالسجود حيث كان وجهه كصلاة النافلة،
فعل ذلك على وسعيد بن زيد وابن عمروابن الزبير والنخعى وعطاء. وبه قال مالك والشافعى وأصحاب الرأى .
وقد روى أبوداود عن ابن عمر أن رسول الله عزّم قرأ عام الفتح الحديث، ولأنها لا تزيد على صلاة التطوع ،
وهى تفعل على الراحلة ، وان كان ماشيا سجد على الأرض. وبه قال أبو العالية وأصحاب الرأى لما ذكرنا من
الحديث والقياس. وقال الأسود بن يزيد وعطاء ومجاهد: يومثى، وفعله علقمة وأبو عبد الرحمن السلى - انتهى.
(رواه أبو داود) وأخرجه أيضا الحاكم والبيهقى كلهم من طريق مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن نافع.
عن ابن عمر، وقد سكت عنه أبو داود ، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، فإنهما لم يخرجا
عن مصعب بن ثابت، ولم يذكراه بجرح، وأقره الذهبي. وقال المنذرى: فى إسناده مصعب بن ثابت، وقد
ضعفه غير واحد من الأ ئمة - انتهى. قلت: ضعفه أحمد وابن معين وقال النسائى والدار قطنى ليس بالقوى .
وقال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط ليس بالقوى. وقال الحافظ فى التقريب: لين الحديث ، وكان عابداً.
٤٤٦٫٠

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
١٠٤١٠ - (١١) وعن ابن عباس: أن النبي ◌َّ لم يسجد فى شىء من المفصل منذ تحول إلى
المدينة . رواه أبو داود .
١٠٤٣ - (١٢) وعن عائشة، قالت: كان رسول اللّه إلى يقول فى سجود القرآن بالليل: «سجد
وجهى الذى خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته)).
١٠٤١ - قوله (لم يسجد فى شىء من المفصل منذ تحول إلى المدينة) قد احتج به لمالك فى ترك
السجود فى المفصل وتعقب بأنه حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج ، كما ستعرف، وان صح لم يلزم منه حجة، لأن
الأحاديث المقدمة مثبتة، وهى مقدمة على النفى، ولاسيما مع إجماع العلماء على ان إسلام أبى هريرة كان سنة سبع
من الهجرة، وهو يقول فى حديثه السابق سعدنا مع رسول اللّه عليه فى ((إذا السماء انشقت) و((اقرأ
باسم ربك، (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا ابن السكن فى صحيحه، والبيهقى (ج٢ ص ٣ ٣). وفى
إسناده أبو قدامة الحرث بن عبيد الايادى البصرى عن مطر الوراق. وأبو قدامة قال أحمد بن حنبل: مضطرب
الحديث. وقال ابن معين: ضعيف. وقال النسائى: ليس بذاك القوى. وقال أبو حاتم: ليس بالقوى . يكتب
حديثه ولا يحتج به. وقال ابن حبان: كان ممن كثر وهمه حتى خرج من جملة من يحتج بهم اذا انفردوا . وقال
الساجى: صدوق عنده مناكير، واستشهد به البخارى متابعة فى موضعين. ومطر الوراق كان سيتى الحفظ ، حتى
كان يشبه فى سوء الحفظ بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد عيب على مسلم إخراج حديثه، وقال المنذرى:
فى إسناده أبو قدامة لا يحتج بحديثه، وقد صح أن أبا هريرة محمد مع النبي مَث فى ((اذا السماء انشقت))
و((اقرأ باسم ربك)). وأبو هريرة أنما قدم على رسول اللّه مؤتم فى السنة السابعة من الهجرة - انتهى. وقال ابن
عبد البر: هذا حديث منكر. وأبو قدامة ليس بشئى. وأبو هريرة لم يصحب النبي ◌َّة إلا بالمدينة، وقد رآه
يسجد فى ((الانشقاق، و((القلم)) - انتهى. وقال النووى: حديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به. وقال عبد الحق
فى أحكامه: إسناده ليس بالقوى، ويروى مرسلا. والصحيح حديث أبى هريرة (يعنى الذى تقدم آنفا)،
وإسلامه متأخر.
١٠٤٢ - قوله (فى سجود القرآن) أى فى سجود التلاوة (بالليل) حكاية للواقع لا التقييد به
(سجد وجهى) بفتح الياء وسكونها (الذى خلقه وشق سمعه وبصره) تخصيص بعد تعميم، أى فتحهما وأعطاهما
الإدراك وأثبت لهما الامداد بعد الايجاد (بحوله) أى بصرفه الآفات عنهما (وقوته) أى قدرته بالثبات،
والاعانة عليهما. والحديث أخرجه الحاكم والبيهقى، وصححه ابن السكن، وقال فى آخره ((ثلاثا)، وزاد الحاكم
٤٤٧

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
رواه أبو داود، والترمذى والنسائى. وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
١٠٤٣ - (١٣) وعن ابن عباس، رضى الله عنهما، قال: جاء رجل إلى رسول اللّه مزي، فقال:
يا رسول! رأيتنى الليلة وأنا نائم كأنى أصلى خلف شجرة، فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودى»
فسمعتها تقول: اللهم اكتب لى بها عندك أجرا، وضع عنى بها وزرا، واجعلها لى عددك ذخرا،
وتقبلها من كما تقبلتها من عبدك داود.
(( فتبارك الله أحسن الخالقين، وزاد البيهقى «وصوره)) بعد قوله خلفه. ولمسلم نحوه من حديث على فى مجود
الصلاة ، والنسائى أيضا نحوه من حديث جابر فى سجود الصلاة أيضا. وفيه وفى الحديث الآتى دليل على
مشروعية الذكر فى سجود التلاوة بما اشتملا عليه ويقول ذلك فيه فى الصلاة فريضة كانت أو نافلة وفى غير الصلاة.
ولا حجة لمن حمله على خارج الصلاة أو على النافلة (رواه أبوداود والترمذى والنسائى) وأخرجه أيضا
الدار قطنی والحا کم ( ج١ ص ٢٢٠)، والبيهتی ( ج٢ ص ٢٢٥)، و ابن السکن ، وسكت عنه أبو داود، وقال
الحاكم على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي (وقال الترمذى هذا حديث حسن صحيح) نقل المنذرى كلام الترمذى
هذا وأقره .
١٠٤٣ - قوله (جاء رجل) هو أبو سعيد الخدرى، كما جاء مصرحا به من روايته عند أبي يعلى
والطبرانى فى الأوسط ، ذكرها الهيثمى فى مجمع الزوائد ( ج٢ ص ٢٨٤ - ٢٨٥)، وقال وفيه اليمان بن نصر،
قال الذهبي مجهول (رأيتنى الليلة) أى أبصرت ذاتى البارحة (وأنا نائم) حال فاعل أو مفعول. وفى رواية
البيهقى رأيت البارحة فيما يرى النائم (فسجدت) أى سجدة تلاوة فى سورة ((ص)) كما فى رواية البيهقى (فسمعتها)
أى الشجرة (اكتب لى) أى أثبت لأجلى (بها) أى بسبب هذه السجدة أو بمقابلتها. والضمير للسجدة المفهومة من
سجدت (عندك) ظرف لا كتب (وضع) اى أخطط، كما فى رواية ابن ماجه. وفى حديث أبى سعيد المذكور حط،
ووقع فى بعض نسخ المشكوة حط بدل ضع، وهو غلط، فإن الرواية بلفظ ضع. وكذا وقع فى المصابيح(وزرا)
أى ذنبا (واجعلها لى عندك ذخرا) أى كنزاً. قيل: ذخراً بمعنى أجرا وكرر، لأن مقام الدعاء يناسب الإطناب.
وقيل الأول طلب كتابة الأجر، وهذا طلب بقائه سالماً من محبط ومبطل. قال القارى: هذاهو الأظهر ( كما تقبلتها
من عبدك داود) فيه إيماء إلى أن سجدة ((ص)) التلاوة. قال السيوطى فى قوت المغتذى على جامع الترمذى: قال
القاضى أبو بكر بن العربي: عسير على فى هذا الحديث ان يقول أحد ذلك، فان فيه طلب قبول مثل ذلك القبول.
٤٤٨

مرعاة المفاتيح ج .٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
قال ابن عباس: فقرا التي تؤثر سحدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول
الشجرة. رواه الترمذى، وابن ماجه، إلا أنه لم يذكر: وتقباها منى كما تقبلتها من عبدك داود. وقال
الترمذى: هذا حديث غريب.
وأين ذلك اللسان، واين تلك النية . قلت: ليس المراد المائلة من كل وجه ، بل فى مطلق القبول ، وقد ورد فى
دعاء الأضحية، وتقبل منى كما تقبات من ابراهيم خليلك، ومحمد نيك)) وأين المقام من المقام، ما أريد بهذا
إلا مطلق القبول. وفيه إيماء إلى الايمان هؤلاء الأنبياء. وإذا ورد الحديث بشتى اتبع، ولا اشكال ـ انتهى.
قال السندى: ولا يخفى أن اعتبار التشبيه فى مطلق القبول يجعل الكلام قليل الجدوى. ولو قيل وتقبلها منى قبولا
مثل ما تقبلتها من عبدك داود فى أن كلا منهما فرد من أفراد مطلق القبول لم يكن فى التشبيه كثير فائدة ، ولم يكن
إلا تطويل بلا طائل. والأقرب ان يعتبر التشبيه فى الكمال، ويعتبر الكمال فى قبول كل بحسب مرتبته - انتهى.
(فقرأ النبى مَثم سجدة) أى آية سجدة سورة ((ص))، كما فى حديث أبى سعيد الخدرى. قال ابن حجر: يحتمل
أنه قصدها ليبين مشروعية ما سمعه أبو سعيد بالفعل الذى هو أبلغ من القول، وان يكون قراءته وقعت اتفاقا ،
فبين مشروعية ذلك فيها (رواه الترمذى وابن ماجه) وأخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة فى صحيحيهما، والحاكم
(ج١ ص ٢١٩ - ٢٢٠) والبيهقى (ج٢ ص ٣٢٠) (وقال الترمذى هذا حديث غريب) وفى نسخة الشيخ محمد
عائد السندى: هذا حديث حسن غريب، كما ذكره الشيخ أحمد محمد شاكر فى تعليقه على الترمذى. وفى سنده محمد
ابن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبى يزيد. ومحمد بن يزيد هذا مقبول، قاله الحافظ فى
التقريب: وقال أبو حاتم: كان شيخا صالحا كتبنا عنه بمكة. وذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال كان من
خيار الناس. ربما أخطأ يجب أن يعتبر بحديثه إذا بين السماع فى خبره - انتهى. قلت: روى محمد بن يزيد هذا
الحديث عن الحسن بن محمد بلفظ التحديث عند الترمذى والحاكم. وأما الحسن بن محمد فقال العقيلى لا يتابع على
حديثه، وليس بمشهور النقل. وحكى الذهبى عمن لم يسمه: أن فيه جهالة، ولم يرو عنه غير ابن خنيس. وذكره
ابن حبان فى الثقات. وأخرج هو وابن خزيمة حديثه فى صحيحيهما. وقال الخليلى لما ذكر حديثه: هذا حديث
غریب صحیح من حديث ابن جريج، قصد أحمد بن حنبل محمد بن يزيد بن خنيس وسأل عنه ، وتفرد به الحسن
ابن محمد المكى، وهو ثقة، نقل ذلك الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ٢ ص ٣١٩). وقال الحاكم بعد إخراجه
هذا حديث صحيح ، رواته مكيون لم يذكرواحد منهم يخرج، وهو من شرط الصحيح، ولم يخرجاه. وقال الذهبي:
صحيح ما فى رواته مجروح - انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن . وهو يدل
على صحة ما فى مخطوطة الشيخ محمد عابد السندى من قول الترمذى: هذا حديث حسن غريب .
٤٤٩

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
(الفصل الثالث)
١٠٤٤ - (١٤) عن ابن مسعود: أن النبى وَمُ قرأ ((والنجم، فسجد فيها، وسجد من كان معه،
غير أن شيخا من قريش أخذ كفا من حصى - أو تراب - فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفينى هذا. قال
عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافراً. متفق عليه. وزاد البخارى فى رواية: وهو أمية بن خلف.
١٠٤٤ - قوله (قرأ والنجم) أى سورة والنجم إلى آخرها بمكة (فسجد فيها) أى فى آخرما، أو لما
فرغ من قراءتها (وسجد من كان معه) أى من كان حاضرا قراءته من المسلمين والمشر کین والجن والانس ، كما
تقدم عن ابن عباس ، حتى شاع أن اهل مكة أسلموا (غير أن شيخا من قريش) هو أمية بن خلف ، کما يأتى
(أخذ كفا من حصى) أى حجارة صغار (أو تراب) شك من الراوى (فرفعه) أى كفه (الى جبهته) وفى
رواية للبخارى: فسجد عليه (يكفينى) فإن المقصود من السجود التواضع والانقياد والمذلة بين يدى الله
ووضع اشرف الأعضاء فى اخس الأشياء، وهذا لما فى رأسه من توهم الكبرياء والاستنكاف (قال عبد الله)
أى ابن مسعود (فلقد رأيته) أى الشيخ المذكور (بعد) أى بعد هذه القضية (قتل كافرا) أى بيدر. والحديث فيه
مشروعية السجود لمن حضر عند القارئ للآية التى فيها السجدة: واستدل به على جواز السجود بلا وضوء، لأنه
يبعد فى العادة أن يكون جميع من حضر من المسلمين كانوا عند قراءة الآية على وضوء، لأنهم لم يتأهبوا لذلك،
وإذا كان كذلك فمن بادر منهم إلى السجود بلا وضوء واقره النى يؤثّ على ذلك دل ذلك على عدم وجوب
الوضوء لسجود التلاوة . ويؤيده ما تقدم فى رواية ابن عباس من التسوية فى السجود بين المسلمين والمشركين،
وفيهم من لا يصح منه الوضوء، فيلزم أن يصح السجود ممن كان بوضوء ويمن لم يكن بوضوء (متفق عليه.
وأخرجه أيضا أبو داود والبيهقي (وزاد البخارى فى رواية) أى فى تفسير سورة النجم (وهو أمية بن خلف)
أخو أبى بن خلف بن وهب. وقيل: الشيخ المذكور هو الوليد بن المغيرة، كما وقع فى سيرة ابن اسحاق. وفيه
فظر ، لأنه لم يقتل. وقيل: هو عتبة بن ربيعة كما فى تفسير سنيد. وقيل: إنه أبو أحيحة سعيد بن العاص،
رواه الطبرى . وقيل: أبو لهب، ذكره أبو حيان فى تفسيره من غير مستند. وقيل: المطلب بن أبى وداعة ،
رواه النسائي والبيهقى (ج ٢ ص ٣١٤) وفى مصنف ابن أبي شيبة عن أبى هريرة : سجدوا فى النجم إلا رجلين من
قريش، أرادا بذلك الشهرة. قال القسطلانى والمنذرى: الأول أصح، وهو الذى ذكره البخارى. وقال الحافظ
٤٥٠

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٢ - باب أوقات النھی
١٠٤٥ - (١٥) وعن ابن عباس، قال: إن التى {ثم سجد فى ((ص)) وقال: سجدها داود توبة،
ونسجدها شكرا. رواه النسائي.
(٢٢) باب أوقات النهى
فى الفتح: ومهما ثبت من ذلك فلعل ابن مسعود لم يره، أوخص واحدا بذكره لاختصاصه بأخذ الكف من
التراب دون غيره .
١٠٤٥ - قوله (سجد فى ص) أى فى سورة ((ص)) مكان سجدتها وهو (اناب). وقيل: (حسن.
مآب - ٣٨: ٤٠) (توبة) أى لأجل التوبة (ونسجدها شكرا) منا على قبول توبته، وتوفيق الله تعالى إياه
عليها، فحين يجرى فى القرآن ذكر من الله تعالى لتلك التوبة نشكره تعالى على تلك النعمة. وكون السجدة للشكر
لا يلزم منه أن لا يكون سجدة تلاوة، لأن سجدة التلاوة لا شك أنها تتعلق بقراءة آية السجدة أو سماعها، وتقع
السجدة عند ثبوتهما. وهذا هو معنى سجدة التلاوة، سواء يكون السبب فيها أمرا بايقاعها أو شكرا أو غير ذلك.
والحاصل: أن غاية ما فى هذا الحديث أنه بين السبب فى حق داود، والسبب فى حقنا. وكونها الشكر فى حقدا
لا ينافى كونها سجدة التلاوة. فالحق : أنه يسجد فيها فى الصلوة وغير الصلوة خلافا للشافعى . وقد تقدم شىء من
الكلام فى ذلك (رواه النسائي) من طريق حجاج بن محمد عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس. قال الحافظ فى الدراية: رواته ثقات. وقال ابن كثير: رجاله على شرط البخارى - انتهى. وأخرجه
أيضا الشافعی فی الام والدار قطنى والبيهقي (ج ٢ ص ٣١٩)، وصححه ابن السكن. ، وقال البيهقى روى مرسلا
وموصولا، والمرسل هو المحفوظ ، والموصول ليس بقوى.
(باب أوقات النهى) مصدر بمعنى المنهى ، أى باب الأوقات المنهى عن الصلوة فيها. ومحصل ما ورد
من الأخبار فى تعيين الأوقات التى نهى عن الصلوة فيها أنها خمسة: ١ - عند طلوع الشمس، ٢ - وعند
غروبها، ٣ - وبعد صلوة الصبح، ٤ - وبعد صلوة العصر، ٥ - وعند الاستواء. وترجع بالتحقيق إلى
ثلاثة: ١ - وقت استواء الشمس، ٢ - ومن بعد صلوة الصبح إلى أن ترتفع الشمس، فيدخل فيه الصلوة عند
طلوع الشمس ، ٣ - ومن بعد صلوة العصر الى أن تغرب الشمس، ويدخل فيه الصلوة عند غروب الشمس.
واختلف العلماء من أوقات النهى فى موضعين: أحدهما فى عددها، والثانى فى الصلوات التى يتعلق النهى عن فعلها
فيها. وسبب الخلاف فى الأول أحد شيئين: إما معارضة أثر لأثر، وإما معارضة الأثر للعمل عند من راعاه،
أعنى عمل اهل المدينة، وهو مالك بن أنس. وأما سبب الخلاف فى الثانى فهو اختلافهم فى الجمع بين العمومات
الوادة فى ذلك، وأى يخص بأى. كما سنذكر ذلك محملا. وقد بسطه ابن رشد فى بداية المجتهد (ج ١ ص ٧٩)
٤٥١

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٢ - باب أوقات النهى
أحسن بسط وإن كان فيه نوع من القصور فى بيان مسالك الأئمة، وسبب اختلافهم مع عدم ذكر مذهب الحنابلة
رأسا، كما لا يخفى على من له اطلاع على كتب الفروع. قال القاضى البيضاوى: اختلفوا فى جواز الصلوة بعد
الصبح والعصر، وعند الطلوع والغروب، وعند الاستواء. فذهب داود إلى الجواز مطلقا. وقد روى عن
جمع من الصحابة، فلعلهم لم يسمعوا نهيه عليه السلام، أو حملوه على التنزيه دون التحريم. قلت: المحكى عن
داود أنه أدعى كون أحاديث النهى منسوخة، وبذلك جزم ابن حزم، قال: وخالفهم الأكثرون ، فقال
الشافعى: لا يجوز فيها فعل صلوة لا سبب لها من النوافل. وأما الذى له سبب أى متقدم كالمنذورة والجنازة
وتحية المسجد وسجود التلاوة والشكر وصلاة العيد والكسوف وقضاء الفائتة ، فرضا كانت أو نفلا بجائز لحديث
كريب عن أم سلمة الآتى، واستثنى أيضا مكة واستواء الجمعة لحديثى جبير بن معطم وأبى هريرة الآتيين فى
الفصل الثانى. وقال أبو حنيفة: يحرم فعل كل صلوة فى الأوقات الثلاثة سوى عصر يومه، ويحرم المنذورة
والنافلة بعد صلاة الصبح. والعصر دون المكتوبة الفائتة وسجدة التلاوة وصلوة الجنازة . وقال مالك: يحرم
.وقت الطلوع والغروب، وبعد صلوة الصبح وبعد العصر، النوافل مطلقا ذات سبب كانت أو غير ذات سبب
دون الفرائض إلا صلوة جنازة وسجدة التلاوة بعد صلوة الصبح قبل الاسفار، وبعد صلوة العصر قبل
الاصفرار، واستثنى وقت الاستواء فالأوقات المنهى عنها عنده اربعة الطلوع والغروب، وبعد صلوة الصبح،
وبعد العصر. وقال أحمد: الأوقات المنهى عنها خمسة، (كما هى عند الشافعى وأبى حنيفة)، قال يحرم فيها النوافل
دون الفرائض والصلوة المنذورة وتحية المسجد حال خطبة الجمعة وركعتي الطواف ، فرضا كان الطواف أو نقلا -
انتهى بزيادة وايضاح. والراجح عندى ان الأوقات المنهى عنها خمسة، كما ذهب اليه الشافعى وأحمد وأبو حنيفة،
ويستثنى منها استواء الجمعة ومكة ، كما قال به الشافعى: قال الشوكانى فى الدرر البهية: أوقات الكرامة فى غير مكة
بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، وعند الزوال غير يوم الجمعة ، وبعد العصر حتى تغرب - انتهى. وأما الصلوات
التى يتعلق النهى عنها فيها ، فسيأتى بيان ما هو الراجح فى ذلك تذبيه: قال بعض العلماء المراد بحصر الكراهة فى
الأوقات الخمسة أنما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية وإلا فقد ذكروا أنه يكره التنفل وقت اقامة الصلوة ووقت
صعود الامام لخطبة الجمعة ، وفى حالة الصلوة المكتوبة، جماعة لمن لم يصلها ، وعند المالكية كراهة التنفل بعد
الجمعة حتى ينصرف الناس. وعند الحنفية کرامة التنفل قبل صلوة المغرب ، وسیأتی ثبوت الأمر به (فی باب
السنن) ، ذكره الحافظ فى الفتح.
٤٥٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٢ - باب أوقات النهى
الفصل الأول )
١٠٤٦ - (١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتحرى أحدكم
فیصلى عند طلوع الشمس ولا عند غروبها. وفى رواية،
١٠٤٦ - قوله (لا يتحرى) بثبوت حرف العلة المقتضية لخبرية الفعل، وكونه سابقه حرف نفي، لكنه،
بمعنى النهى . وقال فى شرح التقريب (ج٢ ص١٨٢) لا يتحرى بإثبات الألف فى الصحيحين والموطأ والوجه حذفها
تكون علامة الجزم لكن الإثبات اشباع، فهو كقوله تعالى: إنه من يتقى ويصبر، فيمن قرأ باثبات الياء (فيصلى)
بالنصب جوابا النهى المتضمن للا يتحرى كالمضارع المقرون بالفاء فى قوله: ما تأتينا فتحدثنا ، فالمراد النهى عن
التحرى والصلوة كليهما. ويجوز الرفع من جهة النحو، أى لا يتحرى أحدكم الصلاة فى وقت كذا ، فهو يصلى فيه.
وقال الطيبي: لا يتحرى هو نفى بمعنى النهى. و«يصلى)) هو منصوب بأنه جوابه. ويجوز أن يتعلق بالفعل المنهى
أيضا فالفعل المنهى معلل فى الأول والفعل المعلل منهى فى الثانى. والمعنى على الثانى لا يتحرى أحدكم فعلا ليكون
سبا لوقوع الصلوة فى زمان الكراهة، وعلى الأول كأنه قيل لا يتحرى ، فقيل: لم ينهانا عنه فأجيب عنه خيفة
أن يصلى" أن الكراهة. وقال ابن خروف: يجوز فى ((فيصلى)) ثلاثة أوجه: الجزم على العطف، أى لا يتحر
ولا يصل، والرفع على القطع. أى لا يتحرى، فهو يصلى، والنصب على جواب النهى. والمعنى لا يتحرى مصليا -
انتهى. قال التوربشتى: يقال فلان يتحرى الأمر، أى يتوعاه ويقصده. ومنه قوله تعالى: فأولئك تحروا رشدا ،
أى توخوا وعمدوا، ويتحرى فلان الأمر إذا طلب ما هو الأحرى. والحديث يحتمل الوجهين، أى لا يقصد
الوقت الذى تطلع فيه الشمس ، أو تغرب فيصلى فيه، أو لا يصلى فى هذا الوقت ظنا منه أنه قد عمل بالأحرى.
والأول أبلغ وأوجه فى المعنى المراد - انتهى. {عند طلوع الشمس ولا عند غروبها) قال الحافظ: اختلف فى المراد
بالحديث، فمنهم من جعله تفسيرا للحديث السابق (أى لحديث عمر: نهى النبي مَّم عن الصلوة بعد الصبح حتى
قشرق الشمس، وبعد العصر حتى قغرب)، ومبينا المراد به، فقال لا تكره الصلوة بعد الصبح ولا بعد العصر إلا
لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها. وإلى ذلك جنح بعض أهل الظاهر ، وقواه ابن المنذر، واحتج له بما
رواه مسلم من طريق طاؤس عن عائشة قالت: وهم ابن عمر، انما نهى رسول اللّه مَثّ أن يتحرى طلوع الشمس
و غروبها . ويدل على ذلك أيضا قول ابن عمر أعلى ، کما رأیت أصحابی يصلون، لا أنهی احدا يصلى بليل أو نهار
ما شاء غير أن لا تحروا طلوع الشمس، ولا غروبها. وربما قوى ذلك بعضهم بحديث: من أدرك ركعة من
الصبح قبل أن تطلع الشمس فليضف اليها الأخرى، فأمر بالصلوة حينئذ ، فدل على أن الكراهة مختصة بمن قصد.
الصلوة فى ذلك الوقت لا من وقع له ذلك اتفاقاً ، ومنهم من جعله نهيا مستقلا، وكره الصلوة فى تلك الأوقات ،
٤٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٢ - باب أوقات النھی
قال: اذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلوة حتى تبرز. وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلوة حتى
تغيب، ولا تحينوا بصلوتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فانها تطلع بين قرنى الشيطان. متفق عليه.
١٠٤٧ - (٢) وعن عقبة بن عامر، قال: ثلاث ساعات كان رسول اللّه مؤليل بنهانا أن نصلى فيهن،
أو نقبر فيهن
١
سواء قصد لها أو لم يقصد. وهو قولأل أكثر - قال البيهقى: إنما قالت عائشة ذلك، لأنها رأت النبي مؤلّم يصلى
بعد العصر، فحملت نهيه على من قصد ذلك، لا على الاطلاق. وقد أجيب عن هذا بأنه مريض إنما صلى حينئذ
قضاء. واما النهى فهو ثابت من طريق جماعة من الصحابة غیر عمر رضى الله عنه ، فلا اختصاص له بالوم ۔
انتهى. (اذا طلع) أى ظهر (حاجب الشمس) أى طرفها الأعلى من قرصها سمى به. لأنه أول ما يبدو منها،
فيصير كحاجب الانسان (فدعوا) أى اتركوا. وفى رواية: فأخروا (الصلوة) يحمل ذلك فى الموضعين على ما عدا
الفريضة المقضية أو المؤداة فى هذين الوقتين لقوله عزّم من نام عن صارة أوسها عنها فوقتها حين يذكرها -
الحديث. وقوله: من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب
الشمس. ويستثنى منه أيضا مكة لما سياتى (حتى) أى إلى ان (تبرز) أى تخرج وتظهر كلها والمراد ترتفع ، كما
وقع فى رواية للبخارى. قال النووي: المرادبيروز الشمس وكذا بطلوعها فى الروايات الأخر هو ارتفاعها وإشراقها
وإضاءتها، لا مجرد ظهور قرصها للجمع بين الروايات (حتى تغيب) أى تغرب بالكلية (ولا تحينوا) بحذف
احدى التائين من تحين بمعنى حين الشىء إذا جعل له حينا، أى لا تجعلوا ذلك الوقت حينا الصلوة بصلاتكم فيه ،
والمعنى لا تنتظروا بصلوتكم حين طلوع الشمس، ولا حين غروبها (فانها تطلع) بضم اللام (بين قرنى الشيطان)
أى جانبى رأسه، لأنه ينتصب قائما فى محاذاة مطلع الشمس حتى اذا طلعت كان طلوعها بين قرنيه، أى جانبي رأسه،
فتقع السجدة له اذا عبدت عبدة الشمس للشمس ، فنهى عن الصلوة فى ذلك الوقت لئلا يتشبه هم فى العبادة . قال
الحافظ : فيه إشارة الى علة النهى. وزاد فى حديث عمرو بن عبسة الآتى وحينئذ يسجد لها الكفار، فالنهى
حينئذ لترك مشابهة الكفار ، وقد اعتبر الشرع ذلك فى اشياء كثيرة . وفى هذا تعقب على البغوى حيث قال ان
النهى عن ذلك لا يدرك معناه، وجعله من قبيل التعبد الذى يحب الايمان به (متفق عليه) فيه أن قوله لا تحينوا
الخ من إفراد البخارى، وليس عند مسلم والرواية الأولى أخرجها أيضا مالك وأخرج النسائى والبيهقى
(ج ٢ ص ٤٥٣) الروايتين بنحو ما وقع فى مسلم.
١٠٤٧ - قوله (ثلاث ساعات) أى أوقات ( كان ينهانا أن نصلى فيهن) هو بإطلاقه يشمل صلوة الجنازة،
لأنها صلوة (أو نقبر فيهن) قال القرطبى روى بأو وبالواو، وهى الأظهر. ويكون مراد النهى الصلوة على
٤٥٤

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٢ - باب أوقات النھی
موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة،
الجنازة والدفن، لأنه أنما يكون أثر الصلوة عليها. وأما رواية أو ففيها إشكال إلا إذا قلنا إن أو بمعنى الواو،
كما قاله الكوفى. كذا فى زهر الربى وقوله : نقبر من قبر الميت من باب نصر وضرب لغة أى ندفن. وفيه
دليل على أن دفن الموتى فى الأوقات الثلاثة منهى عنه من غير فرق بين العابد وغيره، واليه ذهب أحمد. وهو
الحق لظاهر الحديث. قال الندى ظاهر الحديث كراهة الدفن فى هذه الأوقات ، وهو قول أحمد وغيره . ومن
لا يقول به يؤول الحديث بأن المراد صلوة الجنازة على الميت بطريق الكناية اللازمة بين الدفن والصلوة.
ولا يخفى أنه تاويل بعيد لا ينساق الذهن اليه من لفظ الحديث ، يقال قبره إذا دفنه، ولايقال قبره إذا صلى عليه ،
قال والأقرب أن الحديث يميل إلى قول أحمد وغيره: إن الدفن مكروه فى هذه الأوقات - انتهى. وقال
السيوقى: نهيه عن القبر فى هذه الساعات لا يتناول الصلوة على الجنازة ، وهو عند كثير من أهل العلم محمول على
كرامية الدفن فى تلك الساعات - انتهى. قلت حمله أبو داود على الدفن الحقيقى حيث بوب عليه فى الجنائز باب
الدفن عند طلوع الشمس وغروبها. واليه يظهر ميل النسائى حيث عقد عليه فى أثناء أبواب الدفن باب الساعات التى
نهى عن إقبار الموتى فيها وحمله ابن ماجه على الصلوة والدفن كليهما ، فقد بوب عليه فى الجنائز باب الأوقات
التى لا يصلى فيها على الميت ولا يدفن. وحمله الترمذى على الصلوة ، ولذلك بوب عليه باب كراهية الصلوة على
الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وأيده بما نقل عن ابن المبارك، قال معنى هذا الحديث أو أن نقبر
فيهن موتانا يعنى الصلوة على الجنازة - انتهى. وقد ضعف النووى هذا التأويل وزيفه، كالسندى، هذا . وقد
علمت مما قدمنا أن صلاة الجنازة مكروهة فى هذه الأوقات عند مالك وأحمد وأبى حنيفة. واستدل هؤلاء
بحديث عقبة هذا وغيره من الأحاديث المطلقة الدالة على كراهة الصلوة فى هذه الساعات خلافا للشافعى . والقول
الأول هو الظاهر. قال الخطابي: قول الجماعة أولى لموافقة الحديث (حين تطلع) بيان للساعات (بازغة) أى
طالعة ظاهرة لا يخفى طلوعها، حال مؤكدة (حتى ترتفع) أى قدر رمح، كما فى حديث عمرو بن عبسة عند
أبى داود والنسائى (وحين يقوم قائم الظهيرة) هى شدة الحر. وقيل حد انتصاف النهار، أى يقف ويستقر الظل
الذى يقف عادة حسب ما يبدو ، فإن الظل عند الظهيرة لا يظهر له سويعة حركة حتى يظهر بمرأى العين انه واقف ،
وهو سائر حقيقة. قال فى المجمع: إذا بلغ الشمس وسط السماء، أبطأت حركتها إلى أن تزول، فيحسب الناظر المتأمل
أنها وقفت، وهى سائرة. ولاشك إن الظل تابع لها. والحاصل: أن المراد وعند الاستواء. وقيل المراد بقائم الظهيرة
الشخص القائم فى الظهيرة ، فإن الناس فى السفر يقفون فى هذا الوقت لشدة الحر ليستريحوا . وقال النووى :
الظهيرة حال استواء الشمس، ومعناه حين لا يبقى للقائم فى الظهيرة ظل فى المشرق ولا فى المغرب . وقال ابن حجر:
الظهيرة هى نصف النهار وقائمها ، أما الظل وقيامه وقوفه من قامت به دابته وقفت، والمراد بوقوفه بطأ حركته
٤٥٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٢ - باب أوقات النھی
حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب. رواه مسلم.
الناشئ عن بطأ حركة الشمس حينئذ باعتبار ما يظهر للناظر يادى الرأى، وإلا فهى سائرة على حالها، وأما القائم
فيها، لأنه حينئذ لا يميل له ظل إلى جهة المشرق، ولا إلى جهة المغرب . وذلك كله كناية عن وقت استواء الشمس فى
وسط السماء (حتى تميل الشمس) أى من المشرق إلى المغرب، وتزول عن وسط السماء إلى الجانب الغربى. وميلها هذا
هو الزوال. قال ابن حجر: ووقت الاستواء المذكور وإن كان وقنا ضيقا لا يسع صلاة إلا أنه يسع التحريمة،
فيحرم تعمد التحريم فيه (وحين تضيف) بتشديد الياء بعد الضاد المفتوحة وضم الفاء صيغة المضارع. أصل
تتضيف بالتائين، حذفت احداهما، أى تميل . وقيل: هو بسكون الياء بعد الضاد المكسورة، من ضافت تضيف
إذا مالت . فى القاموس ضاف مال كتضيف وضيف واضفته، املته وضيفته - انتهى . وقال التوربشتى : أصل
الضيف الميل، يقال ضفت إلى كذا، ملت اليه وسمى الضيف ضيفا لميله إلى الذى نزل عليه (للغروب) وتشرع
فيه (حتى تغرب) قال الأمير اليمانى: النهى عن هذه الأوقات الثلاثة عام بلفظه لفرض الصلاة ونفلها، والنهى
للتحريم ، كما عرفت من أنه أصله . وكذا يحرم قبر الموتى فيها ، ولكن فرض الصلوة أخرجه حديث من نام عن
صلوته الحديث ، وفيه فوقتها حين يذكرها ففى أى وقت ذكرها أو استيقظ من نومه أتى بها ، وكذا من أدرك
ركعة قبل غروب الشمس وقبل طلوعها لا يحرم عليه، فيخص النهى بالنوافل دون الفرائض . وقيل: بل يعمهما
بدليل أنه مؤفع لما نام فى الوادى عن صلاة الفجر ثم استيقظ لم يأت بالصلوة فى ذلك الوقت، بل أخرها إلى
أن خرج الوقت المكروه. وأجيب عنه أولا بأنه مَّ لم يستيقظ هو وأصحابه إلا حين أصابهم حر الشمس
کما ثبت فى الحدیث ولا یوقظھم حرها إلا وقد ارتفعت و زال وقت الکرامة ، و ثانیا بأنه قد بین النی یزێم وجه
تأخير أدائها عند الاستيقاظ بأنهم فى واد حضر فيه الشيطان، نخرج مفه عنه وصلى فى غيره. وهذا التعليل
يشعر بأنه ليس التاخير لأجل وقت الكراهة، لوسلم أنهم استيقظوا، ولم يكن قد خرج الوقت. فتحصل من
الأحاديث أنها تحرم النوافل فى الأوقات الخمسة ، وأنه يجوز أن تقضى النوافل بعد صلاة الفجر، وصلاة العصر.
أما صلوة العصر فلما سيأتى من صلاته مَثّ قاضيا لنالة الظهر بعد العصر إن لم نقل أنه خاص به . وأما صلوة
الفجر فلتقريره لمن صلى نافلة الفجر بعد صلاته ، وأنها يتصلى الفرائض فى أى الأوقات الخمسة لنائم وناس ومؤخر
عمدا وإن كان آثما بالتاخير والصلاة أداء فى الكل ما لم يخرج وقت العامل فهى قضاء فى حقه ـ انتهى. وقال
التوكانى فى السيل الجرار نحو كلام الأمير اليمانى مع زيادة البسط (رواه مسلم) فى الصاوة وأخرجه أيضا أحمد
والترمذى وأبو داود فى الجنائز والنسائى والبيهقى فى الصلوة وفى الجنائز وابن ماجه فى الجنائز.
٤٥٦

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة .
٢٢ - باب أوقات النھی
١٠٤٨ - (٣) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول اللّه مثل: لا صلوة بعد الصبح حتى
ترتفع الشمس، ولا صلوة بعد العصر حتى تغيب الشمس. متفق عليه.
١٠٤٩ - (٤) وعن عمرو بن عبسة، قال: قدم النبي ◌َّ المدينة، فقدمت المدينة، فدخلت عليه،
فقلت: أخبرنى عن الصلوة. فقال: صل صلوة الصبح، ثم أقصر عن الصلوة حين تطلع الشمس،
١٠٤٨ - قوله (لا صلوة) أى صحيحة أو حاصلة. وقيل: النفى بمعنى النهى. والتقدير لا تصلوا . وقال
ابن دقيق العيد: صيغة النفى إذا دخلت فى ألفاظ الشارع على فعل كان الأولى حملها على نفى الفعل الشرعى
لا الحسى ، لأنا لو حملناه على نفى الفعل الحسى لاحتجنا فى تصحيحه إلى إضمار، والأصل عدمه، وإذا حملناه
على الشرعى لم تحتج إلى إضمار. فهذا وجه الأولوية وعلى هذا ، فهو نفى بمعنى النهى. والتقدير لا تصلوا كما ورد
التصريح به فى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطبرانى، وحديث على عند أبى داود والنسائى (بعد الصبح)
أى بعد صلاته، لأنه لا جائز أن يكون الحكم فيه معلقا بالوقت، إذ لا بد من أداء الصبح. فتعين التقدير المذكور .
وأيضا قد ورد التصريح بذلك فى رواية مسلم، ولفظها لا صلوة بعد صلاة الفجر (حتى ترتفع الشمس) قدر ربع
فى رأى العين (ولاصلوة بعد العصر) أى بعد صلاته، كما فى رواية مسلم (حتى تغيب الشمس) أى بالكلية. والحديث
يدل على تحريم النفل فى هذين الوقتين ، لأن الأصل فى النهى التحريم . وحمل الشافعية الحديث على غير ذات
سبب ، قالوا تجوز ذات السبب فى هذين الوقتين. وحمله الحنفية على العموم. واستثنوا منه الفريضة الفاتنة
وصلوة الجنازة وسجدة التلاوة كما تقدم . واعترض عليه ابن الحمام بأن النهى فى هذين الوقتين أيضا مطلق كما فى
الأوقات الثلاثة المذكورة فى حديث عقبة. وتخصيص النص بالرأى لا يجوز ابتداء (متفق عليه) واللفظ
للبخارى وأخرجه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقى. وفى الباب عن جماعة من الصحابة ، ذكرهم الحافظ
فى التلخيص والشوكانى فى النيل .
١٠٤٩ - قوله (عن عمرو بن عبسة) بعين مهملة وموحدة وسين مهملة مفتوحات ، ابن عامر بن خالد
السلمى، له فى صحيح مسلم هذا الحديث، وقد ذكر فى أوله قصة إسلامه (قدم النى مؤثّ المدينة فقدمت المدينة)
أى على قصد اللحوق به مَث. وفيه وضع الظاهر موضع الضمير، وإنما صار كذلك لاختصار الحديث . وهذا
ظاهر عند من يرى سياقه عند مسلم (أخبرنى عن الصلوة) أى عن وقتها الجائزة فيه بدليل الجواب (صل صلوة الصبح)
أى سنته وفرضه (ثم أقصر عن الصلوة) من الإقصار أى انته عن الصلوة، وكف عنها (حين تطلع الشمس)
٤٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٢ - باب أوقات النهى
حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرنى شيطان. وحينئذ يسجد لها الكفار. ثم صل فإن الصلوة
مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح،
وفى بعض فسخ مسلم (حتى) بدل حين (حتى ترتفع) فيه أن النهى عن الصلوة بعد الصبح لا يزول بنفس الطلوع،
بل لا بد من الارتفاع فالمراد بالطلوع والبروز المذكورين فى بعض الأحاديث الطلوع المخصوص، وهو
الارتفاع لا مجرد الظهور، وقد ورد مفسرا فی رواية أبى داود و النسائی بارتفاعها ((قیس رمح، (بین قرنى
شيطان) بلا الف ولام. وهكذا هو فى أصول مسلم، كما صرح به النووى. وكذا وقع فى رواية أحمد وأبي داود
والنسائى والبيهقى. قيل: تتكيره للتحقير. وفى المصابيح بين قرنى الشيطان بالألف واللام. وكذا وقع فى بعض
فسخ المشكوة، وفى ابن ماجه. واختلف فى المعنى المراد بقرنى الشيطان على أقوال، ذكرها الخطابى فى المعالم
(ج١ ص ١٣٠)، أقواما أن المراد به ناحيتا الرأس، وأنه على ظاهره. ومعناه أنه يدنى رأسه إلى الشمس فى
هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين لها فى الصورة (يسجد لها الكفار) أى الذين
يعبدونها (ثم) أی بعد ارتفاع الشمس قدر رمح (صل) أی ما شئت کما فى رواية أبى داود . و فى ابن ماجه: ثم
صل ما بدألك. وقال القارى: أى صلوة الإشراق فانها مبدأ الضحى، أو صلاة الضحى فإنها منتهية إلى قرب
الاستواء، أو صل ما شئت - أنتهى. (فان الصلوة) أى بعد ارتفاع الشمس، أو أن الصلوة المشروعة
(مشهودة محضورة) قال النووى: أى تهضرها الملائكة، فهى أقرب إلى القبول، وحصول الرحمة. وقال
القارى: أى يحضرها الملائكة ليكتبوا أجرها، ويشهدوا بها لمن صلاها. ويؤيده أن فى رواية أبى داود مشهودة
مكتوبة . وقال الطيبي: أى يحضرها أهل الطاعة من سكان السماء والأرض. وعلى المعنيين فيحضورة تفسير
مشهودة، وتاكيد لها. ويمكن أن يحمل مشهودة على المعنى الأول، ومحضورة على الثانى. أو الأولى بمعنى
الشهادة، والثانية بمعنى الحضور للتبرك، والتأسيس أولى من التاكيد - انتهى كلام القارى (حتى يستقل الظل بالريح)
أى حتى يرتفع الظل مع الربح أو فى الرمح، ولم يبق على الأرض منه شىء من الاستقلال بمعنى الارتفاع. قال
ابن الملك: يعنى لم يبق ظل الرمح، وهذا بمكة والمدينة وحواليهما فى أطول يوم فى السنة، فانه لا يبقى عند الزوال
ظل على وجه الأرض، بل يرتفع عنها، ثم إذا مالت الشمس من جانب المشرق إلى جانب المغرب، وهو أول
وقت الظهر يقع الظل على الأرض. وقيل: من القلة، يقال استقله إذا رأه قليلا، أى حتى يقل الظل الكائن
بالرمح أدنى غاية القلة، وهو المسمى بظل الزوال. قال القارى: وروى حتى يستقل الرمح بالظل، أى يرفع الرح
ظله. فالباء للتعدية. وعلى الروايتين هو مجاز عن عدم بقاء ظل الرمح على الأرض. وذلك يكون فى وقت
٤٥٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٢ - باب أوقات النهى
ثم أقصر عن الصلوة ، فإن حينئذ تسجر جهنم. فإذا أقبل الفى،
الاستواء. وتخصيص الرمح بالذكر، لأن العرب كانوا إذا أرادوا معرفة الوقت ركزوا رماحهم فى الأرض، ثم
نظروا إلى ظلها . وقال النووى: قوله: حتى يستقل الظل بالرمح أى يقوم مقابله فى جهة الشمال ، ليس مائلا إلى
المغرب ولا إلى المشرق، وهو حالة الاستواء. وقال التوربشتی کذا فی نسخ المصابیح ، وفیه تحریف، وصوابه حتى
يستقل الرمح بالظل، ووافقه صاحب النهاية حيث قال حتى يبلغ ظل الرمح المغروز فى الأرض أو فى غاية القلة
والنقض. فقوله: يستقل من القلة، لا من الاقلال والاستقلال الذى بمعنى الارتفاع والاستبداد. قال الطيبي:
كيف ترد نسخ المصابيح مع موافقتها بعض نسخ مسلم وكتاب الحميدى، على أن لها محامل: منها أن معناه أن
يرتفع الظل معه ولا يقع منه شىء على الأرض من قولهم استقلت السماء ارتفعت. ومنها أن يقدر المضاف،
أى يعلم قلة الظل بواسطة ظل الرمح. ومنها أن يكون من باب عرضت الناقة على الحوض، وطينت بالفدن
السياعا. قال صاحب المفتاح: لا يشجع على القلب الا كمال البلاغة مع مافيه من المبالغة من أن الرمح صار بمنزلة
الظل فى القلة، والظل بمنزلة الرمح - انتهى. قلت وقع فى رواية لأحمد: حتى يستقل الرمح بالظل ، وفى أخرى: حتى
يقوم الظل قيام الرمح، وفى رواية أبى داود: حتى يعدل الرمح ظله. ولفظ النسائى حتى تعتدل الشمس اعتدال الريح
بنصف النهار. وفى رواية لأحمد، وهى عند ابن ماجه أيضا: حتى يقوم العمود على ظله . قال السندى: العمود
خشبة يقوم عليها البيت . والمراد حتى يبلغ الظل فى القلة بحيث لا يظهر إلا تحت العمود قائم عليه والمراد وقت
الاستواء (فإن حينئذ) أى حين يستقل الظل بالرمح (تسجر جهنم) بالتشديد والتخفيف مجهولا أى يوقد عليها
إيقادا بليغا من مخّر التنور بالتخفيف والتشديد، ملاً، وقودا وأحماه. قال ابن الملك: أى تملأ نيران جهنم
وتوقد ولعل تسجيرها حينئذ لمقارنة الشيطان الشمس وتهيئة عباد الشمس أن يسجدوا لها . وقال الخطابى فى المعالم
(ج١ ص ٢٧٦): ذكر تسجير جهنم، وكون الشمس بين قرنى الشيطان ، وما أشبه ذلك من الأشياء التى تذكر على
سبيل التعليل لتحريم شىء، أو لنهى عن شىء أمور لا ندرك معانيها من طريق الحس والعيان، وإنما يجب
علينا الإيمان بها والتصديق بمخبوآتها، والانتهاء إلى أحكامها التى علقت بها - انتهى. قال ابن حجر: واسم
(((إن)) أن المصدرية المقدرة على حد قوله تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق - ٣٠ : ٢٤) أو ضمير الشأن. وما قيل
إنه لا يحذف لأن القصد به التعظيم، وهو يفوت بحذفه، مردود بأن سبب دلالته على التعظيم إبهامه، وحذفه أدل
على الابهام. ومن ثم حذف فى قوله تعالى: ﴿من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم - ٩: ١١٧﴾ (فإذا أقبل الفى)
أى ظهر إلى جهة المشرق. والفى مختص بما بعد الزوال. وأما الظل فيقيع على ما قبل الزوال وما بعده ، قاله
النووى. وقال القارى: أى رجع بعد ذهابه من وجه الأرض، فهذا وقت الظهر. والفى ما نسخ الشمس،
٤٥٩

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٢ - باب أوقات النهى
فصل، فإن الصلوة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر، ثم أقصر عن الصلوة حتى تغرب الشمس،
فإنها تغرب بين قرنى شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار. قال: قلت: يا نبي الله! فالوضوء حدثنى
عنه. قال: ما منكم رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق فيستنثر، الاخرت خطايا وجهه وفيه
وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، الاخرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء،
ثم يغسل يديه إلى المرفقين، الاخرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه الاخرت
خطايا رأسه
وذلك بالعشى. والظل ما نسخته الشمس وذلك بالغدوة (فصل) أى صلاة تريدها (حتى تصلى العصر) أى فرضه
قال النووى: فيه دليل على أن النهى لا يدخل بدخول وقت العصر، ولا بصلوة غير المصلى، وإنما يكره لكل
إنسان بعد صلوته العصر، حتى لو أخرها عن أول الوقت لم يكره التنفل قبلها (حتى تغرب الشمس) أى بالكلية
(وحينئذ يسجد لها الكفار) أى فلايشابه أهل النار فى عبادتهم فضلا عن غيرها (فالوضوء) بالرفع . وقيل:
بالنصب (حدثنى عنه) أى أخبرنى عن فضله (يقرب) بالتشديد على بناء الفاعل أو المفعول (وضوءه) بفتح
الواو، أى الماء الذى يتوضأ به (فيمضمض) أى بعد غسل اليدين والتسمية والنية (ويستنشق) أى يدخل الماء
فى الأنف (فيستنثر) أى يخرج ما فى الخيشوم من الأوساخ (الاخرت) استثناء مفرغ. قال الطيبي: قوله:
الاخرت خبر ما ، والمستثنى منه مقدر ، أى ما منكم رجل متصف بهذه الأوصاف، كان على حال من الأحوال
إلا على هذه الحالة . وعلى هذا المعنى ينزل سائر الاستثناءات وإن لم يصرح بالنفى فيها لكونها فى سياق التقى
بواسطة ثم العاطفة، أى سقطت (خطايا وجهه) من الصغائر قال النووى: هكذا ضبطناه خرت بالخاء المعجمة.
وكذا نقله القاضى عن جميع الرواة إلا ابن أبى جعفر، فرواه جرت بالجيم - انتهى. أى جرت مع ما.
الوضوء وذهبت ذنوب وجهه (وفيه) أى خطايا فمه من جهة الكلام والطعام (وخياشيمه) أى أنفه جمع خيشوم،
وهو باطن الألف من جهة رائحة طيب محرم على جهة القصد. والظاهر أن عطف ((فيه)) وما بعده على ما قبله
تفسيرى لقوله (ثم إذا غسل وجهه) أى كله أو باقيه (كما أمره الله) أن يبدأ بغسله (الاخرت خطايا وجهه)
من ذنوب عينيه (من أطراف لحيته) أى موضعها (ثم يغسل يديه إلى المرفقين) أى منضمتين اليهما ، أو إلى
بمعنى مع (من أنامله) هى رؤس أصابعه (ثم يمسح رأسه) ظاهره الاستيعاب (الاخرت خطايا رأسه) ومنها
٤٦٠