النص المفهرس

صفحات 421-440

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السھو
متفق عليه.
(الفصل الثانى)
١٠٢٧ - (٧) عن عمران بن حصين: أن النبي ◌َّ صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم.
وما هو الأرجح فى ذلك. وزاد فى رواية للبخارى: وسجدهما الناس معه مكان ما نسى من الجلوس. وكأنه
عرف الصحابى ذلك من قرينة الحال. وفى هذه الزيادة فوائد: منها أن السجود خاص بالسهو، فلو تعمد ترك شئى مما
يجبر بسجود السهو لا يسجد. وهو قول الجمهور، ورجحه الغزالى، وناس من الشافعية. ومنها أن المأموم يسجد
مع الامام إذا سها الامام، وإن لم يسه المأموم. ونقل ابن حزم فيه الاجماع. وأما إذا سها المأموم دون إمامه
فلا سجود عليه فى قول عامة أهل العلم، كما فى المغنى (ج ١ ص ٦٩٩) ومنها أن السجود أنما هو لأجل ترك
الجلوس لا لترك التشهد، حتى لو أنه جلس مقدار التشهد ، ولم يتشهد لا يسجد . وجزم أصحاب الشافعى وغيرهم
أنه يسجد لترك التشهد وإن أتى بالجلوس. والحديث فيه دليل على أن الجاوس الأول والتشهد فيه ليس بفرض ،
لأنه لو كان فرضا لبطلت الصلوة بتركه، ولم يجبر بالسجود. ولم يكن بد من الإتيان به، كسائر الفروض، فجبرانه
بالسجود عند تركه دل على عدم فرضيته، ولما احتاج إلى الجبران ظهر أنه مهم، وليس كالسنة التى لا يجب
بتركها شئ، فاذا هو فوق السنة ودون الفرض، وهو المراد بالواجب عند من يقول به. والله أعلم (متفق عليه)
واللفظ للبخارى فى باب من لم ير التشهد الأول واجبا. والحديث أخرجه أيضا أحمد ومالك والترمذى وأبو داود
والنسائى وابن ماجه والبيهقى .
١٠٢٧ - قوله (عن عمران بن حصين) بضم الحاء المهملة، ابن عبيد بن خلف الخزاعى أبو نجيد،
أسلم عام خير، وصحب وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح. قال ابن عبد البر: كان
من فضلاء الصحابة وفقها.هم ، يقول عنه أهل البصرة إنه كان يرى الحفظة ، وكانت تكلمه حتى اكتوى ، أى قبل
وفاته بستين ، وكان قد اعتزل الفتنة، فلم يقاتل فيها، وقال أبو نعيم: كان مجاب الدعوة. وتقدم شئ من
ترجمته فى باب الإيمان بالقدر (فسجد سجدتين) أى بعد ما سام، كما يشهد له حديثه الآتى (ثم تشهد) المراد به
القشهد المعهود فى الصلوة (ثم سلم) فيه دليل على مشروعية التشهد بعد سجدتي السهو. واختلف العلماء فيه: فقال
أفس والحسن وعطاء: ليس فيهما تشهد ولا تسليم. وقال ابن سيرين وابن المنذر: فيهما تسليم بغير تشهد. قال
ابن المنذر التسليم فيهما ثابت من غير وجه، وفى ثبوت التشهد نظر. وروى عن عطاء إن شاء تشهد وسام،
وإن شاء لم يفعل. وروى ابن أبى شيبة عن ابن سيرين أنه قال أحب إلى أن يتشهد فيهما. وحكى ابن عبد البر
٤٢١

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
رواه الترمذى، وقال هذا حديث حسن غريب.
عن يزيد بن قسيط أنه يتشهد بعدهما ولا يسلم. ورواه أيضا عن النخعى وغيره. وذهب الشافعى وأحمد
إلى أنه إذا كان سجود السهو قبل السلام سلم عقبه، ولا يعيد التشهد، يعنى أنه أجزأه التشهد الأول، ولم يحتج إلى
إعادته بعد مجود السهو، واختلف فيه القول عن مالك. وأما إذا سجدهما بعد السلام فذهب الأئمة الأربعة إلى
أنه يتشهد ثم يسلم: كما يظهر من كتب الفروع. والراجح عندنا: أنه مخير فى التشهد إن شاء تشهد بعدهما
وإن شاء لم يتشهد. وأما التسليم فلابد منه، والله أعلم. (رواه الترمذى وقال هذا حديث حسن غريب) وأخرجه
أيضا أبو داود وابن حبان والحاكم (ج١ ص٣٢٣) والبيهقى (ج٢ ص ٣٥٥) وأخرجه النسائى بدون ذكر التشهد
كلهم من رواية أشعث عن ابن سيرين عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن أبى المهلب عن عمران بن حصين . وقد
سكت عنه أبو داود، ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره. وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين . قال الحافظ
فى الفتح بعد نقل تحسين الترمذى وتصحيح الحاكم: وضعفه البيهقى وابن عبد البر وغيرهما. ووهموا رواية أشعث
لمخالفة غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فإن المحفوظ عن ابن سيرين فى حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد وروى
السراجمن طريق سلمة بن علقمة أيضا فى هذه القصة (أى فى قصة ذى اليدين المتقدمة) قلت: لابن سيرين فالتشهد؟ قال
لم أسمع فى التشهد شيئا. وقد تقدم من طريق ابن عون عن ابن سيرين، قال: نشت أن عمران بن حصين قال:
ثم سلم. وكذا المحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد فى حديث عمران (يعنى الذى يأتى فى الفصل الثالث)
ليس فيه ذكر التشهد كما أخرجه مسلم ، فصارت زيادة أشعث شاذة. ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد فى
سجود السهو يثبت ، لكن قد ورد فى التشهد فى سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائى ، و عن المغيرة
عند البيهقى. وفى إسنادهما ضعف. فقد يقال: إن الأحاديث الثلاثة فى التشهد باجتماعها ترتقى إلى درجة الحسن.
قال العلائى: وليس ذلك ببعيد وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله أخرجه ابن أبى شيبة - انتهى. قلت:
حديث ابن مسعود عند أبي داود والنسائى والبيهقى (ج٢ ص ٣٥٦ وص ٣٣٦) من طريق خصيف عن أبى عبيدة
عن أبيه عبد الله بن مسعود مرفوعا بلفظ إذا كنت فى صلوة، فشككت فى ثلاث أو أربع، وأكبر ظنك على أربع
تشهدت ثم محدت سجدتين، وأنت جالس قبل ان تسلم. ثم تشهدت أيضا، ثم تسلم. قال البيهقى فى
المعرفة : حديث مختلف فى رفعه . وخصيف غير قوى. و أبو عبيدة عن أبيه مرسل ، أى منقطع، لأن أبا عبيدة
لم يسمع عن أبيه عبد الله بن مسعود. ولفظ المغيرة عند البيهقى (ج٢ ص ٣٥٥) أن النبي مؤلم تشهد بعد أن
رفع رأسه من سجدتى السهو. قال البيهقى: تفرد به محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن الشعبى . ولا حجة فيما
تفردبه لسوء حفظه وكثرة خطأ، فى الروايات - انتهى.
٤٢٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
١٠٢٨ - (٨) وعرب المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول اللّه وَثّ: إذا قام الإمام فى الركعتين،
فإن ذكر قبل أن يستوى قائما فليجلس، وإن استوى قائما فلا يجلس، ويسجد سحدتى السهو.
١٠٢٨ - قوله (إذا قام الامام) أى شرع فى القيام وفى معناه المنفرد (فى الركعتين) أى بعدهما من
الثلاثية أو الرباعية قبل أن يقعد ويتشهد (فإن ذكر) أى تذكر أن عليه بقية من الصفوة (قبل أن يستوى قاتما)
سواء يكون إلى القيام أقرب أو إلى القعود. قال القارى: وهو ظاهر الرواية ، واختاره ابن الحمام ، ويؤيده
الحديث - انتهى. ومقابله ما فى الهداية إن كان إلى القعود أقرب عاد، ولو إلى القيام فلا - انتهى. قلت:
أخرج هذا الحديث أحمد وابن ماجه و الدار قطنى والبيهقى بألفاظ متقاربة . وليس فيها ما يدل على هذا التفصيل .
فالصحيح هو الأول. وهو المختار عند الحنفية (فليجلس) أى لياتى بالتشهد الأول: زاد فى رواية الدار قطنى:
ولا سهو عليه. وقد تمسك بها من قال إن سجود السهو أنما هو لفوات التشهد الأول لا لفعل القيام. وإلى ذلك
ذهب النخعى والأسود وعلقمة والشافعى فى أحد قوليه. وذهب أحمد إلى أنه يجب السجود السهو لفعل القيام
لما روى عن أنس أنه تحرك للقيام من الركعتين الأخريين من العصر على جهة السهو فسبحوا، فقعد ثم سجد للسهو
أخرجه البيهقى و الدار قطنى موقوفا عليه إلا أن فى بعض طرقه أنه قال: هذه السنة. قال الحافظ: ورجاله ثقات.
وقد رجح حديث المغيرة لكونه مرفوعا ، ولأنه يؤيده حديث ابن عمر مرفوعا: لا سهو إلا فى قيام عن جلوس،
أو جلوس عن قيام أخرجه الدار قطنى والحاكم والبيهقى (ج ٢ ص ٣٤٥) وفيه ضعف. وقال ابن حجر: وظاهر
الحديث أن قوله الآتى: ويسجد سجدتى السهو خاص بالقسم الثانى، فلا يسجد هنا للسهو. وإن كان إلى القيام
أقرب، وهو الأصح عند جمهور أصحابنا، وصححه النووى فى عدة من كتبه ـ انتهى. قلت: واختلف فيه فقهاء
الحنفية أيضا، والأصح هو عدم وجوب السجود، لأن فعله لم يعد قياما، فكان قعودا، كذا فى شرح المنية
(وإن استوى قائما) ولفظ أحمد وابن ماجه وان استم قائما (فلا يجلس) لتليسه بفرض، فلا يقطعه (ويسجد)
بالرفع (جدتي السهو) لتركه واجبا ، وهو القعدة الأولى. وفى الحديث أنه لا يجوز العود إلى القعود، والتشهد
بعد الانتصاب الكامل ، لأنه قد تلبس بالفرض، فلا يقطعه لأجل ما ليس بفرض، ثم إذا رجع بعد استواء. قائما
هل أفسد صلوته؟ مختلف عند الأئمة. قال الحافظ فى الفتح: فمن سها عن التشهد الأول حتى قام إلى الركعة ثم
ذكر لا يرجع، فقد سبحوا به وَثة، فلم يرجع. فلو تعمد المصلى الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلوته عند
الشافعى خلافا للجمهور - انتهى. واختلف فيه الحنفية. والراجح عندهم عدم الفساد، كما فى الدر المختار. وقال
الشوكانى: فإن عاد عالما بالتحريم بطلت صلوته لظاهر النهى، ولأنه زاد قعودا ، وهذا إذا تعمد العود ، فإن عاد
٤٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
رواه أبو داود وابن ماجه.
(الفصل الثالث)
١٠٢٩ - (٩) عن عمران بن حصين: أن رسول الله {ي صلى العصر وسلم فى ثلاث ركعات، ثم
دخل منزله. فقام إليه رجل يقال له الخرباق،
ناسيا لم تبطل صلوته - انتهى. (رواه أبو داود وابن ماجه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٢٥٣، ٢٥٤)
والدار قطنى والبيهقى (ج ٢ ص ٣٤٣) ومداره فى جميع طرقه على جابر الجعفى، وهو ضعيف جدا. وقد قال
أبو داود: ليس فى كتابى عن جابر الجعفى إلا هذا الحديث. وقال المنذرى: فى إسناده جابر الجعفى، ولا يحتج
به انتهى. وأخرج أحمد (ج ٤ ص ٢٤٧ - ٢٥٣) والترمذى وصححه وأبو داود والبيهقى (ج ٢ ص ٣٣٨)
عن زياد بن علاقة ، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ركعتين قام. و لم يجلس ، فسبح به من خلفه، فأشار
إليهم أن قوموا ، فلما فرغ من صلوته سلم ثم سجد سجدتين وسلم، ثم قال هكذ صنع بنا رسول تم بثه، وأخرجه
البيهقى (ج ٢ ص ٣٤٤) أيضا من طريق عامر عن المغيرة .
١٠٢٩ - قوله (صلى العصر) وفى رواية الطحاوى صلى بهم الظهر وفى رواية لأحمد والبيهقى صلى
الظهر أو العصر بالشك: قلت: الجزم قاض على الشك. ثم رواية العصر أرجح لتوافق أكثر الروايات عليها،
ولأنها مخرجة فى صحيح مسلم و أبى داود والنسائى وابن ماجه ومسند أحمد (وسلم فى ثلث ركعات) وفى رواية
معتمر عن خالد الحذاء عند أحمد (ج ٤ ص ٤٣١) صلى ثلث ركعات فسلم . وفى رواية شعبة عن خالد عند أحمد
أيضا صلى ثلث ركعات ثم سلم. ولفظ الكتاب أصح وأرجح لتوافق أكثر الرواة عن خالد الحذاء عليه: وهم
إسماعيل بن علية عند مسلم وأحمد ، وعبد الوهاب الثقفى عند مسلم أيضا وابن ما جه والبيهقى ، ويزيد بن زريع عند
أبى داود والنسائى والبيهقى و مسلمة بن محمد عند أبى داود (ثم دخل منزله) وفى رواية فدخل الحجرة. فيه أن ترك
استقبال القبلة والمشى الكثير سهوا لا يبطل الصلوة (فقام إليه) أى فى أثناء دخول منزله (رجل يقال له الخرباق)
بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء بعدها موحدة، وفى آخره قاف اسمه. قال ابن حجر: أسلم فى أواخر زمن
النبى مَّةُ، وعاش حتى روى عنه متأخر والتابعين، وهو ذو اليدين السابق، كما قاله المحققون، وغير ذى الشمالين
خلافا لمن وهم فيه، كالزهرى والطبى هنا - انتهى. قلت: ما ذكره ابن حجر من أن الخرباق اسم ذى اليدين
السابق هو صنيع من يوحد حديث أبى هريرة بحديث عمران، و إلى توحيد الحديثين ذهب الأكثر، وهو الذى
رجحه الحافظ ، وعده من الحنفية السندى الأظهر ، وصاحب فيض البارى الأصوب، وقواه النيموى فى تعليق
٤٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
و کان فى يديه طول، فقال: يا رسول الله! فذكر له صنيعه، فخرج غضبان يحر رداءه، حتى انتهى
إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم. فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم.
، آثار السنن، وهو الظاهر عندى أيضا، لكن الخرباق ذا اليدين السلمى هذا غير ذى الشمالين عمير بن عبد عمرو
ابن فضلة الخزاعى المستشهد بيدر ، لاكما زعمه الحنفية أنهما رجل واحد (وكان فى يديه طول) أى بالنسبة إلى
سائر الناس، ولذا كان يقال له ذو اليدين. وفى رواية لمسلم: فقام رجل بسيط اليدين (فذكر له صنيعه) أى من
تسليمه فى ثلث ركعات ، وأن ذلك هل هو لنسيان أو لقصر الصلوة (خرج) أى من منزله (غضبان) لأمر
(يجر رداءه) أى مستعجلا يعنى لكثرة اشتغاله بشأن الصلوة خرج يجر رداءه، ولم يتمهل ليلبسه (ثم سلم)
أى للتحلل من الصلوة (ثم سجد سجدتين) أى للسهو بعد السلام (ثم سلم) لسجود السهو، هذا. وقد تقدم
أنه ذهب الأكثر إلى أن حديث أبى هريرة فى قصة ذى اليدين ، وحديث عمران هذا قضية واحدة. وجنح ابن
خزيمة ومن تبعه كالنووى وأبى حاتم بن حبان إلى التعدد. قال الحافظ فى الفتح: والحامل لهم على ذلك الاختلاف
الواقع فى السياقين: ففى حديث أبى هريرة أن السلام وقع من اثنتين، وأنه مَّثم قام إلى خشبة فى المسجد . وفى
حديث عمران أنه سلم من ثلث ركعات و أنه دخل منزله لما فرغ من الصلوة فاما الأول فقد حكى العلائى أن بعض
شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلم فى ابتداء الركعة الثالثة (يعنى فى إرادة ابتداء الثالثة) واستبعده، ولكن طريق
الجمع يكتفى فيها بأدنى مناسبة ، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة، فإنه يلزم منه كون ذى اليدين فى كل مرة استفهم
التي تَثْمُ عن ذلك، واستفهم النبي ◌َّثم الصحابة عن صحة قوله. وأما الثانى فلعل الراوى لما رأه تقدم من مكانه
إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله لكون الخشبة كانت فى جهة منزله. فإن كان كذلك، وإلا فرواية أبى هريرة
أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه ، كما أخرجه الشافعى وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة ، وموافقة ذى اليدين
نفسه له على سياقه كما أخرجه أبو بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد فى زيادات المسند، وأبو بكر بن أبي حثمة وغيرهم.
وقد تقدم ما يدل على أن محمد بن سيرين راوى الحديث عن أبى هريرة كان يرى التوحيد بينهما ، وذلك أنه قال فى
آخر حديث أبى هريرة نبئت أن عمران بن حصين قال «ثم سلم) - انتهى. كلام الحافظ. وقال السندى: فى
حاشية النسائى كلام المصنف يشير إلى أن الواقعة متحدة ، وهو أظهر. وعلى هذا كونه سلم من ركعتين أو ثلاث،
وكذا كونه دخل البيت أو قعد فى ناحية المسجد وغير ذلك مما اشتبه على الرواة لطول الزمان. ويحتمل تعدد
الواقعة. وقال فى حاشية ابن ماجه: الظاهر أن اختلاف الرواية ليس محمله اختلاف الواقعة ، بل محمله نسيان بعض
الرواة بعض الكيفيات بمضى الأزمنة، وهم ما كانوا يكتبون الوقائع، بل كانوا يحفظونها بالقلب. وهذا غير
مستبعد عند من تتبع الأحاديث. قلت: وذهب بعض العلماء إلى ترجيح حديث أبى هريرة على حديث عمران ،
٤٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السھو
رواه مسلم.
١٠٣٠ - (١٠) وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت رسول اللّه ◌َثم يقول: من صلى صلوة
يشك فى النقصان، فليصل حتى يشك فى الزيادة. رواه أحمد.
كما رأيت فى كلام الحافظ. ولعل الإمام البخارى جنح اليه كما يفهم من صنيعه، حيث أخرج حديث أبى هريرة
فى صحيحه، وأعرض عن حديث عمران بن حصين. والله أعلم (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤
ص ٤٢٧ - ٤٣١ - ٤٤١) وأبو داود والنسائى وابن ماجه والطحاوى والبيهقى. وفى الباب عن ابن عباس عند
البزار والطبرانى فى الكبير. وفى سنده اسماعيل بن أبان الغنوى العامرى، وهو متروك. وله حديث آخر عندهما
أيضا مختصر من الأول. وفى سنده جابر الجعفى وثقه شعبة والثورى وضعفه الناس، كذا فى مجمع الزوائد
(ج ٢ ص ١٥٢).
١٠٣٠ - قوله (من صلى صلوة يشك فى النقصان) يعنى أنه يشك فى الرباعية مثلا بأنه صلى ثلاثا أو
أربعا (فليصل) أى فليين على الأقل المتيقن، فيجعلها فى الصورة المذكورة ثلاثا ويصلى ركعة أخرى (حتى يشك
فى الزيادة) أى يشك فى أنه صلى أربعا أو خمسا لاحتمال أن يكون قد صلى فى الواقع أربعا وتكون التى
زادها ركعة خامسة. فمن بنى على الثلاث وصلى ركعة أخرى فهو يشك الآن أنها رابعة أو خامسة ، وهذا
هو المراد بالشك فى الزيادة. والحاصل أن جعل الشك فى جانب الزيادة أولى من جعله فى جانب النقصان
(رواه أحمد) فى (ج١ ص ١٩٥) عن محمد بن يزيد عن اسماعيل بن مسلم المكى عن الزهرى عن عبيد الله بن
عبد الله عن ابن عباس أنه كان يذاكر عمر شأن الصلوة، فانتهى اليهم عبد الرحمن بن عوف، فقال ألا أحدثكم
يحديث سمعته من رسول اللّه مَ ◌ّ؟ قالوا بلى، قال فأشهد إنى سمعت رسول اللّه مؤثّم يقول من صلى. الحديث.
واسماعيل بن مسلم المكى ضعيف. وهذه الرواية من زيادات أبى بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعى ،
ولوى المسند عن عبد الله بن أحمد. قال القطيعى: قال أبو عبد الرحمن، يعنى عبد الله بن أحمد. وجدت هذا الحديث
فى كتاب أبى بخط يده ثنا محمد بن يزيد الخ. وأخرجه أيضا اسحاق بن راهويه والهيثم بن كليب فى مسنديهما ،
والبيهقى فى سننه (ج ٢ ص ٣٣٣ - ٣٤٦) بلفظ: إذا كان أحدكم فى شك من النقصان فى صلوته فليصل حتى
يكون فى شك من الزيادة، وفى إسنادهم أيضا اسماعيل بن مسلم المكى. وهذا حديث مختصر من حديث طويل أخرجه
أحد (ج١ ص ١٩٠) والترمذى وصححه . وأبوداود وابن ماجه و البيهقى (ج٢ ص ٣٣٢) من حديث كريب عن
عبدالله بن عباس عن عبد الرحمن بن عوف. وقد ذكرنا لفظه فى شرح حديث أبى هريرة أول أحاديث الفصل الأول
٤٢٦

مرعاة مفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
(٢١) باب مجود القرآن
من هذا الباب. قال الحافظ فى التلخيص (ص ١١٣) بعد عزوه الترمذى وابن ماجه: هو حديث معلول،
فانه من رواية ابن إسحاق عن مكحول عن كريب. وقد رواه أحمد فى مسنده (ج١ ص ١٩٣)، وكذا البيهقى
(ج٢ ص ٣٣٢) عن ابن علية عن ابن إسحاق عن مكحول مرسلا: قال ابن إسحاق فلقيت حسين بن عبد الله، فقال
لى هل أسنده لك؟ قلت لا، فقال لكنه حدثنى أن ڪريبا حدثه به، وحسين ضعيف جدا. ورواه إسحاق
ابن راهويه و الهيثم بن كليب فى مسنديهما من طريق الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس مختصرا
فذكر لفظه، قال وفى إسنادهما إسماعيل بن مسلم المكى، وهو ضعيف، وتابعه بحر بن كنيز السقاء فيما ذكر
الدار قطنى فى العلل. وذكر الاختلاف فيه أيضا على ابن إسحاق فى الوصل والارسال - انتهى.
(باب سجود القرآن) أى سجدة التلاوة، وهى سنة مؤكدة عند الشافعية والحنابلة، وسنة أو
فضيلة قولان مشهوران المالكية ، وواجبة عند أبى حنيفة . قال ابن قدامة فى المغنى (ج١ ص ٦٥٦): سجود
التلاوة سنة مؤكدة، و ليس بواجب عند أمامنا (أحمد) ومالك والأوزاعى والشافعى، وهو مذهب عمر
وابنه عبد الله، وأوجبه أبو حنيفة وأصحابه . انتهى. واستدل الخفية على الوجوب بما روى مسلم وابن ماجه
عن أبي هريرة مرفوعا: إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكى، يقول ياويله! أمر ابن آدم بالسجود
فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلى النار، قالوا الأصل أن الحكيم إذا ذكر من غير الحكيم كلاما،
ولم يعقبه بالانكار دل ذلك على أنه صواب، فكان فى الحديث دليل على كون ابن آدم مامور بالسجود ،
ومطلق الأمر للوجوب، مع أن آى السجدة تفيده أيضا لأنها ثلاثة أقسام: ١ - قسم فيه الأمر الصريح به
کقوله: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا - ٦٢:٥٣﴾ ﴿واسجد واقترب - ١٩:٩٦) ٢٠ - وقسم تضمن حكاية استنكاف
الكفرة حيث أمروا به وهو قوله: ﴿فالهم لا يؤمنون وإذا قرئى عليهم القرآن لا يسجدون - ٨٤: ٢٠ - ٢١)
وقوله: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ وزادهم نفورا - ٢٥: ٦٠).
٣ - وقسم فيه حكاية فعل الأنبياء السجود، والثناء على الذين يخرون سجدا عند سماع كلامه. وكل من الامتثال
ومخالفة الكفرة والاقتداء واجب إلا أن يدل دليل على عدم لزومه، لكن دلالتها ظنية، فكان الثابت الوجوب
لا الفرض ، كذا فى البرهان ، وفتح القدير وغيرهما. وأجيب بأن كون الأمرفى الآيتين، وفى قول إبليس للوجوب
منوع، بل هو محمول على الندب. والدليل على ذلك حديث زيد بن ثابت الآتى قال: قرأت على رسول الله
حزب . والنجم ، فلم يسجد . والظاهر أن ترك السجدة حينئذ كان لبيان الجواز كما جزم به الشافعى فى اختلاف
الحديث، لأنه لوكان واجبا لأمره بالسجود ولو بعد ذلك. ويدل عليه أيضا ما رواه أبو داود وابن خزيمة
٤٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب سجود القرآن
والحاكم من حديث أبي سعيد الخدرى أنه قال: قرأ رسول اللّه مثل، وهو على المنبر ((ص)، فلما بلغ السجدة نزل،
فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها ، فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود فقال رسول اللّه مر ◌ّة
إنما هى توبة في، ولكنى رأيتكم تشرنتم للسجود، فنزل فسجد وسجدوا. وقد سكت عنه أبو داود والمذرى قال
بعض الحنفية إن ذلك أنما كان حين لا يرى السجدة عزمة فى سورة ((ص، بل كانت رخصة إذ ذاك، فلما عزم
الأمر تحتم بالسجود - انتهى. وفيه أن هذا يحتاج إلى دليل ولا يثبت بالادعاء شئ فهو مردود على قائله وأيضا
لوكان كذلك. لما قال ابن عباس بعده ◌َّه ص ليس من عزائم السجود، ولما سكت الصحابة الحاضرون خطة
عمر عن قوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه ، ولا نكروا على منعهم من السجدة. ويدل على كون الأمر للندب
أيضا ما قاله ابن رشد: اتبع مالك والشافعى فى مفهوم الأوامر الصحابة ، إذ كانواهم أقعد بفهم الأوامر
الشرعية وذلك كما ثبت عن عمر بن الخطاب بمحضر الصحابة ، فلم ينقل عن أحد منهم خلافه ، وهم أفهم بمغزى
الشرع. قلت: يشير بذلك إلى ما رواه البخارى والبيهقى والأثرم عن عمر: أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر
بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها ، حتى إذا
جاءت السجدة قال: يا أيها الناس إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه،
ولم يسجد عمر. وزاد نافع عن ابن عمر: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. وفى رواية الأثرم: فقال
على رسَلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فقرأها ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا. وهذا حديث مرفوع خلافا
لظاهره الذى أشبه على العينى وامثاله ، لأن عمر حكى أن الله لم يفرض السجود علينا الخ. ويقول ذلك بحضرة
كبار الصحابة، وهو لا يريد من هذا اللفظ أن هذا رأيه وإستنباطه، كما وبين بديهى. قال الكرمانى: قوله
من لم يسجد فلا إثم عليه، دليل صريح فى عدم الوجوب ، ولم ينكر عليه أحد. فكان إجماعا سكوتيا على ذلك،
وهو حجة عند الحنفية، وكذا قوله . لم يفرض: دليل آخر، ثم عدم سجوده ومنعه الناس من السجدة دليل
ثالث ، وقوله إلا أن نشاء دليل رابع، لأنه يدل على أن المرأ خير فى السجود، والتخيير ينافى الوجوب. قال
صاحب التوضيح: ترك عمر مع من حضر السجود ومنعه لهم دليل على عدم الوجوب. ولا إنكار ولا مخالف،
ولا يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب و يسكت عن الإنكار على غيره فى قوله ومن لم يسجد فلا إثم عليه.
وقال الحافظ: استدل بقوله إلا أن نشاء، على أن المرء خير فى السجود، فيكون ليس بواجب ـ انتهى. وأجاب
بعض الحنفية عن مخالفة الإجماع السكونى بأنه ضعيف، لأن إنكار المختلف فيه غير لازم سيما إن كان قائله إماما
وفيه أنه لم يرد عمر بقوله إن الله لم يفرض السجود علينا أن هذا رأيه وإجتهاده وإستنباطه. وأيضا لم يثبت
عن أحد من الصحابة أنه كان يرى سجدة التلاوة واجبة، حتى يكون ذلك مسئلة اجتهادية مختلفا فيها بينهم ، ولو سلم
٤٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
فلا يجوز أن يكون عند بعضهم واجبا ، ويسكت عن الافكار على غيره فى قوله ومن لم يسجد فلا إثم عليه ، وكانوا
ينكرون فى ترك المستحبات فضلا عن الواجبات ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلاف قول عمرو فعله .
وأجابوا عن قوله لم يفرض: على قاعدتهم فى التفرقة بين الفرض والواجب بأن نفى الفرض لا يستلزم نفى
الوجوب. وتعقب بأنه اصطلاح لهم حادث. وما كان الصحابة يفرقون بينهما. ويغنى عن هذا قول عمر: ومن
لم يسجد فلا إثم عليه. قال بعضهم يمكن أن يقال إن النفى فى قوله من لم يسجد فلا إثم عليه راجع إلى القيد
والمعنى أن السجدة ليست واجبة بعينها، فمن لم يسجد فلا إثم عليه لأن الركوع أيضا ينوب عنها وحينئذ معنى
قوله إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء، أى لم يفرض علينا السجود بخصوصه ، بل يكفى عنه الركوع أيضا
إلا أن نشاء السجدة فنأتى بها. ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف، علا أنه لم ينقل أن عمر ومن معه ركعوا
فى هذه الواقعة لتلاوة آية السجدة نيابة عن السجدة. وفيه أيضا أن سجدة التلاوة سجود مشروع. فلا ينوب عنه
الركوع كسجود الصلاة. وأما قوله تعالى: ﴿وخر را كما وأناب - ٢٤: ٣٨) فالمراد به السجود، لأنه قال
(( خر، ولا يقال للراكع («خر، وإنما روى عن داود عليه السلام السجود لا الركوع إلا أنه عبر عنه بالركوع
وقال بعضهم أراد عمر بقوله فلا إثم عليه، أنه ليس على الفور، فلا إثم بتأخيره عن وقت السماع، فلا يدل ذلك
على عدم الوجوب. وفيه أن هذا باطل مردود على قائله. لأنه لا دليل على هذا التأويل ويدل على بطلانه
أيضا قوله لم يسجد عمر ، ومنعهم أن يسجدوا ، وما قيل: إنه يحتمل أنه لم يسجد فى ذلك الوقت لعارض مثل
انتقاض الوضوء، أو يكون ذلك منه إشارة إلى أنه ليس على الفور ففيه أن هذا أيضا يحتاج إلى دليل ولا يكفى
فيه الاحتمال. والظاهر بل المتعين أن عمر لم يسجد أصلا لبيان أن سجدة التلاوة ليست بواجبة، لأنه لم يكن هناك
عذر أو مصلحة فى تأخيرها عن وقت التلاوة. قال صاحب العرف الشذى: وأما قول أن تأخير السجدة، لأن
الأداء لا يجب على الفور فبعيد، لأنه لا عذر ولا نكتة لترك السجدة الآن بخلاف مامر من واقعة النبي مثله -
انتهى. وأجابوا عن قوله إلا أن نشاء بأن المعنى إلا أن نشاء قراءتها فيجب. ولا يخفى بعده بل يرده تصريح
عمر بقوله ومن لم يسجد فلا إثم عليه ، فإن انتفاء الإثم عمن يترك الفعل مختارا يدل على عدم وجوبه. والحق
أن الاستدلال بحديث عمر على عدم وجوب السجدة، وعلى كون الأوامر للندب استدلال صحيح بين لاخفاء فيه .
وليس عند الحنفية جواب شاف عنه. وقد أنصف صاحب فيض البارى . حيث قال قصة عمر هده أقوى
ما يمكن أن يحتج به على سنية السجود، فإنه تلا سورة النحل يوم الجمعة ، فسجد لها مرة ثم لم يسجد لها فى الجمعة
التالية، ثم قال إنما نمر بالسجود. فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه. وذلك بمحضر الصحابة
ولم أر عنه جوابا شافيا بعد - انتهى. وأجيب عن الآية التى تدل على ذم الكفرة بتركهم السجدة بأن الذم فيها
٤٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
إنما يتعلق بترك السجود اباء وافكارا واستكبارا واستنكانا، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا
للرحمن قالوا وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ وزادهم نفورا - ٢٥: ٦٠ ) وكما قال الميس أمرت بالسجود
فأبيت، فمعنى قوله: ﴿وإذا قرئى عليهم القرآن لا يسجدون - ٨٤: ٢١) أى اباء واستكبارا ونفورا عن
الطاعة . قال ابن قدامة فى المغنى: فأما الآية فإنه ذمهم لترك السجود غير معتقدين فضله ومشروعيته - انتهى.
فمن ترك سجدة التلاوة معتقدا مشروعيته وفضله لكونه ليس بلازم عنده لا استكبارا واستنكافا عنه لا يقال إنه
لم يخالف الكفرة، فلا يتعلق به الذم الذى تعلق بهم. وقال صاحب فيض البارى: والشافعية أن يقولوا إن
الوعيد معقول على ترك المستحب إذا قارن تركه ترك الواجبات أيضا ألا ترى أنه ينكر على المعصية من طالح
ما لا ينكر على تلك المعصية إذا كانت من صالح فتلك المعصية وإن تذكر فى السياق لكن تراعى عند الوعيد أفعاله
الأخر أيضا وحينئذ يمكن أن يكون الوعيد على تركهم سجود التلاوة فى الذكر فقط ويكون محطه تركهم السجود
الصلوية أيضا . والحاصل أن الوعيد وإن كان على ترك سجود التلاوة لكنه نظرا إلى تركهم السجود الصلوية
أپضا انتهى كلامه بلفظه. وقد تبين بفعله زم وحديث أبى سعيد وحديث عمر المذكورين، وقول ابن عباس
((ص، ليس من عزائم السجود، أن سجود التلاوة غير واجب. وفيه دلالة واضحة على أن اقتداء الأنبياء فى ذلك
ليس على سبيل الوجوب واللزوم. ومن الأدلة على أن سجود التلاوة ليس بواجب ما أشار إليه الطحاوى من أن
الآيات التى فى سجود التلاوة: منها ما هو بصيغة الخبر. ومنها ما هو بصيغة الأمر. وقد وقع الخلاف فى التى
بصيغة الأمر مل هى فيها مجود أو لا. وهى ثانية الحج، وخاتمة النجم، واقرأ . فلوكان سجود التلاوة واجبا لكان
ماورد بصبغة الأمر أولى أن يتفق على السجود فيه ما ورد بصيغة الخبرانتهى. واختلفوا فى مواضع السجود،
وفى أنه هل يشترط فيه ما يشترط فى الصلوة من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة وغيرها . أما الأول، فسيأتى
الكلام فيه فى شرح حديث عمرو بن العاص فى الفصل الثانى: وأما الثانى فذهب الجمهور إلى أنه يشترط فيه ما يشترط
فى الصلوة . وقال جماعة: لا يشترط ، منهم ابن عمر والشعبى وأبو عبد الرحمن السلمى. قال البخارى فى صحيحه
كان ابن عمر يسجد على غير وضوء. وفى مسند ابن أبى شيبة كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء؛ ثم
يركب، فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ، و وافقه الشعبى على ذلك، وأخرج عن أبى عبد الرحمن السلمى أنه
كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشى يومى إيماء. وروى البيهقى (ج٢
ص ٣٢٥) عن ابن عمر أنه لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، وجمع بين قوله وفعله بأنه أراد بقوله طاهر الطهارة
الكبرى، أو الثانى على حالة الاختيار، والأول على الضرورة، أو الثانى على الأولوية، والأول على الجواز
والاياحة. وروى عثمان بن عفان فى الحائض تسمع السجدة تومتى برأسها ، وبه قال سعيد بن المسيب ، قال :
٤٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
( الفصل الأول ).
١٠٣١ - (١) عن ابن عباس، قال: سجد النبى تمثل بالنجم، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن،
ويقول اللهم: لك سجدت. ذكره ابن قدامة. قال الأمير اليمانى الأصل أنه لا يشترط الطهارة إلا بدليل.
وأدلة وجوب الطهارة وردت الصلوة والسجدة لا تسمى صلوة، فالدليل على من شرط ذلك، وكذلك
أوقات الكراهة ورد النهى عن الصلوة فيها، فلا تشمل السجدة الفردة - انتهى. وقال الشوكانى ما ملخصه:
لیس فی أحاديث جود التلاوة ما يدل على اعتبار أن یکون الساجد متوضأ ، وهکذا ليس فى الأحاديث ما يدل
على اعتبار طهارة الثياب والمكان. وأما ستر العورة واستقبال القبلة مع الإمكان، فقيل إنه معتبر اتفاقاً ..
انتهى. وقال ابن حزم فى المحلى (ج ١ ص ٨٠) السجود. فى القرآن ليس ركعة، أو ركعتين ، فليس صلوة،
وإذا كان ليس صلوة فهو جائز بلا وضوء، وللجنب والحائض وإلى غير القبلة كسائر الذكر. ولا فرق إذ
لا يلزم الوضوء إلا الصلوة ولم يأت بإ يجابه لغير الصلوة قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، فإن قيل
السجود من الصلوة وبعض الصلوة صلوة. قلنا والتكبير بعض الصلوة . والجلوس والقيام والسلام بعض
الصلوة، فهل يلتزمون أن لا يفعل أحد شيئا من هذه الأقوال والأفعال إلا وهو على وضوء لا يقولونه ولا يقوله
أحد - انتهى. قلت: عدم الاشتراط هو الأرجح والأقوى عندى لكن الأحوط فى العمل هو ما روى عن ابن
عمر أنه لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر .
١٠٣١ - قوله (عن ابن عباس قال سجد النبي ◌َّم بالنجم) أى بسورتها . زاد الطبرانى فى الأوسط
يمكد. فأفاد أن قصة ابن مسعود الآتية فى الفصل الثالث. وقصة ابن عباس هذه متحدة، وإنما سجد النب تَّ هذه
السجدة امتثالا لأمر الله سبحانه بالسجود، وشكرا للنعم العظيمة المعدودة فى أول السورة من أنه لا ينطق عن
الهوى، وقربه من اللّه تعالى، واراءته إياه من آياته الكبرى. وفيه دليل على مشروعية السجدة فى المفصل خلافا
المالك فى ظاهر الرواية عنه (وسجد معه المسلمون) متابعة له تربية فى امتثال الأمروإيتان الشكر (والمشركون) أى
الذين كانوا عنده. قال النووى: إنه محمول على من كان حاضرا قراءته. وفيه مشروعية السجود لمن حضر عند
القارى للآية التى فيها السجدة. وإنما سجد المشركون لاستماع أسماء آلهتهم من اللات والعزى ومنات. أولما ظهر من
سطوة سلطان العز والجبروت وسطوع الأنوار والكبرياء من توحيد الله عز وجل، وصدق رسول الله
حتى لم يبق لهم شك ولا اختيار ولا أثر جحود واستكبار الأمن أشقى القوم وأطفاهم وأعتاهم، وهو الذى
أخذكفا من الحصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال يكفينى هذا. وسيأتى مزيد الكلام فيه (والجن) كان
ابن عباس استند فى ذلك إلى أخبار النبى وَث إما مشافهة له وإما بواسطة، لأنه لم يحضر القصة لصغره. وأيضا
٤٣١
٠

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
والانس.
فهو من الأمور التى لا يطلع الانسان عليها إلا بتوقيف وتجويز أنه كشف له عن ذلك بعيد، لأنه لم يحضرها
قطعا، قاله الحافظ: وقال شيخه العراقى: الظاهر أن الحديث من مراسيل ابن عباس عن الصحابة فإنه لم يشهد تلك
القصة خصوصا إن كانت قيل فرض الصلوة. ومراسيل الصحابة مقبولة على الصحيح . والظاهر أن ابن عباس سمعه
من النبي مَّم يحدث به (والانس) إجمال بعد تفصيل نحوقوله تعالى: ﴿ تلك عشرة كاملة - ٢: ١٩٦ ) قاله الكرمانى.
وزاد صاحب اللامع الصبيح: أو تفصيل بعد إجمال، لأن كلا من المسلمين والمشركين شامل الإنس والجن.
قال الكرمانى : سجد المشركون مع المسلمين، لأنها أول سجدة نزلت، فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود
لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا فى ذلك المجلس من مخالفتهم - انتهى. وفى هذا الأخير نظر،
لأن المسلمين حينئذ هم الذين كانوا خائفين من المشركين لا العكس وقد ذكر المفسرون فى هذه القصة . فى
تفسير قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولافى ألا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته - ٥٢:٢٢) الآية .
أنه جرى على لسانه ◌َّ من قبل الشيطان الكلمات المشهورة، وهى: تلك الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لتر تجى، فلذلك
سجد المشركون معه حيث زعموا أنه لا اختلاف بعد ذلك بيننا وبينه، لأنه يثنى على آلهتنا لكن لا أصل لهذه
القصة عند المحدثين بل الحق أن هذه الكلمات ما جرت على لسانه عليه السلام والقصة موضوعة كما قال الذهبي وغيره
من المحدثين. وكيف يظن مثل هذا بأكرم الرسل خير المخلوقات أنه تسلط عليه الشيطان . حاشا جنابه عن نسبة أمثال
هذه الواهيات ، ثم حاشا هذا ، وقد قال تعالى فى حق عامة الصلحاء: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان - ٤٢:١٥)
فأفاد نفيه بكل الوجوه فما ظنك بسيد البشر والشفيع المشفع فى المحشر، بل الحق أن المشركين أما سحد والغلبة
جلاله وجبروته عليه السلام ، وسماع المواعظ البليغة فى القرآن، فاضطروا إلى السجود ولم يبق اختيارهم فى أيديهم.
وكيف يستبعد ذلك، وقد قال الله تعالى: ( كلما أضالهم مشوا فيه-٢٠:٢ ) وقال: ﴿وجحدوا واستيقنتها أنفسهم
ظلما وعلوا-١٤:٢٧ ) كذا فى شرح تراجم أبواب صحيح البخارى للشاه ولى الله الدهلوى. قلت: جميع ما يذكر
من الروايات فى قصة الغرانيق إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشيء منها ، كما قال البزار والبيهقى وابن خزيمة
وابن كثير وغيرهم. فالحق أن هذه القصة مكذوبة باطلة لا يصح فيها شىء من جهة النقل ، لأنه لم يروها أحد
من أهل الصحة ، ولا أسندها ثقة بسند صحيح أو سليم متصل ، وانما رواها المفسرون والمؤرخون والمولعون
بكل غريب الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم . وقد دل على عدم ثبوت لهذه القصة اضطراب رواتها،
وانقطاع سندها ، واختلاف ألفاظها . والذى جاء فى الصحيح من حديث ابن مسعود عند الشيخين وحديث ابن
(١) الفرافيق بفتح الغين المعجمة طيور الماء شبهت الأصنام المعتقدون فيها أنها تشفع لهم بالطيور تعلو فى السماء وترفع.
٤٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سحود القرآن
عياس هذا لم يذكر فيه أن النبي تَثم ذكر تلك الألفاظ ولا قرأما. ولذى ذكره المفسرون عن ابن عباس فى هذه
القصة فقد رواه عنه الكلبى ، وهو ضعيف جدا ، بل متروك لا يعتمد عليه. وكذا أخرجه النحاس بسند أخر، فيه
الواقدى. ولا يصح من جهة العقل أيضا . لأن مدح اله غير الله تعالى كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان
رسول اللّه ◌َّ، ومن جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه
كان فى نفى الأوثان ، ولوجوز ذلك لارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا فى كل واحد من الأحكام والشرائع أن
يكون كذلك، أى مما ألقاه الشيطان على لسانه. ويبطل قوله ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت
رسالته - ٦٧:٥ ) فإنه لافرق عند العقل بين النقصان من الوحى وبين الزيادة فيه هذا وقد حاول الحافظ فى الفتح:
أن يدعى أن للقصة أصلا حيث قال بعد ذكر طرق عديدة لها أن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على
أن لها أصلا، قال وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهى مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل
وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض ، قال واذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها ما يستنكر وهو قوله
ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرافيق العلى. وإن شفاعتهن لترتجى، فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره، لأنه
يستحيل عليه مثل أن يزيد فى القرآن عمدا ما ليس منه، وكذاسهوا اذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان
عصمته، ثم ذكر تأويلات للعلماء، ورد على كل واحد منها إلا تأويلا واحدا، فأقره وجعله أحسن الوجوه،
وهو أنه ثم كان يرتل القرآن، فار تصده الشيطان فى سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته
بحيث سمعه من دنا اليه فنها من قوله وأشاعها. قلت: فى هذا التأويل أيضا نظر، فإن جواز ذلك أيضا يخل
بالوثوق بالقرآن، ويرفع الاعتماد على قوله عليه السلام والأمان من شرعه لاحتمال أن يكون ذلك مما أطق به
الشيطان فى سكتة من سكتاته عليه السلام محاكيا فغمته وصوته بحيث سمعه من دنا اليه ، فظنه من قوله وأشاعه.
وأما قوله إن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها الخ. ففيه أن هذا ليس قاعدة كلية . قال الزيلعى فى نصب الراية
(ج ص ) وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه، وهو حديث ضعيف، كحديث الطير ، وحديث
الحاجم والمحجوم وحديث من كنت مولاه فعلى مولاه بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق الاضعفا - انتهى.
كلام الزيلعى. واختلفوا فى تفسير قوله تعالى فى سورة الحج: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا في إلا
إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته، والله عليم حكيم ليجعل ما يلق الشيطان.
فتنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. وان الظالمين لفى شقاق بعيد) ومن أحسن ما قيل فيه هو أن الله
تعالى ما أرسل رسولا ولا نبيا من الأنبياء إلى أمة من الأمم الا وذلك الرسول يتمنى الايمان لأمته ويحبه لهم.
٤٣٣
:

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
رواه البخارى.
١٠٣٢ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: سجدنا مع النبى ١ عرفت فى: {إِذا السماء انشقت﴾ و﴿إقرأ
باسم ربك).
ويرغب فيه ويحرص عليه غاية الحرص، ويعالجهم أشد المعالجة فى ذلك. ومن جملتهم نبينا مع الذى خاطبه الله
تعالى بقوله: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا-٦:١٨) وبقوله: ﴿وما أكثر الناس
وأو حرصت؟مؤمنين - ١٠٣:١٢ ) وبقوله (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين - ٩٩:١٠﴾ ثم الأمة تختلف كما
قال تعالى: ﴿ولكن اختلفوافمنهم من آمن ومنهم من كفر-٢٥٣:٢ ) فمن كفر فقد ألقى اليه الشيطان الوساوس القادحة
فى الرسالة والنبوة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضا لايخلوعن وسائس، لأنها لازمة للايمان بالغيب فى الغالب،
وإن كانت تختلف فى الناس بالقلة والكثرة، وبحسب التعلقات إذا تقررهذا فعنى تنى أنه يتمنى الا يمان لأمته ويحب
لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه هى أمنية كل رسول ونبى، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه فى
قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفربعضهم ثم يرحم الله فينسخ ذلك من قلوب المؤمنين، ويحكم فيها
الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة ويبقى ذلك فى قلوب المنافقين والكافرين، فيفتتنوا به، خرج من هذا أن
الوساوس تلقی أولا فى قلوب الفریقین معا غیر أنها لا تستمر فى قلوب المؤمنين ولا تبقى بل تزول و تنمحی بخلاف
المنافقين والكافرين، فإنها تدوم وترسخ فى قلوبهم والله أعلم وقد بسط العلامة الألوسى الكلام فى تفسير هذه
الآية فى روح المعانى ( ج ١٧ ص ١٧٢ - ١٨٦) وأجاد فعليك أن تراجعه (رواه البخارى) وأخرجه أيضا
أحمد والترمذى والبيهقى ( ج ٢ ص ٣١٤).
١٠٣٢ - قوله (مجدنا مع النبي مَثّ فى إذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك) هما من المفصل فهو
دليل صريح فى ثبوت السجود فى المفصل مثل الحديث السابق. وشرح الموطأ للزرقانى قال بالسجود فى المفصل
الخلفاء الأربعة والأ ئمة الثلاثة وجماعة. ورواه ابن وهب عن مالك وروى عنه ابن القاسم. والجمهور أن
لا سجود فيها لأن أبا سلمة قال لأبى هريرة لقد وجدت فى سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها، فدل هذا على أن
الناس تركوه وجرى العمل بتركه. ورده ابن عبد البر. بأن أى عمل يدعى مع مخالفة المصطفى والخلفاء الراشدين
بعده وسيأتى مزيد الكلام فى ذلك. وروى البخارى وغيره عن أبي رافع قال صليت مع أبى هريرة العتمة ،.
فقرأ ﴿ اذا السماء انشقت - ٨٤: ١) فسجد فقلت ما هذه؟ قال مجدت فيها خلف أبى القاسم وزي فلا أزال أسجد
فيها حتى ألقاه ورواه ابن خزيمة بلفظ : صليت خلف أبى القاسم نسجد بها ، وكذلك أخرجه الجوزقی واستدل به.
(١) وفى نسخة ((رسول اله )
٤٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب مجود القرآن
رواه مسلم.
١٠٣٣ - (٣) وعن ابن عمر، قال: كان رسول الله حي يقرأ («السجدة)» ونحن عنده فيسجد، ونسجد
معه، فتزد حم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعا يسجد عليه.
البخارى على قراءة السجدة فى الصلاة المفروضة الجهرية. واليه ذهب الشافعى، ولم يفرق بين الفريضة والنافلة
والسرية والجهرية ، وهو الحق لحديث أبى هريرة السابق ولما روى أحمد وأبو داود والطحاوى والبيهقى والحاكم عن
ابن عمر أن النبى تَّ سجد فى صلاة الظهر ثم قام فركع فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة. وروى عن عمر أنه صلى
الصبح فقرأ ((والنجم، فسجد فيها. وأخرج ابن أبى شيبة عن ابن الزبير أنه صلى الظهر أو العصر فقال له رجل
صليت خمسا فقال إنى قرأت بسورة فيها سجدة. وهذا كله حجة على من كره ذلك فى الصلاة المفروضة مطلقا ،
وهو منقول عن مالك، وعنه كرامته فى السرية دون الجهرية، وهو قول بعض الحنفية والحنابلة أيضا لما أن فيه
إيهاما وتخليطا على المأموم إن سجد قال ابن قدامة فى المعنى: واتباع النبى مثل أولى - انتهى. وأما القول بأن
المنع لعارض وهو شيوع الجهل فلا يشكل عليه بما ورد فى الأحاديث من قراءة آية السجدة فى الصلاة المفروضة
الجهرية والسرية ، فقيه ان الواجب حينئذ تعليم النأس السنة، ورفع جهلهم بالعمل بالسنة الثابتة لا تركها لجهلهم
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى.
١٠٣٣ - قوله (بقرأ السجدة) أى آية سجدة متصلة بما قبلها أو بما بعدما أو منفردة لبيان الجواز.
وقيل: التقدير يقرأ سورة السجدة، أى سورة فيها آية السجدة. ويؤيده ما فى رواية للبخاوى: يقرأ علينا السورة التى
فيها السجدة. زاد فى رواية لأبى داود فى غير الصلوة. واحتج به بعضهم على أنه لا يسجد فى الفرض. وهذا تمسك
بالمفهوم، وهو لا يصلح للاحتجاج به، لأن القائل بذلك ذكر صفة الواقعة التى وقع فيها السجود المذكور. وذلك
لا ينافى ما ثبت من سجوده مَّم فى الصلوة، كما تقدم (ونحن عنده) جملة حالية (فيسجد) وَّه (ونسجد)
تحت (معه فتزد حم) لضيق المكان، وكثرة الساجدين. وقال القارى: أى نجتمع حيث ضاق المكان بنا
(حتى ما يجد) بالرفع: وقيل: بالنصب (أحدنا) أى بعضنا وليس المراد كل واحد ، ولا واحد معين، بل
البعض غير المعين (لجبهته موضعا يسجد عليه) أى معهم لضيق الموضع، وشدة الزحام، واختلاط الناس. وقوله:
يسجد عليه فى محل النصب، لأنه وقع صفة لموضعا المنصوب على المفعولية ((ليجد). وقد اختلف فيمن لم يجد
مكانا يسجد عليه، فقال عمر يسجد على ظهر أخيه أخرجه البيهقى بسند صحيح. وبه قال الكوفيون وأحمد واسحاق.
وقال عطاء والزهرى: يؤخر حتى يرفعوا. وبه قال مالك والجمهور. وهذا الخلاف فى سجود الفريضة. قال
٤٣٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
الحافظ : واذا كان هذا فى سجود الفريضة فيجرى مثله فى سجود التلاوة . ولم يذكر ابن عمر فى هذا الحديث ما كانوا
يصنعون حينئذ، ولذلك وقع الخلاف المذكور. و وقع فى الطبرانى من طريق مصعب بن ثابت عن نافع فى هذا
الحديث أن ذلك كان بمكة لما قرأ النبى مثل ((النجم))، وزاد فيه ((حتى سجد الرجل على ظهر الرجل)). قال الحافظ:
الذى يظهر ان هذ الكلام وقع من ابن عمر على سبيل المبالغة فى أنه لم يبق أحد الا سجد ، قال وسياق حديث الباب
مشعر بان ذلك وقع مرارا، فيحتمل أن تكون رواية الطبر انى بينت مبدأ ذلك. ويزيده ما رواه الطبرانى أيضا
من رواية المسور بن مخرمة عن أبيه، قال أظهر أهل مكة الإسلام، يعنى فى أول الأمر حتى إن كان النبى رَبثم يقرأ
السجدة فيسجد، وما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام ، حتى قدم رؤساء مكة ، وكانوا فى الطائف، فرجعوم
عن الإسلام. والحديث يدل على مشروعية السجود لمن سمع الآية التى يشرع فيها السجود إذا سجد الفارئى
لها. واستدل به البخارى على السجود لسجود القارئ. حيث بوب عليه باب من سجد لسجود القارىء، وقال ابن
مسعود لتميم بن حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة ، فقال اسجد ، فإنك إمامنا فيها. قال الحافظ: فى الترجمة.
إشارة إلى أن القارئ إذا لم يسجد لم يسجد السامع. ويتأيد بما أخرجه ابن أبى شيبة مرفوعا من رواية ابن
عجلان عن زيد بن أسلم ان غلاما قرأ عند النبي مَّثم السجدة ، فانتظر الغلام التي تَثم ان يسجد ، فلا لم يسجد
قال يا رسول الله! أليس فى هذه السجدة سجود قال بلى. ولكنك كنت إمامنا فيها ، ولو سجدت لسجدنا ، رجاله
ثقات إلا انه مرسل. وقد روى عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلا مرفوعا نحوه أخرجه الشافعى
والبيهقى (ج ٢ ص ٣٢٤) وقال القسطلانى: معنى قوله: انت إمامنا أى متبوعنا لتعلق السجدة بنا من جهتك،
وليس معناه إن لم تسجد لم نسجد، لأن السجدة كما تتعلق بالقارئ تتعلق بالسامع غير القاصد السماع والمستمع
القاصد، لكنها فى المستمع والسامع عند سجود القارئى، آكد منها عند عدم سجوده لما قيل إن سجودهما يتوقف
على سجوده، وإذا سجدا معه فلا يرتبطان به، ولا ينويان الاقتداء به، ولهما الرفع من السجود قبله - انتهى. وقال
ابن قدامة: إذ لم يسجد التالى لم يسجد المستمع (عند الحنابلة، وبه قالت المالكية) وقال الشافعى يسجد -
انتهى. وبه قالت الحنفية. والظاهر عندى ما ذهب اليه الحنابلة والمالكية من أنه إذا لم يسجد القارئى لم يسجد
السامع لحديث زيد بن أسلم وعطاء، ولأثر ابن مسعود. واختلفوا أيضا فى اشتراط قصد السماع قال ابن
قدامة فى المغنى: يسن السجود للتالى والمستمع لا نعلم فى هذا خلافا . وقد دلت عليه الأحاديث ، فأما السامع غير
القاصد فلا يستحب له. روى ذلك عن عثمان وابن عباس وعمران، وبه قال مالك. وقال أصحاب الرأى عليه
السجود، وروى نحو ذلك عن ابن عمر والنخعى وسعيد بن جبير ونافع وإسحاق، لأنه سامع السجدة ، فكان
٤٣٧

منعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
متفق عليه.
١٠٣٤ - (٤) وعن زيد بن ثابت، قال: قرأت على رسول اللّه ◌َفي ((والنجم، فلم يسجد فيها.
عليه السجدة كالمستمع . وقال الشافعى: لا أؤكد عليه السجود وان سجد فحسن. ولنا ما روى عن عثمان أنه
قال أنما السجدة على من استمع. وقال ابن مسعود وعمر ان ما جلسنا لها وقال سلمان ما غدونا لها. ونحوه
عن ابن عباس. ولا مخالف لهم فى عصرهم إلا قول ابن عمر: إنما السجدة على من سمعها ، فيحتمل أنه أراد من
سمع عن قصد جمعا بين أقوالهم - انتهى. واخلتفوا أيضا فى اشتراط ذكورة التالى، وكونه مكلفا لجود
السامع. فذهب الشافعية والحنفية إلى عدم اشتراط ذلك لعموم ما ورد من السجود على السامع . وقالت الحنابلة
والمالكية يشترط لسجود المستمع أن يكون التالى من يصلح أن يكون إما ما يصح ان يقتدى به. واستدلوا
بما تقدم من قوله مَّ لتسال عنده لم يسجد: كنت امامنا. واجاب عنه فى البرهان بأن المراد منه كنت حقيقا ان
تسجد قبلنا لاحقيقة الامامة (متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود والبيهقى.
١٠٣٤ - قوله (قرأت على رسول الله تَثم والنجم) أى سورتها إلى آخرها (فلم يسجد فيها) لبيان الجواز،
لأنه لو كان واجبا لأمره بالسجود. واستدل بالحديث من لا يرى السجود فى المفصل كمالك أو أن النجم
بخصوصها لا سجود فيها كأبى ثور، وحمل ما جاء فى سجود النجم على النسخ لكونه كان بمكة، ولأنه لو كان
باقيا من غير نسخ ما عدل أهل المدينة عن العمل به. وأجيب بأن ترك السجود فيها فى هذه الحالة لا يدل على
تركه مطلقا لاحتمال أن يكون السبب فى الترك إذ ذاك اما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت وقت كرامة
فأخره، فظن زيد أنه ترك مطلقا، أو لكون القارئ إماما السامع، فترك السجود اتباعا لزيد، لأنه القارئ فهو
إمام، وترك زيد لأجل صغره، أو لعل معنى كلام زيد أنه لم يسجد فى الحال ، أى على الفور بل أخره ، ذكره
العينى وغيره من الحنفية، أو ترك حينئذ لبيان الجواز. قال الحافظ: وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم
الشافعى، لأنه لو كان واجبا لأمره بالسجود ولو بعد ذلك، وقد تقدم حديث ابن عباس وحديث أبى هريرة،
وهما صريحان فى السجود فى المفصل: وكذا حديث ابن مسعود الآتى. وروى البزار والدار قطنى عن أبى هريرة
أنه قال إن النبي تُؤثّم سجد فى سورة النجم وسجدنا معه. قال الحافظ فى الفتح: رجاله ثقات. وروى ابن
مردويه فى تفسيره بإسناد حسنه الحافظ عن أبى هريرة أنه سجد فى خاتمة النجم، فسئل عن ذلك ، فقال إنه رأى
التى تَثم سجد فيها. وقد تقدم أن أباهريرة أنما أسهم بالمدينة سنةسبع من الهجرة. قال الحافظ: وروى عبدالرزاق
بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد عن عمر أنه سجد فى ((اذ السماء انشقت))، ومن طريق نافع عن ابن عمر: انه
٤٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
متفق عليه.
١٠٣٥ - (٥) وعن ابن عباس، قال: سجدة ((ص)) ليس من عزائم السجود، وقد رأيت النبى تحريك
يسجد فيها. وفى رواية: قال مجاهد: قلت لاين عباس: أ أسجد فى ((ص))؟ فقرأ: ﴿ومن ذريته داود
وسليمان) حتى أتى (فبهداهم اقتده)
سجد فيها . وروى الطبرانى بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن ابزى عن عمر: أنه قرأ النجم فى الصلوة فسجد فيها .
ثم قام فقرأ ((اذا زلزلت)). وفى هذا رد على من زعم أن عما أهل المدينة استمر على ترك السجود فى المفع ا
مطلقا ، أو فى الصلوة خاصة (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى والبيهقى.
١٠٣٠ - قوله (سجدة ص) بسكون أو نتح أو کسر ، بتنوین. وبدرنه. وقد تکتب ثلاثة أحرف.
باعتبار اسمها، ذكره ابن حجر. قال القارى: والأول أولى لما عليه الجمهور من القراء (ليس) تذكيره، لأنها بمعنى
السجود. وقال ابن حجر: أى ليس فعلها (من عزائم السجود) أى ليست مما ورد فى السجود فيها أمر
ولا تحريض ولا تحضيض ولا حث، وإنما ورد بصيغة الاخبار عن داود عليه السلام بأنه فعلها ، وسجد نبينا
مؤيّ فيها اقتداء به لقوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده - ٦: ٩٠) وفيه دلالة على ان المسفونات قد يكون بعضهاآ كد
من بعض. قال الحافظ: المراد بالعزائم ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلا بناء على أن
بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب. وقد روى ابن المنذر وغيره عن على
بإسناد حسن أن العزائم ((حم)) و((النجم)، و((اقرأ)، و((الم تنزيل)). وكذا ثبت عن ابن عباس فى الثلاثة
الآخر. وقيل: ((الاعراف، و((سبحان)) و((حم)) و((الم) أخرجه ابن أبى شيبة - انتهى. (وقد رأيت النبى
وَّ يسجد فيها) أى فى سجدة ((ص)) فى الصلوة وغيرها. وفى البخارى فى تفسير ((ص)) من طريق مجاهد،
وكذا لابن خزيمة أنه سأل عن ابن عباس من أين سجدت فى ( ص)). ولفظ ابن خزيمة من اين أخذت سجدة
((ص)) فقال من قوله تعالى: ﴿ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله فبهداهم اقتده) ففى هذا أنه استنبط مشروعية
السجود فيها من الآية. وفى رواية الباب أنه أخذه عن النبى تَّم، ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يكون استفاده
من الطريقين. قال الشوكانى: وانما لم تكن السجدة فى ((ص) من العزائم لأنها وردت بلفظ الركوع فاو لا التوقيف
ما ظهر ان فيها سجدة (وفى رواية) أى البخارى فى أحاديث الأنبياء (فقرأ ومن ذريته) أى من ذرية نوح
(حتى أتى) أى وصل قوله تعالى أوحتى أتى على قوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله﴾: (فيهداهم اقتده) بها - السكت
٤٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب سجود القرآن
فقال: نبيكم ومث من مر أن يقتدى بهم. رواه البخارى.
للجمهور، وبهاء الضمير الشامى قصرا ومدا، أى افعل كما فعلوا من تبليغ الرسالة، وتحمل الاذى فى سبيلى، قاله
ابن الملك. والظاهر أن معناه اقتد بسيرهم السنية واخلاقهم البهية، كذا فى المرقاة (فقال) أى ابن عباس
للاستدلال على إتيان السجدة، ولاستنباط وجه سجود التى تُؤثّ فيها من الآية (نبيكم ◌َّ) مبتدأ، خبره
(من أمرٍ أن يقتدى) بصيغة المعلوم (بهم) أى بهؤلاء الأنبياء. ومن جملتهم داود، وهو قد سجد لله تعالى،
فأنت أولى بالاقتداء بهم، أو به عليه السلام، فانه اقتدى بداود، وسجد فيها. وهذا بإطلاقه أيضا يشمل الصلوة
وغيرها. قال الطيبي: الجواب من أسلوب الحكيم، أى إذا كان النبي ◌َّ مامورا بالاقتداء بهم فأنت أولى،
وإنما أمر النبي تريثيم بالاقتداء بهم ليستكمل بجميع فضائلهم الجميلة، وخصائلهم الحميدة. وهى نعمة ليس وراءها
نعمة، فيجب عليه الشكر لذلك. قال الرازى: الآية دالة على فضل نبينا وَي على الأنبياء، لأنه تعالى أمره
بالاقتداء بهدائم ، ولا بد من امتثاله بذلك، فوجب أن يجتمع فيه جميع خصائلهم وخلائقهم المتفرقة - انتهى.
هذا. وروى النسائى عن ابن عباس مرفوعا( مجدها داود توبة، ونسجدها شكرا)). وقد ذكره المصنف فى
الفصل الثالث. واستدل الشافعى بقوله: شكرا على أنه لا يسجد فيها فى الصلوة، لأن سجود الشاكر لا يشرع
داخل الصلوة. قال العينى: لا خلاف بين الحنفية والشافعية فى أن (( ص)) فيها سجدة تفعل ، وهو أيضا مذهب
سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق غير أن الخلاف فى كونها من العزائم أم لا ، فعند الشافعى ليست من العزائم،
وانما هى سجدة شكر تستحب فى غير الصلوة، وتحرم فيها فى الصحيح. وهذا هو المنصوص عنده، وبه قطع جمهور
الشافعية . وعند أبى حنيفة وأصحابه هى من العزائم، وهو قول مالك أيضا. وعن أحد كالمذهبين، والمشهور منهما
كقول الشافعى - انتهى. قلت: سجدة (( ص)) سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا لما انعم الله على داود من
قبول التوبة . ومع ذلك فهى سجدة تلاوة أيضا ، لأن سجدة التلاوة ليس سبب مشروعيتها إلا التلاوة ، وسبب
مشروعية هذه السجدة تلاوة هذه الآية التى فيها الاخبار عن هذه النعم على داود، وإطاعنا فى قيل مثله . فالحق
عندى أن يسجد فى ((ص)) اتباعا للنبى ◌َّ فى الصلوة، وخارج الصلوة لإطلاق الأحاديث، ويرى أن هذه
السجدة ليست من عزائم السجود كما قال ابن عباس، ولا منافاة بين فعله مثل وبين قول ابن عباس لأن ابن عباس
لم ينف السجود فى ((ص، بل نفى كونه عزيمة، وفعله مثل لا يدل على كونه من عزائم السجود (رواه البخارى)
وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والبيهقى وفى الباب عن أبى سعيد عند أبي داود والحاكم وابن خزيمة
وأبى هريرة عند الدار قطنى والطبرانى فى الأوسط .
٤٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢١ - باب مجود القرآن
(الفصل الثانى)
١٠٣٦ - (٦) عن عمرو بن العاص، قال: أقرأفى١ رسول الله (3) خمس عشرة سجدة فى القرآن،
منها ثلاث فى المفصل، وفى سورة ((الحج) سجدتين.
١٠٣٦ - قوله (عن عمرو بن العاص قال أقر أني رسول الله عزّ) كذا فى بعض النسخ بلفظ: اقرأنى.
وهكذا وقع فى جامع الأصول (ج ٦ ص ٣٦١) وفى بعض نسخ المشكوة اقرأه أى عمرا. وفى المصابيح عن عمرو
ابن العاص أن النبى مَّم اقرأه. وكذا وقع فى سنن أبي داود وابن ماجه والبيهقى (ج٢ ص٣١٦) (خمس عشرة
سودة) قال الطيبي: أى حمله أن يجمع فى قراءته خمس عشرة سمدة (فى القرآن) قال الجزرى فى النهاية: إذا قرأ
الرجل القرآن، أو الحديث على الشيخ يقول اقرأنى فلان ، أى حملنى ان اقرأ عليه - انتهى. وفيه دليل على ان
مواضع السجود خمسة عشرة موضعا. واليه ذهب أحمد والليث وإسحاق وابن وهب من المالكية ، وابن المنذر
من الشافعية، وطائفة من أهل العلم. قال الطيبي: اختلفوا فى عدة سيدات القرآن، فقال أحمد خمس عشرة آخذا
بظاهر حديث عمرو بن العاص فأدخل سجدة ((ص)) فيها. وقال الشافعى أربع عشرة سجدة منها ثنتان فى الحج،
وثلاث فى المفصل، وليست سجدة ((ص)) منهن، بل هى سجدة شكر. وقال أبو حنيفة أربع عشرة فأسقط الثانية من
الحج، وأثبت سجدة ((ص)) وقال مالك احدى عشرة، فأسقط سجدة ((ص. وسجدات المفصل - انتهى. قال
الشيخ فى شرح الترمذى بعد نقل كلام الطبى: الظاهر هو ما ذهب اليه الامام أحمد وهو مذهب الشافعى أيضا
على ما حكاه الترمذى ، وهو رواية عن مالك ومذهب الليث وغيره، كما تقدم. واعلم أن أول مواضع
السجود خاتمة الاعراف. وثانيها عند قوله فى الرعد ((بالغدو والآصال)). وثالثها عند قوله فى النحل ((ويفعلون
ما يومرون)). ورابعها عند قوله فى بنى اسرائيل ((ويزيدهم خشوعا .. وخامسها عند قوله فى مريم . خروا سجدا
وبكيا)). وسادسها عند قوله فى الحج . إن الله يفعل ما يشاء). وسابعها عند قوله فى الفرقان ((وزادهم نفورا)). وثامنها
عند قوله فى النحل ((رب العرش العظيم)). وتاسعها عند قوله فى الم تنزيل. وهم لا يستكبرون)). وعاشرها عند قوله
فی ص «وخررا کعا وأناب)). و عند الحنفية يسجد عقيب قوله, و حسن مآب .. الحادى عشر عند قوله فى حم
السجدة (( إن كنتم إياه تعبدون)). وقال أبو حنيفة والشافعى والجمهور عند قوله ((وهم لا يسأمون. والثانى عشر،
والثالث عشر، والرابع عشر سجدات المفصل. والخامس عشر السجدة الثانية من الحج. كذا فى النيل
(منها ثلاث فى المفصل) وهى ((النجم، و((انشقت)) و.اقرأ،، وقدعلم محالها (وفى سورة الحج سجدتين) أى
(١) وفى نسخة ((اقرأه»
٤٤٠