النص المفهرس

صفحات 381-400

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
ابن يزيد أو يزيد بن طلق على الشك. وكلاهما خطأ عندى، والصحيح هو على بن طلق. قال ابن كثير فى تفسيره
بعد ذكر رواية شعبة عن عاصم الأحول: ورواه عبد الرزاق عن معمر عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان عن
مسلم بن سلام عن طلق بن على. والأشبه أنه على بن طلق، كما تقدم - انتهى. وقد ذكر الحديث قبل ذلك من
رواية على بن طلق، وعزاء لأحمد والترمذى، وسنذكره. وإنما قال الأشبه أى بالصواب، لأن أبا معاوية عند
أحمد والترمذى، وسفيان فى رواية عبد الرزاق عنه عند أحمد على ما ذكر ابن كثير ، وعبد الواحد بن زياد عند
الدارمى، وجرير بن عبد الحميد عند أبى داود، والدار قطنى وابن حبان والبيهقى قد اتفقوا فى روايتهم عن
عاصم الأحول على تسمية الصحابى بعلى بن طلق. وكذا سماه به وكيع عند الترمذى وإبراهيم كلاهما عن
عبد الملك بن مسلم، كما فى أسد الغابة ( ج٣ ص ٦٤). الثانى: وقع هذا الحديث فى مسند أحمد فى مسند
على بن أبى طالب رضى الله عنه (ج١ ص ٨٦)، فظن الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج١ ص ٢٤٣) و(ج ٤
ص ٢٩٩) أن هذا الحديث عند أحمد من مسند على بن أبى طالب، لا من مسند على بن طلق حيث بدأه بقوله:
وعن على يعنى ابن أبى طالب ، فذكر لفظه، ثم قال: رواه أحمد من حديث على بن أبى طالب، ورجاله ثقات ،
ورواه أصحاب السنن من حديث على بن طلق - انتهى. وكذا وقع فى هذا الظن على المتقى فى كنز العمال حيث
ذكر هذا الحديث فى (ج ٥ ص ١١٦) فى مسند على بعد ذكر مسانيد أبى بكر وعمر وعثمان، وعزاه لأحمد والعدنى
قال: ورجاله ثقات ، ثم ذكره فى ( ج ٥ ص ١١٧) عن على بن طلق وعزاه لابن جرير فقط . ويظهر من صنيع
مجد الدين ابن تيمية الأكبر فى المنتقى أن الحديث عنده فى المسند عن على بن أبى طالب وعلى بن طاق كليهما حيث
أورد فى باب النهى عن إتيان المرأة فى دبرما ما يدل على النهى عن ذلك عن على بن أبى طالب وعلى بن طاؤكايهما .
وهذا ظاهر فى أنه جعلهما حديثين منفصلين. ويظهر من كلام الأمير اليمانى أن الحديث عنده مروى عن الصحابيين
المذكورين وعن طلق بن على أيضا حيث قال فى سبل السلام (ج ٣ ص ١٣٦): روى هذا الحديث (أى حديث
أبى هريرة المخرج فى أبى داود والنسائى فى منع إتيان النساء فى أدبارمن) بلفظه من طرق كثيرة عن جماعة من
الصحابة ، منهم على بن أبى طالب وعمر و خزيمة وعلى من طلق وطلق بن على وابن مسعود الخ. والظاهر عندى:
أن الحديث من مسند على بن طلق فقط، وأنه وقع السهو ممن رتب المسند وهذبه ، حيث ذكر هذا الحديث فى مسند
على بن أبى طالب، لما رأى فى طريق وكيع عن عبد الملك لفظ على من غير نسب أى من غير نص على أنه إبن طلق
أو ابن أبي طالب، فظن أنه ابن أبى طالب. قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره (ج٢ ص ٨١): قال الامام أحمد:
حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن عاصم عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن على بن طلق ، قال : نهى
رسول اللّه تَّ أن يوتى النساء فى أدبارمن، فإن الله لا يستحى من الحق. وأخرجه أحمد أيضا عن أبى معاوية،
٣٨١

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
وأبوعيسى الترمذى من طريق أبى معاوية أيضا عن عاصم الأحول به ، وفيه زيادة ، وقال هو حديث حسن.
ومن الناس من يورد هذا الحديث فى مسند على بن أبى طالب ، كما وقع فى مسند الامام أحمد بن حنبل. والصحيح
أنه على بن طلق - انتهى. وقال الحافظ فى التلخيص (ص ١٠٦) بعد ذكر الحديث ما لفظه: هكذا نسبه أى
الرافعى ، فقال على بن أبى طالب ، وهو غلط ، والصواب: على بن طلق، وهو المانى، كذا رواه من طريقه أحمد
وأصحاب السنن والدار قطنى وابن حبان - انتهى. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر فى تعليقه على مسند الإمام أحمد
(ج ٢ ص ٦٤ - ٦٦) بعد ذكر كلام ابن كثير السابق. وهكذا وافق الحافظ ابن كثير رأى الترمذى فى أن
عليا فى هذا الاسناد هو ابن طلق، لأنه ذكرفيه من غير نسب ، فلم ينص على أنه هذا أوذاك وأنا أرجح
أن رأى الترمذى ومن تبعه خطأ لأنه من المستبعد جدا أن يخفى مثل هذا على الامام أحمد وابنه عبد الله، ولأن
على بن طلق اشتبه أمره على البخارى فظن أنه شخص آخر غير طلق بن على اليمانى، فلم يعرف له غير هذا الحديث
الواحد، وظن ابن عبد البر أن على من طلق هو والد طلق بن على. وقوى الحافظ فى التهذيب هذا الظن لاتفاق
نسبهما ولو كان هذا صحيحا لكان على بن طلق صحابيا قديما معمرا حتى يدركه مسلم بن سلام، بل حتى يدركه عيسى
ابن حطان الرقاشی ، فیما یزعم الحافظ فى التهذيب ( ج ٢ ص ٢٠٧): أنه روی عنه على خلاف فيه . بل
أنا أظن أن الحديث حديث على بن أبى طالب، كما ذكره الإمام أحمد فى مسنده (أى على بن أبى طالب)، رواه عنه
مسلم بن سلام، ورواه عن مسلم ابنه عبد الملك على الصواب، ثم رواه عن مسلم أيضا عيسى بن حطان فأخطأ ،
فقال عنه ((عن على بن طلق،، قال: وأمارواية الامام أحمد حديث ((على بن طلق، التى أشار الحافظ ابن كثير إلى
أنه رواها باسنادين فلم أجدها فى المسند، بل لم أجد لعلى بن طلق فيه مسندا خاصا بما حصرت مسانيده فى فهارسى،
ولا فيما أتممت تحقيقه من هذا الديوان الأعظم، وهو أكثر من خمسة عشر ألف حديث، فلعله سيأتى فى باقى
الكتاب فى أثناء مسند صحابى آخر، والله أعلم - انتهى. قلت: قد ظهر من هذا كله أن عيسى بن حطان ذكر
عليا فى روايته عن مسلم بن سلام منسوبا فنص على أنه ابن طلق، وهذه الرواية عند أحمد على ما ذكران كثير
والترمذى وأبى داود، والدارمى وابن حبان والدار قطنى وابن الأثير الجزرى فى أسد الغابة (ج ٣ ص ٦٤)،
ورراء عبد الملك بن مسلم بن سلام عن أبيه مسلم، فذكره من غير نسب فلم ينص على أنه هذا أو ذاك وتلك
الرواية المقيدة قرينة واضحة على أن عليا فى رواية عبد الملك هو ابن طلق، لا ابن أبى طالب. ومجرد ذكر الامام
أحمد أو ابنه أو غيرهما من رتب المسند وهذبه هذه الرواية المطلقة أى رواية عبد الملك بن مسلم عن أبيه عن على
من غير نسب فى مسند على بن أبى طالب لا يدل على أن عليا هذا هوابن أبى طالب، لأن هذا ليس إلا مجرد الرأى
والفهم ، وهو ليس بحجة على غير صاحبه. وليسٍ فيه أيضا دليل على وقوع الخطأ من عيسى بن حطان فى ذكر
٣٨٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
رج : إذا فا أحدكم فى الصلوة فليتصرف فليتوضأ، وليعد الصلوة ،
قال: قال رسول الله
النسب ، فنسبة الخطأ إلى عيسى تحكم محض عندى. وأى بعد فى خفاء مثل هذا على الامام أحمد وابنه فقد خفى ما
هو دون ذلك على من هو أكبر وأعظم فى هذا الشأن منهما، والله أعلم. (إذا فسا أحدكم) أى خرج من دبره ريح
بلا صوت، سواء تعمد خروجه أولم يتعمده فعل ماض من فسا يفسو فسوا وفساء. قال فى المصباح: الفساء بالضم
والهمزة والمدريح يخرج بغير صوت يسمع. قال الطيبي: أى أحدث بخروج ريح من مسلكه المعتاد (فلينصرف)
أى عن صلاته (فليتوضأ وليعد الصلاة) فيه دليل على أن الحدث ناقض للوضوء، وأنه تبطل به الصلوة ويجب عليه
إعادتها، ولا يجوز البناء عليها ، سواء كان الحدث عمدا أوسبقه من غير قصد لا طلاق الحديث، وبناء على أن الأمر
باعادة الصلاة للوجوب كما أن الأمر بالوضوء للوجوب اتفاقا، وبه أخذ الشافعى فى الجديد، فقال: إذا سبقه الحدث
وهو فى الصلاة من غير اختياره بطلت صلاته، كما تبطل فى صورة خروج الحدث باختياره وقصده. وهذا هو الراجح
عندى. وفرق الشافعى فى القديم ، وأحمد فى رواية ، ومالك وأبو حنيفة بين العمد والسبق من غير اختيار، فقالوا:
يعيد الصلاة فى الأول، ويبنى فى الثانى بالشروط المذكورة فى الفروع، ولو استأنف فيه أيضا لكان أفضل للبعد
عن شبهة الخلاف فعندهم الأمر بالاعادة فى الحديث، إذا كان الحدث عمدا، محمول على الوجوب ، وأما إذا
سبقه الحدث ولم يتعمده فمحمول على الاستحباب واختيار الأفضل واستدل لهم على ذلك بما رواه ابن ماجه
والدار قطنى عن عائشة مرفوعا: من أصابه فى أورعاف أو قلس أو مذى، فلينصرف فليتوضأً ثم لين على صلاته
وهو لا يتكلم فى ذلك . لجمع هولاء بين الحديثين بحمل حديث على بن طلق على تعمد الحدث فى الصلاة، وحديث
عائشة هذا على بسبق الحدث من غير تعمد وفيه أن حديث عائشة ضعيف لا يقاوم حديث الباب، فقد أعله
غير واحد من الأئمة بأنه من رواية اسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة ، وابن جريج
حجازى، ورواية اسماعيل بن عياش عن الحجازيين ضعيفة . وقد خالفه الحفاظ من أصحاب ابن جريج فرووه
عن ابن جريج عن أبيه عن النبي ◌َّم مرسلا. وصحح هذه الطريقة المرسلة الذهلى والدار قطنى فى العلل وأبو حاتم ،
وقال رواية اسماعيل خطأ . وقال ابن معين حديث ضعيف . وقال أحمد الصواب عن ابن جريج عن أبيه عن
النبى مؤلّ أى مرسلا. والمرسل على القول الأصح ليس بحجة ، فيترجح عليه حديث على بن طلق، وأيضا قد
صححه ابن حبان وحسنه التر مذى ، ولم يضعفه أحد غير ابن القطان، كما سيأتى، وأما حديث عائشة فلم يصححه أحد
غير الزيلغى الحنفى بل ضعفه جمهور الأئمة الشافعى وأحمد وأبو حاتم وأبو زرعة والدار قطنى وابن عدى والحازمى
والبيهقى وابن معين والذهلى، كما فى نصب الراية والتلخيص والدراية. وأما ما أجاب به الزيلمى فى تخريجه، وابن
التر كمانى فى الجواهر النقى عن تضعيف هولاء الأئمة ، فلا يخفى سخافته على من له أدنى بصيرة ودراية ، فلا حاجة
إلى ذكره ثم الرد عليه. وقد أشبع ابن حزم فى المحلى (ج ٤ ص ١٥٣ - ١٥٦) الكلام فى الرد على من قال بجواز
٣٨٣

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب مالا يجوز من العمل
رواه أبو داود، وروى الترمذى مع زيادة ونقصان.
البناء، فارجع اليه إن شئت (رواه أبو داود) فى موضعين ، فى باب من يحدث فى الصلاة ، من كتاب الطهارة .
وفى باب إذا أحدث فى صلاته يستقبل ، من كتاب الصلاة ، لكن من حديث على بن طلق لا من حديث طلق بن على ،
وكذا رواه الترمذى وغيره من حديث على بن طلق كما تقدم (وروى الترمذى) أى نحوه فى كتاب الرضاع لكن
(مع زيادة ونقصان) وقد ذكره المصنف فى باب ما يوجب الوضوء، وتقدم هناك شرحه، فارجع اليه. والحديث
حسنه الترمذى وصححه ابن حبان كما فى التلخيص، وبلوغ المرام. وسكت عنه أبو داود، ونقل
المنذرى تحسين الترمذى وأقره. وقال الترمذى: سمعت محمدا يقول لا أعرف لعلى بن طلق عن النبى مَّثم غير هذا
الحديث الواحد ، ولا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن على السحيمى . وكأنه رأى أن هذا رجل آخر من
أصحاب النبي ◌َّ - انتهى. وقد نقل الحافظ عبارة الترمذى هذه فى تهذيب التهذيب، وفيه ولا أعرف هذا من
حديث على بن طلق السحيمى - انتهى. وهذا خطأ عندى، وهو ظاهر لمن تأمل فيما قدمنا من الكلام فى ترجمة على بن
طلق، ويدل أيضا على صحة ما وقع فى نسخ الترمذى الحاضرة عندنا، ما نقل الحافظ فى التلخيص (ص ١٠٦)
والمنذرى فى تلخيص السنن والشوكانى فى النيل والقارى فى المرقاة ( ج ١ ص ٢٧٧) عن ميرك عن جامع التر مذى
بلفظ : لا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن على السحيمى مثل ما وقع فى نسخ الترمذى الموحودة عندنا
والحديث ضعفه ابن القطان بأن مسلم بن سلام الحنفى أبا عبد الملك الراوى عن على بن طاق مجهول الحال.
وأجيب عنه بأن ابن حبان وثقه، كما فى الخلاصة . وقال الحافظ فى التقريب مقبول ومن عرف حجة على من جهل
وقال النيموى: زيادة قوله فى الحديث ((فليعد صلاته)) ليست بمحفوظة، لأنه تفرد بها جرير بن عبد الحميد،
كما صرح به ابن حبان فى صحيحه، وجرير هذا قال أحمد بن حنبل فيه: لم يكن بالذكى فى الحديث اختلط عليه
حديث أشعث وعاصم الأحول حتى قدم عليه بهز فعرفه - انتهى . وهذا الحديث من طريق جرير بن عبد الحميد عن
عاصم الأحول. وقال البيهقى فى سنته فى ثلاثين حديثا لجرير: قد نسب فى آخر عمره الى سوء حفظه. قلت: قال
الحافظ فى مقدمة الفتح: جرير بن عبد الحميد بن قرط الضى الرازى ، وكان منشأه بالكوفة ، قال اللالكاتى: اجمعوا
على ثقته، وكذا قال الخليلى. وقال أبو خيثمة: لم يكن يدلس، وروى الشاذكونى عنه ما يدل على التدليس، لكن
الشاذكونى فيه مقال . وقال ابن سعد: كان ثقة يرحل اليه . وقال أحمد وابن معين: هو أثيت من شريك، ووثقه العجلى
والنسائى وأبو حاتم وقال: يحتج بحديثه. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكى. وقال البيهقى: نسب فى آخر عمره الى
سوء الحفظ، ولم أر ذلك لغيره بل احتج به الجماعة - انتهى. ما فى مقدمة الفتح. فظهر أن جرير بن عبد الحميد
الضبى مجمع على ثقته، ولم يعتمد على قول البيهقى ((نسب فى آخر عمره إلى سوء الحفظ» وكذلك لم يعتمد على قول
٣٨٤

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
١٠١٤ (٣٠) وعن عائشة، رضى الله عنها، أنها قالت: قال التى تَيّ: إذا أحدث أحدكم فى صلوته
فلیأحذ بأنفه ثم لینصرف، رواه أبو داود.
١٠١٥ - (٣١) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول اللّه ◌َي: إذا أحدث أحدكم
أحمد ((لم يكن بالذكى)، بل احتج به الجماعة ولم يثبت أنه فى رواية الزيادة المذكورة خالف الثقات أو أوثق منه،
فكيف يكون ما زاده غير محفوظ . ولهذا الحديث شاهد ضعيف من حديث ابن عباس مرفوعا أخرجه الدار قطنى
والطبرانى، ذكره الحافظ فى الدراية (ص ١٠٢) والزيلعى فى نصب الراية (ج ١ ص ٦٢) وفى إسناده سليمان
ابن أرقم، وهو ضعيف كذا فى أبكار المنن (ص ٢٦٢).
١٠١٤ - قوله (إذا أحدث أحدكم فى صلوته فليأخذ بأنفه) ندبا، وفى رواية ابن ماجه («فليمسك على
أنفه)» والحديث فيه ندب لستر ما لا يحسن إظهاره بما لا يكون فيه كذب. وقد روى البخارى فى الأدب المفرد
والبيهقى فى الشعب والطبرانى فى الكبير عن عمران بن حصين موقوفا: أن فى المعاريض لمندوحة عن الكذب
قال البيهقى: وقد روى عنه مرفوعا، والموقوف هو الصحيح. قال الخطابى فى المعالم (ج١ ص ٢٤٨): إنما أمره
أن يأخذ بأنفه ليوهم القوم أن به رعافا. وفى هذا باب من الأخذ بالأدب فى ستر العورة، وإخفاء القبيح من
الأمر والتورية بما هو أحسن منه، وليس يدخل هذا فى باب الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل ، واستعمال
الحياء، وطلب السلامة من الناس - انتهى. وقال التور بشتى: أمره بأخذ الأنف ليخيل أنه مرعوف، وهذا ليس
من قبيل الكذب، بل من المعاريض بالفعل، ورخص له فيها وهدى إليها لئلا يسول له الشيطان المضى أى فى
الصلوة استحياء من الناس. وفيه أيضا تنبيه على إخفاء الحدث فى تلك الحالة - انتهى (ثم لينصرف) بكسر اللام
وسكونها (رواه أبوداود) فى أبواب الجمعة من طريق ابن جريج عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة، وأخرجه
ابن ماجه من طريق عمر بن على المقدمى عن هشام ومن طريق عمر بن قيس عن هشام . قال فى الزوائد : اسناده
صحيح، ورجاله ثقات. والطريق الثانية ضعيفة لاتفاقهم على ضعف عمر بن قيس . والحديث أخرجه أيضا ابن
حبان والدار قطنى (ص٥٧) والحاكم (ج١ ص ١٨٤) وقال صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي والبيهقى
(ج ٢ ص ٢٥٤)
١٠١٥ - قوله (إذا أحدث أحدكم) كذا فى جميع النسخ الحاضرة عندنا، وكذا وقع فى المصابيح.
والذى فى الترمذى هو ((إذا أحدث يعنى الرجل)) وضمير ((يعنى)) يرجع إلى رسول اللّه مَ ◌ّره، وهذا تفسير الضمير
المستر فى ((أحدث)) من بعض الرواة. قال القارى: أى عمدا عند أبى حنيفة، ومطلقا عند صاحبيه، بناء على أن
الخروج من الصلوة بصنعه فرض عنده خلافا لها - انتهى . قال الشيخ: ليس فى الحديث تقيد بالعمد ، فالظاهر ما قال
٣٨٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
وقد جلس فى آخر صلوته قبل أن يسلم فقد جازت صلوقه، رواه الترمذى، وقال هذا حديث
إسناد. ليس بالقوى وقد اضطربوا فى إسناده.
صاحبا أبى حنيفة - انتهى (وقد جلس فى آخر صلوته) قال القارى: أى قدر التشهد ـ انتهى. قلت: ليس فى الحديث
بيان مقدار الجلوس . وأما ماروى فى ذلك مما يدل على بيان قدر الجلوس، كحديث ابن مسعود عند أحمد وأبى
داود وغيرهما ، وكحديث عطاء عند أبى نعيم، وكحديث على عند البيهقى والدار قطنى، فكله ضعيف لا يصلح
للاحتجاج. أما حديث ابن مسعود فقد تقدم الكلام عليه. وأما حديث عطاء فهو مرسل، ومرسلات عطاء أضعف
المراسيل ، فانه كان يأخذ عن كل أحد كما فى التدريب وغيره. وأما حديث على فهو موقوف (فقد جازت صلوته)
أى تمت وأجزأت. واستدل به لأبى حنيفة وأصحابه على أن المصلى إذا أحدث فى آخر صلوته بعد ما جلس قدر
التشهد فقد جازت صلوته خلافا الأئمة الثلاثة ، فإن الصلوة تبطل عندهم بذلك، لكون التسليم فرضاً عندهم.
وفى الاستدلال بهذا الحديث لما ذهب إليه أبو حنيفة نظر ظاهر، لأنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج، كما ستقف
عليه. قال الخطابى فى المعالم (ج١ ص ١٧٥): هذا الحديث ضعيف، وقد تكلم الناس فى بعض نقلته، وقد عارضته
الأحاديث التى فيها إيجاب التسليم والتشهد، ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهره، لأن أصحاب الرأى لا يرون
أن صلوته قد تمت بنفس القعود حتى يكون ذلك بقدر التشهد على ما رووا عن ابن مسعود، ثم لم يقودوا قولهم
فى ذلك، لأنهم قالوا: إذا طلعت عليه الشمس، أو كان متيمما فرأى الماء وقد قعد مقدار التشهد قبل أن يسلم
فسدت صلوته، وقالوا فيمن قهقه بعد الجلوس قدر التشهد: إن ذلك لا يفسد صلوته، ويتوضأ، ومن مذهبهم
أن القهقهة لا تنقض الوضوء إلا أن تكون فى صلوة. والأمر فى اختلاف هذه الأقاويل ومخالفتها الحديث
بين - انتهى. وقد ذكر ابن حزم فى المحلى (ج ٤ ص ٢٧٦ - ٢٧٧) مسائل نحو ما ذكر الخطابى، تناقض فيها
أقوال أهل الرأى . والبحث نفيس جدا فارجع إليه، قال القارى: ووجه مناسبة هذا الحديث للباب: أنه
وجد منه حدث فى الصلوة، ولم يبطلها مع أن من شأنه إبطالها (رواه الترمذى) وأخرجه أيضا أبو داود
والدار قطنى والبيهقى (ج٢ ص ١٧٦) وأبو داود الطيالسى (وقال) أى الترمذى (هذا حديث ، إسناده ليس
بالقوى ، وقد اضطربوا فى إسناده) لم يبين الترمذى اضطراب إسناده، ولكنه ذكر فى آخر الباب كلامهم فى
عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقى، الذى عليه مدار أسانيد هذا الحديث، وتضعيف بعض أهل العلم له قال
الحافظ فى التقريب فى ترجمته : ضعيف فى حفظه. والظاهر أن هذا الحديث ما أخطأ فيه حفظه. وهو أيضا مخالف
الحديث الصحيح ((وتحليلها التسليم، وقد تقدم، فلا يقوى حديث عبد الله بن عمر وهذا لمعارضته. قال الزيلعى
فى نصب الراية (ج٢ ص ٦٢ - ٦٣) بعد ذكر كلام الترمذى المتقدم: وأخرجه الدار قطنى ثم البيهقى فى سننهما.
٣٨٦

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
الفصل الثالث )
١٠١٦ - (٣٢) عن أبى هريرة، أن التى تَبثم خرج إلى الصلوة، فلا كبر انصرف
قال الدارقطنى: وعبد الرحمن بن زياد لا يحتج به . وقال البيهقى: وهذا الحديث إنما يعرف بعبد الرحمن الافريقى
وقد ضعفه يحيى بن معين ويحمي بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدى، قال وإن صح فأنما
كان قبل أن يفرض التسليم، ثم روى باسناده عن عطاء بن أبي رباح، قال: كان رسول اللّه ◌َي إذا قعد فى آخر
صلاته أقبل على الناس بوجهه. وذلك قبل أن ينزل التسليم - انتهى. وقال القارى بعد ذكر كلام الترمذى
المذكور: قال ابن الصلاح: المضطرب هو الذى يروى على أوجه مختلفة متفاوتة والاضطراب قد يقع فى
السند أو المتن أو من راو أو من رواة. والمضطرب ضعيف لا شعاره بأنه لم يضبط ، ذكره الطبي . قال القارى:
لهذا الحديث طرق ذكرها الطحاوى. وتعدد الطرق يبلغ الحديث الضعيف إلى حد الحسن - انتهى كلام القارى.
وفيه أن تعدد طرق الحديث إنما يبلغه إلى حد الحسن إذا كانت تلك الطرق متباينة، ولم يكن مدار كلها على
ضعيف لا يحتج به. وطرق هذا الحديث التى ذكرها الطحاوى ليست متباينة ، بل مدار كلها على عبد الرحمن بن
زياد الا فريقى.
١٠١٦ - قوله (خرج إلى الصلوة) أى قاصدا إليها (فلما كبر) أى تكبيرة الاحرام (انصرف) أى
إلى حجرته. وفيه دليل على أنه تَوفة انصرف بعد ما دخل فى الصلوة وكبر للاحرام . ويدل عليه أيضا رواية
ابن ماجه والدارقطنى والبيهقى (ج٢ ص ٣٩٧) لحديث أبى هريرة هذا من طريق أسامة بن زيد عن عبد الله بن
يزيد عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبى هريرة . قال الحافظ بعد عزوه لابن ماجه: فى إسناده نظر . وقال
فى الزوائد: إسناده ضعيف لضعف أسامة بن زيد - انتهى. قلت: لم يتعين لى أنه أسامة بن زيد بن أسلم العدوى أو
أسامة بن زيد الليثى المدنى. والأول ضعيف من قبل حفظه، والثانى صدوق بهم ، كما فى التقريب . ويدل عليه
أيضا ما رواه الدار قطنى والبيهقي (ج٢ ص ٣٩٩) من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس بلفظ:
دخل رسول اللّه تَيع فى صلوته فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم. قال الحافظ: واختلف فى إرساله ووصله -
انتهى. ورواه الطبرانى فى الأوسط بنحوه. قال الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج٢ ص ٦٩): رجاله رجال الصحيح.
وما رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقى (ج٢ ص ٣٩٧) من حديث الحسن عن أبى بكرة: أن
رسول الله ◌َّ دخل فى صلوة الفجر، فأوماً بيده أن مكانكم. قال الحافظ: صححه ابن حبان والبيهقى واختلف فى
وصله وإرساله. وما رواه الدار قطنى عن بكر بن عبد الله المزنى: أن رسول اللّه تَثم دخل فى صلوة فكبر وكبر من
خلفه فانصرف، مرسل . وما رواه أحمد والبزار والطبرانى فى الأوسط عن على بن أبى طالب ، قال: بينما نحن
٣٨٧

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
وأومى إليهم أن كما كنتم
مع رسول اللّه مَّ فصلى، إذا انصرف ونحن قيام الخ. وفيه ابن لهيعة، وما رواه مالك فى الموطأ عن عطاء بن
يسار مرسلا: أن رسول اللّه مَ الله كبر فى صلوة من الصلوات ثم أشار إليهم بيده أن امكثوا، فذهب ثم رجع وعلى
جلده أثر الماء. وما رواه أبو داود عن محمد بن سيرين والربيع بن محمد مرسلا: أن النبي ملي كبر. وقد روى
الشيخان عن أبى هريرة ما يدل على أنه يضع انصرف قبل أن يدخل فى الصلوة . ففي رواية البخارى: أن
رسول اللّه مَ لّه خرج وقد أقيمت الصلوة وعدلت الصفوف حتى إذا قام فى مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف قال
على مكانكم، وفى رواية لمسلم: فأتى رسول اللّه مَثل حتى إذا قام فى مصلاء قبل أن يكبر ذكر فانصرف ، وقال
لنا مكانكم. فرواية الصحيحين معارضة لما تقدم من أحاديث أنس وأبى بكرة وأبى هريرة وعلى، ومراسيل بكر
وعطاء و محمد بن سيرين والربيع بن محمد، ويمكن أن يجمع بينهما بأن يقال: إن معنى قوله (( كبر)) فى حديث
الباب وما يوافقه، أراد أن يكبر للا.حرام، ومعنى دخل فى الصلوة ، أنه قام فى مقامه للصلاة وتهيأ للاحرام بها
ويحتمل أنهما قصتان ذكر فى الأولى قبل التكبير والتحريم بالصلوة ، وهى رواية الصحيحين ، وفى الثانية لم يذكر
إلا بعد أن أحرم، كما فى حديث أبى بكرة وما وافقه. قال الحافظ فى الفتح بعد ذكر رواية مسلم وحديث أبى بكرة
وأثر عطاء: ويمكن الجمع بينهما يحمل قوله ((كبر)، على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان. أداه عياض والقرطبي
احتمالا. وقال النووى: إنه الأظهر ، وجزم به ابن حبان كعادته، فإن ثبت وإلا فما فى الصحيح أصح ـ انتهى.
واعلم أنه استدل بحديث أبي بكرة وما وافقه لمالك والشافعى وأحمد ومن وافقهم على أنه لا إعادة على من
صلى خلف منن نسى غسل الجنابة وصلى ثم تذكر، إنما الاعادة على الامام فقط خلافا لأبى حنيفة ، فانه قال :
يجب الإعادة على المأمومين أيضا. وفيه أنه لا يتم استدلال الأئمة الثلاثة إلا إذا قيل بتعدد القصة، ومع ذلك
إذا ثبت أن القوم أيضا كبروا ودخلوا فى الصلوة، لكن لم يذكر ذلك إلا فى حديث أنس عند الدار قطنى
والطيرانى، وقد تقدم أنه اختلف فى إرساله ووصله ، فرواه معاذ بن معاذ عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة
عن أنس مسندا، ورواه عبد الوهاب الخفاف عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن بكر بن عبد الله المزنى مرسلا.
أخرجهما الدار قطنى . وأما إذا قيل بوحدة الواقعة فى روايات الصحيحين وغيرهما ، أو بأن القوم لم يدخلوا فى
الصلوة ولم يكبروا على القول بتعدد القصة، فلا يكون حديث أبى بكرة وما وافقه دليلا على ما ذهب إليه الأئمة
الثلاثة. والظاهر عندى: توحد القضية ويحمل قوله ((كبر ودخل، على المجاز أى أراد أن يكبر الاحرام، وتهيأ
للدخول فى الصلوة، وأن القوم لم يدخلوا فى الصلوة، كما أنه يحوّ لم يدخل فيها، فإن كان كذلك، وإلا فما
فى الصحيح أصح (وأومى إليهم) بالياء. وفى بعض النسخ بالهمز. قال القارى: ويبدل الهمزة، فيكتب بالياء
أى أشار (أن) وفى رواية الدار قطنى أى (كما كنتم) وفى بعض النسخ: كما أنتم، أى على ما أنتم عليه من حال
٣٨٨

مرعاة المفاتيح ج ٣)
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
ثم خرج فاغتسل، ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم، فلما صلى قال: إنى كنت جبا، فنسيت أن
اغتسل، رواه أحمد.
١٠١٧ - (٣٣) وروى مالك عن عطاء بن يسار مرسلا.
الاجتماع، وعدم التفرق. قال الطيبي: أى كونوا كما كنتم. و((أن)) مفسرة لما فى الايماء من معنى القول. ويجوز أن
تكون مصدرية، والجارة محذوفة أى أشار إليهم بالكون على حالهم - انتهى (ثم خرج) أى من المسجد
(ورأسه يقطر) بضم الطاء أى شعر رأسه يقطر ماء بسبب الاغتسال يعنى لم ينشف إما العجلة، وإما لأنه أفضل
(فصلى بهم) وفى رواية مسلم المتقدمة: فكبر وصلى بنا . وفى رواية للبخارى: فكبر فصلينا معه (فلما صلى) أى
فرغ من صلاته (قال) مشيرا إلى السبب فيما وقع له (إنى كنت جنبا، فنسيت) بفتح النون وكسر السين
المخففة، كذا فى النسخ. ولعل الأولى ضم النون وتشديد السين، قاله القارى (إن اغتسل) أى الاغتسال.
وفى الحديث فوائد: منها: جواز النسيان على الأنبياء فى أمر العبادة لأجل التشريع، ومنها: طهارة الماء
المستعمل، ومنها: جواز الفصل بين الإقامة والصلوة، لأن قوله فصلى ظاهر فى أن الإقامة لم تعد ولم تجدد .
والظاهر أنه مقيد بالضرورة، وبأمن خروج الوقت. وعن مالك إذا بعدت الإقامة من الإحرام تعاد . وينبغى
أن يحمل على ما إذا لم يكن عذر، ومنها: أنه لا حياء فى أمر الدين، وسبيل من غلب أن يأتى بعذر موهم كأن
يمسك بأنفه ليوهم أنه رعف، كما تقدم ، ومنها: أنه لا يجب على من احتلم فى المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم ،
ومنها: جواز الكلام بين الصلوة والإقامة . ومنها : جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث . ومنها : خروج
الامام بعد الإقامة للغسل (رواه أحمد) يعنى موصولا، وله عنده طرق وألفاظ ، وأخرجه أيضا ابن ماجه
والدار قطنى والبيهقى (ج٢ ص ٣٩٨).
١٠١٧ - (وروى مالك) فى الموطأ، وكذا البيهقى عن اسماعيل بن أبى حكيم (عن عطاء بن يسار) مولى
ميمونة زوج النبى لَثّه (مرسلا) وقد تقدم لفظه. قال ابن عبد البر: هذا مرسل، وقد روى متصلا مسندا
من حديث أبى هريرة وأبى بكرة - انتهى. قال ميرك: لم يظهر وجه مناسبة هذا الحديث لباب ما لا يجوز من
العمل فى الصلوة وما يباح منه، فتأمل. قال القارى: ولعل المصنف وهم أن قوله ((فلما كبر، على ظاهره، فيكون
دليلا على عدم البناء مطابقا لمذهبه - انتهى. قلت: وذلك لأن حكم الحدث السابق واللاحق عند الشافعية
والمالكية واحد ، يعنى إذا صلى الامام ناسيا محدثا أو جنبا ثم تذكر يفسد صلاته، ولا يجوز البناء عليها.
وكذلك إذا أحدث فى أثناء الصاوة. فذا حمل قوله « كبر، على ظاهره، دل الحديث على بطلان الصاوة.
وعدم جواز البناء، ووجوب الاعادة. ولذلك بوب مالك على حديث عطاء إعادة الجنب الصلوة وغسله.
٣٨٩

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
١٠١٨ - (٣٤) وعن جابر، قال: كنت أصلى الظهر مع رسول اللّه وَبيع، فأخذ قبضة من
الحصى لتبرد فى كفى، أضعها لجبهى، أسجد عليها لشدة الحر.
إذا صلى ولم يذكر. وهذا كما ترى حمله مالك على قصة الجنابة المذكورة فى رواية أبى هريرة وعلى
وأنس وأبى بكرة، وأما تلميذه محمد فحمله على سبق الحدث فى الصلوة، كما هو ظاهر من تبويبه، واستنبط منه
أن من سبقه الحدث فى الصلوة فلا بأس أن ينصرف فيتوضأً ثم يبنى على ما قد صلى وفيه أن هذا
الحمل والاستنباط إنما يصح إذا كان قصة حديث عطاء بن يسار غير ما وقع فى أحاديث أبى هريرة وأنس وأبى
بكرة وعلى ومرسل ابن سيرين، وهو خلاف الأصل. وأيضا يؤدى ذلك إلى القول بتكرر القضية ثلاث مرات:
الأولى ما فى رواية الصحيحين. والثانية ما فى رواية عطاء المرسلة ، والثالثة ما فى أحاديث على وأبى هريرة
وأبى بكرة وأنس ومرسل ابن سيرين. وهذا كما ترى بعيد جدا، ولذلك أورد الشيخ عبد الحى اللكنوى فى
التعليق الممجد (ص ١٢١) على هذا الاستنباط بخمسة وجوه، وقال فى آخرها: وبالجملة اذا جمعت طرق حديث
الباب، ونظر الى ألفاظ رواياته، وحمل بعضها على بعض، علم قطعا أنه لا يصلح لاستنباط ما استنبطه محمد . و به
يظهر أنه لا يصح إدخال هذا الحديث فى باب الحدث فى الصلوة، لأنه لم يكن هناك حدث فى الصلوة - انتهى.
١٠١٨ - قوله (فَآخذ) أى فأخذت. فجاء بالمضارع لحكاية الحال الماضية، قاله الطبى. وتبعه ابن
حجر. وهذا مبنى منهما على أنه عطف على((كنت). والظاهر أنه عطف على ( أصلى، قاله القارى (قبضة).
يفتح القاف وضمها ومعنى الفتح المرة من القبض، ثم أطلق على المقبوض كضرب الأمير، وهو معنى القبضة بضم
القاف. قال الجوهرى: القبضة هى ما قبضت عليه من شىء، قال وربما جاء بالفتح - انتهى. وقال فى القاموس:
القبضة وضمه أكثر ما قبضت عليه من شىء (من الحصى) صفة لقبضة مبينة (لتبرد) بضم الراء من باب نصر
(لجبهتى) أى لموضعها (أسجد عليها) أى على الحصى الباردة. قال ابن حجر: بدل من أضعها التى هو نعت
لقبضة، أو حال منها لتخصيصها - انتهى. قال القارى: والأخير هو الأظهر لوجود الفصل بالعلة المذكورة بينهما.
(لشدة الحر) علة للأخذ. قال الخطابى فى المعالم (ج١ ص ١٢٧): فيه من الفقه تعجيل صلوة الظهر، وفيه أنه
لا يجوز السجود إلا على الجبهة، ولو جاز السجود على ثوب هو لابسه أو الاقتصار من السجود على الأرنبة دون
الجبهة لم يكن يحتاج إلى هذا الصنيع، وفيه أن العمل اليسير لا يقطع الصلوة - انتهى. قلت: فى الاستدلال
به على تعجيل صلوة الظهر نظر، لأن شدة الحر قد توجد مع الابراد، و قد تبقى الحرارة فى الحصى ، وتستمر بعد
الابراد، فيحتاج إلى تبريده، أو السجود على الثوب، ويكون فائدة الإيراد وجود ظل يمشى فيه إلى المسجد
أو يصلى فيه فى المسجد. وأما قوله: لو جاز السجود على ثوب هو لابسه ففيه أيضا نظر، لاحتمال أن يكون جابر
لم يكن فى ثوبه فضل يمكنه أن يسجد عليه. نعم لو ثبت أنه كان فى ثوبه الذى هو لابسه فضل ولم يسجد عليه لتم
٣٩٠

سرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
رواه أبو داود، وروى النسائى نحوه.
١٠١٩ - (٣٥) وعن أبى الدرداء، قال: قام رسول اللّه مثل يصلى فسمعناه يقول: أعوذ بالله
منك، ثم قال: ألعنك بلعنة اللّه ثلاثا، وبسط يده كمأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلوة، قلنا:
يا رسول الله! قد سمعنا وتقول فى الصلوة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك،
ما قال الخطابي. وقد روى البخاري عن أنس: كنا فصلى مع النبى مره فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحرفى
مكان السجود . وفى رواية: سجدنا على ثيابنا اتفاء الحر. ورواه مسلم أيضا ولفظه فى رواية: فاذا لم يستطع أحدنا
أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه. فهذه الروايات تدل على جواز السجود على الثوب المتصل
بالمصلى، وعلى جواز استعمال الثياب، وكذا غيرما فى الحيلولة بين المصلى وبين الأرض لانقاء حرها، وكذا
بردها ، ومراعاة الخشوع فيها، لأن الظاهر أن صنيعهم ذلك كان لا زالة التشويش العارض من حرارة الأرض
وحر الحصباء (رواه أبو داود) أى بهذا اللفظ، وسكت عليه هو والمنذرى (وروى النسائى محوه) أى بمعناه فى
بأب تبريد الحصى السجود عليه، ولفظه: قال كنا نصلى مع رسول اللّه تَّم الظهر، فآخذ قبضة من حصى فى
كفى أبرده، ثم أحوله فى كفى الآخر، فإذا سجدت وضعته لجبهتى. والحديث أخرجه البيهقى أيضاً
(ج ٢ ص ١٠٥).
١٠١٩ - قوله (فسمعنا، يقول أعوذ بالله منك) إظهارالغاية الخوف والافتقار إلى الله تعالى
والاحتياج الى دوام فضله وعصمته (ثم قال ألعنك بلعنة الله) أى إياك، والمعنى أسأل الله أن يلعنك بلغته
المخصوصة لك التى لا توازيها لعنة، أو أبعدك عنى بإبعاد الله لك. فالباء للتعدية، أو للآلة، أو السببية (ثلاثا)
قيد لهما لما سيأتى. وفيه أن المخاطبة فى الصلوة إذا كانت بمعنى الطلب من اللّه لا تعد كلاما فلا يقطع الصلاة.
قال القاضى: هذا دليل لجواز الدعاء لغيره، وعلى غيره بصيغة المخاطبة، خلافا لابن شعبان من أصحاب مالك فى
قوله: إن الصلوة تبطل بذاك. قال النووى: وكذا قال أصحابنا، فيتأول هذا الحديث، أو يحمل على أنه كان
قبل تحريم الكلام فى الصلوة ، أو غير ذلك - انتهى. وقيل: عموم عدم جواز الخطاب للغير مخصوص بإيليس
عند تعرضه للصلى بالوسوسة، لأنه لمصلحة الصلوة، ومحتاج اليه. وأما غير الشيطان فليس مثله فى ذلك ، لأنه
لا يحتاج لخطابه. وقيل: هذا من خصوصياته عليه الصلاة والسلام، قلت: الخصائص لا تثبت إلا بدليل.
والظاهر ما قدمنا أن المخاطبة فى الصلوة إذا كانت بمعنى الطلب من الله والدعاء، لا تعد كلاما، فلا يقطع الصلوة
(و بسط يده) أى مدها (يتناول شيئا) أى يأخذه من بعيد (تقول فى الصلوة شيئا) من التعوذ، واللعن
٣٩١

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
ورأيناك بسطت يدك. قال: إن عدو اللّه ابليس جاء بشهاب من نار ليجعله فى وجهى، فقلت:
أعوذ بالله منك، ثلاث مرات، ثم قلت: العنك باهتة اللّه التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت
.أن آخذه، والله لو لا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة. رواه مسلم.
١٠٢٠ - (٣٦) وعن نافع، قال: إن عبد الله بن عمر مر على رجل وهو يصلى، فسلم عليه،
فرد الرجل كلاما، فرجع اليه عبد الله بن عمر، فقال له: إذا سلم على أحدكم وهو يصلى، ولا يتكلم
بالخطاب (بسطت يدك) كأنك تتناول شيئا (جاء بشهاب) بكسر الشين المعجمة، شعلة من نار ساطعة
(ألعنك بلعنة الله التامة) قال القاضى: يحتمل تسميتها تامة، أى لا نقص فيها، ويحتمل الواجبة له المستحقة عليه،
أو الموجبة عليه العذاب سرمدا (ثلاث مرات) الظاهر أنه ظرف لـ «مقلت، ويمكن أن يكون ظرفا لقوله:
((لم يستأخر)) أى فلم يتأخر فى ثلاث مرات من التعوذات واللعنات (ثم أردت أن آخذه) كذا فى النسخ
الحاضرة عندنا بصيغة المتكلم، وزيادة (( أن) قبلها. وكذا وقع فى ستن النسائى، ووقع فى بعض النسخ بغير أن))
مطابقا لما فى صحيح مسلم. وهو يحتمل أن يكون على صيغة المصدر، أو على صيغة المتكلم (لو لا دعوة أخينا)
أى معشر الأنبياء (سليمان) بدل، أو عطف بيان لـ((أخينا)) ويمكن أن يكون منصوبا بتقدير ((أعنى)) (لأصبح)
أى لأخذته وربطته. فدخل فى الصباح (موثقا) حال، أو لصار موثقا، أى مربوطا بسارية من سوارى
المسجد، كما تقدم. والمراد: لولا توهم عدم استجابة هذه الدعوة لأخذته ، لا أنه بالأخذ يلزم عدم استجابتها،
إذ لا يبطل اختصاص تمام الملك لسليمان بهذا القدر. وقد مضى الكلام فيه مفصلا، فتذكر وفيه دليل على أن
إبليس من الجن . والظاهر أن القضية متعددة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا النسائى والبيهقى (ج ٢ ص ٢٦٤).
١٠٢٠ - قوله (عن نافع) مولى ابن عمر (من على رجل وهو) أى الرجل (يصلى فسهم) بفتح السين على
بناء الفاعل، والضمير لابن عمر (عليه) أى على الرجل المصلى (فرد الرجل) المصلى السلام على ابن عمر
(كلاما) أى نطقا وقولا. وقال القارى: أى ردا ذا كلام. والمعنى رد كلام لا رد إشارة (إذا سلم) بضم السين
على صيغة المجهول (على أحدكم وهو يصلى) فيه دلالة على أنه لا يكره السلام على المصلى. وإليه ذهب أحمد،
كما فى المغني، ومالك فى رواية لحديث: إن الأنصار كانوا يدخلون ورسول تَّلم يصلى، ويسلمون، فيرد عليهم
إشارة بيده (فلا يتكلم) أى برد السلام، لأنه مفسد الصلوة. والظاهر أن ابن عمر أمره بإعادة الصلوة. لكن
لم ينقل الينا . وفيه إشارة إلى أن السلام ابتداء وردا كلام ، لأن فيه خطا با ومواجهة بالغير ، والكلام فى الصلوة
٣٩٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
وليشر بيده. رواه مالك.
(٢٠) باب السهو
الفصل الأول )
١٠٢١ - (١) عن أبى هريرة. قال: قال رسول اللّه ◌َبَله: إن أحدكم اذا قام يصلى.
منهى عنه . وقد دل عليه أيضا حديث ابن مسعود المتقدم فى الفصل الأول والثانى (وليشر بيده) أى لرد السلام
لما قدمنا من الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة فى رد السلام إشارة. وفيه أن ابن عمر كان ممن يجوزرد السلام
بالإشارة فى الصلوة. و أما ما قيل: إن المراد بالإشارة باليد الإشارة للنع والنهى عن السلام، أو الإيماء الى
الاعتذار بأنه فى الصلوة كما يشار المار من غير قصد رد السلام ، فهو مردود على قاتله ، فانه ادعاء محض ، واحتمال
مجرد، ليس عليه أثارة من دليل ، فلا يلتفت اليه (رواه مالك) فى موطأه عن نافع، وأخرجه البيهقى
(ج ٢ ص ٢٥٩) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع.
٢٠ - (باب السهو) أى باب بيان حكم السهو الواقع فى الصاوة. وفى المصابيح: باب سجود السهو.
وهو لغة: الغفلة عن الشئى، وذهاب القلب إلى غيره . قال فى الحكم: السهو هو نسيان الشئى والغفلة عنه . وقضيته
أن السهو والنسيان مترادفان. وقيل: بينهما فرق دقيق. وهو أن السهو أن ينعدم له شعور، والنسيان له فيه
شعور. وفى المنطوق بين الفروق أن النسيان زوال الشئ عن الحافظة والمدركة ، والسهو زواله عن الحافظة فقط .
وقال الراغب: النسيان ترك الانسان ضبط ما استودع إما عن غفلة، وإما عن ضعف قلبه، وإما عن قصد حتى
ينحذف عن القلب ذكره. وقال الجزرى فى النهاية: السهو فى الشىء تركه من غير علم، والسهو عن الشىء تركه
مع علم وهذا فرق حسن دقيق. وبه يظهر الفرق بين السهو الذى وقع عن النبي مَث غير مرة ، وبين السهو عن
الصلوة الذى ذمه الله تعالى بقوله: ﴿الذين هم عن صلوتهم سامون - ٥:١٠٧) واختلف فى حكم
مجود السهو: قال الشافعية: مسنون كله وعن المالكية: السجود النقص واجب دون الزيادة. وعن الحنابلة: التفصيل
بين الواجبات غير الأركان، فيجب لتركها سهوا وبين السنن القولية فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل
أو قول يبطلها عمده. وعن الجنفية واجب كله. وحجتهم قوله فى حديث أبى هريرة الآتى ((فليسجد
سجدتين. وقوله فى حديث ابن ... ود وأبي سعيد الآتيين ((ثم ايسجد سجدتين). والأمر للوجوب، وقد ثبت من
فعله رفع، وأفعاله فى الصاوة محمولة على البيان، وبيان الواجب واجب، ولا سيما مع قوله ((صلوا كما رأيتمونى
أصلى))، كذا فى الفتح.
١٠٢١ - قوله (إن أحدكم إذا قام يصلى) فرضا أو نفلا، فان قلت: قوله فى الرواية الماضية ، فى باب
٣٩٣

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السھو
جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدرى كم صلى؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين
وهو جالس.
فضل الأذان وإجابة المؤذن ((إذا نودى بالصلوة، قرينة فى أن المراد الفريضة وكذا قوله ((إذا ثوب)) أجيب
بأن ذلك لا يمنع تناول النافلة، لأن الإتيان بها حينئذ مطلوب لقوله معروفة «بين كل أذانين صلوة، (جاء، الشيطان)
الظاهر أن ((ال)) فيه للعهد الذهنى. وهو شيطان الصلوة الذى يسمى خنزب، كما رواه مسلم من حديث عثمان بن
أبي العاص (فليس عليه) من الثلاثى، أى خاط عليه أمر صلوته وشوش خاطره . مصدره اللّبْس واللَّبَس.
وهو اختلاط الأمر، يفال لبس عليه الأمر يلبسه فالتبس، إذا خلطه عليه، وجعله مشتبها بغيره ، خافيا حتى
لا يعرف جهته. وقد يشدد البالغة، فيقال لبس تلبيسا. وأما اللباس فمن باب سمع. قال الجزرى: لبست الأمر
بالفتح ألبسه إذا خلطت بعضه ببعض. ومنه قوله تعالى: ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون - ٦: ٩). وربما شدد
للتكثير - انتهى. وقال النووى: هو بالتخفيف أى خلط عليه صلوته، وشبهها عليه، وشككه فيها (حتى لايدرى كم صلى)
أى ركعة أو ركعتين أو غيرهما . والمعنى حتى ينسى قدر ماصلى لاشتغال قلبه (فإذا وجد ذلك) أى التردد ،
وعدم العلم. وقيل: أى السهو (أحدكم) فى صلوته (فليسجد سجدتين) ترغيما للشيطان حيث لبس عليه صلوته.
وليس شىء أثقل على الشيطان من السجود لما لحقه ما لحقه من الامتناع عن السجود. وفيه دلالة على أنه لا زيادة
على سجدتين وإن سها بأمور متعددة (وهو جالس) زاد ابن اسحاق وابن أخى الزهرى كلاهما عن الزهرى فى
هذا الحديث عند أبى داود لفظ ((قبل أن يسلم)). وكذا وقعت هذه الزيادة عند ابن ماجه من رواية ابن اسحاق
عن الزهرى ، وسلمة بن صفوان بن سلمة كلاهما عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة ، لكن أعلها أبو داود
وغيره بأن الحفاظ من أصحاب الزهرى، ابن عيينة ومعمرا والليث ومالكا لم يقولوا ((قبل أن يسلم)). وإنما
ذكره ابن اسحاق وابن أخى الزهرى، وليسا بحجة على من لم يذكروه، قاله الزرقانى. وقال الحافظ فى الفتح:
لم يقع فى رواية الزهری تعیین محل السجود. وقد روى الدار قطنى من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبی کثیر
عن أبى سلمة عن أبي هريرة مرفوعا إذا سها أحدكم فلم يدر أزاد أو نقص، فليسجد سجدتين وهو جالس ثم
يسلم إستاده قوى ولأبي داود من طريق ابن أخى الزهرى عن عمه نحوه بلفظ ((وهو جالس قبل التسليم»
وله من طريق ابن إسحاق قال حدثى الزهرى بإسناده، وقال فيه «فيسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم يسهم ..
قال العلائى سد« الزيادة فى هذا الحديث بمجموع هذه الطرق، لا تنزل عن درجة الحسن المحتج به - انتهى.
وهذا كما ترى لم يلتفت الحافظ والعلائى إلى ما أشار اليه أبو داود من إعلال هذه الزيادة، بل جعلاها حجة، وهذا
هو الصواب عندى، لأنها زيادة ثقة غير معارضة لرواية الثقات، أو لرواية من هو أوثق منه فتقبل ، ولا سيما قد
٣٩٤

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠- باب السھو
تأيدت بالأحاديث الصحيحة الواردة فى سجود السهو الشك ، فإنها قاضية بأن سجود السهو لهذا السبب ، يكون قبل
السلام، كحديث أبى سعيد التالى، وحديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد والترمذى وابن ماجه والبيهقى مرفوعا
إذا شك أحدكم فى صلوته فلم يدرأ واحدة صلى أم اثنتين فظيجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا
فليجعلهما ثنتين ، وإذا لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليجعلها ثلاثا، ثم يسجد إذا فرغ من صلوته وهو جالس قبل
أن يسلم سجدتين. نعم قد ورد ما يعارض ذلك، كحديث ابن مسعود الآتى، وحديث عبد الله بن جعفر
عند أحمد وأبي داود والنسائى والبيهقى مرفوعا بلفظ ((من شك فى صلوته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم، فيحمل
الأمر فى ذلك على التوسع، وإنن الكل جائز، والله أعلم. وأما الأفضل فى محل السجود فسيأتى بيانه فى شرح
حديث ابن مسعود الآتى عند ذكر اختلاف الأئمة . واعلم أن الأحاديث الواردة فى السهو على خمسة أنحاء بالنظر
إلى ما يجبر به الساهى صلاته وما يصنعه من الاتمام وعدمه. فبعضها يدل على أن المصلى إذا شك فى صلوته
فلم يدر زاد أو نقص، فليس عليه إلا سجدتان، كحديث أبى هريرة، وحديث أبي سعيد عند الترمذى وأبي داود،
وحديث عبد الله بن جعفر. وبعضها يدل على أنه يعيد الصلوة، كحديث عبادة بن الصامت: أن رسول الله مؤلّة
سئل عن رجل سها فى صلوته فلم يدركم صلى، فقال ليعد صلوته، وليسجد سجدتين قاعدا. أخرجه الطبرانى فى
الكبير من رواية إسحاق بن يحي بن عبادة بن الصامت عن جده عبادة بن الصامت. قال الهيثمى والعراقى:
لم يسمع إسحاق عن جده عبادة، وكحديث ميمونة بنت سعد أنها قالت: أقتنا يا رسول الله ! فى رجل سها فى
صلوته فلا يدرى كم صلى قال ينصرف، ثم يقوم فى صلاته حتى يعلم كم صلى ، فإنما ذلك الوسواس يعرض، فيسهيه
عن صلوته. أخرجه الطبرانى فى الكبير. وفى إسناده عثمان بن عبد الرحمن الطرائفى الجزرى، مختلف فيه . وهو كبقية
فى الشاميين، يروى عن المجاهيل. وفى إسناده أيضا عبد الحميد بن يزيد، وهو مجهول، كما قال العراقى. وقال الهيشمى
فى مجمع الزوائد (ج٢ ص ١٥١): فى إسناده مجاهيل. وبعضها يدل على أنه يبنى على ما استيقن، كحديث أبى
سعيد التالى. وفى بعضها أنه يبنى على الأقل، حديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد والترمذى وغيرهما . وقد ذكرنا
لفظه. وبعضها يدل على أنه يتحرى الأقرب إلى الصواب، ويبنى عليه، كحديث ابن مسعود الآتى وغيره من الآثار
المروية فى ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأبى سعيد. واختلف الأئمة فى العمل بهذه الأحاديث، فذهب
الحسن البصرى وطائفة من السلف إلى أن من دخل عليه الشك فلم يدر زاد أم نقص سجد سجدتين ، ليس عليه غير
ذلك. واستدل هؤلاء بظاهر حديث أبى هريرة ، وحديث أبى سعيد، وحديث عبد الله بن جعفر، وأسقطوا
وأهملوا أحاديث التحرى والبناء على اليقين وغير ذلك. وهذا أضعف الأقوال وخالف فى ذلك الجمهور الأئمة
الأربعة وغيرهم، قالوا: حديث أبى هريرة وما وافقه محمل، والأحاديث المفسرة قاضية عليه، فلا بد من
٣٩٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
اعتبارها. قال أبو عبد الملك: حديث أبى هريرة يحمل على كل ساه وإن حكمه السجود، ويرجع فى بيان حكم
المصلى فيما يشك فيه ، وفى موضع سجوده من صلوته إلى سائر الأحاديث المفسرة ، قال الشوكانى: ليس فی حدثی
أبى هريرة وعبد الله بن جعفر أكثر من أن رسول اللّه مثل أمر بسجدتين عند السهو فى الصلوة. وليس بيان
ما يصنعه من وقع له ذلك . والأحاديث الآخرة قد اشتملت على زيادة ، وهى بيان ما هى الواجب عليه عند
ذلك من غير السجود، فالمصير اليها واجب - انتهى. وحاصله أن حديث أبى هريرة سيق لبيان حكم ما يجبر به
السامى صاوته . والمقصود من أحاديث البناء وغيره، بيان ما يصنعه من الاتمام وعدمه، فلا بد من أخذها
والعمل بها. وقيل حديث أبى هريرة محمول على من طرأ عليه الشك، وقد فرغ قبل أن يسلم. فإنه لا يلتفت إلى
ذلك الشك، ويسجد للسهو كمن طرأ عليه بعد أن سلم. فلو طرأ عليه قبل ذلك بنى على اليقين كما فى حديث أبى.
سعيد. وعلى هذا فقوله فيه ((وهو جالس)) يتعلق بقوله ((إذا شك، لا بقوله ((سجد)). وقال ابن عبد البر:
حديث أبى هريرة هذا محمول عند مالك على المستنكح الذى لا يكاد ينفك عنه ، ويكثر عليه السهو ، ويغلب
على ظنه أنه قد أتم، لكن الشيطان يوسوس له، فيجزيه أن يسجد للسهو دون أن يأتى بركعة، لأنه لا يأمن أن
ينويه مثل ذلك فيما يأتى به . وأما من غلب على ظنه أنه لم يكمل صلوته، فيينى على يقينه، فإن اعتراه ذلك أيضا فيا
يبنى لهى عنه أيضا،كما قاله ان القاسم وغيره، وقال ابن رشد فى البداية: فأما مالك بن أنس حمل حديث أبى سعيد الخدرى
- يعنى الذى يأتى - على الذى لم يستتكعه الشك، وحمل حديث أبى هريرة على الذى يغلب عليه الشك، ويسكتنحه.
وتأول حديث ابن مسعود على أن المراد بالتحرى هنالك هو الرجوع إلى اليقين، فأثبت على مذهبه الأحاديث
كلها - انتهى. وحمل الشافعى حديث أبى هريرة هذا على أحاديث البناء على اليقين، وقال: إن الشاك يبنى على
اليقين أى المتيقن، وهو الأقل فى جميع الصور كلها . والبناء على اليقين هو أن يشك فى الواحدة والثنتين ، أو
الثنتين والثلاث، أو الثلاث والأربع. فإذا كان كذلك فعليه أن يبنى على اليقين، وهو الأقل، وليتم صلوته ثم
يسجد سجدتى السهو على ما فى حديث أبى سعيد. وحمل التحرى فى حديث ابن مسعود على الأخذ باليقين ، كما حمله
مالك عليه. قال الشافعى ومن وافقه: والتحرى هو القصد. ومنه قوله تعالى: ﴿فأولئك تحروا رشدا -١٤:٧٢)
فمعنى الحديث فليقصد الصواب، فيعمل به. وقصد الصواب هو ما بينه فى حديث أبى سعيد وغيره . قال
الشوكانى: قال الشافعى وداود وابن حزم: التحرى هو البناء على اليقين . وحكاه الووی عن الجمهور - انتهى.
وقيل: التحرى غير البناء على اليقين. قال أحمد: ترك الشك على وجهين: أحدهما إلى اليقين والآخر إلى
التحرى. فمن رجع إلى اليقين فهو أن يلقى الشك، ويسجد قبل السلام على حديث أبى سعيد. وإذا رجع إلى
التحرى، وهو أكبر الوهم سجد للسهو بعد السلام على حديث ابن مسعود، ذكره ابن عبد البر فى التمهيد،
٣٩٦

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ ۔ باب السھو
والخطابى فى المعالم (ج١ ص ٢٣٩). وقال ابن حبان: قد يتوهم من لم يحكم صناعة الأخبار، ولا تفقه فى صحيح
الآثار أن التحرى فى الصلوة، والبناء على اليقين واحد وليس كذلك لأن التحرى هو أن يشك المرأ فى صاوته
فلا يدرى ما صلى فاذا كان ذلك فعليه أن يتحرى الصواب وليين على الأغلب عنده على خبر ابن مسعود والبناء
على اليقين هو أن يشك فى الثنتين والثلاث، أو الثلاث والأربع. فإذا كان كذلك فعليه أن يبنى على اليقين، وهو
الأقل، وليتم صلوته على خبر عبد الرحمن بن عوف. و أبى سعيد - انتهى مختصرا. وبهذا كله ظهر أن مالكا
والشافعى أولا أحاديث التحرى والبناء على الأقل إلى أحاديث البناء على اليقين. وأما حديث أبى هريرة لحمله
مالك على المستنكح، وحمله الشافعى على أحاديث البناء على اليقين ، واتفقا جميعا على إهمال حديثى عبادة بن
الصامت وميمونة بنت سعد الدالين على إعادة الصلوة. وذلك لعدم صلوحهما للاحتجاج. وأما أحمد فله فى ذلك
ثلاث روايات، كما فى المغنى (ج١ ص٦٧١ - ٦٧٣): إحداما البناء على اليقين أى الأقل مطلقا للإمام والمنفرد
كليهما . والثانية البناء على اليقين للإمام والمفرد إذا لم يكن لهما ظن ومتى كان لهما غالب ظن عملا عليه. قال ابن
قدامة : فعلى هذا يحمل حديث أبى سعيد على من استوى عنده الأمران فلم يكن له ظن ، وحديث ابن مسعود على
من له رأى وظن. يعمل بظنه، جمعا بين الحديثين، وعملا بهما، فيكون أولى، ولأن الظن دليل فى الشرع، فيجب
اتباعه، والثالثة التفريق بين المنفرد، فيبنى على اليقين مطلقا والامام فيبنى على غالب ظنه إذا كان له ظن.
وإن لم يكن له ظن بل استوى الأمران عنده بنى على اليقين أيضا، اختار هذه الرواية الخرقى، وهو الظاهر فى
المذهب. وقال الشعبي والأوزاعى وجماعة من السلف: إذا لم يدركم صلى لزمه أن يعيد الصلوة مرة بعد أخرى
حتى يستيقن . وقال بعضهم: يعيد ثلاث مرات فإذا شك فى الرابعة فلا إعادة عليه. واستدل هؤلاء بحديثى عبادة
وميمونة. وقد عرفت أنهما لا يصلحان للاحتجاج لضعفهما. وأما الحنفية فقالوا بالتفصيل، وحاولوا الجمع بين
الأحاديث الواردة فى المسئلة، قالوا إذا شك وهو مبتدأ بالشك، لا مبتلى فيه استأنف الصلوة والمراد بقولهم
مبتدأ بالشك على ما فى البدائع: أنه لم يصر عادة له، لا أنه لم يسه فى عمره قط. حملوا حديثى عبادة وميمونة
الدالين على الاعادة على من لم يصر الشك عادة له، قالوا وإن كان يعرض له الشك كثيرا تحرى وبنى على أكبر رأيه
وأكثر ظنه على حديث ابن مسعود، ولم يمض على اليقين أى الأقل. وإن لم يكن له رأى بنى على اليقين على حديث
أبى سعيد، قالوا حديث أبى سعيد لا يخالفنا، لأنه ورد فى الشك وهو ما استوى طرفاه ، ومن شك ولم يترجح
له أحد الطرفين يبى على الأقل بالاجماع بخلاف من غلب على ظنه أنه صلى أربعا مثلا وفيه: أن تفسير الشك
بمستوى الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين. وأما فى اللغة: فالتردد بين وجود الشئ وعدمه كله يسمى
شكا، سواء المستوى والراجح والمرجوح. والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية .
٣٩٧

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السھو
متفق عليه.
ولا يجوز حمله على ما يطرأ للتأخرين من الاصطلاح، قاله النووى. وقال الشوكانى: والذى يلوح لى أنه
لامعارضة بين أحاديث البناء على الأقل والبناء على اليقين وتحرى الصواب، وذلك لأن التحرى فى اللغة: هو طلب
ما هو أحرى إلى الصواب. وقد أمر به عَلَّه وأمر بالبناء على اليقين. والبناء على الأقل عند عروض الشك. فإن أمكن
الخروج بالتحرى عن نائرة الشك لغة، ولا يكون إلا بالاستيقان بأنه قد فعل من الصاوة كذا ركعات ، فلا شك
أنه مقدم على البناء على الأقل، لأن الشارع قد شرط فى جواز البناء على الأقل عدم الدراية، كما فى حديث
عبد الرحمن بن عوف. وهذا المتحرى قد حصلت له الدراية . وأمر الشاك بالبناء على ما استيقن ، كما فى حديث
أبى سعيد. ومن بلغ به تحريه إلى اليقين قد بنى على ما استيقن. وبهذا تعلم أنه لا معارضة بين الأحاديث
المذكورة ، وأن التحرى المذكور مقدم على البناء على الأقل وقد أوقع الناس ظن التعارض بين هذه الأحاديث
فى مضائق ليس عليها أثارة من علم كالفرق بين المبتدأ والمبتلى والركن والركعة - انتهى قلت : هذا تحقيق جيد
حقيق بالقبول. وأما ما ذهب اليه الحنفية من البناء على أكبر الرأى وأكثر الظن و أغلبه، فلم أجد فيه حديثا
صريحا مرفوعا صحيحا أو حسنا . وأيضا هو مبنى على أخذ الشك الواقع فى حديث أبى سعيد وغيره فى المعنى
المصطلح وقد عرفت ما فيه . وأما استدلالهم على ذلك بلفظ التحرى فى حديث ابن مسعود الآتى فقيه ما تقدم
آنفا، وسيأتى مزيد الكلام فى ذلك. ثم إن ظاهر قوله: إن أحدكم إذا قام يصلى، وقوله: إذا شك أحدكم فى
ملوته فى حديث أبى سعيد وابن مسعود، وقوله: من صلى صلوة فى حديث عبد الرحمن بن عوف، يدل على
ما ذهب إليه الجمهور من أن سجود السهو مشروع فى صلوة النافلة، كما هو مشروع فى صلوة الفريضة. لأن
الجبران وارغام الشيطان يحتاج اليه فى النفل، كما يحتاج اليه فى الفريضة . وذهب ابن سيرين وقتادة وعطاء إلى
أن التطوع لا يسجد فيه . وهذا يبنى على الخلاف فى اسم الصلوة الذى هو حقيقة شرعية فى الأفعال المخصوصة
هل هو متواطئى فيكون مشتركا معنويا فيدخل تحته كل صاوة. أو هو مشترك لفظى بين صاوتى الفريضة والنافلة
فذهب الفخر الرازى إلى الثانى، لما بين صاوتى الفرض والنفل من التباين فى بعض الشروط كالقيام واستقبال
القبلة وعدم اعتبار العدد المنوى وغير ذلك . قال العلائى: والذى يظهر أنه مشترك معنوى لوجود القدر الجامع
بين كل ما يسمى صلوة، وهو التحريم والتحليل مع ما يشمل الكل من الشروط التى لا تنفك. قال الحافظ: وإلى
كونه مشتركا معنويا ذهب جمهور أهل الأصول. قال ابن رسلان: وهو أولى لأن الاشتراك اللفظى على خلاف
الأصل والتواطؤ خير منه - انتهى . فمن قال إن لفظ الصلوة مشترك معنوى قال بمشروعية سجود السهو فى
حلوة التطوع. ومن قال بأنه مشترك لفظى فلا عموم له حينئذ إلا على قول الشافعى: أن المشترك يعم جميع
مسمياته . وقد ترجم البخارى على حديث أبى هريرة هذا باب السهو فى الفرض والتطوع ، وذكر عن ابن عباس
أنه سجد سجدتين بعد وتره (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد ومالك والترمذى وأبو داود والنسائى وابن
٣٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
١٠٢٢ - (٢) وعن عطاء بن يسار، عن أبى سعيد، قال: قال رسول اللّه عَ ل: إذا شك
أحدكم فى صلانه، فلم يدركم صلى ثلاثا أو أربعا فليطرح الشك ، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد
سيدتين قبل أن يسلم،
ماجه والبيهقى واعلم أن المذكور فى هذا الحديث وغيره من حديث أبى سعيد وابن مسعود وعبد الرحمن بن
عوفٍ، هو حكم الشك فى الصلوة . والفرق بين السهو والشك أن السهو يكون فيه أحد الطرفين مجزوما بخلاف
الشك . ولما كان الشك فى الصلوة كالسهو و النسيان فى مشروعية السجود ذكر المصنف هذه الأحاديث فی باب
السهو. والله اعلم .
١٠٢٢ - قوله (إذا شك أحدكم فى صلاته) ليس المراد بالشك التردد مع التساوى، بل مطلق التردد
فى النفس وعدم اليقين على ما فى اللغة، فيشمل الشك المصطلح عند الأصوليين والوهم والظن وغالب الظن . قال
الحموى فى حواشى الأشباه والنظائر: الشك لغة: مطلق التردد. وفى اصطلاح الأصول: استواء طرفى الشىء وهو
الوقوف بحيث لا يميل القلب إلى أحدهما ، فان ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن ، فإن طرحه فهو غالب
الظن، وهو بمنزلة اليقين . وأما عند الفقهاء: فهو كاللغة لا فرق بين المساوى والراجح. وقال فى فتح القدير نقلا عن
الحموى: اعلم أن مراد الفقهاء بالشك فى الماء والحدث والنجاسة والصلاة والطلاق وغيرها ، هو التردد بين وجود
الشىء وعدمه، سواء كان الطرفان سواء أو أحدهما راجحا. فهذا معناه فى اصطلاح الفقهاء. وأما أصحاب الأصول
فانهم فرقوابين ذلك، فقالوا التردد إن كان على السواء فهو الشك، فإن كان أحدهما راجحا فالراجح ظن والمرجوح
وهم - انتهى. وعند الحنفية: المراد به التردد من غير رجحان . قال السندى: حمله علماءنا على ما إذا لم يغلب ظنه
على شىء، وإلا فعند غلبة الظن لم يبق شك، فمعنى ((إذا شك أحدكم)) أى إذا بقى شا كا ولم يترجح عنده أحد
الطرفين بالتحرى وغيرهم ، حملوا الشك على مطلق التردد فى النفس وعدم اليقين - انتهى (فلم يدركم صلى ثلاثًا)
تمييز رافع لا بهام العدد فى ((كم)، (أو أربعا) أى مثلا (فليطرح الشك) أى المشكوك فيه، وهو الأكثر أى
ليطرح الزائد الذى هو محل الشك ، ولا يأخذ به فى البناء يعنى الركعة الرابعة يدل عليه قوله (وليين) بسكون اللام
وكسره (على ما استيقن) أى علم يقينا، وهو ثلاث ركعات وفى رواية أبى داود والنسائى وابن ماجه: وليبن على
اليقين أى المتقين به، وهو الأقل فلايقال إنه لايقين مع الشك، لأن المراد باليقين ههنا المتيقن ، فالثلاث هو المتيقن،
والشك والتردد أنما هو فى الزيادة فيبنى على المتيقن لا على الزائد الذى يشك فيه (ثم يسجد سجدتين) قال القارى:
بالجزم. وفى نسخة: بالرفع فى الأزهار يجوزفيه الجزم عطفا على «ليين، والرفع خبر او بمعنى الأمر إشارة إلى المغايرة
٣٩٩

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
٢٠ - باب السهو
فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما الشيطان.
رواه مسلم.
فى الحكم وجوبا أو ندبا - انتهى. وهذا الحديث كما ترى مفصل للإجمال الوارد فى حديث أبى هريرة
المتقدم، وحديث عبد الله بن جعفر، وحديث أبى سعيد عند الترمذى وأبى داود. فعليه التعويل، ويجب إرجاع
الإجمال اليه. وفيه رد على من فصل فى الشك من كونه أول ما سهى أو ثانيا، لأن الحديث مطلق وهو أرفق
بالناس، والنبي ◌َّةٍ أرسل رحمة ورأفة لهم. واحتج به الجمهور مالك والشافعى ومن تبعهما فيما ذهبوا إليه من
وجوب طرح الشك والبناء على المتيقن أى الأقل، وعدم اجزاء التحرى، كما تقدم الإشارة إليه (يقبل أن يسلم)
فيه دليل لمن قال إن السجود السهو قبل السلام. وسيأتى الكلام فيه (فان كان صلى خمسا) أى فى رباعية وهو تعليل
للأًمر بالسجود، أى فإن كان ما صلاء فى الواقع أربعا فصارخمسا بإضافته اليه ركعة أخرى (شفكّن) بتخفيف الفاء
وتشديدها (له صلاته) قال الطبى: الضمير فى ((شفعن)) الركعات الخمس وفى ((له)) للصلى يعنى شفت الركعات الخمس
صلاة أحدكم بالسجدتين يدل عليه قوله الآتى شفعها بهاتين السجدتين أى شفع المصلى الركعات الخمس بالسجدتين.
وقال ابن حجر: أى الركعة الخامسة والسجدتان، لرواية أبى داود: كانت الركعة نافلة والسجدتان ، أى وصارت
صلاته شفعا باقيا على حاله - انتهى . وفى رواية النسائى: شفعتا أى بصيغة التثنية . والمعنى ردت السجدتان صلاته
إلى الشفع. قال السندى: أى السجدتان صارتا له كالركعة السادسة ، فصارت الصلاة بهما ست ركعات، فصارت
شفعا - انتهى. وكان المطلوب من الرباعية الشفع وإن زادت على الأربع (وإن كان صلى إتماما لأربع) قيل:
نصبه على أنه مفعول له، يعنى إن كان صلى ما يشك فيه لاتمام أربع . وقيل: أنه حال أى إن صلى ما شك فيه
حال كونه متمما الأربع، فيكون قد أدى ما عليه من غير زيادة ولانقصان (كانتا ترغيا الشيطان) أى وإن
صارت صلاته بتلك الركعة أربعا كانتا أى السجد تان ترغما أى سببا لاغاظته للشيطان وإذلاله وإهانته له حيث
تكلف فى التلبيس ، جعل الله تعالى له طريق جبر بسجدتين فاًضل سعيه حيث جعل وسوسته سببا للتقرب بسجدة
استحق هو بتركها الطرد. قال النووى: المعنى أن الشيطان لبس عليه صلاته و تعرض لإفسادها ونقصانها ، نفعل
الله للصلى طريقا إلى جبر صلاته، وتدارك ما ليسه عليه، وإرغام الشيطان ورده خاسئا مبعدا عن مراده، وكملت
صلاة ابن آدم لما امتثل أمر الله الذى عصى به ابليس من امتناعه من السجود - انتهى. قال القاضى: القياس أن
لا يسجد، إذ الأصل أنه لم يزد شيئا لكن صلاته لا تخلو عن أحد خللين، إما أداء الزيادة، وإما أدا" الرابعة على
التردد، فيسجد جبرا للخلل والستردد لما كان من تسويل الشيطان وتلبيسه سمى جبره ترغيما له (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقى (ج ٢ ص ٣٣١).
٤٠٠