النص المفهرس
صفحات 361-380
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
صلوته إشارة تفهم عنه فليعد لها ، يعنى الصلوة ، أخرجه أبو داود. والجواب عنه: ان هذا الحديث ضعيف،
لا يصلح للاحتجاج، فان فى سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس، ورواه عن يعقوب بن عتبة بالعنعنة. وقال
أبو داود بعد روايته هذا الحديث: وهم. وقال الزيلعى فى نصب الراية: قال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء: سئل
أحمد عن حديث: من أشار إشارة يفهم عنه فليعد الصلوة ، فقال لا يثبت، إسناده ليس بشىء - انتهى. وعلى
فرض صلوحه للاحتجاج يجب أن تحمل الإشارة المذكورة فيه على الإشارة لغير رد السلام والحاجة، جمعا بينه
وبين الأحاديث الصحيحة التى فيها ذكر الإشارة لرد السلام، أو حاجة تعرض. واستدلوا أيضا بأن الرد
بالإشارة منسوخ، لأنه كلام معنى وقد نسخ الكلام فى الصلوة. والجواب عنه: أنا لا نسلم أن رد السلام
بالإ شارة كلام معنى. قال الطحاوى فى شرح الآثار (ص ٢٦٢) بعد ذكر حديث أبى هريرة الذى مرآنفا: ذهب قوم إلى
أن الإشارة التى تفهم إذا كانت من الرجل فى الصلوة قطعت عليه صلاته، وحكموا لها بحكم الكلام ، واحتجوا
فى ذلك بهذا الحديث ، وخالفهم فى ذلك آخرون، فقالوا لا تقطع الاشارة فى الصلوة ، ثم ذكر ما احتج به هؤلاء
من حديث ابن عمر وصهيب و أبى سعيد، ثم قال: ففى هذه الآثار ما قد دل أن الإشارة لا تقطع الصلوة،
وقد جاءت مجينا متواترا غير مجىء الحديث الذى خالفها، فهى أولى منه، وليست الإشارة فى النظر من الكلام فى
شىء، لأن الإشارة إنما هى حركة عضو، وقد رأينا حركة سائر الأعضاء غير اليد فى الصلوة لا تقطع الصلوة ،
فكذلك حركة اليد - انتهى كلام الطحاوى ملخصا. ولو سلمنا أن رد السلام بالإشارة كلام معنى فلا نسلم كون
الكلام فى الصلوة منسوخا مطلقا، سواء كان حقيقة أو معنى ، بل نقول إنما المنسوخ فى الصلوة هو الكلام حقيقة
دون الكلام معنى، ألا ترى أن الإشارات المفهمة قد ثبتت عنه مؤلٍّ فى الصلوة بعد نسخ الكلام فيها. وأجاب
الحنفية عن أحاديث الجمهور أى أحاديث رد السلام بالإشارة: بأن تلك الإشارة لم تكن ردا للسلام، وانما كانت نهيا
عن السلام والكلام. قاله الطحاوى وغيره. وهذامردود يرده حديث ابن عمر المذكور فى الكتاب، وحديث
صهيب عند التر مذى وغيره بلفظ: مرت برسول الله عز وجلّ وهو يصلى فسلمت عليه، فرد على إشارة وحديث
ابن عمر عند النسائى وابن ماجه والحاكم بلفظ: دخل النبي مريضة مسجد قباء ليصلى فيه ، فدخل عليه رجال يسلمون
عليه، فسألت صهيبا وكان معه كيف كان النبى مَّم يصنع إذا سلم عليه، قال: كان يشير بيده، وحديث أبى سعيد عند
الطحاوى والبزار بلفظ: أن رجلا سلم على النبي مَّ فرد عليه إشارة الخ، وحديث عمار عند النسائى بلفظ: أنه
سلم على رسول الله بَّ وهو يصلى فرد عليه. فإن هذه الأحاديث الصحيحة نصوص صريحة فى أن إشارته ،{دل
فى الصلوة عند السلام عليه كانت ردا للسلام على من سلم عليه، لا نهيا عنه. قال ابن العربى فى شرح الترمذى
(ج ٢ ص ١٦٢): قد تكون الإشارة فى الصلوة لرد السلام، وقد تكون لأمر ينزل بالصلوة، وقد تكون فى
٣٦١
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
رواه الترمذى.
٩٩٨ - (١٤) وفى رواية النسائى نحوه، وعوض بلال صهيب.
الحاجة تعرض للصلى، فإن كانت لرد السلام ففيها الآثار الصحيحة، كفعل النبي محدثة فى قباء وغيره، وقد كنت
فى مجلس الطرطوشى، وتذاكرنا المسئلة ، وقلنا الحديث، واحتججنا به، وعامى فى آخر الحلقة، فقام وقال: ولعله
كان يرد عليهم نهيا لئلا يشغلوه، فعجبنا من فقه، ثم رأيت بعد ذلك أن فهم الراوى، لأنه كان رد السلام قطعى
فى الباب على حسب ما بيناه فى أصول الفقه - انتهى. وقال الشيخ عبد الحىء اللكنوى فى التعليق الممجد (ص ١٢٢):
وحملوا أى الحنفية الأحاديث على أن إشارته مزيفة كان للنهى عن السلام لا ارده، وهو حمل يحتاج إلى دليل مع مخالفته
لظاهر بعض الأخبار - انتهى. وأجابوا أيضا بأن هذه الأحاديث منسوخة. قال النيموى: حديث ابن عمر
أى المذكور فى الكتاب قد يدل على أن رد السلام بالإشارة كان فى الابتداء، ولذلك ما رأه ابن عمر وسأل عنه
بلالا وصهيبا. وقد رد شيخنا هذا الجواب فى أبكار المتن (ص ٢٦٠) ، فقال: جواب النيموى هذا مردود
عليه بوجهين: الأول: أن ابن عمركان يجوز رد السلام بالاشارة فى الصلوة، ثم ذكر الشيخ أثر ابن عمر الآتى
فى آخر الفصل الثالث عن موطأ محمد، قال: والثانى: أنه لو كان رد السلام بالإشارة فى الصلوة فى الابتداء قبل نسخ
الكلام لرد السلام بالكلام، لا بالإشارة. قال الزيلعى فى نصب الراية بعد ذكر هذه الأحاديث: قد يجاب عنها
بأنه كان قبل نسخ الكلام فى الصلوة، ويؤيده حديث ابن مسعود: كنا نسلم على رسول الله مثله وهو فى الصلوة،
فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشى سلمنا عليه فلم يرد علينا، ولم يقل ((فأشار الينا))، وكذا حديث جابر: انه
لم يمنعنى أن أرد عليك الا انى كنت أصلى، فلو كان الرد بالإشارة جائزا لفعله. وأجيب عن هذا بأن أحاديث
الإشارة لو لم تكن بعد نسخه لرد باللفظ، اذ الرد باللفظ واجب إلا لمانع كالصلوة، فلما رد بالإشارة علم أنه
منوع من الكلام، وأما حديث ابن مسعود وجابر فالمراد بنفى الرد فيه: الرد بالكلام بدليل لفظ ابن حبان فى حديث
ابن مسعود: وقد أحدث أن لا تكلموا فى الصلوة - انتهى كلام الزيلعى. وقال الحافظ فى الدراية (ص ١٠٨):
وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون ذلك قبل نسخ الكلام فى الصلوة، ورد بأنه لو كان كذلك لرد باللفظ لوجوب
الرد، فلما عدل عن الكلام دل على أنه كان بعد نسخ الكلام - انتهى (رواه الترمذى) وقال حديث حسن صحيح.
وقال الشوكانى: رجاله رجال الصحيح. والحديث أخرجه أيضا أحمد وابن حبان والبيهقى وأبو داود، وسكت
عنه هو والمنذرى .
٩٩٨ - وفى (رواية النسائى نحوه) أى نحو حديث الترمذى (وعوض بلال صهيب) مبتدأ وخبر،
وفى بعض النسخ بنصب ((عوض)) على الظرفية، ولا مانع من أن ابن عمر سأل كلا منهما وأجابه بذلك. وقد ذكر
:
٣٦٢
٢
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
٩٩٩ - (١٥) وعن رفاعة بن رافع، قال: صليت خلف رسول اللّه ◌َيعلى، فعطست، فقلت: الحمد لله
حمداً كثيرا طيباً مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول اللّه مَفي والصرف
فقال: من المتكلم فى الصلوة، فلم يتكلم أحد ، ثم قالها الثانية فلم يتكلم أحد،
الترمذى أن الحديثين جميعا صحيحان ، قال: احتمل أن يكون سمع منهما جميعا، وحديث ابن عمر عن صهيب
أخرجه أيضا أحمد وابن ماجه والدارمى وابن حبان والبيهقى والحاكم فى المستدرك، وقال: على شرطهما. وصهيب
هذا هو صهيب بن سنان أبو يحيى النمرى المعروف بالرومى، لأنه أخذ لسان الروم أذ سبوه وهو صغير، وأصله
من العرب من النمر بن قاسط ، كانت منازلهم بأرض الموصل فى قرية على شط الفرات مما يلى الجزيرة و الموصل ،
فأغارت الروم على تلك الناحية فسبت صهيبا وهو غلام صغير ، فنشأ بالروم فصار الكن ، فابتاعته منهم كلب، ثم
قدمت به مكة ، فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمى فأعتقه فأقام معه بمكة الى أن هلك ابن جدعان وبعث النبي
◌َّ. ويقال: انه لما كبر فى الروم وعقل هرب منهم، وقدم مكة مخالف عبد الله بن جدعان وأقام معه حتى
ملك، وأسلم قديما بمكة ، يقال: إنه أسلم هو وعمار بن ياسر فى يوم واحد، ورسول الله مروالم بدار الأرقم معه
بضعة و ثلاثون رجلا ، وكان من المستضعفين معذبين فى اللّه بمكة ، ثم ماجر الى المدينة مع على فى النصف من
ربيع الأول، فأدرك النبى معَّم بقباء وشهد بدرا والمشاهد بعدها. قال أنس: قال النبى مَّةٍ: صهيب سابق الروم
وقيل: فيه نزلت ﴿ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله - ٢: ٢٠٧) وإليه أوصى عمر أن يصلى بالناس
حتى يجتمع أهل الشورى على رجل، وفضائله كثيرة ، وله أحاديث انفرد البخارى بحديث ، ومسلم بثلاثة ، مات
بالمدينة سنة ٣٨ فى شوال فى خلافة على، وقيل سنة ٣٩ وهو ابن ٧٣ سنة، وقيل ابن ٩٠ سنة. ودفن بالبقيع.
٩٩٩ - قوله (صليت خلف رسول اللّه مَّع) قال الحافظ فى الفتح: وأخرجه الطبرانى، وبين أن
الصلوة المذكورة المغرب، وسنده لا بأس به - انتهى. وهذه الزيادة ترد على من قال انه فى التطوع، علا أن
المعتاد فى الصلوة جماعة هو الفرض لا النفل (فعطست) بفتح الطاء وتكسر (طيبا) أى خالصا عن الرياء والسمعة
(مباركا فيه مباركا عليه) قال ابن الملك: كلاهما واحد، ولعل المراد أنواع البركة، وهى الزيادة عليه. وقال
الطيبي: الضميران فى (فيه)، و (عليه) للحمد، ففى الأول البركة بمعنى الزائد من نفس الحمد أى المستلزم لزيادة
ثوابه، وفى الثانى من الخارج لتعديتها بـ«على، للدلالة على معنى الافاضة أى على الحمد، ثم على قائله من حضرة الحق
(كما يحب ربنا ويرضى) أى حمدا موصوفا مما ذكر ، وبأنه ممائل للحمد الذى يحبه الله ويرضاه. وفيه من حسن
التفويض الى الله تعالى ما هو الغاية فى القصد (انصرف) أى سلم، وانصرف عن جهة القبلة (فلم يتكلم أحد) أى
بالجواب، وهذا مسبب عن قوله ((من المتكلم فى الصلوة، فان النبي ◌َّ سألهم سؤال مستفهم، فوهموا أنه سؤال
٣٦٣
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب مالا يجوز من العمل
ثم قالها الثالثة فقال رفاعة: أنا يا رسول اللّه، فقال التى تَبيع: والذى نفسى بيده لقد ابتدرما بضعة
و ثلاثون ملكا، أيهم يصعد بها. رواه الترمذى وأبو داود والنسائى.
١٠٠٠ - (١٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َث: التثاؤب فى الصلوة من الشيطان،
فاذا تتعب أحدكم فليكظم ما استطاع .
منكر، ظنا منهم أن هذا القول غير جائز فى الصلوة، كان ذلك سببا لعدم الاجابة هيبة واجلالا، فلا زال التوهم فى المرة
الثانية أجاب بقوله ((أنا)) (فقال رفاعة) فيه تجريد، وأصله فقلت (أنا) أى المتكلم (لقد ابتدرها) أى استبق اليها
(أيهم يصعد بها) أى يسبق بعضهم بعضا لأن يصعد بها ، قاله ابن الملك. وقال الطيبي: الجملة سدت مسد مفعولى
ينظرون المحذوف على التعليق. والحديث فيه دليل على أن العاطس فى الصلوة يحمد الله بغير كرامة، ويؤيد ذلك
عموم الأحاديث الواردة بمشروعيته، فإنها لم تفرق بين الصلوة وغيرها ، وعلى جواز إحداث ذكر فى الصلوة غير
مأثور اذا كان غير مخالف للأثور، وعلى جواز رفع الصوت بالذكر المذكور مالم يشوش على من معه (رواه الترمذى
وأبو داود والنسائى) وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٢ ص ٩٥) وحسنه الترمذى، وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذرى
تحسين الترمذى وأقره، وأصل الحديث فى صحيح البخارى، لكن ليس فيه ذكر العطاس، ولا زيادة ((كما يحب
ربنا ويرضى ، ولم يعين فيه الرجل القائل بل أبهمه، وزاد فيه أن ذلك عند رفع الرأس من الركوع. وقد أورده
المصنف فى باب الركوع ، وتقدم هناك شرحه، ويجمع بين الروايتين بأن الرجل المبهم فى رواية البخارى هو
رفاعة كما فى حديث الباب، ولا مانع أن يكنى عن نفسه إما لقصد إخفاء عمله، أو لنحو ذلك، ويجمع بأن عطاسه
وقع عند رفع رأسه من الركوع، لكن ايراد المصنف رواية البخارى فى باب الركوع، ورواية الترمذى
هذه فى باب ما لا يجوز من العمل فى الصلوة وما يباح منه، يدل على أنه لم يذهب الى اتحاد الواقعة فى الروايتين ،
بل جعلهما قصتين ، خلافا لما جزم به الحافظ وابن بشكوال .
١٠٠٠ - قوله (التثاؤب) بالهمز، وقيل: بالواو (فى الصلوة من الشيطان) أضافه الى الشيطان ، لأنه
يحبه ويتوسل به الى ما يرضاه من قطع الصلوة والمنع من العبادة. قال ابن حجر: التقييد بالصلوة ليس للتخصيص
بل لأن القبح فيها أكثر، لأن معنى كونه من الشيطان أن أسبابه من الامتلاء و الثقل وقسوة القلب هى التى من
الشيطان، وهذا يوجب كونه منه فى الصلوة وخارجها. ومن ثم قال النووى وغيره: يكره التشاؤب بالأذكار فى
الصلوة وخارجها - انتهى (فإذا تثاءب) أى شرع فى التثاءب أو أراد أن يتامب أو يأخذ فى أسبابه (فليكظم) أى
ليدفعه وليحبسه (ما استطاع) أى ما أمكنه بضم الشفتين ، وتطبيق السن، أو بوضع الثوب، أو اليد على الفم
٣٦٤
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
رواه الترمذى. وفى أخرى له ولابن ماجه: فليضع يده على فيه.
١٠٠١ - (١٧) وعن كعب بن عجرة، قال: قال رسول اللّه مريض: اذا توضأ أحدكم فأحسن
وضوءه، ثم خرج عامدا الى المسجد، فلا يشبكن بين أصابعه، فإنه فى الصلوة.
(رواه الترمذى) فى الصلوة، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضا ابن حبان فى صحيحه، نقله ميرك،
وأخرجه مسلم بدون ذكر الصلوة (وفى أخرى له) أى فى رواية أخرى للترمذى أى فى الأدب ، وقد حسنها
الترمذى (ولابن ماجه) فى سنده عبد الله بن سعيد المقبرى. قال فى الزوائد: اتفقوا على ضعفه (فليضع يده على فيه)
أى بدل « فليكظم ما استطاع، ولفظ ابن ماجه: اذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه - أى اذا لم يدفعه بضم
شفتيه - ولا يعوى، فإن الشيطان يضحك منه. وقوله ((لا يعوى، بالعين المهملة أى لا يصيح شبه التثاؤب الذى
يسترسل معه بعواه الكلب تتفيرا عنه واستقباحا له، فان الكلب يرفع رأسه ويفتح فاه ويعوى، والمتثاءب اذا أفرط
فى التشامب شابهه. ومن ههنا تظهر النكتة فى كونه يضحك منه ، لأنه صيره ملعبة له بتشويه خلقه فى تلك الحالة .
١٠٠١ - قوله (فأحسن وضوءه) بمراعاة السنن وحضور القلب وتصحيح النية (ثم خرج) أى من
بيته (عامدا الى المسجد) أى قاصدا اليه (فلا يشبكن بين أصابعه) أى لا يدخل بعضها فى بعض من التشيك ،
وهو ادغال الأصابع بعضها فى بعض (فانه فى الصلوة) أى حكما . والحديث يدل على كرامة التشبيك من وقت
الخروج إلى المسجد الصلوة. وفيه أنه يكتب لقاصد الصلوة أجر المصلى من حين يخرج من بيته الى أن يعود اليه ،
ويدل على ذلك أيضا ما روى عن أبى هريرة مرفوعا: من توضأ ثم خرج يريد الصلوة فهو فى صلوة حتى يرجع
الى بيته، فلا تقولوا هكذا يعنى يشبك بين أصابعه. أخرجه الدارمى والحاكم من طريق اسماعيل بن أمية عن
سعيد عن أبى هريرة . وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ، وما روى عن أبى سعيد مرفوعا: اذا كان أحدكم
فى المسجد ، فلا يشبكن فان التشبيك من الشيطان، وأن أحدكم لا يزال فى الصلوة ما دام فى المسجد حتى يخرج منه.
أخرجه أحمد (ج ٣ ص ٤٣) وابن أبى شيبة . قال الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢ ص ٢٥) بعد عزوه الى أحمد :
اسناده حسن. وعزاه الحافظ فى الفتح لابن أبى شيبة فقط، وقال بعد ذكر لفظه: فى اسناده ضعيف و مجهول
۔ انتهى. واختلف فی حکمة النهى عن التشبيك فى المسجد ، كما فى حديث أبى سعيد وفی غیرہ، کما فى حدث.
كعب بن عجرة وأبى هريرة. فقيل: لما فيه من العبث. وقيل: لأنه ينافى الخشوع. وقيل: لأنه من
الشيطان، كما تقدم فى رواية أحمد وابن أبي شيبة. وقيل: لأن التشبيك ربما يجلب النوم وهو من مظان الحديث
وقيل: لما فى ذلك من الايماء الى تشيك الأحوال والأمور على المرأ و ملابسة الخصومات والخوض فيها
٣٦٥
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
رواه أحمد والترمذى
وحين ذكر رسول اللّه وَضع الفتن قال: واختلفوا فصاروا هكذا وشبك بين أصابعه. وقيل: لأن صورة التشبيك.
تشبه صورة الاختلاف ، كما نبه عليه فى حديث ابن عمر عند البخارى، فكره ذلك لمن هو فى حكم الصلوة حتى
لا يقع فى المنهى عنه، وهو قوله تَّ للمصلين: ولا تختلفوا فتخلف قلوبكم. قال العراقى: وفى معنى التشبيك بين
الأصابع تفقيعها. فكره أيضا فى الصلوة ولقاصد الصلوة. وروى أحمد و الدار قطنى والطبر انى من حديث
أنس بن معاذ مرفوعا: أن الضاحك فى الصلوة والملتفت والمفقع أصابعه بمنزلة واحدة. وفى اسناده ابن لهيعة
وزبان بن فائد و رشدين بن سعد وسهل بن معاذ، وكلهم ضعفاء . ويؤيده ما روى ابن ماجه من حديث على : أن
التى ◌ِّمُ قال: لا تفقع أصابعك فى الصلوة. وفى سنده الحارث الأعور. والتفقيع هو غمز الأصابع حتى يسمع
لها صوت فان قلت: أحاديث النهى عن التشبيك معارضة لحديث أبى موسى مرفوعا: أن المؤمن للمؤمن
كالبنيان يشد بعضه بعضا ، ولحديث أبى هريرة فى قصة ذى اليدين: ووضع يده اليمنى على اليسرى ثم شبك بين
أصابعه. أخرجهما الشيخان. ولحديث ابن عمر قال: شك النبى ◌ّتم أصابعه. أخرجه البخارى وترجم على هذه
الأحاديث باب تشبيك الأصابع فى المسجد وغيره. قلت: أحاديث النهى عن التشبيك لا تصلح لمعارضة
أحاديث الجواز المروية فى الصحيحين لانتفاء شرط المعارضة والمقاومة ، وهو المساواة فى الصحة والقوة.
وقيل: التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض اذ المنهى عنه فعله على وجه العبث ، وهو منهى
عنه فى الصلوة ومقدماتها ولواحقها من الجلوس فى المسجد والمشى اليه. والذی فی حديث أبى موسى وابن
عمر أنما هو المقصود التمثيل وتصوير المعنى فى النفس بصورة الحس وأما تشبيكه فى قصة ذى اليدين فكان
لاشتباه الحال عليه فى السهو الذى وقع منه. ولذلك وقف كأنه غضبان . وقيل: يجمع بينها بأن النهى مقيد
بما إذا كان فى الصلوة أو قاصدا لها اذ منتظر الصلوة فى حكم المصلى. والأحاديث الدالة على الجواز خالية
عن ذلك. أما حديث أبى موسى وابن عمر فظاهران. وأما حديث أبى هريرة فى قصة ذى اليدين ، فلا ن
تشبيكه انما وقع بعد انقضاء الصلوة فى ظنه، فهو فى حكم المنصرف من الصلوة. والرواية التى فيها النهى عن
ذلك ما دام فى المسجد ضعيفة، كما تقدم عن الحافظ. ان فى اسناده ضعيفا ومجهولا، فهى غير معارضة لحديث
أبي هريرة. وقيل: يجمع بينها بأن فعله مثل يفيد عدم التحريم ولا يمنع الكرامة أى لغيره ، لكونه فعله
نادرا أى لبيان الجواز أو لمعنى كما فى حديث أبى موسى وابن عمر (رواه أحمد) (ج٤ ص٢٤١ - ٢٤٢).
(والترمذى) ولم يحكم عليه بشىء من الصحة والحسن والضعف، واشتغل عنه بذكر الاختلاف فى سنده.
٣٦٢
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
وأبو داود والنسائى والدارمى.
١٠٠٢ - (١٨) وعن أبى ذر، قال: قال رسول الله : لا يزال الله عز وجل مقبلا على العبد،
وهو فى صلوته ما لم يلتفت، فاذا التفت
(وأبوداود) وسكت عنه (والنسائى) كذا فى النسخ الموجودة عندنا من طبعات الهند ومصر بذكر النسائى،
والظاهر أنه خطأ فان الحديث لم أجده فى سنن النسائى اللهم الا أن يكون فى الكبرى. ويدل على ذلك أيضا عدم
وجوده فى نسخة القارى التى اعتمدها فى شرحه، فإنه قال بعد ذكر قول المصنف رواه أحمد والترمذى وأبو داود
ما لفظه: وفى نسخة والنسائى أيضا (والدارمى) الحديث فى اسناده عند الترمذى رجل غير مسمى، وهو الراوى
له عن كعب بن عجرة، وقد كنى أحمد فى رواية وأبو داود والدارمى والبيهقى هذا الرجل المبهم ، فروره من
طريق سعد بن اسحاق ، قال: حدثنى أبو ثمامة الحناط - بالحاء المهملة والنون - عن كعب، وقد ذكره ابن حبان
فى الثقات. وأخرجه أيضا أحمد والدارمى فى رواية من حديث المقبرى عن كعب ، وأخرجه ابن ماجه من
حديث أبى سعيد المقبرى عن كعب، ولم يذكر الثلاثة فى رواياتهم الرجل ، وأخرجه أيضا أحمد من طريق سعيد
المقبرى عن رجل من بنى سالم عن أبيه عن جده عن كعب بن عجرة ، ومن طريق سعيد المقبرى عن بعض
بنى كعب بن عجرة عن كعب ، ومن طريق سعيد بن أبى سعيد عن كعب بن عجرة . وبسط البيهقى الاختلاف فيه
على سعيد، وأخرجه ابن حبان والبيهقى أيضا من حديث الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة ،،
ولأجل هذا الاختلاف ضعف بعضهم حديث كعب بن عجرة هذا . قال ابن بطال : قد وردت فى النهى عن
التشبيك مراسيل ومسندة من طرق غير ثابتة. قال الحافظ فى الفتح وكأنه يشير الى حديث كعب بن عجرة ،
فذكر لفظه، ثم قال: أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة وابن حبان ، وفى اسناده اختلاف ، ضعفه بعضهم
بسببه - انتهى. قلت : الظاهر أن الحديث من طريق سعد بن اسحاق عن أبى تمامة الحناط القماح عن كعب
عند أحمد وأبى داود والدارمى والبيهقى ، ومن طريق الحكم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب عند ابن حبان
والبيهقى، لا ينحط عن درجة الحسن. وقد أيده ما تقدم من حديث أبى سعيد عند أحمد باسناد حسن، ومن
حديث أبى هريرة عند الدارمى والحاكم. والله أعلم .
١٠٠٢ - قوله (لا يزال الله عزوجل مقبلا على العبد) بالاحسان والغفران والعفو لا يقطع عنه ذلك.
قال القارى: أى ناظرا اليه بالرحمة واعطاء المثوبة، والمعنى: لم ينقطع أثر الرحمة عنه (مالم يلتفت) أى مالم يتعمد
الالتفات الى مالا يتعلق بالصلوة. وقال الحافظ: المراد بالالتفات مالم يستدبر القبلة بصدره أو عنقه كله. وسبب
كراهة الالتفات يحتمل أن يكون لنقص الخشوع أو لترك استقبال القبلة ببعض البدن - انتهى (فإذا التفت)
٣٦٧
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
انصرف عنه. رواه أحمد وأبو داود والنسائى والدارمى.
١٠٠٣ - (١٩) وعن أنس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: يا أنس اجعل بصرك حيث تسجد.
وفى رواية النسائى ((فإذا صرف وجهه)) أى بالالتفات الى مالا يتعلق بالصلوة (انصرف عنه) أى أعرض عنه
بقطع الرحمة المسببة عن الاقبال على الصلوة وقال ابن الملك: المراد منه قلة الثواب (رواه أحمد) فى
(ج ٥ ص ١٧٢) (وأبو داود) وسكت عنه (والنسائى والدارمى) وأخرجه أيضا ابن خزيمة فى صحيحه والبيهقى
(ج ٢ ص ٢٨١)، والحاكم (ج ١ ص ٢٣٦)، وصححه کلهم من طريق الزهرى عن أبى الأحوص عن أبى ذر.
قال المنذرى فى الترغيب: وأبو الأحوص هذا لا يعرف اسمه ولم يرو عنه غير الزهرى، وقد صحح له الترمذى
وابن حبان وغيرهما - انتهى. وقال ابن عبد البر: هو مولى بنى غفار، أمام مسجد بنى ليث. قال ابن معين:
أبو الأحوص الذى حدث عنه الزهرى ليس بشىء، وذكره ابن حبان فى الثقات ، وليس لقول ابن معين هذا أصل
الاكونه انفرد الزهرى بالرواية عنه. قال ابن عبد البر: قد تناقض ابن معين فى هذا، فأنه سئل عن ابن أ كيمة ،
وقيل له: إنه لم يرو عنه غير ابن شهاب، فقال: يكفيه قول ابن شهاب ، حدثنى ابن أكيمة ، فيلزمه مثل هذا فى
أبي الأحوص ، لأنه قال فى حديث الباب سمعت أبا لأحوص. وقال أبو أحمد الكرابيسى: ليس بالمتين عندهم.
وذكره ابن حبان فى الثقات، كذا فى تهذيب التهذيب (ج ١٢ ص ٥) وقال فى التقريب: أبو الأحوص مولى بنى
ليث أو غفار مقبول من أوساط التابعين لم يرو عنه غير الزهرى - انتبى. وقال النووى فى الخلاصة: هو فيه جهالة
لكن الحديث لم يضعفه أبو داود فهو حسن عنده - انتهى.
١٠٠٣ - قوله (اجعل بصرك حيث تسجد) الحديث بظاهره يدل على استحباب النظر الى موضع
السجود فى سائر الصلوة ، وعليه عمل الشافعية ، كما يدل عليه كلام البيضاوى فى تفسير قوله تعالى: ﴿الذين هم فى
صلوتهم خاشعون - ٢٣: ٢﴾، وهو مذهب أحمد كما فى المغنى (ج ١ ص ٦٦٤) والشافعى ، كما قاله ابن حجر
وغيره. لكن قال الطيبي: يستحب الصلى أن ينظر فى القيام الى موضع سجوده، وفى الركوع الى ظهر قدميه، وفى
السجود الى أنفه، وفى التشهد الى حجره ـ انتهى. وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه مع زيادة أن ينظر فى
السلام الى منكبه كما فى النهاية شرح الهداية. قلت: وذهب مالك الى أن يكون نظر المصلى الى جهة القبلة.
واليه يظهر ميل البخارى حيث قال فى صحيحه: باب رفع البصر الى الامام فى الصلوة، وذكر فيه أحاديث تدل.
على ذلك. قال الحافظ فى الفتح: قال الزين بن المنير: نظر المأموم الى الامام من مقاصد الاتمام ، فإذا تمكن.
من مراقبته بغير التفات كان ذلك من إصلاح صلاته. وقال ابن بطال: فيه حجة لمالك فى أن نظر المصلى يكون
الى جهة القبلة. وقال الشافعى والكوفيون: يستحب له أن ينظر الى موضع سجوده، لأنه أقرب الى الخشوع.
٣٦٨
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
رواه ....
وقال العينى فى شرح البخاری (ج ٥ ص ٣٠٦): قد اختلف العلماء فى رفع البصر الى أى موضع فى صلوته، فقال
أصحابنا والشافعى وأبو ثور الى موضع سجوده، وروى ذلك عن ابراهيم وابن سيرين، وفى التوضيح: و استثنى
بعض أصحابنا اذا كان مشاهدا للكعبة، فإنه ينظر اليها . وقال القاضى حسين: ينظر الى موضع سجوده فى حال
قيامه، والى قدميه فى ركوعه، و الى أنفه فى سجوده، والى حجره فى تشهده، لأن امتداد النظر يلهى، فاذا قصر
كان أولى. وقال مالك: ينظر أمامه، وليس عليه أن ينظر الى موضع سجوده وهو قائم. قال: وأحاديث الباب
تشهد له لأنهم لولم ينظروا اليه عليه الصلوة والسلام ما رأوا تأخره حين عرضت عليه جهنم، ولا رأوا اضطراب
لحيته، ولا استدلوا بذلك على قراءته ولا نقلوا ذلك، ولا رأوا تناوله فيما تناوله فى قبلته حين مثلت له الجنة .
ومثل هذا الحديث قوله وتج: إنما جعل الإمام ليؤتم به، لأن الاتمام لا يكون الا بمراعاة حركاته فى خفضه
ورفعه - انتهى . وقال الحافظ بعد ذكر ما تقدم من كلام ابن المنير وابن بطال: وورد فى ذلك أى فى النظر الى موضع
السجود حديث أخرجه سعيد بن منصور من مرسل محمد بن سيرين ، ورجاله ثقات ، وأخرجه البيهقى موصولا ،
وقال المرسل هو المحفوظ. قال الحافظ: ويمكن أن يفرق بين الإمام والمأموم، فيستحب للامام النظر الى موضع
السجود، وكذا للمأموم الا حيث يحتاج الى مراقبة أمامه، وأما المنفرد لفحكمه حكم الامام. والله أعلم. قلت:
كلام الحافظ هذا حسن جيد، ولم أجد حديثا مرفوعا أو موقوفا يدل على التفصيل الذى ذكره الطيبي و القاضى
حسين وصاحب النهاية، ويؤيد ما ذهب اليه الشافعى وأحمد ما رواه البيهقى عن أنس أن النبى وَ} قال: يا أنس
اجعل بصرك حيث تسجد. وهو حديث الباب ، وسيأتى الكلام فيه . وفى رواية: يا أنس ضع بصرك فى الصلوة
عند موضع سجودك، قال هذا شديد ، قال ففى المكتوبة اذا، وما رواه ابن جرير وابن أبى حاتم عن محمد بن
سيرين، قال: كان أصحاب رسول اللّه مَّه يرفعون أبصارهم الى السماء فى الصلوة، فلما نزلت هذه الآية (قد
أفلح المؤمنون الذين م فی صلوتهم خاشعون) خفضوا أبصارهم الی موضع سجودهم. قال محمد بن سیرین:
وكانوا يقولون لا يجاوز بصره مصلاه ، فان كان قد اعتاد النظر فلیغمض، کذا فى تفسير ابن كثير ، وما روى
عن أم سلمة بنت أبى أمية زوج النبي وَّث، أنها قالت: كان الناس فى عهد رسول اللّه مَّ اذا قام المصلى يصلى
لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفى رسول اللّه ◌َع فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع
جبينه، فتوفى أبو بكر وكان عمر فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة ، ثم توفى عمر
وكان عثمان ، فكانت الفتنة ، فالتفت الناس يمينا وشمالا . قال المنذرى فى الترغيب: رواه ابن ماجه أى فى الجنائز
بإسناد حسن، الا أن موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومى لم يخرج له من أصحاب الكتب الستة غير ابن
ماجه، ولا يحضرنى فيه جرح ولا تعديل - انتهى (رواه) .... هنا بياض بالأصل، وألحق به - أى فى الحاشية -
٣٦٩
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
١٠٠٤ - (٢٠) وعنه، قال: قال رسول اللّه ◌َي: يا بنى اياك والالتفات فى الصلوة، فان الالتفات
فى الصلوة هلكة، فإن كان لا بد فنى التطوع لا فى الفريضة. رواه الترمذى.
البيهقى فى سننه الكثير من طريق الحسن عن أنس ، وفى نسخة صحيحة يرفعه. قيل إنه من ملحقات الجزرى .
قال ابن حجر: وله طرق تقتضى حسنه، كذا فى المرقاة. قلت: حديث أنس هذا أخرجه البيهقى فى السنن
الكبرى (ج ٢ ص ٢٨٤) من طريق الربيع بن بدر عن عنطوانة عن الحسن، عن أنس، قال البيهقى
رواه جماعة عن الربيع بن بدرعن عنطوانة، والربيع بن بدر ضعيف - انتهى. وقال الحافظ فى اللسان
(ج ٤ ص ٣٨٥): عنطوانة عن الحسن عن أنس مرفوعا: يا أنس ضع بصرك حيث تسجد. لا يدرى من ذا.
انفرد به عنه عليلة بن بدر - انتهى. وذكره العقيلى فقال: مجهول بصرى ، روى عنه الربيع بن بدر، وهو متروك
ثم ساق حديثه المذكور. والربيع هو عليلة بالتصغير - انتهى .
١٠٠٤ - قوله (يا بنى إياك والالتفات فى الصلوة) أى تحويل الوجه (فان الالتفات فى الصلوة) أظهر
فى موضع الضمير لمزيد الايضاح والبيان فى مقام التحذير (ملكة) بفتحتين أى هلاك، لأنه طاعة الشيطان، وهو
سبب الهلاك. قال الطيبي: الهليكة الهلاك وهو استحالة الشىء وفساده، لقوله تعالى: ﴿ ويهلك الحرث والنسل
- ٢: ٢٠٥) والصلوة بالالتفات تستحيل من الكمال الى الاختلاس المذكور فى الحديث الخامس من الفصل
الأول. وقال الشوكانى: سمى الالتفات ملكة باعتبار كونه سبيا لنقصان الثواب الحاصل بالصلوة، أو لكونه نوعا من
تسويل الشيطان واختلاسه ، فمن استكثر منه كان من المتبعين للشيطان ، واتباع الشيطان ملكة ، أو لأنه اعراض
عن التوجه الى الله، والاعراض عنه عزوجل ملكة (فان كان لابد) أى من الالتفات (فتى التطوع لا فى
الفريضة) لأن مبنى التطوع على المساهلة، ألا ترى أنه يجوز قاعدا مع القدرة على القيام، وفيه الإذن بالالتفات
للحاجة فى التطوع، والمنع من ذلك فى صلوة الفرض (رواه الترمذى) وقال: حديث حسن. ونقل ميرك أنه
قال: حسن صحيح. وذكر الزيلعى الحديث فى نصب الراية (ج ٢ ص ٨٩) عن الترمذى وقال: قال : حديث
حسن صحيح. ونقل المجد بن تيمية الحديث فى المنتقى وقال: رواه الترمذى وصححه. وقال المنذرى فى الترغيب
بعد ذكره: رواه الترمذى من رواية على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس ، وقال حديث حسن ، وفى بعض
النسخ صحيح. قال المنذرى: وعلى بن زيد بن جدعان بأتى الكلام عليه، ورواية سعيد عن أنس غير مشهورة
- انتهى. وقال فى الفصل الذى ذكر فيه الرواة المختلف فيهم: على بن زيد بن جدعان قال البخارى وأبو حاتم :
لا يحتج به، وضعفه ابن عيينة وأحمد وغيرهما ، وروى عن يحيى ليس بشىء، وروى عنه ليس بذاك القوى ، وقال
أحمد العجلى: كان يتشيع وليس بالقوى، وقال الدار قطنى: لا يزال عندى فيه لين ، وقال الترمذى: صدوق ،
٣٧٠
د
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
١٠٠٥ - (٢١) وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: أن رسول اللّه ◌ُ كان يلحظ فى الصلوة
يمينا وشمالا، ولا يلوى عنقه خلف ظهره. رواه الترمذى والنسائى.
وصحح له حديثا فى السلام ، وحسن له غير ما حديث - انتهى.
١٠٠٥ - قوله (كان يلحظ) بفتح الحاء المهملة وبالظاء أى ينظر بمؤخر عينيه من اللحظ، وهو النظر
بطرف العين الذى يلى الصدغ ، وفى رواية النسائى: كان يلتفت (فى الصلوة) قيل: النافلة، ويحتمل الفرض أيضا.
والحاصل أن التفاته كان متضمنا لمصلحة بلا ريب مع دوام حضور القلب وتوجهه الى الله تعالى على وجه
الكمال، قاله السندى (يمينا وشمالا) أى تارة الى جهة اليمين وأخرى الى جهة الشمال (ولا يلوى) أى لا يصرف ولا
يميل (عنقه خلف ظهره) أى الى جهته. قال الطبى: اللَّىُّ فتل الحبل، يقال لويته الويه كَيّاً، ولوى رأسه وبرأسه
أماله. ولعل هذا الالتفات كان منه فى التطوع، فإنه أسهل لما فى الحديث السابق. وقال ابن الملك: قيل التفاته
عليه الصلوة والسلام مرة أو مرارا قليلة لبيان أنه غير مبطل أو كان لشىء ضرورى، فان كان أحد يلوى عنقه
خلف ظهره أى و يحول صدره عن القبلة فهو مبطل للصلوة كذا فى المرقاة قلت: الالتفات المذكور فى حديث
ابن عباس هذا هو أن يلحظ بعينيه يمينا وشمالا لمراقبة أحوال المقتدين ، أو لمصلحة أخرى، وهو مباح عند
الجميع فى الفرض، وإن كان خلاف الأولى، وهو غير الالتفات المذكور فى حديث أنس السابق والحديث
الخامس من الفصل الأول ، فان المراد من الالتفات فيهما هو أن يلتفت بطرف الرأس والوجه من غير أن يحول
صدره عن القبلة، وهو مكروه عند الجميع بلا حاجة بل حرام عند الظاهرية (رواه الترمذى والنسائى) وأخرجه
أيضا أحمد وابن حبان فى صحيحه والحاكم فى المستدرك (ج ١ ص ٢٣٦ - ٢٥٦) وقال هذا حديث صحيح على
شرط البخارى ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ، وأخرجه أيضا الدار قطنى فى سننه (ص ١٩٥) والحازمى فى كتاب
الاعتبار (ص ٦٤) قال الترمذى حديث غريب يعنى أنه تفرد بروايته متصلا الفضل بن موسى عن عبد الله بن
سعيد بن أبى هند. ونقل القارى فى المرقاة عن ميرك أنه نقل عن الترمذى حسن غريب، ونقل عن النووى أنه
صحح إسناده. وقال التر مذى فى جامعه: وقد خالف وكيع الفضل بن موسى فى روايته، ثم أخرجه عن و کیع
عن عبد الله بن سعيد عن بعض أصحاب عكرمة ((أن النبي رؤية كان يلحظ فى الصلوة)) فذكر نحوه. وقال
فى علله الكبير: ولا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد مسندا مثل ما رواه الفضل بن
موسى - انتهى . وقال الدار قطنى بعد روايته: تفرد به الفضل بن موسى عن عبدالله بن سعيد به متصلا وغيره
يرسله ، وكذا قال الحازى فى كتاب الاعتبار، وأراد الترمذى والدار قطنى والحازمى بذلك تعليل الرواية
المتصلة. وليست هذه علة ، بل اسناد الحديث صحيح أو حسن، والرواية المتصلة زيادة من ثقة، فهى مقبولة.
٣٧١
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب مالا يجوز من العمل
١٠٠٦ - (٢٢) وعن عدى بن ثابت عن أبيه عن جده رفعه، قال: العطاس والنعاس والتثاؤب فى
الصلوة ، والحيض والقى والرعاف من الشيطان، رواه الترمذى.
والفضل بن موسى ثقة ثبت. قال ابن القطان فى كتابه: هذا حديث صحيح، وإن كان غريبا، لا يعرف الا من
هذه الطريق. قال عبد الله بن سعيد و ثور بن زيد ثقتان، وعكرمة احتج به البخارى. فالحديث صحيح - انتهى.
والحديث أخرجه البزار فى مسنده عن مندل بن على العنزى عن الشيبانى عن عكرمة عن ابن عباس: ((أن النبى
كان إذا صلى يلاحظ أصحابه فى الصلوة يمينا وشمالا، ولا يلتفت». ورواه ابن عدى فى الكامل ، وأعله بمندل
وضعفه عن النسائى والسعدى وابن معين ، ولينه هو ، وقال إنه من يكتب حديثه - انتهى. وفى الباب عن على بن
شيبان، قال: خرجنا الى رسول اللّه ◌َثّر، فبايعناه. وصلينا خلفه، فلح بمؤخر عينيه رجلا لم يقم صلبه فى الركوع
والسجود، فقال إنه لا صلوة لمن لم يقم صلبه ، أخرجه ابن ماجه وابن حبان .
١٠٠٦ - قوله (رفعه) أى رفع جد عدى الحديث إلى النبي ◌َّم. ولولا هذا القيد لأوهم قوله
(العطاس) أن يكون من قول الصحابى، فيكون موقوفا، قاله الطيبي (والنعاس) هو النوم الخفيف، أو مقدمة
النوم، وهو السنة (والتثاؤب فى الصلوة) قال الطيبي: انما فصل بين الثلاثة الأول والأخيرة بقوله فى الصلوة،
لأن الثلاثة الأول مما لا يبطل الصلوة بخلاف الأخيرة (والحيض والقئ والرعاف) بضم الراء، دم الأنف (من
الشيطان) قال القاضى: أضاف هذه الأشياء إلى الشيطان ، لأنه يحبها ويتوسل بها الى ما يبتغيه من قطع الصلوة،
والمنع عن العبادة ، ولأنها تغلب فى غالب الأمر من شره الطعام الذى هو من أعمار الشيطان. وزاد التوربشتى ومن
ابتغاء الشيطان الحيلولة بين العبد وبين ما ندب اليه من الحضور بين يدى الله، والاستغراق فى لذة المناجاة ، ذكره
الطيبى، وقال ابن حجر: المراد من العطاس كثرته، فلا ينافيه الخبر ((أن الله يحب العطاس، لأن محله فى العطاس
المعتدل، وهو الذى لا يبلغ الثلاث على التوالى، بدليل أنه يسن تشميته حينئذ بـ «مافاك الله وشفاك، الدال على
أن ذلك مرض - انتهى. قال القارى: والظاهر الجمع بين الحديثين بأن يحمل محبة الله تعالى العطاس مطلقا على
خارج الصلوة، وكراهته مطلقا فى داخل الصلوة ، لأنه فى الصلوة لا يخلو عن اشتغال بال به، وهذا الجمع كان
متعينا لوكان الحديثان مطلقين فكيف مع التقييد بها فى هذا الحديث. وقال العراقى فى شرح الترمذى: لا يعارض
هذا حديث أبى هريرة: أن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، لكونه مقيدا بحال الصلوة ، فقد يتسبب الشيطان
فى حصول العطاس للصلى ليشغله عن صلوته ، ذكره الحافظ فى الفتح (رواه الترمذى) أی فی الأدب ، وقال حديث
غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك عن أبى اليقظان عن عدى - انتهى. وشريك هذا هو ابن عبد الله النخعى
القاضى، وهو صدوق يخطىء كثيرا، تغير حفظه منذ ولى القضاء بالكوفة. وأبو اليقظان اسمه عثمان بن
عمير الكوفى، الأعمى، ضعيف، واختلط، وكان يدلس، ويغاو فى التشيع. وقال الحافظ فى الفتح بعد ذكر
٣٧٢
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
١٠٠٧ - (٢٣) وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال أتيت التى له وهو يصلى،
ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، يعنى يبكى.
الحديث: وسنده ضعيف ، وله شاهد عن ابن مسعود فى الطبرانى، لكن لم يذكر النعاس، وهو موقوف،
وسنده ضعيف أيضا - انتهى. والحديث أخرجه ابن ماجه من طريق شريك عن أبى اليقظان عن عدى بن
ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ◌َّه بلفظ : قال البزاق والمخاط والحيض والنعاس فى الصلوة من الشيطان.
قال فى الزوائد : أبو اليقظان أجمعوا على ضعفه .
١٠٠٧ - قوله (وعن مطرف) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الراء المكسورة (بن عبد الله بن الشخير)
بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة بعدها تحتانية ثم راء الحرشى العامرى البصرى ثقة عابد
فاضل من كبار التابعين ، مات سنة ٨٩٥ وقد ذكر ابن سعد وغيره له مناقب كثيرة (عن أبيه) عبد الله بن الشخير بن
عوف بن كعب بن وقدان بن الحريش الحرشى العامرى الصحابى ذكره ابن سعد فى مسلمة الفتح. وقال ابن مندة:
وفد فى وفدنى عامر ، له أحاديث انفرد له مسلم بحديث (وهو يصلى) أى والحال أنه يصلى، فالجملة حالية ، وكذلك
جملة قوله (ولجوفه أزيز) أى والحال أن لجوفه أزيزا بزائين معجمتين ككريم، وهو صوت القدر إذا غلت.
والمراد حنين من الخوف والخشية، وهو صوت البكاء. وقال الجزرى: هو أن يحيش جوفه ويغلى من البكاء
(كأزيز المرجل) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم ، الإناء الذى يغلى فيه الماء سواء كان من حديد أو صفر
أو حجارة أو خزف، والميم زائدة. قيل له ذلك، لأنه إذا نصب كأنه أقيم على أرجل .. وقال القارى: المرجل
القدر إذا غلى. قال الطبى: أزيز المرجل صوت غليانه، ومنه الأز، وهو الازعاج. وقيل: للرجل القدر من حديد
أو حجر أو خزف، لأنه إذا نصب كأنه أقيم على الرجل (يعنى ببكى) أى يريد الراوى بالعبارة المذكورة أن
التى ◌َِّ يبكى بحيشان جوفه وغليانه. قال الطيبى: فيه دليل على أن البكاء لا يبطل الصلوة . قال ابن حجر: وفيه
نظر، لأن الصوت أنما سمع للجوف أو الصدر، لا اللسان، والمختلف فى إبطاله أنما هو البكاء المشتمل على الحرف.
وقال البيجورى فى شرح الشمائل: يؤخذ من الحديث أنه إذا لم يكن الصوت مشتملا على حرفين أو حرف مفهم
لم يضر فى الصلوة - انتهى. قلت: الحديث بظاهره وباطلاقه دليل بين على أن البكاء غير مبطل الصلوة، سواء
ظهر منه حرفان أم لا إذا كان من خشية الله تعالى، وهو الذى فهمه الترمذى وأبو داود والنسائى والمجد بن
تيمية، كما يظهر من تبويبهم على هذا الحديث، وليس فى الحديث أدنى إشارة إلى القيد الذى ذكره ابن حجر
والبيجورى تبعا لمذهبهما. قال الشوكانى: فى الحديث دليل على أن البكاء لا يبطل الصلوة، سواء ظهر منه حرفان أم لا.
وقد قيل : إن كان البكاء من خشية الله لم يبطل، وهذا الحديث يدل عليه، ويدل عليه أيضا ما رواه ابن حبان
٣٧٣
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
وفى رواية قال: رأيت التى ګے یصلى وفى صدره أزیر کازیز الرحی من البكاء، رواه أحمد، وروى
النسائى الرواية الأولى، وأبو داود الثانية.
١٠٠٨ - (٢٤) وعن أبى ذر، قال: قال رسول اللّه ◌َيّ: إذا أقام أحدكم إلى الصلوة فلا يمسح
الحصى
بسنده إلى على بن أبى طالب ، قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأسود ولقد رأيتنا وما فينا قائم إلا
رسول الله مثل تحت شجرة يصلى ويبكى حتى أصبح، وبوب عليه ذكر الاباحة الرأ أن يبكى من خشية الله، ويدل
عليه أيضا ما أخرجه البيهقى وسعيد بن منصور وابن المنذر أن عمر صلى صلوة الصبح وقرأ سورة يوسف حتى بلغ
إلى قوله: ﴿ إنما أشكو بثي وحزنى الى الله - ٨٦:١٢﴾ فسمع نشيجه. والنشيج على وزن فعيل أشد البكاء كما فى المحكم،
ويدل عليه أيضا ما روى عن ابن عمر عند البخارى وعن عائشة عند البخاري ومسلم فى تصميمه مرة على
استخلاف أبى بكر فى الصلوة بعد أن أخبر أنه إذا قرأ غلبه البكاء، ويدل عليه أيضا مدح الباكين بقوله تعالى:
﴿إذا تلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا - ٨٥:١٩) وبقوله: ﴿ويخرون للأذقان يبكون -١٧: ١٠٩﴾ فانه
يشمل المصلى وغيره. واختلف العلماء فى البكاء والأنين والتأوه فعن الشعبى والنخعى يفسد الصلوة، وعن المالكية
والحنابلة والحنفية: إن كان لذكر النار والجنة والخوف لم يفسد، وإن كان لغير الخوف كالمصيبة والوجع أفسد.
وفى مذهب الشافعى ثلاثة أوجه: أصحها إن ظهرمنه حرفان أوحرف مفهم أفسد وإلا فلا ، ثانيها: وحكى عن
قصه فى الإملاء أنه لا يفسد مطلقا لأنه ليس من جنس الكلام ، ولا يكاد يبين منه حرف محقق فأشبه الصوت
الغفل، ثالثها: عن القفال إن كان فمه مطبقا لم يفسد وإلا أفسد إن ظهر منه حرفان، وبه قطع المتولى. قال
الحافظ : والوجه الثانى أقوى دليلا (وفى رواية) أخرى (كازيز الرحى) يعنى الطاحون. قال الخطابي: أزيز
الرحى صوتها وحرحرتها (من البكاء) بالمد أى من أجله . قال ابن حجر: هو بالقصر خروج الدمع مع الحزن،
وبالمد خروجه مع رفع الصوت (رواه أحمد) (ج ٤ ص ٢٥ - ٢٦) أى أصل الحديث عند أحمد مع قطع النظر
عن خصوص اللفظ ، وإلا فليس عنده الرواية الثانية. والحديث أخرجه أيضا الترمذى فى الشمائل، قال الحافظ
فى الفتح: واسناده قوى، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ووهم من زعم أن مسلما أخرجه ـ انتهى.
(وروى النسائى الرواية الأولى الخ)، وأخرج البيهقى الروايتين (ج٢ ص٢٥١).
١٠٠٨ - قوله (إذا قام أحدكم إلى الصلوة) أى إذا دخل فيها، إذ قبل التحريم لا يمنع (فلا يمسح الحصى)
أى فلا يعرض عن الصلوة لأدنى شِىء أى لما فيه من قطع التوجه للصلوة ، فتفوته الرحمة المسبية عن الإقبال على
الصلوة، وهذا إذا لم يكن لإصلاح محل السجود، وإلا فيجوز مرة بقدر الضرورة، كما تقدم. والحصى
٣٧٤
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
فإن الرحمة تواجه. رواه أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
١٠٠٩ - (٢٥) وعن أم سلمة، قالت: رأى التى تَّم غلاما لنا، يقال له أفلحَ، إذا سجد نفخ،
فقال: يا أفلح ترب وجهك.
بفتحتين واحدتها حصاة ، وهى الحجارة الصغيرة ، والتقييد بالحصى خرج مخرج الغالب ، لكونه كان الغالب
على فرش مساجدهم ، ولا فرق بينه وبين التراب والرمل على قول الجمهور . و يدل على ذلك قوله فی حدیث
معيقيب المتقدم فى الرجل يسوى التراب (فإن الرحمة تواجهه) أى تنزل عليه وتقبل إليه. وهى علة للنهى يعنى
فلا يليق لعاقل تلقى شكر تلك النعمة الخطيرة بهذه الفعلة الحقيرة، قاله الطيبي . وقال الشوكانى: هذا التعليل يدل على
أن الحكمة فى النهى عن المسح أن لا يشغل خاطره بشىء يلهيه عن الرحمة المواجهة له ، فيفوته حظه منها. وقد
روى أن حكمة ذلك أن لا يغطى شيئا من الحصى بمسحه ، فيفوته السجود عليه ، كما تقدم فى رواية ابن أبى شيبة
عن أبى صالح السمان: قال ان العربى: معناه الإقبال على الرحمة، وترك الاشتغال عنها بالحصباء وسواء إلا أن
يكون لحاجة كتعديل موضع السجود أو إزالة شىء مضر، وقد كان مالك يفعله، وغيره يكرهه - انتهى.
(رواه أحمد) (ج٥ ص ١٥٠ - ١٦٣ - ١٧٩) (والترمذى) وحسنه (وأبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى
(والنسائي وابن ماجه) وأخرجه البيهقى أيضا (ج٢ ص٢٨٤) كلهم من طريق الزهرى عن أبى الأحوص عن أبى
ذر. وقد تقدم الكلام فى أبى الأحوص . وفى الباب أحاديث عديدة ذكرها الشوكانى فى النيل.
١٠٠٩ - قوله (وعن أم سلمة) أم المؤمنين (يقال له أفلح) وقيل اسمه رباح، كما فى رواية لأحمد
(ج٦ ص٣٢٣) والترمذى، وقيل: يسار، كما فى رواية أخرى لأحمد (ج٦ ص٣٠١) (إذا سجد) أى إذا أراد
أن يسجد (نفخ) أى فى الأرض ليزول عنها التراب فيسجد (ترب وجهك) أى فى سجودك من التتريب أى أوصل
وجهك إلى التراب ، وألقه به وضعه عليه، ولا تبعده عن موضع وجهك بالنفخ، فإنه أقرب إلى التواضع
والتذلل والخضوع، فان علوق التراب بالوجه الذى هو أفضل الأعضاء غاية التواضع. والحديث قد استدل
به من اختار مباشرة المصلى للأرض من غير وقاية ، روى ذلك عن ابن مسعود وعروة بن الزبير و إبراهيم
النخعى خلافا للجمهور ، قال العراقى: والجواب عنه: أنه لم يأمره أن يصلى على التراب، وإنما أراد به
تمكين الجبهة من الأرض، وكأنه رأه يصلى ولا يمكن جبهته من الأرض، فأمره بذلك. لا أنه رأه يصلى على
شئى يستره من الأرض ، فأمره بنزعه - انتهى. واستدل بالحديث أيضا على كراهة النفخ فى الصلوة. وقد
اختلف العلماء فيه: فروى عن مالك كرامة النفخ فى الصلوة ولا يقطعها كما يقطعها الكلام ، وهو قول
أحمد وإسحاق على ما ذكر الترمذى. واليه ذهب أبو يوسف وأشهب على ما قال ابن بطال . وفى المدونة:
٣٧٥
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب مالا يجوز من العمل
رواه الترمذى.
النفخ بمنزلة الكلام يقطع الصلوة. وعن أبى حنيفة ومحمد: إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام يبطل الصلوة ،
وإلا فلا، واستدل لهما بحديث أم سلمة وفيه أنه حديث ضعيف الإسناد. قال الحافظ فى الفتح، ولو صح
لم يكن فيه حجة على إبطال الصلوة بالنفخ، لأنه لم يأمره بإعادة الصلوة وإنما استفاد من قوله ((ترب وجهك))
استحباب السجود على الأرض، فهو نحو النهى عن مسح الحصى. قال: وفى الباب - أى فى كرامة النفخ فى
الصلوة - عن أبي هريرة فى الأوسط للطبرانى، وعن زيد بن ثابت عند البيهقى، وعن أنس وبريدة عند البزار ،
وأسانيد الجميع ضعيفة جدا ، انتهى. وقد ذكر الشوكانى فى النيل: هذه الأحاديث مع بيان ما فيها من الضعف.
واستدل لهما أيضا بأحاديث النهى عن الكلام فى الصلوة بأن النفخ كلام يدل على ذلك ما رواه سعيد بن
منصور فى سننه عن ابن عباس قال: النفخ فى الصلوة كلام وروى البيهقى باسناد صحيح إلى ابن عباس أنه كان يخشى
أن يكون النفخ كلاما. وأجيب بمنع كون النفخ كلاما، لأن الكلام يتركب من الحروف المعتمدة على المخارج
ولا اعتماد فى النفخ، وأيضا الكلام المنهى عنه فى الصاوة هو المكالمة، ولو سلم صدق اسم الكلام على النفخ كما قال
ابن عباس لكان فعله ◌َّثة لذلك فى الصلوة مخصصا لعموم النهى عن الكلام، كذا فى النيل. والمصحح عند
الشافعية والحنابلة أنه إن ظهر من النفخ حرفان بطلت الصلوة وإلا فلا. والراجح المعتمد عندنا هو عدم بطلان
الصلوة بالنفخ مطلقا أى سواء ظهر منه حرفان أم لا، مسموعا كان أو غير مسموع، لما رواه أحمد والترمذى
وأبو داود والنسائى عن عبد الله بن عمرو ((ان النبي ◌ُّ نفخ فى صلوة الكسوف)) وقد ذكره البخارى تعليقا
وأخرج أحمد هذا المعنى من حديث المغيرة بن شعبة . ولفظ أبى داود: ثم نفخ فى آخر سجوده فقال أف أف.
وفيه رد صريح على ما ذهب اليه الشافعية والحنابلة والحنفية، لأنه كان مسموعا، وقد صرح فيه بظهور
الحرفين وفى الحديث أيضا: أنه رَّم قال: وعرضت على النار، فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حرما والنفخ لهذا
الغرض لا يقع الا بالقصد اليه ، فانتفى قول من حمله على الغلبة. وأجاب الخطابى بأن ((أف)) لا تكون كلاما حتى
يشدد الفاء، قال: والنافخ فى نفخه لا يخرج الفاء صادقة من مخرجها. وقعقبه ابن الصلاح بأنه لا يستقيم
على قول الشافعية أن الحرفين كلام مبطل، أنهما أو لميفهما، وأشار البيهقى إلى أن ذلك من خصائص النبي
ورد بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، كذا فى الفتح. قال ابن بطال: والقول الأول أى عدم قطع النفخ
الصلوة أولى، وليس فى النفخ من النطق بالهمزة والفاء أكثر مما فى البصاق من النطق بالتاء والفاء، قال: وقد اتفقوا
على جواز البصاق فى الصلوة ، فدل على جواز النفخ فيها ، اذ لا فرق بينهما ، ولذلك ذكره البخارى معه فى الترجمة
- انتهى . وقد روى الرخصة فى النفخ فى الصلوة عن قدامة بن عبد الله الصحابى، أخرجه البيهقى (رواه التر مذى)
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦ ص ٣٢٣) والبيهقى (ج ٢ ص ٢٥٢) كلهم من طريق ميمون أبى حمزة الأعور
٣٧٦
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
١٠١٠ - (٢٦) وعن ابن عمر رضى الله عنهما، الاختصار فى الصلوة راحة أهل النار. رواه فى
شرح السنة.
١٠١١ (٢٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َي: اقتلوا الأسودين فى الصلوة،
القصاب السكوفى الراعى عن أبى صالح عن أم سلمة. قال الترمذى: اسناده ليس بذاك، وميمون أبو حمزة قد
ضعفه بعض أهل العلم - انتهى. قلت: ميمون أبو حمزة هذا ضعيف، لم يوثقه أحد ولا قواه ، بل ضعفه
جميعهم أو أكثرهم، كما يظهر من تهذيب التهذيب والميزان. فالحديث ضعيف، لكن أخرجه أحمد من غير
طريق أبى حمزة أيضا، فقد رواه (ج ٦ ص ٣٠١) عن طلق بن غنام بن طلق عن سعيد بن عثمان الوراق عن
أبى صالح عن أم سلمة، ورواه ابن حبان أيضا فى صحيحه من غير طريق أبى حمزة. قال الحافظ فى تهذيب
التهذيب فى ترجمة أبى صالح: ذكره ابن حبان فى الثقات، وأخرج حديثه ((هذا)، فى صحيحه من رواية غير
أبى حمزة ميمون عنه - انتهى. ويؤيده أيضا حديث حذيفة مرفوعا: ما من حالة يكون العبد فيها أحب إلى
الله من أن يراه ساجدا ، يعفر وجهه فى التراب. رواه الطبرانى.
١٠١٠ - قوله (الاختصار) أى وضع اليد على الخاصرة، وهى جنب الانسان فوق رأس الورك
(فى الصلوة راحة أهل النار) قال القاضى: أى يتعب أهل النار من طول قيامهم أى فى الموقف فيستريحون بالاختصار،
وقيل: إنه من فعل اليهود والنصارى فى صلوتهم، وهم المرادون بأهل النار أى مآلا وعاقبة ، لأن أهل النار لاراحة
لهم لقوله تعالى: ﴿لا يفتر عنهم - ٤٣ :٧٥) (رواه فى شرح السنة) قال ميرك: أى بغير سند، فقال: وفى بعض
الأحاديث: الاختصار راحة أهل النار - انتهى. قلت: فقول المصنف رواه فى شرح السنة خطأ فانه إنما يقال فى مثل
هذا ذكره، ولا يقال رواه. وقد صح النهى عن الاختصار فى الصلوة، كما تقدم فى الفصل الأول مع بيان
حكمة النهى عنه مفصلا. والحديث أخرجه ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما من حديث أبى هريرة مرفوعا ،
كما فى الترغيب للمنذرى. وقال الشوكانى فى النيل: روى ذلك ابن أبى شيبة عن مجاهد، ورواه أيضا عن عائشة
وروى البيهقى (ج ٢ ص ٢٨٧) عن أبى هريرة، أن النبى وَثم قال: الاختصار فى الصلوة راحة أهل النار.
قال العراقى: وظاهر إسناده الصحة، ورواه أيضا الطبرانى ـ انتهى. وقال الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج٢ ص٨٥)
بعد ذكره من رواية أبى هريرة: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه عبد الله بن الازور، ضعفه الأزدى، وذكر
له هذا الحديث وضعفه به - انتهى. ولم أقف على من أخرجه من حديث ابن عمر
١٠١١ - قوله (اقتلوا الأسودين فى الصلوة) أى ولو فى الصلوة، ففى حديث ابن عباس عند الحاكم
والطبرانى بإسناد ضعيف مرفوعا: اقتلوا الحية والعقرب، وإن كنتم فى صلوتكم. والأمر للندب وقيل: الرخصة
٣٧٧
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
الحية والعقرب.
و الاباحة، وصرفه عن الوجوب ما رواه أبو يعلى والطبرانى فى الأوسط عن عائشة، قالت: دخل على بن أبى
طالب على رسول الله {ئل و هو يصلى، فقام إلى جنبه فصلى بصلوته، جاءت عقرب حتى انتهت إلى رسول الله
مؤتم ثم تركته، فذهبت نحو على، فضربها بفعله حتى قتلها، فلم ير رسول اللّه ◌َيّ بقتلها بأسا. قال الهيشمى فى
مجمع الزوائد (ج ٢ ص ٨٤) رجال أبى بعلى رجال الصحيح غير معاوية بن يحيى الصدفى، وأحاديثه عن الزهرى
مستقيمة، كما قال البخارى، وهذا منها، وضعفه الجمهور. وفى طريق الطبرانى: عبد الله بن صالح كاتب الليث.
قال عبد الملك بن شعيب بن الليث ثقة مأمون، وضعفه الأئمة أحمد وغيره - انتهى (الحية والعقرب) بيان
للأسودين. وتسمية العقرب والحية بالأسودين إما لتغليب الحية على العقرب، لأنه لا يسمى بالأسود فى الأصل
إلا الحية، أو لأن عقرب المدينة يميل إلى السواد. وقيل: بل لأن بعض العقارب یکون أسود، و ((ال » فيهما
للجنس، فيشمل كل منهما الذكر والأنثى، ويلحق بهما كل ضرار مباح القتل كالزنابير والشبئان ونحوهما ، وأما
القمل فقال القاضى: الأولى التغافل عنه، فان قتلها فلا بأس، لأن أنسا كان يقتل القمل والبراغيث فى الصلوة ،
وكان الحسن يقتل القمل، وقال الأوزاعى: تركه أحب إلى، وكان عمر يقتل القمل فى الصلوة ، رواه سعيد، كذا
فى المغنى (ج١ ص ٦٦٧) قال الشوكانى: والحديث يدل على جواز قتل الحية والعقرب فى الصلوة من غير كرامة.
و إلى ذلك ذهب جمهور العلماء، كما قال العراقى. وحكى الترمذى عن جماعة كراهة ذلك، منهم ابراهيم النخعى.
وقال الخطابى فى المعالم (ج١ ص ٢١٨): رخص عامة أهل العلم فى قتل الأسودين إلا ابراهيم النخعى، والسنة أولى
ما اتّبع - انتهى. قال العراقى: وأما من قتاها فى الصلوة، أوهم بقتلها فعلى بن أبى طالب وابن عمر روى ابن أبى شيبة
عنه باسناد صحيح أنه رأى ريشة وهو يصلى لحسب أنها عقرب، فضربها بفعله ، ورواه البيهقى أيضا وقال: فضربها
برجله، وقال حسبت أنها دقرب. واعلم أن الأمر بقتل الحية والمقرب فى الصاوة مطاق غير مقيد بضربة
أو ضربتين، فيجوز قتلهما فى الصلوة وإن احتاج فيه إلى المشى الكثير والمعالجة الكثيرة لاطلاق الحديث.
قال ابن الهمام: الحديث باطلاقه يشمل ما إذا احتاج إلى عمل كثير - انتهى. ولا تفسد الصلوة بذلك، لأنه رخصة
كالمشى والعمل فى سبق الحديث عند الحنفية. وفى شرح المنية قالوا: أى بعض المشائخ هذا إذا لم يحتج إلى المشى
الكثير كثلاث خطوات متواليات ، ولا إلى المعالجة الكثيرة كثلاث ضربات متواليات، فأما إذا احتاج فمشى
وعالج تفسد صلاته كما لو قاتل، لأنه عمل كثير، ذكره السروجى فى المبسوط. ثم قال: والأظهر أنه لا تفصيل
فيه، لأنه رخصة كالمشى فى سبق الحدث، ويؤيده إطلاق الحديث، والأصح هو الفساد، إلا أنه يباح له إفسادها
لقتلهما كما يباح لا غاثة ملحوف أو تخايص أحد من الهلاك كسقوط من سطح أو حرق أو غرق، ذكره القارى
فى المرقاة. والحق عندنا هو عدم التفصيل، فقتلهما لا يفسد الصاوة مطلقا لا طلاق الحديث. ذكر شيخ الاسلام
السرخسى: أن الأظهر أن لا تفسد صلات، لأن هذا عمل رخص فيه المصلى، فأشبه المشى بعد الحدث والاستقاء من البئر
٣٧٨
منعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
رواه أحمد وأبو داود والترمذى، وللنسائى معناه .
١٠١٢ - (٢٨) وعنب عائشة، قالت: كان رسول اللّه تري يصلى تطوعا والباب عليه مغلق، فجئت
فاستفتحت، فمشى ففتح لى، ثم رجع إلى مصلاه، وذكرت: أن الباب كان فى القبلة.
والوضوء - انتهى. وقال الشوكانى: واستدل المانعون من ذلك إذا بلغ إلى حد الفعل الكثير، والكارهون له بحديث:
إن فى الصلوة لشغلا ، وبحديث: أسكنوا فى الصلوة عند أبى داود . ويجاب عن ذلك بأن حديث الباب عاص،
فلا يعارضه ما ذكروه، وهكذا يقال فى كل فعل كثير ورد الاذن به، كحديث حمله ربيع لأمامة ، وحديث
خلعه للفعل، وحديث صلوته ◌َيضع على المنبر ونزوله للسجود ورجوعه بعد ذلك، وحديث أمره مر ثم بدره المار،
وإن أفضى إلى المقاتلة، وحديث مشيه لفتح الباب (الآتى بعد هذا الحديث) وكل ما كان كذلك ينبغى أن يكون
مخصصا لعموم أدلة المنع ـ اتنهى (رواه أحمد) فى (ج ٢ ص٣٣٣ - ٣٤٨) (وأبو داود والترمذى) وأخرجه
أيضا ابن حبان فى صحيحه والبيهقى (ج ٢ ص ٢٦٦) والحاكم فى المستدرك (ج ١ ص ٢٥٦)، وقال: حديث صحيح
ولم يخرجاه. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح، وسكت عنه أبو داود. ونقل المنذرى تصحيح الترمذى
وأقره . وفى الباب عن عائشة وابن عباس، كما تقدم، وعن أبي رافع عند ابن ماجه، بإسناد ضعيف، وعن
رجل من بنى عدى بن كعب عند أبى داود فى مراسيله بإسناد منقطع.
١٠١٢ - قوله (والباب عليه مغلق) فيه أن المستحب لمن صلى فى مكان بابه إلى القبلة أن يغلق الباب
عليه ليكون سترة الماربين يديه، وليكون أستر. وفيه إخفاء صلوة التطوع عن الآدميين (لجئت فاستفتحت) أى
طلبت فتح الباب. والظاهر أنها ظنت أنه ليس فى الصلوة، وإلا لم تطلبه منه كما هو اللائق بأدبها وعلمها
(ثم رجع إلى مصلاه) أى على عقبيه (وذكرت) أى عائشة (أن الباب كان فى القبلة) أى فلم يتحول مؤثّه عنها عند
مجيئه إليه، ويكون رجوعه إلى مصلاه على عقبيه إلى خلف. قال الأشرف: هذا قطع وهم من يتوم أن هذا
الفعل يستلزم ترك استقبال القبلة، و لعل تلك الخطوات لم تكن متوالية، لأن الأفعال الكثيرة إذا تفاصلت
ولم تكن على الولاء لم تبطل الصلوة ، قال المظهر: ويشبه أن تكون تلك المشية لم تزد على خطوتين. قال القارى:
الإشكال باق، لأن الخطوتين مع الفتح والرجوع عمل كثير، فالأولى أن يقال تلك الفعلات لم تكن متواليات
- انتهى. قال شيخنا فى شرح الترمذى: هذا كله من التقييد بالمذهب. والظاهر أن أمثال هذه الأفعال فى صلوة
التطوع عند الحاجة لا تبطل الصلوة، وإن كانت متوالية. قال ابن الملك: مشيه عليه الصلوة والسلام وفتحه
الباب ثم رجوعه إلى مصلاه يدل على أن الأفعال الكثيرة اذا تتوالى لا تبطل الصلاة. واليه ذهب بعضهم - انتهى.
٣٧٩
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩٠ - باب ما لا يجوز من العمل
رواه أحمد وأبو داود والترمذى وروى النسائى نحوه.
١٠١٣ - (٢٩) وعند طلق بن على،
قلت: وهذا هو الراجح المعول عليه عندى لظاهر الحديث ، لكن فى صلوة التطوع عند الحاجة لا مطلقا
1
(رواه أحمد وأبو داود والترمذى) وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٢ ص ٢٦٥). وقال الترمذى: حديث حسن
غريب. وسكت عنه أبو داود. ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره (وروى النسائى نحوه) ولفظه: قالت
استفتحت الباب، ورسول اللّه وَضع يصلى تطوعا، والباب على القبلة، فمشى عن يمينه أو عن يساره ففتح الباب،
ثم رجع إلى مصلاه.
١٠١٣ - قوله (وعن طلق) بفتح الطاء ومكون السلام (بن على) كذا وقع فى جميع النسخ الموجودة
الحاضرة عندنا . ووقع فى المصابيح عن على بن طلق، وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٨ ص ١٠٨) وهذا
هو الصواب، لأنه موافق لما وقع فى جامع الترمذى وسنن أبي داود والنسائى والدارمى والدارقطنى وابن حبان
والبيهقى (ج٢ ص ٢٥٥) ولأن هذا الحديث من مسند على بن طلق كما يظهر من الاستيعاب والاصابة وتهذيب التهذيب،
لا من مسند طلق بن على، فان له أحاديث أخرى غير ذلك فما وقع ههنا لاشك عندى فى كونه سهوا من صاحب المشكوة
أوتوهم هو وقوع القلب فى روایات من ذكرنا من أصحاب الكتب (كما رأى ذلك بعض الناس على ما قال البرقی ،کما
فى تلقيح الفهوم (ص ١١٤، لابن الجوزى)، تخالف صاحب المصابيح وصمح على ما توهم، وأيا ما كان فالصحيح مهنا
هو على بن طلق لا طلق بن على، وقد تقدم هذا الحديث فى باب ما يوجب الوضوء بزيادة ونقصان من رواية
الترمذى وأبي داود، وذكر المصنف هناك اسم الصحابى على بن طلق على ما هو الصواب. قال الحافظ فى تهذيب
التهذيب (ج ٧ ص ٣٤١) على بن طلق بن المنذر بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى بن سيم ، نسبه
خليفة بن خياط الخنفى اليمامى، روى عن النبي تُوضع فى الوضوء من الريح وغير ذلك - انتهى وقال فى الاصابة
(ج٢ ص٥١٠) بعد ذكر نسبه كما فى التهذيب. قال ابن حبان: له صحبة . وقال ابن عبد البر: أظنه والدطلق بن على
وبذلك جزم العسكرى. وروى حديثه أبو داود والترمذى والنسائى، وهو ((إذا فسا أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا
النساء فى أدبارهن)) ونقل الترمذى عن البخارى قال: لا أعرف لعلى بن طلق غير هذا الحديث - انتهى. وقد قوى
الحافظ ظن ابن عبد البرفى تهذيب التهذيب حيث قال: وهو ظن قوى ، لأن النسب الذى ذكره خليفة هنا هو النسب
المتقدم فى ترجمة طلق بن على من غير مخالفة ، وجزم به العسكرى - انتهى. تنبيهان: الأول: ذكر
بعض الرواة فى روايته لهذا الحديث اسم الصحابى طلق بن على، كعبد الرزاق عن معمر عن عاصم الأحول عن عيسى
ابن حطان، وأبى نعيم عن عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان ، وسمى شعبة عن عاصم الأحول عند أحمد طاق
٣٨٠