النص المفهرس

صفحات 321-340

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
ويتصدقون ولا تصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول اللّه مفتى: أفلا أعلكم شيئا تدركون به
من سيقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟
قالوا: بلى يا رسول اللّه! قال: تسبجون، وتكرون، وتحمدون
حديث ابن عمر: وصدقوا تصديقنا وآمنوا إيماننا (ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق) لأنهما يتعلقان بالمال ،
ولا مال لنا، فلهم فضل علينا بزيادة العبادات المالية. وفى رواية للبخارى: ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون
ويجاهدون، ويتصدقون (أفلا أعلمكم) قدمت الهمزة للصدارة، والتقدير: ألا أسليكم فلا أعلمكم (تدركون به) أى بذلك
الشفى (من سبقكم) أى من أهل الأموال الذين امتازوا بالصدقة والاعتاق عليكم، والجملة فى موضع نصب، مفعول
(تدركون)) والمراد بالسبق السبق رتبة أى من حيث كثرة الأعمال بسبب المال، ورجحه الشيخ تقي الدين على السبق
زمانا، وعلى هذا ينبغى حمل البعدية فى قوله: (وتسبقون به من بعدكم) على البعدية رتبة أيضا، أى تسبقون به أمثالكم
الذين لا يقولون هذه الأذكار، فتكون البعدية معنوية، أى بحسب الرتبة لا حسية (ولا يكون أحد) أى من الأغنياء لأن
الكلام فيهم (أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم) قيل: الاستثناء متعاق بهذه الجملة الأخيرة فقط، وقيل: يصح جعله
متعلقا بالجمل الثلاث كلها على معنى يحصل لكم الأحوال الثلاث بالنظر إلى الطوائف إلا من عمل من الطوائف الثلاث
مثله. قال الطبى: فإن قلت: ما معنى الأفضلية فى قوله ((لا يكون أحد أفضل منكم، مع قوله «إلا من صنع مثل ما
صنعتم، فإن الأفضلية تقتضى الزيادة، والمثلبة تقتضى المساواة، قلت: هو من باب قوله:
إلا المعافير وإلا العيس
وبلدة ليس بها أيس
بنى إن تقدر أن المثلية تقتضى الأفضلية فتحصل الأفضلية، وقد على أنها لا تقتضيها فإذا لا يكون أحد أفضل منكم، هذا على
مذهب التميمى . ويحتمل أن يكون المعنى: ليس أحد أفضل منكم إلا هؤلاء فإنهم يساوونكم، وأن يكون المعنى بأحد الأغنياء
أى ليس أحد من الأغنياء أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم - انتهى. واستشكل تساوى فضل هذا الذكر بفضل
التقرب بالمال مع شدة المشقة فيه. وأجيب بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة فى كل حال ، فإن ثواب
كلمة الشهادتين مع سهولتها أكثر من العبادات االشاقة (قالوا بلى) أى علمنا ذلك (قال: تسبحون، وتكبرون، وتحمدون)
أخبار بمعنى الأوامر، أو من قبيل «تسمع بالمعيدى خير من أن تراه، وقد وقع فى هذه الرواية تقديم التكبير على التحميد
خاصة، وفيه أيضا قول أبى صالح: يقول: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ومثله لأبي داود من حديث أم الحكم، وله
من حديث أبى هريرة: تكبر، وتحمد، وتسبح، وكذا فى حديث ابن عمر، ووقع فى أكثر الأحاديث تسبحون، وتحمدون
وتكبرون، وهذا الاختلاف يدل على أن لا ترتيب فيها ويستأنس لذلك بقوله فى حديث: الباقيات الصالحات لا يضرك
٣٢١

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة. قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله مؤتمر فقالوا:
سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. فقال رسول اللّه مؤفي: ذلك
بأيهن بدأت، لكن الترتيب الذى وقع فى أكثر الأحاديث أولى. قال الحافظ: الأولى البداءة بالتسبيح، لأنه يتضمن
ففى النقائص عن البارى سبحانه وتعالى، ثم التحميد، لأنه يتضمن إثبات الكمال له، إذ لا يلزم من نفى النقائص إثبات
الكمال، ثم التكبير إذ لا يلزم من نفى النقائص وإثبات الكمال نفى أن يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدال
على انفراده سبحانه وتعالى بجميع ذلك (دبر كل صلاة) وفى رواية للبخارى «خلف كل صلاة، ومقتضى الحديث أن
الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيرا بحيث لا يعد معرضا أو كان ناسيا
أو متشاغلا بما ورد أيضا، وكآية الكرسى فلا يضر، وظاهر قوله ((كل صلاة، يشمل الفرض والنفل، لكن حمله أكثر
العلماء على الفرض، وقد وقع فى حديث كعب بن عجرة الآتى التقيد بالمكتوبة، وكانهم حملوا المطلقات عليها، وعلى
هذا يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلا بين المكتوبة والذكر، والله أعلم (ثلاثا وثلاثين مرة) يحتمل أن
يكون المجموع للجميع، فإذا وزع كان لكل واحد من الثلاثة إحدى عشرة، وهو الذى فهمه سهيل بن صالح كما رواه مسلم ،
لكن لم يتابع سهيل على ذلك، والأظهر أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد، والأفعال الثلاثة تنازعت فى الظرف، وهو «دبر)»
وفى ((ثلاثاً وثلاثين)) وهو مفعول مطلق، والتقدير: تسبحون دبر كل صلاة ثلاثاو ثلاثين، وتكبرون كذلك. وتحمدون كذلك
ثم ظاهر هذه الرواية أن يقول ذلك مجموعا، ورجحه بعضهم للإتيان فيه بواو العطف، والمختار أن الإفراد أولى لتميزه
باحتياجه إلى العدد، وله على كل حركة لذلك سواء كان بأصابعه أو بغيرها ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلاث
(قال أبو صالح) هو راوى الحديث عن أبى هريرة، وهو ذكوان - بفتح المعجمة وسكون الكاف - أبو صالح السمان
الزيات المدنى مولى جويرية بنت الأحمس الغطفانى، شهد الدار زمن عثمان، ثقة ثبت ، من أوساط التابعين ، كان يجلب
الزيت إلى الكوفة، مات سنة (١٠١) (فرجع فقراء المهاجرين) إلخ. قول أبى صالح هذا مدرج فى حديث أبى هريرة، قال
الحافظ فى الفتح: هذه الزيادة مرسلة، وقد روى الحديث البزار من حديث ابن عمر، وفيه ((فرجع الفقراء، فذكره
موصولا لکن إِسناده ضعيف، وروی جعفر الفریابی من رواية حرام بن حکیم عن أبى ذر ، وقال : فیه ، قال أبو ذر:
يا رسول الله! إنهم قد قالوا مثل ما نقول، فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ونقل الخطيب أن حرام بن حكيم
يرسل الرواية عن أبى ذر، فعلى هذا لم يصح بهذه الزيادة إسناد إلا أن هذين الطريقين يقوى بهما مرسل أبى صالح - انتهى.
(سمع إخواننا أهل الأموال) بدل، وفائدة البدل إشعار بأن ذلك غبطة لا حسد (بما فعلنا) ضمن سمع معنى الاخبار
فعدى بالباء (ففعلوا مثله) أى مثل ما فعلنا، وإطلاق الفعل على القول شائع سائغ (ذلك) أى الزائد من الثواب الذى
٣٢٢

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
فضل الله يؤتيه من يشاء. متفق عليه. وليس قول أبى صالح إلى آخره إلا عند مسلم. وفى رواية
البخارى: تسبحون فى دبر كل صلاة عشرا، وتحمدون عشرا، وتكبرون عشرا. بدل ((ثلاثا وثلاثين)).
حصل لهم على الجود بأموالهم منضمها إلى فعلهم ما فعله الفقراء (فضل الله يؤتيه من يشاء) قال الطبى: إشارة إلى أن الغنى
الشاكر أفضل من الفقير الصابر، فعم لا يخلو الغنى عن أنواع من الخطر، والفقير الصابر آمن - انتهى. قلت: المسئلة
ذات خلاف مشهور بين السلف والخلف من الطوائف، بسطه الغزالى فى إحياء العلوم، والحافظ فى الفتح فى كتاب
الأطعمة ، وأما ما ورد من أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة سنة من أيام الدنيا. ففيه أن
دخول الفقراء قبل الأغنياء لا ينافى فضل الأغنياء، وعلى درجاتهم، وكثرة ثواب أعمالهم، لأن ذلك من جهة كون حساب
الفقراء يسيرا، سهلا سريع الانقضاء، والله أعلم. والحديث يدل على فضل الذكر عقب الصلاة ، واستدل به البخارى
على فضل الدعاء عقيب الصلاة ، لأنه فى معناها ، فإن الذا كر يحصل له ما يحصل للداعى إذا شغله الذكر عن الطلب كما فى
حديث ابن عمر: من شغله ذكرى عن مسئلتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ، أخرجه الطبرانى بسند لين ، وحديث أبى
سعيد بلفظ: من شغله القرآن وذكرى عن مسئلتى - الحديث، أخرجه الترمذى وحسنه. ولأنها أوقات فاضلة ترجی فيها
إجابة الدعاء (متفق عليه) واللفظ المذكور لمسلم، والمراد أنه اتفق الشيخان على أصل هذا الحديث ، وإلا فقوله: يتصدقون
ولا تصدق ويعتقون ولا نعتق ، من أفراد مسلم. والحديث أخرجه أيضا النسائى فى اليوم والليلة (وليس قول أبى صالح
إلى آخره إلا عند مسلم) الأحسن أن يقول المصنف بعد قوله ((وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين)) متفق عليه، وزاد
مسلم: قال أبو صالح، إلخ (وفى رواية للبخارى) أى فى الدعوات (تسبحون فى دبر كل صلاة عشرا، وتحمدون
عشرا، وتكبرون عشرا ، بدل ثلاثا) نصب على الحكاية (وثلاثين) قال الحافظ فى الفتح: وقع فى رواية ورقاء عن سمى
عند المصنف فى الدعوات فى هذا الحديث ((تسبحون عشرا، وتحمدون عشرا، وتكبرون عشرا) ولم أقف فى شئ من طريق
حديث أبى هريرة على من تابع ورقاء على ذلك ، لا عن سمى ، ولا عن غيره ، ويحتمل أن يكون تأول ما تأول سهيل من
التوزيع ثم ألقى الكسر، ويعكر عليه أن السياق صريح فى كونه كلام النبي مرَّة، وقال: وأظن سبب الوهم أنه وقع فى
رواية ابن عجلان «تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة، حمله بعضهم على أن العدد
المذكور مقسوم على الأذكار الثلاثة، فروى الحديث بلفظ إحدى عشرة، وألغى بعضهم الكسر فقال («عشرا، والله أعلم.
قال: وقد وجدت لرواية العشر شواهد: منها عن على عند أحمد، وعن سعد بن أبى وقاص عند النسائى، وعن عبد الله
ابن عمرو عنده، وعند أبى داود والترمذى، وعن أم سلمة عند البزار، وعن أم مالك الأنصارية عند الطبرانى، وجمع
البغوى فى شرح السنة بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون صدر ذلك فى أوقات متعددة، أولها عشرا عشرا، ثم
٣٢٣

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
٩٧٣ - (٨) وعن كعب بن عجرة، قال: قال رسول اللّه مَ فى: معقبات لا يخيب قائلهن - أو
فاعلهن - دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع
وثلاثون تكبيرة. رواه مسلم.
٩٧٤ - (٩) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مؤلم: من سبح اللّه فى دبر كل صلاة ثلاثا
وثلاثين، وحمد الله
إحدى عشرة، إحدى عشرة ، ثم ثلاثا وثلاثين ، ثلاثا وثلاثين، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل التخيير، أو يفترق
بافتراق الأحوال .
٩٧٣ - قوله (معقبات) بضم الميم وفتح المهملة وكسر القاف المشددة ، أى كلمات معقبات، وهو مبتدأ خبره
ثلاث وثلاثون، أوقوله: لا يخيب، إلخ. قال الجزرى: سميت معقبات لأنها عادت مرة بعد أخرى، أو لأنها تقال عقيب
الصلاة ، والمعقب من كل شئى ما جاء عقيب ما قبله (لا يخيب) من الخية ، أى لا يحرم من أجرهن أى كيفما كان ولو
عن غفلة، هذا هو ظاهر هذا اللفظ ، والله تعالى أعلم. وقد ذكر بعضهم أنه لا أجر فى الأذكار إذا كانت عن غفلة
سوى القراءة (قائلهن، أو فاعلهن) أو للشك من الراوى (دبر كل صلاة) ظرف القول (ثلاث وثلاثون تسبيحة) قال
الطبي: قوله: معقبات إما صفة مبتدأ أقيمت أى فى الابتدائية مقام الموصوف، أى كلمات معقبات، و((لا يخيب، خبره ،
و ((دبر) ظرف، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر، وأن يكون متعلقا بقائلهن، وإما مبتدأ و((لا يخيب، صفته، و((دبره
صفة أخری و«ثلاث وثلاثون، خبر ، ويحتمل أن یکون «ثلاث وثلاثون، خبر مبتدأ محذوف، أی من أو هى ثلاث
وثلاثون إلى غير ذلك من الاحتمالات (رواه مسلم) وأخرجه أيضا الترمذى فى الدعوات، وحسنه، وذكر الاختلاف
فى رفعه ووقفه، وأخرجه النسائى فى الصلاة. قال النووى فى شرح مسلم: ذكر الدار قطنى هذا الحديث فى استدراكاته
على مسلم ، وقال: الصواب أنه موقوف على كعب، لأن من رفعه لا يقاومون من وقفه فى الحفظ، وهذا الذى قاله
الدار قطنى مردود، لأن مسلما رواه من طرق كلها مرفوعة، وذكره الدارقطنى أيضا من طرق أخرى مرفوعة، وإنما
روى موقوفاً من جهة منصور وشعبة ، وقد اختلفوا عليهما أيضا فى رفعه ووقفه، وبين الدار قطنى ذلك، وقد قدمنا أن
الحديث الذى روى موقوفاً ومرفوعا يحكم بأنه مرفوع على المذهب الصحيح الذى عليه الأصوليون والفقهاء والمحققون
من الحدثین ، منهم البخاری ، وآخرون ، حتى لو كان الواقفون أ کثر من الرافیین حکم بالرفع، کیف، والأمر هنا
بالعكس؟ ودليله أن هذه زيادة ثقة، فرجب قبولها ، ولا ترد لنسيان أو تقصير حصل من وقفه - انتهى.
٩٧٩ - قوله (من سبح الله) أى قال: سبحان الله (فى دبر كل صلاة) أى فريضة (وحمد الله) بكسر الميم
٣٢٤

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
ثلاثا وثلاثين، وكبر اللّه ثلاثا وثلاثين فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئى قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر .
المخففة ، أی قال: الحمد لله (و کبر الله) أى قال: الله أ کبر (ثلاثا وثلاثين) أى فى دبر كل صلاة ، وحذفه فى هذا وما
قبله للعلم به من الأول (فتلك) أى التسيحات والتحميدات والتكبيرات (تسعة وتسعون) على العدد جملة بعد التفصيل،
ويسمى فذلكة ليحاط به من جهتين فيتأكد العلم، إذ علمان خير من علم فهو نظير قوله تعالى ( تلك عشرة كاملة - ٢: ١٩٦)
بعد ذكر ثلاثة وسبعة، وليترتب عليه قوله: (وقال) أى النبي مَِّ. وقيل: ذلك القائل، يعنى ذكر (تمام المائة) بالنصب على
المفعولية ، وقيل: مرفوع على أنه مبتدأ خبره (لا إله إلا الله) قال القارى: تفصيل الكلام فى هذا المقام أن لفظ «تمام.
إما منصوب على أنه مفعول به لقال ، لأنه فى المعنى جمة ، إذ ما بعده عطف بيان ، أو بدل ، أوخبر محذوف، فصح كونه
مقول القول، والمراد من ((تمام المائة) ما تتم به المائة، ويجوز أن يكون نصبه بالظرفية أى فى وقت تمام المائة، أى عند
إرادة تمامها، والعامل فيه لفظ قال. قال ابن الملك: فلفظة ((قال)) للرسول ◌َاللّه بدل من سبح، وقال زين العرب،
والأبهرى: فيه ضمير يعود إلى من سبح، أو مرفوع على أنه مبتدأ وخبره لا إله إلا الله، إلخ. فيكون تمام مع خبره حالا
من ضمير سبح ، والعائد محذوف ، أى حال كونه تمام مائة عليها أو عليه ، فلفظة ((قال) على هذا تكون الراوى، وضميره
عائد إلى الرسول وَالله. قال ابن الملك: والأول أولى، وعليهما الجزاء إنما يترتب على الشرط إذا وقع تمام المائة
التهليل المذكور - انتهى. وكون التهليل المذكور تمام المائة يخالف ما ورد فى عدة من الروايات أنه يكبر أربعا وثلاثين ،
فإنه يدل على كون تمام المائة التكبير. قال النووى: يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعا وثلاثين، ويقول معها ((لا إله إلا
الله وحده) إلى آخره. وقال غيره: بل يجمع بأن يختم مرة بزيادة تكبيرة، ومرة بلا إله إلا الله، على وفق ما وردت به
الأحاديث (وحده) جوز الكوفية كون الحال معرفة، والبصرية أولوها بالنكرة ، وقالوا معناه منفردا أى فى ذاته
(لا شريك له) أى فى أفعاله وصفاته نقلا وعقلا (له الملك) أى أصناف المخلوقات له خاصة لا لغيره (وله الحمد)
المصدرية الشاملة لمعنى الفاعلية والمفعولية ، فهو الحامد والمحمود (غفرت خطاياه) هذا جزاء الشرط وهو (من سبح الله))
والمراد بالخطايا الذنوب الصغائر. قال القارى: ويحتمل الكبائر (وإن كانت) أى فى الكثرة (مثل زبد البحر) وهو
ما يعلو على وجهه عند هيجانه وتموجه. واعلم أنه قد ورد فى كل من تلك الكلمات الثلاث روايات مختلفة . قال ابن حجر
المكى: ورد التسيح ثلاثا وثلاثين، وخمسا وعشرين، وإحدى عشرة، وعشرة، وثلاثما، ومرة واحدة. وسبعين، ومائة،
وورد التحميد ثلاثا وثلاثين، وخمسا وعشرين، وإحدى عشرة، وعشرة، ومائة، وورد التهليل عشرة، وخمسا وعشرين ،
ومائة . قال الحافظ الزين العراقى: وكل ذلك حسن ، وما زاد فهو أحب إلى الله تعالى. وتقدم عن البغوى أنه جمع بأنه
٣٢٥

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
رواه مسلم.
( الفصل الثانى )
٩٧٥ - (١٠) عن أبى أمامة، قال: قيل يا رسول الله: أى الدعاء أسمع؟ قال. جوف الليل الآخر،
ودبر الصلوات المكتوبات. رواه الترمذى.
٩٧٦ - (١١) وعن عقبة بن عامر، قال: أمرنى رسول اللّه ◌َبٍ أن أقرأ بالمعوذات فى دبر كل صلاة.
يحتمل صدور ذلك فى أوقات متعددة ، وأن يكون على سبيل التخيير ، أو يفترق بافتراق الأحوال - انتهى (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا النسائى، والبيهقى فى الدعوات كلهم من طريق عطاء بن يزيد، عن أبى هريرة ، قاله السيوطى. وأخرجه
مالك فى الموطأ من هذا الطريق موقوفا على أبى هريرة .
٩٧٥ - قوله (أى الدعاء أسمع) أى أوفق إلى السماع، أو أقرب إلى الإجابة، فإن السمع قد يحثى بمعنى
الإجابة، يقال: سمع الأمير قوله، أى أجابه وأعطى سؤاله (جوف الليل) روى بالرفع وهوالأكثر على أنه خبر مبتدأ
محذوف ، أو مبتدأ خبره محذوف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مرفوعا، أى دعاء جوف الليل أسمع،
وروى بنصب ((جوف)) على الظرفية أى فى جوفه (الآخر) صفة جوف فيتبعه فى الإعراب. قيل: والجوف الآخر من
الليل هو وسط النصف الآخر من الليل - بسكون السين لا بالتحريك - (ودبر الصلوات المكتوبات) عطف على
((جوف)) تابع له فى الإعراب. والحديث فيه تصريح بأن جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات من
أوقات الإجابة ، وسيأتى هذا الحديث فى باب التحريض على قيام الليل (رواه الترمذى) أى فى الدعوات من طريق
ابن جريج، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبى أمامة، وقال: حديث حسن - انتهى. قلت: رجاله ثقات، إلا أن
ابن جريج مدلس، وقد رواه عن عبد الرحمن بالعنعنة، وأيضا فى سماع عبد الرحمن بن سابط عن أبى أمامة كلام ، قال
الحافظ فى الإصابة (ج ٣: ص ١٤٨) فى القسم الرابع من حرف العين: أما هو أى عبد الرحمن بن سابط فتابعى،
كثير الإرسال، ويقال: لا يصح له سماع من صحابى، أرسل عن النبي مَّه كثيرا، وعن معاذ وعمر وعباس بن
أبى ربيعة، وسعد بن أبى وقاص، والعباس بن عبد المطلب، وأبى ثعلبة، فيقال: إنه لم يدرك أحدا منهم. قال
الدورى: سئل ابن معين هل سمع من سعد؟ فقال: لا. قيل: من أبى أمامة؟ قال: لا. قيل: من جابر؟ قال: لا.
قلت: وقد أدرك هذین - انتهى.
٩٧٦ - قوله (أن أقرأ بالمعوذات) بكسر الواو المشددة وتفتح (فى دبر كل صلاة) أى فريضة. والحديث فى
٣٢٦

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
رواه أحمد وأبو داود والنسائى والبيهقى فى ((الدعوات الكبير)).
٩٧٧ - (١٢) وعن أنس، قال: قال رسول اللّه تَّى: لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة
حتى تطلع الشمس، أحب إلى من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل. ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله
مسند أحمد (ج ٤: ص ١٥٥، ٢٠٤) وفى سنن أبي داود والنسائى والمستدرك الحاكم (ج ١: ص ٢٥٣) والدعوات
الكبير البيهقى بلفظ المعوذات، وفى فضائل القرآن من جامع الترمذى وصحيح ابن حبان كما فى الحصن بلفظ المعوذتين، فعلى
الأول إما أن نذهب إلى أن أقل الجمع اثنان، وإما أن يدخل سورة الإخلاص وحدها ، أو مع الكافرين فى المعوذتين ،
إما تغليبا، أو لأن كلتيهما براءة من الشرك، والتجاء إلى الله تعالى، ففيهما التبرى عن الشرك، والتعوذ به منه. وقيل
المراد بالمعوذات الآيات المتضمنة للاستعاذة لفظا أو معنى، فيدخل فيها سورة الإخلاص ، وسورة الكافرون أيضا ،
فإن فيهما معنى التعوذ، وقيل: المراد الكلمات المعوذة (رواه أحمد) (ج ٤ ص ٢٠١،١٥٥) (وأبو داود) وسكت
عنه هو والمنذرى (والنسائى) إلخ. وأخرجه أيضا الترمذى فى فضائل القرآن، وقال: حسن غريب. وابن حبان فى صحيحه
والحاكم (ج ١: ص ٢٥٣) وقال صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
٩٧٧ - قوله (لأن أقعد) بفتح الهمزة أى لقعودى، واللام للابتداء، وقيل: للقسم (مع قوم يذكرون الله) لم يقل
ذاكرا معهم لا فادة أن ذلك لا يتوقف على ما إذا ذكر معهم ، بل الاستماع يقوم مقام الذكر، فما بالك بما إذا ذكر معهم
لأنهم القوم لا يشقى جليسهم، والذكر يعم الدعاء، وتلاوة القرآن، والصلاة على النبى معَّه، ويلحق به ما فى معناه،
كدرس العلوم الشرعية (من صلاة الغداة) أى الصبح (من أن أعتق) بضم الهمزة وكسر التاء (أربعة) أنفس (من ولد
إسماعيل) خص بنى إسماعيل لشرفهم على غيرهم من العرب، والعرب أفضل الأمم ، ولقربهم منه عليه الصلاة والسلام،
لكونه مَّ من أولاد إسماعيل. وفى الحديث أوضح دليل لما ذهب إليه الشافعى من أنه يجوز ضرب الرق على العرب،
إذ لو امتنع رقهم لم يقل حيث أن هذا أحب إليه من عتقهم. وتأويل الحنفية هذا الحديث بأن إطلاق الأرقاء والعنق
عليهم على الفرض والتقدير ، وبأنه يمكن أن يسبى بالاشتباه، وأن المراد بالعتق إنقاذهم من الشدائد والمهالك . بعيد
خلاف الظاهر ، فلا يلتفت إليه. قال التور بشتى: معرفة وجه التخصيص فى الرقاب على الأربعة يقينا لا يوجد تلقينه إلا
من قبل الرسول ◌َّه، وعلينا التسليم، عرفنا ذلك أو لم نعرف، ويحتمل أن يكون ذلك لانقسام العمل الموعود عليه على
أربعة أقسام: ذكر الله تعالى، والقعود له ، والاجتماع عليه، وحبس النفس من حين يصلى إلى أن تطلع الشمس. وقال
ابن الملك: الأربعة هى القعود أى لذكر الله، وكونه مع قوم يذكرون الله، وكون ذلك من الغدوة أو العصر، واستمراره
إلى الطلوع أو الغروب، وقيل خص عدد الأربعة لأن فيه ذكر القعود، والذكر، والاستمرار إلى طلوع الشمس
٣٢٧

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، أحب إلى من أن أعتق أربعة. رواه أبو داود.
٩٧٨ - (١٣) وعنه، قال: قال رسول اللّه مَفى: من صلى الفجر فى جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى
تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة. قال: قال رسول اللّه مَّ: قامة،
تامة ، تامة. رواه الترمذى.
وصلاة ركعتين أو أربع كما فى رواية (من صلاة العصر) أى من بعد صلاة العصر (من أن أعتق أربعة) أى من ولد
إسماعيل، فإن الحديث رواه أبو يعلى أيضا، وزاد فى الموضعين ((أربعة من ولد إسماعيل، دية كل رجل منهم اثنا عشر ألفا»
والحديث دليل على أن الذكر أفضل من العتق والصدقة (رواه أبو داود) فى العلم وسكت عنه. وقال المنذرى: فى
إسناده موسى بن خلف أبو خلف العمى البصرى، وقد استشهد به البخارى ، وأثنى عليه غير واحد من المتقدمين ، وتكلم
فيه ابن حبان البستى - انتهى. وقال الحافظ العراقى: إسناده حسن. والحديث أخرجه أبو يعلى أيضا. وقال فى الموضعين:
أحب إلى من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفا. قال الهيشمى بعد ذكره: وفيه محتسب
أبو عائذ، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات - انتهى.
٩٧٨ - قوله (ثم قعد يذكر الله) أى استمر فى مكانه ومسجده الذى صلى فيه مشتغلا بالذكر (ثم صلى ركعتين)
قال الطيبي: أى ثم صلى بعد أن ترتفع الشمس قدر رمح حتى يخرج وقت الكرامة، وهذه الصلاة تسمى صلاة الإشراق، وهى
أولصلاة الضحى - انتھی. قلت : وقع فى حديث معاذ عند أبي داود: حتی پسبح ر کعتىالضحى، و کذا وقع فى حديث
أبى أمامة، وعتبة بن عبد عند الطبرانى (كانت) أى المثوبة (قال) أى أنس قال رسول اللّه مثل: (تامة تامة تامة)
صفة لحجة وعمرة + كررها ثلاثا التأكيد، وقيل: أعاد القول لئلايتوهم أن التأكيد بالتمام، وتكراره من قول أنس،
قال الطيبي: هذا التشبيه من باب إلحاق الناقص بالكامل ترغيبا للعامل، أو شبه استيفاء أجر المصلى تاما بالنسبة إليه باستيفاء
أجر الحاج تاما بالنسبة إليه. وأما وصف الحج والعمرة بالتمام فإشارة إلى المبالغة - انتهى (رواه الترمذى) وحسنه،
وفى سنده أبو ظلال هلال بن أبى هلال، ويقال: هلال بن أبى مالك. واختلف أيضا فى اسم أبيه القسملى البصرى
الأعمى ، ضعفه أكثرهم، وجعله البخارى مقارب الحديث فيما رواه الترمذى عنه ، وقال الذهبى فى الميزان ، والحافظ
فى تهذيب التهذيب: قال البخارى: عنده مناكير. وقال الذهبى فى الكنى: واه بمرة. وقال الحافظ فى التقريب:
ضعيف مشهور بكنيته - انتهى. وإنما حسن الترمذى حديثه لشواهده، منها: حديث أبى أمامة عند الطبرانى، قال المنذرى
فى الترغيب، والهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠: ص ١٠٤): إسناده جيد، ومنها: حديث أبي أمامة، وعتبة بن عبد عند
الطبرانى أيضا. قال المنذرى: وبعض رواته مختلف فيه. قال: وللحديث شواهد كثيرة ــ اتهى. وقال الهيثمى بعد
٣٢٨

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
( الفصل الثالث ) ®
٩٧٩ - (١٤) عن الأزرق بن قيس، قال صلى بنا إمام لنا يكنى أبا رمثة، قال: صليت هذه
الصلاة، أو مثل هذه الصلاة مع النبى معَّمَ، قال: وكان أبو بكر وعمر يقومان فى الصف المقدم
عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة فصلى نبى الله مؤفته، ثم سلم عن يمينه
وعن يساره، حتى رأينا بیاض خديه،
ذكره: رواه الطبرانى، وفيه الأحوص بن حكيم وثقه العجلى وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات ، وفى بعضهم
خلاف لا يضر - انتهى. وفى الباب أحاديث عديدة ذكرها المنذرى فى الترغيب ، والهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١:
ص ١٠٤).
٩٧٣٠ - قوله (عن الأزرق) بفتح الهمزة وتقديم الزاى المعجمة على الراء المهملة آخره قاف (بن قيس) الحارثى
البصرى، ثقة من أوساط التابعين، مات بعد العشرين والملكة (يكنى) بالتخفيف ويشدد (أبارمئة) بكسر أوله وسكون
الميم ، بعدما مثلثة البلوى التيمى من قيم الرباب، ويقال: التميمى. ويقال: هما اثنان، قيل: اسمه رفاعة بن يثربى، ويقال:
عكسه. ويقال: يثربى بن عوف. ويقال: عمارة بن يثربى. وقيل: حيان بن وهيب. وقيل: حبيب بن حبان. وقيل: جندب.
وقيل: خشخاش. صحابى له أحاديث، قال ابن سعد: مات بإفريقية. قال فى الإصابة (ج ٤: ص ٧٠): روى عنه إياد
ابن لقيط، وثابت بن منقذ. روى له أصحاب السنن الثلاثة، وصمح حديثه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم (قال)
أى أبو رمثة. وفى أبى داود ((فقال)) أى بزيادة الفاء (صليت هذه الصلاة) قال القارى: الإشارة هنا ليست للخارج،
لأن عين المشار إليه الواقع فى الخارج لم يصله معه عليه السلام، وإنما الذى صلاه معه نظيره، فتعينت الإشارة للحقيقة
الذهنية الموجودة فى ضمن هذه الخارجية وغيرها ولذا قال: (أو مثل هذه الصلاة) على الشك (قال) أى أبو رمثة
(وكان أبو بكر، وعمر يقومان فى الصف المقدم عن يمينه) لقوله ◌َّثه: لينى منكم أولو الأحلام والنهى. وقوله («إن الله
وملائكة يصلون على ميامن الصفوف)). وفيه إفادة الحث على أنه يسن تحرى الصف الأول، ثم تحرى يمين الامام
لأنه أفضل (قد شهد التكبيرة الأولى) أى تكبيرة التجريمة، فإنها الأولى حقيقة (من الصلاة) احتراز من التكبير المعتاد بعد
الصلاة، ووجه ذكر التكبيرة الأولى أى تكبير التحريمة التنبيه على أن مدركها إنما قام عقب صلاته لصلاة السنة ، لا
لكونه مسبوقا بقى عليه شئى يقوم لاكاله (ثم سلم عن يمينه وعن يساره) أى سلم مجاوزا نظره عن يمينه وعن يساره كما
يسلم أحد على من فى يمينه ويساره (حتى رأينا) متعلق بالمقدر المذكور (بياض خديه) أى من طرفى وجهه أى خده
٣٢٩

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
ثم انقتل كانفتال أبى رمثة - يعنى نفسه ـ فقام الرجل الذى أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة
يشفع، فوثب عمر، فأخد بمنكبيه، فهزه، ثم قال: اجلس، فإنه لن يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم
يكن بين صلاتهم فصل. فرفع النبى مؤفى بصره، فقال: أصاب اللّه بك يا ابن الخطاب ..
الأيمن فى الأولى، والأيسر فى الثانية (ثم انفتل) أى انصرف التى موقع ( كانفتال أبى رمثة) أى كانفتالى جرد عن نفسه
أبا رمثة، ووضعه موضع ضميره مزيدا للبيان، واستحضارا لتلك الحال فى مشاهدة السامع، كما قاله الطبى. ولذا قال
الراوى (يعنى) أى يريد أبو رمشة بقوله: أبى رمثة (نفسه) أى ذاته لا غيره (يشفع) بالتخفيف ويشدد ، قال الطيبي:
الشفع ضم الشئ إلى مثله يعنى قام الرجل يشفع الصلاة بصلاة أخرى (فوثب عمر) أى قام بسرعة، وفى أبى داود ((فوثب
إليه عمر، (بمنكبيه) بالتثنية (فهزه) بالتشديد أى حركه بعنف (فإنه) أى الشأن (لن يهلك) كذا فى جميع النسخ المشكاة ،
وفى سنن أبى داود (لم يهلك، والظاهر أن ما فى المشكاة خطأ من المصنف أو من الناسخ وهو بضم الياء (أهل الكتاب)
بالنصب ويجوز فتح الياء ورفع أهل (إلا أنه) أى الشأن، وفى بعض النسخ لأبي داود ،إلا أنهم» (لم يكن بين ضلاتهم) أى
بين صلواتهم إذ (بين)) لا يدخل إلا على متعدد (فصل) الفصل بين الفريضة والسنة قد يكون بالتنحى والتحول أى التقدم
أو التأخر، وقد يكون بالزمان سواء اشتغل فيه بالذكر أو كان ساكتا عنه، والظاهر أن المراد بالفصل مهنا الفصل بالزمان
لا الفصل بالتقدم أو التأخر ، لأنه قال عمر للرجل الذى قام يشفع بعد السلام: اجلس، ولم يقل تقدم أو تأخر. وإيراد
المصنف هذا الحديث فى هذا الباب يدل على أنه فهم من عدم الفصل فيه ترك الذكر بعد الصلاة، يعنى فينبغى للمصلى أن
يشتغل بعد السلام بالذكر الوارد ثم يصلى الراتبة، ففيه دليل على عدم وصل التطوع بالفريضة. قال الطيبي: يحتمل أن
يراد بعدم الفصل ترك الذكر بعد السلام، والتقدير: لن يهلكهم شئى إلا عدم الفصل، واستعمل ((لن)) فى الماضى معنى ليدل
على استمرار هلاكهم فى جميع الأزمنة. قال الجوهرى: ملكه يهلكه وهلك بنفسه هلا كا-انتهى. وفى القاموس: هلك كضرب ومنع
وعلم ملكا- بالضم - ومهاكة وتهلكة- مثلى اللام -مات، وأهلكه واستهلكه وملكهيهلكه لازم ومتعد-انتهى. وعلى تقدير
كونه لازما فى الحديث فالتقدير: ما هلكوا إلا لعدم كون الفصل بین صلاتهم. وقال ابن حجر: أى ما ملك أهل الكتاب بشئى
فعلوه عقب صلاتهم فإنهم هلكوا بأشياء كثيرة غير هذا فتعين رعاية خصوص ما قدرت، خلافا لمن قدر عاما بسائرأحواله-انتهى.
قال القارى: يريد به ابن حجر الاعتراض على الطبى، والظاهر أن هذا الهلاك مختص بمصليهم بخلاف سائر أسباب الهلاك، أو الحصر
إدعائى البالغة والله أعلم -انتهى (فرفع النبي ◌ُّ بصره) أى إليهما (أصاب الله بك) قيل: الباء زائدة، وقيل: الماء للتعدية والمفعول
محذوف، أى أصاب الله بك الرشد. وقال الطبى: من باب القلب أى أصبت الرشدفيمافعلت بتوفيق الله وتسديده،ونظيره(عرضت
الناقة على الحوض، أى عرضت الحوض على الناقة، وهوباب واسع فى البلاغة. وقال ابن حجر: الهمزة للتعدية، والباء
٣٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
رواه أبو داود.
٩٨٠ - (١٥) وعن زيد بن ثابت، قال: أمرنا أن نسبح فى دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، ونحمد
ثلاثا وثلاثين، ونكبر أربعا وثلاثين، فأتى رجل فى المنام من الأنصار، فقيل له: أمركم رسول الله
ورؤيتي أن تسبحوا فى دبر كل صلاة كذا وكذا؟ قال الأنصارى فى منامه: نعم. قال: فاجعلوها
خمسا وعشرين، خمسا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل. فلما أصبح غدا على النبى معَّ فأخبره، فقال
رسول اللّه مفع : فافعلوا.
زائدة للتأكيد ، والتقدير: أصابك الله الحق ، أى جعلك مصيبا له فى سائر أقوالك وأفعالك (رواه أبو داود) وسكت
عنه، وقال المنذرى: فى إسناده أشعث بن شعبة، والمنهال بن خليفة، وفيهما مقال ـ انتهى. ويشهد له ما روى
أحمد وأبو يعلى، عن عبد الله بن رباح، عن رجل من أصحاب النبيمؤ لم: أن رسول اللّه ◌ُوَّه صلى العصر،
فقام رجل يصلى، فرآه عمر، فقال له: اجلس ، فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل ، فقال رسول الله
مَلِّ: أحسن ابن الخطاب. ذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢: ص ٢٣٤) وقال: رجال أحمد رجال صحيح.
٩٨٠ - قوله (أمرنا) بصيغة المجهول أى أمر ندب (فى دبر كل صلاة) أى عقب كل فريضة، ورواية النسائى
بلفظ: قال (أى زيد بن ثابت): أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة، إلخ (ونحمد ثلاثا وثلاثين) أى فى دبر كل صلاة
(ونكبر أربعا وثلاثين) أى تكملة لمائة (فأتى) بضم الهمزة مبنيا للفعول (رجل فى المنام من الأنصار) أى فأتاه ملك فى
منامه. قال الطيبي: لعل هذا الآتى من قبيل الالهام بنحو ما كان يأتى لتعليم رسول الله مؤتم فى المنام، ولذا قرره بقوله
يعنى الآتى «فافعلوا، وهذه الصورة أجمع لاشتمالها على التهليل أيضا، والعدد العدد - انتهى. وفيه أن الإلهام يغاير المنام كما
لا يخفى (فقيل له) أى فقال الآتى فى المنام الرجل الأنصارى النائم (أمركم) بتقدير الاستفهام (كذا وكذا) أى من العدد،
والابهام من المصنف، لأن العدد المذكور قبل موجودههنا عند الثلاثة (قال) أى الآتى: إذا كنتم تأتون بمائة ولابد (فاجعلوما)
أى الأذكار الثلاثة (واجعلوا فيها) أى فى الأذكار (التهليل) أى لا إله إلا الله خمسا وعشرين أيضا، لأنه أفضل الأذكار
وفى حديث ابن عمر: وهللوا خمسا وعشرين، فيكون مجموع هذه الأذكار مائة أيضا، قال الطيبي: الفاء التسبب مقررة من
وجه ومغيرة من وجه، أى إذا كانت التسبيحات هذه، والعدد مائة فقرروا العدد، وأدخلوا فيها التهليل - انتهى.
والظاهر أن يكون التهليل قبل التكبير مراعاة للترتيب المشهور الوارد فى سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر،
ويؤيده لفظة «فيها)) (فلا أصبح) أى الأنصارى (غدا على النبي ◌َّ) أى ذهب إليه فى الغدو أى أول النهار (فأخبره)
بما رأى فى المنام (فافعلوا) لعل المراد فاعملوا به أيضا. وقال ابن حجر: إن رأيتم ذلك ولا بد ، فافعلوا، ومر أن ذلك
٣٣١

ـرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
رواه أحمد والنسائى والدارمى.
٩٨١- (١٦) وعن على، قال: سمعت رسول اللّه مَّف على أعواد هذا المنبر يقول: من قرأ آية
أعنى الخمس والعشرين من الأنواع الأربعة سنة، والحجة على ذلك هى قوله عليه السلام «فافعلوا، لا مجرد ذلك المنام،
لأنه لا عبرة بخواطر من ليس بمعصوم لا فى اليقظة ولا فى النوم، كذا فى المرقاة. قلت: قوله عَ لَّه («فافعلوا، تقرير
لرؤيا الأنصارى لكونها صالحة صحيحة، والرؤيا الصالحة من الله فصار هذا بتقريره مَفي أحد طرق هذا الذكر، وإن لم
يقرره مَالتى لم يكن حجة، ورواية النسائى بلفظ ((اجعلوها كذلك)) قال السندى: هذا يقتضى أنه الأولى لكن العمل
على الأول لشهرة أحاديثه، والله أعلم. وليس هذا من العمل برؤيا غير الأنبياء بل هو من العمل بقوله مَّم، فيمكن أنه علم
بحقيقة الرؤيا بوحى أو إلهام، أو بأى وجه كان - انتهى (رواه أحمد) (ج ٥: ص ١٨٤، ١٩٠) (والنسائى) قال
ميرك: واللفظ له. قلت : اللفظ الذى ذكره المصنف هو لأحمد(ج ٥: ص ١٨٤) وليس للنسائى ولا للدارمى، وبين
ألفاظ هؤلاء الأئمة الثلاثة اختلاف يسير، كما لا يخفى على من جعل ألفاظ الثلاثة نصب عينه (والدارمى) وأخرجه أيضا
ابن خزيمة، وابن حبان فى صحيحيهما، والحاكم فى المستدرك (ج ١: ص ٢٥٣) وصححه ووافقه الذهبي، وأخرج النسائى،
وجعفر الفريابي عن ابن عمر بنحو حديث زيد بن ثابت. قال الحافظ فى الفتح بعد ذكر لفظيهما: واستنبط من هذا
أن مراعاة العدد المخصوص فى الأذكار معتبرة، وإلا لكان يمكن أن يقال لهم أضيفوا لها التهليل ثلاثا وثلاثين ، وقد كان
بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة - كالذكر عقب الصلوات - إذا رتب عليها ثواب مخصوص فزاد الآتى بها على
العدد المذكور، لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص، لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك
العدد. قال: شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقى فى شرح الترمذى: وفيه نظر، لأنه أتى بالمقدار الذى رتب الثواب على
الإتيان به فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه كيف تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله - انتهى.
ويمكن أن يفترق الحال فيه بالنية ، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد ، ثم أتى بالزيادة فالأمر كما قال شيخنا
لا محالة ، وإن زاد بغير نية بأن يكون الثواب رتب على عشرة مثلا فرتبه هو على مائة فيتجه القول الماضى. وقد بالغ
القرافى فى القواعد، فقال : من البدع المكروهة الزيادة فى المندوبات المحدودة شرعا، لأن شأن العظماء إذا حددوا شيئا
أن يوقف عنده ، ويعد الخارج عنه مسيئاللا دب - انتهى. وقد مثله بعض العلماء بالدواء يكون فيه مثلا أوقية سكر فلوزيد
فيه أوقية أخرى لتخلف الانتفاع به ، فلو اقتصر على الأوقية فى الدواء ثم استعمل من السكر بعد ذلك ما شاء لم يتخلف
الانتفاع ويؤيد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكل منها عدد مخصوص مع طلب الإتيان بجميعها متوالية لم تحسن
الزيادة على العدد المخصوص. لما فى ذلك من قطع الموالاة، لاحتمال أن يكون للوالاة فى ذلك حكمة خاصة تفوت بفواتها -
انتهى كلام الحافظ.
٩٨١ - قوله (وعن على) بن أبى طالب (سمعت رسول اللّه مَّة) حال كونه (على أعواد هذا المنبر) ذكر هذا
٣٣٢

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
الكرسى فى دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه آمنه
الله على داره ودار جاره، وأهل دويرات حوله. رواه البيهقى فى شعب الإيمان، وقال: إسناده ضعيف.
للدلالة به على مزيد البيان والاستحضار لتلك الواقعة (دبر كل صلاة) أى مكتوبة كما فى رواية أبى أمامة عند الطبرانى،
والنسائى، وابن حبان (لم يمنعه من دخول الجنة) أى مانع (إلا الموت) الحديث بظاهره مشكل لأن الموت ليس بمانع
من دخول الجنة ، بل هو موصل إلى دخولها فكان الظاهر أن يقول: لم يمنعه من دخول الجنة إلا الحياة ، فإن استمرار
الحياة وبقاء الإنسان فى هذا العالم هو الذى يمنعه من دخولها، فمادام الرجل حيا لا يدخل الجنة. وأجيب عنه بأن
المضاف فيه محذوف ، أى لا يمنعه من دخولها إلا عدم موته، حذف لدلالة المعنى عليه ، واختصت آية الكرسى بذلك
لما اشتملت عليه من أصول الأسماء والصفات الإلهية، والوحدانية، والحيوة، والقيومية، والعلم، والملك، والقدرة،
والإرادة. وقيل: المعنى لم يمنعه من دخول الجنة معجلا إلا حصول الموت وكونه شرطا لدخولها، ولو لم يكن الموت شرطا
لدخولها لدخل الجنة معجلا وبالفعل، ويقرب منه ما قال التفتازانى من أن معنى الحديث: أنه لم يبق من شرائط دخول
الجنة إلا الموت فكان الموت يمتع، ويقول لابد من حضورى أولا ليدخل الجنة. وقيل: المراد من الموت فى الحديث
كون العبد فى البرزخ قبل البعث فإذا بعث يوم القيامة يدخل الجنة من غير توقف. وقيل : المقصود أنه لا يمنع من
دخول الجنة شئ من الأشياء ألبتة، فإن الموت ليس بمانع من دخول الجنة بل قد يكون موجبا لدخولها ، فهو
من قبيل :
بهن فلول من قراع الكتائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ..
وهذا ليس بعيب فلا عيب فيهم أصلا، فيكون من باب تاكد المدح بما يشبه الذم. وقال الطيبي: أى الموت حاجزينه وبين
دخول الجنة، فإذا تحقق وانقضى حصل دخوله، ومنه قوله عليه السلام: الموت قبل لقاء الله - انتهى (مضجعه) أى مكانه
النوم (آمنه الله) أى جعله آمنا أى أمن خوفه من كل مكروه (على داره) أى على ما فى داره (ودار جاره) أى مالا ونفسا،
وغيرهما (وأهل دويرات) جمع دويرة تصغير دار (حوله) بالنصب ظرف. قال ابن حجر: أى وإن لم يلاصق داره، فأريد
بالجار هنا حقيقته وهو الملاصق، وإن كان عرفا يشمله وغيره إلى أربعين دارا من كل جهة من الجهات الأربع. قال
الطبى : عبر عن عدم الخوف بالأمن وعداه بعلى، أى لم يخوفه على أهل داره وهو أهله، ودويرات حوله أن يصيهم مكروه
أو سوء كقوله تعالى ﴿مالك لا تأمنا على يوسف ١٢: ١١) قال صاحب الكشاف: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير - انتهى.
والحديث يدل على فضيلة آية الكرسى، واستحباب قراءتها فى دبر كل صلاة مكتوبة، وعند النوم (رواه البيهقى) (وقال
إسناده ضعيف) قلت: هو ضعيف جدا فإن فيه ضعيفا وآخر كذابا، ولذلك أورده ابن الجوزى فى الموضوعات من
٣٣٣

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
٩٨٢ - (١٧) وعن عبد الرحمن بن غنم، عن النبى معَّة، قال: من قال قبل أن ينصرف ويثنى رجليه
رواية الحاكم، وعنه رواه البيهقى، ثم قال ابن الجوزى: حبة ضعيف، ونهشل كذاب ـ انتهى. نعم الشطر الأول من
الحديث شاهد قوى رواه النسائي وابن حبان والطبرانى من حديث أبي أمامة بلفظ: قال رسول الله مرئية: من قرأ آية
الكرسى دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت. قال الحافظ فى بلوغ المرام: رواه النسائى، وصححه ابن
حبان، وزاد فيه الطبرانى ﴿قل هو الله أحد -١١٢: ١) - انتهى. وقال المنذرى فى الترغيب: رواه النسائى والطبرانى
بأسانيد أحدها صحيح. وقال شيخنا أبو الحسن: هو على شرط البخارى، وابن حبان فى كتاب الصلاة وصححه ، وزاد
الطبرانى فى بعض طرقه (وقل هو الله أحد) وإسناده بهذه الزيادة جيد أيضا - انتهى. وقال الهيشى فى مجمع الزوائد
(ج ١٠: ص ١٠٢): رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط بأسانيد أحدها جيد - انتهى. قال الشوكانى فى تحفة الذا كرين
(ص ١١٧): وقد أخرج هذا الحديث الدمياطى من حديث أبي أمامة، وعلى، وعبد الله بن عمرو، والمغيرة، وجابر
وأنس رضى الله عنهم، وقال: وإذا انضمت هذه الأحاديث بعضها إلى بعض أحدثت قوة ـ انتهى. قلت: اختلاف
طرق الحديث وتعدد مخارجه يدل على أن للحديث أصلا صحيحا ، ويؤيده ما روى عن الحسن بن على مرفوعا بلفظ :
من قرأ آية الكرسى فى دبر الصلاة المكتوبة كان فى ذمة الله إلى الصلاة الأخرى. قال المنذرى والهيشمى: رواه
الطیرانی باسناد حسن .
٩٨٢ - قوله (وعن عبد الرحمن بن غنم) بفتح الغين المعجمة وسكون النون ، أشعرى، مختلف فى صحته، وذكره
العجلى فى كبار ثقات التابعين، وهذا هو الحق . قال ابن عبد البر: عبد الرحمن بن غنم الأشعرى جاهلى، كان مسلما على عهد
رسول اللّه وَّه ولم يره، ولازم معاذ بن جبل منذ بعثه النبى ◌َّ إلى اليمن إلى أن مات معاذ، وكان من أفقه أهل الشام،
وهو الذى فقه عامة التابعين بالشام ،وكانت له جلالة، وقد روى عن قدماء الصحابة مثل عمر بن الخطاب ، ومعاذ بن جبل
مات سنة (٧٨) وذكره الحافظ فى الإصابة (ج ٣: ص ٩٧، ٩٨) فى القسم الثالث من حرف العين ؛ وقال: تابعى
شهير، له إدراك وهاجرفى زمن عمر، واختص هذا القسم للخضرمين الذين أدركوازمن النبي تُؤثّم ولم يروه، سواء أسلموا
فى حياته أم لا. قال: وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق أهل العلم بالحديث وإن كان بعضهم قد ذكر بعضهم فى كتب معرفة الصحابة
فقد أفصحوا بأنهم لم يذكروهم إلا لمقاربتهم لتلك الطبقة، لا أنهم من أهلها، ومن أفصح بذلك ابن عبدالبر، وقبله أبو حفص
ابن شاهين، وأحاديث هؤلاء عن النبي ◌ُّ مرسلة بالاتفاق بين أهل العلم بالحديث، وقد صرح ابن عبد البرنفسه بذلك
فى التمهيد وغيره من كتبه (قبل أن ينصرف) أى من مكان صلاته (ويثنى) بفتح الياء أى وقبل أن يثنى (رجليه) بالثفية
أى يعطفهما ويغيرهما عن هيئة التشهد، وفى المسند (ج ٤: ص ٢٢٧) ((رجله)) بالافراد، وكذا فى مجمع الزوائد (ج ١:
٣٣٤

مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
من صلاة المغرب والصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير،
يحي ويميت، وهو على كل شئى قدير، عشر مرات، كتب له بكل واحدة عشر حسنات، ومحيت عنه
عشر سيئات، ووفع له عشر درجات ، وكانت له حرزا من كل مكروه ، وحرزا من الشيطان
الرجيم، ولم يحل لذنب أن يدركه إلا الشرك، وكان من أفضل الناس عملا، إلا رجلا يفضله،
يقول أفضل مما قال.
ص ١٠٧) (من صلاة المغرب والصبح) تنازع فيه الفعلان، وفى حديث عبد الرحمن بن غنم عن أبى ذر عند الترمذى:
من قال فى دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم. قال الجزرى: أى عاطف رجليه فى التشهد قبل أن ينهض،
وقوله (من قال قبل أن يثنى رجليه)) هذا عند الأول فى الأول ومثله فى المعنى، لأنه أراد قبل أن يصرف رجله عن حالته
التى هو عليها فى التشهد ( كتب له بكل واحدة) أى من المرات أو من الكلمات (ومحيت عنه عشر سيئات) والحو أبلغ
من الغفران (ورفع له عشر درجات) يجوز فى مثل هذا تذكير الفعل وتأنيئه، ولذا ذكر الفعل فيها وفى القرينة الأولى،
أما التأنيث فلا كتساب لفظ عشر التأنيث من الإضافة، وأما التذكير فيظاهر اللفظ (وكانت) أى الكلمات (له) أى القائل
وليس هذا اللفظ فى المسند (حرزا) حفظا (من كل مكروه) من الآفات (وحرزا من الشيطان الرجيم) تخصيص بعد
قعمیم لکمال الاعتناء به ، وفى حديث أبى ذر : وكان (أی القائل) يومه ذلك كله فى حرز من كل مكروه ، وحرس من
الشيطان (ولم يحل) بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام ، وفى حديث أبى ذر : لم ينبغ أى لم يجز (لذنب أن يدر كه) أى
يهلكا ويبطل عمله، زاد فى حديث أبى ذر: فى ذلك اليوم (إلا الشرك) أى إن وقع منه، وهو بالرفع، قال الطيبي: فيه
استعارة ما أحسن موقعها فإن الداعى إذا دعا بكلمة التوحيد فقد أدخل نفسه حرما آمنا فلا يستقيم الذنب أن يحل ويهتك
حرمة الله، فإذا خرج عن حرم التوحيد أدركه الشرك لا محالة ، والمعنى لا ينبغى لذنب أى ذنب كان أن يدرك الداعى
ويحيط به من جوانبه، ويستأصله سوى الشرك كما قال تعالى (على من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته - ٢: ٨١﴾
يعنى استولت عليه، وشملت جملة أحواله حتى صار كالمحاط بها ، لا يخلو عنها شئى من جوانبه، وهذا إنما يصح فى شأن
المشرك لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم يحط به - انتهى. وقيل: المعنى لم يؤاخذ بذنبه إلا
بذميمة الشرك . قال الله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء - ٤: ١١٦﴾ (إلا رجلا يفضله)
فيه دليل على أن الزيادة على العدد المذکور لا تكون مزیلة لذلك الثواب ، بل تكون سببا لزيادة الأجر (یقول) بدل أو
بيان لقوله ((يفضله)) وقوله (أفضل مما قال) يحتمل أنه يدعو به أكثر، وأنه يأتى بدعاء أو قراءة أكثر منه، قاله الطيبي
٣٣٥

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
رواه أحمد.
٩٨٣ - (١٨) وروى الترمذى نحوه عن أبى ذر إلى قوله ((إلا الشرك)) ولم يذكر ((صلاة المغرب))
ولا «بيده الخير، وقال: هذا حديث حسن، صحيح، غريب.
٩٨٤ - (١٩) وعن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أن النبى مريم بعث بعثا قبل نجد فعنموا
غنائم كثيرة، وأسرعوا الرجعة. فقال رجل منا: لم يخرج ما رأينا بعثا أسرع رجعة ولا أفضل
غنيمة من هذا البعث. فقال النبى حزّ﴾
(رواه أحمد) (ج ٤: ص ٢٢٧) قال الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠: ص ١٠٨): رجاله رجال الصحيح غير شهر
ابن حوشب، وحديثه حسن - انتهى. قلت: رواية أحمد هذه مرسلة لأن عبد الرحمن بن غنم تابعى على القول
الصحيح أدرك النبي تَثٍّ ولم يره، ولم يسمع منه، والظاهر أنه أخذهذا الحديث من أبى ذر كما يدل عليه رواية الترمذى.
٩٨٣ - قوله (وروى الترمذى نحوه) أى فى الدعوات من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن عم
(عن أبى ذر) إلخ. وحديث أبى ذر هذا أخرجه أيضا النسائى، والطبرانى فى الأوسط . وفى الباب عن جماعة من الصحابة،
ذكر أحاديثهم الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠: ص ١٠٧، ١٠٨) تنبيه: ظاهر أحاديث الباب أن هذه الفضائل لكل
ذاكر، وذكر القاضى عن بعض العلماء أن الفضل الوارد فى مثل هذه الأعمال الصالحة والأذكار إنما هو لأهل الفضل فى الدين،
والطهارة من الجرائم العظام، وليس من أصر على شهواته،وانتهك دين الله وحرماته بلا حق بالأفاضل المطهرين من ذلك، ويشهد
له قوله تعالى ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات -٤٥: ٢١) الآية، ونحو ذلك
فقل الزرقانى عن ابن بطال، ولا يتوهم من هذا أن ذلك يذهب ضائعا بلا فائدة، بل المراد أن من كان هذا شأنه لا يحصل
له ما وعد على هذه الأذكار من الأجر والثواب ولا يلتحق بأهل الفضل والكمال فى الدين بإدمان الذكر مع الإصرار على
الشهوات والمعاصى ، وإن كان ذلك لا يخلو عن فائدة ونفع .
٩٨٤ - قوله (بعث بعثا) أى أرسل جماعة، قال الطبى: البعث بمعنى السرية من باب تسمية المفعول بالمصدر
(قبل نجد) بكسر القاف وفتح الموحدة ، أى إلى جهته، قال فى النهاية: والنجد ما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاص
لما دون الحجاز ما يلى العراق - انتهى. وقد يراد به العراق نفسها كما فى حديث: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن
الشيطان (وأسرعوا الرجعة) أى الرجوع إلى المدينة (فقال رجل منا) بطريق الغبطة على وجه التعجب، وقيل: تحسرا على
ما فاته من المال (لم يخرج) صفة رجل (ولا أفضل) أى أكثر أو أنفس (فقال النبي ◌ََّ) أى مزهدا لهم فى الدنيا ، مرغبا
٣٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
ألا أدلكم على قوم أفضل غنيمة وأفضل رجعة؟ قوماً شهدوا صلاة الصبح، ثم جلسوا يذكرون الله
حتى طلعت الشمس ، فأولئك أسرع رجعة ، وأفضل غنيمة. رواه الترمذى، وقال: هذا حديث
غريب ، وحماد بن أبى حميد الراوى هو ضعيف فى الحديث .
لهم فى العقبى ، منها على أن الذكر أفضل من كثير من العبادات الشاقة الصعبة ، وأن ثواب الآخرة أفضل ما فاتهم
من المال (ألا أدلكم على قوم أفضل غنيمة) أى لبقاء هذه ودوامها، وفناء تلك وسرعة انقضاءها (وأفضل رجعة)
كذا فى أكثر نسخ المشكاة ووقع فى بعضها «أسرع رجعة، وكذلك وقع فى جامع الترمذى، وهكذا نقله
المنذرى فى الترغيب (ج٢: ص ٣٩) والجزرى فى جامع الأصول (جه: ص ٣٤٣) ونسبا الحديث للترمذى ،
والظاهر أن ما وقع فى أكثر نسخ المشكاة خطأ من النساخ، والله أعلم (قوما) أى أعنى أو أذكر قوما على المدح،
وفى بعض النسخ ( قوم)) وكذا وقع فى جامع الترمذى أى هم قوم (شهدوا صلاة الصبح) أى حضروا جماعتها
(فأولئك أسرع رجعة) أى إلى أهلهم و معايشهم لانتهاء عملهم الموعود عليه بذلك الثواب العظيم بعد مضى نحو
ساعة زمانية ، و أهل الجهاد لا ينتهى عملهم غالبا إلا بعد أيام كثيرة (رواه الترمذى) أى فى الدعوات من
جامعه. قال المنذرى فى الترغيب !عد ذكر هذا الحديث وعزوه الترمذى: ورواه البزار وأبو يعلى وابن حبان
فى صحيحه من حديث أبى هريرة بنحوه، وذكر البزار فيه أن القائل ((ما رأينا، هو أبو بكر رضى الله عنه. وقال
فى آخره. فقال النبي مَّى: يا أبا بكر! ألا أدلك على ما هو أسرع إيابا وأفضل معنما؟ من صلى الغداة فى جماعة،
ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس. وقال: ورجال إسناد أبي يعلى رجال الصحيح (وحماد بن أبي حميد) هو محمد
ابن أبي حميد المدنى أبو إبراهيم الأنصارى، فلقبه حماد، واسمه محمد، وكنيته أبو إبراهيم (الراوى) بسكون
الياء (هو ضعيف فى الحديث) أى ضعيف عند أهل الحديث، أو ضعيف فى حديثه. وقال البخارى فيه: أنه
منكر الحديث ، وكذا قال أبو حاتم وابن معين والساجى ، وقال الدورى عن ابن معين : ضعيف ليس حديثه
بشىء، وقال الجوزجاني: واهى الحديث ضعيف. وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث.
٣٣٧
٠
٠٠

:
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
(١٩) باب ما لا يجوز من العمل فى الصلاة وما يباح منه
( الفصل الأول )
٩٨٥ - (١) عن معاوية بن الحكم، قال: بينا أنا أصلى مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت : يرحمك الله ، فرمانى القوم بأبصارهم فقلت :
وا ثكل أمياه!
(باب ما لا يجوز من العمل فى الصلاة) يعم المحرمات والمكروهات والمفسدات وغيرها (وما يباح منه)
أى من العمل فيها .
٩٨٥ - قوله (عن معاوية بن الحكم) بفتحتين، السلمى، صحابى ، قال ابن عبد البر: كان ينزل المدينة
ويسكن فى بنى سليم له عن النبى مثل حديث واحد فى الكهانة والطيرة والخط وتشميت العاطس وعتق الجارية.
أحسن الناس له سياقة يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبى ميمونة عن عطاء عنه ، ومنهم من يقطعه فيجعله أحاديث.
قال الحافظ : وله حديث آخر من طريق ابنه كثير بن معاوية عنه - انتهى. يعنى بذلك ما أخرجه البغوى والطبرانى
وابن السكن وابن مندة من طريق كثير بن معاوية بن الحكم السلمى عن أبيه قال: كنا مع النبي مؤفتم فأنزى أخى على
ابن الحكم فرسا له خندقا - الحديث. وقد ذكره الحافظ فى ترجمة على بن الحكم فى القسم الأول من حرف العين من
الاصابة (ج ٢: ص ٥٠٦ - ٥٠٧) وقال الخزرجى فى الخلاصة: له ثلاثة عشر حديثا، انفرد له مسلم بحديث
(إذ عطس) بفتح الطاء من نصر وضرب (فقلت) أى وأنا فى الصلاة (يرحمك الله) ظاهره أنه فى جواب
قوله الحمد لله (فرمانى القوم بأبصارهم) أى نظروا الى حديدا انكارا وزجرا وتشديدا كما يرمى بالسهم.
قال الطبى: المعنى أشاروا إلى بأعينهم من غير كلام ونظروا الى نظر زجر كيلا أتكلم فى الصلاة
(واثكل أمياه) ((وأ)) حرف الندية، و((نكل)) بضم المثلثة واسكان الكاف وبفتحهما جميعا، لغتان
كالبُخُل والبَخّل حكاهما الجوهرى وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها وحزنها عليه لفقده.
و((امياه)) بكسر الميم أصله امى، والثكل مضاف الى أم المضاف الى ياء المتكلم زيدت عليه ألف الندبة
لمد الصوت وأردفت بهاء السكت، نحو وا أمير المومنيناه، يستعمله العرب عند التعجب من أمر واستبعاده.
٣٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب ما لا يجوز من العمل
ما شأنكم تنظرون إلى؟ جعلوا يضربون بأيديهم على أنخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونى لكنى سكت، فلما
صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبى هو وأمى، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه،
فوالله ماكهرنى ولاضربنى ولا شتمنى قال: ان هذه الصلوة لا يصلح فيها شىء من كلام الناس،
٨٠
والمعنى: وافقدها لى فانى ملكت ، وفى بعض الروايات: وأثكل أماه أى من غير زيادة الياء (ما شأنكم) أى ما
حالكم وأمركم (تنظرون الى) نظر الغضب (فجعلوا) أى شرعوا (يضربون بأيديهم على أفخاذهم) أى زيادة فى
الانكار علىّ ، وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شىء فى صلاته للرجال والتصفيق للنساء، وفيه
دليل على أن الفعل القليل فى الصلاة لا تبطل به الصلاة (يصمتوتى) بتشديد الميم من التصميت أى يسكتونى يعنى
يأمروننى بالصمت والسكوت ويشيرونى اليه (لكنى سكت) لابد من تقدير جواب لما ومستدرك لكن ليستقيم المعنى،
فالتقدير: فلما رأيتهم يصمتوننى غضبت وتغيرت ولكن سكت ولم أعمل بمقتضى الغضب، قاله الطيبى. وقيل: المعنى
لما عرفت أنهم يأمروننى بالصمت عجبت لجهلى بقيح ما ارتكبت ومبالغتهم فى الافكار على وأردت أن اخاصمهم
لكن سكت امتثالا، لأنهم أعلم منى، ولم أعمل بمقتضى غضبى ولم أسأل عن السبب (فلما صلى رسول الله مر ثية) أى
فرغ من الصلاة، وجوابه قوله قال إن هذه الصلاة، وقوله: فبأبى وأمى الى قوله: قال معترضة بين لما وجوابه، والفاء
فيه كما فى قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن فى مرية من لقائه، وجعلناه هدى لبنى اسرائيل - ٣٢: ٢٣) فإنه
عطف وجعلناه على أتينا وأوقعها معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، كذا قاله الطيبى، وتبعه ابن حجر، وقال:
واعترض بينهما بما فيه قابة الالتام والمناسبة لها. وقال ميرك: الأولى أن يقال جواب قوله ((فلما صلى» محذوف،
وهو ما دل عليه جملة (فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه) أى اشتغل بتعليمى بالرفق
وحسن الكلام، ثم كلامه. وضمير (هو) يعود الى رسول الله مزيل أى هو مفدى بهما، وفى رواية: فلما انصرف رسول
الله ◌َفّ دعانى بأبى وأمى هو ماضربنى الخ (فو الله ما كهرنى) أى ما انتهرنى وزجرنى، أو ما استقبلنى بوجه عبوس.
قال الطيبي: الكهر والقهر والنهر أخوات. وقال الجزرى: يقال كهره اذا زبره واستقبله بوجه عبوس (ولا ضربنى
ولا شتمنى) أى لا أغلظ لى فى القول. قال القارى: أراد ففى أنواع الزجر والعنف واثبات كمال الاحسان واللطف
(قال) جواب لما، على ما قاله الطيبي، واستئناف مبين لحسن التعليم، على مختار غيره (ان هذه الصلاة) اشارة الى
جنس الصلاة فيشمل الفرائض وغيرها (لا يصلح) وفى رواية لا يحل (فيها شىء من كلام الناس) أى ما يجرى
فى مخاطباتهم ومحاوراتهم. قال الشوكانى: الظاهر أن المراد بكلام الناس ههنا التكليم للغير، وهو الخطاب للناس بشهادة
السبب. وقال القاضى: أضاف الكلام الى الناس ليخرج منه الدعاء والتسبيح والذكر فإنه لا يراد بها خطاب الناس
٣٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٩ - باب مالا يجوز من العمل
إنما هى التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أوكما قال رسول الله وزيم، قلت: يا رسول اللّه انى حديث
عهد بجاهلية وقد جاءنا الله بالاسلام
وأفهامهم. واستدل باطلاق الحديث على تحريم الكلام فى الصلاة مطلقا، أى سواء كان لحاجة أو غيرها وسواء
كان لمصلحة الصلاة أو غيرها وسواء كان عمدا أونسيانا أوجهلا وسواء كان قليلا أو كثيرا، واليه ذهبت الحنفية،
قالوا : لا فرق بين كلام العامد والناسى والجاهل، والحق ما ذهب إليه مالك من الفرق بين كلام العامد لغير مصلحة
الصلاة وبين كلام العامد لمصلحة الصلوة وكلام الناسى والجاهل فيحرم الأول ويفسد الصلاة به، وهذا هو محمل
قوله ◌َين: لا يصلح فيها شىء من كلام الناس، وأما كلام العامد لمصلحة الصلوة وكلام الناسى والجاهل فلا يفسد
الصلاة به لحديث ذى اليدين المشهور، ولحديث معاوية هذا، لأن النبي ويج لم يأمره باعادة الصلاة لكن عليه تحريم
الكلام فيما يستقبل، فيكون حديث ذى اليدين وحديث معاوية هذا وما فى معناهما مخصصين لعموم قوله لا يصلح فيها
شىء من كلام الناس، وبناء العام على الخاص متعين، وسيأتى بسط الكلام فى هذه المسئلة فى شرح حديث ذى اليدين
انشاء الله، وفى الحديث النهى عن تشميت العاطس فى الصلوة، وأنه من كلام الناس الذى يحرم فى الصلوة وتفسد
به اذا أتى به عالما عامدا، وأن من فعله جاهلا لم تبطل صلاته حيث لم يأمره بالاعادة، وأما الحمد العاطس فى الصلوة
فيجوز لأنه ليس من كلام الناس (انما هى) أى الصلاة، وفى رواية: إنما هو، أى ما يحل فيها من الكلام (التسبيح
والتكبير وقراءة القرآن) قال النووى: معناه هذا ونحوه، فإن التشهد والدعاء والتسليم من الصلوة، وغير ذلك من
الأذكار مشروع فيها ، فمعناه لا يضلح فيها شئ من كلام الناس ومخاطباتهم ، وإنما هى التسبيح وما فى معناه من
الذكر والدعاء وأشباههما ما ورد به الشرع. وفيه دلالة لمذهب الشافعى والجمهور أن تكبيرة الاحرام فرض من
فروض الصلاة وجزء منها. وقد تمسك بالحديث الحنفية والحنابلة على منع الدعاء فى الصلاة بما لم يشبه
المأثور من القرآن والسنة من ملاذ الدنيا وحوائجها الجائزة المباحة، قالوا: لأن ذلك من كلام الناس . وفيه أن
المراد بكلام الناس فى الحديث مخاطبتهم بتوجيه الكلام اليهم، لا مخاطبة اللّه تعالى بالدعاء المأذون به فى الأحاديث
الصحيحة بدليل سبب الحديث ، وإن سلمنا أنه يدخل فى عمومه ما ذكروا خلافا للظاهر المتبادر كان لنا أن نقول
ان الأحاديث الصحيحة بالأدعية المعينة والمطلقة وبتخير الدعاء قد خصصت هذا العموم ، وقد كان تحريم الكلام
بمكة ، وأكثر الأدعية وهكذا الأمر بتخيير الدعاء كان فى المدينة (أو كما قال رسول الله مرثية) للشك من الراوى
أى عين هذا الكلام قال أو مثله (انى حديث عهد) أى جديده (بجاهلية) متعلق بعهد، وما قبل ورود الشرع يسمى
جاهلية لكثرة جهالاتهم وخشها ، يعنى انتقلت عن الكفر الى الاسلام ولم أعرف بعد أحكام الدين (وقد جاءنا
الله بالاسلام) هذا لا يتعلق بما قبله، بل شروع فى ابتداء سؤال منه عليه السلام، كما يدل عليه رواية النسائى وبعض
٣٤٠