النص المفهرس

صفحات 301-320

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
٩٥٢ - (٧) وعر، أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه. رواه مسلم.
٩٥٣ - (٨) وعن عبد الله بن مسعود، قال: لا يجعل أحدكم للشيطان شيئا من صلاته، يرى أن
حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول اللّه ومي كثيرا ينصرف عن يساره.
والجنازة والبيوع والجهاد وبدء الخلق وصلاة الليل، والأدب، وأحاديث الأنبياء، والتفسير، والتعبير، وأخرجه أيضا
مسلم والترمذى والنسائى كلهم فى الرؤيا.
٩٥٢ - قوله (كان النبي ◌َّ ينصرف عن يمينه) وفى رواية لمسلم: أكثر ما رأيت رسول الله ينصرف عن
يمينه. وكذا فى رواية النسائى، وهذه الرواية تدل على أن أ کثر انصرافه مثل كان عن اليمين بخلاف الرواية التى ذكرها
المصنف فإنها يمكن أن تحمل على أنه كان يفعل ذلك أحيانا. وسيأتى الكلام عليه فى شرح حديث ابن مسعود التالى
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا النسائى.
٩٥٣ - قوله (لا يجعل أحدكم الشيطان شيئا من صلاته) هذا لفظ البخارى، ولفظ مسلم: لا يجعلن أحدكم الشيطان
من نفسه جزءاً، وفى رواية أبى داود نصيبا (يرى) بفتح أوله، أى يعتقد، ويجوز الضم، أى يظن، وهو استئناف كأن قائلا
يقول: كيف يجعل أحدنا حظا الشيطان من صلاته؟ قال: يرى (أن حقا) أى واجبا. وفى رواية النسائى: أن حتما
(عليه أن لا ينصرف) أى يعتقد أنه حق عليه أن لا ينصرف إذا فرغ من الصلاة (إلا عن يمينه) أی حانب يمينه ، فمن
اعتقد ذلك فقد تابع الشيطان فى اعتقاده حقبة ما ليس بحق عليه، فذهب كمال صلاته. قال ابن المنير: فيه أن المندوبات
قد تنقلب المكرومات إذا رفعت عن رتبتها، لأن التيامن مستحب فى كل شئ، أى من أمور العبادة ، لكن لما غشى
ابن مسعود أن يعتقدوا وجوبه أشار إلى كراهته، قال الطبى: فى الحديث أن من أصر على أمر مندوب وجعله عزما ولم
يعمل بالرخصة فقد أصاب منه الشيطان من الاضلال فكيف من أصر على بدعة أو منكر؟ ذكره القارى . قال السندى:
قوله(أن حقا عليه أن لا ينصرف)) أورد عليه أن حقا نكرة، وقوله ((أن لا ينصرف، بمنزلة المعرفة، وتتكير الاسم مع
تعريف الخبر لا يجوز. وأجيب بأنه من باب القلب، أى يرى أن عدم الانصراف حق عليه. قلت: وهذا الجواب
يهدم أساس القاعدة إذ يتأتى مثله فى كل مبتدأ نكرة مع تعريف الخبر، فما بقى لقولهم بعدم الجواز فائدة، ثم القلب لا يقبل
بلا نكتة، فلا بد لمن يجوز ذلك من بيان نكتة فى القلب ههنا. وقيل: بل النكرة المخصصة كالمعرفة، قلت: ذلك فى
صحة الابتداء بها، ولا يلزم منه أن يكون الابتداء بها صحيحا مع تعريف الخبر، وقد صرحوا بامتناعه، ويمكن أن يجعل
اسم ((أن)) قوله ((أن لا ينصرف)) وخبره الجار والمجروروهو (عليه)) ويجعل ((حقا، حالا من ضمير ((عليه)) أى يرى أن
عليه الانصراف عن يمينه حال كونه حقا لازما -انتهى كلام السندى (لقدرأيت رسول الله موافقة كثيرا ينصرف عن يساره)
٣٠١

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
متفق عليه .
٩٥٤ - (٩) وعن البراء، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللّه ◌َف أحببنا أن نكون عن يمينه،
ولعل ذلك لأن حاجته وربّ غالبا الذهاب إلى البيت، وبيته إلى اليسار، فلذلك كثر ذهابه إلى اليسار، ووقع فى رواية
مسلم: أكثر ما رأيت رسول الله مزثم ينصرف عن شماله، فأما رواية البخارى فلا تعارض حديث أنس الذى ذكره
المصنف عن مسلم كما لا يخفى على من له أدنى تأمل. وأما رواية مسلم التى ذكر ناها الآن فهى معارضة فى الظاهر
لحديث أنس عند مسلم بلفظ: أكثر ما رأيت رسول الله ينصرف عن يمينه، لأنه عبر فى كل منهما بصيغة افعل.
ووجه الجمع ینھما أن النبی ◌ُپٹے کان یکثر هذا مدة وهذا مدة، فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأ کثر فيما يعلمه، فدل
على جواز الأمرين، ولا كرامة فى واحد منها. وقد صح الأمران عن رسول الله مربع، وأما تخطئة ابن مسعود
فإنما هى لاعتقاد أحدهما واجبا بعينه، وهذا خطأ بلا ريب، واللائق أن ينصرف إلى جهة حاجته، سواء كانت عن يمينه
أو عن شماله، كما روى ابن أبى شيبة عن على أنه قال: إذا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجة ، فكانت حاجتك عن يمينك
أو عن يسارك، فخذ نحو حاجتك ـ انتهى. فإن استوى الجهتان فى الحاجة وعدمها فاليمين أفضل بلا وجوب لعموم
الأحاديث المصرحة بفضل التيامن. ويمكن أن يجمع بينهما بوجه آخر، وهو أن يحمل حديث ابن مسعود على حالة
الصلاة فى المسجد، لأن حجرة النبى من كانت من جهة يساره فى حال أداء الصلاة ، ويحمل حديث أنس على ما سوى
ذلك كحال السفر. ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود لأنه أعلم، وأسن، وأجل، وأكثر
ملازمة النبي ◌َّ وأقرب إلى موقفه فى الصلاة من أنس، وبأن فى إسناد حديث أنس من تكلم فيه وهو السدى، وبأنه
متفق عليه بخلاف حديث أنس فى الأمرين، وبأن رواية ابن مسعود توافق ظاهر الحال لأن حجرة التى تَّة
كانت على جهة يساره ، كذا فى الفتح. والحديث رواه أبو داود، وزاد فى آخره: قال عمارة (يعنى ابن عمير): أتيت
المدينة بعد، فرأيت منازل النبي ◌َّ عن يساره، ورواه أحمد (ج١ّ: ص ٤٥٩) من طريق عبد الرحمن بن الأسود
ابن يزيد النخعى، عن أبيه، قال: سمعت رجلا يسأل عبد الله بن مسعود عن انصراف رسول الله مَّله من صلاته: عن
يمينه كان ينصرف أو عن يساره؟ قال: فقال عبد الله بن مسعود: كان رسول اللّه ◌َبّ ينصرف حيث أراد، كان أكثر
انصراف رسول اللّه ◌َ له من صلاته على شقه الأيسر إلى حجرته (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد، وأبو داود
والنسائى، وابن ماجه .
٩٥٤ - قوله (أحببنا أن تكون عن يمينه) لكون يمين الصف أفضل، هذا هو الذى فهمه النسائى فقد ترجم على
حديث البراء هذا «باب المكان الذى يستحب من الصف، وكذا ابن ماجه حيث عقد عليه («باب فضل ميمنة الصف)»
٣٠٢

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
يقبل علينا بوجهه .
وبوب عليه النووى فى شرحه لمسلم ((باب استحباب يمين الامام». وقيل فى بيان السبب لكونه مَلَّمَ (يقيل علينا) أى على
أهل اليمين (بوجهه). أى عند السلام أو لا قبل أن يقبل على من يساره، أى فنحب أن يقع بصره ومزيثر علينا عند التسليم أولا،
وعلى هذين الوجهين لا دليل فى الحديث على أنه كان يلتفت بعد الانصراف من الصلاة إلى أهل اليمين ويستقبلهم فى حالة
الجلوس بعد انحرافه عن جهة القبلة، فلا منافاة بينه وبين ما تقدم من حديث سمرة بن جندب الدال على استقبال جميع
المؤتمين. قال القاضى: يحتمل أن يكون التيامن عند التسليم وهو الأظهر، لأن عادته معَّه إذا انصرف أن يستقبل
جميعهم بوجه - انتهى. وقيل: معنى الحديث يقبل علينا بوجهه أى يستقبل فى حالة الجلوس بعد الانصراف من الصلاة
والانحراف عن جهة القبلة أهل الميمنة لا جميع المؤتمين ، فلذلك نحب أن نكون عن يمينه، وعلى هذا المعنى يعارض هذا
حديث سمرة المتقدم. واختلفوا فى وجه الجمع بينهما، ويان محمل الحديثين، ومحمل أحاديث الانصراف عن اليمين واليسار.
فمنهم من أول حديث سمرة إلى حديث البراء، وجعل حديث البراء مفسرالحديث سمرة، وقال: المراد بقوله ((أقبل علينا) فى حديث
سمرة أى على بعضنا وهم أهل اليمين ، أو أن سمرة كان يصلى فى الميمنة فقال ذلك باعتبار من يصلى فى جهة اليمين. ومنهم من
جمع بين الحديثين بأنه حيث كان تارة يستقبل جميع المؤتمين، وتارة يستقبل أهل اليمين، قالوا فالامام مخير إن شاء استقبل
القوم بوجهه، وإن شاء انحرف يمنة ويسرة أى يجعل يمينه إليهم ويساره إلى القبلة، أو عكسه. قال الشوكانى: يمكن
الجمع بين الحديثين بأنه كان تارة يستقبل جميع المؤتمين، وتارة يستقبل أهل الميمنة، أو يجعل حديث البراء مفسرا لحديث
سمرة ، فيكون المراد أقبل علينا أى على بعضنا، أو أنهکان یصلى فى الميمنة، فقال ذلك باعتبار من يصلى فى جهة اليمين - انتهى.
ومنهم من فصل وقال: إنه كان من عادته مَّم أنه إذا سلم تحول عن القبلة، وانحرف يمينا أو شمالا، ولم يمكث
مستقبل القبلة، بل يسرع الانتقال إلى المأمومين، فإن كان هناك حاجة وضرورة إلى خطاب الناس جلس مستقبلا لجميع
المؤتمين، وخاطبهم وكليهم، كما فى حديث سمرة، وزيد بن خالد الجهنى، وأنس، ومن وافقهم، وإن لم يكن هناك شفى يتعلق
بخطاب القوم فتارة جلس منحرفا يمنة بأن يجعل يمينه إلى القوم ويساره إلى القبلة كما يدل عليه حديث البراء على المعنى الثالث
وتارة جلس منحرفا يسرة بأن جعل يساره إلى القوم ويمينه إلى القبلة، وتارة لا يجلس بل يذهب إلى جهة حاجته سواء.
كانت عن يمينه أو عن شماله، والأحاديث التى فيها ذكر الانصراف عن اليمين والشمال مطلقا كحديثى ابن مسعود
وأنس الذين ذكرهما المصنف ، وكحديث حلب عند الترمذى، وأبى داود ، وابن ماجه بلفظ: كان رسول الله
يؤمنا فينصرف عن جانبيه جميعا على يمينه وشماله. وكحديث عبدالله بن عمرو عند ابن ماجه بلفظ "رأيت رسول اللّه وليه
ينقتل عن يمينه وعن يساره فى الصلاة، تتناول جميع هذه الصور. ومنهم من حمل أحاديث الانصراف المطلقة على الذهاب
إلى البيت، والانصراف إلى موضع الحاجة، وقال: إن الامام إن كان لا يريد الجلوس بعد السلام بل يريد الذهاب إلى بيته سلم
٣٠٣

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
قال: فسمعته يقول: رب قنى عذابك يوم تبعث أو - تجمع - عبادك. رواه مسلم.
٩٥٥ - (١٠) وعن أم سلمة، قالت: إن النساء فى عهد رسول اللّه مؤ لتر كن إذا سلمن من
المكتوبة قمن، وثبت رسول اللّه موقع ومن صلى من الرجال ماشاء الله،
وانصرف إلى موضع حاجته يمنة أو يسرة، وذهب إلى بيته، وإن كان يريد المكث والقعود فى مصلاه فالسنة أن يستقبل جميع
المؤتمين، فسنة الجلوس هى استقبال جميع المؤتمين، لا استقبال أهل اليمين أو أهل اليسار فقط ، نجلوس الامام منحرفا
يمنة أى استقبال أهل اليمين، أو يسرة أى استقبال أهل اليسار وإن كان مباحا لكنه ليس من السنة فى شئ، فمن كان
يريد السنة فلينصرف بعد السلام إلى بيته وموضع حاجته إن لم يرد المكث والجلوس، وهذا هو محمل روايات الانصراف
المطلقة، أو يجلس مستقبلا لجميع المؤتمين. قلت: هذا القول الأخير هو الراجح عندى ، وقد جنح إليه البخارى حيث
عقد على أحاديث سمرة، وزيد بن خالد، وأنس «باب يستقبل الامام الناس إذا سلم، جزم بأن سنة الجلوس هو استقبال
القوم جميعا، ثم ترجم بعد بابين «باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال، وذكر فيه أثر أنس بأنه كان ينقتل
عن يمينه ويساره، ثم ذكر حديث ابن مسعود، قال القسطلانى فى شرحه. (باب الانفتال)) أي لاستقبال المأمومين
((والانصراف)) أى لحاجته إلى اليمين والشمال، وكأنه أخذ ذلك من كلام الزين بن المنير حيث قال: جمع البخارى فى
الترجمة بين الانفتال والانصراف، للإشارة إلى أنه لا فرق فى الحكم بين الما كث فى مصلاه إذا انقتل لاستقبال المأمومين
وبين المتوجه لحاجته إذا انصرف إليها - انتهى (قال) أى البراء (فسمعته يقول) أى بعد التسليم. قال ابن الملك:
ويحتمل أنه سمعه فى الصلاة (رب) بحذف ياء المتكلم (قى) أمر من وقى يقى وقاية (عذابك) أى احفظنى منه بفضلك
وكرمك وهو تعليم لأمته أو تواضع مع ربه (يوم تبعث أو تجمع عبادك) شك من الراوى (رواه مسلم) وأخرجه
أيضا النسائى وأبو داود وابن ماجه وأبو عوانة فى مسنده الصحيح .
٩٠٠۔ قوله (قن) أی خر جن إلی بیوتهن(و ثبت رسول الله ،ێ) أی قعد رسول الله ڑێے فی مکانه بعد قیامین
ليتبعه الرجال فى ذلك حتى تنصرف النساء إلى البيوت ، فلا يقع اجتماع الطائفتين فى الطريق، ويحصل الأمن من الفتنة
باختلاط الرجال بالنساء فى الطريق (ومن صلى) عطف على ((رسول اللّه)) أى وثبت من صلى معه (ما شاء الله) أى زمانا
شاء الله أن يلبثوا فيه، وزاد فى بعض الروايات: قالت فترى - والله أعلم - أن ذلك كان لكى ينصرف النساء قبل أن
يدركهن الرجال. والحديث فيه أنه يستحب للإمام مراعاة أحوال المأمومين، والاحتياط فى اجتناب ما قد يفضى إلى
المحذور. وفيه اجتناب مواقع التهم وكراهة مخالطة الرجال للنساء فى الطرقات فضلا عن البيوت ، ومقتضى التعليل
المذكور أن المأمومين إذا كانوا رجالا فقط أن لا يستحب هذا المكث ، وعليه حمل ابن قدامة حديث عائشة الآتى:
٣٠٤

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
فإذا قام رسول اللّه من قام الرجال. رواه البخارى.
وسنذكر حديث جابر بن سمرة فى باب الضحك إن شاء الله تعالى.
الفصل الثانى )
٩٥٦ - (١١) عن معاذ بن جبل، قال: أخذ بيدى رسول اللّه مَبيعمل فقال: إنى لأحبك يا معاذ!
فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله ! قال: فلا تدع أن تقول فى دبر كل صلاة:
٤ كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
وسيأتى الكلام فى ذلك. وفى الحديث أنه لا بأس بحضور النساء الجماعة فى المسجد (رواه البخارى) باللفظ المذكور فى
((باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس،. وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه بألفاظ متقاربة.
قوله (وسنذكر حديث جابر بن سمرة) يعنى الذى ذكره صاحب المصابيح هنا بلفظ: كان يعنى رسول اللّه ◌َبّے
لا يقوم من مصلاه الذى يصلى فيه الصبح حتى يطلع الشمس ، وكانوا يتحدثون فيأخذون فى أمر الجاهلية (أى يتحدثون
بما جرى قبل الإسلام) فيضحكون ويتبسم (فى باب الضحك) قال القارى: لا يخفى أن إبقاءه فى هذا الباب أولى من
قغير المصنف المفتقر إلى الاعتذار المتضمن للاعتراض، فإن الحديث الطويل إذا كان مشتملا على أمور مختلفة يصلح لكل
باب إيراده فيه لمناسبة أمر ما ، ولهذا أورد البخارى حديثاً واحدا فى أبواب كثيرة فى كتابه، مع أن أول هذا الحديث
أولى بهذا المقام - انتهى. قلت: صنيع المصنف أى تغييره وإيراده حديث جابر بن سمرة فى باب الضحك أولى من
صنيع البغوى، فإنه لا تعلق له بالدعاء فى التشهد صراحة بخلاف الضحك، فإنه مذكور فيه صريحا فهو أنسب وأولى
ياب الضحك .
٩٥٦- قوله (إنى أحبك يا معاذ) فيه مزيد تشريف منه مؤته لمعاذ رضى الله عنه، وترغيب له فيما يريد أن
یلقی علیه من الذ کر (قال فلا تدع) نهی عن ودعه إلا أنه هجر ماضیه فى الأكثر استغناء عنه بترك ، وقد ورد قليلا ،
وقرئى (ما ودعك ربك - ٣:٩٣) أى إذا كنت تحبنى، أو إذا كان بنى وبينك محاية، أو إذا أردت ثبات هذه المحبة
فلا تترك، والنهى أصله التحريم، فيدل على وجوب الدعاء بهذه الكلمات، وقيل: إنه نهى إرشاد (أن تقول فى دبر كل صلاة)
أى فى آخرها قبل الخروج منها، لأن دبر الحيوان منه. وقيل: أى عقبها وخلفها، لأن دبر الصلاة بعدها
قال فى القاموس: الدبر - بضمتين ـ نقيض القبل ومن كل شئى عقبه. وإيراد المصنف هذا الحديث فى الباب المشتمل
على الدعاء فى التشهد يدل على أنه أراد المعنى الأول، ويؤيده رواية أحمد بلفظ «إنى أوصيك بكلمات تقولهن فى كل
٣٠٥

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. رواه أحمد وأبو داود والنسائى، إلا أن أبا داود
لم يذكر: قال معاذ وأنا أحبك.
٩٥٧ - (١٢) وعن عبد الله بن مسعود، قال: إن رسول اللّه ◌َار كان يسلم عن يمينه: السلام
عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله،
صلاة)، ورواية النسائى بلفظ ((فلا تدع أن تقول فى كل صلاة)) لكن يشكل عليه إيراده لأدعية وأذكار مقيدة بذلك فى
باب الذكر بعد الصلاة كحديث المغيرة، وحديث أبى هريرة، وحديث كعب بن عجرة، ونحوذلك (رب أعنى على ذكرك)
قال الطبي: هو قريب من معنى حديث ربيعة بن كعب فى باب السجود حين سأل مرافقته عزيز، فقال «أعنى على نفسك
بكثرة السجود، حيث على المحبة به بملازمة الذكر، والمرافقة بكثرة السجود، فقوله ((أعنى على ذكرك، المطلوب منه
شرح الصدر ، وتيسير الأمر، وإطلاق اللسان، وإليه يلح قول الكليم عليه الصلاة والسلام: ( رب اشرح لى صدرى
ويسر لى أمرى واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولى - ٢٠: ٢٥ - ٢٧} إلى قوله: ﴿كى نسبحك كثيرا ونذكرك
كثيرا ـ ٢٠: ٣٤،٣٣ ) وقوله: (وشكرك) المطلوب منه توالى النعم المستجلبة لتوالى الشكر، وإنما طلب المعاونة عليه لأنه
عسر جدا، ولذلك قال تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور - ١٣:٣٤) وقوله: (وحسن عبادتك) المطلوب منه التجرد
عما يشغله عن الله، ويلهيه عن ذكر الله وعن عبادته ليتفرغ لمناجاة الله كما أشار إليه سيد المرسلين صلوات الله عليه ((وقرة
عينى فى الصلاة)) وأخبر عن هذا المقام بقوله ((الا حسان أن تعبد الله كأنك تراه)) - انتهى. ووجه تخصيص الوصية
بهذه الكلمات أنها مشتملة على جميع خير الدنيا والآخرة (رواه أحمد) (ج ٥: ص ٢٤٤، ٢٤٧،٢٤٥)
(وأبو داود والنسائى) وسكت عنه أبو داود والمنذرى. وقال الحافظ فى بلوغ المرام: سنده قوى. وقال النووى:
إسناده صحيح، ذكره ميرك. والحديث أخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة فى صحيحيهما والحاكم، وقال: صحيح على
شرط الشيخين. قال الشوكانى: وهذا الحديث مسلسل بالمحبة كما ذكرته فى إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر.
٩٥٧ - قوله ( كان يسلم عن يمينه) أى مجاوزا نظره عن يمينه كما يسلم أحد على من فى يمينه (السلام عليكم ورحمة الله)
إما حال مؤكدة، أى يسلم قائلا («السلام عليكم) أو جملة اسثنافية على تقدير ((ماذا كان يقول)) (حتى يرى بياض خده الأيمن)
بضم الياء المثناة من تحت من قوله ((يرى)) مبنيا الجهول، و((ياض)) بالرفع على النيابة و((الأيمن، بالجر على أنه صفة لخده.
(وعن يساره) فيه مشروعية تسليمتين الخروج عن الصلاة ، وأن يكون التسليم أولا إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار
(السلام عليكم ورحمة الله) قال الحافظ فى التلخيص (ص ١٠٤): وقع فى صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود
زيادة ((وبركاته)) وهى عند ابن ماجه أيضا، وهى عند أبى داود أيضا فى حديث وائل بن حجر فيتعجب من ابن الصلاح
٣٠٦

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
حتى يرى بياض خده الأيسر. رواه أبو داود والنسائى والترمذى، ولم يذكر الترمذى: حتى يرى
ياض خده .
٩٥٨ - (١٣) ورواه ابن ماجه، عن عمار بن ياسر.
٩٥٩ - (١٤) وعن عبد الله بن مسعود، قال: كان أكثر انصراف النبى مؤلّم من صلاته إلى شقه
الأيسر إلى حجرته.
حيث يقول: إن هذه الزيادة ليست فى شئى من كتب الحديث - انتهى. قلت: حديث وائل بن حجر بزيادة ((وبركاته))
قد سكت عنه أبو داود. وقال الحافظ فى بلوغ المرام بعد ذكره "رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولكن ليس فيه زيادة
(وبركانه)) إلا فى اليمين فقط. وأما رواية ابن ماجه لحديث ابن مسعود بزيادة ((وبركاته)) فليست موجودة فى نسخ
السنن التى بأيدينا من طبعات الهند ومصر ، فكلها خالية عن هذه الزيادة. ونقل الأمير اليمانى عن الحافظ : أن ابن
رسلان قال فى شرح السنن: لم أجدها فى ابن ماجه. وهذا يزيد النسخ الموجودة الحاضرة عندنا إلا أنه قال الأمير اليمانى:
راجعنا سنن ابن ماجه من نسخة صحيحة مقروءة فوجدنا فيه ما لفظه: باب التسليم حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير: حدثنا عمر بن
عبيد، عن ابن إسحاق، عن الأحوص، عن عبد الله: أن رسول اللّه ◌ُٹے كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض
خده: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - انتهى بلفظه. وهذا يؤيد ما ذكره الحافظ فى التلخيص من رواية ابن ماجه
•لهذه الزيادة فى حديث ابن مسعود، وهذا كله يدل على اختلاف نسخ ابن ماجه فى ذكر هذه الزيادة ، وكيف ما كان
الأمر لا عذر عن القول بها بعد صحة إسناد حديث وائل ، وثبوتها عند ابن حبان، إذ هى زيادة عدل غير منافية، وعدم
ذكرها فى رواية غيره ليست رواية لعدمها، ولما ذكر النووى أن زيادة («وبركاته)) فردة، ساق الحافظ فى ((تلقيح الأفكار
تخريج الأذكار، طرقا كثيرة لهذه الزيادة، وقال بعد أن ساق تلك الطرق: فهذه عدة طرق تثبت بها ((وبركاته، بخلاف
ما يوهمه كلام الشيخ أنها رواية فردة - انتهى (رواه أبو داود والنسائى والترمذى) وصححه وأخرجه أيضا أحمد وابن ماجه
والدار قطنى وابن حبان ، وله ألفاظ، وأصله فى صحيح مسلم. قال العقيلى: الأسانيد صحاح ثابتة فى حديث ابن مسعود فى
تسليمتين ، ولا يصح فى تسليمة واحدة شتى (ولم يذكر الترمذى حتى يرى بياض خده) أى فى الوجهين.
٩٥٧ - قوله (ورواه ابن ماجه عن عمار بن ياسر) أى لا عن ابن مسعود، وهذا من أوهام المصنف، فإن
ابن ماجه رواه عن ابن مسعود وعمار كليهما ، وحديث عمار أخرجه أيضا الدار قطنى ، قال السندى: إسناده حسن.
٩٥٩ - قوله (كان أكثر انصراف النبى موضع من صلاته إلى شقه الأيسر إلى حجرته) قال الطبي : كان باب
٣٠٧

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
رواه فى شرح السنة.
٩٦٠ - (١٥) وعن عطاء الخراسانى، عن المغيرة، قال: قال رسول اللّه ◌َله: لا يصلى الامام فى
الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول.
حجرته مفتوحا إلى المسجد عن يسار المحراب، فهو ينصرف إلى جانب يساره ويدخل حجرته (رواه) أى البغوى
(فى شرح السنة) قال ميرك نقلا عن التصحيح: حديث ابن مسعود هذا ليس فى شئ من الكتب، ورواه صاحب
المصابيح فى شرح السنة، ولكن يؤيده ما قدمنا من حديث ابن مسعود عند مسلم بلفظ أكثر ما رأيت رسول اللّه عز له
ينصرف عن شماله. زاد أبو داود فى روايته: قال عمارة (أى ابن عمير راوى الحديث عن الأسود عن عبد اللّه): أتيت
المدينة بعد (أى بعد سماع الحديث من الأسود) فرأيت منازل النبي ◌َّ (أى يوته) عن يساره (أى عن يسار النبي
عَّ فى حال أداء الصلاة، فقد بين عمارة وجه انصرافه إلى جانب اليسار بأن حاجته كانت إلى جهة اليسار).
٩٦٠ - قوله (عن عطاء الخراسانى) هو عطاء بن أبى مسلم أبو أيوب أو أبو عثمان نزيل الشام ، واسم أبيه ميسرة .
وقيل : عبد الله، صدوق يهم كثيرا، ويرسل ، ويدلس ، قال الطبرانى: لم يسمع من الصحابة إلا من أنس، فهو من
صغار التابعين . مات سنة خمس وثلاثين ومائة ، لم يصح أن البخارى أخرج له، كذا فى التقريب ، وقد وثقه ابن معين،
وأبو حاتم والدار قطنى ، وقال النسائى: ليس به بأس، روى عنه مالك وغيره (عن المغيرة) بن شعبة (لا يصلى) أفى بمعنى
النهى (الإمام) ليس النقييد بالامام لتخصيصه بذلك بل يعم المأموم والمنفرد، والدليل على ذلك ما رواه أحمد وأبوداود
وابن ماجه عن أبى هريرة رفعه: أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر، أو عن يمينه أو عن شماله فى الصلاة يعنى فى السبحة.
فسوق هذا الحديث يقتضى العموم، كيف والخطاب مع المقتدين، وكان مريم هو الامام يومئذ (فى الموضع الذى صلى)
أى الفرض (فيه حتى يتحول) أى ينتقل إلى موضع، وهذا جاء للتأكيد، فإن قوله «لا يصلى فى موضع صلى فيه، أفاد ما
أفاده. وعند ابن ماجه: لا يصلى الامام فى مقامه الذى صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه. وروى ابن أبى شيبة باسناد
حسن عن على ، قال: من السنة: أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه. قيل: نهى عن ذلك لئلا يتوهم أنه بعد فى
المكتوبة، يعنى أنه كره ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة كما يشير إليه حديث معاوية عند مسلم، وسنذكر لفظه ، وقيل:
العلة فى ذلك أن يشهد له الموضعان بالطاعة ، ولذلك يستحب تكثير محال العبادة، فإن مواضع السجود تشهد له كما فى قوله
تعالى: ﴿يومئذ تحدث أخبارها - ٤:٩٩) أى تخبر بما عمل عليها، وهذه العلة تقتضى أن ينتقل إلى الفرض من موضع
تفله ، وأن ينتقل لكل صلاة يفتحها من أفراد النوافل، فإن لم ينتقل فينبغى أن يفصل بالكلام لما روى مسلم عن السائب:
أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتغل بعدها فى مقامه، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو
٣٠٨

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
رواه أبو داود، وقال: عطاء الخراسانى لم يدرك المغيرة.
٩٦١ - (١٦) وعن أنس، أن النبى مؤفى حضهم على الصلاة، ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من
الصلاة. رواه أبو داود .
﴿ الفصل الثالث ):
٩٦٢ - (١٧) عن شداد بن أوس ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى صلاته:
تخرج ، فإن النبي ◌َّ أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو تخرج (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا
ابن ماجه (وقال) أى أبو داود (عطاء الخراسانى) مبتدأ، خبره قوله: (لم يدرك المغيرة) بن شعبة أى فسنده منقطع .
قال المنذرى: وما قاله أبو داود ظاهر، فإن عطاء الخراسانى ولد فى السنة التى مات فيها المغيرة بن شعبة، وهى سنة
خمسين من الهجرة على المشهور، أو يكون ولد قبل وفاته بسنة على القول الآخر - انتهى. وقال البخارى فى صحيحه:
قال لنا آدم حدثنا شعبة، عن أيوب ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر يصلى فى مكانه الذى صلى فيه الفريضة ، وفعله القاسم
ويذكر عن أبى هريرة رفعه: لا يتطوع الإمام فى مكانه، ولم يصح - انتهى. قال الحافظ: ذكر البخارى حديث
أبى هريرة بالمعنى ، ولفظه عند أبى داود: أيعجز أحدكم؟ فذكر مثل ما ذكرنا. قال: وقوله (( لم يصح)) هو كلام البخارى
وذلك لضعف إسناده واضطرابه، تفرد به ليث بن أبى سليم ، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه، وقد ذكر البخارى
الاختلاف فيه فى تاريخه، وقال: ولم يثبت هذا الحديث - انتهى. قلت: قد ثبت التنحى فى حديث معاوية عند مسلم
بقوله ((أو تخرج)) وفى حديث على عند ابن أبى شيبة بقوله: من السنة أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه. وهذا
يكفى لاثبات استحباب التطوع فى غير موضع المكتوبة .
٩٦١ - قوله (حضهم) أى حثهم (على الصلاة) أى على ملازمة صلاة الجماعة أو مطلق الصلاة والإكثار منها
(ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة) قال الطبى: علة نهيه عليه الصلاة والسلام أصحابه عن انصرافهم قبله أن تذهب
النساء اللاتى يصلين خلفه، وكان النبي مَّم يثبت فى مكانه حتى ينصرف النساء ، ثم يقوم، ويقوم الرجال ، قال ميرك:
ويحتمل أن المراد من الانصراف هو الخروج من الصلاة قبل خروجه بالسلام - انتهى. قلت: ويؤيد ما ذكره
الطبى فى بيان العلة حديث أم سلمة آخر أحاديث الفصل الأول، فهو المتعين والمعتمد (رواه أبو داود) وسكت عنه هو
والمنذرى ورواه أحمد (ج ٣: ص ٢٤٠) من غير طريق أبي داود بأتم منه، وكذا رواه أبو عوانة فى صحيحه
(ج ٢: ص ٢٥١) بتمامه.
٩٦٢ - قوله (كان رسول اللّه مَ ◌ّه يقول فى صلاته) أى بعد التشهد، قاله القارى. وقال ابن حجر: أى فى
٣٠٩

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
اللهم إنى أسألك الثبات فى الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك،
وأسئلك قلبا سليما، ولسانا صادقا، وأسئلك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم،
وأستغفرك لما تعلم. رواه النسائى. وروى أحمد نحوه.
آخرها. وقال الشوكانى : هذا الدعاء ورد مطلقا فى الصلاة غير مقيد بمكان مخصوص - انتهى. قلت: وعند أحمد فى
رواية: كان رسول اللّه ◌ُوَّ يعلمنا كلمات ندعوبهن فى صلاتنا، أو قال: فى دبر صلاتنا (اللهم إنى أسألك الثبات فى الأمر)
أى الدوام على جميع أمور الدين ولزوم الاستقامة عليها. قال الشوكانى: سؤال الثبات فى الأمر من جوامع الكلم
النبوية، لأن من ثبته الله فى أموره عصم عن الوقوع فى الموبقات ولم يصدر منه أمر خلاف ما يرضاه الله
(والعزيمة على الرشد) العزيمة عقد القلب على إمضاء الأمر، يقال ((عزم الأمر وعليه)) عقد ضميره على فعله، وعزم
الرجل ، جد فى الأمر، و((الرشد) - بضم الراء المهملة وإسكان الشين المعجمة - بمعنى الصلاح، والفلاح، والصواب،
والاستقامة على طريق الحق. قيل: المراد لزوم الرشد ودوامها وفى رواية الترمذى: أسألك عزيمة الرشد، يعنى الجد
فى أمر الرشد بحيث ينجز كل ما هو رشد من أموره (وأسألك شكر نعمتك) أى التوفيق لشكر إنعامك (وحسن عبادتك)
أى إيقاعها على الوجه الحسن المرضى (وأسألك قلبا سليما) أى من العقائد الفاسدة، والميل إلى الشهوات العاجلة ولذاتها
ويبلغ ذلك الأعمال الصالحات، إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها إلى الجوارح، كما أن صحة البدن عبارة عن حصول
ما ينبغى من استقامة المزاج، والتركيب، والاتصال، ومرضه عبارة عن زوال أحدهما. وقيل: المراد سليما من
الغل ، والغش، والحقد، والاحن، وسائر الصفات الردية، والأحوال الدنية (ولسانا صادقا) أى محفوظا من الكذب
ونسبة الصدق إلى اللسان مجاز بأن لا يبرز عنه إلا الحق المطابق فى الواقع (وأسألك من خير ما تعلم) قال الطيبي: ((ما))
موصولة أو موصوفة، والعائد محذوف، ومن يجوز أن تكون زائدة على مذهب من يزيدها فى الاثبات، أو بيانية والمين
محذوف ، أى أسألك شيئا هو خير ما تعلم، أو تبعيضية سأله إظهارا لهضم النفس، وأنه لا يستحق إلا يسيرا من الخير
(وأستغفرك لما تعلم) أى لأجل ما تعلمه من الذنوب، والتقصيرات. وفى الترمذى «ما تعلم)، أى منى من تفريط، وزاد
الترمذى: إنك أنت علام الغيوب. قال الشوكانى: قوله ((من خير ما تعلم، هو سؤال لخير الأمور على الإطلاق، لأن
عليه تعالى محيط بجميع الأشياء، وكذلك التعوذ من شر ما يعلم، والاستغفار لما يعلم ، فكأنه قال: أسألك من خير كل
شئ، وأعوذ بك من شر كل شئ، وأستغفرك لكل ذنب (رواه النسائي) من طريق سعيد بن أياس الجريرى، عن
أبى العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن شداد بن أوس. قال الشوكانى فى النيل: رجال إسناده ثقات
(وروى أحمد نحوه) (ج ٤: ص ١٢٥) أى من طريق الجريرى، عن أبى العلاء بن الشخير، عن الحنظلى ، عن شداد بن
٣١٠

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤٠ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
٩٦٣ - (١٨) وعن جابر، قال: كان رسول اللّه ◌ُلَّم يقول فى صلاته بعد التشهد: أحسن الكلام
كلام اللّه، وأحسن الهدى هدى محمد.
أوس ، ومن هذا الطريق رواه الترمذى فى الدعوات، وفى طريقهما رجل حنظلى وهو مجهول ، وقد أورده الحافظ فى
((فصل من أبهم ولكن ذكر نسبه)) من ((التعجيل)) (ص ٥٣٥) لهذه الرواية ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وزيادة الرجل
الحنظلى بين أبى العلاءوبين شداد بن أوس يدل على أن فى سند النسائى انقطاعا، وقد رواه أيضا أحمد من طريق الأوزاعى،
عن حسان بن عطية، عن شداد بن أوس ، والحاكم من طريق عكرمة بن عمار، عن شداد أبى عمار . عن شداد بن أوس ،
وهذان الطريقان كما ترى ليس فيها انقطاع، ولا رجل مجهول، ولذلك قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ، وأقره الذهبي
قال الشوكانى فى تحفة الذا كرين: وصححه أيضا ابن حبان، فلا وجه لما قاله العراقى: أنه منقطع وضعيف، بعد تصحيح
هذين الامامين له - انتهى .
٩٦٣ - قوله ( كان رسول اللّه ◌َو ◌ّ يقول) أى أحيانا (أحسن الهدى هدى محمد) الهدى - بفتح فسكون - السيرة
والطريقة والهيئة ، والحديث ظاهر فى معناه، وأن الذكر المذكور فيه مشروع فى الصلاة بعد التشهد قبل السلام وهو الذى
فهمه النسائى حيث أورد الحديث فى باب ((نوع آخر من الذكر بعد التشهد، وتبعه الجزرى فى ((جامع الأصول)) لكن
أبدى الشيخ الألبانى احتمال أن المراد به الذكر الوارد فى خطبة الحاجة المعروفة بعد الشهادتين، حيث قال فى تعليقه: قوله
(فى صلاته)) أى دعائه وثنائه على الله، وقوله (بعد التشهد)) أى فى خطبته، قال: ويبدو لى أنه أى هذا الحديث مختصر من
حديث جابر الذى رواه مسلم بهذا الإسناد الذى فى النسائى: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: كان رسول اللّه ◌ُ }}
إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه: ويقول: ((أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى
محمد، الحديث. ورواية له بلفظ: كان يخطب الناس يحمد الله ويثنى عليه بما هو أهله ثم يقول: ((من يهده الله فلا مضل
له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله)) الحديث. فقوله «بحمد الله، إلخ. إشارة إلى خطبة الحاجة
المعروفة ((إن الحمد لله نحمده ونستعينه ... من يهده الله فلا مضل له ... وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فهذا هو التشهد الذى عناه الراوى فى حديث جابر هذا ، وذلك من الاختصار المخل .
والله أعلم - انتهى. واعلم أنه قد ورد فى الدعاء بعد التشهد ألفاظ وأدعية غير ما ذكر كما لا يخفى على من له اطلاع على
أحاديث الباب، وللرجل أن يدعو بأى لفظ شاء من مأثور وغيره مما أحب من مطالب الدنيا والآخرة، ولا حرج عليه
بما شاءدعا ما لم يكن إثم أو قطيعة رحم، ولا يدعو بدنياه إلا على تثبت من الجواز، هذا هو الصحيح إن شاء الله لظواهر
الأحاديث، فإن النبي مَؤُّم قال: ثم ليتخير من الدعاء. وقال: ثم يدعو لنفسه بما بدأله. وقال: ثم يدعو بعد بما شاء.
٣١١

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
رواه النسائى.
٩٦٤ - (١٩) وعن عائشة، رضى الله عنها، قالت: كان رسول اللّه مؤ لم يسلم فى الصلاة تسليمة
تلقاء وجهه، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئا. رواه الترمذى.
وإليه ذهب مالك، والشافعى، قالا: يجوز أن يدعوبكل شئى من أمور الدين والدنياما يشبه كلام الناس ما لم يكن إنما ، ولا
يبطل صلاته بشئى من ذلك. واحتج لهما بحديث: سلوا الله حواتحكم حتى الشسع لنعالكم، والملح لقدوركم. وقال أحمد
وأبو حنيفة: لا يدعو إلا بالأدعية المأثورة، أو الموافقة للقرآن العظيم، أو التى شابهت الألفاظ المأثورة . قال ابن
قدامة: والخبر محمول على أنه يتخير من الدعاء المأثورة وما أشبه - انتهى. قلت: لا دليل على هذا التقييد لا من كتاب
اللّه، ولا من سنة رسوله، ولا من قول صحابى فلا يلتفت إليه (رواه النسائي) ورجاله ثقات.
٩٦٤- قوله ( كان رسول اللّه عليه وسلم فى الصلاة تسليمة تلقاء وجهه) أى يبتدئى بها وهو مستقبل القبلة، قاله
ابن حجر. وقال القارى: أى يبدأ بالتسليم محاذاة وجهه ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئا أى يسيرا. والحديث فيه دليل
على مشروعية التسليمة الواحدة فى الصلاة ، وقد تقدم ذكر من ذهب إلى ذلك. والحديث ضعيف كما ستعرف. والحق
ما ذهب إليه الجمهور من أن المشروع والمسنون تسليمتان لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتين ، وصحة بعضها، وحسن
بعضها، واشتمالها على الزيادة، وكونها مثبتة، بخلاف الأحاديث الواردة بالتسليمة الواحدة، فإنها مع قلنها ضعيفة
لا تنتهض للاحتجاج، ولو سلم اتهاضها لم تصلح لمعارضة أحاديث التسليمتين لما عرفت من اشتمالها على الزيادة، مع أنه
يحتمل أن يكون المقصود من أحاديث التسليمة الواحدة بيان أنه مؤتم كان يجهر بالتسليمة الواحدة ويرفع بها صوته
ويسمعهم التسليمة الواحدة، لا أنه يقتصر على التسليمة الواحدة. فمعنى هذه الأحاديث يرجع إلى أنه يسمعهم التسليمة الواحدة
يدل على ذلك ما وقع فى رواية لأحمد فى قصة صلاة الليل: ثم يسلم تسليمة واحدة («السلام عليكم، يرفع بها صوته حتى
يوقظنا. وما وقع فى حديث ابن عمر عند أحمد: قال كان رسول اللّه مَّل يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها.
وقيل: إن التسليمة الواحدة كانت منه مَوفية فى بعض الأحيان فى صلاة الليل، والصحابة الذين رووا عنه التسليمتين إنما
يحكون التسليم الذى رأوه فى صلاته فى المسجد وفى الجماعة. وقيل: يمكن أنه اقنصر النبي مؤلّم على التسليمة الواحدة فى
بعض الأحيان فى صلاته بالجماعة فى المسجدلبيان الجواز، فيجوز أنه فعل الأمرين ليبين الجائز والمسنون. وقيل: فىحديث
عائشة الذى ذكره المصنف: أنه ليس المقصود منه بيان عدد التسليم بل بيان كيفية التسليم بأنه كان يبتدى به محاذاة وجهه، ثم
يميل إلى الشق الأيمن شيئا يسيرا. وترك بيان كيفية التسليم الثانى اكتفاء بالأول (رواه الترمذى) وأخرجه أيضا الدار قطنى
والحاكم ، والبيهقى كلهم من طريق عمرو بن أبى سلمة التنيسى ، عن زهير بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة
٣١٢

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٧ - باب الدعاء فى التشهد
٩٦٥ - (٢٠) وعن سمرة، قال: أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن ترد على الامام،
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قلت: عمرو بن أبى سلمة التنيسى شامى، ورواية
أهل الشام عن زهير بن محمد ضعيفة. قال الحافظ فى مقدمة الفتح: أما رواية عمرو بن أبى سلمة التنيسى يعنى عن زهير
ابن محمد، فبواطيل - انتهى. وقال فى التهذيب: قال أحمد: روى أى عمرو أبى بن سلمة التنيسى عن زهير أحاديث بواطيل،
كأنه سمعها من صدقة بن عبد اللّه فناط، فقلبها عن زهير، وساق الساجى منها حديثه عن زهير، عن هشام ، عن أبيه،
عن عائشة: كان رسول اللّه عَّم يسلم تسليمة - انتهى. وقال صاحب التنقيح: وزهير بن محمد وإن كان من رجال
الصحيحين لكن له منا كير ، وهذا الحديث منها. قال أبو حاتم: هو حديث منكر. والحديث أصله الوقف على عائشة
هكذا رواه الحفاظ - انتهى. وكذا رجح الوقف الدار قطنى والترمذى والبزار. وقال ابن عبد البر: لا يصح مرفوعا .
وقال النووى فى الخلاصة: هو حديث ضعيف ، ولا يقبل تصحيح الحاكم له. قيل: انفراد زهير برفع هذا الحديث
حين وقفه غيره على عائشة لا يكون علة له، والرفع زيادة من ثقة فتقبل، ومع ذلك فإنه لم ينفرد برفعه ، فقد رواه
ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار: حدثنا عبد الملك بن محمد الصنعانى: حدثنا زهير بن محمد ، عن هشام بن عروة ، عن
أبيه، عن عائشة، أن رسول الله مري كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه .. وعبد الملك بن محمد الصنعانى لين الحديث.
قاله الحافظ فى التقريب. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال أبو أيوب: هو ثقة من أصحاب الأوزاعى. ومثل
هذا يصلح التابعة. قلت: عبد الملك بن محمد الصنعانى من صنعاء دمشق شامى، ورواية الشاميين عن زهير بن محمد ضعيفة
كما عرفت. وقال الحافظ في التلخيص (ص ١٠٤): روى ابن حبان فى صحيحه، وأبو العباس السراج فى مسنده عن
عائشة من وجه آخر شيئا من هذا. أخرجاه من طريق زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، أن النبي مَّه
كان إذا أوتر أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا فى الثامنة، فيحمد الله ويذكره، ثم يدعو ، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يصلى
التاسعة فيجلس ، ويذكر الله ويدعو، ثم يسهم تسليمة، ثم يصلى ركعتين وهو جالس - الحديث. وإسناده على شرط
مسلم، ولم يستدركه الحاكم مع أنه أخرج حديث زهير بن محمد ، عن هشام - انتهى. وفى الباب عن سهل بن سعد،
وسلمة بن الأكوع كلاهما عند ابن ماجه. وفى إسناد الأول عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد ، وقد قال البخارى :
إنه منكر الحديث. وقال القسائی: متروك ، وفى إسناد الثانی یخی بن راشد البصرى، قال ابن معين : ليس بشئ. وقال
النسائى: ضعيف. وفى الباب أحاديث أخرى كلها ضعيفة، ذكرها الزيلعى فى نصب الراية مع بيان ضعفها.
٩٦٥ - قوله (أن نرد على الإمام) أى نتوى الرد على الإمام بالتسليمة الثانية من على يمينه، وبالأولى من على
يساره، وبهما من على محاذاته كما هو مذهب الحنفية، قاله القارى. وقال الشوكانى: قال أصحاب الشافعى : إن كان المأموم
عن يمين الامام فينوى الرد عليه بالثانية، وإن كان عن يساره فينوى الرد عليه بالأولى، وإن حاذاه فما شاء، وهو فى
٣١٣

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
ونتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض. رواه أبو داود.
(١٨) باب الذكر بعد الصلاة
( الفصل الأول ).
٩٦٦ - (١) عن ابن عباس، رضى الله عنهما، قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله
بالتكبير .
الأولى أحب. ولفظ ابن ماجه: أمرنا رسول اللّه ◌َيفضّل أن نسلم على أتمتنا (ونتحاب) كذا فى النسخ الموجودة عندنا ،
ولفظ أبى داود ((وأن تتحاب)) أى بزيادة ((أن))، و«نتحاب)) - بتشديد الباء الموحدة - من التحابب وهو التوادد،
وتحابوا أحب كل واحد منهم صاحبه. قال القارى: أى وأن نتحاب مع المصلين وسائر المؤمنين بأن يفعل كل منا من
الأخلاق الحسنة والأفعال الصالحة ، والأقوال الصادقة، والنصائح الخالصة ما يؤدى إلى المحبة والمودة (وأن يسلم بعضنا
على بعض) ظاهره شامل الصلاة وغيرها لكنه قيده البزار بالصلاة، ولفظه: وأن نسلم على أتمتنا، وأن يسلم بعضنا على
بعض فى الصلاة، أى ينوى المصلى من عن يمينه وشماله من البشر، وكذا من الملك، فإنه أحق بالتسليم المشعر بالتعظيم.
وقال الشوكانى: ويدخل فى ذلك سلام الإمام على المأمومين، والمأمومين على الامام، وسلام المقتدين بعضهم على بعض -
انتهى. قال الطبى: هذا عطف الخاص على العام، لأن التحابب أشمل معنى من التسليم ليؤذن بأنه فتح باب المحبسة
ومقدمتها (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا ابن ماجه، والبزار مختصرا، وزاد البزار: فى الصلاة. وأخرجه الحاكم
بلفظ أبى داود (ج ١: ص ٢٧٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وسعيد بن بشير (أى الأزدی الشامی راوى
الحديث عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة) إمام أهل الشام فى عصره، إلا أن الشيخين لم يخرجاه بما وصفه أبو مسهر من
سوء حفظه، ومثله لا ينزل بهذا القدر - انتهى. وقال الحافظ: إسناده حسن، وسكت عنه أبو داود ، ولکنه من
رواية الحسن عن سمرة. وقد تقدم الكلام فى سماع الحسن منه، وقد أخرج أبو داود من وجه آخر عن سمرة: أمرنا
رسول اللّه مَّ إذا كان فى وسط الصلاة أو حين انقضائها: فابدوا قبل السلام، فقولوا: التحيات الطبيبات الصلوات.
والملك لله، ثم سلموا على اليمين، ثم سلموا على قاريكم، وعلى أنفسكم. لكنه ضعيف لما فيه من المجاهيل.
(باب الذكر بعد الصلاة) أى بعد الفراغ من الصلاة المكتوبة. والمراد بالذكر أعم من الدعاء وغيره.
٩٦٦ - قوله (كنت أعرف انقضاء صلاة رسول اللّه مَثّة) أى انتهاءما (بالتكبير) متعلق بأعرف، ووقع فى
رواية لمسلم بصيغة الحصر ولفظه ((ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول اللّه مَفِّ إلا بالتكبير)) واختلفوا فى بيان المراد
٣١٤

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة.
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
بالتكبير، فقيل: المراد به قوله ((الله أكبر) مرة أو ثلاثا بعد السلام فكان ردفعل يقول ((الله أكبر) مرة أو مكررا إذا فرغ
من الصلاة، والمعنى: كنت أعرف بسماع («الله أكبر» انصرافه وفراغه من الصلاة. وقيل: المراد التكبير الذى ورد
مع التسبيح والتحميد عشرا أو أكثر فيحتمل أنه كان بدءه بالتكبير قبل التسبيح والتحميد لما ورد: لا يضرك بأيهن بدأت.
وقيل: المراد التكبيرات التى فى الصلاة عند كل خفض ورفع، والمعنى كنت أعرف انقضاء كل هيئة من الصلاة إلى
أخرى بتكبيرة أسمعها من رسول اللّه مَفى. وقيل: المراد كنت أعرف أنقضاء الصلاة بانقضاء التكبيرات، وهذان
التأويلان يخالفان الباب، ويخالفان أيضا رواية الشيخين لحديث ابن عباس هذا من وجه آخر بلفظ: إن رفع الصوت
بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول اللّه مَّن. وقال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا
بذلك إذا سمعته. قال العينى: أى كنت أعلم انصرافهم بسماع الذكر - انتهى. وهذه الرواية تؤيد بل تعين القول الأول
فهو المعتمد، لكن قوله ((التكبير)) أخص من هذه الرواية، لأن الذكر أعم من التكبير، فيحتمل أنهم كانوا
يرفعون الصوت بالتكبير والذكر كليهما، فيكون الحديث دليلا على استحباب رفع الصوت بقول
(الله أكبر، مرة أو مكررا، وبأذكار أخرى عقب المكتوبة، ويحتمل أن يكون قوله ((التكبير، مفسرا
لهذه الرواية ، فكأن المراد أن رفع الصوت بالذكر أى بالتكبير وكأنهم كانوا يبدون بالتكير مرة أو مكررا قبل الأذكار
الأخرى. ويحتمل أن يكون المراد بالتكبير مطلق الذكر بعد الصلاة. وظاهر الحديث أن ابن عباس لم يكن يخضر
الجماعة لأنه كان صغيرا ممن لا يواظب على ذلك ، ولا يلزم به ، فكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر، ويحتمل أن يكون
حاضراً فى أواخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسايم، وإنما كان يعرفه بالتكبير، قال ابن دقيق العيد. ويؤخذ
منه أنه لم يكن هناك مبلغ جهير الصوت يسمع من بعد - انتهى. قال النووى: هذا الحديث دليل لما قاله بعض السلف:
أنه يستحب رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، ومن يستحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهرى، ونقل
ابن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالتكبير والذكر،
وحمله الشافعى على أنه جهر وقنا يسيرا حتى يعلمهم صفة الذكر ، لا أنهم جهروا به دائما. قال: فاختار للإمام والمأموم
أن يذكر الله بعد الفراغ من الصلاة، ويخفيان ذلك إلا أن يكون إماما يريد أن يتعلم منه، فيجهر حتى يعلم أنه قد تعلم منه
ثم يسر، وحمل الحديث على هذا - انتهى. قلت: ما ذهب إليه بعض السلف، وابن حزم من المتأخرين من استحباب
رفع الصوت بالتكبير والذكر أثر كل صلاة مكتوبة هو القول الراجح عندى ، وإن لم يقل به الأئمة الأربعة ومقلدوهم،
لأن حديث ابن عباس باللفظين نص فى ذلك ، ويدل على ذلك أيضا حديث عبد الله بن الزبير الآتى، والحق يدور مع
الدليل لا مع الإدعاء أو الرجال، نعم لا يبالغ فى رفع الصوت، ولا يجهر جهرا مفرطا لقوله مَّم: اربعوا على أنفسكم،
.٣١٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤- كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
متفق عليه
٩٦٧ - (٢) وعن عائشة، رضى الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم
لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
رواه مسلم.
فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا - الحديث. ولا دليل لمن حمل حديث ابن عباس على أن الجهر كان أحيانا أو وقتًا يسيرا
لأجل تعليم المأمومين صفة الذكر والتكبير كما لا دليل لمن حمل حديث الجهر بالتسمية فى الصلاة، وحديث الجهر
بالتأمين ، على أنه كان أحيانا للتعليم، ولا يثبث شئى بالادعاء والتحكم، والراوى وهو ابن عباس لم يقيد رفع الصوت
بوقت دون وقت، بل أطلقه وعممه، وفيه أيضا لفظة ((كان)، وهى تشعر بالمواظبة، فدل ذلك على أن أكثر عمل النبي
ژٹے وأصحابه قد كان على رفع الصوت بالتکیر ، فالحق أن رفع الصوت بذلك أثر كل صلاة مكتوبة حسن کما صرح به
ابن حزم فى المحلى (ج ٤: ص ٢٦٠) (متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى.
٩٦٧ - قوله ( كان رسول اللّه ◌َيّ إذا سلم) أى من الصلاة المكتوبة (لم يقعد) أى فى بعض الأحيان فإنه قد
ثبت قعوده مَّ بعد السلام أزيد من هذا المقدار. وقيل: المراد لم يقعد مستقبل القبلة إلا مقدار قوله ذلك، ثم يلتفت
يمنة أو يسرة، أو يستقبل المؤتمين. قال السندى: الظاهر أن المراد لم يقعد على هيئة إلا هذا المقدار ثم ينصرف عن جهة
القبلة ، وإلا فقد جاء أنه كان يقعد بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس وغير ذلك ، فلا دلالة فى هذا الحديث على أن
المصلى لا يشتغل بالأوراد الواردة بعد الصلاة بل يشتغل بالسنن الرواتب ثم يأتى بالأوراد كماقال بعض العلماء - انتهى. وقيل:
المراد لم يقعد بين الفرض والسنة إلا هذا المقدار. قال الطبى: إنما ذلك فى صلاة بعدها راتبة ، وأما التى لا راتبة بعدها
كصلاة الصبح فلا - انتهى (اللهم أنت السلام) هو من أسماء الله تعالى، أى أنت السليم من المعائب والآفات، ومن
كل نقص ، وقال الأمير اليمانى: المراد ذو السلامة من كل نقص وآنة، مصدر وصف به البالغة (ومنك السلام) هذا بمعنى
السلامة ، أى أنت الذى تعطى السلامة وتمنعها، أو منك تطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة ، أو منك يرجى السلام
ويستوهب ويستفاد، أو السلامة من المعائب والآفات مطلوبة منك، أو حاصلة من عندك ، فالسالم من سلمته، قال الشيخ
الجزرى: وأما ما يزاد بعد قوله ((ومنك السلام، من نحو «وإليك يرجع السلام لحينا ربنا بالسلام، وأدخلنا دار السلام»
فلا أصل له، بل مختلق من بعض القصاص (تباركت) تفاعلت من البركة وهى الكثرة والنماء، ومعناه تعاظمت إذ
كثرت صفات جلالك وكمالك (يا ذا الجلال) أى ذا العظمة (والإ كرام) أى الإحسان (رواه مسلم) وأخرجه
أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٣١٦

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
٩٩٨ - (٣) وعن ثوبان، رضى الله عنه، قال: كان رسول اللّه مؤلّ إذا انصرف من صلاته
استغفر ثلاثا، وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. رواه مسلم.
٩٦٩ - (٤) وعن المغيرة بن شعبة، أن النبى مؤتم كان يقول فى دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئ قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت،
ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
٩٦٨- قوله (إذا انصرف من صلاته) أى سلم منها. قال النووي: المراد بالانصراف السلام (استغفر ثلاثا) قال
مسلم فى صحيحه بعد رواية هذا الحديث: قال الوليد، فقلت للأوزاعى: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: استغفر الله، استغفر
الله - انتهى. وقيل: أقله أستغفر الله، والأكمل زيادة العظيم الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه)) والاستغفار
إشارة إلى أن العيد لا يقوم بحق عبادة مولاه لما يعرض له من الوسواس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركا لذلك.
وقال السندى: استغفر مرّ تحقيرا لعمله وتعظيما لجناب ربه. وكذلك ينبغى أن يكون حال العابد، فينبغى أن يلاحظ عظمة
جلال ربه وحقارة نفسه وعمله لديه، فيزداد تضرعا واستغفارا كلما يزداد عملا، وقد مدح الله عباده فقال (كانوا قليلا من
الليل ما يهجعون وبالأسحارهم يستغفرون - ٥١: ١٧، ١٨) ﴾ وقال ابن سيد الناس: هو وفاء بحق المعبودية، وقيام بوظيفة
الشكر كما قال: أفلا أكون عبدا شكورا. وليبين للؤمنين سنته فعلا كما بينها قولا فى الدعاء والضراعة ليقتدى به (وقال) أى
بعد الاستغفار (أنت السلام) أى المختص بالتنزه عن النقائص والعيوب لا غيرك (ومنك السلام) أى منك السلامة، منها
لمن أردت له ذلك لا من غيرك (يا ذا الجلال والإكرام) بزيادة «ياء فى جميع نسخ المشكاة الحاضرة عندنا، وفى صحيح
مسلم ((ذا الجلال والا كرام)، بحذف ((يا)) وهذا من عظائم صفاته تعالى لا يستعمل فى غير اللّه تعالى (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائي وابن ماجه .
٩٦٩٠ - قوله ( كان يقول فى دبر كل صلاة مكتوبة) أى عقب كل صلاة فريضة (لا إله إلا الله وحده) أى
منفردا فى ذاته (لا شريك له) أى فى أفعاله، وصفاته، وعبادته، وقال ابن حجر: تأكيد بعد تأكيد لمزيد الاعتناء
بمقام التوحيد (له الملك) أى لا لغيره (وله الحمد) فى الأولى والآخرة. قال الحافظ فى الفتح: زاد الطبرانى من طريق
أخرى، عن المغيرة ((يحيى ويميت، وهوحى لا يموت، بده الخير)) إلى (قدير)) ورواته موثقون (اللهم لا مانع لما أعطيت)
أى من قضيت له بقضاء من رزق أو غيره لا يمنعه أحد عنه (ولا معطى لما منعت) أى من قضيت له بحرمان لا معطى له
(ولا ينفع ذا الجد منك الجد) بفتح الجيم وهو الحظ، والغنى، والعظمة، والسلطان، وأبو الأب والأم، و((من)) فى قوله
((منك)) بمعنى البدل ، قال الشاعر:
٣١٧

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة.
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
متفق عليه.
٩٧٠ - (٥) وعن عبد الله بن الزبير، قال: كان رسول اللّه مؤتم إذا سلم من صلاته يقول بصوته
الأعلى: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئ قدير،
مبردة باتت على الظمآن
فليت لنا من ماء زمزم شربة
يريد ليت لنا بدل ماء زمزم. وقيل «منك)) بمعنى عندك؛ وقيل: هو صفة الجد أى الكائن منك. وقيل: المضاف فيه مقدر
أى من عذابك ، وسطوتك، وقضائك، والمعنى: لا ينفع صاحب الغنى والحظ فى الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان
عندك، أو من عذابك، أو بدل لطفك غناه وحظه، أى لا ينجيه حفظه منك، وإنما ينفعه وينجيه فضلك ورحمتك ، أو
لا ينفع ذا نسب نسبه، وإنما ينفعه العمل الصالح. وروى («الجد) بكسر الجيم، والمعنى: لا ينفع صاحب الجد والاجتهاد
فى العلم والعمل مجرد اجتهاده فى ذلك ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته. والحديث دليل على
استحباب هذا الذكر عقب الصلوات لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد، ونسبة الأمر كله إليه، والمنع والإعطاء، وتمام
القدرة، وظاهره أن يقول ذلك مرة، وفى رواية للنسائى: أن النبى يوم كان يقول هذا التهليل وحده أولا ثلاث مرات
(متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى.
٩٧٠ - قوله (كان رسول اللّه ◌َو ◌ّ إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى) حديث عبد الله بن الزبير هذا
أخرجه مسلم من طرق، ولكن ليس فى طريق منها قوله «بصوته الأعلى، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى ولم تقع
هذه اللفظة عندهم أيضا ، ولفظ مسلم فى طريق الحجاج بن أبى عثمان، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن الزبير: كان رسول
اللّه ◌َفِّ يقول إذا سلم فى دبر الصلاة أو الصلوات ((لا إله إلا الله وحده، إلخ. وفى طريق موسى بن عقبة عن أبى الزبير أنه
سمع عبد الله بن الزبير، وهو يقول فى أثر الصلاة إذا سلم ... وكان يذكر ذلك عن رسول اللّه مؤهله، وأما السياق الذى
ذكره المصنف تبعا للبغوى فهو الشافعى فى كتاب الأم (ج ١: ص ١١٠) قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثنى
موسى بن عقبة، عن أبى الزبير، أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول: كان رسول اللّه مَفيه إذا سلم من صلاته يقول
بصوته الأعلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلخ. إلا أنه ليس عنده كلمة ((لا إله إلا الله)) بين قوله ((لا
حول ولا قوة إلا بالله، وقوله ((ولا نعبد إلا إياه) وقوله ((إذا سلم، فيه أنه ينبغى أن يكون هذا الذكر تالا للسلام
مقدما على غيره لتقييد القول به بوقت التسليم، ولا يعارض ذلك ما تقدم من حديث عائشة وثوبان، فإنه يحمل على أوقات
مختلفة فيقول بعد السلام تارة ما وقع فى حديث عائشة وثوبان ، وتارة ما وقع فى حديث ابن الزبير والمغيرة ، وعلى
هذا فالسنة أن يأتى بهذه الأذكار على سبيل البدل لا الجمع. وقيل: يجوز الجمع بينها، لأنه يحتمل أنه مَه كان يجمع بينها
٣١٨

مرجاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء
الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون. رواه مسلم.
كان يتعود
٩٧١ - (٦) وعن سعد، أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، ويقول: إن رسول الله
بهن دبر الصلاة: اللهم إنى أعوذبك من الجبن، وأعوذ بك من البخل،
وروى كل واحد ما سمعه منه مَّة، ولا يخفى بعده. والحديث يدل على مشروعية هذا الذكر بعد الصلاة مرة لعدم ما
يدل على التكرار (لا حول) أى لا تحول عن معصية الله (ولا قوة) على طاعة الله (إلا بالله) أى بعصمته وإعانته
(ولا نعبد إلا إياه) إذ لا يستحق العبادة سواه (له النعمة) أى جنسها. قال تعالى ﴿وما بكم من نعمة فمن الله -٥٣:١٦)
أو له نعمة التوفيق (وله الفضل) بالقبول أو التفضل على عباده (وله الثناء الحسن) على ذاته وصفاته وأفعاله ونعمه وعلى
كل حال (مخلصين له الدين) أى الطاعة (ولو كره الكافرون) أى كوننا مخلصين دين الله، وكوننا عابدين وموحدين الله.
قال الطبي: قوله ((مخلصين) حال عامله محذوف وهو الدال على مفعول ((كره)) أى نقول ((لا إله إلا الله)) حال كوننا مخلصين
ولو كره الكافرون قولنا. و((الدين)، مفعول به لمخلصين، و((له) ظرف قدم على المفعول به للاهتمام به. قال ابن حجر:
وفيه تكلف، والأولى جعله حالا من فاعل ((نعبد، المذكور - انتهى (رواه مسلم) أى أصل الحديث، وإلا فقوله « بصوته
الأعلى)) ليس عند مسلم بل هو الشافعى كما عرفت، وكان على البغوى أن يذكر ههنا سياق مسلم لا سياق الشافعى لما اشترط
أنه يورد فى الصحاح ما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وكان على المصنف أن ينبه على تسامح البغوى فى ذلك، وفى سنده عند
الشافعى إبراهيم بن محمد شيخ الشافعى، وهو إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى الأسنى أبو إسحاق المدنى ضعيف متروك عند
جمهور المحدثين، وكان الشافعى حسن الرأى فيه، وارجع إلى التهذيب (ج ١: ص ١٥٨ - ١٦١) والحديث أخرجه
أيضا أحمد (ج ٤: ص ٤، ٥) وأبو داود والنسائى.
٩٧١ - قوله (وعن سعد)أی ابن أبى وقاص (أنه کان یعلم بنه) أی أولاده ، وفيه تغليب، وقد ذکر ايت سعد
فى الطبقات أولاد سعد، فذكر من الذكور أربعة عشر نفسا، ومن الإناث سبع عشرة، وروى عنه الحديث منهم خمسة
عامر، ومحمد، ومصعب، وعائشة، وعمر (هؤلاء الكلمات) أى الآتية كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة (دبر الصلاة) أى
عقب الصلاة المكتوبة. فالمراد بالصلاة عند الإطلاق المكتوبة (اللهم إنى أعوذ بك) أى التجنى إليك (من الجبن) بضم
الجيم وسكون الباء، وتضم، هو المهابة للأشياء، والتأخر عن فعلها، والمتعوذ منه هو التأخر عن الإقدام بالنفس إلى
الجهاد الواجب، والتأخر عن الصدع بالحق، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، ونحو ذلك (وأعوذ بك من البخل)
بضم الياء الموحدة ، وإسكان الخاء المعجمة، وبفتحهما، وبضمهما، وبفتح الياء وإسكان الخاء ضد الكرم أى من عدم
٣١٩

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر. رواه البخارى.
٩٧٢ - (٧) وعن أبى هريرة، قال: إن فقراء المهاجرين أتوا رسول اللّه على فقالوا: قد ذهب
أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم. فقال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلى، ويصومون
كما نصوم،
النفع إلى الغير بالمال، أو العلم، أو غيرهما، ولو بالنصيحة. قال الطبى: الجود إما بالنفس وهو الشجاعة، ويقابله الجبن
وإما بالمال وهو السخاوة، ويقابله البخل ، ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا فى نفس كاملة، ولا يتعدمان إلا من متناه
فى النقص (وأعوذ بك من أرذل العمر) بضم الميم وسكونها لغتان، أى رديئة، وهو ما ينقص فيه القوى الظاهرة
والباطنة، فيصير كالطفل فى سخف العقل، وقلة الفهم، وضعف القوة، وفى رواية البخارى: وأعوذ بك من أن أرد ألى
أرذل العمر. قال العينى: أى عن الرد، وكلمة ((أن)) مصدرية و((أرذل العمر)) هو الخرف، يعنى يعود كهيئة الأولى فى
أو ان الطفولية، ضعيف البنية ، سخيف العقل، قليل الفهم، ويقال أرذل العمر أرداًه، وهو حالة الهرم والضعف عن
أداء الفرائض، وعن خدمة نفسه فيما ينظف فيه، فيكون كلا على أهله، ثقيلا بينهم يتمنون موته، فإن لم يكن له أهل
فالمصيبة أعظم (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) بأن تتزين المسالك، وتغره، وتنسيه الآخرة ، ويأخذ منها زيادة على قدر
الحاجة ، وقال الأمير اليمانى: فتنة الدنياهى الافتتان بشهواتها، وزخارفها حتى تلهيه عن القيام بالواجبات التى خلق لها العبد
(وعذاب القبر) أى من موجبات عذابه، وإنما خص ويل هذه المذكورات بالتعوذ منها لأنها من أعظم الأسباب المؤدية
إلى أنواع الشرور والمعاصى، وترك العبادات الظاهرة والباطنة ، وأما طول العمر مع سلامة القوى والحواس فسعادة
عظيمة للمؤمن المطيع (رواه البخارى) فى الجهاد، وفى الدعوات، وأخرجه أيضا الترمذى فى الدعوات، والنسائى
فى الاستعاذة.
٩٧٢ - قوله (إن فقراء المهاجرين) فيهم أبو ذركما عند أبى داود (قد ذهب أهل الدثور) بضم الدال المهملة
والمثلثة، جمع دثر - بفتح الدال وسكون المثلشة - أى أهل الأموال، والدثر يحتى بمعنى المال الكثير وبمعنى
الكثير من كل شئى (بالدرجات العلى) بضم العين جمع العليا، وهى تأثيث الأعلى، والياء التعدية، وقال الطينى:
للصاحبة ، يعنى ذهب أهل الأموال بالدرجات العلى، واستصحوها معهم فى الدنيا والآخرة، ومضوا بها ولم يتركوا لنا
شيئا منها، فما حالنا؟ يا رسول الله! والدرجات يحتمل أن يكون حسية، والمراد الدرجات العالية فى الجنة، أو معنوية،
والمراد على القدر عند الله تعالى (والنعيم المقيم) أى وبالعيش الدائم المستحق بالصدقة. قال الطبى: فيه تعريض بالنعيم
العاجل، فإنه على وشك الزوال (فقال: وما ذاك؟) أى ما سبب سؤالكم هذا؟ أو ما سبب فوزهم وحيازهم دونكم؟
(ويصومون كما نصوم) زاد فى حديث أبى الدرداء عند النسائى فى عمل اليوم والليلة ((ويذكرون كما نذكر)) والبزار من
٣٢٠