النص المفهرس

صفحات 261-280

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على التى مؤتمر وفضلها
رواه النسائي.
٩٢٩ - (٥) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول اللّه ملي: أولى الناس بى يوم القيامة أكثرهم على
صلاة. رواه الترمذى.
فى الجزاء إن كانت بمعنى الغفران فيكون من باب المشاكلة من حيث اللفظ، وإن كانت بمعنى التعظيم فيكون من الموافقة
لفظا ومعنى ، وهذا هو الوجه لثلا يتكرر معنى الغفران، أى مع الخط. ومعنى الأعداد المخصوصة محمول على المزيد
والفضل فى المعنى المطلوب، كذا فى المرقاة. قال ابن العربى: إن قيل قد قال الله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر
أمثالها - ٦: ١٦٠) فما فائدة هذا الحديث؟ قلنا: أعظم فائدة، وذلك أن القرآن اقتضى أن من جاء بحسنة تضاعف
عشرة، والصلاة على النبي ◌َّى حسنة ، فقتضى القرآن أن يعطى عشر درجات فى الجنة، فأخبر أن الله تعالى يصلى على
من صلى على رسوله عشرا، وذكر الله العبد أعظم من الحسنة مضاعفة، قال: ويحقق ذلك أن الله تعالى لم يجعل جزاء
ذكره إلا ذكره وكذلك جعل جراء ذكر نبيه ذكره لمن ذكره. قال العراقى: ولم يقتصر على ذلك حتى زاده كتابة عشر
حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفعه عشر درجات كما ورد فى الأحاديث (رواه النسائي) وأخرجه أيضا أحمد ،
وابن حبان فى صحيحه ، والحاكم فى مستدركه (ج ١: ص ٥٥٠) وقال صحيح الإسناد. وأقره الذهبي ، وله شواهد من
حديث سعيد بن عمر الأنصارى عند أبى نعيم فى الحلية، ومن حديث أبي بردة بن نيار، وأبى طلحة ، كلاهما عند النسائى ،
ورواتهما ثقات، ومن حديث البراء بن عازب عند ابن أبي عاصم فى كتاب الصلاة عن مولى للبراء لم يسمه عنه.
٩٢٩ - قوله (أولى الناس فى يوم القيامة) أى أقربهم منى فى القيامة، وأحراهم باللحوق بى، وأحقهم بالفوز
بشفاعى. قال الطبي: يعنى أخص أمتى، وأقربهم منى، وأحقهم بشفاعتى، من الولى بمعنى القرب، وضمن معنى
الاختصاص فعدى بالباء (أكثرهم على صلاة) أى فى الدنيا، وذلك لأن الاستكثار من الصلاة عليه مؤلم يورث المحبة
وهى نورث الاتحاد ، وقال المناوى: لأن كثرة الصلاة عليه تدل على صدق المحبة وكمال الوصلة، فتكون منازلهم فى
الآخرة منه بحسب تفاوتهم فى ذلك - انتهى. قال ابن حبان فى صحيحه عقب هذا الحديث: فيه بيان أن أولامم به مؤقت}
فى القيامة أصحاب الحديث إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم. وقال الخطيب البغدادى: قال لنا أبو
نعيم: هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها، لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على النبى تربية أكثر
مما يعرف لهذه العصابة نسخا وذكرا، يعنى كتابة وقولا (رواه الترمذى) وقال هذا حديث حسن غريب، وأخرجه
أيضا ابن حبان فى صحيحه كلاهما من رواية موسى بن يعقوب الزمعى عن عبد الله بن كيسان الزهرى، وموسى هذا وثقه
ابن معين وابن القطان.، وقال الآجرى عن أبى داود: هو صالح، وقال ابن عدى: لا بأس به عندى ولا برواياته.
٢٦١

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى من وفضلها
٩٣٠ - (٦) وعنه، قال: قال رسول اللّه مريض: إن لله ملائكة سياحين فى الأرض يبلغونى من
أمتى السلام. رواه النسائي، والدارمى.
٩٣١ - (٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من أحد يسلم على
وذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال ابن المدینی: ضعيف، منكر الحديث. وقال النسائى : ليس بالقوى، كذا فى تهذيب
التهذيب (ج ١: ص ٣٧٨) والميزان (ج ٣: ص ٢٢١) وقال الحافظ فى التقريب: صدوق، سعى الحفظ - انتهى
وأما عبد الله بن كيسان فقال عنه ابن القطان: لا يعرف حاله، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال الحافظ: هو مقبول
وللحديث شاهد من حديث أبي أمامة بلفظ: صلاة أمتى تعرض على فى كل جمعة ، فمن كان أكثرهم على صلاة كان أقربهم
منى منزلة ، أخرجه البيهقى. قال الحافظ فى الفتح: لا بأس بسنده.
٩٣٠٠ - قوله (إن لله ملائكة) أى جماعة، منهم (سياحين) صفة الملائكة، بالسين المهملة من السياحة وهى السير،
يقال: ساح فى الأرض يسبح سياحة إذا ذهب فيها، وأصله من السيح وهو الماء الجارى المنبسط على الأرض، فى
القاموس: ساح الماء، جرى على وجه الأرض، والسياح - بالتشديد - كالعلام مبالغة منها (يبلغونى) من الابلاغ أو
التبليغ ، قال القارى: وروى بتخفيف النون على حذف إحدى النونين. وقيل بتشديدها على الإدغام (من أمتى السلام).
أى يبلغونى سلام من سلم على منهم قليلا أو كثيرا وإن بعد قطره، أى فيرد عليه بسماعه منهم ، وفيه حث على الصلاة
والسلام عليه، وتعظيم له مرَّةٍ، وإجلال لمنزلته، حيث سخر الملائكة الكرام لهذا الشأن الفخم. قال الشوكانى: فى
الحديث الترغيب العظيم للاستكثار من الصلاة عليه وزتهم، فإنه إذا كانت صلاة واحدة من صلاة من صلى عليه تبلغه كان ذلك
منشطا له أعظم تنشيط ، والاقتصار فى الحديث على السلام لا ينافى إبلاغ الصلاة عليه زيت، تحكمهما واحد كما يدل عليه
حديث الحسن بن على، وحديث أنس كلاهما عند الطبرانى، وسنذكر لفظهما (رواه النسائى والدارمى) وأخرجه أيضا
أحمد، وابن حبان فى صحيحه، والحاكم (ج ٢: ص ٤٢١) وقال صحيح، وأقره الذهبي. وقال الهيشمى: رجاله رجال الصحيح.
وأخرج الطبرانى فى الكبير بإسناد حسن من حديث الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما: أن رسول الله محرك
قال: حيثما كنتم فصلوا على، فإن صلاتكم تبلغنى، وأخرج الطبرانى فى الأوسط بإسناد لا بأس به من حديث أنس رضى
الله عنه، قال: قال رسول اللّه تَّى: من صلى على بلغتنى صلاته، وصليت عليه، وكتب له سوى ذلك عشر حسنات.
٩٣١ - قوله (ما من أحد يسلم على) ظاهره الإطلاق الشامل لكل مكان وزمان ، فيكون فيه دليل على حصول
فضيلة رد السلام لكل مسلم قريبا كان أو بعيدا، وعلى أنه تَّ يرد السلام على من يسلم عليه من جميع الآفاق من جميع أمته
على بعد شقته، لكن فهم عامة العلماء منه أن المراد السلام عليه عند قبره، فيدل على تخصيص رد السلام بالقريب من
٢٦٢
:٠

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦٠ - باب الصلاة على النبى توضح وفضلها
القبر، قال الحفنى: قوله ما من أحد أى مؤمن يسلم، إلخ. ظاهره ولو بعيدا عن القبر، لكن خصه بعض الأئمة
بالقريب منه، أما البعيد فيلغه الملك - انتهى. وقال الحافظ العلامة محمد بن أحمد بن عبد الهادى المقدسى الحنبلى فى
((الصارم المنكى فى الرد على التقى السبكى)) (ص ١٧٢): قوله ((ما من أحد يسلم، يحتمل أن يكون المراد به عند قبره كما
فهمه جماعة من الأئمة ، ويحتمل أن يكون معناه على العموم ، وأنه لا فرق فى ذلك بين القريب والبعيد، وهذا هو ظاهر
الحديث، وهو الموافق للأحاديث المشهورة التى فيها («فإن تسليمكم يبلغنى أينما كنتم، وإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم.
يشير بذلك ◌َّ إلى أن ما ينالثى منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قيرى وبعدكم منه، فلا حاجة بكم إلى
اتخاذه عيدا. والأحاديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تبلغه، وتعرض عليه، كثيرة ـ انتهى. وقال الشوكانى: ليس فى
الحديث ما يدل على اعتبار كون المسلم عليه على قبره، بل ظاهره أعم من ذلك - انتهى. قلت؛ إن كان المراد بالسلام
فى قوله: ما من أحد يسلم ، إلخ. ما هو بمنزلة سلام التحية الموجب للرد الذى هو حق المسلم. ولا يختص بالمؤمن، فإن
الصحيح أن المراد فى الحديث السلام عليه عند قبره كما فهمه كثير من العلماء، لأن سلام التحية على الميت يكون عند القبر
لكن السلام المشروع عند القبر الذى هو سلام تحية ليس من خصائصه مر ◌ّةٍ ، ولهذا روى أن الميت يرد السلام مطلقا ،
فقد أخرج ابن عبد البر فى الاستذكار والتمهيد عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه مَّم: ما من أحد يمر بقبر أخيه
المؤمن كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه، ورد عليه السلام، صحه أبو محمد عبد الحق، قال: وهذا نص فى أنه يعرفه
بعينه، ويرد عليه السلام، وروى ابن أبى الدنيا فى كتاب القبور بسنده عن زيد بن أسلم، عن أبى هريرة ، قال: إذا
مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام، وغرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه. وعلى هذا
فالحديث يكون مختصا بالحاضر عند قبره ، وأما الغائب فلا يحصل له ذلك. وإن كان المراد بالسلام فى الحديث ما أمر
الله به فى القرآن أعنى الذى يسلم الله على صاحبه كما يصلى على من صلى عليه، والذى يختص بالمؤمن ولا يوجب الرد
ولا يستدعيه بل هو بمنزلة دعاء المؤمن للؤمنين واستغفاره لهم، وله فيه الأجر والثواب من الله ليس على المدعولهم مثل
ذلك الدعاء خلافا لسلام التحية، حمله على العموم هو الظاهر بل هو المتعين ، لأنه ليس فى الحديث ما يدل على اعتبار
كون المسلم عليه حاضرا عند قبره، ولأن السلام المأمور به فى القرآن مع الصلاة عليه بقوله: ﴿صلوا عليه وسلموا
تسليما - ٣٣: ٥٦) مشروع له فى جميع الأمكنة، لا يختص بمكان دون مكان، ولا مزية للسلام عليه عند قبره، كما لا
مزية للصلاة عليه عند قبره ، بل قد نهى عن تخصيص قبره بهذا كما روى: لا تتخذوا قبرى عبدا ، فإن تسليمكم يبلغنى
أينما كنتم. والراجح عندى أن المراد بالسلام فى الحديث سلام دعاء لإ سلام تحية، فيتعين حمل الحديث على العموم،
ولا يكون فى ذلك فرق بين القريب والبعيد، كما قال فى ((الصارم المنكى، ولا يكون الحديث مختصا بالزائر للقبر، الحاضر
٢٦٣

مرعاة المفاتيح ج ٣
١٦ - باب الصلاة على النی میتے وفضلها
٤ - كتاب الصلاة
عنده، بل يحصل ذلك لكل مسلم قريبا كان أو بعيدا، وحينئذ تحصل فضيلة رد النبي مؤقتة السلام على المسلم من غير
زيارة وحضور عند قبره. قال القارى فى شرح الشفاء: ظاهر حديث أبى هريرة الاطلاق الشامل لكل مكان وزمان،
ومن خص الرد بوقت الزيارة فعليه البيان - انتهى. وسيأتى من حديث أبى هريرة ما يدل على أن سلام الغائب عن
قبره يبلغه ويعرض عليه، وأما الحاضر عند القبر، الزائر له إن كانت الزيارة المعهودة ممكنة مقدورة فهل يكون كذلك
أو يسمعه مَ الله بغير واسطة؟ فقال القارى: الزائر إذا صلى وسلم عند قبره سمعه سماعا حقيقيا بخلاف من يصلى ويسلم
عليه من بعيد ، فإن ذلك لا يلغه إلا بواسطة لما جاء عنه بسند جيد: من صلى على عند قبرى سمعته، ومن صلى على من
بعيد اعلته - انتهى. قلت: أخرج هذا الحديث أبو بكر بن أبى شية، والبيهقى، والعقيلى من طريق العلاء بن عمرو
الحنفى، عن محمد بن مروان السدى، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله مؤلّم: من صلى
على عند قبرى سمعتُه، ومن صلى على نائيا عن قبرى بلغته. قال العقيلى: لا أصل له من حديث الأعمش، وليس بمحفوظ.
انتهى. قلت: قد تكلم ابن حبان، والأزدى فى العلاء بن عمرو، فقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال
الأزدى: لا يكتب عنه بحال. ومحمد بن مروان السدى متروك الحديث، منهم بالكذب، ورواه الطبرانى من طريق
العلاء أيضا، ولفظه: من صلى على من قريب سمعته، ومن صلى على من بعيد أبلغته. وقد رواه أبو الشيخ فى كتاب
الثواب بلفظ الطبرانى من رواية أبى معاوية عن الأعمش، قال فى الصارم: وهو خطأ فاحش، وإنما هو محمد بن مروان
السدى، وهو متروك الحديث، متهم بالكذب. وقال ابن القيم فى جلاء الأفهام: هذا الحديث غريب جدا وقد ظهر بهذا أن
قول القارى ((بسند جيد)) ليس بجيد، وكذا ما قال الحافظ فى الفتح فى رواية أبى الشيخ ((أنه أخرجها بسند جيد) لا يخلو
عن نظر وإشكال. هذا، وقد ورد ما يدل على عدم السماع عند القبر ، وهو ما روى البيهقى فى الشعب بسند فيه محمد بن
موسى الكديمى البصرى ، ومحمد بن مروان السدى، والكديمى منهم بالكذب ، ووضع الحديث ، والسدى منهم
بالكذب، متروك الحديث عن الأعمش، عن أبى صالح ، عن أبى هريرة مرفوعا: ما من عبد يسلم على عند قبرى إلا
وكل الله به ملكا يبلغنى. وفى رواية: من صلى على عند قبرى وكل اللّه به ملكا يبلغنى، إلخ. واعلم أن الذين
استحبوا سلام التحية فى المسجد خارج الحجرة - وهم أحمد وأبو داود، وابن حبيب، والبيهقى، وغيرهم -
قد ذهبوا إلى أن المراد بالسلام فى الحديث السلام عند قبره، وأنه ژٹے لا يرد على كل مسلم عليه فى صلاته فى شرق
الأرض وغربها ، واحتجوا لما اختاروه بهذا الحديث، واعتمدوا عليه فى مسئلة الزيارة، لكن فى الاستدلال
به على استحباب سلام التحية فى المسجد خارج الحجرة نظر. قال محمد بن عبد الهادى المقدسى فى «الصارم المنكى.
(ص.١٠٥): إن كان المراد السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء فهل يدخل فيه من سلم من خارج الحجرة، هذا ما
٢٦٤

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى ٹے وفضلها
تنازع فيه الناس، وقد نوزعوا فى دلالته، فمن الناس من يقول: هذا إنما يتناول من سلم عليه عند قبره كما كانوا
يدخلون الحجرة على زمن عائشة فيسلون على النبي تَتي ، وكان يرد عليهم ، فأولئك سلموا عليه عند قبره ، وكان يرد
عليهم، وهذا قد جاء عموما فى حق المؤمنين: ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله
عليه روحه حتى يرد عليه السلام، قالوا: فأما من كان فى المسجد فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره، بل سلامهم عليه
كالسلام عليه فى الصلاة، وكالسلام عليه إذا دخل المسجد وخرج، هذا هو السلام الذى أمر الله به فى حقه بقوله :
﴿صلوا عليه وسلموا تسليما - ٣٣: ٥٦ ) وهذا السلام قد ورد أنه من سلم عليه مرة سلم اللّه عليه عشرا، كما أنه من صلى
عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا. وقال فى (ص ١٠٧): وسلام الزائر للقبر على الميت المؤمن من باب سلام التحية ،
ولهذا روى أن الميت يرد السلام مطلقا، فالصلاة والسلام عليه وتَتم فى مسجده، وسائر المساجد، وسائر البقاع مشروع
بالكتاب والسنة والإجماع. وأما السلام عند قبره من داخل الحجرة فهذا كان مشروعا لما كان ممكنا بدخول من يدخل
على عائشة. وأما تخصيص هذا السلام والصلاة بالمكان القريب من الحجرة فهذا محل النزاع، والعلماء فى ذلك ثلاثة
أقوال: منهم من ذكر استحباب السلام والصلاة عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن يصلى فى المسجد استحب أيضا أن
يأتى إلى القبر، ويصلى، ويسلم، كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك، والشافعى، وأحمد. ومنهم من لم يذكر إلا الثانى
فقط، وكثير من السلف لم يذكروا إلا النوع الأول فقط، فأما النوع الأول فهو المشروع لأهل البلد، وللغرباء فى هذا
المسجد، وغير هذا المسجد. وأما النوع الثانى فهو الذى فرق من استحبه بين أهل البلاد والغرباء، سواء فعله مع الأول
أو مجردا عنه، كما ذكر ذلك ابن حبيب وغيره. وقال فى (ص ١٢٦): وإنما كان نزاعهم فى الوقوف للدعاء له ،
والسلام عليه عند الحجرة. فبعضهم رأى هذا من السلام الداخل فى قوله مؤلفه: ما من رجل يسلم على إلا رد الله على
روحى حتى أرد عليه السلام، واستحبه لذلك. وبعضهم لم يستحبه إما لعدم دخوله، وإما لأن السلام المأجور
به فى القرآن مع الصلاة وهو السلام الذى لا يوجب الرد أفضل من السلام الموجب للرد ، فإن هذا مما دل عليه الكتاب
والسنة، واتفق عليه السلف ، فإن السلام المأمور به فى القرآن كالصلاة المأمور بها فى القرآن كلاهما لا يوجب عليه
الرد، بل الله يصلى على من يصلى عليه، ويسهم على من يسلم عليه، ولأن السلام الذى يوجب الرد هو حق السلم، ولهذا
يرد السلام على من سلم وإن كان كافرا ، وكان اليهود إذا سدوا يقول: عليكم، وأمر أمته بذلك. قال: ولا يجوز أن
الكفار إذا سلموا عليه سلام التحية فإن الله يسلم عليهم عشرا، بل كان التي مرتے بحیهم على ذلك، فیوفهم ، کما لو كان
لم دين فقضاه، وأما ما يختص بالمؤمنين فإذا صلوا عليه صلى الله على من صلى عليه عشرا، وإذا سلم عليه سلم الله عليه
عشرا، وهذا الصلاة والسلام عليه هو المشروع فى كل مكان بالكتاب، والسنة، والإجماع، يلى هو مأمور به من اللّه
٢٦٥

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى مؤفضة وفضلها
سبحانه وتعالى، لا فرق فى هذا بين الغرباء وأهل المدينة عند القبر. وأما السلام عليه عند القبر فقد عرف أن
الصحابة، والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه إذا دخلوا المسجد ، وخرجوا منه، ولو كان هذا كالسلام عليه
لو كان حيا لكانوا يفعلونه كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، كما لو دخلوا المسجد فى حياته وهو فيه، فإنه مشروع
لهم كلما رأوه أن يسلموا عليه، فهو لما كان حيا كان أحدهم إذا أتى يسلم ، وإذا قام يسلم، ومثل هذا لا يشرع.
عند القبر باتفاق المسلمين ، وهو معلوم بالاضطرار من عادة الصحابة ، ولو كان سلام التحية خارج الحجرة لكان.
مستحبا لكل أحد ، ولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء، وأهل المدينة، ولا بين حال السفر وغيره ، فإن
استجاب هذا لهؤلاء وكراهته لهؤلاء حكم شرعى يفتقر إلى دليل شرعى، ولا يمكن أحدا أن ينقل عن النبى مؤ قّ أنه
شرع لأهل المدينة الاتيان عند الوداع للقبر، وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر، وشرع الغرباء تكرير ذلك
كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، ولم يشرع ذلك لأهل المدينة. فمثل هذه الشريعة ليس منقولا عن النبى مؤ لٍّ ولا عن
خلفاءه، ولا هو معروف من عمل الصحابة، وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر، وليس هذا من عمل.
الخلفاء وأكابر الصحابة، فقد روى عبد الرزاق عن معمر: ذكرت ذلك أى عمل ابن عمر لعبيد الله بن عمر فقال: ما نعلم
أحدا من أصحاب النبيِ مَ ◌ِّ فعل ذلك إلا ابن عمر، هكذا قال عبد الله بن عمر العمرى الكبير، وهو أعلم آل عمر فى
زمانه، وأحفظهم ، وأثبتهم. قال الشيخ أى ابن تيمية: كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة ، والنزول والمرور حيث حل.
ونزل وغير ذلك فى السفر ، وجمهور الصحابة لم یکو وا يصنعون ذلك ، بل أبوه عمر کان ینهى عن مثل ذلك کما روى
سعيد بن منصور فى سننه. وقال فى (ص ١٢٩): ومما اتفق عليه الصحابة، ابن عمر وغيره من أنه لا يستحب لأهل
المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا ، بل يكره ذلك، يبين ضعف حجة من احتج بقوله «ما من
رجل يسلم إلا رد الله على روحى حتى أرد عليه السلام)، فإن هذا لو دل على استحباب السلام من المسجد لما اتفق
الصحابة على ترك ذلك، ولم يفرق بين القادم من السفر وغيره، فلم اتفقوا على ترك ذلك مع تيسره علم أنه غير مستحب ،
بل لو كان جائزا لفعله بعضهم ، فدل على أنه كان من المنهى عنه كما دلت عليه سائر الأحاديث، وعلى هذا فالجواب
عن الحديث: إما بتضعيفه على قول من يضعفه، وإما بأن ذلك يوجب فضيلة الرسول مؤتم لا فضيلة المسلم بالرد عليه، إذ
كان هذا من باب المكافأة والجزاء حتى أنه يشرع البر والفاجر التحية ، بخلاف ما يقصد به الدعاء المجرد، وهو السلام.
المأمور به. وإما بأن يقال هذا مما هو فى من سلم عليه من قريب، والقريب أن يكون فى بيته، فإنه إن لم يحد بذلك.
لم يق له حد محدود من جهة الشرع، ثم بسط الوجه الثانى، ثم ذكر فى (ص ١٣١) كلام ابن تيمية فى الرد على حجة
من فرق بين الصادر من المدينة والوارد عليها ، والوارد على مسجده من الغرباء، والصادر عنه. ثم قال فى
٢٦٦

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى مؤتم وفضلها
(ص ١٣٦): والمقصود أن الصحابة كانوا فى زمن الخلفاء الراشدين يدخلون المسجد ويصلون فيه الصلوات الخمس،
ويصلون على النبي مَّمِ ويسلمون عليه عند دخول المسجد وبعد دخوله، ولم يكونوا يذهبون ويقفون إلى جانب الحجرة
ويسلمون عليه هناك، وكان على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة عن المسجد ، ولم يكن بينهم وبينه إلا
الجدار. ثم إنه إنما أدخلت الحجرة فى المسجد فى خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة،
والوليد تولى سنة ست وثمانين، وتوفى سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك، وكان
الذى تولى ذلك عمر بن عبد العزيز نائب الوليد على المدينة فد باب الحجرة، وبنوا حائطا آخر عليها غير الحائط
القديم ، فصار المسلم عليه من وراء الجدارأ بعد من المسلم عليه لما كان جدارا واحدا. قال هؤلاء: لو كان سلام التحية
الذى يرده على صاحبه مشروعا فى المسجد لكان له حد، ذراع أو ذراعان، أو ثلاثة، فلا يعرف الفرق بين المكان الذى
يستحب فيه هذا، والمكان الذى لا يستحب فيه. فإن قيل: من سلم عليه عند الحائط الغربي رد عليه. قيل: وكذلك من
كان خارج المسجد، وإلا فما الفرق؟ وحينئذ يلزم أن يرد على جميع أهل الأرض، وعلى كل مصل فى صلاة كما ظنه بعض
الغالطين، ومعلوم بطلان ذلك. وإن قيل: يختص بقدر بين المسلم وبين الحجرة. قيل: فاحد ذلك؟ ولهم قولان:
منهم من يستحب القرب من الحجرة كما استحب ذلك مالك وغيره ، ولكن يقال: فما حد ذلك القرب؟ وإذا جعل
له حد فهل يكون من خرج عن الحد فعل المستحب؟. وآخرون من المتأخرين يستحبون التباعد عن الحجرة كما ذكر
ذلك من ذكره من أصحاب أبى حنيفة والشافعى فهل هو بذراع أو باع أو أكثر؟ وقدره من قدره من أصحاب أبى حنيفة
بأربعة أذرع فإنهم قالوا: يكون حين يسلم عليه مستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره ، ولا يدنو أكثر من ذلك،
وهذا والله أعلم، قاله المتقدمون، لأن المقصودبه السلام المأمور به فى القرآن ، كالصلاة عليه ليس المقصود به سلام التحية
الذى يرد جوابه المسلم عليه، فإن هذا لا يشرع فيه هذا البعد، ولا يستقبل به القبلة، ولا يسمع إذا كان بالصوت المعتاد.
وبالجملة فمن قال: إنه يسلم سلام التحية الذى يقصد به الرد فلا بد من تحديد مكان ذلك، فإن قال إلى أن يسمع ويرد
السلام، فإن حد فى ذلك ذراعا، أو ذراعين أو عشرة أذرع، أو قال: إن ذلك فى المسجد كله أو خارج المسجد فلا بد له من
دليل، والأحاديث الثابتة عنه فيها أن الملائكة يبلغونه صلاة من صلى عليه، وسلام من سلم عليه، ليس فى شئ منها أنه يسمع بنفسه ذلك،
فمن زعم أنه یسمع ویردمن خارجالحجرةمنمكاندونمکان فلابدلهمنحد. و معلوم أنهليس فى ذلك حدشرعى، وما أحد
يحد فى ذلك حدا إلا عورض بمن يزيده أو ينقصه ولا فرق، وأيضا فذلك يختلف باختلاف ارتفاع الأصوات، وانخفاضها
والسنة المسلم فى السلام عليه خفض الصوت ورفع الصوت فى مسجده منهى عنه بالسلام والصلاة وغير ذلك بخلاف المسلم من الحجرة،
فإنه فرق ظاهر بينه وبين المسلم عليه من المسجد، ثم السنة لمن دخل مسجده أن يخفض صوته، فالمسلم عليه إن رفع الصوت
٢٦٧

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى ێے وفضلها
أساء الأدب برفع الصوت فى المسجد ، وإن لم يرفع لم يصل الصوت إلى داخل الحجرة، وهذا بخلاف السلام الذى أمر
الله به ورسوله الذى يسلم الله على صاحبه كما يصلى على من صلى عليه، فإن هذا مشروع فى كل مكان لا يختص بالقبر.
وبالجملة فهذا الموضع فيه نزاع قديم بين العلماء، وعلى كل تقدير فلم يكن عند أحد من العلماء الذين استحبوا سلام التحية فى
المسجد حديث فى استحباب زيارة قبره يحتجون به ، فعلم أن هذه الأحاديث (يعنى التى يوردها المبتدعون من القبوريين
وغيرهم للاحتجاج الاستحباب السفر لمجرد زيارة قبره من غير قصد الصلاة فى مسجده مر هم وقد بين ما فيها من الكلام.
فى ((الصارم المنكى)) مفصلا) ليست مما يعرفه أهل العلم، ولهذا لما تتبعت وجدت رواتها إما كذاب، أو ضعيف -ئى
الحفظ ، ونحو ذلك. وهذا الحديث الذى فيه «ما من مسلم يسلم إلا رد الله على روحى حتى أرد عليه السلام، قد احتج
به أحمد وغيره من العلماء، فلو قدر أن هذا مخالف لما هو أصح منه، وجب تقديم ذلك عليه، ولكن السلام على الميت
ورده السلام على من سلم عليه قد جاء فى غير هذا الحديث، ولو أريد إثبات سنة رسول الله من فضّع بمثل هذا الحديث لكان
هذا مختلفا فيه للنزاع فى إسناده وفى دلالة منه. وقال فى (ص١٤٥) بعد ذكر الأحاديث التى فيها تبليغ صلاة أمته وسلامهم
عليه: فهذه الأحاديث المعروفة عند أهل العلم التى جاءت من وجوه حسان فصدق بعضها بعضا ، وهى متفقة على أن من
صلى عليه وسلم من أمته فإن ذلك يبلغه ، ويعرض عليه، وليس فى شئ منها أنه يسمع صوت المصلى عليه والمسلم بنفسه،
إنما فيها أن ذلك يعرض عليه ويبلغه رَّم تسليما، ومعلوم أنه أراد بذلك الصلاة والسلام الذى أمر الله به سواء صلى عليه
وسلم فى مسجده، أو مدينته، أو مكان آخر ، فعلم أن ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه، وأما من سلم عليه عند قبره فإنه
يرد عليه، وذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هو من خصائصه، ولا هو السلام المأمور به الذى يسلم اللّه على صاحبه
عشرا، كما يصلى على من صلى عليه عشرا، فإن هذا هو الذى أمر الله به فى القرآن، وهو لا يختص بمكان دون مكان،
وقد تقدم حديث أبى هريرة أنه يرد السلام على من سلم عليه، والمراد عند قبره، لكن النزاع فى معنى كونه عند القبر
هل المراد فى بيته كما يراد مثل ذلك فى سائر ما أخبر به من سماع الموتى إنما هو لمن كان عند قبورهم قريبا منها، أو يراد به
من كان فى الحجرة كما قاله طائفة من السلف والخلف ، وهل يستحب ذلك عند الحجرة لمن قدم من سفر أو لمن أراده من
أهل المدينة أو لا يستحب بحال؟ وليس الاعتماد فى سماعه ما يبلغه من صلاة أمته وسلامهم إلا على هذه الأحاديث الثابتة،
فأما ذاك الحديث (يعنى ما روى عن أبى هريرة بلفظ: من صلى على عند قبرى سمعته، ومن صلى على نائيا بلغته) وإن كان
معناه صحيحا، فإسناده لا يحتج به، وإنما يثبت معناه بأحاديث أخر، فإنه لا يعرف إلا من حديث محمد بن مروان السدى.
الصغير عن الأعمش، وهو عندهم موضوع على الأعمش، وهولو كان صحيحا فإنما فيه أنه يبلغ صلاة من صلى نائيا، ليس
فيه أنه يسمع ذلك، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم، ولا يعرف فى شئ من الحديث، إنما يقوله بعض الجهال ،
٢٦٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى مواقع وفضلها
إلا رد الله على روحى، حتى أرد عليه السلام.
يقولون: إنه يوم الجمعة وليلة الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من صلى عليه، فالقول بأنه يسمع ذلك من نفس المصلى باطل ، وإنما
فى الأحاديث المعروفة أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك تبلغه إياه الملائكة. وقول القائل: إنه يسمع الصلاة من بعيد، ممتنع
فإنه إن أراد وصول صوت المصلى إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه هو بحيث يسمع أصوات الخلائق من البعد فليس هذا
إلا لله رب العالمين الذى يسمع أصوات العباد كلهم - انتهى. وقال العلامة الشيخ محمد بشير السهسوانى فى «صيانة
الإنسان)) (ص ٢١ - ٢٤): إن زيارة قبره ◌َ المعهودة فى زماننا هل يرفع فيها الصوت ويجهر له بالقول أم لا؟
والأول منهى عنه لقوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر
بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون - ٤٩: ٢﴾ وقال: فى هذا الشق يلزم ثلاث محذورات، الأول: رفع
الصوت فى المسجد. والثانى: رفع الصوت فى مسجد رسول الله مد تهم. والثالث: رفع الصوت عند رسول الله ( لم
قال: والشق الثانى أيضا باطل، فإن السلام المشروع عند القبر سلام تحية لا سلام دعاء، وسلام الحية لا بد فيه من أن
يفعل بحيث يسمعه المسلم عليه حتى يرده على المسلم. قال فى المواهب وشرحه الزرقانى: ويكثر من الصلاة والسلام على
رسول الله والتن بحضر ته الشريفة حیث یسمعه ويرد عليه، بأن يقف بمكان قریب منه ، ويرفع صوته إلى حد لو كان حيا
مخاطبا لسمعه عادة - انتهى. وقال الزرقانى: والظاهر أن المراد بالعندية قرب القبر بحيث يصدق عليه عرفا أنه عنده،
وبالبعد ما عداه وإن كان بالمسجد - انتهى. ولما سدت حجرة عائشة التى هى مدفن رسول اللّه مَ ◌ّة، وبنيت على القبر
حيطان مرتفعة مستديرة حوله، ثم بنى عليه جداران من ركنى القبر الشماليين ، تعذر الوصول إلى قرب القبر ، فالزائرون
اليوم إنما يسلمون من مسافة لوسلم على حى من تلك المسافة لما سمعه فكيف يسمعه النبى ێے ویرده عليه ولو سلم حياته څ} فى
القبر؟. فإن قيل: إن رسول اللّه مَ ◌ّ بعد الممات يمكن أن يزداد قوة سمعه فيسمع من تلك المسافة. فيقال: أى دليل على هذا
من كتاب وسنة؟ ومجرد الإمكان العقلى لا يغنى عن شى، علا أنه هل لذلك تحديد أم لا ؟ على الثانى يستوى المسلم من
بعيد والمسلم عند القبر ، وهذا باطل عند من يقول بقربة الزيارة ، فإنهم فضلوا السلام عند القبر على السلام من بعيد
کالسیکی، وابن حجر المکی. وعلى الأول فلا بد من بیانه بدلیل شرعی وأنى له ذلك ؟ (إلا رد الله علی روحی حتى
أرد عليه السلام) هذا مشكل على من ذهب إلى أن الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم ، فهم أحياء عند ربهم
كالشهداء، ووجه الإشكال فيه أن عود الروح إلى الجسد يقتضى انفصالها عنه، وهو الموت، وهو لا يلتثم مع كونه
حيا دائما ، بل رد روحه يلزمه تعدد حياته ووفاته فى أقل من ساعة، إذ الكون لا يخلومن أن يسلم عليه بل قد يتعدد فى آن
واحد كثيرا. وقد أجابوا عنه بأجوبة، أحدها: أن المراد بقوله «رد الله على روحى) أن رد روحه كانت سابقة عقب
دفته، لا أنها تعاد ثم تنزع. قال السيوطى فى تأليفه الذى أفرده للجواب عن هذا الإشكال سماه «انتباه الأذكياء بحياة
٢٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى من وفضلها
الأنبياء)) ما نصه: أن قوله «رد اللّه روحى) جملة حالية، وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا صدرت بفعل ماض قدرت فيه
((قد، كقوله تعالى {أو جاءوكم حصرت صدورهم - ٤: ٩٠﴾ أى قد حصرت، وكذاههنا يقدر ((قد)، والجملة ماضية سابقة
على السلام الواقع من كل أحد ، و((حتى) ليست التعليل بل لمجرد العطف بمعنى الواو، فصار تقدير الحديث: ما من أحد
يسلم على إلا قد رد الله على روحى قبل ذلك، وأرد عليه، وإنما جاء الإشكال من أن جملة «رد الله على روحى، بمعنى حال
أو استقبال، وظن أن ((حتى) تعليلية ولا يصح ذلك كله، وبهذا الذى قدرناء ارتفع الإشكال من أصله، ويؤيده من حيث المعنى
أن الرد لو أخذ بمعنى حال أو استقبال للزم تكرره عند تكرار المسلمين، وتكرر الرديستلزم تكرر المفارقة وتكرر المفارقة يلزم منه
محذورات، منها: تألم الجسد الشريف بتكرار خروج روحه وعوده، أونوع ما من مخالفة تكرير إن لم يتألم، ومنها: مخالفة سائر الناس
من الشهداء وغيرهم، إذ لم يثبت لأحدهم أنه يتكرر له مفارقة روحه وعوده بالبرزخ، وهو مريم أولى بالاستمرار الذى
هو أعلى رتبة ، ومنها: مخالفة القرآن إذ دل أنه ليس إلا موتان وحياتان، وهذا التكرار يستلزم موتات كثيرة وهو
باطل. ومنها: مخالفة الأحاديث المتواترة الدالة على حياة الأنبياء. وما خالف القرآن والسنة المتواترة وجب
تأويله - انتهى. وهذا الجواب هو أحسن الأجوبة وأقواها عند السيوطى كما صرح به فى رسالته، وقد تلقى هذا
الجواب عن البيهقى وسيأتى ما فيه من الكلام. الثانى: أنه يستغرق فى أمور الملأ الأعلى، فإذا سلم عليه رجع إليه فهمه
ليجيب من سلم عليه. قال السيوطى: لفظ الرد قد لا يدل على المفارقة ، بل كنى به عن مطلق الصيرورة ، وحسنه منا
مراعاة المناسبة اللفظية بينه وبين قوله: حتى أرد عليه السلام، فجاء لفظ الرد فى صدر الحديث لمناسبة ذكره بآخره،
وليس المراد بردها عودها بعد مفارقة بدنها، وإنما النبى مُؤثّ بالبرزخ مشغول بأحوال الملكوت، مستغرق فى مشاهدته
تعالى كما هو فى الدنيا بحالة الوحى، فعبر عن إفاقته من تلك الحالة برد الروح. وقال البيهقى: ويحتمل أن یکون ردا
معنويا، وأن تكوين روحه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة الإلهية، والملأ الأعلى عن هذا العالم، فإذا سلم عليه أقل،
روحه الشريفة على هذا العالم لتدرك سلام من يسلم عليه ويرد عليه - انتهى. وقد نظر فى هذين الجوابين الحافظ
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادى المقدسى فى ((الصارم المنكى، (ص ١٧٩، ٢٠٣) فقال: فى كل منهما نظر، أما
الأول فضمويه رد روحه ◌َّ بعد موته إلى جسده، واستمرارها فيه قبل سلام من يسلم عليه، وليس هذا المعنى مذكور
فى الحديث، ولا هو ظاهره، بل هو مخالف لظاهره، فإن قوله ((إلا رد الله على روحى)) بعد قوله ((ما من أحد يسلم
على» يقتضى رد الروح بعد السلام، ولا يقتضى استمرارها فى الجسد، وليعلم أن رد الروح بعد السلام البدن.
وعودها إلى الجسد بعد الموت لا يقتضى استمرارها فيه، ولا يستلزم حياة أخرى قبل يوم النشور نظير الحياة المعهودة،
بل إعادة الروح إلى الجسد فى البرزخ إعادة برزخية لا تزيل عن الميت اسم الموت ، وقد ثبت فى حديث البراء بن عازب
٢٧٠

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦٠ - باب الصلاة على النبى مروة وفضلها
الطويل المشهور فى عذاب القبر ونعيمه ، وفى بيان الميت وحاله ، أن روحه تعاد إلى جسده مع العلم بأنها غير مستمرة فيه
وأن هذه الإعادة ليست مستلزمة لإثبات حياة مزيلة لاسم الموت، بل هى نوع حياة برزخية، والحياة جنس تحته
أنواع، وكذلك الموت، فإثبات بعض أنواع المدوت لا ينافى الحياة كما فى الحديث الصحيح عن النبي زفتي: أنه كان إذا
استيقظ من النوم قال: الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، وتعلق الروح بالبدن واتصالها به يتنوع
أنواعا، أحدها : تعلقها به فى هذا العالم يقظة ومناما. الثانى: تعلقها به فى البرزخ، والأموات متفاوتون فى ذلك ، فالذى
الرسل والأنبياء أكمل مما للشهداء، ولهذا لا تبلى أجسادهم، والذى للشهداء أكمل ما لغيرهم من المؤمنين الذين ليسوا
بشهداء. والثالث: تعلقها به يوم البعث الآخر، ورد الروح إلى البدن فى البرزخ لا يستلزم الحياة المعهودة، ومن زعم
استلزامه لها لزمه ارتكاب أمور باطلة مخالفة للحس، والشرع، والعقل، وهذا المعنى المذكور فى حديث أبى هريرة من
رده وَّ السلام على من يسلم عليه قد ورد نحوه فى الرجل يمر بقبر أخيه، فذكر ما رواه ابن عبد البر من حديث ابن
عباس مرفوعاً: ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه ، حتى يرد عليه
السلام ، ثم قال: ولم يقل أحد إن هذا الرد يقتضى استمرار الروح فى الجسد ، ولا قال إنه يستلزم حياة نظير الحياة.
المعهودة، ثم ذكر آثارا عن أبى هريرة ، وعائشة بمعناه، وقال: قد روى فى هذا الباب آثار كثيرة ، وفى الجملة رد الروح
على الميت فى البرزخ ، ورد السلام على من يسلم عليه لا يستلزم الحياة التى يظنها بعض الغالطين ، وإن كانت نوع حياة
برزخية ، وقول من زعم أنها نظير الحياة المعهودة ، مخالف للنقول والمعقول ويلزم منه مفارقة الروح للرفيق الأعلى،
وحصولها تحت التراب قرنا بعد قرن والبدن حى، مدرك، سميع ، بصير تحت أطباق التراب والحجارة، ولوازم هذا
الباطلة مما لا يخفى على العقلاء وبهذا يعلم بطلان تأويل قوله ((إلا رد الله على روحى) بأن معناه: إلا وقد رد الله على
روحى ، وأن ذلك مستمر وأحياه الله قبل يوم النشور، وأقره تحت التراب واللبن، فيا ليت شعرى هل فارقت روحه
الكريمة الرفيق الأعلى واتخذت بيت تحت الأرض مع البدن أم فى الحال الواحد هى فى المكانين ؟ قال: وأما الجواب
الثانى: وهو أن هذا رد معنوى، ففيه نوع من الحق ، لكن صاحبه قصر فيه غاية التقصير، وهو إنما يصح ويحتى على قول
أهل السنة من الفقهاء والمحدثين وغيرهم أن الروح ذات قائمة بنفسها لها صفات تقوم بها ، وأنها تقارن البدن ، وتصعد
وتنزل، وتقبض، وتنعم، وتعذب، وتدخل، وتخرج، وتذهب، وتجئى، وتسئل، وتحاسب، ويقبضها الملك ، ويعرج بها
إلى السماء، ويشيعها ملائكة السموات إن كانت طيبة، وإن كانت خبيئة طرحت طرحا، وأنها تحس، وتدرك، وتأكل ،
وتشرب فى البرزخ من الجنة، كما دلت عليه السنة الصحيحة فى أرواح الشهداء خصوصا ، والمؤمنين عموما، ومع هذا
لها شأن آخر غير شأن البدن ، فإنها تكون فى الملاُ الأعلى فوق السموات، وقد تعلقت بالبدن تعلقا يقتضى رد السلام
٢٧١

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى توفي وفضلها
على من سلم، وهى فى مستقرها فى علين مع الرفيق الأعلى، وقد مر النبي مَويّ ليلة الإسراء على موسى قائما يصلى فى قبره،
ثم رآه فى السماء السادسة ، ولا ريب أن موسى لم يرفع من قبره تلك الليلة لا هو ولا غيره من الأنبياء الذين رآهم فى
السموات، بل لم تزل تلك منازلهم من السموات، وإنما رآهم النبي رؤية ليلة الإسراء فى منازلهم التى كانوا فيها من حين
رفعهم الله سبحانه إليها ولم تكن صلاة موسى بقبره بموجبة مفارقة روحه للسماء السادسة، وحلولها فى القبر بل هى مستقرها
ولها تعلق بالبدن قوى، حتى حمله على الصلاة ، وإذا كان النائم تقوى نفسه وفعلها فى حال النوم حتى تحرك البدن ، وتقيمه
وتؤثر فيه فما الظن بأرواح الأنبياء، وقد ثبت فى الصحيح: أن أرواح الشهداء فى حواصل طير خضر، تأكل من ثمار
الجنة ، وتشرب من أنهارها ، وتسرح فيها حيث شامت، ثم تأوى إلى قناديل معلقة تحت العرش، وهذا شأنها حتى بعثها
الله سبحانه إلى أجسادها، ومع هذا فإذا زارهم المسلم وسلم عليهم عرفوا به وردوا عليه السلام، بل ونسمة المؤمن.
كذلك مع كونها طائرا تعلق فى شجر الجنة ترد على صاحبها، وتشعر به إذا سلم عليه المسلم ، وقد قال أبو الدرداء: إذا
نام العبد عرج بروحه حتى يؤتى بها إلى العرش، فإن كان طاهرا أذن لها بالسجود. ذكره ابن مندة فى كتاب الروح.
قال: فهذه روح النائم متعلقة بدنه، وهى فى السماء تحت العرش، وترد إلى البدن فى أكثر وقت فروح الناثم مستقرها
البدن ، قصعد حتى تبلغ السماء، وترى ما هنالك، ولم تفارق البدن فراقا كليا، وعكسه أرواح الأنبياء، والصديقين
والشهداء، مستقرها فى عليين، وترد إلى البدن أحيانا، ولم تفارق مستقرها، ومن لم ينشرح صدره لفهم هذا والتصديق
به فلا يبادر إلى رده وإنكاره بغير على ، فإن للأرواح شأنا آخر غير شأن الأبدان، ولا يلتفت إلى كثافة طبع الجھمی،
وغلظ قلبه، ورقة إيمانه، ومبادرته إلى تكذيب مالم يحط بعلمه ـ انتهى. الجواب الثالث: أن المراد بالروح الملك المؤكل
بإبلاغه السلام. الرابع: أن المراد بالروح هنا النطق من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، أى فهو موضع فى البرزخ مشغول
بالمشاهدة كما كان فى الدنيا إلا أنه تعالى أعطاه قوة فى الدنيا على تبليغ الأحكام: والاشتغال بالخلق ظاهرا مع شغل
باطنه بشهود مولاه، وفى البرزخ لا شغل له بالخلق أصلا بل بالشهود ، فلا ينطق بالكلام إلا إذا سلم عليه شخص، فيرد
عليه إ كراما له ، فنطقه ◌َّته موجود بالقوة؛ فلما لم يوجد بالفعل لشغله بحضرة القدس صار كالممنوع من النطق ، فإذا
قال «رد الله على روحى)) أى نطق. قال الخفاجى: استعارة رد الروح للنطق بعيدة وغير معروفة، وكون المراد بالروح
(«الملك» تأباه الإضافة لضمير، إلا أنه ملك موكل كان ملازما له فاختص به، على أنه أقرب الأجوبة ، وقد ورد إطلاق
الروح على الملك فى القرآن. الخامس: أن الأنبياء والشهداء أحياء، وحياة الأنبياء أقوى، وإذا لم يسلط عليهم الأرض
فهم كالنائمين، والنائم لا يسمع ولا ينطق حتى ينتبه كما قال تعالى ﴿والتى لم تمت فى منامها - ٤٢:٣٩) الآية، فالمراد
بالرد الإرسال الذى فى الآية، وحينئذ فمعناه أنه إذا سمع الصلاه والسلام بواسطة أو بدونها تيقظ ورد، لا أن روحه
٢٧٢

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٦ - باب الصلاة على النبى مؤفي وفضلها
رواه أبو داود والبيهقى فى ((الدعوات الكبير)).
تقبض قبض الممات ، ثم ينفخ وتعاد كموت الدنيا وحياتها، لأن روحه مجردة نورانية، وهذا لمن زاره. ومن بعد
عنه تبلغه الملائكة سلامه، ذكره الخفاجى. وقد استشكل هذا الحديث من جهة أخرى . وهو أنه يستلزم استغراق
الزمان كله فى ذلك لاتصال الصلاة والسلام عليه فى أقطار الأرض ممن لا يحصى كثرة. وأجيب بأن أمور الآخرة
لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة. قلت: هذا الجواب هو الجواب الحق الصحيح عن كل إشكال
يرد على هذا الحديث، فتؤمن بظاهر الحديث، ونصدق به . ونكل علمه إلى الله ورسوله، ولا نقيس أمر البرزخ على ما
نشاهده فى الدنيا فإن هذا من قياس الغائب على الشاهد، وهو غاية الجهل والغباوة والظلم والضلال (رواه أبو داود)
فى آخر الحج (والبيهقى فى الدعوات الكبير) وأخرجه أيضا أحمد فى مسنده كلهم من طريق أبى صخر حميد بن زياد ،
عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى هريرة، وقد سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: أبو صخر حميد بن زياد قد أخرج
له مسلم فى صحيحه، وقد أنكر عليه شئ من حديثه، وضعفه يحيى بن معين مرة، ووثقه أخرى . انتهى. قلت: وضعفه
النسائى أيضا لكن الظاهر توثيقه، لأنه وثقه أحمد وأبو حاتم والدارقطى وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال ابن
عدى بعد أن روى عنه ثلاثة أحاديث: وهو عندى صالح الحديث، وإنما أنكر عليه هذان الحديثان: المؤمن يألف، وفى
القدرية، وسائر حديثه أرجو أن يكون مستقيما. وبهذا ظهر تعيين ما أنكر على حميد بن صخر ، وليس منه هذا الحديث.
ومقتضى هذا أن لا ينحط هذا الحديث عن درجة الحسن، وقد صرح الحافظ فى الفتح بأن رواته ثقات ، وقال النووى
فى الأذكار: إسناده صحيح. وكذا قال فى الرياض. وقال الإمام تقى الدين ابن تيمية فى اقتضاء الصراط المستقيم: هذا
الحديث على شرط مسلم. قال المقدسى فى الصارم (ص ١٦٩): وفى ذلك نظر ، فإن ابن قسيط وإن كان مسلم قد روى
فى صحيحه من رواية أبى صخر عنه لكنه لم يخرج من روايته عن أبى هريرة شيئا ، فلو كان قد أخرج فى الأصول حديثا
من رواية أبى صخر، عن ابن قسيط ، عن أبى هريرة أمكن أن يقال فى هذا الحديث أنه على شرطه. واعلم أن كثيرا
ما يروى أصحاب الصحيح حديث الرجل عن شيخ معين لخصوصيته به، ومعرفته بحديثه. وضبطه له، ولا يخرجون
حديثه عن غيره لكونه غير مشهور بالرواية عنه، ولا معروف بضبط حديثه، أو لغير ذلك. فيجنى من لا تحقيق عنده.
فيرى ذلك المخرج له فى الصحيح قد روى حديثا عمن خرج له فى الصحيح من غير طريق ذلك الرجل، فيقول : هذا على
شرط الشيخين، أو على شرط البخارى، أو على شرط مسلم، لأنهما احتجا بذلك الرجل فى الجمة ، وهذا فيه نوع تساهل .
فإن صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا فى شيخ معين لا فى غيره فلا يكون على شرطهما ، ثم ذكر لذلك نظائر من الصحيحين
ثم قال: وهكذا عادة مسلم غالبا، إذا روى لرجل قد تكلم فيه ، ونسب إلى ضعف لسوء حفظه، وقلة ضبطه، إنما يروى
له فى الشواهد والمتابعات ، ولا يخرج له شيئا انفرد به، ولم يتابع عليه ، فعلم أن هذا الحديث الذى تفرد به أبو صخر ،
٢٧٣

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٦ - باب الصلاة على النبى رفع وفضلها
٩٣٢ - (٨) وعنه، قال: سمعت رسول اللّه ◌َلثم يقول: لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبرى
عيدا، وصلوا على، فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم.
عن ابن قسيط، عن أبى هريرة، لا ينبغى أن يقال: هو على شرط مسلم، وإنما هو حديث إسناده مقارب، وهو صالح
أن يكون متابعا لغيره ، وعاضداله - انتهى.
٩٣٢ - قوله (لا تجعلوا بيوتكم قبورا) أى كالقبور فى خلوها عن الصلاة والذكر والعبادة، بل اشغلوها بذلك.
قيل: المراد منه كراهة الصلاة فى المقابر ، والمعنى: أعطوا البيوت حظها من الصلاة والعبادة ، ولا تجعلوها كالمقابر
حيث لا يعبد ولا يصلى فيها، فأحال على المقابرلكونها معهودة معروفة بهذه الصفة حسا وشرعا. وقيل: المراد الحث على
الصلاة والعبادة فى البيت، فإن الموتى لا يصلون فى بيوتهم، وكانه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون فى يوتهم وهى
القبور ، أو لا تتركوا الصلاة فى بيوتكم حتى تصيروا كالموتى، وتصير هى كالقبور، فشبه المكان الخالى عن العبادة بالقبر،
والغافل عنها بالميت ، ثم أطلق القبر على المقبرة ، ولا يبعد أن يكون المراد منه المعنيين كليهما أعنى النهى عن العبادة فى
المقابر ، والندب إلى العبادة فى البيوت (ولا تجعلوا قبرى عيدا) العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد
عائد إما بعود السنة، أو بعود الأسبوع أو الشهر، ونحو ذلك. وقال ابن القيم: العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان
ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذى يقصد فيه الاجتماع والانتياب للعبادة
عنده ولغير العبادة ، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة، والمشاعر، جعلها الله تعالى عيدا للحنفاء ومثابة للناس،
كما جعل أيام العيد منها عيدا، وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوض الحنفاء منها
عيد الفطر وعيد النحر ، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بكعية ومنى ومزدلفة وسائر المشاعر - انتهى. قيل:
المراد بالعيد ههنا أحد الأعياد. أى لا تجعلوا زيارة قبرى عيدا، والمعنى لا تجتمعوا للزيارة اجتماعكم للعيد، فإنه يوم
لهو وسرور وزينة وحال الزيارة مخالفة لتلك الحالة. قال المناوى: معناه النهى عن الاجتماع لزيارته ، اجتماعهم للعيد
إما لدفع المشقة، أو كراهة أن يتجاوزوا حد التعظيم. وقيل: العيد ما يعاد إليه، أى لا تجعلوا قبرى عيدا تعودون إليه
متى أردتم أن تصلوا على، فظاهره النهى عن المعاودة، والمراد المنع عما يوجبه، وهو ظنهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه.
ويؤيده قوله (صلوا على ، فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم) أى لا تتكلفوا المعاودة إلى، فقد استغنيتم بالصلاة على.
قال المناوى: ويؤخذ منه أن اجتماع العامة فى بعض أضرحة الأولياء فى يوم أو شهر مخصوص من السنة ، ويقولون هذا
يوم مولد الشيخ، ويأكلون ويشربون، وربما يرقصون فيه، منهى عنه شرعا، وعلى ولى الشرع ردعهم على ذلك،
وإنكاره عليهم، وإبطاله. وقال الإمام ابن تيمية فى ((اقتضاء الصراط المستقيم)»: معنى الحديث: أى لا تعطلوا البيوت
٢٧٤

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النی ٹے وفضلها
رواه النسائي.
من الصلاة فيها والدعاء والقراءة ، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحرى العبادة فى البيوت ، ونهى عن تحريها عند القبور،
عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة، ثم إنه مَّ أعقب النهى عن اتخاذها عيدا بقوله «وصلوا
على فإن صلاتكم تبلغنى حيث ما كنتم، وفى الحديث («فإن تسليمكم بلغنى أنما كنتم، يشير بذلك ◌َّ إلى أن ما ينالتى منكم
من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبرى وبعدكم منه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا. قال: وهذا أفضل التابعين
من أهل بيته على بن الحسين رضى الله عنهما نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره مَّى. واستدل بالحديث
(كما سيأتى) وهو راوى الحديث الذى سمعه من أيه الحسين، عن جده على، وأعلم بمعناه من غيره، فبين أن قصده
للدعاء ونحوه اتخاذ له عيدا. وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه
ونحوه عند غير دخول المسجد ، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا ، فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل
البيت رضى الله عنهم الذين لهم مع رسول اللّه لَّم قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا
أضبط - انتهى. والحديث قد استدل به على منع السفر لزيارة قبره رؤيتي، لأن المقصود من زيارة قبره هو الصلاة
والسلام عليه والدعاء له مؤثٍّ، وهذا يحصل من بعد كما يحصل من قرب. ولأن من سافر إليه وحضر مع مس آخرين
فقد اتخذه عيدا ، وهو منهى عنه بنص الحديث، فثبت المنع من شد الرحل لأجل ذلك بإشارة النص ، كما ثبت النهى عن
جعله عيدا بدلالة النص، وهاتان الدلالتان معمول بهما عند علماء الأصول، ووجه هذه الدلالة على المراد قوله ((تبلغنى
حيث كنتم، فإنه يشير إلى البعد، والبعيد عنه مَّ لا يحصل له القرب إلا باختيار السفر إليه، ففيه النهى عن السفر للزيارة.
قال الإمام ابن تيمية: فى الحديث دليل على منع شد الرحل إلى قبره ◌َّة، وإلى قبر غيره من القبور والمشاهد، لأن ذلك
من اتخاذها عيدا-انتهى. وهذه المسئلة أى السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والأولياء والصلحاء هى التى أفتى فيها ابن تيمية،
وذکر اختلاف العلماء فيها ، فمن مبیح لذلك کالغزالى، وأبى محمد المقدسى ، ومن مانع لذلك کابن بطة ، و ابن عقيل ، وأبى
محمد الجوينى، والقاضى عياض، وهو قول الجمهور، نص عليه مالك، ولم يخالفه أحد من الأئمة، وهو الصواب لحديث
النهى عن شد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد، كما فى الصحيحين، كذا فى «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، وارجع التفصيل
فى هذه المسئلة إلى ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية و((جلاء الأفهام) لابن القيم، و(«الصارم المنكى، لمحمد بن عبد الهادى
المقدسى، و ((أحسن الأقوال فى شرح حديث لا تشد الرحال)، و(«الرد على منتهى المقال، للعلامة القاضى بشير الدين
القنوجى (رواه النسائى) هذا من أوهام المصنف، فإن حديث أبى هريرة هذا لم يروه النسائى ، اللهم إلا أن يكون
المراد روايته فى السنن الكبرى. والحديث رواه أبو داود فى باب زيارة القبور فى آخر المناسك ، وقد تفرد بروايته من
بين أصحاب الكتب الستة كما يظهر من ((ذخائر المواريث)) و((الصارم المنكى، وأخرجه أيضا أحمد، وقد سكت عنه
٢٧٥

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى متن وفضلها
٩٣٣ - (٩) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رغم
أبو داود، وصححه النووى فى الأذكار، وقال الإمام ابن تيمية: هذا إسناد حسن ، فإن رواته كلهم ثقات مشاهير. لكن
عبد الله بن نافع الصائغ المدنى صاحب مالك فيه لين لا يقدح فى حديثه. قال يحيى بن معين: هو ثقة، وحسبك بابن
معين موثقا. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازى: ليس بالحافظ هو لين تعرف من حفظه وتنكر ،
فإن هذه العبارات منهم تنزل حديثه إلى مرتبة الحسن، إذ لا خلاف فى عدالته وفقهه ، وأن الغالب عليه الضبط ، لكن
قد يغلط أحيانا، ثم هذا الحديث ما يعرف من حفظه لس ما ينكر ، لأنه سنة مدنية هو محتاج إليها فى فقهه، ومثل هذا
يضبط الفقيه. وللحديث شواهد من غير طريقه، منها: ما روى عن على بن الحسين أنه رأى رجلا يجئى إلى فرجة كانت
عند قبر النبي مَّ فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثكم سمعته من أبى، عن جدى، عن رسول اللّه مَّم قال: لا
تخذوا قبرى عيدا ، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغنى أينما كنتم. ومنها: ما روى عن الحسن بن على بن أبى طالب.
قال: قال رسول الله مَاتٍ: صلوا فى بيوتكم، ولا تخذوها قبورا، ولا تخذوا بيتى عيدا، وصلوا على وسلموا، فإن
صلاتكم وسلامكم يبلغنى أينما كنتم. روى هذين الحديثين من طريق أبي يعلى الموصلى ، الحافظ الضياء المقدسى فيما اختاره
من الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم ، وهو قريب من تصحيح الترمذى
وأبى حاتم البستى، ونحوهما ، فإن الغلط فى هذا قليل، ليس هو مثل صحيح الحاكم، فإن فيها أحاديث كثيرة، يظهر أنها
كذب موضوعة ، فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره. وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد :
أخبرنى سهل بن سهيل قال: رآ نى الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب عند القبر، فنادانى وهو فى بيت فاطمة يتعشى.
فقال: علم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: مالى رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبى معٍَّ. فقال: إذا
دخلت المسجد فسلم ، ثم قال: إن رسول اللّه مَّم قال: لا تتخذوا قبرى عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلوا
على، فإن صلاتكم تبلغنى حيث ما كنتم ، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ما أنتم ومن بالأندلس
إلا سواء. وقال سعيد بن منصور أيضا بسنده: عن أبى سعيد مولى المهرى، قال: قال رسول الله مؤقتٍّ: لا تتخذوا
قبرى عيدا ، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا على، فإن صلاتكم تبلغنى. قال ابن تيمية: فهذان المرسلان: مرسل أبى سعيد
مولى المهرى أحد ثقات التابعين ، ومرسل الحسن بن الحسن ، من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث. لا
سيما وقد احتج به من أرسله، وذلك يقتضى ثبوته عنده، هذا لولم يرو من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد
تقدم مسندا - انتھی.
٩٣٣ - قوله (رغم) بكسر الغين وتفتح، أى لصق بالرغام، وهو تراب مختلط برمل كناية عن الذل والهلاك.
والخزى، رغم يرغَم ورَم يرغم رغماً ورِغماً ورُغمً، وأرغم الله أنفه، أى ألصقه بالرغام وهو التراب، هذا
٢٧٦

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى ێے وفضلها
أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل على. ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن
يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. رواه الترمذى.
هو الأصل، ثم استعمل فى الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره - انتهى. وهذا إخبار أو إدعاء (أنف
رجل) ذكر الرجل وصف طردى فإن المرأة مثل الرجل فى ذلك (ذكرت عنده) بالبناء للمفعول (فلم يصل على) قال
الطبى: الفاء استبعادية، وقيل: إنها للتعقيب فتفيد به ذم التراخى عن الصلاة عليه عند ذكره مرَّةٍ. قال الشوكانى فى
تحفة الذاكرين (ص ٢٥): فى الحديث دليل على وجوب الصلاة عليه معروف عند ذكره لأنه لا يدعو بالذل والهوان على
من ترك ذلك إلا وهو واجب عليه - انتهى (ثم انسلخ) أى انقضى. قال ابن حجر: وجه الإتيان ثم هنا أن بين
ابتداء رمضان وانقضائه مهلة طويلة بخلاف سماع ذكره عليه السلام والصلاة عليه، فإنها تطلب عقب السماع من غير
مهلة، وكذا بر الوالدين فإنه يتأكد عقب احتياجهما المكنى عنه بالكبر. وقال الطيبي: «ثم، هذه استبعادية كما فى قولك
لصاحبك: بئس ما فعلت، وجدت مثل هذه الفرصة ثم لم تنتهزها. وكذلك الفاء فى قوله ((فلم يصل على» و«فلم يدخلاه
الجنة، ونظير وقوع الفاء موقع «ثم) الاستبعادية قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها -٥٧:١٨)
فى سورة الكهف، و ﴿ثم أعرض عنها - ٣٢: ٢٢) فى السجدة. وقد تقرر أن قوله ((رغم أنف فلان)) كناية عن
غاية الذل والهوان، وأن الصلاة على النبى مُؤم عبارة عن تعظيمه وتبجيله، فمن عظم رسول الله من فضله عظمه الله ورفع
قدره فى الدارين، ومن لم يعظمه أذله الله وأهانه، فالمعنى بعيد من العاقل بل من المؤمن المعتقد أن يتمكن من إجراء
كلمات معدودة على لسانه، فيفوز بعشر صلوات من الله عز وجل، وبرفع عشر درجات له، وبحط عشر خطيئات عنه،
ثم لم يغنمه حتى يفوت عنه، فقيق بأن يحقره الله تعالى، ويضرب عليه الذلة والمسكنة، وكذا شهر رمضان، شهر الله
المعظم الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، فمن وجد فيه فرصة تعظيمه بأن قام فيه إيمانا
واحتسابا عظمه الله، ومن لم يعظمه يحقره الله، وتعظيم الوالدين مستلزم لتعظيم اللّه تعالى، ولذلك قرن الله الإحسان
إليهما، وبرهما بتوحيده وعبادته فى قوله: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا - ١٧: ٢٣) فمستبعد
ممن منح ووفق للاحسان إليهما لا سيما فى حال كبرهما، وأنهما عنده فى بيته كلحم على وضم، ولا كافل لهما سواه إن لم
يغتنم هذه الفرصة، جدير بأن يهان ويحقر شأنه - انتهى (قبل أن يغفر له) قال الطيبي: الظاهر (ولم يغفر له)) وإنما
عدل تنبيها على أن تراخى الغفران من تقصيره، وكان حقه أن يغفر له قبل انسلاخه (فلم يدخلاه) أى أولم يدخله
(الجنة) لما كان دخول الجنة من اللّه تعالى بواسطة برهما والإحسان إليهما، أسند إليهما إسنادا مجازيا كما فى قولك
• أنبتت الربيع البقل، مبالغة، قاله الطبي (رواه الترمذى) فى الدعوات وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه،
٢٧٧

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى مدة وفضلها
٩٣٤ - (١٠) وعن أبى طلحة، أن رسول اللّه مريم جاء ذات يوم والبشر فى وجهه، فقال: إنه
جاءفى جبرئيل، فقال: إن ربك يقول: أما يرضيك يا محمد! أن لا يصلى عليك أحد من أمتك
إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا؟. رواه النسائى والدارمى.
٩٣٥ - (١١) وعن أبى بن كعب، قال: قلت: يا رسول الله!
وأخرجه أيضا ابن حبان فى صحيحه، والبزار فى مسنده، والحاكم فى مستدركه ، وقال صحيح، وقد أورده الهيشمى فى مجمع
الزوائد (ج ١٠: ص ١٦٤ - ١٦٧) من حديث ابن مسعود، وعمار بن ياسر، وابن عباس ، وعبد الله بن الحارث،
وجابر بن سمرة، وأنس، وكعب بن عجرة، ومالك بن الحويرث، وأبى هريرة رضى الله عنهم، وأخرج مسلم فى الأدب
من صحيحه الجزء الثالث فقط من غير طريق الترمذى.
٩٣٤ - قوله (وعن أبي طلحة) هو زيد بن سهل الأنصارى الصحابى المشهور، وقد تقدم ترجمته (جاء ذات
يوم) أى ساعة من النهار (والبشر) بكسر الباء اسم من الاستبشار، أى الطلاقة وآثار الفرح والسرور (فى وجهه) أى
لانح فى بشرته (فقال) أى بعد سؤال الصحابة كما فى رواية للنسائى: فقلنا: إنا لنرى البشر فى وجهك، فقال إنه ، إلخ.
وعند الدارمى: جاء النبي ◌َّه يوما وهو يرى البشر فى وجهه، فقيل: يا رسول الله: إنا لنرى فى وجهك بشرا لم نكن
تراه، قال: إلخ (إنه) أى الشأن (جاءنى جبرئيل، فقال: إن ربك يقول: أما يرضيك يا محمد !) قال الطبى: هذا
بعض ما أعطى من الرضا فى قوله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى - ٥:٩٣} وهذه البشارة فى الحقيقة راجعة إلى
الأمة، ومن ثم تمكن البشر فى أسارير وجهه صلوات الله وسلامه عليه حيث جعل وجهه ظرفا ومكانا للبشر والطلاقة
(أن لا يصلى عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا). أن مصدرية والمعنى: أما يرضيك عدم صلاة أحد إلا مقرونة
بعشر صلوات منى (ولا يسلم) إلخ. فيه دليل على أن السلام عليه كالصلاة ، وأن الله سبحانه يسلم على من سلم على
رسول الله مثله كما يصلى على من صلى على رسوله عشرا (رواه النسائي) فى الصلاة (والدارمى) فى الرقاق، وزاد
الدارمى: قال يعنى النبيِ مَّم: قلت: بلى. وأخرجه أيضا أحمد فى مسنده (ج ٤: ص ٢٩، ٣٠) وابن حبان فى
صحيحه، والحاكم فى مستدركه (ج ٢: ص ٤٢٠) وابن أبى شيبة فى مصنفه، وفى سنده عندهم سليمان الهاشمى مولى الحسن
ابن على وهو مجهول كما فى التقريب، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال النسائى: سليمان هذا ليس بالمشهور، والحديث
صححه الحاكم ووافقه الذهبي وله طريق آخر عن أبى طلحة عند أحمد وغيره، وشاهد من حديث أنس عند الحاكم
فالحديث صحيح.
٩٣٥ - قوله (قال: قلت: يا رسول الله!) أول الحديث عند الترمذى هكذا: قال (أى أبي بن كعب) كان
٢٧٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى ٹے وفضلها
إنى أكثر الصلاة عليك. فكم أجعل لك من صلانى؟ فقال: ما شئت. قلت: الربع؟ قال: ما
شئت. فإن زدت فهو خير لك. قلت: النصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك. قلت:
فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتى كلها؟ قال: إذا تَكفى
همك، ويكفر لك ذنبك.
رسول اللّه تَع إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس! اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها
الرادقة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه. قال أبى: فقلت يا رسول الله ! (إنى أكثر الصلاة) أى الدعاء ، فالمراد
بالصلاة هنا الدعاء، ومن جملته الصلاة على النبى تؤثّة، وليس المراد الصلوات ذات الأذكار والأركان (فكم أجعل لك
من صلاتى؟) أى بدل دعائى الذى أدعو به لنفسى، قاله القارى. وقال المنذري فى الترغيب، معناه: أكثر الدعاء فكم
أجعل لك من دعائى صلاة عليك؟ (ما شئت) أى اجعل مقدار مشيئتك (الربع) بضم الياء وتسكن، أى اجعل ربع
أوقات دعائى لنفسى مصروفا للصلاة عليك (أجعل لك صلاتى كلها) أى أصرف بصلاتى عليك جميع الزمن الذى كنت
أدعو فيه لنفسى (إذا) بالألف منونا (تكفى) مخاطب مبنى للفعول (همك) مصدر بمعنى المفعول، وهو منصوب على أنه
مفعول ثان لتكفى، فإنه يتعدى إلى مفعولين، والمفعول الأول المرفوع بما لم يسم فاعله، وهو أنت ، والهم ما يقصده
الإنسان من أمر الدنيا والآخرة ، يعنى إذا صرفت جميع أزمان دعائك فى الصلاة على كفيت ما يهمك من أمور دنياك
وآخرتك أى أعطيت مرام الدنيا والآخرة، فاشتغال الرجل بالصلاة على النبي مؤثّ يكفى فى قضاء حوائجه ومهماته
(ويكفر) بنصب الفاء من التكفير (ذنبك) بضم الباء الموحدة. ولفظ الترمذى ((ويغفر ذنبك، وفى هاتين الخصلتين أى
كفاية الهم ومغفرة الذنب جماع خير الدنيا والآخرة، فإن من كفاه الله همه سلم من محن الدنيا وعوارضها، لأن كل
محنة لابد لها من تأثير الهم وإن كانت يسيرة ، ومنن غفر الله ذنه سلم من محن الآخرة لأنه لا يوبق العبد فيها إلا
بذنوبه. قال التور بشتى: معنى الحديث: كم أجعل لك من دعائى الذى أدعو به لنفسى؟ ولم يزل يفاوضه ليوقفه على حد
من ذلك، ولم ير النبى مَّ أن يحد له ذلك الثلا تلتبس الفضيلة بالفريضة أولا، ثم لا يغلق عليه باب المزيد ثانيا، فلم
یزل يجعل الأمر إليه داعیا اقرينة الترغيب والحث على المزيد، حتى قال : أجعل صلاتی کلها لك، أى أصلى عليك بدل ما
أدعوبه لنفسى ، فقال: إذا تكفى همك، أى ما أهمك من أمردينك ودنياك، وذلك لأن الصلاة عليه مشتملة على ذكر الله
تعالى وتعظيم الرسول مَثّ، والاشتغال بأداء حقه عن أداء مقاصد نفسه، وإيثاره بالدعاء على نفسه ما أعظمه، من خلال
جليلة الأخطار، وأعمال كريمة الآثار. قال الطبي: وقد تقرر أن العبد إذا صلى مرة على النبي مؤ لّه صلى اللّه عز وجل عشرة،
وأنه إذا صلى وفق الموافقة لله تعالى دخل فى زمرة الملائكة المقربين فى قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي
٢٧٩

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة ١٦ - باب الصلاة على النبى ثم وفضلها
رواه الترمذى.
٩٣٩ - (١٢) وعن فضالة بن عبيد، قال: بينما رسول اللّه مؤثر قاعد إذا دخل رجل فصلى، فقال:
اللهم اغفرلى وارحمنى. فقال رسول الله عَزضي: عجلت أيها المصلى! إذا صليت فقعدت، فاحمد الله
بما هو أهله، وصل على، ثم ادعه. قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على
النبى معَّ، فقال له النبي ◌َّى: أيها المصلى! ادع تجب.
- ٣٣: ٥٦) فأنى يوازى هذا دعائه لنفسه؟ - انتهى (رواه الترمذى) أى فى الزهد وقال حديث حسن، وأخرجه
أيضا أحمد، والحاكم (ج ٢: ص ٤٢١) وصححه، وفى رواية لأحمد عنه، قال: قال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن جعلت
صلاتى كلها عليك؟ قال: إذا يكفيك الله تبارك وتعالى ما أهمك من دنياك وآخرتك. قال المنذرى: إسناد هذه الرواية
جيدة، وأخرج الطبرانى بإسناد حسن ، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبيه، عن جده: أن رجلا قال: يا رسول الله!
أجعل ثلث صلافى عليك؟ قال: نعم إن شئت. قال الثلثين؟ قال: نعم إن شئت. قال: فصلاتى كلها؟ قال رسول
اللّه ◌َفّ : إذا يكفيك الله ما همك من أمر دنياك وآخرتك.
٩٣٦ - قوله (فضالة) بفتح الفاء بزنة سحابة (بن عبيد) بالتصغير تقدم ترجمته (فصلى، فقال) أى فى آخر
صلاته، وفى رواية النسائى: سمع رسول اللّه مَّم رجلا يدعو فى الصلاة، وفى بعض النسخ فى صلاته (اللهم اغفرلى
وارحمنى) وعند النسائى: لم يحمد الله ولم يصل على النبي مَثّم (عجلت) بكسر الجيم ويجوز الفتح والتشديد، قاله
الأبهرى، أى حين تركت الترتيب فى الدعاء وعرضت السؤال قبل الوسيلة ، أى الحمد لله والصلاة على النبي. وفيه إشارة
إلى أن حق السائل أن يتقرب إلى المسئول منه قبل طلب الحاجة بما يوجب له الزلفى عنده، ويتوسل بشفيع له بين يديه
ليكون أطمع فى الاسعاف، وأرجى بالا جابة، فمن عرض السؤال قبل تقديم الوسيلة فقد استعجل، ولذا قال څے مؤدبا
لأمته (إذا صليت) بالخطاب الخاص المراد به العام، يدل على ذلك رواية النسائى: ثم عليهم رسول اللّه مَثّه (فقعدت)
قال الطيبي: إما عطف على مقدر، أى إذا صليت وفرغت فقعدت للدعاء فاحمد الله، وإما عطف على المذكور، أى إذا
كنت مصليا فقعدت للتشهد فاحمد الله، أى اثن عليه بقولك ((التحيات)) انتهى. قال القارى: ويؤيد الأول إطلاق
قوله : (فأحمد اللّه بما هو أهله) من كل ثناء جميل. قلت: ويؤيد كونه قبل الفراغ من الصلاة رواية النسائى المذكورة
بلفظ «يدعو فى الصلاة)) والروايات بعضها يفسر بعضا (ثم ادعه) بهاء الضمير، وقيل: بهاء السكت (قال) أى فضالة
ابن عبد الراوى للحديث (حمد الله وصلى على النبى معَّة) أى ولم يدع (تجب) على بناء المجهول مجزوما على جواب
٢٨٠