النص المفهرس
صفحات 221-240
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٤ - باب السجود وفضله
٩٠٧ - (١٤) وعن ابن عباس، قال: كان النبى مَّ يقول بين السجدتين: اللهم اغفرلى، وارحمنى،
واهدنی، وعافنى، وارزقنى.
فليبدأ بركبتيه قبل يديه. أخرجه بهذا اللفظ ابن أبى شيبة والطحاوى كما تقدم ، وهذه الرواية تخالف الرواية التى
رواها أبو داود، والنسائى وغيرهما بحيث لا يمكن الجمع بينهما ، والاضطراب مورث للضعف. وفيه: أن رواية ابن
أبى شيبة، والطحاوى هذه ضعيفة جدا كما عرفت، فلا اضطراب فى حديث أبى هريرة ، فإن من شرط الاضطراب استواء
وجوه الاختلاف، ولا تعل الرواية الصحيحة بالرواية الضعيفة الواعية كما تقرر فى موضعه. وقيل: إن فى حديث أبى هريرة
قلبا من الراوى حيث قال «وليضع يديه قبل ركبتيه)) وكان أصله وليضع ركبتيه قبل يديه، ويدل عليه أول الحديث،
وهو قوله ((فلا يبرك كما يبرك البعير، فإن المعروف من بروك البعير هو تقديم اليدين على الرجلين، ذكره ابن القيم فى
زاد المعاد ، وقال: ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبتا البعير فى يديه لا فى رجليه، فهو إذا برك وضع ركبتيه
أولا فهذا هو المنهى عنه. قال: وهو فاسد من وجوه: حاصلها أن البعير إذا برك يضع يديه، ورجلاه قائمتان، وهذا هو
المنهى عنه وأن القول بأن ركبتى البعير فى يديه لا يعرفه أهل اللغة. وأنه لو كان الأمر كما قالوا لقال النبى تؤثر: فليرك كما
يبرك البعير ، لأن أول ما يمس الأرض من البعير يداه. وفيه: أن فى قوله ((فى حديث أبى هريرة قلب من الراوى)) نظرا،
إذ لو فتح هذا الباب لم يق اعتماد على رواية راو مع كونها صحيحة، قاله القارى، وأما قوله «كون ركبتى البعير فى
يديه لا يعرفه أهل اللغة، ففيه: أنه مبنى على عدم اطلاعه، لأنه منصوص عليه فى لسان العرب (ج ١: ص ٤١٧) وقال
صاحب القاموس (الركبة - بالضم - موصل ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالى الساق، أو مرفق الذراع من كل شئى،
ووقع فى حديث هجرة النبي ◌َّ قول سراقة: ساخت يدا فرسى فى الأرض حتى بلغتا الركبتين. رواه البخارى فى
صحيحه، فهذا نص صريح وبرهان قاطع على أن ركبتى البعير فى يديه، وأما قوله: إنه لو كان كما قالوا لقال النبى مَّ
«فليبرك كما يبرك البعير، إلخ. ففيه: أنه لما ثبت أن ركبتى البعير تكونان فى يديه ومعلوم أن ركبتى الإنسان
تكونان فى رجليه، وقد قال مَّه فى آخر هذا الحديث (وايضع يديه قبل ركبتيه)) فكيف يقول فى أوله:
خلييرك كما يبرك البعير؟ أى فليضع ركبتيه قبل يديه، ذكره شيخنا فى شرح الترمذي (ج ١: ص ٢٣٠) وفى
أبكار المنن (ص ٢٢٣).
٩٠٧ - قوله ( كان النبي مَو ◌ّ يقول بين السجدتين) أى فى الفريضة والنافلة (اللهم اغفرلى) أى ذنوبى، أو
تقصيرى فى طاعتى (وارحمنى) أى من عندك لا بعملى، أو ارحمنى بقبول عبادتى (واهدنى) لصالح الأعمال، أو ثبتنى
على دين الحق (وعافى) من البلاء فى الدارين، أو من الأمراض الظاهرة والباطنة (وارزقنى) رزقا حسنا أو توفيقا فى
٢٢١
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٤ - باب السجود وفضله
رواه أبو داود والترمذى.
٩٠٨ - (١٥) وعن حذيفة، أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: رب اغفرلى.
الطاعة ، أو درجة عالية فى الآخرة. والحديث دليل على مشروعية الدعاء بهذه الكلمات فى القعود بين السجدتين، وهو
. يعم الفرائض والنوافل. قال الترمذى بعد رواية الحديث: وهكذا روى عن على، وبه يقول الشافعى، وأحمد ، وإسحاق ،
يرون هذا جائزا فى المكتوبة والتطوع - انتهى. وحمله الحنفية على التطوع خاصة لما قيده ابن ماجه فى روايته بصلاة
الليل. وفيه: أن التقيد بصلاة الليل لا يدل على أن هذا الدعاء مخصوص بصلاة التطوع كما فى دعاء الاستفتاح الذى
اختاره الحنفية للفرض مع أن الترمذى وأبا داود قد رويا عن أبى سعيد الخدرى: أن النبي مَّ كان إذا قام من الليل
كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك - الحديث. فعمم الحنفية هذا الدعاء للفرائض والنوافل مع
كونه مقيدا بصلاة الليل فى الحديث المذكور (رواه أبو داود، والترمذى) إلا أنه قال فيه ((واجبرنى، مكان («عافى،
قيل: هو من: ((جبرت الوهن والكسر، إذا صلحته و ((جبرت المصيبة)) إذا فعلت مع صاحبها ما ينساها به. وقال
الجزرى: واجبرنى أى أغنى، من («جبر الله مصيبته)) أى رد عليه ما ذهب عنه، أو عوضه عنه. وأصله من ((جبر
الكسر، والحديث أخرجه أيضا ابن ماجه، وزاد «وارفعنى، ولم يقل «اهدنى، ولا «عافى، وأخرجه الحاكم فى المستدرك
بإسنادين: الأول بلفظ أبى داود، والثانى جمع فيه هذه الألفاظ كلها إلا أنه لم يقل «وعافى، وهذا الاختلاف محمول
على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه الآخر، والحديث سكت عنه أبوداود، وصححه الحاكم فى الموضعين، ووافقه
الذهبي. ونقل الحافظ فى بلوغ المرام تصحيح الحاكم، وأقره، ولم ينكر عليه، قلت: فى سنده أبو العلاء كامل بن
العلاء السعدى ، يروى عن حبيب بن أبى ثابت، عن سعيد بن جبير ، وكامل هذا وثقه يحيى بن معين ، وقال ابن عدى :
لم أر التقدمين فيه كلاما، وفى بعض رواياته أشياء أنكرتها، ومع هذا أرجو أنه لا بأس به. وقال النسائى: ليس
بالقوى. وقال مرة: ليس به بأس. وقال الحافظ فى التقريب: صدوق يخطئ ، وحبيب بن أبى ثابت ثقة ، فقيه ، جليل
لکە کثیر الإرسال والتدلیس ، وقد روى عند الجميع بالعنعنة، قال فى الزوائد: رجاله ثقات ، إلا أن حبيب بن أبى
ثابت کان یدلس، وقد عنعنه ، وأصله فی ابی داود ، والترمذى انتهى.
٩٠٨ - قوله (كان يقول بين السجدتين: رب اغفرلى) أى مكررا. قال ابن قدامة فى المغنى: المستحب عند
أبى عبد الله أى أحمد ، أن يقول بين السجدتين: رب اغفرلى، رب اغفرلى، يكرر ذلك مرارا، والواجب منه مرة،
وأدنى الكمال ثلاث، إلخ. والحديث يدل على مشروعية طلب المغفرة فى الاعتدال بين السجدتين، ولا يختص ذلك
بالتطوع كما قيل، بل يتم الفريضة والتطوع، ويحمل هذا الحديث مع حديث ابن عباس السابق على اختلافات الأوقات،
٢٢٢
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٤ - باب السجود وفضله
رواه النسائى والدارمى.
﴿ الفصل الثالث )
٩٠٩ - (١٦) عن عبد الرحمن بن شبل، قال: نهى رسول اللّه مام عن نقرة الغراب، وافتراش
السبع، وأن يوطن الرجل المكان فى المسجد كما يوطن البعير. رواه أبو داود والنسائى والدارمى.
فكان مرات يقول فى بعض الأحيان ما رواه ابن عباس ، وفى بعض الأحيان ما رواه حذيفة (رواه النسائى) فى حديث
أطول منه، وأخرجه أيضا ابن ماجه، ولفظه: كان يقول بين السجدتين «رب اغفرلى رب اغفرلى)) وهو حديث صحيح،
وأصله فى مسلم.
٩٠٩- قوله (عن عبد الرحمن بن شبل) بكسر الشين المعجمة، وسكون الموحدة، ابن عمرو بن زيد الأنصارى
الأوسى، أحد النقباء، المدنى، وأحد علماء الصحابة، نزل حمص، له أربعة عشر حديثا. مات فى إمارة معاوية بن أبى
سفيان (عن نقرة الغراب) بفتح النون ، أى عن ترك الطمأنينة، وتخفيف السجود بحيث لا يمكث فيه إلا قدر وضع
الغراب منقاره فيما يريد الأكل منه. قال الخطابي فى المعالم: هى أن لا يتمكن الرجل من السجود فيضع جهته على
الأرض حتى يطمئن ساجدا، فإنما هو أن يمس بجبهته أو بأنفه الأرض كنقرة الطائر ثم يرفعه (وافتراش السبع) بفتح
السين المهملة ، وضم الباء الموحدة، والافتراش افتعال من الفرش ، أى نهى أن يبسط ذراعيه فى السجود، ولا يرفعهم}
عن الأرض كما يسط السبع، والكلب، والذئب ذراعيه (وأن يوطن) بتشديد الطاء، ويجوز التخفيف، يقال أوطن
الأرض ووطنها ، واستوطنها، إذا اتخذها وطنا (الرجل المكان فى المسجد كما يوطن البعير) أى أن يتخذ لنفسه من
المسجد مكانا معينا لا يصلى إلا فيه كالبعير لا يبرك من عطنه إلا فى مبرك قديم. وفى النهاية للجزرى: قيل معناه:
أن يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد مخصوصا به، لا يصلى إلا فيه كالبعير لا يأوى من عطنه إلا إلى مبرك دمث
قد أوطنه واتخذه مناخا، لا يبرك إلا فيه. وقيل معناه: أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود مثل بروك
البعير - انتهى. قلت: وهذا أى المعنى الثانى لا يوافق لفظ الحديث فلا يصح أن يكون مرادا. قال ابن حجر: وحكمة
النهى أن ذلك يؤدى إلى الشهرة، والرياء، والسمعة، والتقيد بالعادات، والحظوظ، والشهوات، وكل هذه آفات أى
آفات فتعين البعد عما أدى إليها ما أمكن (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى (والنسائى والدارمى) وأخرجه
أيضا ابن ماجه، وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما. والنهى عن نقرة كنقرة الديك، أخرجه أيضا أحمد بإسناد
حسن، وأبو يعلى ، والطبرانى فى الأوسط عن أبى هريرة.
٢٢٣
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٤ - باب السجود وفضله
٩١٠ - (١٧) وعن على، رضى الله عنه، قال: قال رسول اللّه مُله: يا على! إنى أحب لك ما
أحب لنفسى، وأكره لك ما أكره لنفسى، لا تقع بين السجدتين.
٩١٠ - قوله (يا على! إنى أحب لك ما أحب لنفسى، وأكره لك ما أكره لنفسى) المقصود إظهار المحبة لوقوع
النصيحة ، وإلا فهو مع كل مؤمن كذلك (لا تقع) بضم التاء من الإقعاء (بين السجدتين) زاد ابن ماجه فى رواية له:
إقعاء الكلب. وفى حديث أنس عند ابن ماجه مرفوعا: إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعى الكلب .-
الحديث. وفى حديث أبى هريرة عند أحمد: قال نهانى رسول الله تَّم عن ثلاث: عن نقرة كنقرة الديك، وإنماء
كإقعاء الكلب، وقد فسر هذا الإقعاء المنهى عنه بنصب الساقين، ووضع الآليتين واليدين على الأرض. وروى مسلم
وغيره عن ابن عباس، قال: الإقعاء بين السجدتين هى سنة نبيكم. وعن طاؤس، قال: رأيت العبادلة يقعون. قال
الحافظ: وأسانيدها صحيحة. وفسر هذا الإقعاء بأن ينصب القدمين، ويجلس عليهما فلا منافاة. قال البيهقى: الإقعاء
ضربان: أحدهما أن يضع أليتيه على عقبيه، ويكون ركبتاه فى الأرض، وهذا هو الذى رواه ابن عباس ، وفعلته العبادلة
ونص الشافعى فى «البويطىء على إستحبابه بين السجدتين ، لكن الصحيح أن الافتراش أفضل منه ، لكثرة الرواة له ،
ولأن أعون للصلى ، وأحسن فى هيئة الصلاة. والثانى أن يضع أليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه، وهذا هو
الذى وردت الأحاديث بكراهته. وتبع البيهقى على هذا الجمع ابن الصلاح والنووى ، وأنكرا على من ادعى فيهما النسخ،
وقالا: كيف ثبت النسخ مع عدم تعذر الجمع، وعدم العلم بالتاريخ؟ كذا فى التلخيص (ص ٩٩) قال الشوكانى: وهذا
الجمع لابد منه ، وأحاديث النهى والمعارض لها يرشد لما فيها من التصريح بإقعاء الكلب ، ولما فى أحاديث العبادلة من
التصريح بالإقعاء على القدمين وعلى أطراف الأصابع، وقد روى عن ابن عباس أيضا أنه قال: من السنة أن تمس
عقبيك ألييك، وهو مفسر المراد ، فالقول بالنسخ غفلة عن ذلك، وعما صرح به الحفاظ من جمل تاريخ هذه
الأحاديث ، وعن المنع من المصير إلى النسخ مع إمكان الجمع ، وقد روى عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم فعله
كما قال النووى. ونص الشافعى فى ((البويطى، و((الإ ملاء، على استحبابه - انتهى كلام الشوكانى. قلت: الذى قاله
البيهقى ، وابن الصلاح، والنووى، ثم الشوكانى، هو الحق والصواب، ويؤيده كتب اللغة. قال ابن دريد فى الجمهرة
(ج ٣: ص ٢٦٣): الإقعاء مصدر «أقعى إقعاء، وهو أن يقعد على عقبيه، وينصب صدور قدميه، ونهى عن الاعام فى
الصلاة وهو أن يقعد على صدور قدميه ، ويلقى يديه على الأرض. وفى لسان العرب: أفعى الكلب إذا جلس على إسته
مفترشا رجليه، وناصبا يديه ، وقد جاء فى الحديث النهى عن الإقعاء فى الصلاة، وفى رواية: نهى أن يقعى الرجل فى
الصلاة ، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين. وهذا تفسير الفقهاء. قال الأزهرى كما روى عن العبادلة.
٢٢٤
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٤ - باب السجود وفضله
رواه الترمذى.
٩١١ - (١٨) وعن طلق بن على الحنفي، قال: قال رسول اللّه عَ لَّه: لا ينظر الله عز وجل إلى
صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه بين خشوعها وسجودها. رواه أحمد.
وأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه ونفذيه ويضع يديه على الأرض كما
يقعى الكلب، وهذا هو الصحيح، وهو أشبه بكلام العرب، وليس الإقعاء فى السباع إلا كما قلناه ـ انتهى. والزمخشرى
حين فسر الحديث فى النهى فى كتابى ((الفائق)) و((الأساس)) إنما فسر الإقعاء بما فسره به أهل اللغة فقط، واختار الجمع
المذكور بعض الأئمة الحنفية أيضا كابن الهمام وغيره. وأما عامة الحنفية فكرهوا الإقعاء مطلقا، لكن قالوا: كراهة
إقعاء الكلب تحريمية ، وكراهة الثانى تنزيهية ، وحملوا حديث ابن عباس على العذر، أو بيان الجواز. وفيه: أنه لوكان
الإقماء بالمعنى الثانى مكروها لم يقل ابن عباس: هى سنة نبيكم، ولم يفعله العبادلة وغيرهم من الصحابة (رواه الترمذى)
وأخرجه أيضا ابن ماجه من طريق الحارث بن عبد اللّه الأعور، وهو ضعيف جدا، رماه الشعبى، وأبو اسحاق، وغيرهما
بالكذب، ووثقه ابن معين ولم يتابعه أحد على ذلك بل الجمهور اتفقوا على تضعيفه، وكان عالما بالفقه، والحساب ،
والفرائض. وفى الباب عن أنس عند ابن ماجه، وقد ذكرنا لفظه، وفيه العلاء أبو محمد ، قال فيه البخارى وغيره : منكر
الحديث ، وقال ابن المدينى: كان يضع الحديث. وعن سمرة، وأبى هريرة عند أحمد ، وعن جابر بن سمرة، وأنس عند
البيهقى. قال النووى: أسانيدها كلها ضعيفة.
٩١١ - قوله (الحنفى) بفتح النون نسبة إلى بنى حنيفة قبيلة (لا يقيم فيها صلبه) أى فى القومة، بيانها (بين
خشوعها) أى ركوعها (وجودها) وإنما سمى الركوع خشوعا، وهو هيئة الخاشع، تنبيها على أن القصد الأولى من تلك
الهيئة الخشوع والانقياد، قاله الطبي. قلت: وذكر الهيشمى هذا الحديث فى مجمع الزوائد نقلا عن أحمد، والطبرانى
بلفظ: لا ينظر الله عز وجل إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه فيما بين ركوعها وسجودها. والحديث يدل على وجوب الطمأنينة
فى الاعتدال من الركوع، وإليه ذهب الشافعى، وأحمد، وإسحاق، وهو الحق (رواه أحمد) وأخرجه أيضا الطبرانى فى.
الكبير. قال الهيشمى والمنذرى: رجاله ثقات، وفى الباب عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَّه: لا ينظر الله إلى
صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده. أخرجه أحمد بإسناد جيد، قاله المنذرى. وقال الهيشمى: رواه
أحمد من رواية عبد الله بن زيد الحنفى، عن أبى هريرة، ولم أجد من ترجمه - انتهى. قال الحافظ فى تعجيل المنفعة:
وهم الهيثمی فی تسمية عبد الله بن زيد ، وإنه عبد الله بن بدر ، وهو معروف موثق ، ولكنه قال : إن عبد الله بن بدر
لا يروى عن أبى هريرة إلا بواسطة.
٢٢٥
مرعاة المفاتيح :ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٤ - باب السجود وفضله
٩٢٣ - (١٩) وعن نافع، أن ابن عمر كان يقول: من وضع جبهته بالأرض فليضع كفيه على
الذى وضع عليه جبهته، ثم إذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان
٩١٢ - قوله (من وضع جبهته) أى فى السجود (فليضع كفيه) أيضا (على الذى وضع) بصيغة الماضي، وفي الموطأ
•يضع؛ بلفظ المضارع (عليه جبهته) أى على المكان الذى وضع جبهته عليه. قيل: يعنى بقربه (ثم إذا رفع) أى جهته
(فليرفعهما) أى الكفين أيضا (فإن اليدين) أى الكفين (تسجدان) تعليل لوضع الكفين على الأرض كما وضع الجبهة.
عليها. وقيل: تعليل لوضع الكفين والرفع كليهما، وإشارة إلى أن سجدة الوجه كما أنه لابد لها من رفع الرأس كذلك
سجدة الكفين لابد لها من رفعهما. واختلف فيمن لم يرفع يديه عن الأرض بين السجدتين ، ففى قول المالكية: يبطل
صلاته ، قال الزرقانى: لأن رفعهما فرض، إذ لا يعتدل من لم يرفعهما. وقال فى الشرح الكبير: والمعتمد صحة صلاة من
لم يرفع يديه عن الأرض حال الجلوس بين السجدتين حيث اعتدل ـ انتهى. وفى قول ابن عمر هذا إشارة إلى حديث
العباس: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه ، وركبتاه، وقدماه. أخرجه الترمذى وأبو داود
والنسائى وابن ماجه، وغيرهم. وإلى حديث ابن عباس: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم. وفيه أيضا إشارة إلى أنه
يستحب أن يستقبل بأصابعه القبلة. واعلم أنه اختلف فى تعيين المقصود من قول ابن عمر هذا، فقيل: أراد يان
وجوب وضع اليدين على الأرض السجود ، وقد تقدم أن القول الراجح هو وجوب وضع الأعضاء السبعة جميعا ، وفيها
الدان فيجب وضعهما. وقيل: أراد بيان موضع اليدين فى السجود، وأنهما تكونان قريبا من الوجه ، وإلى هذا المعنى
أشار محمد فى موطأه حيث قال بعد ذكر هذا الأثر: وبهذا نأخذ ، ينبغى للرجل إذا وضع جبهته ساجدا أن يضع كفيه
بحذاء منكبيه - انتهى. والمسئلة مختلفة فيها، فكل من ذهب إلى أن الرفع فى افتاح الصلاة إلى المنكبين، جعل وضع
اليدين فى السجود حيال المنكبين، ويؤيده ما روى البخارى وغيره عن أبي حميد الساعدى، أن النبي موته وضع اليدين
حذو المنكبين. ومن ذهب فى الرفع فى الافتاح إلى حيال الأذنين جعل وضعهما فى السجود حيال الأذنين ، وهكذا
روى فى مسلم عن النبي ◌َّ من فعله. قال ابن الهمام: لو قال قائل: إن السنة أن يفعل أيهما تيسر جمعا الرويات، بناء
على أنه عليه السلام كان يفعل هذا أحيانا ، وهذا أحيانا، إلا أن بين الكفين أفضل، لأن فيه تخليص المفاجأة المسنونة
ما ليس فى الآخر ، كان حسنا. وقيل: أراد بان كشف اليدين وإبرازهما فى السجود، وإليه مال الزرقانى كما يظهر
من شرحه ، ويؤيد هذا القول ما رواه مالك قبل هذا عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا سجد وضع كفيه على الذى
يضع عليه وجهه. قال نافع؛ ولقد رأيته فى يوم شديد البرد، وأنه ليخرج كفيه من تحت برنس له حتى يضعهما على الحصباء،
ويزيده أيضا ما رواه ابن أبى شيبة عن أبى هند، قال، قال ابن عمر: إذا سجد أحدكم فلياشر بكفيه الأرض، وهذه
٢٢٦
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
كما يسجد الوجه. رواه مالك.
(١٥) باب التشهد
( الفصل الأول )
٩١٣ - (١) عن ابن عمر، قال: كان رسول اللّه مَيتم إذا قعد فى التشهد، وضع يده اليسرى عر
رکبته الیسری، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد
المسئلة أيضا مختلفة فيها كما تقدم. قال ابن رشد فى البداية: واختلفوا أيضا هل من شرط السجود أن تكون يد الساحة.
بارزة وموضوعة على الذى يوضع عليه الوجه، أم ليس ذلك من شرطه؟ فقال مالك: ذلك من شرط السجود ، أحد ...
شرط تمامه. وقالت جماعة: ليس ذلك من شرط السجود - انتهى. قلت: أقرب الأقوال فى بيان الغرض من قول
ابن عمر هذا هو القول الأول، ثم الثالث، وأبعدها الثانى، والله أعلم (كما يسجد الوجه) أى الجبهة والأنف
(رواه مالك) عن نافع، عن ابن عمر موقوفا عليه من قوله. ورواه أحمد (ج ٢: ص ٦) وأبو داود، والنسائى
والحاكم، وصححه من طريق ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا إلى النبي ◌َّ ◌َم. قال: إن اليدين
تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فيرفعهما .
(باب التشهد) قال القاضى: سمى الذكر المخصوص تشهدا لاشتماله على كلتى الشهادة، تغليا لها على بقية أذكاره
لشرفها .
٩١٣- قوله (إذا قعد فى التشهد) أى لأجله، وهو أعم من الأول والثانى (وضع يده اليسرى) أى بطن كفها
باسطا لأصابعها مستقبلا بها القبلة كما يأتى (على ركبته اليسرى) أى على قربها فوق هذه اليسرى جمعا بين الأحاديث.
(ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى) وضع اليدين على الركبتين فى التشهد مجمع على استحبابه، ولعل حكمة وضعهما منذ
الركبتين المحافظة من العبث والمراعاة للأدب (وعقد) أى اليمنى. وهذا بظاهره يدل على أن العقد من أول القعود؟
هو مذهب الشافعية لا عند الإشارة، أى رفع المسبحة عند قوله: لا إله إلا الله، كما هو مختار الحنفية. قال القارى:
تزبين العبارة: المعتمد عندنا لا يعقد إلا عند الإشارة، لاختلاف ألفاظ الحديث، وبما اخترنا يحصل الجمع.
الأدلة ، فإن بعضها يدل على أن العقد من أول القعود ، وبعضها يشير إلى أنه لا عقد أصلا مع الإتفاق على تحقيق
الإشارة - انتهى. قلت : لا اختلاف بين ألفاظ الحديث أصلا، فإن الروايات التى فيها ذكر القبض أو العقد كلها
ظاهرة فى أن القبض من ابتداء الجلوس لا عند الإشارة، وأما الاقتصار فى بعض الروايات على مجرد الوضع والإيشار.
٢٢٧
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
ثلاث وخمسین ،
بدون ذكر القبض فليس فيها أدنى إشارة إلى عدم القبض، فإنها مطلقة تحمل على الروايات التى فيها التنصيص بذكر القبض،
حمل المطلق على المقيد. وأما قول ابن الهمام: إن وضع الكف مع قبض الأصابع لا يتسعَق حقيقة، فالمراد وضع الكف ثم
قبض الأصابع بعد ذلك للإشارة، ففيه أن ذلك إنما يتم لوكان المراد بوضع الكف اليمنى بسطها، ولا دليل على ذلك،
بل فى قوله «ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها)) إشعار ظاهر بقبض اليمنى من أول القعود، وإشارة بينة إلى أنه لم يسط
اليمنى مطلقا، بل كان وضعها مع عقد الأصابع وقبضها. والحاصل أن الروايات بظاهرما تدل على المعية لا البعدية. ولو سلم
أن القبض كان عند الإشارة فلا يضرنا ذلك بل يوافقنا، لأن ظاهر الأحاديث يدل على أن الإشارة من ابتداء الجلوس،
ولم أر حديثا صحيحا يدل على كون الاشارة عند قوله ((لا إله إلا الله، خاصة. وأما ما ورد فى بعض الروايات عند أحمد ،
والبيهقى من قول الصحابى فى بيان فعله مرتز ((ولكنه التوحيد» أو «إنما كان رسول الله مرتين يصنع ذلك يوحد بها ربه
عزوجل، أوهيشير بها إلى التوحيد، فليس فيه دليل على كون الإشارة أى رفع المسبحة عند قوله: لا إله إلا الله، بل فيه
بيان حكمة الإشارة، يعنى أنها للتوحيد، فإذا ثبت أن الإشارة من أول القعود وقد قالوا: إن القبض كان للإشارة ثبت
أن القبض كان من ابتداء القعود وأوله، لا عند قوله: لا إله إلا الله (ثلاثة وخمسين) وهو أن يعقد الخنصر والبنصر
والوسطى، ويرسل المسبحة، ويضم الابهام إلى أصل المسبحة مرسلة. قال الحافظ فى التلخيص بعد ذكر هذا الحديث:
وصورتها أن يجعل الإيهام معترضة تحت المسبحة - انتهى. وهذه هى إحدى الهيئات الواردة فى وضع اليد اليمنى على
الركبة اليمنى حال التشهد. والثانية: أن يقبض الأصابع كلها على الراحة ، ويشير بالمسبحة ، ففى رواية لمسلم من حديث
ابن عمر مرفوعا: كان إذا جلس فى الصلاة وضع كفه اليمنى على نفذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التى تلى
الإبهام. والثالثة: أن يعقد الخنصر و النصر، ويرسل المسبحة ويحلق الابهام والوسطى كما هو منصوص فى حديث وائل
ابن حجر الآتى. والرابعة: أن يضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى ويشير بالسبابة، ويضع إيهامه على إصبعه الوسطى كما فى
حديث ابن الزبير الآتى ، ولا منافاة بين هذه الأحاديث لجواز وقوع الكل فى الأوقات المتعددة ، فيكون الخل جائزا .
قال الراضى: الأخبار وردت بها جميعا، وكان رسول اللّه ◌َّ يصنع مرة هكذا، ومرة هكذا. وقال الأمير اليمانى:
الظاهر أنه خير بين هذه الهيئات - انتهى. والمختار الأحسن عند الحنفية والحنابلة هو التحليق. وقال البيهقى بعد رواية
حديث وائل: ونحن نجيزه وتختار ما روينا فى حديث ابن عمر، ثم ما روينا فى حديث ابن الزبير لثبوت خبرهما ، وقوة
سندهما - انتهى. وقد رام بعضهم الجمع بين حديث ابن الزبير، ورواية العقد ثلاثة وخمسين، بأن يكون المراد بقوله (على
إصبعه الوسطى، أى وضعها قريبا من أسفل الوسطى، وحينئذ يكون بمعنى العقد ثلاثة وخمسين ، وتكون الهيئات ثلاثة لا
أربعة، وهذا هو الظاهر. وأما ما ورد فى الرواية الآتية من حديث ابن عمر، وبعض روايات ابن الزبير من ذكر وضع
٢٢٨
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
وأشار بالسبابة ، وفى رواية: كان إذا جلس فى الصلاة ، وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى
التى تلى الابهام، يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته، باسطها عليها. رواه مسلم.
٩١٤ - (٢) وعن عبد الله بن الزبير، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
اليدين على الركبتين، والإشارة بالمسبحة بدون ذكر القبض ، فليس ذلك دليلا على هيئة أخرى غير ما تقدم ، فإنها مطلقة
فتحمل على الروايات التى وردت مقيدة بذكر القبض، والله أعلم (وأشار بالسبابة) قال الطيبي: أى رفعها عند قول
إلا الله، ليطابق القول الفعل على التوحيد. وقال القارى: وعندنا يرفعها عند«لا إله)) ويضعها عند «إلا الله) المناسبة
الرفع للنفى، وملايمة الوضع للإثبات، ومطابقة بين القول والفعل حقيقة. وقال الأمير الثانى: موضع الإشارة عند
قوله ((لا إله إلا الله) لما رواه البيهقى من فعل النبي ◌َّ؛ وينوى بالإشارة التوحيد، والاخلاص فيه، فيكون جامعا فى
التوحيد بين الفعل، والقول، والاعتقاد. قلت: حاصل ما رواه البيهقى وغيره فى ذلك أنه مَّ كان يشير بالمسبحة إلى
التوحيد، أو يريد بها التوحيد، أو يوحدبها ربه عزوجل، وليس فيه كما ترى تصريح بالإ شارة عند قوله ((لا إله إلا الله)
خاصة. ولا نفى الإشارة قبل ذلك من ابتداء الجلوس. ومقصود الصحابى منه إنما هو بيان حكمة الإشارة ، ونكتها
لا بيان محل الإشارة ووقتها. وظاهر الأحاديث الواردة فى هذه المسئلة يدل على الإشارة من ابتداء الجلوس،
فالراجح عندنا أن يعقد من أول القعود مشيرا بالمسبحة، مستمرا على ذلك إلى أن يسلم، والله أعلم. قال العلماء: خصت
السبابة بالإشارة لاتصالها بنياط القلب، فتحريكها سبب لحضوره (وفي رواية: كان إذا جلس فى الصلاة) أى للتشهد كما
ينته الرواية الأولى (وضع يديه على ركبتيه) لكن مع اختلاف الهيئة كما علم من الروايات السابقة والآتية (ورفع إصبعه)
ظاهره أن رفع الإصبع، أى الإشارة بها كان فى ابتداء الجلوس (اليمنى التى تلى الإبهام) وهى المسبحة (يدعو بها) وفى
مسلم («فدعا بها، أى أشار بها. قال الطيبي: إما أن يضمن ((يدعو)) معنى «يشير)) أى يشير بها داعيا إلى وحدانية الله
بالالحية، وإما أن يكون حالا، أى يدعو مشيرا بها. قال ابن حجر: يدعو بها، أى يتشهد بها ، وإنما سعى القشهد دعاء
لاشتماله عليه، إذ من جملته «السلام عليك أيها النبي، إلى ((الصالحين) وهذا كله دعاء، وإنما عبر عنه بلفظ الاخار لمزيد
التوكيد (ويده اليسرى) قال القارى: بالنصب فى النسخ المصححة ، وفى نسخة بالرفع، وهو الظاهر (باسطها) بالنصب
على الحال ويجوز الرفع (عليها) أى حال كونه باسطا يده على الركبة من غير رفع إصبع، وفيه إشعار يكون اليمنى
مقبوضة (رواه مسلم) الرواية الثانية أخرجها أيضا أحمد والترمذى والنسائى.
٩١٤ - قوله (وعن عبد الله بن الزبير) بن العوام القرشى الأسدى يكنى أبابكر المكى ثم المدنى، وهو أول مولود فى
الإسلام المهاجرين بالمدينة، هاجرت به أمه أسماء بنت أبى بكر إلى المدينة وهى حامل، فولد بعد الهجرة فى السنة الأولى
٢
عاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
إذا فعد يدعو وضع يده اليمنى على نفذه اليمنى، ويده اليسرى على نفذه اليسرى، وأشار بإصبعه
السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته.
وأذن أبو بكر فى أذنه، ولدته أمه بقباء)، و أتت به إلى النبى مؤم فوضعته فى حجره، فدعا بتمرة فيضغها، ثم تفل فى فيه
وحنكه، فكان أول شئى دخل فى جوفه ريق رسول اللّه مَ ◌ّه، ثم دعا له وبرك عليه، وكان كثير الصيام والصلاة شهيما
نا أنفة، شديد البأس فصيحا لسنا، قابلا للحق ، وصولا للرحم ، اجتمع له ما لم يجتمع لغيره. أبوه الزبير حوارى
رسول الله تع، وأمه أسماء بنت الصديق، وجده لأمه الصديق، وجدته صفية عمة رسول الله مز فيه، وخالته عائشة
زنج رسول الله موفقه. بايع رسول الله ورؤ يته وهو ابن ثمان سنين وحضر وقعة اليرموك. وشهد خطة عمر بالجابية
ريع له بالخلافة عقيب موت يزيد بن معاوية سنة (٦٤) وغلب على الحجاز والعراقين واليمن ومصر، وأكثر الشام.
وكانت ولايته تسع سنين. وقتله الحجاج بن يوسف بمكة، وصلبه يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرى
... (٧٣) وحج بالناس ثمانى حجج. ومات النبي مؤ تم وهو ابن تسع سنين. ومناقبه وأخباره كثيرة جدا، وخلافته
صحيحة خرج عليه مروان بعد أن بويع له بالآفاق كلها إلا بعض قرى الشام . فغلب مروان على دمشق، ثم غزا مصر فلكها.
مات بعد ذلك ، فغزا بعد مدة عبد الملك بن مروان العراق، فقتل مصعب بن الزبير ثم أغرى الحجاج مكة فقتل عبد الله.
و قد كان عبد الله أولا امتنع من بيعة يزيد بن معاوية، وسمى نفسه عائذ البيت، وامتنع بالكعبة ، فأغزى يزيد جيشا
ـطع فعلوا بالمدينة فى وقعة الحرة ما اشتهر، ثم ساروا من المدينة إلى مكة، خاصروا ابن الزبير، ورموا البيت بالمنجنيق،
. أحرقوه، فجاءهم نعى يزيد بن معاوية وهم على ذلك، فرجعوا إلى الشام، فلما غزى الحجاج مكة كما فعل أسلافه، ورمى
البيت بالمنجنيق، وارتكب أمرا عظيما، وظهرت حينئذ شجاعة ابن الزبير حمى المسجد وحده، وهو فى عشر الثمانين بعد
أن خذله عامة أصحابه حتى قتل صابرا، محتسبا، مقبلا، غير مدبر، رضى الله عنه. له ثلاثة وثلاثون حديثا، اتفقا على
حديث، وانفرد البخارى بستة، وانفرد مسلم بحديثين. روى عنه خلق كثير (إذا قعد يدعو) أى يتشهد . قال الطيبي:
من التشهد دعاء لاشتماله عليه، فإن قوله: سلام عليك، وسلام علينا، دعاء (وأشار بإصبعه السبابة) أى من ابتداء القعود
للنشهد (ووضع إبهامه) أى من أول جلوسه للتشهد (على إصبعه الوسطى) تقدم الكلام عليه (ويلقم) من الإلقام أى
أحيانا (كفه اليسرى ركبه) أى اليسرى، أى يعطف أصابعها على الركبة. يقال: ألقمت الطعام، إذا أدخلته فى فيك.
أن يدخل ركبته فى راحة كفه اليسرى حتى صارت ركبته كاللقمة فى كفه. قال ابن حجر: ولا ينافى هذا ما مر من أن
ة وتضع بطن كفيه على فخذيه قريبا من ركبتيه، بحيث تسامتها رؤس الأصابع، لأن ذاك بيان لكمال السنة. وهذا
الأصل السنة - انتهى. وقال النووى: قد أجمع العلماء على استحباب وضع اليد اليسرى عند الركبة، أو على الركبة.
٢٣٠
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
رواه مسلم.
٩١٥ - (٣) وعن عبد الله بن مسعود، قال: كنا إذا صلينا مع النبى مع قلنا: السلام على الله
قبل عباده، السلام على جبرئيل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان. فلما انصرف النبى مطئه ،
أقبل علينا بوجهه، قال: لا تقولوا: السلام على اللّه، فإن الله هو السلام. فإذا جلس أحدكم فى
الصلاة ، فليقل:
وبعضهم يقول بعطف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله: ويلقم كفه اليسرى ركبته - انتهى (رواه مسلم) وأخرجه
أيضا الدار قطنى .
٩١٥ - قوله (قلنا) أى فى قعود التشهد قبل مشروعيته (السلام على اللّه قبل عباده) فى المجمع: أى قلنا هذا اللفظ
قبل ((السلام على عباده) - انتهى. فجعل الظرف متعلقا بالقول، والظاهر أنه من جملة المقول، وكانهم رأوا «السلام» من قبيل
الحمد والشكر بجوزوا ثبوته للّه تعالى أيضا (السلام على فلان) وفى رواية ((السلام على فلان وفلان)) مكررا. زاد فى
رواية ابن ماجه (يعنون الملائكة، والسراج: فنعد من الملائكة ما شاء الله. والأظهر أنه عليه السلام لم يسمعه إلا حين
أنكره عليهم. وقوله ((كنا)) ليس من قبيل المرفوع حتى يكون منسوخا بقوله ((إن الله هو السلام، لأن النسخ إنما يكون
فيما يصح معناه، وليس تكرر ذلك منهم مظنة سماعه له منهم لأنه فى التشهد، والتشهد سر (فلما انصرف النبي مَّة) أى
فرغ من صلاته (أقبل علينا بوجهه) يعنى لا بمجرد الكلام، وقيل: إنه تأكيد، والجملة بدل من ((انصرف)) وجواب ((لما))
قوله (قال: لا تقولوا، السلام على الله، فإن الله هو السلام) أى هو مالك السلامة ومعطيها، فلا يحتاج إلى أن يدعى
له بالسلامة، كيف وهو المرجوع إليه بالمسائل والمدعو على الحالات ، أو أنه تعالى هو السالم عن الآفات التى لأجلها
يطلب السلام عليه، ولا يطلب السلام إلا على من يمكن له عروض الآفات، فلا يناسب السلام عليه تعالى (فليقل) فيه دليل
على وجوب قراءة التشهد فى القعدة الأولى والثانية، وإليه ذهب أحمد وإسحاق، لكن عد الحنابلة التشهد الأول واجبا ،
والثانى ركنا ، وقريب منه مذهب الشافعية ، فإنهم جعلوا الأول من الأبعاض والسنن التى تنجبر بالسجود ، وجعلوا
الآخر من الأركان. وعند الحنفية التشهد الثانى واجب ، وأما الأول فقيل: واجب، وهو ظاهر الرواية، وقيل: سنة.
وأما مالك فقال: بسنية التشهد مطلقا كما قال الزرقانى. ويدل على الوجوب أيضا قول ابن مسعود عند النسائى
والدار قطنى والبيهقى بإسناد صحيح: كنا نقول فى الصلاة قبل أن يفرض علينا التشهد. فإن ظاهره أن التشهد فى محله فرض
ولذلك بوب النسائى عليه بلفظ ((باب إيجاب التشهد)). وقيل: يحتمل أن المراد قبل أن يشرع التشهد، واستدل على
الوجوب أيضا بما فى رواية لأحمد: وأمره أن يعلمه الناس. وبما روى عن عمر ، أنه قال: لا تجزئ صلاة إلا بتشهد .
٢٣١
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها التى
أخرجه سعيد بن منصور فى سننه، والبخارى فى تاريخه (التحيات) جمع تحية، ومعناها: السلام ، وقيل: البقاء. وقيل:
العظمة. وقيل: السلامة من الآفات والنقص. وقيل: الملك. وقال المحب الطبرى: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركا
بين هذه المعانى وكونها بمعنى السلام أنسب هنا. وقال الخطابى والبغوى: لم يكن فى تحياتهم شفى يصلح الثناء على الله،
فلهذا أبهمت ألفاظها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال، قولوا: التحيات لله، أى أنواع التعظيم له. وقال ابن فتية:
لم يكن يحمى إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه، فلهذا جمعت، فكان المعنى: التحيات التى كانوا يسلون بها على
الملوك كلها مستحقة لله (والصلوات) قيل: الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل فى كل شريعة. وقيل:
المراد العبادات كلها . وقيل: الدعوات. وقيل: المراد الرحمة. وقيل، التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات
الفعلية، والطيات: الصدقات المالية (والطيبات) أى ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على اللّه دون ما لا يليق
بصفاته مما كان الملوك يحيون به. وقيل الطيات ذكر الله. وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء. وقيل: الأعمال
الصالحة، وهو أعم من القول والفعل. قال ابن دقيق العيد: إذا حمل التحية على السلام فيكون التقدير: التحيات التى
تعظم بها الملوك مثلا مستحقة لله. وإذا حمل على البقاء فلا شك فى اختصاص الله به. وكذلك الملك الحقيقى والعظمة
التامة ، وإذا حملت الصلاة على العهد أو الجنس كان التقدير: إنها لله واجبة لا يقصد بها غيره. وإذا حملت على الرحمة
فيكون معنى قوله (للّه)) أنه المتفضل بها، لأن الرحمة التامة الله يؤتيها من يشاء، وإذا حملت على الدعاء فظاهر. وأما
الطيبات فقد فسرت بالأقوال، ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى فتشمل الأقوال، والأفعال، والأوصاف ، وطيب
الأوصاف كونها بصيغة الكمال، وخلوصها عن شوائب النقص - انتهى. قال البيضاوى: يحتمل أن يكون الصلوات،
والطبيبات معطوفتين على ((التحيات)) ويحتمل أن يكون (الصلوات)) مبتدأ وخبرها محذوف، (والطيات)) معطوفة عليها.
والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة التى قبلها، والثانية لعطف المفرد على الجملة. وقال العينى: كل واحد من («الصلوات
والطيات)) مبتدأ حذف خبره، أى الصلوات لله، والطيبات لله، فالجملتان معطوفتان على الأولى وهى ((التحيات لله))
(السلام) التعريف إما للعهد التقديرى، أى ذاك السلام الذى وجه إلى الرسل والأنبياء عليك، أو الجنس، والمعنى أن
حقيقة السلام الذى يعرفه كل واحد، ويجوز أن يكون للعهد الخارجى إشارة إلى قوله «وسلام على عباده الذين اصطفى،
وقيل: معنى ((السلام عليك)) الدعاء، أى سلمت من المكاره. وقيل معناه اسم السلام عليك، كانه برك عليه باسم الله عزوجل
(عليك) أمرهم أن يفردوه بالسلام عليه لشرفه، ومزيد حقه عليهم، ثم أمرهم أن يخصصوا أنفسهم أولا لأن الاهتمام بها
أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين، إعلاما منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغى أن يكون شاملا لهم (أيها النبي)
قيل: الحكمة فى العدول عن الوصف بالرسالة مع أن الوصف بها أعم فى حق البشر وأشرف أن يجمع له الوصفين،
٢٣٢
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
لكونه وصفه بالرسالة فى آخر التشهد وإن كان الرسول البشرى يستلزم النبوة ، لكن التصريح بهما أبلغ. والحكمة فى
تقديم الوصف بالنبوة أنها كذلك وجدت فى الخارج لنزول قوله {اقرأ باسم ربك - ١:٩٦) قبل قوله (يا أيها المدثر
قم فأنذر - ٧٤: ٢،١) واعلم أن الأحاديث المرفوعة كلها متفقة على قوله فى التشهد «السلام عليك أيها النبي، أى على
لفظ الخطاب وحرف النداء، فعم ترك بعض الصحابة كابن مسعود وغيره الخطاب بعد وفاته مرافقيه، ففرقوا بين حياته
عليه السلام ووفاته، وقالوا «السلام على النبى، كما عند البخارى فى الاستذان، وأبى عوانة فى صحيحه، والسراج
والجوزقى وأبى نعيم الأصبهانى والبيهقى وعبد الرزاق، لكن جمهور الصحابة والتابعين وغيرهم من المحدثين والفقهاء
مطبقون على النشهد المرفوع المروى بصيغة الخطاب والنداء، أى على عدم المغايرة بين زمانه مَ ◌ّم وما بعده، وعلى هذا
فلابد من بيان توجيه الخطاب ، لأنه يرد عليه أنه كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهيا عنه فى الصلاة؟
والجواب أن ذلك من خصائصه عليه السلام ، فإن قيل: ما الحكمة فى العدول عن الغيبة إلى الخطاب مع أن لفظ الغيبة
هو الذى يقتضيه السياق؟ كأن يقول ((السلام على النبي، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبى، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى
تحية الصالحين. أجاب الطبى بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذى كان علمه الصحابة. وقال ابن الملك: روى
أنه رؤية ما عرج به أثنى على الله تعالى بهذه الكلمات، فقال الله تعالى: السلام عليك أيها التن ورحمة الله وبركاته، فقال
عليه السلام: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فقال جبريل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده
ورسوله - انتهى. قال القارى: وبه يظهر وجه الخطاب، وأنه على حكاية معراجه عليه السلام فى آخر الصلاة التى هى
معراج المؤمنين - انتهى. وقال فى (مسك الختام، فى شرح ((بلوغ المرام) بالفارسية ما معربه: ووجه الخطاب إبقاء
هذا الكلام على ما كان فى الأصل، فإن ليلة المعراج قد خاطب الله تعالى رسوله بالسلام، فأبقاء النبي ورثة وقت تعليم
الأمة على ذلك الأصل، ليكون ذلك مذكرا لتلك الحال - انتهى. وتمام بيان القصة مع شرح ألفاظ التشهد فى الإمداد
كذا فى رد المحتار. وهذا المروى لم أقف على سنده، فإن كان ثابتا فنعم التوجيه هذا، لكن يقصد على هذا التوجيه
بألفاظ التشهد معانيها مرادة له على وجه الإنشاء كأنه يحيى الله تعالى ويسلم على نبيه مثل ، وعلى نفسه ، وأولياء, ، ولا
يقصد مجرد الاخبار والحكاية عما وقع فى المعراج عنه تؤثر. وقد ظهر بما ذكرنا عدم صحة استدلال القبوريين بصورة
النداء والخطاب فى التشهد على حضوره تَّى فى كل موضع، وعلى جواز نداءه فى غير التشهد، وهذا لأن كون النداء
فيه نداء حقيقياً ممنوع، فإنه ليس فيه طلب شتى، بل هو نداء مجازى يطلب به استحضار المنادى فى القلب فيخاطب
المشهود بالقلب. قال الإمام ابن تيمية فى اقتضاء الصراط المستقيم: وقوله: يا محمد ! يا نبي الله! هذا وأمثاله نداء يطلب
به استحضار المنادى فى القلب فيخاطب المشهود بالقلب كما يقول المصلى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،
٢٣٣
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح
والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره فى نفسه وإن لم يكن فى الخارج من يسمع الخطاب - انتهى. وعلى
هذا فليس هذا النداء مما يدعيه هؤلاء القبوريون. وقال بعض شيوخ مشائخنا ما حاصله: أن تشهده مؤقّ كان مثل ما علم
الأمة، فكان عليه السلام يقول فى التشهد («السلام عليك أيها النبى، كما أمر به الأمة، كماهو مصرح فى حديث عبدالله بن الزبير عند
الطحاوى، والبزار، والطبرانى، وفى حديث ابن مسعود عند أحمد والطبرانى. قال الزرقانى فى شرح المواهب نقلا عن
النووى بعد ذكر ألفاظ التشهد ما نصه: وفى هذا فائدة حسنة، وهى أن تشهده عليه السلام بلفظ تشهدنا - انتهى. ومن
المعلوم أن التشهد المروى فى الأحاديث عام للحاضرين من الصحابة، والغائبين والموجودين فى زمنه مؤيّ، ولمن جاء
بعده، إذ الخطاب فى قوله ((إذا صلى أحدكم، وقوله ((ولكن قولوا)) يشمل الحاضرين والغائبين، والموجودين،
والمعدومين الكائين إلى يوم القيامة مثل سائر الخطابات الواردة فى الوضوء، والصلاة، والصيام، والزكاة ، والحج،
وغير ذلك، وليس هناك حديث يدل على أن الغائبين والمعدومين تشهدا آخر غير هذا التشهد، وأيضا علمهم النبي منز له
التشهد هكذا بلفظ الخطاب والنداء بدون التفريق بين الحاضرين منهم والغائبين عنه مع أن الصحابة كانوا يغیون عنهم{ێ فى
الغزوات، والسرايا، وغير ذلك من الأسفار، ولا يغايرون بين الحضور عنده والغيبة عنه، ولم يثبت ما تقدم من حكاية
المعراج، فهذا كله يدل على أن ذلك مما لم نوت علمه فينبغى لنا أن لا نبحث فيه، ونكل أمره إلى ابته، قال الله تعالى ﴿ ولا تقف
ما ليس لك به علم -١٧: ٣٦)﴾ وإذاً يكون هذا الخطاب معدولا عن العقل والقياس، فيكون مقصورا على مورده، فلا يقتضى
هذا الخطاب جواز خطابه معرفة ونداء، فى غير تشهد الصلاة - انتهى (ورحمة الله) أى إحسانه (وبركاته) جمع بركة ، أى
زيادة من كل خير (السلام) أى الذى وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء (علينا) أى محشر الحاضرين ، يريد به نفسه،
والحاضرين من الامام، والمأمومين، والملائكة، والجن، وفيه استحباب البداءة بالنفس فى الدعاء، وفى الترمذى مصححا
عن أبي بن كعب: أن النبي ◌َّ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، وأصله فى صحيح مسلم (وعلى عباد الله الصالحين)
الأشهر فى تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله، وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته. قال الحكيم
الترمذى: من أراد أن يحظى بهذا السلام الذى يسلمه الخلق فى الصلاة فليكن عبدا صالحا ، وإلا حرم هذا الفضل العظيم
(فإنه) أى الشأن أو المصلى (إذا قال ذلك) أى قوله «وعلى عباد الله الصالحين) وهو كلام معترض بين قوله (الصالحين))
وبين قوله ((أشهد) إلى آخره. وإنما قدمت للاهتمام بها لكونه أنكر عليهم عد الملائكة واحدا واحدا، ولا يمكن
استيعابهم لحم مع ذلك فعلهم لفظا يشمل الجميع مع غير الملائكة من النبيين، والمرسلين ، والصديقين، وغيرهم بغير
مشقة، وهذا من جوامع الكلم التى أوتيها مرَّة، وقد ورد فى بعض طرقه سياق التشهد متواليا ، وتأخير الكلام المذكور
بعد، وهو من تصرف الرواة (أصاب) فاعله ضمير ذلك ( كل عبد صالح) قيد به لأن التسليم لا يصلح للفسد
٢٣٤
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
فى السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء
أعجبه إليه، فيدعوه. متفق عليه.
(أشهدأن لا إله إلا الله) زاد ابن أبى شيبة «وحده لا شريك له)) وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة فى حديث
أبى موسى عند مسلم، وفى حديث عائشة الموقوف فى الموطأ (ثم ليتخير) أى ليختر (من الدعاء أعجبه إليه) أى أحب الدعاء
وأرضاه من الدين ، والدنيا، والآخرة (فيدعوه) أى فيقرأ الدعاء الأعجب. وقيل التقدير: فيدعو به. كما فى رواية
أبى داود، فهو من باب الحذف والإيصال. وقيل التقدير: فيدعو الله به. حذف المفعول الثانى للعلم به. وفيه دليل
على مشروعية الدعاء فى الصلاة قبل السلام من أمور الدنيا والآخرة ما لم يكن إثما ، لأن ظاهر قوله «ليتخير من الدعاء
أعجبه إليه، شامل لكل دعاء مأثور وغيره مما يتعلق بالآخرة كقوله ((اللهم أدخلنى الجنة)). أو الدنيا مما يشبه كلام الناس
كقوله ((اللهم ارزقنى زوجة جميلة، ودراهم جزيلة)). وبذلك أخذ الشافعية، والمالكية مالم يكن إثما. وقصر الخفية
على ما يناسب المأثور فقط مما لا يشبه كلام الناس محتجين بقوله عليه السلام ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام
الناس)). واحتج الأولون بظاهر حديث ابن مسعود، بقوله عليه السلام: سلوا الله حوائجكم حتى الشسع لتعالكم،
والملح لقدوركم. واستثنى بعض الشافعية من مصالح الدنيا ما فيه سوء أدب كقوله ((اللهم أعطنى امراة جميلة، ثم يذكر
أوصاف أعضاءها. وقال ابن المنير: الدعاء بأمور الدنيا فى الصلاة حظر، وذلك أنه قد تلتبس عليه الدنيا الجائزة
بالمحظورة، فيدعو بالمحظورة فيكون عاصيا متكلما فى الصلاة، فتبطل صلاته وهو لا يشعر ، ألا ترى أن العامة يلتبس عليها
الحق بالباطل، فلو حكم حاكم على عامى بحق فظنه باطلا، فدعا على الحاكم باطلا بطلت صلاته، وتميز الحظوظ الجائزة
من المحرمة عير جدا، فالصواب أن لا يدعو بدنياه إلا على تثبت من الجواز-انتهى. ثم ظاهر اللفظ يدل على وجوب
الدعاء قبل السلام بعد التشهد، لأن التخير فى آحاد الشئى لا يدل على عدم وجوبه كما قال ابن رشد ، وهو المقرر فى
الأصول، وقد ذهب إلى الوجوب أهل الظاهر، وروى عن أبى هريرة ، وادعى بعض العلماء الإجماع على عدم الوجوب
(متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد، والترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه، وغيرهم. واعلم أن حديث التشهد
قد رواه أربعة وعشرون صحابيا، ذكر الحافظ فى التلخيص (ص ١٠٢، ١٠٣) أسماءهم مع تخريج أحاديثهم ، وبيان
اختلاف ألفاظهم ، واقتصر المصنف على إيراد أحاديث ثلاثة منهم: ابن مسعود، وابن عباس ، وجابر. والروايات
فى ألفاظ التشهد مختلفة جداً، ولذلك اختلف الأئمة فى اختيار بعضها دون بعض، وترجيح بعضها على بعض مع القول
بجواز كل ما ثبت وصح، فاختار مالك تشهد عمر الموقوف عليه، ولفظه نحو حديث ابن عباس التالى إلا أنه قال
((الزاكيات)) بدل («المباركات)) وإنما رجح مالك تشهد عمر لأنه عليه الناس على المنبر، ولم ينازعه أحد ، فكان إجماعا،
٢٣٥
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
ودل على تفضيله. وفيه: أن عدم إنكار الصحابة على عمر إنما يدل على جواز تشهده وإجزائه، لا على كونه أفضل
التههدات لاختيار أكثر الصحابة غير تشهده كما تدل عليه الروايات. ولم يكونوا ينكرون على أحد فى الأمور المباحة على
أن تشهد عمر موقوف عليه. قال الدار قطنى: لم يختلفوا فى أنه موقوف عليه. وقال ابن عبد البر: ليس عند مالك فى
التشهد شائى مرفوع وإن كان غيره قد رفع ذلك. ومعلوم أنه لا يقال بالرأى. ولما علم مالك أنن التشهد لم يكن إلا
توقيفا اختار تشهد عمر لأنه كان يعلمه الناس، وهو على المنبر من غير نكير. قال: وتسليم الصحابة لعمر ذلك مع اختلاف
رواياتهم دليل الاياحة والتوسعة. وقال ابن قدامة فى المغنى: أما حديث عمر فلم يروه عن النبى مؤلم ، إنما هو من
قوله، وأكثر أهل العلم من الصحابة على خلافه، فكيف يكون إجماعا على أنه ليس الخلاف فى إجراءه فى الصلاة ، إنما
الخلاف فى الأولى والأحسن، والأحسن تشهد النبى مَّ الذى عله أصحابه، وأخذوا به - انتهى. ولوسلم أن سكوت
الصحابة وعدم إنكارهم على عمر دليل على إجماعهم فقد وقع إجماعهم على تشهد ابن مسعود قبل ذلك، فروى
ابن أبى شيبة فى مصنفه بسنده عن ابن عمر: أن أبا بكر كان يعلمهم التشهد على المنبر كما يعلم الصبيان فى المكتب: التحيات
لله، والصلوات ، والطيبات. فذكر مثل حديث ابن مسعود. قال الحافظ: ورواه أبو بكر بن مردويه فى كتاب
التشهد له من رواية أبى بكر مرفوعا، وإسناده حسن. واختار الشافعى تشهد ابن عباس الآتى، وقال هو أفضل التشهد.
واختار أحمد ، وأبو حنيفة، وجمهور الفقهاء، وأهل الحديث تشهد ابن مسعود، قال الترمذى: وعليه العمل عند أكثر
أهل العلم من أصحاب النبي مَ ◌ّه ومن بعدهم من التابعين، وهو قول الثورى، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق ـ انتهى.
وقال الحافظ : وذهب جماعة من محدثى الشافعية كابن المنذر إلى اختيار تشهد ابن مسعود - انتهى. وذكروا لترجيحه
وجوها كثيرة ، منها: أن الأئمة الستة اتفقوا على تخريج حديثه لفظا ومعنى، وذلك نادر، وأعلى درجات الصحة عند
المحدثين ما اتفق عليه الشيخان فكيف إذا اتفق عليه الستة لفظا ومعنى. ومنها: أنه أجمع العلماء على أن حديثه أصح ما
روى فى التشهد. قال الترمذى: هو أصبح حديث روى عن النبي ◌َُّ فى الشهد. وقال البزار لما سئل عن أضح حديث
فى التشهد قال: هو عندى حديث ابن مسعود، وروى من نيف وعشرين طريقا، ثم سرد أكثرها وقال: لا أعلم فى
التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالا، ولا أشد تظافرا بكثرة الأسانيد والطرق، ذكره الحافظ فى
التلخيص، وقال بعد ذكره فى الفتح: ولا اختلاف بين أهل الحديث فى ذلك، ومن جزم بذلك البغوى فى شرح السنة ،
وقال محمد بن يحيى الذهلى : حديث ابن مسعود أصح ما روى فى التشهد. وقال بريدة بن الحصيب: ما سمعت فى التشهد
أحسن من حديث ابن مسعود، رواه الطبرانى، وقال النووى: أشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود، ثم حديث
ابن عباس. ومنها: أن الرواة عن ابن مسعود من الثقات لم يختلفوا فى ألفاظه بخلاف غيره، قال مسلم: إنما اجتمع
٢٣٦
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
٩١٦ - (٤) وعن عبد الله بن عباس، قال: كان رسول اللّه ميله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة
من القرآن،
الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضاً، وغيره قد اختلف أصحابه، ذكره الحافظ فى الفتح.
ومنها: أنه تلقاه عن النبى ◌َّ تلقينا؛ فروى الطحاوى من طريق الأسود بن يزيد عنه، قال: أخذت من فى رسول الله
ريّ ولقننيه كلمة كلمة. ومنها: أن فيه من تأكيد التعليم ما ليس فى غيره؛ ففى البخارى فى الاستئذان: علنى رسول الله
◌ُلّ التشهد وكفى بين كفيه، كما يعلنى السورة من القرآن. وفى أبى داود بسنده إلى القاسم قال: أخذ علقمة
يدى فحدثنى أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول اللّه ◌َوَّم أخذ بيده، فعله التشهد فى الصلاة. ومثل هذا
لا يوجد فى غيره. ومنها: أن أبا بكر عليه الناس على المنبر كما تقدم. ومنها: أن رواته لم يختلفوا فى حرف منه بل نقلوه
مرفوعا على صفة واحدة بخلاف غيره. ومنها: أنه ورد بصيغة الأمر مثل قوله ((فليقل)) وقوله ((قولوا، ونحو ذلك،
وأقله الندب والاستحباب بخلاف غيره، فإنه مجرد حكاية. ومنها: أنَ رسول اللّه مَّم علم ابن مسعود التشهد وأمره
أن يعلمه الناس، أخرجه أحمد. قال الحافظ بعد ذكره: ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته. ومنها: أنه
اتفق على روايته جماعة من الصحابة مثل أبى بكر، ومعاوية، وسالمان، وغيرهم. قال ابن قدامة فى المغنى (ج١ ص٥٧٨):
وقد رواه عن النبى محمدواقم معه ابن عمر ، وجابر، وأبو موسى، وعائشة. وقال أيضا (ج ١: ص ٥٧٩): وقد اتفق
على روايته جماعة من الصحابة فيكون أولى. ومنها: أنه أخذ به جمهور الصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم من الفقهاء،
وأهل الحديث بخلاف تشهد غيره. ومنها: ما ذكره فى المغنى: قال عبد الرحمن بن الأسود: عن أبيه ، قال: حدثنا
عبد الله بن مسعود: أن النبي ◌َ ◌ّ عليه التشهد فى الصلاة، قال: وكنا نتحفظه عن عبد اللّه كما نتحفظ حروف القرآن:
الواو ، والألف (أخرجه البزار، ورجاله رجال الصحيح) قال ابن قدامة: وهذا يدل على ضبطه ، فكان أولى. ومنها:
ما قال الحافظ فى الفتح: ورجح أيضا بثبوت الواوفى الصلوات والطيبات، وهى تقتضى المغايرة بين المعطوف والمعطوف
عليه ، فيكون كل جملة ثناء مستقلا ، بخلاف ما إذا حذفت ، فإنها تكون صفة لما قبلها ، وتعدد الثناء فى الأول صريح
فيكون أولى، ولو قيل: إن الواو مقدرة فى الثانى - انتهى. وقد ذكروا لترجيح تشهد ابن مسعود وجوها أخرى وفيما
ذكرناه كفاية لمن له بصيرة، فلا يشك فى أن حديث ابن مسعود أرجح من جميع الأحاديث المروية فى التشهد فالأخذ
به أولى وأحسن، والله أعلم.
٩١٦ - قوله (يعلمنا التشهد) سمى باسم جزءه الأشرف كما هو القاعدة عند البلغاء فى تسمية الكل باسم البعض
(كما يعلمنا السورة من القرآن) أى بكمال الاهتمام لتوقف الصلاة عليه إجزاء، ففيه دلالة ظاهرة على اهتمامه
٢٣٧
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
فكان يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
رواه مسلم.
وإشارة إلى وجوبه (التحيات المباركات الصلوات الطبيبات لله) المباركات جمع مباركة، وهى كثيرة الخير ، وقيل:
النامية، قال النووى: تقديره ((والمباركات، والصلوات، والطبيبات)، كما فى حديث ابن مسعود وغيره ، لكن حذفت
الواو اختصارا، وهو جائز معروف فى اللغة - انتهى. قلت: حذف واو العاطف ولو كان جائزا لكن التقدير خلاف
الظاهر، لأن المعنى صحيح بدون تقديرها ، فيكون جملة واحدة فى الثناء، ولو سلم حذف الواو ههنا فتعدد الثناء صريح فى
تشهد ابن مسعود لذكر الواو فيه فيكون أولى من هذا (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا) كذا
رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه، وأحمد فى رواية له بتعريف السلام فى الموضعين. ورواه الترمذى والنسائى والشافعى وأحمد
فى طريق أخرى بتكير السلام فيهما . قال النووى: يجوز فيها حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل، وهو الموجود
فى روايات الصحيحين. قال الحافظ: لم يقع فى شتى من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك فى
حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم - انتهى (وأشهد أن محمدا رسول اللّه) انفرد ابن عباس بهذا اللفظ، إذ
فى سائر التشهدات الواردة عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وأبى موسى، وعبد الله بن الزبير كلها بلفظ «وأشهد أن محمدا عبده
ورسوله)، وأما قول الرافعى المنقول أنه مؤلّ كان يقول فى تشهده «وأشهد أنى رسول الله) فمردود أنه لا أصل له، قاله القارى.
قلت: روى النسائي وابن ماجه حديث ابن عباس هذا بلفظ: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. هذا، وقد تقدم أن الشافى
اختار تشهد ابن عباس. قال الحافظ فى الفتح: قال الشافعى بعد أن أخرج حديث ابن عباس: رويت أحاديث فى
التشهد مختلفة، وكان هذا أحب إلى لأنه أكملها. وقال فى موضع آخر، وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس: لما
رأيته واسعا ، وسمعته عن ابن عباس صحيحا، كان عندى أجمع وأكثر لفظا من غيره، وأخذت به غير معنف لمن يأخذ
بغيره مما صح، ورجحه بعضهم لكونه مناسبا للفظ القرآن فى قوله تعالى ( تحية من عند الله مباركة طيبة - ٢٤: ٦١) وأما
من رجحه بكون ابن عباس من أحداث الصحابة فيكون أضبط لما روى، أو بأنه أفقه من رواه ، أو يكون إسناد حديثه
حجازيا، وإسناد ابن مسعود كوفيا، وهو مما يرجح به، فلا طائل فيه من أنصف ـ انتهى (رواه مسلم) قال المجد بن تيمية
فى المنتقى بعد ذكر الحديث بلفظ المصنف: رواه مسلم، وأبو داود بهذا اللفظ، ورواه الترمذى وصححه كذلك، لكنه
ذكر السلام منكرا ، ورواه ابن ماجه كمسلم، لكنه قال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ورواه الشافعى
وأحمد بتنكير السلام وقالا فيه «وأن محمدا، ولم يذكرا «أشهد، والباقى كمسلم. ورواه أحمد من طريق آخر كذلك لكن
بتعريف السلام، ورواه النسائى كمسلم ، لكنه نكر السلام، وقال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - انتهى. والحديث
١ ٢٣٨
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
ولم أجد فى ((الصحيحين) ولا فى الجمع بين الصحيحين ((سلام عليك)) و((سلام علينا) بغير ألف ولام،
ولكن رواه صاحب ((الجامع، عن الترمذى.
﴿ الفصل الثانى )
٩١٧ - (٥) عن وائل بن حجر، عن رسول اللّه مَّى، قال: ثم جلس فافترش رجله اليسرى،
ووضع يده الیسری علی هذه الیسری،
أخرجه أيضا الدار قطنى فى إحدى روايتيه بتعريف السلام فيهما. وأخرجه ابن حبان فى صحيحه بتعريف السلام الأول
وتكير الثانى. وأخرجه الطبرانى بتكير الأول وتعريف الثانى (ولا فى الجمع) أى للحميدى (بين الصحيحين) وكانه
لم يقل بينهما لأنه علم، والعلم لا يتغير («سلام عليك) و((سلام علينا، بغير ألف ولام) قيل: أصل ((سلام عليك)) سلمت
سلاما عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء لا فادة الثبوت والدوام،
ثم زيدت ((أل) للعهد الذهنى، وقد تقدم توجيهه (ولكن رواه) ابن الأثير (صاحب الجامع) أى للأصول الست
(عن الترمذى) وقد تقدم أن النسائى أيضا رواه منكرا، وكذا الشافعى وأحمد والدار قطنى فى إحدى روايتيهما. ومقصود
المصنف أن ذكر البغوى حديث ابن عباس بتكير السلام فى الموضعين فى الصحاح مخالف لما فى صحيح مسلم ، ثم
لا يخفى ما فى قول المصنف ((رواه صاحب الجامع)، من التسامح، فإن الصحيح أن يقول: ذكره أو أورده صاحب
الجامع ، لأن ابن الأثير ليس من الرواة .
٩١٧ - قوله (عن رسول اللّه مؤثر) أى مرفوعا فى كيفية جلسته للتشهد، والأظهر أن يقول المصنف: عن
وائل بن حجر أنه قال فى صفة صلاة رسول اللّه مَّ: ثم جلس، إلخ (قال) أى وائل بن حجر (ثم جلس) أى النبى مؤ لّه
وهذا عطف على ما ترك ذكره فى الكتاب من صدر الحديث، وهو أن وائل بن حجر قال ، قلت: لأنظرن إلى صلاة
رسول اللّه مَّ كيف يصلى، قال: فقام رسول اللّه تَوِّ، فاستقبل القبلة، فكبر، فرفع يديه حتى حاذنا بأذنيه، ثم أخذ
شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، قال: ثم جلس (فافترش رجله اليسرى) أى وجلس على باطنها ،
ونصب اليمنى ، ففى رواية الطحاوى ، وسعيد بن منصور: فرش قدمه اليسرى على الأرض، وجلس عليها. واستدل به
الحنفية على تفضيل الافتراش فى التشهدين. وأجيب بأن هذا الحديث محمول على التشهد الأول لحديث أبي حميد المتقدم فى
صفة الصلاة، ولما رواه النسائى فى «باب موضع اليدين عند الجلوس للنشهد الأول، عن وائل بن حجر، قال أتيت
رسول اللّه ◌َبي، فرأيته يرفع يديه إذا افتح الصلاة - الحديث. وفيه ((وإذا جلس فى الركعتين أضجع اليسرى، ونصب
اليمنى، إلخ (ووضع يده اليسرى على نفذه اليسرى) أى ممدودة غير مقبوضة. وفى رواية النسائى: وضع كفه اليسرى
٢٣٩
٠
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٥ - باب التشهد
وحد مرفقه اليمنى على نفذه اليمنى، وقبض ثنتين، وحلق حلقة، ثم رفع إصبعه، فـ أيته يحركها
يدعو بها. رواه أبو داود والدارمى.
على لهذه وركبته اليسرى (وحد مرفقه) بصيغة الماضى مشددة الدال، عطف على الأفعال السابقة و((على، بمعنى ((عن)،
أى رفع مرفته عن نفذه، وجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد، أو ((على، بمعناه و(«الحد) المنع والفصل بين الشيئين، ومنه
سمى المناهى حدود الله. والمعنى: فصل بين مرفقه وجنبه، ومنع أن يلتصقا فى حال استعلاءهما على الفخذ. وجوز أن
يكون ((حد)) اسما مرفوعا مضافا إلى المرفق على الابتداء، خبره «على فخذه)، والجملة حال، أو اسما منصوبا عطفا على مفعول
((وضع)، اى وضع يده اليسرى على نفذه اليسرى ووضع حد مرفقه اليمنى، على نفذه اليمنى، وهذا الوجه هو الموافق لما فى
رواية للنسائى من قوله: وجعل حد مرفقه الأيمن على هذه اليمنى، أى جعل غاية المرفق وطرفه مستعليا على الفخذ مرتفعا عنه.
قال الشوكانى: والمراد كما قال فى شرح المصابيح: أن يجعل عظم مرفته كانه رأس وقد. قال ابن رسلان: يرفع طرف مرفقه
من جهة العضدعن فخذه، حتى يكون مرتفعا عنه، كما يرتفع الوقد عن الأرض، ويضع طرفه الذى من جهة الكف على طرف
نفذه الأيمن. وجوز بعضهم أنه ماض من التوحيد، أى جعل مرفقه منفردا عن هذه، أى رفعه، وهذا أبعد الوجوه
(وقبض ثنتين) أى الخنصر والبنصر من أصابع يده اليمنى (وحلق) بتشديد اللام (حلقة) بسكون اللام وتفتح، أى
جعل الابهام والوسطى كالحلقة (ثم رفع إصبعه) أى المسبحة كما تقدم (فرأيته) أى النبي رؤية (يحركها) فيه أن تحريك
المسبحة سنة، وقد أخذ به قوم. وذهب الجمهور إلى عدم التحريك لحديث ابن الزبير التالى، ولخلو غالب الروايات عن
التحريك، قالوا: والمراد بالتحريك فى حديث وائل هو حركة الإشارة لاحركة أخرى بعد الرفع للإشارة. قال البيهقى:
يحتمل أن يكون مراده بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى لا يعارض حديث ابن الزبير. قال الشوكانى:
وما يرشد إلى ما ذكره البيهقى رواية أبى داود لحديث وائل، فإنها بلفظ: وأشار بالسبابة - انتهى. قلت: وإليه يظهر ميل
النسائى حيث ترجم على رواية عبد الله بن الزبير التى فيها: أشار بالسبابة لا يجاوز بصره إشارته، بلفظ «موضع البصر
عند الإشارة وتحريك السبابة، فكأنه أشار بصنيعه إلى أن المراد بتحريك السبابة حركة الإشارة، لا تكرير تحريكها ،
لأنه لم يذكر فى هذا الباب رواية التحريك، بل اكتفى بذكر رواية الإشارة. وجمع بعضهم بين الروايتين بحملهما على
أوقات مختلفة، فقال: كان يحركها تارة ولا يحركها أخرى. وقال بعضهم: حديث وائل أصح وأقوى من حديث ابن
الزبير ، وأيضا حديث وائل مثبت وذاك ناف والمثبت مقدم على النافى فلا يجوز أن يعارض به حديث وائل (يدعو بها)
أى يشير بها، أى يرفعها فى دعائه، أى تشهده، سعى التشهد دعاء لاشتماله عليه (رواه أبو داود) إلخ. وأخرجه أيضا
أحمد والترمذى والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة، والبيهقى. والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذرى. وقال
الترمذى : هذا حديث حسن صحيح .
٢٤٠