النص المفهرس

صفحات 181-200

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
فى صلاة المغرب بـ«حم الدخان)). رواه النسائى مرسلا.
(١٣) باب الركوع
( الفصل الأول )
٨٧٥ - (١) عن أنس، قال: قال رسول اللّه مؤلفى: أقيموا الركوع والسجود، فوالله إنى لأراكم
من بعدى.
وجماعة. قال ابن سعد: كان ثقة رفيعا، كثير الحديث والفتيا، فقيها. مات فى ولاية بشر على العراق سنة (٧٤)
وقيل (٧٣). قال ابن عبد البر: ذكره العقيلى فى الصحابة فغلط، إنما هو تابعى من كبار التابعين بالكوفة، هو والد
عبد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه المدنى الشاعر، شيخ ابن شهاب. استعمله عمر بن الخطاب على السوق. قال: وولد
فى حياة النبي ◌َّ، وأتى به فسحه بيده ودعا له (بـ«حم الدخان))) أى كلها فى الركعتين. قال القارى: وفى أصل
السيد جمال الدين ضبط بكسر ميم (حم) وجر ((الدخان)، ووجه الأول تحريكه بالكسر لالتقاء الساكنين، ووجه الثانى
أنه مضاف إليه، أو بدل؛ أو بان. وفى نسخة بفتح الميم، لأن الفتحة أخف الحركات. وفى أخرى بنصب «الدخان)»
بتقدير أعنى (رواه النسائى مرسلا) لأن الراوى تابعى وحذف الصحابى، لكنه اعتضد بما تقدم من قراءة السور الطويلة
كالأعراف والطور والمرسلات فى المغرب .
(باب الركوع) هو ركن بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. وهو لغة: الانحناء، وقد يراد به الخضوع. قيل:
هو من خصائص هذه الأمة لقول بعض المفسرين فى قوله تعالى ﴿واركعوا مع الرا كعين - ٢: ٤٣﴾ إنما قال لهم ذلك
لأن صلاة اليهود والنصارى لا ركوع فيها. والراكعون محمد مرّم وأمته، ومعنى قوله تعالى: (وار كعى مع
الراكعين - ٤٣:٣﴾: صلى مع المصلين. قيل: حكمة تكرير السجود دونه، أنه وسيلة ومقدمة للسجود الذى هو
الخضوع الأعظم ، لما فيه من مباشرة أشرف ما فى الإنسان لمواطقى الأقدام والتعال، فناسب تكريره،
لأنه المتكفل بالمقصود حيث ورد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وقيل غير ذلك. والأظهر أنه
تعبد محض .
٨٧٥ - قوله (أقيموا الركوع والسجود) أى أكملوها، من أقام العود، إذا قومه. وفى رواية ((أتموا)) بدل
(أقيموا) (لأراكم) بفتح اللام المؤكدة والهمزة، أى أبصركم (من بعدى) أى من خلفى إذا ركعتم وسجدتم. قال الحافظ
فى الفتح: الصُّواب أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الايصار إدراك حقيقى خاص به مَ ◌ّه، انخرقت له فيه العادة. وعلى
١٨١

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
متفق عليه .
٨٧٦ - (٢) وعن البراء، قال: كان ركوع النبى معَّه، وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع من
الركوع، ما خلا القيام والقعود ، قريبا من السواء.
هذا عمل البخارى فأخرج هذا الحديث فى علامات النبوة، وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره. ثم ذلك الادراك
يجوز أن يكون برؤية عينه ، انخرقت له العادة فيه أيضا فكان يرى بها من غير مقابلة، لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية
لا يشترط لها عقلا عضو مخصوص ولا مقابلة ولا قرب، وإنما تلك أمور عادية يجوز حصول الادراك مع عدمها عقلا
ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى فى الدار الآخرة، خلافا لأهل البدع لوقوفهم مع العادة. وقيل كانت له عين خلف
ظهره يرى بها من ورائه دائما. وقيل: كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط يبصر بهما لا يحجبهما ثوب ولا غيره -
انتهى. وظاهر الحديث أن ذلك يختص بحالة الصلاة ، ويحتمل أن يكون ذلك واقعا فى جميع أحواله. وقد نقل ذلك
عن مجاهد. وحكى بقى بن مخلد أنه مَّه كان يبصر فى الظلمة كما يبصر فى الضوء. وسبب هذه المقالة كما تدل عليه
الروايات أنهم قصروا فى الصلاة وأساؤها بتفويت الخشوع ، ونقصان الركوع والسجود، وعدم إحسان الصلاة ، فنى
الحديث الحث على الخشوع فى الصلاة ، والمحافظة على إتمام أركانها وأبعاضها وأنه ينبغى للإمام أن ينبه الناس على ما يتعلق
بأحوال الصلاة ، ولا سيما إن رأى منهم ما يخالف الأولى. وقد سئل عن الحكمة فى تحذيرهم من النقص فى الصلاة
برؤيته إياهم دون تحذيرهم برؤية الله تعالى لهم، وهو مقام الإحسان المبين فى سؤال جبريل كما تقدم فى كتاب الايمان: اعبد الله
كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فأجيب: بأن فى التعليل برؤيته مَثّم لهم تنبيها على رؤية الله تعالى لهم؛ فانهم
إذا أحسنوا الصلاة لكون النبى مؤلم يراهم ، أيقظهم ذلك إلى مراقبة الله تعالى، مع ما تضمنه الحديث من المعجزة
له مرَّ بذلك، ولكونه يبعث شهيدا عليهم يوم القيامة، فإذا علموا أنه يراهم يحفظوا فى عبادتهم، ليشهد لهم بحسن عبادتهم
(متفق عليه) وأخرجه أيضا النسائى.
٨٧٦ - قوله ( كان ركوع النبي مَي) اسم كان (وسجوده) عطف عليه (وبين السجدتين) أى وجلوسه
ینھما (وإذا رفع) أی اعتدل ، وفى رواية: وإذا رفع رأسه (من الر کوع) أی قیامه وقت رفع رأسه من الركوع ، لان
((إذا)) إذا انسلخت عن معنى الاستقبال تكون للوقت المجرد. وقال الطبى: قوله «وبين السجدتين)) و((إذا رفع»
معطوفان على اسم كان ، أى ركوع النبى ، على تقدير المضاف ، أى زمان ركوعه وسجوده ، وبين السجدتين ، ووقت
رفع رأسه من الركوع (ما خلا) بمعنى إلا (القيام والقعود) بالنصب فيهما لا غير (قريبا) خبر كان (من السواء)
يفتح السين والمد، أى كان قريبا من المساواة والمماثلة، والاستثناء ههنا من المعنى فإن مفهوم ذلك: كانت أفعال صلاته
١٨٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
متفق عليه .
كلها قريبة من السواء، ما خلا القيام الذى هو للقراءة، والقعود الذى هو للتشهد، فإنه كان يطولهما. وفيه إشعار بأن
فيها تفاوتا لكنه لم يعينه، وهو دال على الطمأنينة فى الاعتدال وبين السجدتين، لما علم من عادته من تطويل الركوع
والسجود. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يدل على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس يعنى الذى بعده
أصرح فى الدلالة على ذلك، بل هو نص فيه ، فلا ينبغى العدول عنه الدليل ضعيف ذکر فی أنه ر کن قصير ، وهو ما قبل:
إنه لم يسن فيه تكرار التسبيحات على الاسترسال، كما سنت القراءة فى القيام، والتسبيحات فى الركوع والسجود مطلقا .
ووجه ضعفه: أنه قياس فى مقابلة النص وهو فاسد، وأيضا فالذكر المشروع فى الاعتدال أطول من الذكر المشروع فى الركوع ،
فتكرير ((سبحان ربي العظيم، ثلاثا يحتى قدرقوله: اللهم ربنالك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. وقد شرع فى الاعتدال
ذکر أطول کما أخرجه مسلم من حديث عبدالله بن أبى أوفى، وأبى سعيدالخدرى ، وابن عباس بعد قوله: حمدا كثيرا طيبا
((ملاً: السموات وملاً الأرض، وملاً ما شئت من شئ بعده زاد فى حديث ابن أبى أو فى: اللهم طهرفى بالثلج، إلخ
وزاد فى حديث الآخرين: أهل الثناء والمجد، إلخ. كذا فى الفتح. وفى رواية لمسلم: رمقت الصلاة مع محمد مَّل،
فوجدت قيامه، فركته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين ، فسجدته، جلسته ما بين التسليم
والانصراف، قريبا من السواء. وهذه الرواية تدل على عدم خروج حالة القيام والقعود عن بقية حالات أركان الصلاة
خلافا لرواية الباب، فقيل فى وجه الجمع: إن رواية مسلم هذه محمولة على بعض الأحوال والأوقات، فكان فعل
النبي ◌َّ فى ذلك مختلفا فتارة يستوى الجميع، وفى أكثر الأحوال يستوى ما عدا القيام والقعود. وقيل: ليس المراد
بقوله قريبا من السواء أنه كان يركع بقدر قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أن صلاته كانت قريبا معتدلة ،
فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفها أخف بقية الأركان ، فقد ثبت أنه قرأ فى الصبح بـ (الصافات)
وثبت فى السنن عن أنس: أنهم حرروا فى السجود قدر عشر تسبيحات، فيحمل على أنه إذا قرأ بدون (الصافات) اقتصر
على دون العشر، وأقله كماورد فى السنن أيضا ثلاث تسبيحات. ولا يخفى ما فى هذا الجمع من التكلف، ويزيفه بل يرده
حديث عوف بن مالك الآتى فى الفصل الثالث بلفظ: فلما ركع مكث قدر سورة البقرة، إلخ. وحديث حذيفة فى مسلم :
أنه مَّ قرأ فى ركمة بـ (البقرة) أو غيرها، ثم ركع نحواما قرأ، ثم قام بعد أن قال «ربنا ولك الحمد، قياما طويلا قريبا
ما ركع. فالراجح فى الجمع هو الوجه الأول، وهو أن تحمل رواية مسلم المتقدمة على بعض الأحيان والحالات ،
والله أعلم (متفق عليه) أى على أصل الحديث وإلا فقوله ((ما خلا القيام والقعود)) من أفراد البخارى. والحديث
أخرجه أيضا الترمذى وأبوداود والنسائى.
١٨٣

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
٨٧٧ - (٣) وعن أنس، قال: كان النبى مَّ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول: قد أوهم،
٨٧٧ - قوله (حتى نقول) بالنصب على أن ((حتى)) بمعنى ((إلى) و((أن)) مضمرة، أى إلى أن نقول، و((حتى)) إنما
ينصب بعدها المضارع إذا كان مستقبلا، وهذا قد وقع ومضى. والجواب أنه على حكاية الحال . وقيل بالرفع على
أن يكون التقدير: قام (أى أطال القيام) فقلنا ، فإطالة القيام سبب القول، وكلا الفعلين ماض ، فلم تعمل فيه حتى.
وقيل: الرفع على أن الفعل بعدها حال مقارن لما قبلها ، والحال لا ينصب بعد حتى ولا غيرها ، لأن الناصب مخلص
للاستقبال فتنافيا. و«حتى المرفوع بعدها الفعل ابتدائية لا جارة، لأنها إنما تدخل على مفرد أو مؤول به. قال
التوربشتى: نصب ((نقول)) بـ((حتى)) وهو الأكثر. ومنهم من لا يعمل ((حتى) إذا حسن ((فعل) موضع يفعل، كما يحسن
فى هذا الحديث: حتى قلنا قد أوهم. وأكثر الرواة على ما علمنا على النصب، وكان تركه من حيث المعنى أتم وأبلغ -
انتهى. واعلم أن ((حتى) إذا وقع بعدها فعل فإما أن يكون حالا، أو مستقبلا، أو ماضيا، فإن وقع حالا رفع، نحو:
مرض زيد حتى لا يرجونه ، أى فى الحال. وإن كان مستقبلا نصب نحو: سرت حتى أدخل البلد وأنت لم تدخلها .
وإن كان ماضيا فتحكيه، ثم حكايتك له إما أن تكون بحسب كونه حالا بأن يقدر أنه حال فترفعه على حكاية هذا الحال ،
وإما أن تكون بحسب كونه مستقبلا فتنصبه على حكاية الحال المستقبلة، فالرفع والنصب على حكاية الحال بمعنين مختلفين،
قال ابن هشام: لا ينتصب الفعل بعد ((حتى)) إلا إذا كان مستقبلا، ثم إن كان استقباله بالنظر إلى زمن التكلم فالنصب
واجب نحو: ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى - ٢٠: ٩١ ) وإن كان بالنسبة إلى ما قبلها خاصة فالوجهان
نحو : ﴿وزلزلوا حتى يقول الرسول - ٢: ٢١٤ ) الآية. فإن قولهم ((إنما هو مستقبل)) بالنظر إلى الزلزال، لا بالنظر
إلى زمن قص ذلك علينا. وكذلك لا يرتفع الفعل بعد حتى إلا إذا كان حالا ، ثم إن كانت حاليته بالنسبة إلى زمن
التكلم فالرفع واجب كقولك: سرت حتى أدخلها ، إذا قلت ذلك وأنت فى حالة الدخول. وإن كانت حاليته ليست
حقيقية بل كانت محكمة رفع، وجاز نصبه إذا لم تقدر الحكاية نحو : ﴿وزازلوا حتى يقول الرسول﴾ قراءة نافع بالرفع
بتقدير: حتى حالتهم حينئذ أن الرسول والذين آمنوا معه يقولون كذا وكذا. واعلم أنه لا يرتفع الفعل بعد ((حتى))
إلا بثلاثة شروط: أحدها أن يكون حالا أو مؤلا بالحال كما مثلنا. والثانى أن يكون مسببا عما قبلها. والثالث أن
يكون فضلة - انتهى. ومعنى الحديث: يطيل القيام، أو أطاله حتى نظن، إذ القول قد جاء بمعناه (قد أوهم) بفتح
الهمزة والهاء، فعل ماض مبنى للفاعل. قال الجزرى ((أوهم فى صلاته)) أى أسقط منها شيئا. يقال أو همت الشئى إذا
تركته، وأوهمت فى الكلام والكتاب، إذا أسقطت منه شيئا. ووهم - يعنى بكسر الهاء ــ يوهم وهما - بالتحريك -
إذا غلط. يعنى كان يلبث فى حال الاستواء من الركوع زمانا نظن أنه أسقط الركعة التى ركعها، وعاد إلى ما كان عليه
من القيام. قال ابن الملك: ويقال: أو همته، إذا أوقعته فى الغلط. وعلى هذا يكون أوهم على صيغة المجهول، أى
١٨٤

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم. رواه مسلم.
٨٧٨ - (٤) وعن عائشة، رضى الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول
أوقع عليه الغلط ووقف سهوا - انتهى. قيل: ويحتمل أن يكون معناه: نسى وجوب الهوى إلى السجود، أو نسى أنه
فى صلاة ، أو ظن أنه وقت القنوت حيث كان معتدلا، أو وقت التشهد حيث كان جالسا. ويؤيد التفسير بالنسيان
التصريح به فى الرواية الأخرى كما سنذكرها (يقعد بين السجدتين) أى يطيل القعود بينهما (حتى نقول: قد أوهم) أى
فظن أنه أسقط السجدة الثانية. والحديث نص صريح فى تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين. وقد ترك الشافعية
والحنفية هذه السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة من عالم، وفقيه، وإمام، ومنفرد، وصغير، وكبير، والأعظم من ذلك
أنهم إذا رأوا من يطيل الاعتدال من الركوع والجلوس بين السجدتين شغبوا عليه، وجهلوه، وسفهوه، وتركوا
الاقتداء به. قال بعض الخفية معتذرا عن أمثال هذا الحديث: إن فيها مبالغة الراوى. قلت: قال شيخنا ردا عليه:
كلا ، ثم كلا، فإن الصحابة رضى الله عنهم كانوا لا يبالغون من عند أنفسهم فى وصف صلاته، وحكاية أفعاله فى
الصلاة وغيرها ، ولا يقصرون بل يحكون على حسب ما يرون ، حمله على مبالغة الراوى باطل مردود عليه. وحمل
بعضهم حديث أنس على ابتداء الأمر حين كان يطول صلاته، قال: ثم أمر بالتخفيف بعده. وهذا إدعاء محض لا دليل
على كون ما فى هذا الحديث حكاية لابتداء الأمر فلا يلتفت إليه. وقال بعضهم: كانت هذه الإطالة فى صلاة النافلة .
وهذا الحمل أيضا يحتاج إلى دليل ، ولا دليل على ذلك ، بل يرده إطلاق ما روى عن ثابت ، قال: كان أنس بنعت لنا
صلاة النبي ◌َّة، فكان يصلى، فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول: قد نسى، أخرجه البخارى.
وقال بعضهم: لم يذكر هذه الصفة إلا أنس من بين الصحابة الذين رووا صفة صلاته. وفيه: أنه لم يتفرد بذلكأنس ، بل
وافقه البراء وحذيفة كما تقدم. ولو سلم أنه لم يذكر هذه الصفة غير أنس، لا يضر من قال بمشروعيتها، فكم من صفة
من صفات الصلاة تفرد بذكرها بعض الصحابة وقد أخذما الأئمة وعملوا بها وعدوها من سنن الصلاة. وقال بعضهم:
فعله فى الفرائض أحيانا لبيان الجواز، ولفظة ((كان)) للرابطة، لا لبان المواظبة. قلت: لا مانع من حملها على التكرار،
فالظاهر أن حاله تَّ كان مختلفا ، فتارة كان يطيل، وتارة كان يخفف (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أبو داود، وأخرج
الشيخان عن ثابت، عن أنس، قال: إنى لا آلو أن أصلى بكم كما رأيت رسول اللّه مَّه يصلى بنا. قال ثابت: فكان
أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعوه ، وكان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل : قد نسى ، وإذا
رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل : قد نسى .
٨٧٨ - قوله (يكثر) من الاكثار (أن يقول) قد ورد فى رواية البخارى فى التفسير بيان ابتداء هذا الفعل.
١٨٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
فى ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفرلى. يتأول القرآن. متفق عليه.
٨٧٩ - (٥) وعنها، أن النبى ◌َ كان يقول فى ركوعه وسجوده: سبوح، قدوس، رب الملائكة
والروح.
وأنه واظب عليه وَّ، ولفظها: ما صلى النبي مَّ صلاة بعد أن نزلت عليه (إذا جاء نصر الله والفتح) إلا يقول
فيها: سبحانك - الحديث. قيل: اختار النبى مَثّ الصلاة لهذا القول مع أنه لم يقيد بحال من الأحوال لأن حالها أفضل
من غيرها، فاختار أفضل الأحوال لأداء هذا الواجب، ليكون أكمل وأبلغ فى الامتثال. قال الحافظ: وليس فى
الحديث أنه لم يكن يقول ذلك خارج الصلاة أيضا، بل فى بعض طرقه عند مسلم ما يشعر بأنه م فه كان يواظب على ذلك
داخل الصلاة وخارجها (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك) تقدم الكلام فيه (يتأول القرآن) أى يعمل بما أمر به فيه. وقد
تبين من الرواية المذكورة أن المراد بالقرآن بعضه، وهو السورة المذكورة، والذكر المذکور، وقوله «یتاول، حال من
فاعل (يقول) أى يكثر قول ذلك حال كونه متأولا للقرآن، أى مبينا ما هو المراد من قوله: (نسبح بحمد ربك
واستغفره - ٣:١١٠) آتيا بمقتضاه. وأصل الأول الرجوع والانصراف، والمآل ما يرجع إليه الأمر. وقال
القرطبي، معناه: يمثل ما آل إليه معنى القرآن فى قوله تعالى ﴿إذا جاء نصر الله والفتح - ١١٠: ١) إلخ. والحديث
يؤخذ منه إباحة الدعاء فى الركوع، وإباحة التسبيح فى السجود، ولا يعارضه قوله الآتى مَّه «أما الركوع فعظموا فيه
الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء، لأنه لا مفهوم له، فلا يمتنع الدعاء فى الركوع كما لا يمتنع التعظيم فى السجود
لأن تعظيم الرب فيه لا ينافى الدعاء كما أن الدعاء فى السجود لا ينافى التعظيم. قال ابن دقيق العيد: ويمكن أن يحمل حديث
الباب على الجواز، وذلك على الأولوية، ويحتمل أن يكون أمر فى السجود بتكثير الدعاء لإ شارة قوله فاجتهدوا، والذى
وقع فى الركوع من قوله: اللهم اغفرلى، ليس كثيرا ، فلا يعارض ما أمر به فى السجود - انتهى. وأراد بنفى الكثرة عدم
الزيادة على قوله: اللهم اغفرلى، فى الركوع الواحد، فهو قليل بالنسبة إلى السجود المأمور فيه بالاجتهاد فى الدعاء
المشعر بتكثير الدعاء (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٨٧٩ - قوله (سبوح قدوس) بضم أولهما وفتحهما، والضم أكثر استعمالا وأفصح. قال ثعلب: كل اسم على
((فعول)) فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس، فإن الضم فيهما أكثر، وهما من صفات الله تعالى، والمراد المسبح
والمقدس، فعول لمبالغة المفعول، فكأنه يقول مسبح مقدس، ومعنى ((سبوح)) المبرأ من النقائص والشريك، وكل ما
لا يليق بالالجنسية، و((قدوس)) المطهر من كل ما لا يليق بالخالق، ولعل التكرير للتأكيد، أو أحدهما لتنزيه الذات، والآخر
لتنزيه الصفات. وهما خبران مبتدهما محذوف تقديره: ركوعى وسجودى لمن هو سبوح قدوس، أى منزه عن
أوصاف المخلوقات، أو أنت سبوح أو هو سبوح (رب الملائكة والروح) هو من عظف الخاص على العام، لأن
١٨٦
ا

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
رواه مسلم.
٨٨٠ - (٦) وعن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه ◌َيَّم: ألا إنى نهيت أن أقرأ القرآن را كما
أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فى الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم.
الروح من الملائكة، وهو ملك عظيم يكون إذا وقف كجميع الملائكة. وقيل المراد به ((جبريل، لقوله تعالى: {يوم يقوم
الروح والملائكة صفا - ٧٨: ٣٨) وقوله تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين - ١٩٣:٢٦ ) وقوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة
والروح فيها - ٩٧: ٤﴾ وغير ذلك، خص بالذكر تفضيلا (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى.
٨٨٠ - قوله (ألا) كلمة تنبيه (إنى نهيت) بضم النون وكسر الهاء على بناء المجهول (أن أقرأ القرآن
راكعا أو ساجدا) أى عن قراءة القرآن فى هاتين الحالتين. والتهیلە ێے نهى لأمته كما يشعر بذلك قوله فى الحديث «فأما
الركوع، إلخ. قال الطيبي: أمره إياهم بالتعظيم الرب فى الركوع، وبالدعاء فى السجود، يدل على أن النهى عن القراءة
ليس مخصوصا به عليه السلام ، بل الأمة داخلون معه فيه. قلت: ويشعر به أيضا ما فى صحيح مسلم وغيره أن عليا قال:
نهافى رسول الله ورؤيته أن أقرأالقرآن راكعا أو ساجداً. وهذا النهى يدل على تحريم قراءة القرآن فى الركوع والسجود،
لأن الأصل فى النهى التحريم. وفى بطلان الصلاة بالقراءة حال الركوع والسجود خلاف. وحكمة النهى أن الركوع
والسجود حالان دالان على غاية الذل والخضوع، ويناسبهما الدعاء والتسبيح، فنهى عن القراءة فيهما تعظيما للقرآن الكريم
لأن كلام اللّه لكونه فى غاية العظمة والجلالة لا يناسب قراءته فى حالة الذلة والاستكانة، والله أعلم (فأما الركوع)
كأنه قيل: فماذا نقول فيها؟ فقال: فأما الركوع (فعظموا فيه الرب) أى سبحوه، ونزهوه، ومجدوه، وقد بين
كيفية هذا التعظيم ، واللفظ الذى يقع به هذا التعظيم فى حديثى عائشة قبل هذا، وفى أحاديث عقبة بن عامر ، وابن
مسعود، وحذيفة، وعوف بن مالك الآتية فى هذا الباب، وفى حديث أبى هريرة ، وعائشة فى باب السجود وفضله
(وأما السجود فاجتهدوا) أى بالغوا (فى الدعاء) قال السندى قوله ((فعظموا فيه الرب) أى اللائق به تعظيم الرب ، فهو
أولى من الدعاء، وإن كان الدعاء جائزا أيضا، فلا ينافى أنه كان يقول فى ركوعه: اللهم اغفرلى، وقوله فاجتهدوا فى الدعاء ، أى
أنه محل الاجتهاد الدعاء، وأن الاجتهاد فيه جائزبلا ترك أولوية، وكذلك التسبيح فإنه محل له أيضا-انتهى. والحديث دليل على
مشروعية الدعاء حال السجود بأى دعاء كان من طلب خير الدنيا والآخرة ، والاستعاذة من شرهما. وقد بين بعض
الأدعية ما أفاده حديثعائشة السابق (فقمن) هو بفتح القاف وفتح الميم و کسرها ، لغتان مشهورتان ، فمن فتح نهو
عنده مصدر لا يؤنث، ولا يتنى، ولا يجمع، ومن كسر فهو وصف يؤنث ويثنى ويجمع، وفيه لغة ثالثة ((قين)) -بزيادة
الياء وفتح القاف وكسر الميم - وهو مثل القمن - بكسر الميم - فى كونه وصفا، ومعناه: جدير وحقيق (أن يستجاب لكم)
١٨٧

مرعاة المفاتيح °ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
رواه مسلم.
٨٨١ - (٧) وعن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه مَّى: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده،
فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد،
لأن السجود أقرب ما يكون العبد فيه إلى ربه ، فيكون الدعاء فى تلك الحالة أقرب إلى الإجابة. وفى الحديث الحث على
الدعاء فى السجود، وأنه محل الاجابة، وقد ورد الأمر بالإكثار من الدعاء فيه فى حديث أبى هريرة الآتى فى باب السجود
وفضله. قال الحافظ: الأمر بإكثار الدعاء فى السجود يشمل الحث على تكثير الطلب لكل حاجة كما جاء فى حديث أنس:
ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شع فعله، أخرجه الترمذى. ويشمل التكرار للسؤال الواحد ، والاستجابة تشمل
استجابة الداعى بإعطاء سؤله واستجابة المثنى بتعظيم ثوابه-انتهى. وظاهر الحديث وجوب تسبيح الركوع، ووجوب الدعاء
فى السجود للأمر بهما. وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل، وطائفة من المحدثين. وقال الجمهور: إنه مستحب لحديث
المسئ صلاته، فإنه لم يعلمه النبي مَّ ذلك، ولو كان واجبا لأمره به. وفيه نظر لا يخفى على المتأمل (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا أحمد وأبوداود والنسائى.
٨٨١ - قوله (إذا قال الامام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد) قال القسطلانى: وللأصيلى
((ولك الحمد، بالواو - انتهى. قال ابن القيم: لم يرد الجمع بين لفظ ((اللهم)، وبين ((الواو)) فى حديث صحيح. قال الشوكانى:
قد ثبت الجمع بينهما فى صحيح البخارى من حديث أنس بلفظ: وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا
ولك الحمد. وقد تطابقت على هذا اللفظ النسخ الصحيحة من صحيح البخارى - انتهى. واستدل بهذا الحديث وما فى
معناه لمالك وأبى حنيفة على أن الإمام يكتفى بالتسميع ولا يقول ((ربنا لك الحمد، وأن المأموم يكتفى بالتحميد ولا
يقول ((سمع الله لمن حمده، لكون ذلك لم يذكر فى هذه الرواية، وأنه عليه السلام قسم التسميع والتحميد، جعل التسميع
الذى هو طلب التحميد للإمام، والتحميد الذى هو طلب الاجابة للأموم، والتقسيم ينافى الشركة. ورد هذا
الاستدلال بأنه ليس المقصود منه التقسيم، بل ذكر وقت تحميد المقتدى أنه عند قول الإمام («سمع الله لمن حمده)) وهو
ساكت عن تحميد الإمام إثباتا ونفيا. قال الحافظ فى الفتح: وفى الاستدلال به على ذلك نظر، لأنه ليس فيه ما يدل
على النفي، بل فيه أن قول المأموم (ربنا لك الحمد)) يكون عقب قول الإمام «سمع الله لمن مده)، والواقع فى التصوير
ذلك ، لأن الامام يقوله فى حال انتقاله، والمأموم يقول التحميد فى حال اعتداله، فقوله يقع عقب قول الامام كما فى
الخبر، وهذا الموضع يقرب من مسئلة التأمين كما تقدم من أنه لا يلزم من قوله: إذا قال الإمام { ولا الضالين) فقولوا:
آمين. أن الامام لا يؤمن بعد قوله (ولا الضالين). وليس فيه أن الإمام يؤمن ، كما أنه ليس فى هذا أنه يقول
(ربنا لك الحمد)) لكنهما مستفادان من أدلة أخرى صحيحة صريحة - انتهى. وقال الشيخ عبد الحى اللكنوى فى السعاية
١٨٨

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
(ص ١٨٦): فإن قلت آخذا من فتح القدير: السكوت فى معرض البيان بيان ، فلو كان التحميد أيضا مشروعا للامام
لبينه، فليا سكت عنه على أنه ليس مشروعا له. قلت: هذا إنما يستقيم لوكان الموضع موضع بان أذكار الإمام والمؤتم،
وهو ممنوع، فإن الظاهر من التعليق أنه موضع بيان وقت ذكر المقتدى أنه حين قول الإمام: سمع الله لمن حمده، فلا
ينافيه مشروعية الذكر الآخر بعده للإمام، على أن اعتبار السكوت فى موضع البيان إنما هو إذا لم يوجد حكم المتنازع فيه
من موضع آخر ، وأما إذا وجد حكمه صريحا موافقا أو مخالفا فلا اعتبار له كما صرحوا به فى مواضع، وههنا قد وجدت
مشروعية التحميد بدليل آخر ، وهو ما رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة ، والبخارى من حديث ابن عمر ،
ومسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى، ومن حديث على بن أبى طالب أنهم قالوا فى وصف صلاة رسول اللّه مؤثّم: أنه
كان حين يرفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. فهذا صريح فى مشروعية التحميد للإمام.
فإن قلت آخذا من فتح القدير: إن أحاديث الجمع فعلية ، وحديث القسمة قولى، والقول النبوى مقدم على فعله كما هو
مقرر فى مقره. قلت: هذا إذا كان القول دالا صراحة على خلاف الفعل ، وههنا ليس كذلك. وأى ضرورة دعت
إلى حمل الحديث السابق على القسمة حتى ينافى حديث الفعل. فإن قلت: لعل زيادة التحميد كانت فى النوافل. قلت :
هذا مقام لا يكفى فيه ليت ولعل. والحمل بمجرد الاحتمال مستبعد جدا مع كون غالب أحوال رسول اللّه مَيقيم الإمامة.
وبالجملة فالاكتفاء بالتسميع وإن كان مشى عليه أرباب المتون لكونه قول أبى حنيفة ، لكن الدليل يساعد الجمع، فهو
الأحق بالاختيار خصوصا إذا وجد اختياره من جماعة من المتأخرين. وذهب إليه الصاحبان، وروى مثله عن الامام-
انتهى كلام الشيخ اللكنوى. قلت: ذهب أحمد، والشافعى، وأبو يوسف، ومحمد، والجمهور إلى أن الامام يقول:
ربنا لك الحمد، بعد التسميع كالمنفرد، واختاره الفضلى، والطحاوى، والشرنبلانى، وصاحب المنية، وعامة المتأخرين
من الحنفية، وهو الأصح الموافق لما ثبت عنه مرّم أنه كان يأتى بالتحميد بعد قوله: سمع الله لمن حمده. قال الحافظ فى
الفتح: الأحاديث الصحيحة تشهد له. وأما المنفرد لحكى الطحاوى، وابن عبد البر الإجماع على أنه يجمع بينهما،
وجعله الطحاوى حجة لكون الامام يجمع بينهما ، للاتفاق على إتحاد حكم الايام والمنفرد، لكن أشار صاحب الهداية
إلى خلافه عندهم فى المنفرد وأما المأموم فقال الشافعى ، وإسحاق، وعطاء، وابن سيرين، وغيرهم: هو كالامام
والمنفرد، يجمع بينهما ، وذهب أحمد، ومالك، وأبو حنيفة، وضاحباه إلى أنه لا يأتى بالتسميع. واستدل الشافعى
ومن وافقه بما رواه الشيخان من حديث أبى هريرة ((كان رسول الله وَي إذا قام إلى الصلاة) وفيه «ثم يقول: سمع الله
لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة. ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، بانضمام قوله مرَّة «صلوا كما رأيتمونى
أصلى،. وبما رواه الدار قطنى عن أبى هريرة، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللّه عَّمه فقال: سمع الله لمن حمده،
١٨٩

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه. متفق عليه.
٨٨٢ - (٨) وعن عبد الله بن أبى أوفى، قال: كان رسول اللّه مؤهل إذا رفع ظهره من الركوع قال:
سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملأ السموات وملاً الأرض وملأ ما شئت من شتى بعد.
قال من وراءه: سمع الله لمن حمده. لكن قد صرح الدار قطنى بأن المحفوظ لفظ: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده،
فليقل من وراءه: ربنا ولك الحمد. وبما رواه الدار قطنى أيضا عن بريدة، قال: قال رسول اللّه رَّ: يا بريدة! إذا
رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملأ السموات وملأ الأرض، وملأ ما شئت
من شئ بعد. وظاهره عدم الفرق بين كونه إماما، أو منفردا، أو مأموما. ولكن سنده ضعيف. وليس فى جمع
المأموم بين التسميع والتحميد حديث صحيح صريح. قال الحافظ: زاد الشافعى: أن المأموم يجمعهما أيضا، لكن لم يصح
فى ذلك شئ (فانه) أى الشأن (من وافق قوله) وهو قوله: ربنا لك الحمد ، بعد قول الامام: سمع الله لمن حمده،
(قول الملائكة) أى فى الزمان (غفر له ما تقدم من ذنبه) أى من الصغائر. قال الخطابي: فى هذا دلالة على أن الملائكة
يقولون مع المصلى هذا القول، ويستغفرون، ويحضرون بالدعاء والذكر (متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك، والترمذى،
وأبو داود، والنسائى.
٨٨٢ - قوله (إذا رفع ظهره) أى حين شرع فى رفعه (من الركوع قال: سمع الله لمن حمده) أى وإذا انتهى
إلى الاعتدال قال قبل أن يميل إلى السجود (اللهم ربنا لك الحمد ملأ السموات) بكسر الميم وبنصب الهمزة بعد اللام،
وهو الأكثر والأشهر على أنه صفة مصدر محذوف. وقيل على أنه حال، أى مالئا. وقيل على نزع الخافض ، أى
بملاً السموات، وبرفع الهمزة على أنه صفة الحمد، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، والملا اسم ما يأخذه الإناء إذا
امثلاً ، وهو مجاز عن الكثرة، قال المظهر: هذا تمثيل وتقريب، إذ الكلام لا يقدر بالمكائيل ولا تسعه الأوعية ،
وإنما المراد منه تكثير العدد حتى لو قدر أن تلك الكلمات تكون أجساما تملاً الأماكن لبلغت من كثرتها ما تملاً
السموات والأرضين. وقيل: المراد بذلك تعظيم القدر كما يقال: هذه الكلمة تملاً طباق الأرض. وقيل: المراد بذلك
أجرها وثوابها (وملاً ما شئت من شئى بعد) أى بعد ذلك، أو غير ما ذكر كالعرش والكرسى ونحوهما مما فى مقدور
الله تعالى. قال التور بشتى: هذا أى «ملاً ما شئت)) يشير إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ الجهد ،
فإنه حمده ملاً السموات والأرض، وهذا نهاية إقدام السابقين، ثم ارتفع وترقى فأحال الأمر فيه على المشيئة، إذ
ليس وراء ذلك الحمد منتهى، ولهذه الرتبة التى لم يبلغها أحد من خلق الله استحق عليه الصلاة والسلام أن يسمى أحمد -
انتهى. وفى هذا الحديث وحديثى أبى سعيد ورفاعة الآتيين دليل على مشروعية تطويل الاعتدال من الركوع، والذكر
١٩٠

مرعاة المفاتيح ج٣.
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
رواه مسلم.
٨٨٣ - (٩) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: كان رسول اللّه ◌َيّ إذا رفع رأسه من الركوع قال:
اللهم ربنا لك الحمد ملأ السموات وملأ الأرض، وملاً ما شئت من شتى بعد، أهل الثناء والمجد ،
أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مععلى لما منعت، ولا ينفع
ذا الجد منك الجد.
.........
المذكور فى هذه الأحاديث ، ولا دليل لمن حملها على النافلة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أبو داود ، وابن ماجه.
٨٨٣ - قوله (اللهم) لم أجد هذا اللفظ فى مسلم فى رواية أبى سعيد، ووجدتها فى رواية ابن عباس (أهل الثناء
والمجد) بالنصب على الاختصاص أو المدح، أو بتقدير: يا أهل الثناء، أو بالرفع بتقدير: أنت أهل الثناء. والثناء:
الوصف الجميل ، والمدح. والمجد: العظمة، ونهاية الشرف (أحق ما قال العبد) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ،
وما موصولة، أو موصوفة، أو مصدرية، و((أل)) للجنس، أو للعهد، والمعهود النبى مُّ، أى أنت أحق بما قال العبد
لك من المدح من غيرك، أو يكون التقدير: هذا الكلام، أى ما سبق من قوله: ربنا لك الحمد، إلخ. أحق ما قاله العبد،
أو أحق قول العبد. قال الأمير اليمانى: وإنما لم يجعل ((لا مانع لما أعطيت، خبرا و((أحق، مبتدأ لأنه محذوف فى بعض
الروايات، فجعلناه جملة استئنافية إذا حذف تم الكلام من دون ذكره - انتهى. وقيل: الأظهر والأولى أن
يجعل ((أحق، مبتدأ وخبره ((لا مانع لما أعطيت، و«كلنا لك عبد، اعتراض بين المبتدأ والخبر، ومثل هذا الاعتراض
كثير فى القرآن وأشعار العرب، وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب للاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق،
وتقديره هنا: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت، وكلنا لك عبد، فينبغى لنا أن نقوله. وإنما كان أحق ما قاله العيد،
لما فيه من التفويض إلى الله تعالى والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به، وأن
الخير والشر منه، والحث على الزهادة فى الدنيا، والإقبال على الأعمال الصالحة (لا مانع) من أحد (لما أعطيت) أى
لعبد شيئا من العطاء (ولا معطى) من أحد (لما منعت) أى للشئى الذى منعته من الأشياء، أو من الإعطاء أحد ، وهو
مقتبس من قوله تعالى ( ما يفتح الله للناس. ن رحمة فلا ممسك لهاو ما يمسك فلا مرسل له من بعده - ٣٥: ٢﴾ (ولا ينفع ذا الجد)
المشهور فيه فتح الجيم، ومعناه الحظ، والغنى، والعظمة، والسلطان (منك) (من، بمعنى ((عند، والمعنى: لا ينفع
ذا الحظ فى الدنيا بالمال، والولد، والعظمة، والسلطان ، والغنى منك، أى عندك حظه وغناه ، وإنما ينفعه وينجيه العمل
الصالح. وقيل، المعنى: لا يسلمه من عذابك غناه، أى لا يمنع عظمة الرجل وغناه عذابك إن شئت عذابه. وقيل:
١٩١

مربعة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
رواه مسلم .
٨٨٤ - (١٠) وعن رفاعة بن رافع، قال: كنا نصلى وراء النبى معَّ، فلما رفع رأسه من الركعة،
قال: سمع الله لمن حمده. فقال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. فلما
انصرف قال: من المتكلم آنفا؟ قال: أنا.
((من)، بمعنى بدل أى لا ينفع ذا الحظ والإقبال بدلك - أى بدل طاعتك وتوفيقك - حظه وإقباله. وروى الجد - بالكسر
للجيم - أى لا ينفع ذا الاجتهاد منك جده واجتهاده، وعمله، وإنما ينفعه رحمتك، وفضلك، والقبول منك بعمله. وقد
ضعفت رواية الكسر. والحديث دليل على مشروعية هذا الذكر فى هذا الركن لكل فصل (رواه مسلم) وأخرجه أيضا
أبو داود، والنسائى، وأخرج مسلم ، والنسائى نحوه عن ابن عباس أيضا .
٨٨٤ - قوله (كنا نصلى وراء النبى مَلِّ) أى فى يوم من الأيام. وظاهر السياق يدل على أنه كان فى صلاة الجماعة،
ومن المعلوم أن المعتاد فى الصلاة جماعة هو الفرض لا النفل. ونقل الحافظ فى الفتح أن فى رواية بشر بن عمران
الزهرانى، عن رفاعة بن يحيى: أن تلك الصلاة كانت المغرب، وهى صريحة فى الرد على من زعم أنه التطوع (فلما رفع رأسه)
أى فلما شرع فى رفع رأسه (من الركعة) أى الركوع (قال: سمع الله لمن حمده) وأتمه فى الاعتدال (فقال رجل)
هو رفاعة بن رافع راوى الخبر ، قاله ابن بشكوال ، وبه جزم الحافظ . واستدل على ذلك بما رواه الترمذى وغيره عن
قنية عن رفاعة بن يحي الزرقى عن عم أبيه معاذ بن رفاعة، عن أبيه، قال: صليت خلف النبي مُؤِّ فعطست، فقلت: الحمد لله -
الحديث. قيل : هذا التفسير فيه نظر لاختلاف سياق السبب والقصة. وأجيب: بأنه لا تعارض بينهما لاحتمال أنه وقع
عطاسه عند رفع رأس النبى يَّة، ولم يذكر نفسه فى حديث الباب ، بل كنى عنها لقصد إخفاء عمله وطريق التجريد.
ويجوز أن يكون بعض الرواة نسى اسمه وذكره بلفظ «الرجل، وأما ما عدا ذلك من الاختلاف فلا يتضمن إلا زيادة
لعل الراوى اختصرها، فلا يضر ذلك (وراءه) أى وراء النبى مَّم (ولك الحمد) أى لك النعمة، ولك الحمد (حمدا)
منصوب بفعل مضمردل عليه قوله: لك الحمد (طيا) أى خالصا عن الرياء والسمعة (مباركا فيه) أى كثير الخير. وأما
قوله فى رواية رفاعة بن يحيى عند الترمذى «مباركا عليه)) فالظاهر أنه تأكيد للأول. وقيل: الأول بمعنى الزيادة،
والثانى بمعنى البقاء، وزاد أيضا فى الرواية المذكورة (كما يحب ربنا ويرضى)) وفيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو
الغاية فى القصد (فلما انصرف) أى النبي ◌َّ من صلاته (من المتكلم؟) زاد فى رواية رفاعة بن يحي: فى الصلاة، فلم يتكلم
أحد ، ثم قالها الثانية : من المتكلم فى الصلاة؟ فلم يتكلم أحد ، ثم قالها الثالثة: من المتكلم فى الصلاة ؟ فقال. فاعة بن رافع:
أنا يا رسول الله! قال: كيف قلت؟ فذكره، فقال: والذى نفسى بيده - الحديث (قال: أنا) أى قال الرجل: أنا المتكلم
١٩٢
٣۵.

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول. رواه البخارى.
بذلك، أرجو الخير. فإن قلت: لم أخر رفاعة إجابة الرسول مَّ حتى كرر سؤاله ثلاثا؟ مع وجوب إجابته عليه؛
بل وعلى غيره ممن سمع، فإنه عليه الصلاة والسلام عم السؤال حيث قال: من المتكلم؟ أجيب: بأنه لمالم يعين واحدابعينه لم تتعين
المبادرة بالجواب من المتكلم، ولا من واحد بعينه، وكأنهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحماهم على ذلك خشية أن يبدو فى حقه
شئ، ظنا منهم أنه أخطأ فيما فعل ، ورجوا أن يقع العفو عنه ، ويدل له ما فى رواية سفيان ، عن عبد الجبار ، عن رفاعة
ابن يحي عند ابن قانع: قال رفاعة: فوددت أتى خرجت من مالى، وأنى لم أشهد مع النبى مَّ تلك الصلاة، وكانه مَّه
لما رأى سكوتهم فهم ذلك ، فعرفهم أنه لم يقل بأسا، ويدل لذلك حديث مالك بن ربيعة عند أبي داود: قال: من القائل
الكلمة؟ فإنه لم يقل بأسا، فقال: أنا قلتها، لم أرد بها إلا خيرا. والحكمة فى سؤاله مفع له عمن قال، أن يتعلم السامعون
كلامه فيقولوا مثله (بضعة) بكسر الباء وتاء التأنيث ، وهى من الثلاث إلى تسع (يبتدرونها) أى يسارعون فى كتابة هذه
الكلمات (أيهم) بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره هو قوله ((يكتبها) قاله الطبى وغيره. و((أى، استفهامية، وتعلقت هذه الجملة
الاستفهامية بمحذوف دل عليه (يتدرونها)) والتقدير: يبتدرونها ليعدوا أيهم يكتبها أول. ويجوز فى ((أبهم)، النصب بأن
يقدر المحذوف أى فينظرون أيهم (يكتبها) أى هذه الكلمات، وأى موصولة عند سيويه، والتقدير: يبتدرون الذى هو
يكتبها أول. وأنكر جماعة من البصريين ذلك (أول) مبنى على الضم لأنه ظرف قطع عن الإضافة لفظا لا معنى، أى
أولهم، والمعنى: أن كل واحد منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى لعظم قدرها.
ويروى ((أول)) بالفتح، ويكون حالا وهو غير منصرف. وقال ابن الملك: أول بالنصب هو الأوجه، أى أول مرة.
قال فى المفاتيح: نصبه على الحال أو الظرف. وفى رواية رفاعة بن يحيى عند الترمذى: أيهم يصعد بها ، ولا تعارض بين
الروايتين، لأنه يحمل على أنهم يكتبونها ثم يصعدون بها. وأورد المصنف هذا الحديث فى باب الركوع ليستدل به على
مشروعية الذكر المذكور فيه فى الاعتدال من الركوع، وعلى جواز تطويل الاعتدال ، ورفع الصوت به مالم يشوش على
من معه، لكن لا يتم هذا الاستدلال إلا إذا قيل : إن القصة المذكورة فيه غير قصة العطاس المذكورة فى رواية رفاعة
ابن يحيى عند الترمذى. وأما إذا قيل باتحاد القصة والواقعة كما جزم به الحافظ وابن بشكوال، يكون الذكر المذكور ذكر
العطاس الذى اتفق وقوعه عند رفع الرأس من الركوع، لا ذكر الاعتدال ، ويكون الحديث دليلا على أن العاطس فى
الصلاة بحمد الله بغير كراهة، وأن المتلبس بالصلاة لا يتعين عليه تشميت العاطس (رواه البخارى) وأخرجه أيضا
أبو داود، والنسائى. والعجب أن الحاكم روى حديث رفاعة بن رافع هذا فى مستدركه على الصحيحين ، وهو فى
البخارى، ورجال الحاكم رجاله، إلا أن فى المستدرك من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن مالك، وفى البخارى، عن
التعني ، عن مالك، وقيل : إنه يكفى هذه المغايرة بينهما للاستدراك.
١٩٣

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
الفصل الثانى )
٨٨٥ - (١١) عن أبى مسعود الأنصارى، قال: قال رسول اللّه مَّ: لا تجزئ صلاة الرجل حتى
يقيم ظهره فى الركوع والسجود. رواه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه والدارمى. وقال
الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
٨٨٥ - قوله (عن أبى مسعود الأنصارى) قال ابن سعد فى الطبقات (ج ٦: ص ٩) فى ترجمته: شهد ليلة العقبة
وهو صغير، ولم يشهد بدرا، وشهد أحدا. وفى التهذيب: قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: لم يشهد بدرا ، وهو
قول ابن إسحاق، ونقل عن بعضهم أنه علل نسبة البدرى بأنه نزل ماء ببدر ، فنسب إليه ، ثم رد الحافظ ذلك فى التهذيب
والإصابة بأنه ثبت فى أحاديث صحاح أنه شهد بدرا، وأن هذه الأقوال لا ترد الأحاديث الصحيحة، ولذلك عده
البخارى ومسلم وأبو عبيد والحاكم أبو أحمد فيمن شهد بدرا ، وانظر فتح البارى، كذا فى تعليق الترمذى للشيخ أحمد
محمد شاكر (لا تجزئ) من أجزأ بهمزة فى آخره، أى لا تجوز، ولا تصح، ولا تكنفى (صلاة الرجل) وفى حكمه المرأة
(حتى يقيم) أى يعدل ويسوى (ظهره فى الركوع والسجود) هذا لفظ أبى داود، ولفظ البقية «لا تجزئ صلاة لا يقيم
الرجل فيها صلبه فى الركوع والسجود» قال فى المجمع: أى لا يجوز صلاة من لا يسوى ظاهره فى الركوع والسجود،
والمراد الطمأنينة - انتهى. والحديث دليل على فرضية الطمأنينة فى الركوع والسجود، فإنه نص صريح فى أن من لا
يقيم صلبه فى الركوع والسجود لا تجوز صلاته، وهو المراد بفرضية الطمأنينة فى الركوع والسجود، وإليه ذهب مالك ،
والشافعى وأحمد والجمهور، وهو مذهب أبى يوسف، وهو الحق لحديث الباب، ولحديث المسئى فى صلاته، وقد تقدم.
ولحديث حذيفة وأبي قتادة فى الفصل الثالث. ولحديث أنس المتقدم بلفظ: أقيموا الركوع والسجود. ولحديث على
ابن شيان مرفوعا «يا معشر المسلمين! لا صلاة لمن لا يقيم صلبه فى الركوع والسجود)) أخرجه أحمد وابن ماجه،
وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما. قال فى الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. قال السندى فى حاشية النسائى،
وابن ماجه: المقصود - أى من حديث الباب - الطمأنينة فى الركوع والسجود، ولذلك قال الجمهور بافتراض الطمأنينة
والمشهور من مذهب أبى حنيفة ومحمد عدم الافتراض، لكن نص الطحاوى فى آثاره أن مذهب أبى حنيفة وصاحيه
افتراض الطمأنينة فى الركوع والسجود، وهو أقرب للأحاديث - انتهى. وقد أسلفنا الكلام فيه مفصلا فى شرح
حديث المسئى فى أول صفة الصلاة فتذكر (رواه أبو داود) وسكت عنه (والترمذى والنسائى وابن ماجه والدارمى)
وأخرجه أيضا أحمد (وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح) وقال الشوكانى: إسناده صحيح، ونقل المنذرى كلام
الترمذى وأقره .
١٩٤

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
٨٨٦ - (١٢) وعن عقبة بن عامر، قال: لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) قال رسول اللّه تَبَين:
اجعلوها فى ركوعكم. فلما نزلت (سبح اسم ربك الأعلى) قال رسول اللّه مربى: اجعلوها فى
سجودكم. رواه أبو داود وابن ماجه والدارمى.
٨٨٦٠٠ - قوله (اجعلوها) أى مضمونها ومحصولها (فى ركوعكم) يعنى قولوا: سبحان ربي العظيم (اجعلوها فى
سجودكم) أى قولوا: سبحان ربي الأعلى، كما يدل عليه حديث ابن مسعود، وحديث حذيفة بعد هذا، ففيهما بيان كيفية
هذا الجعل. والحكمة فى تخصيص الركوع بالعظيم ، والسجود بالأعلى، أن السجود لما كان فيه غاية التواضع لما فيه من
وضع الجهة التى هى أشرف الأعضاء على مواطئى الأقدام ، كان أفضل وأبلغ فى التواضع من الركوع، لحسن تخصيصه
بما فيه صيغة أفعل التفضيل وهو الأعلى، بخلاف العظيم، جعلا للأبلغ مع الأبلغ، والمطلق مع المطلق، وأيضا قد صح
(أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» فربما يتوهم قرب المسافة فندب ((سبحان ربي الأعلى، دفعا لذلك التوم،
وأيضا فى السجود غاية انحطاط من العبد فيناسبه أن يصف فيه ربه بالعلو. والحديث يصلح متمسكا للقائلين بوجوب
تسبيح الركوع والسجود، وقد تقدم جواب الجمهور عنه. قال الطبى: الاسم ههنا صلة بدليل أنه عليه السلام كان يقول
فى سجوده: سبحان ربي الأعلى، حذف الاسم، وهذا على قول من زعم أن الاسم غير المسمى، وقيل: الاسم يجوز أن
يكون غير صلة، والمعنى تنزيه اسمه عن أن يبتذل، وأن لا يذكر على وجه التعظيم، قال الرازى: كما يجب تنزيه ذاته عن
النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب. وقال السندى فى حاشية ابن ماجه: قوله
((جعلوها فى ركوعكم، أى اجعلوا التسبيح المستفاد منها، وجاء بيان ذلك التسبيح ((سبحان ربي العظيم)) وهذا يفيد أن لفظ
الاسم فى قوله: ﴿فسبح باسم ربك العظيم - ٥٦: ٧٤ ) مقحم، وكذا قوله ((اجعلوها فى سجودكم)، وقد يقال: بيان الآية
بهذا التسبيح مبنى على أن مفعول ((سبح، محذوف أى سبحه، وقوله ((باسم ربك)) حال، أى حال كونه متلبسا باسمه،
و(«العظيم، هو بيان الاسم، وهذا أقرب إلى تطبيق الآية بالبيان فليفهم، إلا أنه لا يوافق آية السجود - انتهى (رواه
أبو داود، وابن ماجه، والدارمى) وأخرجه أيضا ابن حبان فى صحيحه الحاكم فى مستدركه، وقال صحيح. قال
الذهبى: فى إسناده أياس بن عامر، وليس بالمعروف. وفى تهذيب التهذيب (ج ١: ص ٣٨٩) ومن خط الذهبي فى
تلخيص المستدرك: ليس بالقوى ـ انتهى. قلت: أياس هذا قال العجلى: لا بأس به، وذكره ابن حبان فى الثقات،
وصمح له ابن خزيمة . وقال الحافظ فى التقريب: صدوق. وسكت على حديثه هذا أبو داود، والمنذرى. وقال النووى:
إسناده حسن.
١٩٥

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
٨٨٧ - (١٣) وعن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، قال: قال رسول اللّه مَله: إذا ركع
أحدكم فقال فى ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه. وإذا
سجد فقال فى سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات، فقد تم سجوده، وذلك أدناه.
٨٨٧ - قوله (وعن عون بن عبد اللّه) أى ابن عتبة بن مسعود، ثقة، سمع جماعة من الصحابة ، وكان كثير
الإرسال. وعبدالله بن مسعود عم أبيه (سبحان ربي العظيم) بفتح ياء «ربى)، ويسكن (فقد تم ركوعه) أى كمل (وذلك)
أى المذكور من الذكر (أدناه) فى الموضعين ، أى أدنى التمام، وهذا المعنى هو المتبادر من هذا السوق. قال ابن الملك:
أى أدنى الكمال فى العدد، وأكمله سبع مرات. قال: فالأوسط خمس مرات. وقال الماوردى: إن الكمال إحدى
عشرة، أو تسع، وأوسطه خمس ، ولو سبح مرة حصل التسبيح-انتهى. وقيل: إن الكمال عشر تسبيحات، ويدل عليه
حديث ابن جبير عن أنس فى الفصل الثالث بلفظ ((خزرنا ركوعه عشر تسبيحات، وسجوده عشر تسبيحات)). وقال
ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه: يستحب خمس تسبيحات للإمام. وقال الشوكانى: لا دليل على تقيد الكمال بعدد
معلوم ، بل ينبغى الاستكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة من غير تقييد بعدد ـ انتهى. وسيأتى مزيد الكلام
فى شرح حديث ابن جبير فى الفصل الثالث. وحديث ابن مسعود هذا قد استدل به على استحباب أن لا ينقص الرجل
فى الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات، ويدل عليه أيضا حديث حذيفة: أنه سمع رسول الله مؤ تم يقول إذا ركع
((سبحان ربي العظيم)، ثلاث مرات، وإذا سجد «سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات. أخرجه ابن ماجه، وفى سنده ابن
لهيعة. وحديث أبى بكرة: أن رسول اللّه مَ يتم كان يسبح فى ركوعه ((سبحان ربي العظيم، ثلاثا، وفى سجوده «سبحان
ربي الأعلى، ثلاثا. رواه البزار، والطبرانى فى الكبير. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبى بكرة إلا بهذا الإسناد،
وعبد الرحمن بن أبى بكرة صالح الحديث. وحديث جبير بن مطعم: أن النبى مُبّ كان يقول فى ركوعه ((سبحان ربى
العظيم، ثلاثا، وفى سجوده ((سبحان ربي الأعلى، ثلاثا. رواه البزار، والطبرانى فى الكبير. قال البزار: لا يروى
عن جبير إلا بهذا الإسناد، وعبد العزيز بن عبيد الله صالح، ليس بالقوى. وحديث أبى مالك الأشعرى: أن رسول
الله مَّ صلى، فلما ركع قال «سبحان الله وبحمده، ثلاث مرات، ثم رفع رأسه. رواه الطبرانى فى الكبير. وفيه
شهر بن حوشب، وفيه بعض كلام ، وقد وثقه غير واحد . وحديث عبد الله بن مسعود، قال: إن من السنة أن يقول
الرجل فى ركوعه ((سبحان ربي العظيم)، ثلاثا، وفى سجوده ((سبحان ربي الأعلى، ثلاثا. رواه البزار. وفيه السرى
ابن إسماعيل، وهو ضعيف عند أهل الحديث ، ذكر هذه الأحاديث الهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ٢: ص ١٢٨) وهذه
الأحاديث وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن كلام، إلا أن بعضها يشد بعضا ، وبمجموعها تصلح للاحتجاج بها على
١٩٦

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
رواه الترمذى وأبو داود وابن ماجه. وقال الترمذى: ليس إسناده بمتصل، لأن عونا لم يلق ابن مسعود.
٨٨٨ - (١٤) وعن حذيفة، أنه صلى مع النبى معَّ، وكان يقول فى ركوعه: سبحان ربي العظيم،
وفى سجوده: سبحان ربي الأعلى. وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى على آية عذاب
إلا وقف وتعوذ. رواه الترمذى وأبو داود والدارمى. وروى النسائى وابن ماجه إلى قوله («الأعلى،
ـعيـ
وقال الترمذى: هذا حديث حسن
ذلك المطلوب (رواه الترمذى، وأبو داود، وابن ماجه) وأخرجه أيضا الشافعى (وقال الترمذى: ليس إسناده
يمتصل، لأن عونا لم يلق ابن مسعود) وقال أبو داود: هذا مرسل، أى منقطع، عون لم يدرك عبد الله، وذكره
البخارى فى تاريخه الكبير، وقال: مرسل. والحديث مع انقطاعه، وعدم اتصال سنده، فيه إسحاق بن يزيد الهذلى راويه
عن عون، وهو مجهول، كما صرح به فى التقريب. وقال الشوكانى: قال ابن سيد الناس: لا نعلمه وثق، ولا عرف إلا
برواية ابن أبي ذئب عنه خاصة ، فلم ترتفع عنه الجهالة العينية ولا الحالية.
٨٨٨ - قوله (أنه صلى مع النبي ◌َّ) وفى رواية مسلم: صليت مع النبي ◌ُّم ذات ليلة، فافتح (البقرة)
فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلى بها ركعة، فضى، فقلت: يركع بها، ثم افتح (النساء) فقرأها ، ثم
افتح ( آل عمران) فقرأما، يقرأ مترسلا، إلخ. فظهر بهذه الرواية أن هذه الصلاة التى صلى بها حذيفة معه مَ للّه كانت
صلاة الليل (إلا وقف وسأل) أى الرحمة (إلا وقف وتعوذ) أى بالله من العذاب. قال القارى: حمله أصحابنا
والمالكية على أن صلاته كانت نافلة ، لعدم تجويزهم التعوذ والسؤال أثناء القراءة فى صلاة الفرض، ويمكن حمله على
الجواز لأنه يصح معه الصلاة إجماعا، ويدل عليه ندرة وقوعه - انتهى. قلت: رواية مسلم المتقدمة صريحة فى أن ذلك
كان فى صلاة الليل، ولم نقف على نص يدل صريحا على وقوع ذلك فى صلاة الفريضة (رواه الترمذى، وأبو داود ،
والدارمى) أى الحديث بكماله. وأخرجه أيضا أحمد، وأبو داود الطيالسى، ومسلم فى صحيحه (وروى النسائى، وابن ماجه
إلى قوله: الأعلى) فيه أنه أخرجه النسائى بنحوه مطولا أيضا. قال الجزرى: حديث حذيفة هذا رواه مسلم، والترمذى
والنسائى، وابن ماجه نحوه. وإيراد محى السنة له فى الحسان يدل على أنه ليس فى واحد من الصحيحين لا سيما وقد قال:
صحيح كعادته فى تصحيح ما لم يكن فى واحد منهما ، فكان ينبغى أن يقدمه فى الصحاح لأنه فى صحيح مسلم، كذا نقله ميرك
ولم أجده فى جامع الأصول. ويمكن على بعد أنه حمل حديث حذيفة عند مسلم وحديثه عند الترمذى ، وأبى داود ،
وابن ماجه على قضيتين مختلفتين: الأولى فى صلاة الليل ، والثانية فى الفريضة ، أى ج لهما حديثين مختلفين لا حديثا
واحدا ، وعلى هذا فلا اعتراض عليه فى إيراده لحديث حذيفة الثانى فى الحسان لكونه قد ذكره فى محله، والله أعلم.
١٩٧

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
(الفصل الثالث)﴾
٨٨٩ - (١٥) عن عوف بن مالك، قال: قمت مع رسول اللّه مر، فلما ركع مكث قدر سورة
(البقرة) ويقول فى ركوعه: سبحان ذى الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة. رواه النسائى.
٨٩٠ - (١٦) وعن ابن جبير، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد
رسول اللّه مؤ تم أشبه صلاة بصلاة رسول الله
٨٨٩ - قوله (قت) أى مصليا (مع رسول اللّه مَّ) أى ليلة (فلما ركع مكث) بضم الكاف وفتحها، أى لبث
فى ركوعه. قال فى القاموس: المكث - مثلثا، ويحرك - البث، والفعل كنصر وكرم (قدر سورة البقرة) وفى رواية
أبى داود: قمت مع رسول اللّه مَّ لله؛ فقام؛ فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية
عذاب إلاوقف فتعوذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه. وكذا فى رواية للنسائى (سبحان ذى الجبروت والملكوت) هما مبالغة
الجبر ، وهو القهر، والغلبة. والملك، وهو التصرف، أى صاحب القهر والتصرف البالغ كل منهما غايته (والكبرياء)
من الكبر - بكسر الكاف - وهو العظمة، فيكون على هذا عطفها عليه فى الحديث عطف تفسير ، وقيل: هى عبارة عن
كمال الذات وكمال الوجود قولان، ولا يوصف بها إلا الله تعالى. وقيل: الكبرياء عبارة عن كمال الذات، والعظمة
عن كمال الصفات. وقيل: الكبرياء الترفع والتنزه عن كل نقص، والعظمة تجاوز القدر عن الاحاطة. ويدل على
الفرق بينهما الحديث القدسى فى الصحيح: الكبرياء ردائى، والعظمة إزارى، فمن نازعنى فيهما قصمته. أى كسرته
وأهلكته (والعظمة) زاد أبو داود فى روايته: ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال فى سجوده مثل ذلك، إلخ. ورواية النسائى:
ثم سجد بقدر ركوعه، يقول فى سجوده، إلخ. والحديث يدل على مشروعية هذا الذكر فى الركوع والسجود ، وتطويلهما
بقدر القيام للقراءة، وكان فعله ◌َ ◌ّ فى ذلك مختلفا ، فتارة يمكث فيهما بقدر قيامه للقراءة ؛ فيستوى القيام والركوع
والسجود ، وفى أكثر الأحيان يكون القيام أطول من الركوع والسجود. وقيل: كان إذا طول القيام طول الذكر
فيهما. وكان إذا خفف القيام خفف الذكر فيهما ، والله أعلم (رواه النسائي) أخرج النسائى، هذا الحديث مختصرا
ومطولا، وأخرجه أيضا أحمد، وأبو داود، لكن مطولا فقط. وسكت عنه أبو داود، والمنذرى، وقال الشوكانى:
رجال إسناده ثقات .
٨٩٠ - قوله (وعن ابن جبير) هو سعيد بن جبير - بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون الياء - ابن هشام الآده)
الوالى مولا هم، أبو محمد ، ويقال: أبو عبد الله الكوفى أحد الأعلام، كان فقيها، عابدا، فاضلا، ورعا، إماما، حجة
أ
١٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
من هذا الفتى ـ يعنى عمر بن عبد العزيز- قال، قال: خزرنا ركوعه عشر تسبيحات، وسجوده عشر
تسبيحات. رواه أبو داود، والنسائى.
على المسلمين. قال الحافظ: هو ثقة، ثبت، فقيه، من أوساط التابعين، قتل بين يدى الحجاج فى شعبان سنة خمس
وتسعين بواسط ، ولم يكمل الخمسين، ثم مات الحجاج بعده فى رمضان من السنة المذكورة، ولم يسلط بعده على قتل أحد.
لدعاء سعيد بعد ما قال الحجاج له: اختر يا سعيد! اختر أى قتلة أقتلك؟ قال: اختر لنفسك يا حجاج! والله لا تقتلنى
قلة إلا قتلك الله مثلها فى الآخرة ، إلى آخر ما جرى الكلام بينهما. حتى قال سعيد بعد أن کب على وجهه للذمح وشهد
بالشهادتين: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدى. وقد بسط قصة قتله ابن خلكان فارجع إليه (من هذا الفتى يعنى عمر
ابن عبد العزيز) أى ابن مروان بن الحكم بن العاص الأهوى أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
ولى إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير ، وولى الخلافة بعده، فعد مع الخلفاء الراشدين . مات فى رجب
سنة إحدى ومائة ، وله أربعون سنة. ومدة خلافته سنتان ونصف، كذا فى التقريب. قال ابن حجر: وعمر بن
عبد العزيز أدرك أنسا ، وأخذ عنه، لأنه ولد سنة إحدى وستين ، وأنس توفى سنة إحدى وتسعين (قال) أى ابن جير
(قال) أى أنس (خزرنا) بحاء مهملة ثم زاى معجمة مفتوحتين، ثم راء مهملة، أى قدرنا وخنا (ركوعه) وفى أبى
داود والنسائى ((فى ركوعه)) أى بزيادة ((فى) قبل «ركوعه)) يعنى ١ كوع عمر (عشر تسبيحات) المراد بالتسبيح هنا هو
التسبيح المعروف، أى سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى. قيل: فيه حجة لمن قال: إن كمال التسبيح عشر تسبيحات
فلا يزيد الإمام على هذا القدر، ولا ينقص من ثلاث تسبيحات، كما تقدم. قال الشوكانى: والأصح أن المنفرد يزيد فى
التسبيح ما أراد، وكلما زاد كان أولى. والأحاديث الصحيحة فى تطويله عمرو فهم ناطقة بهذا. وكذلك إذا كان
المؤتمون لا يتأذون بالتطويل - انتهى. قلت: الأولى للامام بل المتعين أن يخفف فى التسبيح فى تمام، أى لا يطول فى
الركوع والسجود ما شاء، وإن كان المؤتمون لا يتأذون بالتطويل؛ لأمره مَّ بالتخفيف مطلقا ، ولأنه لا يدرى ما
يطرأ عليهم. قال ابن عبد البر: ينبغى لكل إمام أن يخفف لأمره مَ ◌ّم، وإن على قوة من خلفه؛ فإنه لا يدرى ما
يحدث عليهم من حادث، وشغل، وعارض، وحاجة، وحدث، وغيره ـ انتهى (رواه أبو داود، والنسائى)
وأخرجه أيضا أحمد. قال الشوكانى: الحديث رجال إسناده كلهم ثقات إلا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان أبو
يزيد الصنعانى، قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائى: ليس به بأس، وليس له عند أبى داود، والنسائى إلا هذا
الحديث - انتهى. قلت: وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال الحافظ فى التقريب: صدوق، وسكت على حديثه أبو
داود، والمنذرى. قلت: وفى سنده أيضا وهب بن مارس وهو مستور كما فى التقريب وذكره ابن حبان فى الثقات.
١٩٩

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٣ - باب الركوع
٨٩١ - (١٧) وعن شقيق، قال: إن حذيفة رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته
دعاه، فقال له حذيفة: ما صليت. قال: وأحسبه قال: ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله
محمدا عبة. رواه البخارى.
٨٩٢ - (١٨) وعن أبى قتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسوأ الناس سرقة
٨٩١ - قوله (عن شقيق) أى ابن سلسة التابعى أبى وائل الكوفى مخضرم ، روى عن الخلفاء، وحذيفة وغيرهم،
اتفقوا على توثيقه وجلالته، وقد تقدم ترجمته أبسط من هذا (رأى رجلا) لم يعرف اسمه لكن عند ابن خزيمة، وابن
حبان أنه كندى (لا يتم ركوعه ولا سجوده) جملة وقعت صفة لرجلا ، وفى رواية عبد الرزاق : جعل ينقر ولا يتم
ركوعه (فلما قضى) أى أدى الرجل (صلاته) الناقصة الركوع والسجود (دعاه) لم أجد هذا اللفظ فى البخارى (فقال)
وفى البخارى: فلما قضى صلاته قال (له) أى للرجل (ما صليت) أى صلاة صحيحة، وما نافية. وقال القسطلانى: نفى
للحقيقة كقوله مروانّ السنى صلاته: فإنك لم تصل. وقال أيضا: نفى عنه الصلاة لأن الكل ينفى بانتفاء الجزء، فانتفاء تمام
الركوع والسجود يلزم منه انتفاء الركوع والسجود المستلزم لانتفاء الصلاة (قال) أى شقيق (وأحسبه) أى أظن حذيفة
(قال) للرجل (ولو مت) أى على هذه الحالة وميم (من)) مضمومة، ويجوز كسرها على لغة من يقول: مات يمات،
.كخاف يخاف. والأصل موت - بكسر العين - كخوف، فجاء مضارعه على يفعل - بفتح العين - فعلى هذه النة
يلزم أن يقال فى الماضى المسند إلى التاء مت، بكسر الميم (مت على غير الفطرة) أى الطريقة، أو السنة، أو الملة
(التى فطر الله) أى خلق عليها (محمداءَّةٍ) الحديث دليل على افتراض الطمأنية فى الركوع والسجود، وعلى أن الإخلال
بها مبطل للصلاة، وعلى تكفير تارك الصلاة، لأن ظاهره أن حذيفة نفى الإسلام عمن أخل بعض أركانها فيكون نفيه
عمن أخل بها كلها أولى، وهذا بناء على أن المراد بالفطرة الدين ، وقد أطلق الكفر على من لم يصل، كما رواه مسلم، وهو
إما على حقيقته عند قوم ، وإما على المبالغة فى الزجر عند آخرين. وقال الخطابي : الفطرة الملة والدين ، أراد بهذا الكلام
توبيخه على سوء فعله ليرتدع فى المستقبل من صلاته عن مثل فعله، ولم يرد به أن تركه لذلك مخرج له من دين الإسلام.
وقد تكون الفطرة بمعنى السنة كما جاء: خمس من الفطرة: السواك - الحديث. قال الحافظ: ويرجحه ورد من وجه
آخر عند البخارى بلفظ «سنة محمد مَّ، وهذه الزيادة تدل على أن حديث حذيفة المذكور مرفوع، لأن ـ ل الصحابى
((سنة محمد مرَّ» يفيد ذلك، وقد مال إليه قوم، وخالفه آخرون، والأول هو الراجح (رواه البخارى) وأخرجه أيضا
أحمد والنساقى .
٨٩٢ - قوله (أسوأ الناس) أى أقبحهم وأشرهم (سرقة) بكسر الراء وتفتح أيضا على ما فى القاموس، وهو
٢٠٠