النص المفهرس
صفحات 101-120
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
٨٢٠ - (٨) وعن أبى هريرة، قال: كان رسول اللّه مع إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة
بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت. هكذا فى صحيح مسلم، وذكره الحميدى فى أفراده. وكذا صاحب
الجامع عن مسلم وحده.
( الفصل الثالث )؟
٨٢٦ - (٩) عن جابر، قال: كان النبى معَيتم إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: إن صلاتي ونسكى
ومحياى ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت
ابن المدينى كما نقله عنه البخارى ، وما ذكر فى هذا الحديث من الاختلاف بين سمرة وعمران فى السكتتين هو حكاية من
الحسن عن سمرة سماعا منه، لا أنه كان حاضرا حين ما جرى بين سمرة وعمران هذا الاختلاف. والحديث قد حسنه
الترمذى. قال الشوكانى: وقد صحيح الترمذى حديث الحسن عن سمرة فى مواضع من سننه، منها حديث: نهى عن
بيع الحيوان بالحيوان نسئة، وحديث: جار الدار أحق بدار الجار، وحديث: لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب اللّه ولا
بالنار، وحديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر، فكان هذا الحديث على مقتضى تصرفه جدیرا بالتصحيح، وقد قال
الدار قطنى: رواة الحديث كلهم ثقات - انتهى. وقيل: إنما حسنه الترمذى للخلاف فى سماع الحسن من سمرة، والله أعلم.
٨٢٥ - قوله (إذا نهض) أى قام (من الركعة الثانية) أى من أجلها (استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين)
المراد السورة المختصة، فلا يدل على أن البسملة ليست منها. قاله الطبي (ولم يسكت) أى للثناء ودعاء الاستفتاح والنعوذ.
قال الشوكانى: الحديث يدل على عدم مشروعية السكتة قبل القراءة فى الركعة الثانية وكذلك عدم مشروعية التعوذ فيها ،
وحكم ما بعدها من الركعات حكمها ، فتكون السكتة قبل القراءة مختصة بالركعة الأولى، وكذلك التعوذ قبلها ، وقد رجح
صاحب الهدى الاقتصار على التعوذ فى الأولى لهذا الحديث واستدل لذلك بأدلة فليراجع (هكذا فى صحيح مسلم، وذكره
الحميدى فى أفراده) أى فى مفردات مسلم ومختصاته (وكذا صاحب الجامع) أى للأصول وهو ابن الأثير (عن مسلم
وحده) فإيراد صاحب المصابيح هذا الحديث فى الفصل الثانى دون الفصل الأول غير مناسب لقاعدته. قال مير ك: والعجب
أن الحاكم أخرجه فى مستدركه (ج ١: ص ٢١٦،٢١٥) وقال: على شرطهما، وأقره الذهبي فلم يستدر كه. قال القارى: لعل
الحاكم رواه بسند غير سند مسلم، وكأن رجاله على شرطها - انتهى. وأخرج النسائى عن أبى هريرة أن النبي مَّه
كانت له سكنة إذا افتح الصلاة، وفيه إشارة إلى أن السكتة إنما هى فى الركعة الأولى عند افتاحها.
٨٧٧ - قوله (إذا استفتح الصلاة كبر) أى التحريمة (ومحياى ومماقى) أى أعو الى فيها (وبذلك) ثى
١٠١
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
وأنا أول المسلمين. اللهم اهدنى لأحسن الأعمال، وأحسن الأخلاق، لا يهدى لأحسنها إلا أنت،
وقنى سيئى الأعمال، وسيى الأخلاق، لا يقى سيئها إلا أنت. رواه النسائى.
٨٢٧ - (١٠) وعن محمد بن مسلمة: أن رسول اللّه ◌َفيم كان إذا قام يصلى تطوعا، قال: الله
أكثر، وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين. وذكر الحديث
مثل حديث جابر، إلا أنه
الإ خلاص (وأنا أول المسلين) كذا فى جميع النسخ الموجودة عندنا. وفى النسائى ((وأنا من المسلمين، وأما ما منا
((أول المسلمين)) فهى رواية الدار قطنى وهى الصواب. قال الطبي: هذا أى «وأنا أول المسلمين» لفظ التنزيل حكاية عن
قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإنما قال ((أول المسلمين)) لأن إسلام كل فى مقدم على إسلام أمته - انتهى. والظاهر من
القرآن أن نبينا عليه الصلاة والسلام مأمور بهذا القول، فإنه تعالى قال له ( قل إن صلاتي ونسكى - ٦: ١٦٢) الآية
لكن كان يقول هذا تارة، و((أنا من المسلمين، أخرى تواضعا حيث عد نفسه واحدا منهم، كما قال: احشرفى فى زمرة
المساكين، قاله القارى (لا يهدى لأحسنها) أى المذكورات من النوعين (وقنى) بكسر القاف، أمر من وقی بقی
(سيئى الأعمال) إلخ. فى العدول عن الأسوء المقابل للأحسن إلى السيئى نكتة لا تخفى (رواه النسائي) وأخرجه أيضا
الدار قطنى (ص ١١٢) وسنده صحيح.
٨٢٧ - قوله (وعن محمد بن مسلمة) بفتح الميم واللام، ابن سلة الأنصارى الحارثى الدوسى، أبو عبد الله المدنى
صحابى مشهور قال ابن عبد البر: كان من أفضل الصحابة، وهو أحد الثلاثة الذين قتلوا كعب بن الأشرف، شهد
المشاهد كلها إلا تبوك، واستخلفه النبى مؤقتة فى بعض غزواته على المدينة، ولم يشهد الجمل ولا صفين. وكان من الذين
أسلموا على يد مصعب بن عمير، وهو أكبر من اسمه محمد من الصحابة، له ستة عشر حديثا، انفرد له البخارى بحديث. مات
بالمدينة سنة (٤٣) وقيل غير ذلك، وهو ابن (٧٧) سنة. وقال ابن شاهين عن ابن أبى داود: قتله أهل الشام لكونه
اعتزل عن معاوية فى حروبه (إذا قام يصلى تطوعا) قال القارى: ظاهره يؤيد مذهبنا المختار أنه يقرأ (بوجهت وجهي،
فى النوافل والسنن. وقال صاحب اللعات: هو دليل على الخصوصية بالتطوع كما هو مذهبنا - انتهى. قلت: قد تقدم
الجواب عن هذا الاستدلال فتذكر. قال شيخنافى أبكار المنن (ص ١١٦): ليس فيه دليل على الخصوصية بالتطوع كيف
وقد ثبت فى أكثر روايات على أنه تمَّه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قال وجهت وجهي، إلخ. وقد تقدم ذكر
هذه الروايات، علا أنه لو كان فى هذا دليل على الخصوصية بالتطوع لكان الدعاء الذى اختاره الحنفية للقرض أيضا
مخصوصا بالتطوع، فإن الترمذى وأباداود قد روياعن أبى سعيد الخدرى، أن النبي ◌َّةٍ كان إذا قام من الليل كبر،
ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك ـ الحديث (وذكر) أى محمد بن مسلمة (الحديث مثل حديث جابر، إلا له) أى محمدا
١٠٢
منقاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
قال: وأنا من المسلمين. ثم قال: اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، سبجانك وبحمدك. ثم يقرأ.
رواه النسائي.
(١٢) باب القراءة فى الصلاة
ج ( الفصل الأول )x
٨٢٨ - (١) عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول اللّه مزي: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
(قال: وأنا من المسلمين) بدل ((وأنا أول المسلمين)) وفيه نظر، لأن النسخ الموجودة عندنا من سنن النسائي من طبعة
الهند ومصر كلها مطبقة على عكس ما ذكره المصنف، فقوله ((وأنا من المسلمين، إنما هو فى حديث جابر، لا فى حديث
محمد بن مسلمة، ولفظ ابن مسلمة ((وأنا أول المسلمين) وهذا عكس ما قال المصنف، ولا أدرى هل وقع الخطأ فى نسخ
سنن النسائى الموجودة الحاضرة عندنا أو زاغ بصر المصنف فأخطأ وسها فى بيان الفرق بين الروايتين، الله أعلم (ثم قال)
أى رسول اللّه تَع (سبحانك وبحمدك) قال فى اللمعات: اعلم أن ((سبحانك)) مصدر مضاف مفعول مطلق النوع أى أسبحك
تسبيحا لائقا بجنابك الأقدس. والباء فى ((بحمدك)) للملابسة، والواو العطف، والتقدير ((وأسبحك تسبيحا متلبسا بحمدك»
فيكون المجموع فى معنى ((سبحان الله والحمد لله)) وهو أظهر الوجوه - انتهى (رواه النسائي).
(باب القراءة فى الصلاة) اعلم أن القراءة فى الصلاة فرض عند جمهور علماء الأمة، فعند الشافعى ومالك وأحمد فى
المشهور ، والصحيح من مذهبه فى كلها ، وعند الحنفية فى الركعتين فقط. والحق ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة كما سيأتى.
ثم الفرض عند الحنفية مطلق القراءة ، والفاتحة ليست بفرض بل هى واجبة، يأثم من يتركها ، وتجزئى الصلاة بدونها ،
وقالت الأئمة الثلاثة بتعيين الفاتحة، فهى فرض عندهم، لا تصح الصلاة بدونها، وهو الحق. قال ابن قدامة فى المغنى
(ج ١: ص ٥٢٨): يجب قراءة الفاتحة فى كل ركعة فى الصحيح من المذهب، وهذا مذهب مالك والأوزاعى والشافعى،
وقال ابن حزم فى المحلى (ج ٣: ص ٢٣٦): وقراءة أم القرآن فرض فى كل ركعة من كل صلاة إماما كان أو مأموم)
أو منفردا، والفرض والتطوع سواء، والرجال والنساء سواء - انتهى.
٨٢٨ - قوله (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) أى فيها كما فى مسند الحميدى ورواية البيهقى والإسماعيلى
وأبي نعيم، وهذا يعين أن المراد قراءة الفاتحة فى نفس الصلاة، وسميت فاتحة الكتاب لأنه يبدأ بكتابتها فى المصاحف، ويبدأ
بقراءتها فى الصلاة، وفاتحة كل شئ مبدأه الذى يفتح به ما بعده، افتح فلان كذا ابتدأ به. قال ابن جرير فى تفسيره (ج ١:
ص ٣٥): وسميت فاتحة الكتاب لأنها يفتح بكتابتها المصاحف ويقرأ بها فى الصلاة فهى فواتح لما يتلوها من سور القرآن
فى الكتابة والقراءة وسميت أم القرآن لتقدمها على سائر سور القرآن غيرما، وتأخر ما سواها خلفها فى القراءة والكتابة .
١٠٣
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
وذلك من معناها شبه بمعنى فاتحة الكتاب ، وإنما قيل لها لكونها كذلك أم القرآن تسمية العرب كل جامع أمرا أو مقدما
لأمر إذا كانت له توابع تتبعه، هو لها إمام جامع أما - انتهى. وقال ابن منظور فى لسان العرب (ج ١: ص ٢٩٧):
وأم الكتاب فاتحة لأنه يبتدأ بها فى كل صلاة، قال: وجاء فى الحديث أن أم الكتاب هى فاتحة الكتاب لأنها هى
المقدمة أمام كل سورة فى جميع الصلوات، وابتدئى بها فى المصحف فقدمت - انتهى. والحديث دليل على أن قراءة
الفاتحة فى الصلاة ركن من أركانها وفرض من فروضها، وأنه لا تصح صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فيها. قال
الشياه ولى الله فى حجته (ج ٢: ص٤) تحت قوله: الأمور التى لا بد منها فى الصلاة: وما ذكره النبي تؤثّ بلفظ الركنية
كقوله ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، وقوله («لا تجرى صلاة الرجل حتى يقيم ظهره فى الركوع والسجود)، وما سمى
الشارع الصلاة به ، فإنه تنبيه بليغ على كونه ركنا فى الصلاة - انتهى. وحديث عبادة هذا رواه الدار قطنى وابن خزيمة
وابن حبان، وغيرهم بإسناد صحيح بلفظ: لا تجزئى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب. وهذه الرواية نص صريح فى
ركنية الفاتحة لا تحتمل تأويلا. وأجاب من قال بعدم فرضية الفاتحة وهم الحنفية عن حديث الباب بأن المراد بالنفى فى
قوله ((لا صلاة)) نفى الكمال، أى لا صلاة كاملة. ورد هذا الجواب بوجهين: الأول: أن رواية الدار قطنى وغيره بلفظ
«لا تجزئى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)) لا تحتمل تأويلا بل هى تبطل تأويلهم هذا إبطالا صريها، لأن النفى فيها فى الاجزاء
أى ذفى الكفاية فلا يصح حملها على الكفاية مع أفى الكمال. والثانى: أن النفى فى قوله ((لا صلاة)) إما أن يراد به نفى الحقيقة، أو نفى الصحة
أو نفى الكمال، فالأول حقيقة والثانى والثالث مجاز، والثانى أعنى نفى الصحبة أقرب المجازين إلى الحقيقة، والثالث أعنى
ففى الكمال أبعدهما ، فحمل النفى على الحقيقة واجب إن أمكن ، وإلا فحمله على أقرب المجازين واجب ومتعين ، ومع
إمكان الحقيقة أو أقرب المجازين ، لا يجوز حمله على أبعد المجازين. قال الشوكانى: الحديث يدل على تعيين الفاتحة فى
الصلاة، وأنه لا يجزئى غيرها، لأن النفى المذكور فى الحديث يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاءها، وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات
وهو الصحة، لا إلى الكمال، لأن الصحة أقرب المجازين، والكمال أبعدهما، والحمل على أقرب المجازين واجب، وتوجه
النفى ههنا إلى الذات ممكن كما قال الحافظ فى الفتح: لأن المراد بالصلاة معناها الشرعى لا اللغوى، لما تقرر من أن ألفاظ
الشارع محمولة على عرفه لكونه بعث لتعريف الشرعيات لالتعريف الموضوعات اللغوية، وإذا كان المنفى الصلاة الشرعية
استقام نفى الذات، لأن المركب كما ينتفى بانتفاء جميع أجزاء، ينتفى بانتفاء بعضها، فلا يحتاج إلى إضمار الصحة ولا
الاجزاء ولا الكمال كما روى عن جماعة، لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة، وهى عدم إمكان انتفاء الذات،
ولو سلم أن المراد هنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه النفي إلى الذات، لأنها قد وجدت فى الخارج كما قاله
البعض، لكان المتعين توجيه النفي إلى الصحة أو الإجزاء لا إلى الكمال، أما أولا فلا ذكرناه، وأما ثانيا ظرواية
١٠٤
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
الدار قطنى المذكورة فى الحديث، فإنها مصرحة بالاجزاء قتعين تقديره - انتهى. وقال الحافظ: إن سلمنا تعذر الحمل
على الحقيقة، فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما، ونفى الاجزاء أقرب إلى نفى الحقيقة
وهو السابق إلى الفهم، ولأنه يستلزم نفى الكمال من غير عكس، فيكون أولى ويؤيده رواية الاسماعيلى بلفظ «لا تجزئى
صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)، وأخرجه الدارقطنى أيضا بهذا اللفظ، وله شاهد من حديث أبى هريرة مرفوعا بهذا
اللفظ أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان وغيرهما. ولأحمد من طريق عبد الله بن سوادة القشيرى، عن رجل ، عن أبيه
مرفوعا: لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن. وقال ابن الهمام فى فتح القدير (ج ١: ص ١٢٠): وفيه أى
فى تقدير( كاملة)، نظر، لأن متعلق المجرور الواقع خبرا استقرار عام، فالحاصل ((لا صلاة كائنة)) وعدم الوجود شرعا
هو عدم الصحة هذا هو الأصل، بخلاف ((لا صلاة الجار المسجد إلا فى المسجد، إلخ. و((لا صلاة العبد الآبق، فإن قيام
الدليل على الصحة أوجب كون المراد كونا خاصا أى كاملة ، وعلى هذا فيكون من حذف الخبر لا من وقوع الجار
والمجرور خبرا، فإذا عدل المصنف عنه إلى الظنية فى الثبوت، وبه لا يثبت الركن ، لأن لازمه نسخ الاطلاق بخبر
الواحد ، وهو يستلزم تقديم الظنى على القاطع، وهو لا يحل، فيثبت به الوجوب، فيأثم بترك الفاتحة ولا تفسد ـ انتهى
وقال الشيخ الألوسى فى تفسيره روح المعانى (ج ٩: ص ٢١٠): ومنها قوله مرّة ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) وهو
ظاهر فى المقصود. إذ التقدير ((لاصلاة صحيحة إلا بها)، واعترض بجواز أن يكون التقدير ((لا صلاة كاملة)) فإنه لما امتنع
ففى مسمى الصلاة لثبوته دون الفاتحة لم يكن بد من صرفه إلى حكم من أحكامها، وليس الصرف إلى الصحة أولى من الصرف إلى انكال.
وأجيب بأنا لا نسلم امتناع دخول النفى على مسماها، لأن الفاتحة إذا كانت جزأ من ماهية الصلاة تذفى الماهية عند عدم قراءتها
فيصح دخوله على مسماها، وإنما يمتنع لو ثبت أنها ليست جزأ منها، وهو أول المسئلة سلمناه لكن لا نسلم أن صرفه إلى الصحة
ليس أولى من صرفه إلى الكمال، بل هو أولى، لأن الحمل على المجاز الأقرب عند تعذر الحمل على الحقيقة أولى بل واجب بالاجماع،
ولا شك أن الموجود الذى لا يكون صحيحا أقرب إلى المعدوم من الموجود الذى لا يكون كاملا - انتهى. وقال الشيخ أبو الحسن
السندى فى حاشية النسائى (ج ٢: ص ١٣٧) وابن ماجه (ج ١: ص ٢٧٧): ثم قد قرروا أن النفى لا يعقل إلا مع
نسبته بين أمرين فيقتضى نفى الجنس أمرا مستندا إلى الجنس ليستقل النفى مع نسبته فإن كان ذلك الأمر مذكورافى الكلام فذلك،
وإلا يقدر من الأمور العامة كالكون والوجود، وأما الكمال فقد حقق الكمال ضعفه لأنه مخالف لا يصار إليه إلا بدليل ،
والوجود فى كلام الشارع يحمل على الوجود الشرعى دون الحسى ، فمؤدى الحديث ففى الوجود الشرعى للصلاة التى
لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فتعين نفى الصحة، وما قاله أصحابنا: أنه من أحاديث الآحاد وهو ظنى لا يفيد العلم، وإنما يوجب
الفعل فلا يلزم منه الافتراض، ففيه أنه يكفى فى المطلوب أنه يوجب العمل بمدلوله لا بشتى آخر، ومدلوله عدم صحة صلاةلم يقرأ فيها
١٠٥
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
بفاتحة الكتاب ، فوجوب العمل به يوجب القول بفساد تلك الصلاة وهو المطلوب، فالحق أن الحديث يفيد بطلان الصلاة
إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب - انتهى. واعلم أنه قد تأول بعض الحنفية رواية الدار قطنى المذكورة بأن المراد نفى الاجزاء الكاملة.
قال القارى: هو محمول على الاجزاء الكاملة. وقال الشيخ محمد أنور: لم لا يجوز أن يكون المراد من نفى الإجزاء ففى كمال الاجزاءكما فى
قوله: ما أجز أ منا اليوم أحدكما أجز أفلان. عند البخارى فى الجهاد وفى المغازى من حديث سهل بن سعد قال: ليجعله نظير القوله مر ضه:
لا تجزئى صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب. قلت: حمل الاجزاء فى رواية الدار قطنى على الاجزاء الكامل تحكم صريح، وإدعاء
محض، وتعصب بحت، بل هو تحريف للحديث، لأنه ليس بعدالا جزاء إلا البطلان فلا يجوز حمله على نفي كمال الا جزاء، ولا يصح أن
يجعل قول القائل «ما أجزأ منا اليوم أحد، إلخ. فى حديث سهل نظيرا لما فى رواية الدار قطنى، لأن قوله (كما أجزأ فلان))
قرينة صريحة على أن المراد بنى الاجزاء فيه ننى اجزاء مخصوص، أى إجراء يشبه إجزاء فلان، لا نفى الاجزاء رأسا، بخلاف
رواية الدار قطنى فإنه ليس فيها شئ يشير إلى حمله على الاجزاء المخصوص، بل فيها نفى الاجزاء مطلقا من غير تقييدو تخصيص
تحمله على الاجزاء الكامل تحكم محض ليس عليه أثارة من على فهو مردود على قاتله. تنبيه: قد تقدم أن مذهب الحنفية أن قراءة الفاتحة
ليست بفرض بل هى واجبة. قالوا: الفرض عندنا مطلق القرآن لقوله تعالى ﴿فاقرؤ اما تيسر من القرآن -٧٣: ٢٠) فقد أمر الله تعالى
بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقا وتقيده بالفاتحة بالسنة زيادة على النص القرآنى، وذا لا يجوز لأنه نسخ فعملنا بالكتاب والسنة فقلنا:
إن أدنى ما يطلق عليه القرآن فرض لكونه مأمورا به، وقراءة الفاتحة واجبة يأثم من يتركها، وتجزئى الصلاة بدونها ولا تفسد.
وأجاب عنه شيخنا فى شرح الترمذى: بأن إثبات فرضية مطلق القرآن بهذه الآية مبنى على أن المراد من قوله تعالى ((فاقرؤا) قراءة
القرآن بعينها وهو ليس بمتفق عليه بل فيه قولان. قال الرازى فى تفسيره (ج ٨ ص ٣٤٥): فيه قولان: الأول أن
المراد من هذه القراءة الصلاة، أى فصلوا ما تيسر عليكم. والقول الثانى أن المراد قراءة القرآن بعينها - انتهى. وهكذا
فى عامة كتب التفسير، والقول الثانى فيه بعد عن مقتضى السياق. قال الشيخ الألوسى البغدادى فى تفسيره (ج ٩:
ص ٢٠٩): أى فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها . وقيل: الكلام
على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها ، وفيه بعد عن مقتضى السياق - انتهى كلامه. فلما ظهر أن فى قوله تعالى
﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن - ٧٣: ٢٠) القولين المذكورين، وأن القول الثانى فيه بعد، لاح لك أن الاستدلال به على
فرضية مطلق القراءة غير صحيح، ولو سلمنا أن المراد هو القول الثانى أعنى قراءة القرآن بعينها فحديث الباب مشهور بل
متواتر، قال الإمام البخارى فى جزء القراءة (ص٤): تواتر الخبر عن رسول اللّه مؤ فقال: لا صلاة إلا بقراءة أم القرآن.
والزيادة بالحديث المشهور جائز عند الحنفية. علا أن قوله تعالى ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن) عام مخصوص منه
البعض فهو ظنى، فلا يدل على فرضية مطلق القراءة، ويجوز تخصيصه ولو بالآحاد. قال الملا جيون فى تفسيره ():
١٠٦
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
ثم أقل القراءة فرضا عندنا آية واحدة طويلة كآية الكرسى وغيرها ، أو ثلاث آيات قصيرة كمدها متان ، وهذا هو
الأصح. وقيل: إنه واحدة ، طويلة كانت أو قصيرة ، وذلك مما لا يعتد به ، ينادى عليه كتب الفقه. وعلى كل تقدير
يكون ما دون الآية مخصوصا من هذا العام، فيكون العام ظنيا، فينبغى أن لا يدل على فرضية القراءة ، وأن يعارضه
الحديث حجة الشافعى - انتهى كلامه. وأما ما قيل: من أن ما دون الآية لا يسمى قراءة القرآن عرفا، والعرف قاض
على الحقيقة اللغوية فهذا دعوى لا دليل عليها، ويلزم أن يكون (مدهامتان - ٥٥: ٦٤) التى هى كلمة واحدة قراءة
القرآن، ولا يكون أكثر آية المداينة التى هى كلمات كثيرة قراءة القرآن، وهذا كما ترى، وأيضا يلزم منها أنه لو قرأ أحد
نصف آية المداينة فى الصلاة لا تجوز، وعامة الحنفية على جوازها. قال ابن الهمام فى فتح القدير: ولو قرأ نصف آية
المداينة قيل : لا يجوزلعدم الآية، وعامتهم على الجواز - انتهى. قلت: وقد رد أيضا الشيخ محمد أنور استدلال الحنفية
بقوله ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن) على فرضية مطلق القرآن حيث قال: ما زعمه الحنفية من أن المراد من
النص أى قوله تعالى ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ القراءة مطلقا ولو بآية مرجوح، لأن المراد منه ما تفعله الأمة الآن
أى الفاتحة مع السورة وإلا يلزم حمل القرآن على الكراهة ودرجها فى النظم ، نعم كون هذا المراد مرادا بالنص ظنى،
ولذا كانت قراءة الفاتحة مع السورة واجبة. وقال: إن الله تعالى لما علم الاستثقال عليهم فى القيام بالليل رخص لهم أن
لا يطولوه كما كانوا يفعلونه فى الليل كله أو أكثره ، بل لهم أن يقوموه حسب ما تيسر لهم فهذا تيسير فى حصص الليل لا
فى الفاتحة كما فهموه - انتهى. تنبيه آخر: قد استدل بحديث عبادة على فرضية قراءة الفاتحة على المقتدى، وهو استدلال
صحيح لأن لفظ ((من) فيه من ألفاظ العموم فهو شامل للأموم قطعا كما هو شامل للإمام والمنفرد، ولم يرد دليل على
تخصيصه بمصل دون مصل. قال ابن عبد البر فى التمهيد: وقال آخرون: لا يترك أحد من المأمومين قراءة فاتحة
الكتاب فيما جهر الإمام بالقرأة، لأن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، عام
لا يخصه شئى، لأن رسول الله مر ضه لم يخص بقوله ذلك مصليا من مصل - انتهى. وقال الكرمانى فى شرح صحيح البخارى:
وفى الحديث دليل على أن قراءة الفاتحة واجبة على الامام والمنفرد والمأموم فى الصلوات كلها - انتهى. ولأن لفظ صلاة
فى قوله ((لا صلاة)) عام فيشمل كل صلاة فرضا كان أو نفلا، سرية كانت أو جهرية، صلاة الامام كانت أو صلاة
المأموم أو صلاة المنفرد. قال الحافظ فى الفتح تحت حديث عبادة: واستدل به على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم سواء
أسر الإمام أم جهر، لأن صلاته صلاة حقيقة فتنتفى عند انتفاء القراءة - انتهى. وتخصيص من خص هذا الحديث
بالامام والمنفرد ما لا يلتفت إليه، لأنه لا دليل على هذا التخصيص لا من كتاب ولا من سنة، وقول رسول اللّه مؤلفه
لا يخص إلا بدليل من الكتاب والسنة ، ولا يجوز تخصيصه بقول أحد كائنا من كان. قال الخطابي بعد ذكر ما رواه
أبوداود عن عبادة يبلغ به النبى معَّم قال لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا. قال سفيان لمن يصلى وحده
١٠٧
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
متفق عليه. وفى رواية لمسلم: لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدا.
ما لفظه: قلت هذا عموم لا يجوز تخصيصه إلا بدليل - انتهى. وقيل: أراد سفيان بذلك قوله ((فصاعدا، كانه خص
ما يفهم منه من قراءة ما زاد على الفاتحة بالفذ والمنفرد، ويؤيده الأحاديث التى فيها المنع للأنوم من قراءة غير الفاتحة .
وأما الاستدلال على التخصيص بقوله تعالى ﴿ إِذا قرى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا - ٧: ٢٠٤ ) وبقوله عليه السلام:
وإذا قرى فأنصتوا، وبما روى (من كان له إمام فإن قراءته له قراءة)، فسيأتى الجواب عنه (متفق عليه) وأخرجه أيضا
أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم. وأخرجه البيهقى فى كتاب القراءة بلفظ ((لا صلاة لمن لم يقرأ
بفاتحة الكتاب خلف الإمام، قال: إسناده صحيح، والزيادة التى فيه صحيحة مشهورة من أوجه كثيرة (وفى رواية لمسلم)
والنسائى من طريق معمر عن الزهرى (لمن لم يقرأ بأم القرآن) سميت بها لكونها أصلا ومنشأ له، إما لمبدئيتها له وإما لاشتمالها
على ما فيه من الثناء على الله عز وجل والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده ، أو على جملة معانيه من الحكم النظرية
والأحكام العملية (فصاعدا) من الصعود وهو الارتفاع من سفل إلى على، والصاعد اسم فاعل منه، ومعنى الصاعد هنا
الزائد، وهو منصوب على الحال بفعل واجب الإضمار، أى فصعد القراءة صاعدا، يقال: أخذته بدرهم فصاعدا ، نصب
صاعدا فى قولهم هذا على الحال، وحذف صاحب الحال والعامل فيه تخفيفا لكثرة الاستعمال، والتقدير: أخذته بدرهم
فذهب الثمن صاعدا ، فالثمن صاحب الحال، والفعل الذى هو «ذهب» العامل فى الحال. قال فى الحاشية العصامية على
الفوائد الضيائية: قوله: ويجب حذف العامل، إلخ. وكذا فى حال تبين ازدياد ثمن أو غيره مما دخله الفاء أو ثم نحو: بعته
بدرهم فصاعدا، وقرأت جزأ من القرآن فصاعدا ، أى فذهب القراءة فى الصعود يعنى ذهبت القراءة زائدة، وبنحوه ذكر
الرضى فى شرح الكافية (ص١٥٣) وسيبويه فى الكتاب (ج ١: ص ١٤٧) واهذا اللفظ لا يتغير سواء كان حالا من
مذكر أو مؤنث، وتقدير الكلام: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فقط أو بأم القرآن فى حال كون قراءته زائدة على أم
القرآن. والمراد أن أقل ما تجزى به الصلاة وأدنى ما يترتب عليه الجواز الفاتحة فإن زاد فهو حسن. وقيل: صاعدا
صفة وقعت مقام المصدر كما تقول: قم قائما، وقع قائما موضع قياما، وعلى هذا فصاعدا منصوب على أنه مفعول مطلق
لفعل مقدر أى اصعد صاعدا، أى إلى ما عدا أم القرآن، يعنى اقرأ قراءة زائدة على الفاتحة لكن الأمر بقراءة ما زاد
على الفاتحة ليس للوجوب لما سيأتى من الأحاديث الدالة على عدم وجوب ما زاد ، والفاء فى هذه الصورة زائدة لكنها
لازمة لأنه لم ترد هذه الكلمة فى لغة العرب إلا بالفاء أو ثم، وفى الصورة الأولى عاطفة، والعطف لا يقتضى التشريك من
كل الوجوه فهو من عطف غير الواجب على الواجب، والمقصود حصر صحة الصلاة فى الفاتحة سواء كان معهاسورة أخرى أولا.
وقبل تقديرِ الكلام فما كان صاعدافهو أحسن وعلى هذا (صاعدا)) خبر لكان المحذوف. قال بعض الحنفية: قوله ((فصاعدا)»
يغيلى على أن تراءة ما زاد على الفاتحة من السورة واجبة فى الصلاة، وعند الجمهور ليس هذا الحكم إلا لمن كان إماما أو يصلى
وحده ، لا على المأموم. فكذلك يحمل حكم قراءة الفاتحة عليه الاعلى المأموم، ويؤيده ما روى أحمد وغيره عن أبى هريرة أن
١٠٨
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
النبي ◌َّ أمره أن يخرج فينادى: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وما زاد. وأخرج أبوداود وغيره عن أبى
سعيد، قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر - انتهى. قلت: الاستدلال بقوله ((فصاعدا، على وجوب ما زاد
على الفاتحة وجعله قرينة لحمل قوله ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) على الإمام والمنفرد خاصة دون
المقتدى، ليس بصحيح، فإن هذه الزيادة معلولة. قال فى التلخيص (ص٨٧): قال ابن حبان: تفرد بها معمر عن الزهرى
وأعلها البخارى فى جزء القراءة - انتهى. قلت: قال البخارى فى جزء القراءة (ص ٢): عامة الثقات لم يتابع معمرا فى
قوله ((فصاعدا)) وقوله («فصاعدا)) غير معروف. ويقال: إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرا، وأن عبد الرحمن ربما
روى عن الزهرى ثم أدخل بينه وبين الزهرى غيره ، ولا نعلم أن هذامن صحیح حديثه أم لا. وقال (ص ١٧) : وليس
هذا يعنى عبد الرحمن بن إسحاق من يعتمد على حفظه إذا خالف من ليس بدونه ، وقال إسماعيل بن إبراهيم: سألت أهل
المدينة عن عبد الرحمن فلم يحمد مع أنه لا يعرف له بالمدينة تلميذ إلا أن موسى الزمعى روى عنه أشياء فى عدة منها
اضطراب - انتهى. وأما ما ذكر من متابعة سفيان بن عيينة عن الزهرى عند أبي داود ، ففيه أن هذا الحديث من هذا
الطريق أعنى من طريق سفيان بن عيينة عن الزهرى أخرجها البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه والدار قطنى
وابن أبي شيبة وأبو عوانة وغيرهم ، لكن ليس فى رواية واحد منهم هذه الزيادة، وأيضاً قد روى البخارى فى جزء
القراءة حديث عبادة من طريق سفيان ، ثم ذكر زيادة معمر هذه وقال: عامة الثقات لم يتابع معمرا فى قوله «فصاعدا)
فهذا يدل على أن هذه الزيادة لم يعرفها البخارى فى رواية سفيان، فالظاهر أن زيادة قوله ((فصاعدا) فى رواية سفيان وهم
من أبى داود أومن فوقه بأن أدرج زيادة معمر فى رواية سفيان، ولا بعد فيه فإن الثقة قد يهم. وأما ما قيل من أن زيادة
قوله ((فصاعدا)) زيادة ثقة غير منافية لمن هو أوثق منه فتقبل، ففيه أن قبول الزيادة من الثقة ليس مجمعا عليه بل فيه خلاف
مشهور، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقا، ومنهم من لا يقبلها. قال الزيلعى فى نصب الراية (ج ١: ص ٣٣٦):
والصحيح التفصيل وهو أنها تقبل فى موضع دون موضع، ومن حكم فى ذلك حكما عاما فقد غلط ، بل كل زيادة لها حكم
يخصها ، ففى موضع يجزم بصحتها ، وفى موضع يغلب على الظن صحتها ، وفى موضع يجزم بخطأها كزيادة معمر ومن وافقه
قوله ((وإن كان مائعا فلا تقربوه، وإن كان معمر ثقة، فإن الثقة قد يغلط ، وفى موضع يغلب على الظن خطأها كزيادة
معمر فى حديث ماعز الصلاة عليه رواما البخارى فى صحيحه، وسئل هل رواها غير معمر؟ فقال: لا. وقد رواه
أصحاب السنن الأربعة عن معمر: وقال فيه «ولم يصل عليه)) فقد اختلف على معمر فى ذلك، والراوى عن معمر هو
عبد الرزاق، وقد اختلف عليه أيضا، والصواب أنه قال: ((ولم يصل عليه)). وفى موضع يتوقف فى الزيادة كما فى
أحاديث كثيرة - انتهى كلام الزيلعى مختصرا. وما يجب التنبه عليه أن الاطلاع على وهم الثقة وخطأه، والحكم بكون
١٠٩
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
الزيادة من الثقة صحيحة فى موضع ، وخطأ ووهما فى موضع، وكذا التوقف فى أمرها فى موضع، ليس إلا من شأن
البخارى وأمثاله من رزقهم الله فهما ثاقبا، وحفظا واسعا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة ، وملكة قوية بالأسانيد والمتون،
فلا يقبل فى ذلك إلا قول البخارى، ومن كان من أهل هذا الشأن كعلى بن المدينى، وأحمد بن حنبل ، وأبى زرعة ،
والدار قطنى وأبى حاتم وأمثالهم. وإذا كان الأمر كذلك فكون زيادة قوله ((فصاعدا، معلولة غير صحيحة، هو الراجح
بل هو المتعين. ولو سلم صحتها فليست فيها دلالة على أن قراءة ما زاد على الفاتحة واجبة. قال الحافظ فى الفتح: استدل
به على وجوب قدر زائد، وتعقب بأنه ورد لدفع توم قصر الحكم على الفاتحة. قال البخارى فى جزء القراءة: هو نظير
قوله: تقطع اليد فى ربع دينار فصاعدا - انتهى. يعنى أن قوله «فصاعدا) لبيان أدنى ما يترتب عليه الحكم مع شموله
على فائدة أخرى وهى دفع توهم قصر الحكم على ما قبله، فكما أن ربع الدينار أدنى ما تقطع به اليد كذلك قراءة الفاتحة
أدنى ما تجزئ به الصلاة ، ولا يقتصر حكم صحة الصلاة على الفاتحة ، بل تصح الصلاة فى صورة الزيادة على القائمة أيضا.
وقال المظهر: قوله ((فصاعدا) أى فزائدا، وهو منصوب على الحال أى لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فقط ، أو بأم
القرآن حال كون قراءته زائدة على أم القرآن - انتهى. وهذا يدل على أنه فهم منه التخيير فيما زاد على الفاتحة. وقال
الشيخ عبد الحق الدهلوى فى أشعة اللعات فى تفسير قوله ((فصاعدا)): يس بخواند فوق فاتحه وزياده برآن، يعنى فاتحه
البته می باید خواند ، ومقتصر بر فاتحه هم نيست ، وا گر چیزے زياده كند نيز درست است - انتهى. وقال السندى
فى حاشية النسائى : لعلهم أى الذين ذهبوا إلى عدم وجوب ما زاد على الفاتحة يحملونه على معنى «فما كان صاعدا نهو
أحسن، والله أعلم. وقال صاحب العرف الشذى (ص ١٤٥): زعم الأحناف مراد الحديث وجوب الفاتحةووجوب ضم
السورة، ولكنه يخالف اللغة، فإن أرباب اللغة متفقون على أن ما بعدالغاء يكون غیر ضروری وصرح به سيبويه فى باب
الإضافة - انتهى. وما يدل على كون قوله ((فصاعدا، لدفع توهم قصر الحكم وعدم وجوب ما زاد، ما روى ابن أبى شيبة
عن عائشة مرفوعا ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدا). وعن عمران بن حصين قال ((لا يجوز صلاة
لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدا،. وروى ابن عدى عن ابن عمر «لا تجزئ المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب
وثلاث آيات فصاعدا، كذا فى كنز العمال (ج ٤: ص ٩٦) وهذه الروايات وإن كانت ضعيفة لكنها تؤيد ما تقدم
من أن قوله «فصاعداء لدفع توهم قصر الحكم على ما قبله وأنه ليس فيه دلالة على وجوب ما زاد على الفاتحة. وأما
حديث أبى هريرة بلفظ ((لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وما زاد)) فهو ضعيف ، فإن مداره على جعفر بن ميمون،
وقال أحمد فيه: ليس بقوى فى الحديث. وقال ابن معين: ليس بذاك. وقال النسائى: ليس بثقة. وقال البخارى:
لیس بشى. وذكره يعقوب بن سفيان فى باب من يرغب عن الرواية عنهم. وقال العقيلى فى روايته عن أبى عثمان ،
١١٠
منعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
٨٢٩ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَلّى: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن
فھی خداج
عن أبى هريرة فى الفاتحة: لا يتابع عليه. وأما حديث أبى سعيد بلفظ ((أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر)) فقد
صمح الحافظ سنده فى الفتح والتلخيص لكن فيه نظر ، لأن فيهقادة وهو مدلس، وهو روى الحديث عن أبى نضرة
بالعنعنة، فإن كان روايته عنه عند غير أبى داود بالتحديث فهى صحيحة، وإلا ففى صحتها نظر. قال البخارى فى جزء القراءة:
روى همام ، عن قتادة ، عن أبى نضرة ، عن أبى سعيد، قال: أمرنا نبينا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ، ولم يذكر
قادة سماعا من أبى نضرة فى هذا - انتهى. وأيضا قد عارض حديث أبى هريرة وأبى سعيد ما رواه الحاكم عن عبادة
مرفوعا: أم القرآن عرض عن غيرها وليس غيرها عوضا منها. ذكره الحافظ فى التلخيص. قال: وله شواهد
فساقها. وما رواه ابن خزيمة عن ابن عباس أن النبي ◌َّم قام فصلى ركعتين، لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب. ذكره
الحافظ فى الفتح. وما رواه البخارى فى صحيحه عن أبى هريرة يقول: فى كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله مؤ ليه
أسمعنا كم وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير - انتهى. وعلى هذا فلا
يصح الاستدلال بقوله ((وما زاد وما تيسر)) على وجوب قراءة ما زاد على الفاتحة، ولا يكون هو قرينة لحمل حكم قراءة
الفاتحة للإمام والمنفرد دون المقتدى. واعلم أن ضم السورة مع الفاتحة ليس بواجب عند الجمهور بل هو مستحب.
قال الشيخ سلام الله الدهلوى فى المحلى شرح المؤطا: قال الجمهور: إن ضم السورة بعد الفاتحة سنة، وبه قال الشافعى،
ومالك، وأحمد - انتهى. وقال الحافظ فى الفتح: وفيه (أى فى حديث أبى هريرة: وإن لم تزد على أم القرآن أجرأت، إلخ)
استحباب السورة أو الآيات مع الفاتحة، وهو قول الجمهور فى الصبح والجمعة والأوليين من غيرهما ، وصح إيجاب ذلك.
عن بعض الصحابة وهو عثمان بن أبي العاص، إلخ، وبهذا ظهر أن ما تقدم من بعض الحنفية نسبة القول بوجوب ما زاد
على الفاتحة من السورة إلى الجمهور ليس بصحيح.
٨٢٩ - قوله (من صلى) إماما كان، أو مأموما، أو منفردا (صلاة) جهرية كانت أو سرية، فريضة أو نافلة
(لم يقرأ فيها بأم القرآن) أى فاتحة الكتاب (نهى) أى صلاته (خداج) بكسر الخاء المعجمة، أى ناقص نقص فساد
وبطلان. قال المناوى فى شرح الجامع الصغير: أى ذات خداج - بكسر الخاء - مصدر خدجت الناقة إذا ألقت
ولدها ناقصا فلا تصح، فاستمير الناقص، أى فصلاته ذات نقصان، أو خديجة، أى ناقصة نقص فساد وبطلان - انتهى.
وقال العزيزى: فهى خداج - بكسر المعجمة - أى فصلاته ذات نقصان نقص فساد وبطلان، فلا تصح الصلاة بدونها ولو
لمقتد عند الشافعى وجمهور العلماء. وقال الزمخشرى فى أساس البلاغة: ومن المجاز خدج الرجل فهو خادج إذا نقص
عضو منه، وأخرجه الله فهو مخدج، وكان ذو الثدية مخدج اليد ، وأخدج صلاته نقص بعض أركانها ، وصلاتى مخدجة
١١١٠
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
- ثلاثا - غير تمام. فقيل لأبى هريرة: إنا نكون وراء الإمام. قال: اقرأ بها فى نفسك،
وخادجة وخداج وصفا بالمصدر - انتهى. وقال الخطابى فى معالم السنن (ج ١: ص ٢٠٣): فهى خداج معناه ناقصة
نقص فساد وبطلان، تقول العرب: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها وهودم لم يستبن خلقه فهى مخدج، والخداج اسم مبنى
منه - انتهى. وقال البخارى فى جزء القراءة: قال أبو عبيد: أخدجت الناقة إذا أسقطت، والسقط ميت لا ينفع به -
انتهى. وقال الجزرى: الخداج النقصان ، يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق ،
وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان لتمام الحمل - انتهى. وقال جماعة من أهل اللغة: خدجت ( كنصر
وضرب) وأخدجت إذا ألقت ولدها قبل أوانه لغير تمام أيام الجمل وإن كان تام الخلق. قلت: والمراد من إلقاء الناقة
ولدها لغير تمام الحمل وإن تم خلقه إسقاطها، والسقط ميت لا ينتفع به كما عرفت، فظهر من هذا كله أن المراد من قوله
((خداج)) نقصان الذات أعنى نقصان الفساد والبطلان، ويدل عليه ما رواه البيهقى فى كتاب القراءة عن أبى هريرة مرفوعا:
لا يجزئى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، قلت: فإن كنت خلف الامام؟ قال: فأخذ بيدى وقال : اقرأ فى
نفسك يا فارسى !. قال البيهقى: رواه ابن خزيمة عن محمد بن يحى محتجابه على أن قوله فى سائر الروايات («فهى خداج)»
المراد به النقصان الذى لا تجزئى معه - انتهى. قال ابن عبد البر فى الاستذكار: فى حديث أبى هريرة هذا من الفقه
إيجاب القراءة بالفاتحة فى كل صلاة، وأن الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهى خداج، والخداج النقصان
والفساد، من ذلك قولهم أخدجت الناقة إذا ولدت قبل تمام وقتها وقبل تمام الخلقة، وذلك نتاج فاسد. وقال الأخفش:
خدجت الناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام ، وأخرجت إذا قذفت به قبل وقت الولادة وإن كان تام الخلق، وقد زعم من
لم يوجب قراءة الفاتحة فى الصلاة: أن قوله ((خداج)» يدل على جواز الصلاة لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة،
وهذا تحكم فاسد ، والنظر يوجب فى النقصان أن لا تجوز معه الصلاة لأنها صلاة لم تتم ، ومن خرج من صلاته قبل أن
يتمها فعليه إعادتها تامة كما أمر ، ومن ادعى أنها تجوز مع إقراره بنقصها فعليه الدليل ولا سبيل له إليه من وجه يلزم -
انتهى (ثلاثا) أى قالها ثلاثا (غير تمام) بيان خداج أو بدل منه، وقيل تأكيد. قال الزرقانى: فهو حجة قوية على
وجوب قراءتها فى كل صلاة - انتهى. قلت: قوله غير تمام يدل على تعين الفاتحة فى الصلاة، وأنها لا يجزئ غيرها، ولا
يقوم مقامها قراءة غيرها من القرآن لأن لفظ التمام يستعمل فى الاجزاء، ويطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تم
الحقيقة إلا به ، ففيه دليل على كون الفاتحة من أجزاء الصلاة وأركانها (فقيل لأبى هريرة) القائل هو أبو السائب
عبد الله بن السائب الأنصارى الراوى للحديث عن أبى هريرة ففى رواية قال أى أبو السائب: قلت: يأبا هريرة!
(إنما تكون وراء الامام) أى فهل نقرأ أم لا؟ (اقرأ بها فى نفسك) أى سرا غير جهر، قاله القارى. وقال الباجى:
أى بتحريك اللسان بالتكلم وإن لم يسمع نفسه. رواه سخون عن ابن القاسم، قال: ولو أسمع نفسه يسيرا لكان أحب
١١٢
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
فإنى سمعت رسول اللّه مَ ◌ّ يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة
إلى - انتهى. وقال البيهقى فى كتاب القراءة (ص ١٧): المراد بقوله: «اقرأ بها فى نفسك)) أن يتلفظ بها سرادون
الجهربها ، ولا يجوز حمله على ذكرها بقلبه دون التلفظ بها، لاجماع أهل اللسان على أن ذلك لا يسمى قراءة، ولا جماع
أهل العلم على أن ذكرها بقلبه دون التلفظ بها ليس بشرط ولا مسنون، فلا يجوز حمل الخبر على ما لا يقول به أحد، ولا يساعده لسان
العرب-انتهى. وقال النووى: معناه اقرأ سرابحيث يسمح نفسك، وأما ما حمله بعض المالكية وغيرهم أن المراد تدر ذلك
وتذكره فلا يقبل، لأن القراءة لا تطلق إلا على حركة اللسان بحيث يسمع نفسه، ولهذا اتفقوا على أن الجنب لوتدبر القرآن بقلبه
من غير حركة لسانه لا يكون قارنا مرتكبا لقراءة الجنب المحرمة - انتهى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى فى أشعة
اللغات: اقرأ بها فى نفسك بخوانى فاتحه را بس امام نيز، أما آهسته جنانجه بشنوائى خود را - انتهى. قلت: حقيقة القراءة
فى النفس هى القراءة سرا من غير جهر، قال تعالى (اذكر ربك فى نفسك - ٧: ٢٠٥﴾ قال السيوطى: أى سرا. قال
الجمل: أى أسمع نفسك. وقال فى الهداية: إلا أن يقرأ الخطيب قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه - ٣٣: ٥٦)
الآية، فيصلى السامع فى نفسه - انتهى. قال فى الكفاية: قوله ((فيصلى السامع فى نفسه)) أى فيصلى بلسانه خفيا -انتهى. واعلم أنه قال
بض الحنفية: أن المراد بالقراءة فى النفس: أن يقرأ على وجهه وعلى حياله، لا معاملة له مع غيره، ولا يقصد إسماعه ، ويكون
أمير نفسه، يقرأ لنفسه يعنى يقرأ حال كونه منفردا وفذا لا مأموما. وتعقب بأن حقيقة القراءة فى الفس إنما هى
الإسرار بالقراءة لا غير ، وهو الذى فهمه مالك كما يظهر من تبويبه فى المؤطا على هذا الحديث، وأما ما ذكره هذا
البعض فهو معنى لنفسه لا فى نفسه، ولذلك لم يخطر ما قاله هذا البعض بيال أحد من تقدم قبله من شراح الحديث وأصحاب
المذاهب مع تداول الحديث وشهرته فيما بينهم. قال النووى: قول أبى هريرة هذا يؤيد وجوب الفاتحة على المأموم - انتهى
وقال شيخنا فى أبكار المنن (ص ١٣٩): وفى رواية أبى عوانة «فقلت لأبى هريرة: فإنى أسمع قراءة القرآن. فنمزنى
يده فقال: يا فارسى أو ابن الفارسى! اقرأ بها فى نفسك. وفى رواية للبخارى فى جزء القراءة قلت: يا أبا هريرة!
كيف أصنع إذا كنت مع الإمام وهو يجهر بالقراءة؟ قال ويلك يا فارسى ! اقرأ بها فى نفسك. وكذلك فى رواية
البيهقى فى جزء القراءة؛ فظهر هذه الروايات أن أباهريرة كان يفتى بعد وفاة النبي ◌َّ بقراءة الفاتحة خلف الإمام فى جميع
الصلوات سرية كانت أو جهرية، وفى إفتاءه بهذا دلالة واضحة على أن حديثه ((من صلى صلاة لم يقرأ بأم القرأن فهى
خداج)، باق على عمومه، شامل للامام والمأموم والمنفرد، لأن راوى الحديث أعرف بالمراد منه من غيره - انتهى
(فانى سمعت رسول اللّه عَّ يقول) هذا استدلال من أبى هريرة على ما أفتى به من القراءة للأموم، وعدول إلى الحديث
الآتى لبيان دليل آخر على وجوب الفاتحة (قال الله تعالى: قسمت) بصيغة المتكلم (الصلاة) بالنصب على المفعولية ، قال
العلماء: المراد بالصلاة هنا الفاتحة، سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها كقوله مد ته («الحج عرفة، ففيه دليل على وجوبها
١
١١٣
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
بينى وبين عبدى نصفين، ولعبدى ما سأل. فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين) قال الله تعالى:
حمدنى عبدى. وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله: أثنى على عبدى. وإذا قال (مالك يوم الدين)
قال: مجدنی عبدی .
بعينها فى الصلاة، والمراد قسمتها من جهة المعنى، لأن نصفها الأول تحميد لله تعالى وتمجيده، و ثناء عليه ، وتفویض إليه ،
والنصف الثانى سؤال وطلب وتضرع وافتقار ، قاله النووى. وقال السندى: وجه الاستدلال أى على افتراض قراءة
الفاتحة هو أن قسمة الفاتحة جعلت قسمة للصلاة ، واعتبرت الصلاة مقسومة باعتبارها ، ولا يظهر ذلك إلا عند لزوم
الفاتحة فيها - انتهى. وقال الخطابى فى المعالم (ج ١: ص ٢٠٣): المراد بالصلاة القراءة، يدل على ذلك قوله عند التفسير
له والتفصيل الراد منه إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدنى عبدى، إلى آخر السورة ، وقد قسمى
القراءة صلاة لوقوعها فى الصلاة وكونها جزء من أجزائها، كقوله تعالى ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها -١٧: ١١٠)
قيل: معناه القراءة، وقال { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا - ١٧: ٧٨) أراد صلاة الفجر فسمى الصلاة مرة قرآنا
والقرآن مرة صلاة، لانتظام أحدهما الآخر ، يدل على صحة ما قلناه قوله ((بينى وبين عبدي نصفين)، والصلاة خالصة لله
لا شرك فيها لأحد ، فعقل أن المراد به القراءة، وحقيقة هذه القسمة منصرفة إلى المعنى، لا إلى متلو اللفظ، وذلك أن
السورة من جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها مسئلة ودعاء، وقسم الثناء ينتهى إلى قوله تعالى {إياك نعبد) وهو تمام الشطر
الأول من السورة، وباقى الآية وهو قوله ﴿ وإياك نستعين) من قسم الدعاء والمسئلة، ولذلك قال: وهذه الآية بينىوبين
عبدى. ولوكان المراد به قسم الألفاظ والحروف لكان نصف الآخر يزيد على الأول زيادة بينة فيرتفع معنى التعديل والتنصيف،
وإنما هو قسمة المعانى كماذكرته لك-انتهى. وقيل: التنصيف ينصرف إلى آيات السورة لأنها سبع آيات، ثلاث ثناء وثلاثسؤال،
والآية المتوسطة نصفهاثنا. ونصفهادعاء (ولعبدى ما سأل) أى بعينه إن كانوقوعهمعلقاعلى السؤال، وإلا فتله منرفعدرجة
ودفع مضرة ونحوهما. وقيل المعنى: لعبدى ماسأل من أحد النصفين، فهو وعد من اللّه تعالى بإعطاء النصف الذى للعبد، ويحتمل
أن يكون هذا وعدالماوراء النصف الذى للعبد، يعنى آذن لعبدى أن يسأل ماشاء غير النصف الذى له (حمدنى عبدى) الحمد هو الثناء
على الجميل الاختيارى نعمة كان أو غيرها (أثنى على عبدى) الثناء هو ذكر الخير باللسان على جهة التعظيم (مالك يوم الدين) أى
الحساب. وقيل: الجزاء، وخص بالذكر لأن الله تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم، ويجزاء العباد وحسابهم ولا دعوى لأحد
ذلك اليوم حقيقة ولا مجازا . وأما فى الدنيا ظبعض العباد ملك مجازى ، ويدعى بعضهم دعوى باطلة وكل هذا ينقطع فى
ذلك اليوم (مجدنى) أى عظمنى، والتمجيد نسبة إلى المجد وهو العظمة، أى ذكرنى بالعظمة والجلال. قال النووى: قوله
((حمدفى عبدى، وأثنى على ومجدنى)» إنما قاله، لأن التحميد الثناء بجميل الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال ، ويقال
١١٤
مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
وإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بينى وبين عبدى، ولعبدى ما سأل. فإذا قال:
﴿اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال:
هذا لعبدى ولعبدي ما سأل.
(أثنى عليه)) فى ذلك كله، ولهذا جاء جوابا للرحمن الرحيم لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية - انتهى. قيل:
الرحمة رحمتان: رحمة ذاتية مطلقة امتنانية، وهى التى وسعت كل شئى لا سبب لها ولا موجب، وليست بمقابلة شئى ،
والأخرى هى الفائضة عن الرحمة الذاتية ، مقيدة بشروط موجبة لها من أعمال وأحوال وغيرهما، ومتعلق طمع إبليس هو
الأول (إياك نعبد) أى تخصك للعبادة. وقدم المعمول للاختصاص والحصر (وإياك نستعين) أى تخصك بالاستعانة
على العبادة وغيرها (هذا بينى وبين عبدى) قال القرطبى: إنما قال الله تعالى هذا لأن فى ذلك تذلل العبد لله تعالى وطلبه
الاستعانة منه، وذلك يتضمن تعظيم الله وقدرته على ما طلب منه. وقال الباجى: معناه أن بعض الآية تعظيم للبارى،
وبعضها استعانة على أمر دينه ودنياه من العبدبه (ولعبدى ما سأل) من العون وغيره. وقيل: كرره تأكيدا، والمراد
هو ما ذكره أولا (فإذا قال) العبد (اهدنا الصراط المستقيم) قيل: هو بيان للعونة المطلوبة، وقيل: إفراد لما هو أعظم
مقصودا ، أى ثبتنا على دين الإسلام أو طريق متابعة الحبيب عليه الصلاة والسلام (صراط الذين أنعمت عليهم) من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين (غير المغضوب عليهم) أى اليهود (ولا الضالين) أى غير النصارى (هذا لعبدى)
أى مختص بالعبد، لأنه دعاء وسؤال يعود نفعه إلى العبد (ولعبدى ما سأل) أى غير هذا، والمعنى: هذا متحقق وثابت
لعبدى، وغيره مما يسأله موعود إجابته. والحديث قد استدل به على أن البسملة ليست من الفاتحة، لأن الفاتحة سبع
آيات بالإجماع فثلاث فى أولهاثناء، أولها {الحمد لله) وثلاث دعاء، أولها (اهدنا الصراط المستقيم﴾ والرابعة
متوسطة، وهى {إياك نعبد وإياك نستعين)) ولأنه لم يذكر البسملة فى ما عددها ولو كانت منها لذكرها. ولأنه بدأ
القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولو كانت البسملة منها لا بتدأ بها، لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة، والحاجة
إلى قراءة البسملة أمس. وأجيب: بأن التصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة، وبأن معناه: فإذا انتهى
العبد فى قراءته إلى ((الحمد لله رب العالمين)) حينئذ تكون القسمة، وبأنه جاء فى بعض الروايات عنه ذكر التسمية كما أخرجه
الدار قطنى عن أبى هريرة مرفوعا ، وهذه الرواية وإن كان فيها ضعف ولكنها مفسرة لحديث مسلم أنه أراد السورة لا
الآية. قلت : رواية الدار قطنى هذه ضعيفة جدا، بل زيادة البسملة فيها باطلة قطعا، فإن مدارها على عبد الله بن زياد
ابن معان وهو متروك الحديث، متهم بالكذب، مجمع على ضعفه. قال مالك وابن معين: كان كذابا. وقال أبوداود:
متروك الحديث كان من الكذابين. وقد ذكر الدار قطنى هذه الرواية فى علله، وأطال فيها الكلام ، ولخصه الزيلعى فى
١١٥
مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
رواه مسلم .
٨٣٠ - (٣) وعن أنس، أن النبى معَّ وأبا بكر وعمر، رضى الله عنهما، كانوا يفتتحون الصلاة
بالحمد لله رب العالمين.
نصب الراية (ج ١: ص ٣٤٠) قارجع إليه (رواه مسلم) وأخرجه أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وأخرجه
ابن ماجه مختصرا .
٨٣٠ - قوله (كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين) بضم الدال على الحكاية، واختلف فى المراد بذلك
فقيل: المعنى كانوا يبتدؤن الصلاة بقراءة الفاتحة قبل السورة ، وهذا قول من أثبت البسملة فى أول الفاتحة. قال الشافعى
فى الأم بعد رواية الحديث: يعنى يدون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها، والله تعالى أعلم ، لا يعنى أنهم يتركون
«بسم الله الرحمن الرحيم)، وإلى هذا المعنى أشار النسائى حيث عقد على هذا الحديث: باب البداءة بفاتحة الكتاب قبل
السورة. وتعقب: بأنها إنما تسمى الحمد فقط. وأجيب: بمنع الحصر ومستنده ثبوت تسميتها بهذه الجملة وهى ((الحمد لله
رب العالمين، فى صحيح البخارى أخرجه فى فضائل القرآن من حديث أبى سعيد بن المعلى: أن النبي مؤلّم قال له: ألا أعلمك
أعظم سورة فى القرآن. فذكر الحديث، وفيه قال ((الحمد لله رب العالمين) هى السبع المثانى، وقيل: المعنى كانوا يفتحون
بهذا الفظ تمسكا بظاهر الحديث، وهذا قول من نفى قراءة البسملة لكن لا يلزم من قوله ((كانوا يفتحون بالحمد، أنهم لم
يقرؤا «بسم الله الرحمن الرحيم، سرا. وقد أطلق أبو هريرة السكوت على القراءة سرا. واعلم أنهم اختلفوا فى قراءة
البسملة فى الصلاة بعد دعاء الافتاح ، فعن الشافعى تجب وجوب الفاتحة، وعن مالك يكره ، وعن أبى حنيفة تستحب ،
وهو المشهور عن أحمد. ثم اختلفوا، فعن الشافعى يسن الجهر، وعن أبى حنيفة لا يسن، وعن إسحاق بن راهويه
خير بينهما ، وإليه ذهب ابن حزم، وهو المرجح عندنا. وسبب هذا الاختلاف ما روى من الأحاديث المختلفة فى هذا
وحديث الباب قد استدل بظاهره من نفى التسمية أصلا سرا وجهرا، وقد أسلفنا ما فى هذا الاستدلال من الخدشة، وهى
أنه لا يلزم منه نفى قراءة البسملة سرا لأنه يشمل نفى الجهر أيضا فافهم. وأيضا قد كثرت الروايات عن أنس فى هذا
واضطربت نفيا وإثباتا فى الجهر بالتسمية، أو الأسرار، أو القراءة، أو تفيها. وفى بعضها: أن أنسا أخبر سائله بأنه
نسى ذلك ، ولا شك أن روايات الاثبات أرجح وأقوى فهى المعتمد. وقد بسط العلماء الكلام فى بيان الاضطراب
ونفيه فى حديث أنس إن شئت الوقوف عليه فارجع إلى نصب الراية ، والفتح، وشرح المؤطا الزرقانى ، وتنوير
الحوالك، وتدريب الراوى للسيوطى. وقد أعله بعضهم بهذا الاضطراب كابن عبد البر حيث قال: اختلفت ألفاظها
اختلافا كثيرا مضطربا ، ثم ذكر الاختلاف وقال بعد بسطه: وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة لأحد من الفقهاء،
وحاول بعضهم الجميع، وسلك بعضهم مسلك الترجيح. قال الحافظ: والذى يمكن أن يجمع به مختلف ما نقل عنه
١١٦
....
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
أنه مُفِّ كان لا يجهر بها، حيث جاء عن أنس، أنه كان لا يقرأها، مراده ففى الجهر، وحيث جاء عنه إثبات القراءة فراده
السر، وقد ورد نفى الجهر عنه صريحا فهو المعتمد. وقول أنس فى رواية مسلم: لا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم.
فى أول قراءة ولا فى آخرها. محمول على نفى الجهرأيضا، لأنه الذى يمكن نفيه، واعتماد من نفى مطلقا بقول («كانوا يفتحون
القراءة بالحمد، لا يدل على ذلك، لأنه ثبت أنه كان يفتح بالتوجه ، وسبحانك اللهم ، ويباعد بينى وبين خطاياى، وبأنه
كان يستعيذ، وغير ذلك من الأخبار الدالة على أنه قدم على قراءة الفاتحة شيئا بعد التكبير ، فيحمل قوله ((يفتحون)) أى
الجهر، لتأتلف الأخبار - انتهى. وقال من سلك مسلك الترجيح: أن رواية الباب أصح الروايات عن أنس ، قال
الدار قطنى: هو المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس، وقد اتفق البخارى ومسلم على إخراج هذه الرواية لسلامتها من
الاضطراب. قال الزيلعى: وهذا اللفظ هو الذى صححه الخطيب وضعف ما سواه لرواية الحفاظ له عن قتادة، ولمتابعة
غير قنادة له عن أنس فيه، وجعله اللفظ المحكم عن أنس، وجعل غيره متشابها، وحمله على الافتاح بالسورة لا
بالآية - انتهى. وأما ما روى مسلم عنه بلفظ «صليت مع رسول اللّه ◌َّ وأبى بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم
يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم)). وفى أخرى له: كانوا يفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم"
فى أول قراءة ولا فى آخرها. فقد اضطرب أكثرهم فيه، ولذلك امتنع البخارى من إخراجه وهو من مفاريد مسلم.
وأجاب بعض الشافعية عن روايتى مسلم بأن كلا منهما رواية لللفظ الأول بالمعنى الذى عبر عنه الراوى بما ذكر بحسب فهمه
ولو بلغ الخبر بلفظه كما فى البخارى لأصاب، ويؤيده ما قال العراقى فى ألفيته:
وعلة المتن كنفى البسملة
إذ ظن راو نفيه فنقله
قال السخاوى فى فتح المغيث (ص ٩٥): قوله ((فنقله)) مصرحا بما ظنه فقال: لا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم)، فى أول
قراءة ولا فى آخرها. وفى لفظ «فلم يكونوا يفتحون بسم الله)) وصار بمقتضى ذلك حديثا مرفوعا. والراوى لذلك مخطئى
فى ظنه - انتهى. تنبيه: اعلم أنهم اختلفوا فى أن «بسم الله الرحمن الرحيم، آية من الفاتحة فقط، أو آية من كل سورة من سور
القرآن سوى براءة، أوهى جزء من آية، أوهى آية مستقلة نزلت مع كل سورة سوى براءة لافتاحها وللفصل بينها وبين غيرها،
أو ليست آية أصلا لا من الفاتحة ولا من كل سورة، قيل: إن من رأى أنها آية من الفاتحة أوجب قراءتها بوجوب قراءة
الفاتحة عنده فى الصلاة ، ومن رأى أنها آية من أول كل سورة وجب عنده أن يقرأها مع السورة. وقيل مسئلة الجهر
بالبسملة فى الصلاة ليست مرتبة على مسئلة إثبات البسملة من الفاتحة. قال اليعمرى: إن جماعة من يرى الجهر بها
لا يعتقدونها قرآنا، بل هى من السفن عندهم كالتعوذو التأمين، وجماعة من يرى الاسرار بها يعتقدونها قرآنًا. ولهذا قال
النووى: إن مسئلة الجهر ليست مرتبة على مسئلة إثبات البسملة، وهذه المسئلة من أهم مسائل الخلاف بين القراء
١١٧
رعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
والمحدثين والفقهاء، وألف فيها الكثيرون كتبا خاصة، وأفردوها بتصانيف مستقلة ، فمن ذلك کتاب ((الانصاف فيما
بين العلماء من الاختلاف) لابن عبد البر المالكى، وهو جزء فى ٤٢ صفحة، وقد طبع فى مصر ، وكتاب لعبد الرحمن بن
إسماعيل بن إبراهيم المقدسى، ذكره النووى فى المجموع، وقال: إنه مجلد كبير، ولخص أهم ما فيه ، وألف فيها أيضا ابن
خزيمة وابن حبان والدار قطنى والبيهقى والخطيب، وقد جمع الزيلعى فى نصب الراية أكثرما وردفيها من الآثار والأقاويل فى مقدار
يصلح كتابا مستقلا (ج١: ص٣٢٣-٣٦٣) من طبعة مصر، وكذلك النووى فى المجموع، كتب فيها مقدارا وافيا. وكذلك
الشوكانى فى شرح المنتقى ، بسط الكلام فيها (ج ٢: ص ٨٩-١٠١) والذى تحصل لنا من الأقوال فى البسملة أربعة:
أحدها أنها ليست من القرآن أصلا إلا فى سورة النمل ، نقل هذا عن مالك والأوزاعى، وحكاه الطحاوى عن أبى
حنيفة وأبى يوسف ومحمد، وهو رواية عن أحمد وهو قول لبعض أصحابه، واختاره ابن قدامة فى المغنى. والثانى أنها آية
من كل سورة سوى براءة أو بعض آياته، وهو المشهور عن الشافعى وأصحابه، وهو رواية عن أحمد. والثالث أنها آية
فى أول الفاتحة ، وليست قرآنًا فى أوائل باقى السور، وهو قول أحمد وإسحاق وأبى عبيد وأهل الكوفة، وأهل مكة،
وأهل العراق، وهو أيضا رواية عن الشافعى. والرابع أنها آية مستقلة من القرآن فى كل موضع كتبت فيه فى المصحف
وليست من الفاتحة ولا من غيرها ، وإنما أنزلت لافتاح القراءة بها، والفصل بين كل سورتين سوى ما بين الأنفال وبراءة
ذهب إليه أبو بكر الرازى الجصاص، وهو المختار عند الحنفية. قال محمد بن الحسن: ما بين دفتى المصحف قرآن ، وهو
قول ابن المبارك، ورواية عن أحمد وداود، وقال الزيلعى فى نصب الراية: وهذا قول المحققين من أهل العلم، ونسبة
هذا القول إلى الحنفية استنباط فقط كما يظهر من أحكام القرآن (ج ١: ص ٨) لأبى بكر الجصاص. وقال شمس الأئمة
السرخسى فى المبسوط (ج ١: ص ١٦): وعن معلى قال: قلت لمحمد يعنى ابن الحسن: التسمية آية من القرآن أم لا؟
قال: ما بين الدفتين كله قرآن. قلت: فلم لم تجهر ؟ فلم يجبنى، فهذا عن محمد بان أنها أنزلت للفصل بين السور ، لا من
أوائل السور، ولهذا كتبت بخط على حدة، وهو اختيار أبى بكر الرازى، حتى قال محمد: يكره للحائض والجنب قراءة
التسمية على وجه قراءة القرآن، لأن من ضرورة كو بها قرآنا حرمة قراءتها على الحائض والجنب، وليس من ضرورة
كونها قرآنًا الجهر بها كالفاتحة فى الأخريين - انتهى. وقد استدل كل فريق لقوله بأحاديث، منها الصحيح المقبول،
ومنها الضعيف المردود، إن شئت الوقوف عليها فارجع إلى نصب الراية للزيلعى، ونيل الأوطار للشوكانى، والسنن
الدار قطنى والراجح عندنا أنها آية من القرآن فى كل موضع كتبت فيه، والدليل على ذلك الإجماع على أن ما بين
الدفتين كلام اللّه تعالى، والوفاق على إثباتها فى المصاحف مع المبالغة فى تجريد القرآن عما ليس منه حتى لم يكتب ((آمين))
قال النووى فى شرح مسلم (ج ١: ص ١٧٢): اعتمد أصحابنا ومن قال بأنها آية من الفاتحة أنها كتبت فى المصحف بخط
١١٨
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
رواه مسلم.
٨٣١ - (٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إذا أمن الامام فأمنوا،
المصحف وكان هذا باتفاق الصحابة وإجماعهم على أن لا يثبتوا فيه بخط القرآن غير القرآن، وأجمع بعدهم المسلمون كلهم
فى كل الأعصار إلى يومنا وأجمعوا على أنها ليست فى أول براءة، وأنها لا تكتب فيها. وهذا يؤكد ما قلناه - انتهى.
وقد أوضح هذا الدليل مع ذكر المذاهب العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر فى تعليقه على الترمذى (ج ٢: ص ٢٢،٢١)
فارجع إليه. وقد رجح هو كونها آية من كل سورة كتبت فى أولها أى من جميع سور القرآن سوى براءة. قال: لا يجوز
القارئ أن يقرأ أية سورة من القرآن سوى براءة من غير أن يبدأها بالتسمية التى هى آية منها فى أولها، سواء أقرأها ابتداء
أم وصلها بما قبلها. وهذا الذى اختاره الشافعى رضى اللّه عنه-انتهى (رواه مسلم) فيه أن حديث أنس هذا أخرجه البخارى
فى باب ما يقول بعد التكبير بهذا اللفظ بلا تفاوت حرف، فالأولى للصنف أن يقول فى آخره «متفق عليه والثفظ
البخارى)). وحديث أنس هذا أخرجه أيضا مالك، والشافعى، وأحمد، والترمذى، وأبوداود، والنسائى، وابن
ما جه وغيرهم.
٨٣١ - قوله (إذا أمن الامام) أى قال آمين. فيه مشروعية التأمين للإمام والمشهور عن مالك وهى رواية
عن أبى حنيفة : أنه لا يؤمن، وهى رواية ابن القاسم عن مالك، وهى المعتمد عند المالكية، وفى رواية عنهأنه لا يؤمن فى
الجهرية ويؤمن فى السرية، وأحاديث الباب ترد عليهم جميعا (فأمنوا) أى فقولوا آمين. والحديث قد استدل به الامام
البخارى والنسائي وابن ماجه وغيرهم على أن الإمام يجهر بالتأمين. وجه الاستدلال أنه لو لم يكن تأمين الإمام مسموعاً
الأموم لم يعلم به، وقد علق تأمينه بتأمينه. وأجيب: بأن موضعه معلوم فلا يستلزم الجهربه. وفيه نظر لاحتمال أن يخل به فلا يستلزم
على المأموم به. وقدروى روح بن عبادة عن مالك فى هذاالحديث قال ابن شهاب: وكان رسول اللّهمَّ إذا قال (ولا الضالين)
جهربآمين. أخرجه السراج، ولابن حبان فى هذا الحديث عن ابن شهاب: كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال
آمين. قاله الحافظ. وقال الخطابى فى المعالم (ج ١: ص ٢٢٣): فيه دليل على أن رسول اللّه عليه كان يجهر بآمين
ولولا جهره به لم يكن لمن يتحرى متابعته فى التأمين على سبيل المداركة طريق إلى معرفته فدل أنه كان يجهر به جهرا يسمعه
من وراءه، وقد روى وائل بن حجر أن رسول اللّه تَّم كان إذا قرأ ﴿ ولا الضالين﴾ قال آمين ورفع بها صوته
انتهى. وقال السندى فى حاشية النسائى وابن ماجه: قوله ((إذا أمن القارى)) أخذمنه المصنف الجهر بآمين إذ لوأسر الامام
بآمين لما علم القوم بتأمين الامام فلا يحسن الأمر إياهم بالتأمين عند تأمينه، وهذا استنباط دقيق يرجحه ما جاء من
التصريح بالجهر، وهذا هو الظاهر المتبادر، نعم قد يقال: يكفى فى الأمر معرفتهم لتأمين الإمام بالسكوت عن القراءة
لكن تلك معرفة ضعيفة، بل كثيرا ما يسكت الامام عن القراءة ثم يقول بآمين، بل الفصل بين القراءة والتأمين هو
١١٩
مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٢ - باب القراءة فى الصلاة
فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه. متفق عليه. وفى رواية، قال: إذا
قال الامام: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا: آمين.
اللائق فيتقدم تأمين المقتدى على تأمين الامام إذا اعتمد على هذه الأمارة - انتهى. وقال شيخنا فى أبكار المنن (ص ١٧٠):
إذا أسر الا مام التأمين لا يعلم المأموم تأمينه، فكيف يوقع المأموم تأمينه مع تأمين الامام؟ وكيف يتوافق تأمينهما معا؟
وليس من اللازم حينئذ أن يقع تأمينه مع تأمينه ، بل يمكن أن يقع معه أو قبله أو بعده، وأما إذا جهر الامام بالتأمين
فيعلم المأموم تأمينه، فحينئذيوقع تأمينه مع تأمينه، فيتوافق تأمينهما معا قطعا - انتهى. واستدل بقوله «فأمنوا)) على تأخير تأمين
المأموم عن تأمين الإمام لأنه رتب عليه بالفاء، لكن المراد عند الجمهور المقارنة لما سيأتى. والمعنى: أمنوا مقارنين له. وعلله
إمام الحرمين بأن التأمين لقراءة الامام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخر عنه. وظاهر سياق الأمر أن المأموم إنما يؤمن إذا
أمن الإمام لا إذا ترك. ونص الشافعى فى الأم على أن المأموم يؤمن، ولو تركه الامام سهوا أو عمدا، وهذا هو
الحق للرواية التالية، ثم إن هذا الأمر عند الجمهور الندب، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم عملا
بظاهر الأمر ، قال: وأوجبه الظاهرية على كل مصل ، ثم فى مطلق أمر المأموم بالتأمين أنه يؤمن ولو كان مشتغلا بقراءة
الفاتحة (فإنه من وافق) المراد بالموافقة الموافقة فى القول والزمان، يدل عليه الرواية الآتية ((من وافق قوله قول الملائكة))
خلافا لمن قال: المراد الموافقة فى الإخلاص والخشوع، كابن حبان وغيره (تأمينه تأمين الملائكة) قيل: المراد
بالملائكة الحفظة، وقيل: الذين يتعاقبون منهم، إذا قلنا إنهم غير الحفظة. وقيل: من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن
فى الأرض أو فى السماء. وقيل: الأولى حمله على الأعم، لأن اللام للاستغراق فيقولها الحاضرون ومن فوقهم إلى الملا
الأعلى (غفر له ما تقدم من ذنبه) ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية، وهو محمول عند العلماء على الصغائر، وقيل: إن
المكفر ليس التأمين الذى هو فعل المؤمن ، بل وفاق الملائكة ، وليس ذلك إلى صنعه ، بل فضل من الله بمجرد وفاق، فيعم
الكبائر والصغائر، لكن خص منها حقوق الناس (متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك وأحمد والترمذى وأبو داود والنسائى
وابن ماجه وغيرهم (وفى رواية) أى متفق عليها (قال) أى النبى رَبتة (إذا قال الإمام: غير المنضوب عليهم
ولا الضالين فقولوا: آمين) استدل به المالكية على أن الإمام لا يؤمن لأن القسمة تنافى الشركة ، وفيه أن هذه الرواية
لا تدل على أن الإمام لا يؤمن، بل هى ساكنة عنه نفيا وإثباتا ، والرواية المتقدمة نص فى معناه، وزاد فى رواية أحمد
والنسائى وابن حبان: أن الإمام يقول آمين، وهو نص لا يحتمل التأويل. ثم إن ظاهر الرواية الأولى من الحديث أن
المؤتم يوقع التأمين عند تأمين الإمام، وظاهر الرواية الثانية منه أنه يوقعه عند قول الامام (غير المغضوب عليهم ولا
الضالين - ١: ٧) وجمع الجمهور بين الروايتين بأن المراد بقوله ((إذا أمن، أى أراد التأمين ليقع تأمين الإمام والمأموم
١٢٠