النص المفهرس

صفحات 21-40

منعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
على الإشارة وبالعكس. وروى الترمذى مرفوعا فى حديث تسليم النصارى الإشارة بالأكف، والسلام بإشارة الكف
أو اليد لابد وأن يكون فيه الرفع كما هو مشاهد، ولذلك أطلق أحدهما على الآخر فى روايتى حديث جابر المختصرة
والطويلة، ومثل هذه الإطلاقات واختلاف ألفاظ الروايات فى الأحاديث بسبب تعدد الرواة وقصرفهم كثير لا يخفى على
من له وقوف بهذا الشأن. فادعاء التغاير بين الحديثين بمثل هذه الاختلافات بعيد من شأن أهل العلم. ولو سلم التغاير
بينهما وكونهما قضيتين مختلفتين لم يكن فى الحديث الأول أى المختصر دليل على منع الرفع عند الركوع والرفع منه على الهيئة
المخصوصة، فإن النهى ورد فيه على الرفع الذى يكون كا ذناب الخيل الشمس، وينافى السكون فى الصلاة وهو الرفع الذى
يكون بالإشارة إلى الجانبين، وأما الرفع المتنازع فيه أى الذی یکون عند الركوع والرفع منه فليس كا ذناب الخيل
الشمس ، ولا منافيا السكون فى الصلاة ، وإلا لكان رفع اليدين عند تكبيرة الافتاح أيضا منهيا عنه، لأنه لا فرق بين
الرضعين، ولا يتصور أن يمنع رسول الله تَّ من أمر ويقبحه ويحرمه فى أثناء الصلاة ثم يأذن فيه عند افتاحها، بل يواظب على
افتاح الصلاة به. وكيف يعقل هذا وقدنهى عن التشبيك فى الذهاب إلى المسجد قبل الدخول فى الصلاة، وأمر بالسكينة
فو الوقار فى الإتيان إلى المسجد. وأيضا لو كان الأمر كما زعمت الحنفية لكان الرفع فى تكبير القنوت وتكبيرات العيدين
أيضاً ممنوعا، لأنه لم يستثن رفعاً دون رفع، ولا صلاة دون صلاة ، بل أطلق ، فما هو جوابهم عن الرفع، عند تکیر
القنوت وتكبيرات العيد فهو جوابنا عن الرفع عند الركوع والرفع منه. قال البخارى: ولو كان كما ذهبوا إليه لكان
رفع الأيدى فى أول التكبير، وأيضا تكبيرات العيد منهيا عنه، لأنه لم يستثن رضا دون رفع - انتهى. والحق عندى أن
القول بالمنع من أمر هو كا ذتاب الخيل الشمس، ومناف الخشوع والسكون فى الصلوات الخمس والنوافل، ثم القول
بجوازه وإباحته فى صلاة الوتر وصلاتى العيد جهل قبيح، مع أنه لم يثبت بحديث مرفوع صحيح صريح التكبير فى قنوت
الوتر ، ولا رفع الدین فیه وفی تکبیرات العيد. ثم أبین دليل على أن الرفععند الر کوع والرفع منه لیس بمراد فی حدیث
جابر، وعلى أنه ليس من أفراد الرفع المنهى عنه المذكور فى حديثه، أنه مؤ تم قد واظب عليه حتى فارق الدنيا ثم أجمع
عليه الصحابة بعده والتابعون وغيرهم إلا جماعة من أهل الكوفة، فإيراد حديث جابر هذا فى معرض الاستدلال به على
نسخ الرفع عند الركوع والرفع منه باطل. وقد تقدم الإشارة إلى ذلك فى كلام الشوكانى والسندى فتذكر. وأما
الذين ذهبوا إلى جواز الأمرين، وقالوا بنسخ استحباب الرفع، واختاروا ترك الرفع، فاستدلوا على ذلك بحديث
ابن مسعود الآتى فى الفصل الثالث، وبحديث البراء عند أبي داود وغيره. وأجيب عن ذلك بأنهما حديثان ضعيفان غير
صالحين للاستدلال كما ستعرف، ولو سلم صلوحهما للاستدلال فغاية ما فيها أنه ترك الرفع فى غير الافتاح أحيانا، وهذا
إنما يدل على أن الرفع فى غير الافتاح ليس بسنة لازمة بلام تاركها، لا على أنه منسوخ ، لأن مجرد الترك لا يدل على
٢١

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
النسخ. قال الشوكانى: قال ابن حزم فى الكلام على حديث البراء ما لفظه: إن صح دل على أنه مرّ فعل ذلك ليان
الجواز، فلا تعارض بينه وبين حديث ابن عمر وغيره- انتهى. وقد سبق عن الشيخ عبد الحى والسندى أن الاستدلال
بحديث ابن مسعود على نسخ الرفع ليس بصحيح، فلله درهما قد اعترفا بالصواب وباحا بالحق. واستدلوا أيضا بما رواه
البيهقى فى الخلافيات عن عبد الله بن عون الخراز، عن مالك، عن الزهرى عن سالم عن ابن عمر أن النبى مؤقّ كان
يرفع يديه إذا افتح الصلاة ثم لا يعود - انتهى. قال صاحب العرف الشذى: قال الحاكم: إنه حديث موضوع، ولم
اطلع على أول إسناده (إلى قوله) ((فلعل إسناده قوى)) - انتهى. وقال صاحب المواهب اللطيفة بعد نقله عن الحاكم
والبيهقى حكم الوضع على حديث ابن عمر هذا ما لفظه: تضعيف الحديث لا يثبت بمجرد الحكم، وإنما يثبت بيان وجوه
الطعن ، وحديث ابن عمر الذى رواه البيهقى فى خلافياته رجاله رجال الصحيح، فما أرى له ضعفا بعد ذلك إلا أن يكون
الراوى عن مالك مطعونا، لكن الأصل العدم، فهذا الحديث عندى صحيح لا محالة - انتهى. قلت: الاستدلال بحديث
ابن عمر هذا على نسخ الرفع فى الركوع والرفع منه كتشبث الغريق بالحشيش، فإنه حديث باطل موضوع. قال
الزيلعى فى نصب الراية (ج ١: ص ٤٠٤) بعد نقل هذا الحديث من الخلافيات: قال البيهقى: قال الحاكم: هذا باطل
موضوع، ولا يجوز أن يذكر إلا على سبيل القدح، فقد روينا بالأسانيد الصحيحة عن مالك. بخلاف هذا - انتهى.
وقال الحافظ فى الدراية: نقل البيهقى عن الحاكم أنه موضوع، وهو كما قال - انتهى. وقال فى التلخيص: هو مقلوب
موضوع - انتهى. فالعجب من هؤلاء المقلدين الذين يستدلون بحديث ابن عمر الذى حكم الحاكم والبيهقى والحافظ بأنه باطل
موضوع على ترك الرفع فى غير الافتاح ، ويجعلونه ناسخا لحديثه الصحيح المتفق عليه، لا سيما من هذين المقلدين الذين
مع عدم اطلاعهما على أول إسناد هذا الحديث (أى من دون عبد الله بن عون الراوى، عن مالك إلى البيهقى المخرج
له، لأن بينهما مفاوز تنقطع دونها الأعناق، ووسائط لا يدرى من هم وكيف حالهم) ومع عليهما بأن الحاكم والبيهقى حكما عليه
بأنه موضوع يرجو واحد منهما أن إسناده قوى ، ويقول الآخر بملء شدقه إن رجاله رجال الصحيح، ويحكم بأنه صحيح
لا محالة بمجرد قوله: إن الأصل عدم الطعن. البيهقى هو مخرج هذا الحديث، والحاكم والحافظ كانا مطلعين على سنده
من أوله إلى آخره، وقد اتفقوا على كونه باطلا موضوعا، ونقل الزيلعى كلام الحاكم ، وسكت عنه وأقره، ثم أتى من
المقلدين من ليس له خبرة ووقوف على أول سنده فرد أقوال هؤلاء الأئمة الحفاظ ، وادعى عدم ضعفه ، بل جزم
بصحته، أليس هذا تحكما محضا ارتكبه تمشية للذهب؟ هداهم الله تعالى إلى صراط المستقيم، وأخلصهم من ورطة
التقليد الذى هذا من ثمراته. واستدلوا أيضا بحديث رواه البيهقى فى الخلافيات أيضا عن عباد بن الزبير : أن رسول
اللّه مؤلّ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه فى أول الصلاة، ثم لم يرفعهما فى شتى حتى يفرغ. كذا فى نصب الراية
٢٢
١

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
(ج ١: ص ٤٠٤). قلت : قال الزيلعى بعد ذكره: عباد هذا تابعى، فهو مرسل - انتهى. والمرسل على القول الصحيح
لیس حجة. قال ابن الصلاح فى مقدمته (ص ٢١): اعلم أن حكم المرسل حکم الحديثالضعيف إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من
وجه آخر ، وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو المذهب الذى استقر عليه آراء جماهير حفاظ
الحديث ونقاد الأثر، وقد تداولوه فى تصانيفهم. وفى صدر صحيح مسلم: المرسل فى أصل قولهم وقول أهل العلم
بالأخبار ليس بحجة - انتهى. وقال العراقى فى ألفيته (ص .
للجهل بالساقط فى الإسناد
ورده جماهر النقاد
وقال الحافظ فى الدراية بعد ذكر حديث عباد هذا: وهذا مرسل، وفى إسناده أيضا من ينظر فيه - انتهى. وهذا يدل
على أن فى سنده مع كونه مرسلا من هو منظور فيه. ولو تنزلنا وسلمنا أن سنده سالم من الكلام ، وأن المرسل حجة
لم يكن فيه دليل على نسخ الرفع عند الركوع والرفع منه، لأن أحاديث الرفع مثبتة، وهذا ناف ، والمثبت مقدم على
النافى، ولأنه لا تعارض بين الفعل والترك، فمجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز. ولأنه يمكن التوفيق بينه وبين
أحاديث الرفع بأن المعنى لم يرفعها رفعا بالغا فيه، فليس المراد نفى الرفع مطلقا ، بل المراد ففى الرفع المبالغ فيه.
واستدلوا أيضا بما روى عن النبي مَ ◌ّم: لا ترفع الأيدى إلا فى سبعة مواطن، تكبيرة الافتاح - الحديث. أخرجه
الطبرانى عن ابن عباس مرفوعا، وابن أبى شيبة موقوفا عليه، وذكره البخارى فى جزء رفع اليدين معلقا عنه، وأخرجه
البزار والبيهقى عن ابن عباس وابن عمر مرفوعا وموقوفا، وأخرجه الحاكم عنهما مرفوعا. قلت : هو حديث ضعيف
غير قابل للاحتجاج، وقد بسط الزيلغى طرقه فى نصب الراية (ج ١: ص ٣٩٠ - ٣٩٢) وقال بعد نقله من رواية البيهقى
والحاكم: قال الشيخ فى الامام: اعترض على هذا بوجوه : أحدها تفرد ابن أبى ليلى ، وترك الاحتجاج به (لكونه
سئ الحفظ). وثانيها رواية و کیع عنه بالوقف على ابن عباس وابن عمر. قال الحا کم: وو کیع أثبت من کل من روی
هذا الحديث عن ابن أبى ليلى. وثالثها رواية جماعة من التابعين بالأسانيد الصحيحة الماثورة عن عبد الله بن عمر وعبد الله
ابن عباس أنهما كانا يرفعان أيديهما عند الركوع وبعد رفع الرأس من الركوع، وقد أسنداه إلى النبي مَّ. ورابعها أن
شعبة قال : لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث، وليس هذا الحديث منها (فهو منقطع غير محفوظ). وخامسها
عن الحكم قال: إن جميع الروايات ((ترفع الأيدى فى سبعة مواطن، وليس فى شئ منها «لا ترفع الأيدى إلا فيها،
ويستحيل أن يكون «لا ترفع الأيدى إلا فى سبعة مواطن، صحيحا، وقد تواترت الأخبار بالرفع فى غيرها كثيرا، منها
الاستسقاء ودعاء النبي مَّ، ورفعه عليه السلام يديه فى الدعاء فى الصلوات، وأمره به، ورفع اليدين، والقنوت فى صلاة
الصبح والوتر - انتهى. وقال البخارى فى جزء رفع اليدين بعد ذكر كلام شعبة المتقدم: فهو مرسل وغير محفوظ ، لأن
٢٣
٩

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ = باب صفة الصلاة
أصحاب نافع خالفوا. وأيضا فهم قد خالفوا هذا الحديث، ولم يعتمدوا عليه فى تكبيرات العيدين وتكبير القنوت. وفى
رواية وكيع «ترفع الأيدى، لا يمنع رفعه فيما سوى هذه السبعة - انتهى كلامه. ولو سلم كون هذا الحديث صالحا
للاحتجاج لم يكن فيه دليل على نسخ الرفع فى الركوع والرفع منه لما تقدم فتأمل. واستدلوا أيضا بما رواه الدار قطنى
والبيهقى فى سننهما، وابن عدى فى الكامل عن عبد الله بن مسعود، قال: صليت مع رسول اللّه مَفي، وأبي بكر وعمر نظم
يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة. قلت: فيه محمد بن جابر وقد تفرد به، وهو ضعيف ، ضعفه أحمد، وابن
معين وعمرو بن على وأبو زرعة والبخارى وأبو حاتم وأبو داود والنسائى ويعقوب بن سفيان والعجلى وابن حبان.
والدار قطنى والحاكم. قال أحمد: كان محمد بن جابر ربما ألحق أو يلحق فى كتابه يعنى الحديث. وقال أيضا: لا يحدث
عنه إلا شر منه. وقال ابن معين: كان أعمى، واختلط عليه حديثه، وهو ضعيف. وقال: عمرو بن على صدوق،
كثير الوهم ، متروك الحديث. وقال أبو زرعة: محمد بن جابر ساقط الحديث عند أهل العلم. وقال البخارى: ليس
بالقوى، يتكلمون فيه، روى منا كير. وقال أبو حاتم: ذهبت كتبه فى آخر عمره ، وساء حفظه، وكان يلقن ، وكان
ابن مهدی يحدث عنه، ثم تر که بعد ، وكان يروى أحاديث منا كير، وهو معروف بالسماع ، جيد اللقاء ، رأوا فى كتبه
لحقا. وحديثه عن حماد فيه اضطراب. وقال أبو داود: ليس بشئى. وقال النسائى وابن سفيان والعجلى: ضعيف.
وقال ابن حبان : کان أعمی يلحق فی کتبه ما ليس من حديثه ویسرق ، وما ذکر به فیحدث به. قال إسحاق بن عيسى بن
الطباع: ذاكرت محمد بن جابر ذات يوم بحديث لشريك عن أبى إسحاق فرأيت فى كتابه قد ألحقه بين السطرين كتابا.
طريا. وقال الدارقطنى فى سننه: تفرد به محمد بن جابر - وكان ضعيفا - عن حماد ، عن إبراهيم. وغير حماد يرويه عن
إبراهيم مرسلا ، عن عبد اللّه من فعله، وهو الصواب. وقال الحاكم: هذا (أى ما روى عن إبراهيم، عن عبد الله بن
مسعود من فعله) هو الصحيح، وإبراهيم لم يرابن مسعود، والحديث منقطع، ومحمد بن جابر تكلم فيه أئمة الحديث، وأحسن ماقيل فيه:
أنه يسرقالحديثمن كل من يذا كره، حتى كثرت المنا كير والموضوعات فى حديثه. وقال الحافظ فى التقريب: صدوق (أی حينا
کتبعنه بالیمامةوبمكة كما فىتهذيبالتهذيب،لا مطلقا)ذهبت کتبهفساءحفظه،وخلط کثیرا،وعمی نصاريلقن. وهذهكماترى
جروح مفسرة من جماعة من أئمة الحديث النقاد الحفاظ ، وأئمة الجرح والتعديل الكبار، وقد حسن بعضهم أمره : فقى
تهذيب التهذيب قال ابن أبى حاتم عن محمد بن يحيى: سمعت أبا الوليد يقول: نحن نظلم محمد بن جابر بامتناعنا من التحديث
عنه. قال: وسئل أبى عن محمد بن جابر وابن لهيعة فقال: محلهما الصدق، ومحمد بن جابر أحب إلى من ابن لطيفة، وقال
الذهلى: لا بأس به. وفى التقريب رجحه أبو حاتم على ابن لهيعة - انتهى. وقال ابن عدى: كان إسحاق بن.
أبى إسرائيل يفضل محمد بن جابر على جماعة شيوخ هم أفضل منه وأوثق - انتهى. قلت: قد تقرر فى موضعه أن الجرح
٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
المفسر: مقدم على التعديل، ولو كان عدد المعدلين أكثر، فكيف إذا كان عدد الجارحين أكثر، وههنا كذلك. قال
ابن الصلاح فى مقدمته: إذا اجتمع فى شخص جرح وتعديل فالجرح مقدم، لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله، والجارح
يخبر عن باطن خفى على المعدل، فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل: التعديل أولى. والصحيح الذى عليه الجمهور أن
الجرح أولى لما ذكرناه، والله أعلم. وقال السيوطى فى التدريب: إذا اجتمع فيه جرح مفسر والتعديل، فالجرح مقدم
ولو زاد عدد المعدل، هذا هو الأصح عند الفقهاء والأصولين - انتهى. فلا يلتفت إلى قول من حسن أمر محمد بن
جاير فى جنب تضعيف هؤلاء الحفاظ النقاد، فما تفوه به بعض الحنفية من أن الأرجح فيه التوثيق والتعديل، بل كأنه
من رجال الصحيحين أو من رجال مسلم، مردود عليه. وأما ما قال الحافظ فى التقريب: أنه رجحه أبو حاتم على ابن
لحمة فالمراد رجحه فى الصدق ، يدل على ذلك قول أبى حاتم «محلها الصدق، ومحمد بن جابر أحب إلى من ابن لهيعة)) فإن
الظاهر أنه أراد به کونه أحب إليه أی أرجح فى الصدق ، ويدل على ذلك أيضا قول أبى حاتم فيه «ذهبت کتبه فى آخر
عمره ، وساء حفظه، وكان يلقنه. وقوله درأوا فى كتبه لحقا، وحديثه عن حماد فيه اضطراب)) وقوله ((إن فى أحاديثه
تخاليط، وأما أصوله فهى جماح)، ومن المعلوم أنه لا منافاة بين كون الرجل صدوقا وبين كونه سمى الحفظ ، كثير
الاختلاط، مضطرب الحديث، كثير الوهم. علا أنه قد تفرد أبو حاتم فى قوله ((هو أحب إلى من ابن لهيعة، ولم يوافقه
أحد فى ذلك. والظاهر أن ابن لهيعة أحسن حالا من محمد بن جابر كما يظهر من تهذيب التهذيب ، وميزان الاعتدال.
وأما ما قال ابن عدى: إنه روى عنه أى عن محمد بن جابر الكبار : أيوب وابن عون وهشام بن حسان والثورى وشعبة
وابن عينة وغيرهم ولو لا أنه فى ذلك المحل لم يرو عنه هؤلاء الذين هو دونهم - اتهى. ففيه أنه لا يلزم من ذلك كونه
ثقة ضابطا حافظا غير مختلط وغير واهم، كما تقرر فى موضعه. وارجع لذلك إلى كتاب العلل للترمذي وغيره من كتب
الأصول، فالحق أن محمد بن جابر ضعيف لسوء حفظه، وكثرة اختلاطه، وقبوله التلقين، وقد تفرد هو برواية هذا الحديث
والاستدلال به على نسخ الرفع فى الركوع والرفع منه باطل جدا. واستدلوا أيضا بآثار الصحابة، منها أثر عمر بن الخطاب روى
الطحاوى والبيهقى وأبو بكر بن أبى شيبة عن الحسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزبير بن عدى، عن إبراهيم النخعى عن
الأسود، قال رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه فى أول تكبيرة ثم لا يعود. قال النيموى تبعا للطحاوى وابن التركمانى.
هو أثر صحيح، وقال: لا يخفى على أحد من أهل العلم أن عمر بن الخطاب كان أعلم بالسنة من ابنه عبد الله ومن كان
مثله أو دونه، ولذلك جعل الطحاوى فعل عمر دليلا على النسخ - انتهى. قلت: فيه كلام من وجوه: الأول أن فى سنده
إبراهيم النخى وهو مدلس ورواه عن الأسود بالعنعنة فكيف يكون هذا الأثر صحيحا؟. والثانى أن فى كون هذا الأثر
بهذا الفظ عضوظا نظرا، ووى الحاكم، وعنه البيهقى بسنده، عن سفيان الثورى، عن الزبير بن عدى بلفظ (( كان
٢٥
٠

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
يرفع يديه فى التكبير)) ليس فيه «ثم لا يعود)) والظاهر أن ما رواه الحسن بن عياش عن ابن أبجر عن ابن عدى، وما رواه الثورى
عن ابن عدى كليهما فى محل الرفع. وقد قال الحافظ فى الدراية (ص ٨٥) بعد ذكر الروايتين: وقد رواه الثورى وهو المحفوظ.
والثالث: أن هذا الأثر معارض بما رواه طاؤس عن ابن عمر أن عمر كان يرفع يديه فى الركوع وعند الرفع منه. قال
الزيلعى فى نصب الراية: اعترضه الحاكم بأن هذه رواية شاذة لا يقوم بها حجة، ولا تعارض بها الأخبار الصحيحة عن طاؤس بن كيسان
عن ابن عمر، أن عمر كان يرفع يديه فى الركوع وعند الرفع منه. والرابع: أنه لو سلم أن أثر عمر هذا صحيح فلا يدل على النسخ
بل غاية ما يدل عليه هو أن الرفع فيهما لم يكن سنة لازمة عند عمر، بل كان مستحبا عنده. قال الشاهولى الله الدهلوى فى إزالة الخفاء:
أبو بكر عن الأسود: صليت مع عمر، فلم يرفع يديه فى شئ من صلاته إلا حين افتح الصلاة. قلت تكلم الشافعية والحنفية فى
ترجيح الروايات ، كل على حسب مذهبه، والأوجه عندى أن عمر رأى رفع اليدين عند الركوع والقومة منه مستحبا ،
فكان يفعل تارة ويترك أخرى، كما بين هو بنفسه فى سجود التلاوة - انتهى. ومنها أثر على روى الطحاوى وابن أبى شية
والبيهقى عن عاصم بن كليب، عن أبيه: أن عليا كان يرفع يديه فى أول تكبيرة من الصلاة ، ثم لا يرفع بعد. قال
الزيلعي: هو أثر صحيح، وقال العنى: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقال الطحاوى بعدروايته: لم يكن على ليرى النبي مز ◌ّم
يرفع ثم يتركه إلا وقد ثبت عنده نسخه ـ انتهى. قلت: فى كون هذا الأثر صحيحا نظر، لأنه انفرد به عاصم بن كليب
وقال ابن المدينى: لا يحتج بما انفرد به. وقال عبد الرحمن بن مهدى: ذكرت لدورى حديث النهشلى عن عاصم بن كليب
فأنكره ، ذكره البخارى فى جزء رفع اليدين. ولو سلم أن أثر على هذا صحيح لم يكن فيه دليل على نسخ الرفع. قال
الشيخ عبد الحى اللكنوى فى تعليقه على موطأ محمد بعد ذكر قول الطحاوى المتقدم: فيه نظر، فقد يجوز أن يكون ترك
على، وكذا ترك ابن مسعود، وترك غيرهما من الصحابة إن ثبت ، لأنهم لم يروا الرفع سنة مؤكدة يلزم الآخذ بها ،
ولا ينحصر ذلك فى النسخ، بل لا يجترئ بنسخ أمر ثابت عن رسول اللّه مؤثّ بمجرد حسن الظن بالصحابى مع إمكان
الجمع بين فعل الرسول وفعله - انتهى. ومنها أثر أبى سعيد الخدرى روى البيهقى ، عن سواربن مصعب، عن عطية العوفى،
أن أبا سعيد الخدرى وابن عمر كانا يرفعان أيديهما أول ما يكبران ثم لا يعودان. قلت: قال البيهقى: قال الحاكم:
عطية سى الحال، وسوار أسوأ منه. وقال البخارى: سوار بن مصعب منكر الحديث. وعن ابن معين أنه غير محتج
به - كذا فى نصب الراية (ج ١: ص ٤٠٦). ثم هذا الأثر يعارضه ما رواه البيهقى عن عطاء، قال: رأيت جابر بن
عبد الله وابن عمر، وأبا سعيد وابن عباس وابن الزبير وأبا هريرة يرفعون أيديهم إذا افتحوا الصلاة،
وإذا ركعوا، وإذا رفعوا. وفيه ليث بن أبي سليم وهو مختلف فيه. ومنها أثر ابن مسعود، روى الطحاوى عن
إبراهيم النخعى، قال: كان عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه فى شئ من الصلوات إلا فى الافتتاح. قلت: أثر ابن مسعود
٢٦

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة.
١٠ - باب صفة الصلاة
هذا منقطع. إبراهيم لم يلق عبد الله، وكان يأخذ من الثقة وغير الثقة كما صرح به البيهقى فى جزء القراءة، وقال الذهبي فى
ميزان الاعتدال (ج ١: ص ٣٥): استقر الأمر على أن إبراهيم حجة، وأنه إذا أرسل عن ابن مسعود وغيره فليس
بحس . - انتهى. وقال الشافعى فى كتاب الأم (ج ٧: ص ٢٧١، ٢٧٢): إن إبراهيم النخعى لو روى عن على
وعبد الله لم يقبل منه لأنه لم يلق واحدا منهما - انتهى. وأما ما روى عن أحمد ويحيى بن معين وغيرهما أن مراسيل
إبراهيم صحيحة أو مقبولة مطلقا ، نفيه أن الجرح المفسر مقدم على التعديل مطلقا، ولو سلم أن هذا الأثر جيد فلا يدل
على النسخ. قال الشيخ عبد الحى: الانصاف فى هذا المقام أنه لا سبيل إلى رد روايات الرفع برواية ابن مسعود وفعله
ولا إلى دعوى النسخ ما لم يثبت ذلك بنص عن الشارع - انتهى باختصار يسير بقدر الضرورة ، وقد تقدم كلامه
بتمامه. ومنها أثر ابن عمر، روى الطحاوى، وأبو بكر بن أبى شيبة، والبيهتى فى المعرفة، عن مجاهد، قال: صليت
خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا فى التكبيرة الأولى من الصلاة. قال النيموى: سنده صحيح. قلت : بل أثر ابن
عمر هذا ضعيف من وجوه، الأول: أن فى سنده أبا بكر بن عياش وكان تغير حفظه بآخره فما لم يثبت أن الراوى عنه - وهو
أحمد بن يونس-أخذ منه قديما قبل التغير لا يحكم بصحته. والثانى: أنه شاذفإن مجاهدا خالف جميع أصحاب ابن عمر وهم ثقات
حفاظ ، والعدد الكثير أولى من واحد. وأما ما روى من موافقة عبد العزيز بن حكيم لمجاهد عند محمد فى موطأه، فقيه
أن فى سنده محمد بن أبان بن صالح - وهو ضعيف-ليس ممن يعتمد عليه. قال ابن أبى حاتم: سألت أبي عنه فقال : ليس
بالقوى، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال البخارى فى التاريخ: يتكلمون فى حفظه لا يعتمد عليه - كذا ذكره
صاحب التعليق الممجد نقلا عن لسان الميزان (ج ٥: ص ٣١) فموافقة عبد العزيز لمجاهد لا تجدى شيئا. والثالث: أن
إمام هذا الشأن يحي بن معين قال: حديث أبى بكر عن حصين إنما هو توهم لا أصل له، ذكره البخارى فى جزء
رفع اليدين، ولا شك أن قول يحيى بن معين فى هذا الباب حجة، لأنه إمام الجرح والتعديل، ومن القائمين بفن معرفة
علل الحديث. وقال أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث. وقد وافقه البخارى على ذلك
ولم يخالفه أحد من مهرة هذا الفن. قال الطحاوى بعد رواية أثر ابن عمر هذا: فلا یکون هذا من ابن عمر إلا وقد
ثبت عنده نسخ ما رأى النبي ◌ُّ يفعله. قال: فإن قيل فقد روى طاؤس عن ابن عمر خلاف ما رواه مجاهد. قلنا:
كان هذا قبل ظهور الناسخ - انتهى. قلت: وأجاب عنه البيهقى فى كتاب المعرفة فقال: حديث أبى بكر بن عياش هذا
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، فذكره بسنده ثم أسند عن البخارى أنه قال: أبو بكر بن عياش اختلط بآخره، وقد رواه
الربيع وليث وطاؤس وسالم ونافع وأبو الزبير و محارب بن دثار وغيرهم، قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر وإذا رفع.
وكان يرويه أبو بكر قديما عن حصين عن إبراهيم، عن ابن مسعود مرسلا موقوفا: أن ابن مسعود كان يرفع يديه إذا افتح الصلاة،°م
٢٧

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
لا يرفعها بعد. وهذا هو المحفوظ عن أبى بكر بن عياش، والأول خطأ فاحش لمخالفته الثقات من أصحاب ابن عمر.
قال الحاكم: كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقنين، ثم اختلط حين نسى حفظه فروى ما خولف فيه ، فكيف يجوز
دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف؟ أو نقول: إنه ترك مرة للجواز إذ لا يقول بوجوبه ، ففعله يدل
على أنه سنة، وتركه يدل على أنه غير واجب - انتهى. كذا فى نصب الراية (ج ١: ص ٤٠٩) وقد رد الشيخ
عبد الحى أيضا التمسك بأثر ابن عمر هذا على النسخ من وجوه، وأجاب فى ضمنه عن كلام الطحاوى المذكور أيضا قال
فى التعليق الممجد: المشهور فى كتب أصول أصحابنا أن مجاهدا قال: صحبت ابن عمر عشر سنين فلم أريرفع يديه إلا مرة. وقالوا :
قد روى ابن عمر حديث الرفع عن رسول الله مرتين وتركه، والصحابى الراوى إذا ترك مرويا ظاهرا فى معناه، غير محتمل
للتأويل، يسقط الاحتجاج بالمروى. وقد روى الطحاوى من حديث أبى بكر بن عياش عن حصين ، عن مجاهد قال:
صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا فى التكبيرة الأولى من الصلاة، ثم قال: فهذا ابن عمر قد رأى النبى مؤلّ
يرفع، ثم قد ترك هو الرفع بعد النبي ◌َّ، ولا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخه. وههنا أبحاث: الأول مطالبة
ما نقلوه عن مجاهد أنه صحب ابن عمر عشرسنين ولم يره يرفع يديه إلا فى التكبيرة الأولى. والثانى المعارضة بخبر طاؤس
وغيره من الثقات أنهم رأوا ابن عمر يرفع. والثالث أن فى طريق الطحاوى أبا بكر بن عياش، وهو متكلم فيه
لا توازى روايته رواية غيره من الثقات. ثم ذكر كلام البيهقى الذى نقلناه عن نصب الراية، ثم قال: فإن قلت آخذا
من شرح معاني الآثار : أنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاؤس قبل أن يقوم الحجة بنسخه ، ثم لما ثبتت الحجة
بنسخه عنده تركه، وفعل ما ذكره عنه مجاهد. قلت: هذا مما لا يقوم به الحجة ، فإن لقائل أن يعارض ويقول:
يجوز أن يكون فعل ابن عمر ما رواه مجاهد قبل أن تقوم الحجة بلزوم الرفع، ثم لما ثبت عنده التزم
الرفع ، على أن احتمال النسخ احتمال من غير دليل فلا يسمع. فإن قال قائل: الدليل هو خلاف الراوى
مرويه. قلنا: لا يوجب ذلك النسخ كما مر. والرابع وهو أحسنها أنا سلبنا ثبوت الترك عن ابن عمر ، لكن يجوز
أن يكون تركه لبيان الجواز، أو لعدم رؤية الرفع سنة لازمة ، فلا يقدح ذلك فى ثبوت الرفع عنه وعن
رسول اللّه ◌َّ. والخامس أن ترك الراوى مرويه إنما يكون مسقطا للاحتجاج عند الحنفية إذا كان خلافه يقين كما
هو مصرح فى كتبهم ، وههنا ليس كذلك، لجواز أن يكون الرفع الثابت عن رسول الله مؤثم حمله ابن عمر على العزيمة
وتركه أحيانا لبيان الرخصة ، فليس تركه خلافا لروايته بيقين. والسادس أنه لا شبهة فى أن ابن عمر قد روى عن
رسول اللّه ◌َّ حديث الرفع، بل ورد فى بعض الروايات عنه أنه قال: كان رسول الله مثل إذا افتح الصلاة رفع
يديه، وإذا ركع، وإذا رفع، وكان لا يفعل ذلك فى السجود ، فما زالت تلك صلاته حتى لقى الله. أخرجه البيهقى.
٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
ولا شك أيضا فى أنه ثبت عن ابن عمر بروايات الثقات فعل الرفع ، وورد عنه برواية مجاهد، وعبد العزيز بن حكيم
الترك، فالأولى أن يحمل الترك المروى عنه على وجه يستقيم ثبوت الرفع منه. ولا يخالف روايته أيضا إلا أن
يجعل تركه مضادا لفعله، ومسقطا للأمر الثابت عن رسول اللّه مَثته بروايته ورواية غيره - انتهى كلام الشيخ
عبد الحى. ومن رد من الحنفية التمسك بأثر ابن عمر هذا على النسخ العلامة الشيخ محمد معين السندى أيضا، وهو من
تلامذة الشاه ولى الله الدملوىفارجع إلى دراسات اللبيب (ص١٧١). واستدلوا أيضا بأنه قد ثبت الترك بالاتفاق فى جنس
ذلك الحكم ، وهو الرفع بين السجدتين ، وثبوت الترك فى الجنس دليل على نسخ الأصل كما قرروا فى حديث التسبيع فى
سؤر الكلب أنه كان فى زمن التشديد فى أمر الكلاب وكما فى مسئلة الرضاعة. قالوا : قد تدرج النسخ فيها من عشر رضعات
حتى نسخ رأسا. قلت: دعوى الاتفاق على ثبوت الترك فى جنس ذلك الحكم منوعة، ولا نسلم أن الرفع بين السجدتين
أو عند كل خفض ورفع كان مشروعا ثم نسخ وترك ، حتى يكون ذلك الترك دليلا على تدرج النسخ إلى الأصل. ولو
تنزلنا وسلمنا أن الرفع بين السجدتين كان ثم نسخ وترك، فلا يدل ذلك على نسخ الرفع عند الركوع، والرفع عند القيام
إلى الركعة الثالثة، كما لا يدل على نسخ الرفع عند التكبيرة الأولى، وأما القول بأن حكم تثمين الغسلات والتسبيع
والتعريب فى سور الكلب كان فى زمن التشديد فى أمر الكلاب ثم وقع فيه النسخ تدريجا فباطل مردود على قاله ، قد رده
الحافظ فى الفتح، والشيخ عبد الحى فى السعاية فارجع إليهما. وكذا دعوى تدرج النسخ فى مسئلة الرضاعة أيضا باطلة
فإنه لا دليل على نسخ حكم خمس رضعات الذى ذهب إليه الشافعى، ولا على نسخ حكم ثلاث رضعات الذى هو مذهب
أحمد، لا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله، ولا يثبت النسخ بالادعاء. واستدلوا أيضا بأنه وقع فى الصلاة تغيرات
فى أوقات مختلفة كما يدل عليه حديث معاذ بن جبل عند أبى داود ((أحيلت الصلاة ثلاث تحويلات)) وقد كانت أقوال
وأضال من جنس هذا الرفع مباحة فى الصلاة، كالكلام، والتطبيق، وعدم استواء الصفوف، والمشى ونحوذلك، ثم نسخت
لكون مبنى الصلاة على السكون والخضوع، فلا يبعد أن يكون الرفع فى المواضع الثلاثة أيضا مشمولا بالفسخ. قلت:
سلمنا وقوع التغيرات فى الصلاة لكن هذه التغيرات إنما وقعت فى الأمور التى هى من العادات ، كالكلام ، واختلال
الصفوف، والمشى، والتطبيق، فهوا عن الكلام وأمروا بالسكوت قبل وقعة بدر بقوله تعالى ﴿قوموا قه
قانتين - ٢: ٢٣٨ ) وأمروا بتسوية الصفوف فى أوائل الهجرة، وأما الأمور التى هى من العبادة فلم يقع النسخ والتغيير
فيها. والكلام هنا فيما هو من صلب الصلاة، وأمر القبلة من شرائط الصلاة لا من صلبها . والرفع بين السجدتين أو
عند كل خفض ورفع لم يثبت. وأما الرفع فى المواضع الثلاثة الذى هو من أمور العبادة فقد ثبت تواترا، ولم يثبت
عن النبي ◌َّ والصحابة ما يدل على نسخه، كما صرح به من الحنفية الشيخ عبد الحى، والشيخ أبو الحسن السندى،
٢٩

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ -باب صفة الصلاة
والشيخ محمد بن معين السندى، وغيرهم. فالقول بكونه مشمولا بالنسخ بمجرد التخمين تقول على الرسول مزّته،
وافتراء عليه. أعاذنا الله منه. وههنا أمور ينبغى أن نذكرها ليتضح لك هذا الجواب حق الاتضاح، وهى تنفعك فيما يأتى
أيضا: الأول أن الأمور العادية هى التى منع منها فى الصلاة ما منع لأنها منافية للخشوع، بخلاف الأفعال التى هى من
جنس العبادة، فلم يقع النهى عنها ، بل أمروا بها لكونها مؤثرة فى الباطن ، موره للخشوع فى القلب ، والصلاة هى اسم
لمجموع الأفعال الظاهرة والخشوع، لا الخشوع القلب فقط. والثانى أن مطلق الحركة ليست بمنافية للخشوع، كحركة
الانتقال من القيام إلى الركوع والسجود، ورفع الرأس منها ، ورفع السبابة فى التشهد، ورد السلام بالإشارة. وقال
تعالى ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين-٢: ٤٥﴾. والثالث أن رفع اليدين الذى هو حركة من الحركات، وعمل من
أعمال الصلاة ليس من الأمور العادية ، بل هو من العبادات ، لأن اشتغال اليدين بالعبادة مع الأعضاء الظاهرة
الأخرى من كمال العبادة كما قيل فى وضع اليمنى على اليسرى فى القيام، ووضع اليدين على الركبتين فى
الركوع، ووضعهما حذاء الأذنين أو المنكبين فى السجدة مستقبلا بأصابعهما القبلة ، ورفع المسبحة، والإشارة بها فى التشهد
ونصب القدمين فى السجدة. وما يدل على كون رفع اليدين من أمور العبادة ما فى شرح البخارى العينى (ج ٥:
ص ٢٧٢) : قال ابن بطال: رفعهما تعبد، وقيل: إشارة إلى التوحيد، وقيل: انقياد. وقيل: إشارة إلى طرح أمور
الدنيا والإقبال بالكلية إلى الصلاة. وقيل: استعظام ما دخل فيه. وقال الشافعى: تعظيم الله، واتباع سنة نبيه محبته.
وقال ابن عمر: هو من زينة الصلاة، وبكل رفع عشر حسنات، بكل إصبع حسنة - انتهى ملخصا. وقال الشاه ولى الله فى حجته
(ج ٢: ص٦): الهيئات المندوبة إليها فى الصلاة ترجع إلى معان: منها ... ومنها محاكاة ذكر الله، وإيثاره على من سواه
بأصابعه ويده حذو ما يعقله بجنانه ويقول بلسانه، كرفع اليدين والإشارة بالمسبحة ليكون بعض الأمر معاضدا لبعض،
إلخ. والرابع أن رفع اليسدين فى المواضع الثلاثة على الهيئة المخصوصة ليس منافيا للخشوع الذى هو الصلاة
كالروح للجسد بل نقول: إن الرفع فى هذه المواضع عين الخشوع. قال الشاه ولى الله فى حجته (ج ٢: ص٨):
السر فى ذلك أن رفع اليدين فعل تعظيمى ينبه النفس على ترك الأشغال المنافية للصلاة والدخول فى حيز المناجاة ،
فشرع ابتداء كل فعل من التعظيمات الثلاث لتنتبه النفس لثمرة ذلك الفعل مستأنفا ـ انتهى. ثم إنهم قد اتفقوا على سنية
افتاح الصلاة برفع اليدين، وهذا دليل واضح على عدم منافاة الرفع للخشوع ، وإلا لما جاز اقتران الصلاة به والمواظبة
على الافتاح به. ولا فرق بين هذه الرفع وبين الرفع فى المواضع الثلاثة الباقية. ومن ادعى الفرق فعليه البيان. وما.
يؤكد ما قلنا من عدم المنافاة بين الرفع المذكور والخشوع ، وعدم الفرق بين الرضعين أن الحنفية قالوا بمشروعيته فى
وسط الصلاة أيضا أى عند تكبير القنوت وتكبيرات العيدين ، فالقول باستنان الرفع فى أول الصلاة ، والذهاب إلى
٣٠

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
مشروعيته فى وسطها ، ثم الحكم بكراهته أوعدم استحبابه فى المواضع الثلاثة على توهم أنه نسخ لكونه منافيا
الخشوع والسكون صريح تناقض. وقد رد هذا الاستدلال الشيخ محمد معين السندى أيضا فى دراساته
(ص ١٦٩) فارجع إليه. هذا، وقد ذكروا لترجيح ترك الرفع فى غير التحريمة، وترجيح روايات الترك على
الرفع ورواياته وجوها كلها مخدوشة مردودة ، فمنها أن الرفع فعل ينبئ عن الترك فلا يناسب كونه فى أثناء الصلاة.
وفيه أن تجديد التنبه لترك ما سوى الله عند كل فعل أصل من الصلاة مطلوب، وهذا يقتضى استحباب الرفع فى أثناء
الصلاة لا تركه. ومنها أنه قد ثبت ترك الرفع فى غير الافتاح عن النبي مؤ لم قصدا فلم يكن تركه على طريق العدم
الأصلى،وقد علم أن مبنى الصلاة على سكون الأطراف، وهذا يقتضى كون ترك الرفع أرجح. وفيه أنه لم يثبت عن
النبي : ترك الرفع المتنازع فيه أصلا كما تقدم، وعلى هذا فالترك عدى محض، فيترجح عليه الرفع ، لكونه عبادة
بخلاف الترك فإنه ترك عبادة. وأيضا الرفع فعل تعظيمى، ولذلك ابتدأ به الصلاة، وهذا أيضا يقتضى كون الرفع أرجح.
ومنها ما قال بعضهم فى شرحه الموطأ: أن كل ما اختلف فيه شئ من الروايات أخذت الحنفية منها الأوفق بالقرآن فلما رأوا
أحاديث ترك الرفع أو فق بقوله تعالى ﴿قوموالله قانتين -٢٣٨:٢° ) رجحوهابه، قال وهذا أوجه وجوه الترجيح. وفيه أن هذا
الوجه ليس بوجيه فضلا أن يكون أوجه بل هو باطل جدا لما قد عرفت أن الروايات التى استدلوا بها على ترك الرفع فى غير
الافتاح كلها ضعيفة غير قابلة للاحتجاج بل بعضها باطلة موضوعة، فالتصدى لترجيح مثل هذه الروايات على روايات الرفع الصريحة
الصحيحة الثابتة المتواترة إسنادا وعملا جهل وسفه، لا يتأتى ذلك إلا من متعصب معاند للسنة. وأيضا قد تقدم أن قوله
تعالى (قوموا لله قانتين﴾ نزل قبل وقعة بدر ، وقد ثبت الرفع من التی یُٹے وأصحابه بعد نزولە کما يدل عليه حديث
مالك بن الحويرث، ووائل بن حجر، وابن عمر، وغيرهم، بل قد ثبتت مواظبته مَ له ، وإجماع الصحابة عليه بعده ،
فلو كان ترك الرفع أوفق للقرآن، وأقرب إليه، وأشبه به لما واظب الرسول من طقم على خلاف مقتضى القرآن ، ولا
أجمع الصحابة عليه بعده، لأن النبي مَّ وأصحابه كانوا أحق وأكثر فهما للقرآن. وأيضا مبنى هذا الوجه على أن الرفع
مناف للسكون والخشوع، وقد تقدم بطلانه، ولفساد هذا الوجه وجوه أخرى لا تخفى على المتأمل . ومنها ما قال هذا
البعض أيضا : أن بعض أنواع الرفع الثابتة متروك عند الجميع ومجمع عليه، فهذا قرينة على أنه وقع النسخ فيه ، فالأخذ
بالمتفق عليه أولى، وهو الرفع عند التحريمة. وفيه نظر من وجوه: الأول أن ترك الرفع بين السجدتین أو فیکل خفض
ورفع ليس بمجمع عليه كما سيأتى، فدعوى كون بعض أنواع الرفع متروكا عند الجميع باطلة لكونها خلاف الواقع.
الثانى أن من لم يقل بالرفع فيما عدى المواضع الأربعة إنما اختار ذلك لعدم ثبوته عنده بطريق صحيح، لا لأنه كان مشروعا
ثم ترك ونسخ، فلا يكون عدم القول به دليلا على وقوع النسخ. والثالث أن القائلين بالرفع فى المواضع الأربعة
٣١

فرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ دباب صفة الصلاة
ما تركوا المتفق عليه، بل قد أخذوه، ثم أخذوا أيضا ما واظب عليه رسول اللّه تَّى، وما قد أجمع عليه الصحابة
بعده، وما هو ثابت بتواتر الإسناد والعمل، يخلاف الحنفية فإنهم تركوا بل طرحوا الثابت ، وتمسكوا بما لم يثبت ،
وليس الأخذ بالضعيف أو غير الثابت من الاحتياط فى شئ إنما الاحتياط فى الأخذ بما ثبت لا بما لم يثبت. ومنها ما
قال هذا البعض أيضا: أن الصلاة انتقلت عن الحركات إلى السكون، فإنه كان فى أول الأمر المشى وأمثاله مباحة ، فلما
تعارضت الروايات أخذت الحنفية الأقرب إلى السكون. وفيه أن هذا الوجه يرجع إلى ما ذكره مو أولا وقد ينا
فساده .. ثم نقول: إن تلك الحركات كانت من الأمور العادية، ومنع منها لكونها منافية للخشوع والسكون، بخلاف
الرفع المتنازع فيه، فإنه من أمور العبادة وليس منافيا للخشوع ، بل هو مورث الخشوع أو عينه كما بينا ، ولم يثبت التغير
فيه أصلا كما صرح به غير واحد من علماء الحنفية، وادعاء التعارض بين أحاديث الرفع والترك جهل، فإنه لا بد لتحققه
من المساواة فى القوة، والضعيف لا يعارض القوى والصحيح. والعجب ممن يفرق بين الرفع فى القنوت والعيدين،
وبين الرفع فى المواضع الثلاثة، مع أن الرضعين من جنس واحد، ومع أن الترك مطلقا أقرب إلى السكون، ومع أن
الرفع فى القنوت والعيدين لم يثبت مرفوعا بسند صحيح ، ومع أن الرفع فى المواضع الثلاثة ثابت حقا. ومنها ما قال هذا
البعض أيضا: أن أكثر من روى أحاديث الرفع تشمل رواياتهم الزائد من المواضع الثلاثة، فهو متروك عند من
استدل بها أيضا. وأحاديث الناقلين للترك محكم فى موداه ليست مما يؤخذ بعضها ويترك بعضا. وفيه أن الأحاديث فى ذلك
على ثلاثة أنواع: الأول أحاديث الترك فى غير التحريمة. والثانى أحاديث الرفع فى المواضع الثلاثة فقط. والثالث الأحاديث
التى فيها الرفع زائدا على المواضع الأربعة. وقد سبق أن أحاديث الناقلين للترك كلها ضعيفة غير صالحة للاستدلال ،
بل بعضها باطلة موضوعة ، فليست هى ما يؤخذ أصلا لا كلا ولا بعضا، بل هى ما يترك ويطرح رأسا. ومع ضعفها
محتملة للتأويل بخلاف النوع الثانى، أى أحاديث الرفع فى المواضع الثلاثة فقط ، فانها صحيحة ثابتة محكمة فى موادها،
فيجب الأخذ بها على كل مسلم. وأما الأحاديث التى فيها الرفع زائدا على المواضع الأربعة فلم ثبت ولم يصح
منها شئ، ولذلك لم نقل بالرفع فى غير هذه المواضع. وأصل استدلال القائلين بالرفع ليس بهذه
الأحاديث بل بالنوع الثانى، وهى محكمة فى موادها ليست مما يؤخذ بعضها ويترك بعضها. ومنها ما قال هذا البعض
أيضا: أن روايات الفعل متعارضة، ورواية القول سالمة من المعارضة، فبقى حجة. وفيه ما تقدم آنفا من أن"
دعوى التعارض باطلة لتوقفه على المساواة فى القوة والضعف ، وأحاديث الخصوم كلها ضعيفة لا تصلح العارضة، ولو
تنزلنا وسلمنا قوتها وصحتها فلا تصلح للمعارضة أيضا، فإن أحاديث الرفع أقوى وأصح وأكثر قد بلغت التواتر،
وبعضها متفق عليه، فمعارضتها بأحاديث الترك وجعلها ساقطة بادعاء التعارض بلادة ظاهرة. وأما رواية القول يعنى
٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
حديث جابر بن سمرة («مالى أرى رافعى أيديكم، فقد حققنا بما لا مزيد عليه أنه لا ذكر فيها للرفع المتنازع فيه، وأن
الاستدلال بها على ترك الرفع ونسخه جهل قبيح. ومنها ما قال هذا البعض أن التعارض إذا وقع فى الفعل والقول
يقدم القول. وفيه أنه لم يرد فى الترك حديث قولى، وأما حديث جابر فقد تقدم أنه ورد فى الرفع عند السلام لا فى
الرفع المتنازع فيه. ومنها ما قال هذا البعض أيضا ملخصا لكلام الإمام محمد فى موطأه: أن الناقلين للترك أولو
الأحلام والنهى فكان موقفهم الصف الأول، فهم أعلم بصلاة رسول اللّه مثله، بخلاف مثل عبد الله بن عمر فإنه
استصغر يوم أحد، وأول مشاهده الخندق. وفيه أنه لم ينفرد ابن عمر برواية الرفع عن رسول الله مرثية، بل اشترك
معه جمع كثير من الصحابة كأبى بكر عند البيهقى، وعمر عند الدار قطنى، وعلى عند أبي داود وغيرهم من ذكرهم السيوطى
فى رسالته. ولا شك أن هؤلاء أولو الأحلام والنهى، ومن أهل بدر، ومن الخلفاء الراشدين ، ومن أهل الصف
الأول، فهم أعلم بصلاة رسول الله مَّ، وليس فى كبار الصحابة من روى عدم الرفع فى غير الافتاح إلا ابن مسعود
مع أنه لم تثبت روايته عند المحدثين ، فانعكس الأمر، وترجح الرفع بما لا يدفع. ومنها ما قال هذا البعض أيضا: أن
الرفع فى غير التحريمة يدور بين السنية ونسخها لتعارض الروايات، ومعلوم أن الشئى إذا يدور بين السنة والبدعة يرجح
الثانى، ومن المعلوم أيضا أنه يرجح المحرم على المبيح أبدا. وقال صاحب الكوكب الدرى - وهو شيخ مشائخ هذا
البعض -: الاحتياط فيما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة لأن رفع اليدين على تقدير نسخه يكون عملا بالمنسوخ، وعدم
الرفع على تقدير استحبابه يكون ترك أدب، وإحداث بدعة أشنع من ترك أدب. وفيه أن مقتضى هذا الوجه أن
يكون الرفع فى غير التحريمة مكروها ، لأنه إما دائر بين أن يكون سنة على تقدير استحبابه ، وبين أن يكون بدعة على
تقدير نسخه، أو دائر بين أن يكون مباحا لأحاديث الرفع، وبين أن يكون محرما لحديث جابر بن سمرة : مالى أرى
رافعى أيديكم. وهذا مخالف لما تقدم من تصريح صاحب الكوكب بأنه لا خلاف فى الجوازوعدم الجواز، وإنما النزاع
فى أن الأولى هل هو عدم الرفع أو الرفع، فاخترنا الأول واختار الشافعية الثانى. فإن كلامه هذا يدل على أن المحقق
عنده أن جواز الرفع ليس بمسوخ، بل هو باق إلى الآن، وإنما المنسوخ هو استحبابه، فالأولى والمستحب عنده هو
ترك الرفع، وهو أيضا مخالف لتصريحات المحققين من الحنفية كأبى بكر الجصاص الرازى، فإنه صرح بأن الاختلاف
فى الاختيار والأفضلية لا فى الجواز، وتبعه فى ذلك الشيخ محمد أنور الكشميرى وقال: القول بكراهة التحريم فى مسئلة
متواترة بين الصحابة شديد عندى. وقال جامع تقاريره: من رفع فهو على حق وسنة. وكالشاه ولى اللّه الدحلوى فإنه
.صرح بكون الرفع سنة، وبأن الذى يرفع أحب إليه من لا يرفع. وكتلميذه الشيخ محمد معين السندى فإنه رد على
الحنفية ردا مشبعا، وحقق كون الرفع سنة متواترة واظب عليها النبى مؤثر. وكالشيخ أبى الحسن السندى صاحب
٣٣

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
الحواشى على الأصول الستة. والشيخ عبد الحي اللكنوى شيخ النيموى فإنهما صرحا بأن الرفع أرجح من الترك. وقد
حققنا بما لا يدفع أن أحاديث الترك ضعيفة لا تصلح لمعارضة أحاديث الرفع لضعفها. ولأنه لا تعارض بين الفعل
والترك ، لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز، ولقد صدق ابن الجوزى حيث حكم بالبلادة على من حاول
معارضة أحاديث الرضعات بما روى من الأحاديث فى عدم الرفع ، فقال: ما أبلد من يحتج بهذه الأحاديث يعنى التى
تروى فى عدم الرفع إلا مرة فى التحريم ليعارض بها الأحاديث الثابتة. وقال البخارى: من زعم أنه بدعة فقد طعن
فى الصحابة، فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركه - انتهى. وليس فى كلام البخارى هذا شئ من المبالغة كما توهم بعض
الحنفية. وقد قررنا أيضا أن حديث جابر بن سمرة ليس بوارد فى الرفع المتنازع فيه، فإذن لا احتمال ، ولا مجال ههنا
القول بالفسخ والتحريم ، فلم يق حينئذ إلا جهة كون الرفع سنة ثابتة مستمرة، وكون خلافه مرجوحا بل باطلا.
ولا شك أن الإحتياط إنما هو فى العمل بالسنة الثابتة لا فى ردها وتركها ومخالفتها. والعجب من هذا البعض وأمثاله
أنهم يخترعون مثل هذه الوجوه الواهية المضحكة لرد الأحاديث الصحيحة الثابتة المتواترة. هداهم الله تعالى إلى الصراط
المستقيم، إلى اتباع سنن نبيه الكريم، ومنها ما قال هذا البعض أيضا أن رواة المنع والترك أفقه من رواة المثبتين. وهذا
بما لم يقدر على إنكاره الأوزاعى أيضا فيقدم روايتهم. وفيه أنه ليس فى كتب الحديث على اختلاف أنواعها حديث
مرفوع صحيح، أو ضعيف صريح في المنع عن الرفع فى المواضع الثلاثة ، ولا يمكن للحنفية أن يأتوا بحديث صريح فى
المنع عن الرفع المتنازع فيه ولوكان بعضهم لبعض ظهيرا. وأما قوله: إن رواة أحاديث الترك أفقه، ثم ترجيحها
بذلك على أحاديث الرفع، فهو ادعاء محض ، وتحكم مجرد، بل الأمر على خلاف ما قال هذا البعض كما سترى. وقد
أشار بذلك إلى ماحكى أنه اجتمع أبو حنيفة مع الأوزاعى بمكة فى دار الخناطين فقال الأوزاعى: ما لكم لا ترفعون
عند الركوع والرفع منه؟ فقال: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله مزتهم، فقال الأوزاعى: كيف لم يصح وقد حدثنى
الزهرى ، عن سالم، عن أبيه ابن عمر أن رسول الله مرافق كان يرفع يديه إذا افتح الصلاة، وعند الركوع، وعند
الرفع منه، فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله بن مسعود: أن النبى معَّ ليه
كان لا يرفع يديه إلا عند الافتاح ثم لا يعود. فقال الأوزاعى: أحدثك عن الزهرى، عن سالم ، عن أيه،
وتقول: حدثنى حماد عن إبراهيم. فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهرى، وكان إبراهيم أفقه من سالم ، وعلامة
ليس بدون ابن عمر أى فى الفقه وإن كان لابن عمر صحبة، وله فضل صحبته، والأسود فضل كثير ، وعبد الله عبد الله .
ذكر هذه الحكاية ابن الهام فى فتح القدير ، ومنه نقلها على القارى فى المرقاة ، والشيخ أحمد على السهار نقودى فى
حاشية البخارى. قال ابن الهمام بعد ذكرها. فرجح أبو حنيفة بفقه الرواة كما رجح الأوزاعى بعلو الاسناد وهو أى
٣٤
.

مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
الترجيح بالفقه المذهب المنصور عندنا - انتهى. والقصة مشهورة بين الحنفية ، لكن لا يشك من له أدنى عقل ودراية
أنها حكاية مختلفة، وأكذوبة مخترعة. كيف ولم يذكرها أحد من تلامذة أبى حنيفة وأصحابه ، ولا أحد من متقدمى
الخفية، ولو كان لها أصل لذكرها محمد فى موطأه أو فى غيره من تصانيفه مع أنه لم يشر إليها أدنى إشارة. نعم ذكرها
السيد مرتضى الحسينى فى عقود الجواهر المنيفة فى أدلة مذهب الإمام أبى حنيفة (ج ١: ص ٤٣) نقلا عن مسند أبي محمد
عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثى البخارى المتوفى سنة (٣٤٠) قال: روى الحارثى فى مسنده قال: حدثنا محمد بن إبراهيم
ابن زياد الرازى: ثنا سليمان بن داود الشاذكونى، إلخ. وقال: وسليمان الشاذكونى واهمع حفظه، إلا أن القصة مشهورة. وقال
ابن التركانى فى الجوهر النقي (ج ٢: ص٨٢): قال الرازى: الشاذكونى ليس بشئ، متروك الحديث. وقال البخارى: هو
عندى أضعف من كل ضعيف. وقال ابن معين: ليس بشئ. وقال مرة: كان يكذب ويضع الحديث - انتهى. قلت: وعبدالله
الحارثى جامع مسند أبى حنيفة متهم بوضع الحديث. قال الذهبي فى الميزان (ج ٢: ص ٧٤): عبد الله بن محمد بن
يعقوب الحارثى البخارى الفقيه عرف بالأستاذ. قال ابن الجوزى: قال أبو سعيد الرواس: يتهم بوضع الحديث .
وقال أحمد السليمانى: كان يضع هذا الإسناد على هذا المتن ، وهذا المتن على هذا الإسناد، وهذا ضرب من الوضع.
وقال حمزة السهمى: سألت أبا زرعة أحمد بن الحسن الرازى عنه ، فقال: ضعيف. وقال الحاكم: هو صاحب عجائب
وأفراد عن الثقات. وقال الخطيب: لا يحتج به. وقال الخليلى: يعرف بالأستاذ، له معرفة بهذا الشأن، وهو لين))
ضعفوه. حدثنا عنه الملاحی وأحمد بن محمد البصير بعجائب. قال الذهبي : وقد جمع مسندا لآبی حنفة ۔انتھی. قال
الحافظ فى اللسان (ج ٣: ص ٣٤٩): وبقية كلام الخليلى ((كان يدلس)). وقال الخطيب: كان صاحب عجائب،
ومناكير، وغرائب، وليس بموضع الحجة، وعلى كون هذه الحكاية مختلقة أدلة عقلية أيضا، فمنها أنه جعل فيها مبنى
الترجيح على فقه الراوى، ومرجعه إلى مسئلة الرواية بالمعنى لأنه يتعلق بمعرفة مدلولات الألفاظ كما لا يخفى، لكن
مسئلة الرفع خارجة عنها، فإن الترجيح بالفقه إنما يمكن فى أقواله ريّ لا فى أفعاله وأحواله وتقريراته. ومن المعلوم
أن رفع اليدين فى الصلاة من الأفعال لا من الأقوال ، وإليه أشار الإمام الرازى حيث قال : أى مدخل للنفقه فى
الأمور الحسية؟. ومنها أن أبا حنيفة قال أولا: لم يصح عن رسول الله تَّم فيه شئ، وكان مقتضى الحال أن يذكر
حديث ابن مسعود ، فإن الدليل على ترك الرفع فى غير الافتاح عند أهل الكوفة إنما هو حديث ابن مسعود، لا عدم
ورود حديث صحيح فى الرفع. ومنها أنه عارض بعد ذلك حديث ابن عمر بحديث ابن مسعود، فكانه سلم صحة حديث
الرفع بعد ما أنكر سته أولا، وهذا كما ترى صريح تناقض. ومنها أن المراد بالفقه إن كان هو الفهم
والذكاء، وقوة الاستنباط والاستخراج فلا شك أن الزهرى أفقه من حماد، وسالما أفقه من إبراهيم، وابن عمر
٣٫٥

مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
مع كونه صحابيا أفقه من علقمة والأسود كما يظهر من كتب أسماء الرجال. وعلى هذا فالترجيح يكون لحديث ابن عمر
لعلو سنده ولصحته، ولكون رواته أفقه، ولكونه مثبتاً، لا لحديث ابن مسعود لعدم وجود هذه الأمور
فيه. قال الشيخ محمد معين السندى الحنفى تلميذ الشاه ولى الله الدهلوى فى دراساته (ص ١٧٧ - ١٨٤): ومن الإغراب
البديع معارضة حديث الرفعات من أكثر الحنفية بما حكى ابن عيينة أنه اجتمع أبو حنيفة مع الأوزاعى بمكة فى
دار الخناطين، فقال الأوزاعى (فذكر مناظرتهما بمثل ما قدمنا ثم قال): وذلك الإغراب من وجوه، الأول: أن هذه
الحكاية عن ابن عيينة معلقة، ولم أر من أسندها. ومن عنده السند فليأت به حتى ننظر فى رجاله. والمعلقات من
أمثالها ليس من الاحتجاج فى شئ، ولهذا لم يتعرض لها الحافظ الزيلعى فى تخريج الهداية مع استيفائه حجج
المسئلة من كل قوى وضعيف يعتبر به ويشهد له، وذلك لأن المعلق من غير الجامع الصحيح كما لا يحتج به لا يصلح
للاعتبار والشهادة مطلقا. وليس فى ذلك كالضعاف الذى تنقسم إلى ما يعتبر بها وإلى مالا يعتبر، ولهذا يقول الامام
الدار قطنى فى تفاوت مراتب الرجال: فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به. ومن هذا سقط ما أشار إليه ابن الهمام من
الاعتبار والشهادة بقوله: ويؤيد صحة هذه الزيادة يعنى زيادة بعض الرواة فى حديث ابن مسعود «ثم لا يعود» رواية أبى
حنيفة من غير الطريق المذكور، وذلك أنه اجتمع مع الأوزاعى بمكة فى دار الحناطين كما حكى ابن عيينة إلى آخرها،
لما عرفت من تعليقها وحكم التعاليق. الثانى: أن قول أبى حنيفة فى هذه الحكاية ((لم يصح فيه عن رسول الله مَ ل شئ،
مفصح من عدم علمه بحديث ابن عمر على ما هو المتبادر الظاهر من كلامه ، والتقييد بأن يقال: أراد عدم صحته بشئى غير
معارض، كما ارتكبه القارى فى شرح الموطأ من رواية محمد، خلاف الظاهر (قلت: قال القارى فى المرقاة: قوله (لم
يصح فيه شئى) أى لم يصح معنى إذ هو معارض، وإلا فإسناده صحيح) فإخبار الأوزاعى بمجرده من غير تصحيحه
على شرائطه الملتزمة عنده يجوز أن لا يحصل له الثقة بذلك نجرى الكلام معه على ما جرى. الثالث: فقه الرواة لا أثر
له فى صحة المروى، وإنما مدارها على العدالة والضبط ، وكل ما اشترط فى صحة الحديث، إذ قلة الفقه لا يوجب الوهن
فى شرائط التحمل وما يلازمه الوثوق بالرواية، وإذا انتفى ذلك بق العلو لسند ابن عمر مع ما له من الصحة.
والخفية لا يعتقدون أيضا أن قلة فقه الراوى مما يتطرق به الوهن إلى مرويه، بل يرون أن رواية قليل
الفقه من الصحابة إذا خالفها القياس من كل وجه يقدم القياس عليها من غير أن يتطرق
عندهم وهن. بعدم فقه الراوى فى صحة مرويه، أو يحصل زيادة وثوق بفقه الراوى لصحة مرويه من
مروى من دونه فى الفقه. وما ذهبوا إليه من تقديم القياس على رواية مثل أبي هريرة
وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة، وهم عندهم من يقل فقههم من الصحابة قد وقع
عليهم بذلك الطعن الشديد، لا سيما فى حكمهم على أبى هريرة بقلة الفقه حيث نسبوم بعظم الجسارة بهذا القول، وكما وقع
٣٦

مر عاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
الطعن من هذا الوجه وقع على أشد من ذلك من حيث استلزام هذا القول منهم تقديم الرأى على السنة الثابتة عن
رسول الله موفقة، وعدم التعبد فى كلام الشارع المعصوم مرَّى، فإن السند فيه باب القياس، وتعويلهم على رأى من
يجوز عليه الخطأ والرجوع عن رأيه فى ساعة. وقد جروا على ذلك فى حديث المصراة من مسند أبي هريرة ، وقد أجبنا
عنه فى وريقات بما يتبين به وفاق القياس بالحديث من غير خافية (ثم ذكر ما عللوا به تقديم القياس على السنة وبسط
الكلام فى الرد عليه ثم قال): وإذا تبين أنه لا أثر لفقه الراوى فى صحة الحديث وقوته على حديث غير الفقيه، وأن
أصحاب أبى حنيفة (أى المتأخرين) إنما يرون الأثر لكثرة الفقه وقلته من جهة أخرى غير ترجيح المروى - وهى تقديم
القياس على فساده - فنسبة القول بترجيح رواية الفقيه على غير الفقيه إلى أبى حنيفة فى هذه الحكاية من أمارات الاختلاق
عليها. الرابع: كما دل العقل على أن فته الراوى لا أثر له فى صحة الرواية فلا يستند قول ذلك إلى أبى حنيفة دل النقل من
الثقات على أنه قول موضوع مختلق على السلف الصالح، ومستحدث من المتأخرين من لا يعبأ بقوله على وضوح فساده.
شهد بذلك فخر الإسلام، والشيخ الأجل عبد العزيز صاحب الكشف والتحقيق، وهو شيخ الامام ابن الهمام.
وصرح بذلك فى التحقيق. قال: ولم ينقل من أحد من السلف اشتراط الفقه من الراوى، فثبت أنه قول مستحدث
انتهى. وإذا اجتمع العقل والنقل قويت الأمارات، وصارت دليلا قطعيا على كذب الحكاية واختلاقها. الخامس:
سلمنا أن لفقه الراوى أثرا على ترجيح مرويه على مروى غير الفقيه - كأبى هريرة وأنس وجابر عند المتجاسرين من بعض
الحنفية - فلا نسلم أن رجال حديث ابن عمر غير فقهاء، ترجح على مروبهم حديث ابن مسعود لفقه رواته، وكون رجاله
أفقه من رجال ابن عمر إن سلم فلا نسلم حصول الترجيح بحديث ابن مسعود بحيث يترك به رأسا حديث ابن عمر
لرجوعه إلى باب خلاف الأضبط مع الضابط ، والترجيح الحاصل بكثرة الضبط مع إتقان ضبط المخالف على ما يدفع
مخائل الخطأ عنه لا يوجب ترك المرجوح رأسا وعدم العمل به أصلا حتى يعد من مكروهات الصلاة ، بل البدعة
الحادثة. على أن حديث ابن عمر فى الرفعات قد عرفت فيما سبق أنه قل حديث يوازيه فى القوة وأنه من المتواترات،
فهو طور موطر لا يزعزعه عاصفات الرياح فضلا عن غيرها .. ولقد صدق ابن الجوزى حيث قال: ما أبلد من يحتج
بهذه الأحاديث يعنى التى تروى فى عدم الرفع إلا مرة فى التحريم ، ليعارض بها الأحاديث الثابتة ، حكاه الحافظ ابن
حجر فى تخريج مسند الرافعى (ص٨٣). وحاصل الكلام ههنا أن هذه الحكاية عن أبى حنيفة بعد كونها معلقة غير مقبولة
قد قامت الدلائل الواضحة على عللها القادحة فيستغرب الإقدام من يقدم على إيرادها فى محل الاحتجاج أو الاعتبار
انتهى كلام الشيخ محمد معين مختصرا. ومنها ما قال هذا البعض أيضا: أن مقتضى القياس ترجيح روايات الترك،
لأن الشرع جعل لانتقالات الصلاة علامة، وهى التكبير والذكر ، وجعل لابتداء الصلاة وانتهاء ما علامة أخرى أيضا
٣٧

مزعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
مع الذكر، وهى الرفع عند البداية ، وتحويل الوجه عند السلام ، فينبغى أن يكون حكم الانتقالات واحدا على وفق
فظائرها، وحكم الطرفين واحدا. وفيه كلام من وجوه، الأول: أن المصير إلى القياس إنما يكون إذا تعارض النصان ،
وهو ههنا منتف لما تقدم مرارا من عدم موازاة أحاديث الترك لأحاديث الرفيع، ولو سلم التعارض فالرجوع إلى
القياس إنما يكون إذا لم يمكن الجمع، وأما إذا أمكن يلزم أن يجمع وههنا العمل بكلتيهما يمكن كما حققه السندى والشيخ
عبد الحى اللكنوى وغيرهم ممن لم يقل بنسخ جواز الرفع، وإذا كان الأمر كذلك فمرجع هذا الوجه ترك السنة الصحيحة
الثابتة المتواترة بمجرد القياس، ولا يجترئى عليه إلا مقلد جاهل. أو عالم متعصب لرأى إمامه. والثانى: أن الشرع الذى
جعل لابتداء الصلاة علامة الرفع مع الذكر قد جعل لانتقالاتها أيضا هذه العلامة ، وهذا مما لا يمكن إنكاره لأحد كائنا
من كان، فالإقرار بشرعية هذه العلامة فى موضع وإنكارها فى موضع آخر مع أنها ثابتان بتواتر الا سناد والعمل بعيد من العاقل.
والثالث: أن القياس يقتضى ترجيح روايات الرفع فى المواضع الثلاثة أى عندالركوع وبعدرفع الرأس منه عند إرادة الهوى
للسجود، وعند القيام إلى الركعة الثالثة ليكون حكم جميع الانتقالات واحدا. وإليه أشار الشاه ولى الله حيث قال:
السر فى ذلك أن رفع اليدين فعل تعظيمى، ينبه النفس على ترك الأشغال المنافية للصلاة والدخول فى حيز المناجاة، فشرع
ابتداء كل فعل من التعظيمات الثلاث لتفتبه النفس لثمرة ذلك الفعل مستأنفا - انتهى. والرابع: أن قوله «فينبغى أن
يكون حكم الطرفين واحدا، يقتضى أن يشرع الرفع عند السلام أيضا ليكون الطرفان متشابهين ، ولا إغراب فى ذلك،
لأن هذا من نتائج تحكيم القياس والاعتماد على الرأى مع وجود النص الصريح الصحيح. ومنها ما ذكر هذا البعض أيضا
نقلا عن الباجى : أن كل تكبير شرع فى الصلاة يكون عند عمل قرن يه للانتقال من حال إلى حال ، فلما لم يكن عند
تكبيرة الإحرام عمل من الانتقال عن حال إلى حال قرن به رفع اليدين، كما قرن بالسلام الإشارة بالوجه والرأس لما
لم يكن عنده الانتقال من حال إلى حال - انتهى. وحاصله أن مقتضى القياس أن لا يشرع الرفع مع التكبير المقرون
بعمل من الانتقال من حال إلى حال لعدم الاحتياج إلى عمل الرفع مع وجود عمل الانتقال، لكون هذا العمل كافيا للدلالة على
الانتقال بخلاف التكبير الغير المقرون مع عمل الانتقال ، فإن عدم وجود عمل دال على الانتقال هناك يقتضى أن
يشرع الرفع منه، ليكون عمل الرفع علامة على الانتقال من حال إلى حال ، فترك الرفع فى غير الافتاح موافق القياس
من هذه الجهة بخلاف الرفع، فيترجح الترك ورواياته على الرفع ورواياته. وفيه أن القياس الصحيح يرجح الرفع
لا الترك لما تقدم أن رفع اليدين فعل تعظيمى ينبه النفس على ترك الأشغال المنافية للصلاة والدخول فى حيز المناجاة ،
ولذلك ابتدأ به فى الصلاة فينبغى أن يشرع ابتداء كل فعل من التعظيمين أيضا به لتقتبه النفس لثمرة ذلك الفعل مستأنفا.
وليكون التعظيمات الثلاث فى حكم واحد ، وليتقوى العبادة بتوافق القول وعمل الجوارح. ولما تقدم أيضا أنن ترك
٣٨

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
٠٠,
الرفع عدمى محض وترك عبادة، بخلاف الرفع فإنه وجودى وعبادة فيترجح على الترك. وقد ظهر من هذا أن القياس
الذى أبدأه الباجى ثم نقله هذا البعض عنه لترجيح الترك مردود، لما فيه من إهمال أحاديث الرفع الصحيحة الثابتة
المتواترة وطرحها بخلاف ما ذكرنا من الوجهين لترجيح الرفع فإنه موافق لهذه الأحاديث ومؤيد بها ، فلا يشك فى كونه
صحيحا ومقبولا. ومنها ما ذكر هذا البعض أيضا نقلا عن الطحاوى، وذكره الزيلعى أيضا فى نصب الراية. قال
الطحاوى: مذهبنا أيضا قوى من جهة النظر، فإنهم أجمعوا على أن التكبيرة الأولى معها رفع، وأن التكبيرة بين السجدتين
لا رفع بينهما، واختلفوا فى تكبيرة الركوع وتكبيرة الرفع منه فألحقها قوم بالتكبيرة الأولى، وألحقهما قوم بتكبيرة السجدتين.
ثم إنا رأينا تكبيرة الافتاح من صلب الصلاة لا تصح بدونها الصلاة، والتكبيرة بين السجدتين ليست بذلك، ورأينا تكبيرة
الركوع والنهوض ليستا من صلب الصلاة، فألحقناهما بتكبيرة السجدتين - انتهى. وفيه نظر من وجوه، أولها: أن الرفع
عند التكبيرة الأولى ليس بمجمع عليه فإن مالكا قال فى رواية عنه: أنه لا يستحب، نقله صاحب التبصرة، وحكاه الباجى
عن كثير من متقدميهم، كذا فى الفتح (ج ٣: ص ٤٠٣). وفى المنتقى شرح الموطأ لأبى الوليد الباجى: ذهب جمهور
الفقهاء إلى أن رفع اليدين عندما مشروع، وروى عن بعض المتقدمين المنع عن ذلك - انتهى. واستدل لهم بحديث جابر بن
سمرة «مالى أرى رافعى أيديكم، وبماروى الطحاوى عن الأسود قال: صليت مع عمر فلم يرفع يديه فى شئ من صلاته. وبمانقل بعض
الحنفية عن الطحاوى أنه روى عن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه فى شئ من الصلاة. ثانيها: أن ترك الرفع بين
السجدتين أيضا ليس بمجمع عليه، فقد ذهب إلى شرعيته أيوب السختيانى وطاؤس ونافع وعطاء وغيرهم. وقد قال به من الشافعية
ابن المنذروابن خزيمة ، وأبو على الطبرى ، وغيرهم. وثالثها: أن الذين قالوا بالرفع عند تكبيرة الركوع ورفع الرأس منه
إنما اعتمدوا فى ذلك على ما ورد فيه من الأحاديث الصحيحة لا على قياس تكبيرة الركوع والنهوض على التكبيرة الأولى
وإلحاقهما بها. رابعها: أن تكبيرة الركوع والنهوض، وكذا تكبيرات السجود الظاهر أنها واجبة، ومن صلب الصلاة
مثل التكبيرة الأولى، لما روى أبو داود وابن حزم فى المحلى (ج ٣: ص ٢٥٦) وابن الجارود فى المنتقى (ص ١٠٣،
١٠٤) وغيرهم حديث المسئى فى صلاته بلفظ ((لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله)) الحديث. وفيه
ذكر جميع التكبيرات بسياق واحد، ولما روى أبو داود أيضا عن أبى موسى الأشعرى ((أن رسول الله مؤتم خطبنا
وعلينا وبين لنا سنتنا، وعلينا صلاتنا، الحديث. وفيه (فإذا كبر أى عند الافتاح فكبروا). وفيه أيضا ،فإذا كبر
وركع فكبروا واركعواء. وفيه أيضا «وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا)، فقوله مَضع: لا تتم صلاة أحدكم حتى
يفعل كذا وكذا. وقوله: كبروا. يدلان على وجوب تكبيرات الانتقالات. قال ابن قدامة فى المغنى: المشهور عن
أحمد أن تكبير الرفع والخفض واجب. وهو قول داود وإسحاق ـ انتهى. قلت: وهو قول ابن حزم، وهو أيضاً،
٣٩

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
مؤدى رواية ابن القاسم من المالكية إذقال: لو أسقط ثلاث تكبيرات سجد للسهو، وإلا بطلت الصلاة - انتهى.
ومنها ما يفهم من كلام بعض الحنفية فى رسالته فى مسئلة رفع اليدين: أن الرفع والترك كلاهما ثابتان فى الخارج لاتصال
العمل بهما من لدن عصر النبوة إلى يومنا هذا ، لكن من استقصى صفة الصلاة من الصحابة لم يذكر كثير منهم الرفع ،
وسكوتهم عن ذكره فى حكم ذكر الترك، وحينئذ يزيد عدد روايات الترك على روايات الرفع، ومن المعلوم أن الكثرة
من المرجحات عند الاختلاف كما صرح به الحازمى والعنى وغيرهما. وفيه أنه لم يثبت ترك الرفع فى الخارج عن أحد
إلا عن جماعة من أهل الكوفة كما تقدم، وعلى هذا فالروايات التى ليس فيها ذكر الرفع مع بيان صفات
الصلاة الأخرى تحمل على أن الرواة اختصروا فيها ذكر الرفع لشهرته ، فربما يذكر الراوى ما يحتاج إليه السائل ،
ويحذف ما كان معلوما ومشهورا، فسكوت من سكت عن ذكر الرفع لا يكون فى حكم ذكر العدم والترك
فإيراد الحنفية هذه الأحاديث المختصرة الساكنة عن ذكر الرفع لإثبات الترك إيراد فى غير محلها. وأما ما قال هذا
البعض: أن كثيرا ممن استقصى صفة الصلاة لم يذكروا الرفع، فهو ادعاء محض ، ولو سلم ذلك كله فلا يزيد بذلك عدد
روايات الترك؛ لأن رواة الرفع قد بلغوا خمسين، بل قد صح فيه أربعمائة خبر واثر، ورواه العشرة المبشرة على ما قاله
المجد الفيروزآبادى فى سفر السعادة. ولا وجه لحمل قوله على المبالغة كما توهم بعض الحنفية. ومنها ما يفهم من كلام
هذا البعض أيضا أنه جاء فى التحريمة وغيرها من بعض أفعال الصلاة وأحوالها وأذكارها أحاديث قولية وفعلية ، وفى
بعضها أحاديث قولية فقط، ولم يرو حديث قولى فى الرفع فى غير الافتاح أصلا، وكثير من استقصى صفة الصلاة
لم یذکره، وهذا يدل على أن الرفع ليس مقصودا أصليا. وفيه أن بت الحكم بعدهورود حديث قولى فى الرفع فی غیر
الافتاح متعذر بل هو غير صحيح، كيف وقد قال رسول اللّه مريض لمالك بن الحويرث وأصحابه بعد ما صلى بهم مع عمل
الرفع: صلوا كما رأيتمونى أصلى. فقوله هذا متضمن للأمر بالرفع فى غير الافتاح أيضا. ولو سلم عدم ورود حديث
قولى صريح فيه فلا يدل ذلك على أن الرفع ليس بمقصود أصلى، لأن مواظيته مثّ عليه ثم إجماع الصحابة عليه بعده
وتواتر العمل به إلى يومنا هذا أهم وأعظم من ورود حديث قولی فیه . فهو أ کبر دليل على كون الرفع مقصودا ومطلوبا
فى الصلاة. وكيف لا يكون الرفع كذلك وهو فعل تعظيمى، وهو أيضا فعل ينبئ عن ترك ما سوى الله، وتجديد
التنبه لترك ما سوى الله أصل من الصلاة مطلوب. ومنها ما يفهم من كلام هذا البعض أيضا أن استغراب الرواة الرفع
وترددهم فيه وتساؤلهم عنه يرجح الترك، فعندٍ أبى داود أن ميمون المكى رأى عبد الله بن الزبير وصلى بهم يشير بكفيه
حين يقوم وحين يركع وحين يسجد وحين ينهض للقيام ، فيقوم فيشيرييديه، فانطلقت إلى ابن عباس، فقلت: إنى رأيت
ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحدا يصليها، فوصف له هذه الإشارة، فقال: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله
٤٠
١