النص المفهرس

صفحات 1-20

(١٠) باب صفة الصلاة
( الفصل الأول )
٧٩٦ - (١) عن أبى هريرة: أن رجلا دخل المسجد ورسول اللّه رفع جالس فى ناحية المسجد،
فصلى، ثم جاء فسلم عليه. فقال له رسول اللّه وَي: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل.
(باب صفة الصلاة) المراد بها جنس صفتها الشاملة للأركان والفرائض والواجبات والسنن والمستحبات.
قال ابن الهمام: قيل الصفة والوصف فى اللغة واحد، وفی عرف المتكلمین بخلافه، والتحرير أن الوصف ذکر ما
فى الموصوف من الصفة، والصفة هى ما فيه. ثم المراد هنا بصفة الصلاة الأوصاف النفسية لها، وهى الأجزاء
الفعلية الصادقة على الخارجية التى هى أجزاء الهوية من القيام الجزئى والركوع والسجود، كذا فى المرقاة.
٧٩٦ - قوله (إن رجلا) مو خلاد بن رافع كما بيته ابن أبى شيبة، وهو المشهور بالمسئ فى صلاته عند
الشراح (فصلى) أى ركعتين كما النسائى فى حديث رفاعة بن رافع فى هذه القصة، وهل كانتا نفلا أو فرضا؟
الظاهر الأول، والأقرب أنهما ركعتا تحية المسجد. ووقع عند ابن أبى شيبة فى حديث رفاعة هذا: دخل
رجل فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها (فسلم عليه) قال القسارى: قدم حق الله على حق
رسوله عليه السلام كما هو أدب الزيارة، لأمره عليه السلام بذلك لمن سلم عليه قبل صلاة التحية
فقال له: ارجع فصل ثم انت فسلم على (ارجع فصل) وفى حديث رفاعة الآتى: أعد صلاتك (فإنك لم تصل)
ففى لصحة الصلاة لأنها أقرب لنفى الحقيقة من نفى الكمال، فهو أولى المجازين وأيضا فلما تعذرت الحقيقة - وهى
نفى الذات - وجب صرف النفي إلى سائر صفاتها. قال عياض: فيه أن أفعال الجاهل فى العبادة على غير
علم لا تجرى. قال الحافظ: وهو مبنى على أن المراد بالنفى ففى الاجزاء، وهو الظاهر. ومن حمله

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
على نفى الكمال تمسك بأنه مريض لم يأمره بالإعادة بعد التعليم، فدل على إجزائها وصحتها ، وإلا لزم تأخير البيان، كذا
قاله بعض المالكية. وفيه نظر لأنه مَّم قد أمره فى المرة الأخيرة بالاعادة، فسأله التعليم فعلمه، فكأنه قال له: أعد
صلاتك على هذه الكيفية - انتهى. وقال القارى: تقريره على صلاته كرات يؤيد كونه ففى الكمال لا الصحة، فإنه
يلزم منه أيضا الأمر بعبادة فاسدة مرات. قلت: أراد القارى أنه لوحمل على نفى الصحة يلزم أنه مؤلم قرره مرارا على
أن يصلى. صلاة فاسدة، ويلزم منه أيضا أنه أمر بعبادة فاسدة مرات، بخلاف ما إذا أريد بالنفى نفى الكمال. وفيه نظر
لأنه لم يؤذن له فى صلاة فاسدة، ولا علم من حاله أنه يأتى بها فى المرة الثانية والثالثة فاسدة ، بل هو محتمل أن يأتى بها
صحيحة ، وإنما لم يعلبه أولا ليكون أبلغ فى تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة الصحيحة المجزية، وسيأتى مزيد توضيح
لذلك. وقد احتج بعضهم لتوجه النفى إلى الكمال بما وقع عند الترمذى فى هذه القصة من حديث رفاعة بلفظ ضعاف
الناس وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل، حتى قال مَّم: إذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت
منه شيئا انتقصت من صلاتك. وكان هذا أهون عليهم من الأول أنه من انتقص من ذلك شيئا انتقص من صلاته ،
ولم تذهب كلها. قالوا: والنقص لا يستلزم الفساد ، وإلا لزم فى ترك المندوبات، لأنها تنتقص بها الصلاة. وأيضا
كون هذه المقالة كانت أهون عليهم يدل على أن المراد بالنفى ففى الكمال، لأن قوله أولا «لم تصل، يوهم نفى الصلاة برأسها،
وقوله ثانيا «إن انتقصت منه شيئا، إلخ. يدل على النقصان، وعدم ذهاب الصلاة كلها، ولذا كان أهون عليهم من الأول، لكنهم
علواوفهموا حينما سمعوا قوله الثانى أنه إنما أراد بنفى الصلاة فى قوله الأول (لم تصل)، ففى الكمال لانفى الذات والحقيقة أو الصحة.
وأجيب بأن الانتقاص يستلزم الفساد وعدم الصحة، لأنا متعبدون بصلاة لا نقصان فيها، فالناقصة فاسدة غير صحيحة، ومن ادعى
صحتها وعدم فسادها فعليه البيان. ولا نسلم أن ترك مندوبات الصلاة ومسنوناتها انتقاص منها، لأنها أمور خارجة
عن ماهية الصلاة، فلا يراد الإلزام بها ، وكونها تزيد فى الثواب لا يستلزم أنها منها ، كما أن الثياب الحسنة تزيد فى جمال
الذات وليست منها. والحجة فى الذى جاءنا عن الشارع من قوله، وفعله ، وتقريره ، لا فى فهم بعض الصحابة. سلبنا
أن فهمهم حجة لكونهم أعرف بمقاصد الشرع، لكن لا دليل هنا على أنهم فهموا حين سمعوا قوله الثانی نفی الکمال،
وإنما كان قوله الثانى أهون عليهم من جهة أن من أتى ببعض واجبات الصلاة فقد فعل خيرا من قيام وذكر وتلاوة ،
وإنما يؤمر بالاعادة لدفع عقوبة ما ترك، وترك الواجب سبب للعقاب، فإذا كان يعاقب بسبب ترك البعض يلزمه أن
يفعله إن أمكن فعله وحده ، وإلا فعله مع غيره ، والصلاة لا يمكن فعل المتروك منها الا بفعل جميعها. وقال ابن تيمية:
من قال: إن هذا لنفى الكمال قيل: إن أردت الكمال المستحب، فهذا باطل لوجهين: أحدهما أن هذا لا يوجد قط فى لفظ
الشارع أنه ينفى عملا فعله العبد على الوجه الذى وجب عليه، ثم ينفيه لترك المستحبات ، بل الشارع لا ينفى عملا إلا إذا
لم يفعله العبد كما وجب عليه. والثانى لو نفى لترك مستحب لكان عامة الناس لا صلاة لهم ولا صيام، فإن الكمال
المستحب متفاوت، إذ كل من لم يكملها كتكميل رسول اللّه تَ فيه يقال لا صلاة له - انتهى. واستدل بقوله «صل فإنك
31

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
لم تصل× الشافعى وأبى يوسف والجمهور على أن تعديل الأركان والطمأنينة فيها فرض. قالوا: إن قوله هذا صريح فى
كون التعديل من الأركان بحيث أن فوته يفوت الصلاة وإلا لم يقل «لم تصل، فإن من المعلوم أن خلاد بن رافع لم يكن
ترك ركنا من الأركان المشهورة ، إنما ترك التعديل والاطمينان كما يدل عليه رواية ابن أبى شيبة ، فعلم أن تركه مبطل
للصلاة. قلت: الحديث فيه رد صريح على أبى حنيفة ومحمد، فإن المشهور من مذهبها أن تعديل الأركان ليس بفرض
بل هو واجب ، واستدل لهما بقوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا - ٢٢: ٧٧) بأن الركوع والسجود لفظ خاص معناه
معلوم ، فالركوع هو الانحناء ، والسجود هو وضع الجبهة على الأرض ، فيطلق الميلان عن الاستواء، ووضع الجبهة
على الأرض فرض بالآية المذكورة، وفرضية التعديل الثابتة بقوله عليه السلام لم تصل، لا يجوز إلحاقها بالقرآن لا على
سيل البيان ، ولا على سبيل تغيير إطلاق القرآن. أما الأول فلا ن البیان لا يكون إلا للجمل، ولا إجمال فى الركوع
والسجود ، وأما الثانى فلأن تغير إطلاق القرآن نسخ، وهو لا يجوز بالخبر الواحد، ولما لم يجز إلحاق ما ثبت بهذا
الحديث بالثابت بالقرآن فى مرتبته ولم يمكن ترك خبر الواحد بالكلية أيضا فقلنا: ما ثبت بالكتاب ـ وهو مطلق الركوع
والسجود ـ يكون فرضا، لأنه قطعى، وما ثبت بهذا الخبر الظنى الثبوت يكون واجبا مراعاة لمنزلة كل من الكتاب
والسنة. ورد هذا الاستدلال بأن النص ليس بمطلق بل مجمل ، فإن المراد بالركوع والسجود فى الآية المذكورة معناهما
الشرعى ، لأنه قد تقرر أن أمثال هذه الألفاظ فى النصوص يحب حملها على معانيها الشرعية إلا أن يمنع مانع ، ولا
مانع ههنا ، ولأن من وضع الجبهة إلى غير القبلة أو على غير الوضوء فهو ساجد لغة، وليست هذه السجدة معتبرة فى
الشرع. ومعنى الركوع والسجود الشرعى غير معلوم ، فهو محتاج إلى البيان ، حديث أبى هريرة وما وافقه بيان لذلك
النص المجمل ، وبيان الفرض المجمل يجوز بخبر الواحد ، أى يكون فرضا فى مرتبة المجمل. قال الشيخ عبد الحليم اللكنوى
الحنفى فى حاشية نور الأنوار بعد ذكر نحو ما قدمنا من تقريراستدلال الحنفية: ولو سلمنا أن النص مطلق فنقول إن هذا
الحديث ليس بخبر الواحد، بل هو حديث مشهور، تلقاه الأمة بالقبول، ورواه أئمة الحديث بأسانيد كثيرة، والزيادة على
الكتاب بالخبر المشهور جائزة - انتهى. وقال بعد ذكر حديث أبى هريرة: هذا الحديث دال على أن تعديل الركوع
والسجود فرض، والقومة والجلسة وكنان، فإن رسول اللّه مَّه ففى الصلاة بقواتها. وإن زللت بما قال بعض
السابقين، من أن فى آخر الحديث المذكور - يعنى حديث رفاعة - زيادة تدل على توقف صحة الصلاة عليها، وهو قوله
عليه السلام: فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئا انتقصت من صلاتك، فسماها عليه السلام صلاة، والباطلة
ليست بصلاة وأيضا وصفها بالنقص والباطلة إنما توصف بالانعدام، فعلم أن أمر النبي مَّه بالا عادة إنما كان لتقع الصلاة على غير
كراهة لالفساد صلاة ذلك الرجل، ثبتك أن معنى هذه الزيادة: إن فعلت ما بينت من التعديل على الكمال فقد صليت صلاة تامة،
وإن نقصت من التعديل شيئا من النقصان مع بقاء أصل التعديل - كما يدل عليه لفظ نقصت ـ فقد نقصت من صلاتك
بقدر نقصان التعديل. فالإ خلال بالتعديل رأسا يوجب الفساد. فإن غلب عليك جنود الوهم بأن القومة والجلسة
... -
٣

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
فرجع فصلى، ثم جاء، فسلم. فقال وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل. فقال فى الثالثة
- أو فى التى بعدها - علمنى يا رسول الله!
ليستا بمقصودتين، وإنما شرعتا للفصل بین الركوع والسجود، وبین السجدتین، فلا یکونان ر کنین ، بل الر کن هو
المقصود وهو الركوع والسجود، فعارضها بعسكر الفكر بأن هذا رأى فى مقابلة النص المذكور فلا يسمع. كذا أفاد
بحر العلوم أنار الله برهانه - انتهى كلام الشيخ عبد الحليم اللكنوى. وما نقله عن بعض السابقين قد رده أيضا العينى بأن
للخصم أن يقول: إنما سماه صلاة بحسب زعم المصلى ، كما تدل عليه الإضافة ، على أنه ورد فى بعض الروايات «وما
نقصت شيئا من ذلك)) أى مما ذكر سابقا، ومنه الركوع والسجود أيضا ، فيلزم أن تسمى ما لا ركوع فيه أو لا سجود
فيه أيضا صلاة بعين التقرير المذكور، وإذ ليس فليس - انتهى. وقال بعض الحنفية فى الجواب عن حديث أبى هريرة:
إن هذا الحديث لا يدل على فرضية التعديل، بل يدل على عدم فرضيته، لأنه عليه السلام ترك الأعرابى حتى فرغ عن
صلاته، ولو كان ما تركه ركنا لفسدت صلاته، فكان المضئى بعد ذلك من الأعرابى عبثا، فلا يحل له مَيّ أن يتركه
فكان تركه دلالة منه على أن صلاته جائزة إلا أنه ترك الا.كمال فأمره بالا عادة زجراعن هذه العادة. ورده العينى فى البناية بأن
للخصم أن يقول: كانت صلاته فاسدة ولذا أمر بالإعادة، وقال له «لم تصل، وإنما تركه عليه لأنه ربما يهتدى إلى الصلاة
الصحيحة ، ولم ينكر عليه لأنه كان من أهل البادية كما شهدت به رواية الترمذى بلفظ «إذ جاء رجل کالبدوى، ومن
١
المعلوم أن أهل البادية لهم جفاء وغلظ ، فلو أمره ابتداء لكان يقع فى خاطره شئى، وكان المقام مقام التعليم ، وبالجملة لا
دلالة لعدم إنكاره عليه الصلاة والسلام على صلاته ابتداء، وأمره بالاعادة، على ما ادعوه - انتهى. فإذا عرفت هذا
كله ظهر لك أن ما ذهب إليه الجمهور هو الحق. وما ذهب إليه الحنفية ليس لهم عليه دليل صحيح ، بل حديث أبى هريرة
حجة صريحة عليهم (فقال فى الثالثة أو فى التى بعدما) أى فى المرتبة الرابعة. وفى رواية فقال فى الثانية أو الثالثة ، وفى
أخرى ثلاثا أى ثلاث مرات. وهذه الرواية أرجح لعدم الشك فيها (علنى يا رسول اللّه) وفى رواية: والذي بعثك
بالحق ما أحسن غيره فعلنى. وتوقف مَّم فى التعليم إلى أن يسأل هو ليكون أوقع عنده بخلاف ما لو بدأعه، وقيل:
أعرض عنه أولا لأنه أعرض عن السؤال، فكانه عد نفسه عالما فعامله زجرا وناديباً له، وإرشادا إلى أنه كان اللائق به
الرجوع إلى السؤال واستكشاف ما أستبهم عليه، ولذا لما سأل وقال: لا أحسن علمه، وبالجملة فليس فيه تأخير البيان
عن وقت الحاجة بل تأخيره إلى وقت إظهار الحاجة ليكون أنفع. واستشكل تقريره عليه السلام على صلاته وهى
فاسدة ثلاث مرات على القول بأن النفى للصحة، وأجيب بأنه أراد استدراجه بفعل ما جهله مرات لاحتمال أن يكون فعله
ناسيا أو غافلا فيتذكر فيفعله من غير تعليم ، فليس من باب التقرير على الخطأ بل من باب تحقق الخطأ، ويحتمل أن يكون
ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه عليه، ورأى أن الوقت لم يفته فرأى إيقاظ الفطنة التروك . وقال ابن دقيق العيد: التقرير

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
فقال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة ، فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من
القرآن ،
ليس بدليل على الجواز مطلقا، بل لا بد من انتفاء الموانع وزيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسنه
وتوجه سؤاله مصلحة مائعة من وجوب المبادرة إلى التعليم لا سيما مع عدم خوف الفوت، إما بناء على ظاهر الحال أو
بوحى خاص (ثم استقبل القبلة) فيه دليل على وجوب استقبال القبلة، وهو إجماع المسلمين إلا فى حالة العجز، أو فى
الخوف عند التحام القتال، أو فى صلاة التطوع ، وقد دل على وجوبه القرآن والسنة المتواترة (فكبر) أى تكبيرة
الإحرام. وفى رواية الطبرانى لحديث رفاعة: ثم يقول ((الله أكبر)). وهى تبين أن المراد من التكبير خصوص هذا
اللفظ ، فلا يصح افتاح الصلاة إلا بلفظ الله أ کبر دون غيره من الأذكار، خلافا لأبى حنيفة فإنه يقول : مجزئی بکل
لفظ يدل على التعظيم ، وهذا نظر منه إلى المعنى، وأن المقصود التعظيم فيحصل بكل ما دل عليه. والحق ما ذهب إليه
مالك وأحمد من تعيين التكبير وتخصيص لفظ الله أكبر. قال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث يعين التكبير ، ويتأيد ذلك
بأن العبادات محل التعبدات، ويكثر ذلك فيها ، فالاحتياط فيها اتباع اللفظ. وأيضا فالخصوص قد يكون مطلوبا أعنى
خصوص التعظيم بلفظ الله أكبر، وهذا لأن رتب هذه الأذكار مختلفة كما تدل عليه الأحاديث فقد لا يتأدى برتبة ما
يقصد من أخرى، ونظيره الركوع، فإنا نفهم أن المقصود منه التعظيم بالخضوع ، ولو أقام مقامه خضوعا آخر لم يكتف
به، ويتأيد هذا باستمرار العمل من الأمة على الدخول فى الصلاة بهذه اللفظة أعنى الله أكبر (ثم اقرأ بما تيسر) أى لك
حال كونه (معك) وقال الأبهرى: الباء للاستعانة أى أوجد القراءة مستعينا بما تيسر، أو زائدة، ويؤيده رواية
البخارى (ما تيسر)) بدون الباء (من القرآن) استدل بالحديث على عدم فرضية الفاتحة إذ لو كانت فرضا لأمره، لأن المقام
مقام التعليم فلا يجوز تأخير البيان. وأجيب عنه بأنه قد أمره بت بقراءة الفاتحة ، ففى حديث رفاعة عند أبي داود:
ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ. وعند أحمد وابن حبان ((إقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت)). وقد تقرر أنه
يؤخذ بالزائد إذا جمعت طرق الحديث ، ويقال: إن الراوى حيث قال ما تيسر ولم يذكر الفاتحة ذهل عنها ، لكنه يلزم
حينئذ إخراج صيغة الأمرعن ظاهرها، لأنه لا يجب قراءة ما زاد على الفاتحة. وقيل: قوله ((ما تيسر)) عام يخصص بقوله
((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) ولا يخفى بعده لأن سياق الكلام يقتضى تيسير الأمر عليه، وإنما يقرب هذا إذا جعلت ما
بمعنى الذى ، وأريد بها شئ معين، وهو الفاتحة لكثرة حفظ المسلمين لها فهى المتيسرة. وقيل: هو محمول على أنه عرف
من حال الرجل أنه لا يحفظ الفاتحة ، ومن كان كذلك كان الواجب عليه قراءةما تيسر ، ولا يخفى ضعفه لكنه محتمل ،
ومع الاحتمال لا يترك الصريح، وهو قوله ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب). وقيل: الحديث لا يصرف
ما ورد فى غيره من الأدلة المقتضية الفرضية الفاتحة، لأنه يؤخذ بالزائد فالزائد من أمر رسول الله عَ ليه. وقال الخطابي:

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
ثم اركع حى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تستوى قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع
حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا.
ظاهره الإطلاق والتخيير، والمراد منه فاتحة الكتاب لمن أحسنها لا يجزيه غيرها بدليل قوله ((لا صلاة إلا بفاتحة
الكتاب)) وهذا فى الإطلاق كقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى - ٢: ١٩٦} ثم كان
أقل ما يجزئ من الهدى معينا معلوم المقدار ببيان السنة وهو الشاة - انتهى. وقال صاحب فيض البارى (ج ٢:
ص ٢٩٩): تمسك الحنفية به على عدم ركنية الفاتحة ليس بصحيح ، لأن الفاتحة وإن لم تکن ر کنا لكنها واجبة عندنا
أيضاً ، والسياق سياق التعليم ، فلو فرضنا أنه لم يعلمه الفاتحة يلزم درج كراهية التحريم فى سياق التعليم ، ولا يجوز أصلا
مع أنها مذكورة فى حديث رفاعة صراحة ، وإن كانت محملة فى حديث أبى هريرة. ثم أقول: إن قوله هذا كان لكون
الرجَل بدويا أعرابيا لا يدرى أنه كان عنده شفى من القرآن أم لا وحينئذ ينبغى أن يكون التعبير هكذا ولذا قال: وإلا
فاحمد الله وكبره، فدل على أنه كان ممن لا يستبعد منه أن لا يكون عنده قرآن أصلا. وإذا لا يلائمه أن يأمره بالفاتحة
والسورة تفصيلا ، وإنما أليق بحاله الإجمال فيقرأ بما يقدر (ثم اركع حتى تطمئن راكعا) حال مؤكدة ، وقيل مقيدة.
وفيه دليل على ما ذهب إليه الشافعى وأبو يوسف من افتراض الطمأنينة فى الركوع وهو الحق (ثم ارفع) أى رأسك
(حتى تستوى) أى تعتدل (قائما) فى رواية ابن ماجه: حتى تطمئن قائما. وهى على شرط مسلم، وقد أخرجها السراج أيضا
بإسناد على شرط البخارى، فهى على شرط الشيخين ، وهذه الروايات تدل على افتراض رفع الرأس من الركوع،
وعلى افتراض الاستواء أى الاعتدال فى الرفع، وعلى افتراض الاطمينان فى القومة أى عند الاعتدال من الركوع ،
وإليه ذهب الشافعى وأبو يوسف، وهو الصواب (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا) فيه دليل على فرضية الطمأنينة فى
السجود، وقد فصلتها رواية النسائى من حديث رفاعة بلفظ: ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه وجهته حتى تطمئن مفاصله
وتسترخى (ثم ارفع) أى رأسك من السجود (حتى تطمئن جالسا) أى بعد السجدة الأولى، وهى حال مؤسسة. وفيه
دليل على افتراض القعود بين السجدتين. وفى رواية النسائى المذكورة «ثم يكبر فيرفع رأسه حتى يستوى قاعدا على
مقعدته ويقيم صلبه، (ثم اسجد) أى الثانية (حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا) أى للاستراحة. قال
الطبي : كلمة حتى فى هذه القرائن لغاية ما يتم به الركن ، فدلت على أن الطمأنينة داخلة فيه ، والمنصوب حال مؤكدة
انتهى. والحديث يدل آخره على إيجاب جلسة الاستراحة، ولكنه لم يقل به أحد على أنه قد أشار البخارى إلى أنه
- أى قوله الأخير حتى تطمئن جالسا ـ وهم، فإنه عقبه بأن قال: قال أبو أسامة (حماد بن أسامة مماوصله فى كتاب
الأيمان والنذور) فى (اللفظ) الأخير (وهو حتى تطمئن جالسا) حتى تستوى قائما. قال القسطلانى أراد البخارى بهذه
الإشارة إلى أن راوى الأولى - وهو ابن نمير - خولف، وأن الثانية عنده أرجح. وقال الحافظ: كلام البخارى

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
وفى رواية: ثم ارفع حتى تستوى قائما، ثم افعل ذلك فى صلاتك كلها. متفق عليه.
٧٩٧ - (٢) وعن عائشة، قالت: كان رسول اللّه عَفلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله.
رب العالمين .
ظاهر فى أن أبا أسامة عالف ابن نمير ، لکن رواه إسحاق بن راهويه فى مسندهعن أبى أسامة ، كما قال ابن نمير.
وأخرجه البيهقى من طريقه، وقال: كذا قال إسحاق بن راهويه عن أبى أسامة. والصحيح رواية عبد الله بن سعيد بن
أبى قدامة، ويوسف بن موسى عن أبى أسامة بلفظ ((حتى تستوى قائما)) - انتهى. وقال بعضهم: يمكن أن يحمل إن كان
محفوظا على الجلوس للتشهد، ويؤيده رواية رفاعة عند أبى داود: فإذا جلست فى وسط الصلاة فاطمتن جالسا ، ثم
افرش فذك اليسرى ثم تشهد. قال الحافظ: المعتمد الترجيح كما أشار إليه البخارى ، وصرح به البيهقى (وفى رواية)
أى للبخاری بدل قوله الأخير «ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، (ثم ارفع حتى تستوى قائما) قد تقدم آنفا أن البخارى أشار
إلى ترجيح هذه الرواية الثانية ، والبيهقى صرح به. وسيأتى الكلام على جلسة الاستراحة (ثم افعل ذلك) أى جميع ما
ذكر من الأقوال والأفعال إلا تكبيرة الإحرام ، فإنها مخصوصة بالركعة الأولى لما علم شرعا من عدم تكرارها . وقيل:
التقدير «ثم افعل ذلك)) أى ما ذكر ما يمكن تكريره، خرج نحو تكبيرة الإحرام (فى صلاتك) أى فى ركعات صلاتك
(كلها) فرضا ونفلا على اختلاف أوقاتها وأسماءها. وإنما لم يذكر له مَ ◌ّمه بقية الواجبات فى الصلاة كالنية والقعود فى
التشهد الأخير، لأنه كان معلوما عنده، أو لعل الراوى اختصر ذلك. وفيه دليل على وجوب قراءة الفاتحة فى الأخريين
أيضا، وإليه ذهب ابن الهمام من الحنفية. قال ابن دقيق العيد: هذا يقتضى وجوب القراءة فى جميع الركعات، وإذا ثبت أن
الذى أمر به الأعرابى هو قراءة الفاتحة دل على وجوب قراءتها فى كل الركعات - انتهى. واعلم أن هذا حديث جليل
يعرف بحديث المسمى صلاته يشتمل على فوائد كثيرة. قال ابن العربى فى شرح الترمذى: فيه أربعون مسئلة، ثم
سردها. وقد أطال غيره من الشراح أيضا الكلام فى شرحه كالشوكانى فى النيل (ج ٢: ص ١٥٧ - ١٦١) والحافظ
فى الفتح (ج ٣: ص ٤٣٢ - ٤٣٤) وابن دقيق العيد فى إحكام الأحكام (ج ٢: ص ٢-١٢) والعينى فى عمدة القارى
(ج ٦: ص ١٥ - ٢٠) (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى كتاب الاستئذان. وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبوداود
والنسائى وابن ماجه بألفاظ متقاربة .
٧٩٧ - قوله (يستفتح الصلاة) أى يفتحها (بالتكبير) أى يقول: أنه أكبر، كما ورد بهذا اللفظ فى الحلية لأبى
نعيم. والمراد تكبيرة الإحرام (والقرأة) بالنصب عطفا على الصلاة (بالحمد) بالرفع على الحكاية وإظهار ألف الوصل،
.ويجوز حذف همزة الوصل، وكذا جر الدال على الإعراب، ذكره القارى (رب العالمين) أى يبدأ القراءة بسورة الفاتحة
٧

مزعاة المفاتيح ج٣.
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك. وكان إذا رفع رأسه من الركوع
لم يسجد حتى يستوى قائما. وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوى جالسا. وكان
يقول فى كل ركعتين التحية. وكان يفرش رجله اليسرى ، وينصب رجله اليمنى.
ثم يقرأ السورة، وذلك لا يمنع تقديم دعاء الاستفتاح، فإنه لا يسمى فى العرف قراءة، ولا يدل على أن البسملة ليست
من الفاتحة، لأن المراد أنه يبدأ بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأما بعدها لا أنه يبدأ فى القرأة بلفظ ((الحمد لله)) وبهذا ظهر
الرد على من تمسك بالحديث على مشروعية ترك الجهر بالبسملة فى الصلاة ، فإن المراد بذلك كما قلنا اسم السورة لكن
نوقش ذلك بأنه لو كان المراد اسم السورة لقالت عائشة بالحمد لأنه وحده هو الاسم. ورد بما ثبت عند أبي داود من
حديث أبى هريرة مرفوعا: الحمد لله رب العالمين، أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثانى. وبما عند البخارى مر
حديث سعيد بن المعلى: الحمد لله رب العالمين، هى السبع المثانى. فهو ظاهر أو نص فى أن الفاتحة تسمى بهذا المجموع
الذى هو «الحمد لله رب العالمين)) ويمكن الجواب عن ذلك التمسك أيضا بأنها ذكرت أول آية من الآيات التى تخص
السورة وتر کت البسملة لأنها مشتر کة بينها وبين غيرها من السور ، وسیأتی مزید الكلام فى شرح حديث أنس فی باب
القراءة فى الصلاة (لم يشخص) من باب الافعال أو التفعيل أى لم يرفع (ولم يصوبه) أى لم ينكسه من التصويب وهو الانزال
من أعلى إلى أسفل، ومنه الصيب المطر، صاب يصوب إذا نزل أى لم يخفضه خفضا بليغا بل بين النفض والرفع، وهو التسوية
(ولكن بين ذلك) أى بين المذكور من الأشخاص والتصويب بحيث يستوى ظهره وعنقه كالصفحة الواحدة
(وكان إذا رفع رأسه من السجدة) أى الأولى، وفى بعض النسخ من السجود (لم يسجد) الثانية (حتى يستوى) أى يعتدل بين
السجدتين (جالسا) تقدم الكلام على الجلوس بين السجدتين أو كذا القومة (وكان يقول في كل ركعتين) أى بعدهما
(التحية) بالنصب. وقيل بالرفع، والمراد بها الثناء المعروف بالتحيات لله الآتى لفظه فى حديث ابن مسعود، وسمى هذا الذكر
تحية وتشهدا لاشتماله عليهما أى على التحية وهو الثناء الحسن وعلى التشهد لا شتماله على الشهادتين، فهو من باب إطلاق اسم الجز على الكل
وفيه مشروعية التشهد الأوسط، والأخير، ولا يدل على الوجوب، لأنه فعل، إلا أن يقال: إنه بيان لا جمال الصلاة فى القرآن المأمور
بها وجوبا، والأفعال لبيان الواجب واجبة. أو يقال بإيجاب أفعال الصلاة لقوله والي ((صلوا كما رأ يتمونى أصلى» وفى الاستدلالين
بحث بسطه ابن دقيق العيد فارجع إليه. واستدل على الوجوب أيضا بقوله مؤثّم: إذا قعد أحدكم فى الصلاة فليقل
التحيات لله - الحديث. والأمر الوجوب (وكان يفرش) بكسر الراء وضمها (وينصب) بفتح الياء وكسر الصاد (رجله
اليمنى) أى يضع أصابعها على الأرض ويرفع عقبها. واستدل به من قال بمشروعية النصب والفرش فى التشهدين جميعا .
ووجه الإطلاق وعدم النقيد فى مقام التصدى لوصف صلاته مؤيّ لا سيما بعد وصفها للذكر المشروع فى كل ركعتين،
وتعقيب ذلك بذكر هيئة الجلوس، لكن حديث أبى حميد التالى قد فرق بين الجلوسين فجعل هذا صفة الجلوس بعد
٨

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
وكان ينهى عن عقبة الشيطان ، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وكان يختم الصلاة
بالتسليم. رواه مسلم.
الركعتين الأوليين، وجعل صفة الجلوس الأخير تقديم رجله اليسرى ونصب اليمنى، والقعود على مقعدته. وللعلماء
خلاف فى ذلك سيأتى بيانه مع تحقيق الحق فيه (عن عقبة الشيطان) بضم العين المهملة وسكون القاف فموحدة، فسرها
أبو عبيد وغيره بالإقعاء المنهى عنه، وهو أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كاتعا.
الكلب. وتفسيرها بافتراش القدمين، والجلوس بالأليتين على العقبين غلط لأنه سنة نبينا محمد منه كما رواه مسلم.
وقد اختاره العبادلة فى القعود فى غير الأخير. وسيأتى مزيد الكلام عليه إن شاء الله (وينهى أن يفترش الرجل) أى فى السجود
قال الطبي: التقيد بالرجل يدل على أن المرأة تفترش (ذراعيه افتراش السبع) أى كافتراشه. فسر السبع بالكلب، وقد
ورد فى رواية بلفظه، وافتراش الكلب هو أن يضع ذراعيه على الأرض فى السجود، ويفضى بمرفقه وكفه إلى الأرض، والسنة
أن يرفع ذراعيه، ويكون الموضوع على الأرض كفيه فقط. نعم إن طول السجود فشق عليه اعتماد كفيه فله وضع ساعديه على
الركبتين لخبر: شكاأصحاب رسول اللّه ◌َوّ مشقة السجود عليهم، فقال: استعينوا بالركب (وكان يختم الصلاة بالتسليم) أى تسليم
الخروج. واستدل به على تعين التسليم للخروج من الصلاة اتباعا للفعل المواظب عليه، واستدل على ذلك أيضا بقوله مؤ لّ.
•تحليلها التسليم)، فإن الإضافة تقتضى الحصر، فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم. أى انحصرت صحة تحليلها فى التسليم لا
تحليل لها غيره، كقولهم: مال فلان الايل، وعلى فلان النحو. وقال ابن العربى ما معناه: قوله ((تحليلها التسليم)، يقتضى
حصر الخروج عن الصلاة على التسليم دون غيره من سائر الأفعال والأقوال المناقضة للصلاة ، لأنه ذكره بالألف واللام
الذى هو باب شأنه التعريف كالإضافة، وحقيقة الألف واللام إيجاب الحكم لما ذكر، ونفيه عما لم يذكر ، وسلبه عنه ،
وعبر عنه بعضهم بأنه الحصر ، وأبو حنيفة يخالف فيه حيث يرى الخروج منها بكل فعل وقول يضاد كالحدث ونحوه حملا
على السلام وقياسا عليه، وهذا يقتضى إبطال الحصر - انتهى (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود.
والحديث له علة، وهى أنه أخرجه مسلم من رواية أبى الجوزاء - بالجيم والزاى - عن عائشة، قال ابن عبد البر: لم يسمع
منها، وحديثه عنها مرسل - انتهى. وأبو الجوزاء هذا اسمه أوس بن عبد الله الربعى البصرى، وهو قد عاصر عائشة
فأخرج مسلم حديثه فى صحيحه بناء على مذهبه من أن المعنعن محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت إليه
العنعنة. قال الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ١: ص ٣٨٤): قال البخارى: فى إسناده نظر، يريد أنه لم يسمع من مثل
ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده وأحاديثه مستقيمة. قال: حديثه عن عائشة فى الافتاح بالتكبير
عند مسلم، وذكر ابن عبد البر فى التمهيد أيضا أنه لم يسمع منها. وقال جعفر الفريابي فى كتاب الصلاة: ثنا مزاحم بن
سعيد: ثناءابن المبارك: ثنا إبراهيم بن طهمان: ثنا بديل العقيلى، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولا إلى عائشة يسألها -

مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٠°- باب صفة الصلاة
٧٩٨ - (٣) وعن أبي حميد الساعدى، قال فى نفر من أصحاب رسول الله مربى: أنا أحفظكم لصلاة
رسول الله عزفي ، رأيته إذا كبر جعل يديه
فذكر الحديث. فهذا ظاهره أنه لم يشافها ، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك نشافها على مذهب
مسلم فى إمكان اللقاء. والله أعلم - انتهى. وقال فى جامع الأصول: أبو الجوزاء سمع من عائشة، فارتفعت
العلة رأسًا .
٧٩٨ - قوله (وعن أبي حميد) بضم الحاء وفتح الميم، قيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: عمرو. وقيل: المنذر بن
سعد بن المنذر . وقيل : اسم جده مالك، الأنصارى الخزرجی المدنى، غلبت عليه کنیته، صحابی مشهور ، شهد أحدا وما
بعدها، وعاش إلى خلافة يزيد سنة (٦٠) قال الواقدى: توفى فى آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد. له ستة وعشرونحديثا، اتفقا
على ثلاثة ، وانفرد كل منهما بحديث، روى عنه جماعة (الساعدى) منسوب إلى ساعدة، وهو أبو الخزرج (قال فى نفر)
أى وهو فى جماعة، والنفر - بفتحتين - اسم جمع يقع على الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واجد له من لفظه.
وكانوا عشرة كما يدل عليه الرواية الآتية (من أصحاب رسول الله تَّى) كلمة من فى محل الحال من نفر، أى حال كونهم
من أصحابه، منهم أبو قتادة بن ربعى ، وأبو أسيد الساعدى، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبو هريرة (أنا أحفظكم)
أى أكثركم حفظا (لصلاة رسول اللّه مَّة) كأنه أخذ ذلك من شدة رقوبه، وكثرة اتباعه، ومزيد اعتناءه، إذا المعنى
قد يحفظ أكثر من غير المعتنى وإن كانا فى الصحبة سواء (إذا كبر) أى أراد أن يكبر، فيدل على تقديم الرفع على
التكبير، أو إذا شرع فى التكبير، وهو الموافق لحديث ابن عمر الآتى: كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتح الصلاة. فإن المتبادر
منه مقارنة الرفع للتکبیر، ويؤيده أیضاما فىرواية أخرىله«یرفع بدیہحین یکبر،(جعل یدیه) أی رفع. كما صرحت به بقية
الروايات. أى شرع فى رفع يديه، فيدل على أن رفع اليدين مقارن التكبير. وقد ورد تقديم الرفع على التكبير
وعكسه، أخرجھما مسلم ، ففى رواية له من حديث ابن عمر الآتى بلفظ «رفع يديه ثم کبر، وفى حديث مالك بن
الحويرث عنده («كبر ثم رفع يديه)) وفى ترجيح المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء والمرجع عندى
المقارنة، وهو الأصح عند الشافعية والمالكية والحنابلة لحديث وائل بن حجر عند أبي داود بلفظ ((رفع يديه مع التكبير، وقضية
المعية أن ينتهى بانتهاءه، ولم يقل أحد بتقديم التكبير على الرفع، والمرجح عند الحنفية تقديم الرفع لحديث ابن عمر عند
مسلم، ولحديث أبي حميد الآتى، ولأن الرفع نفى صفة الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثبات ذلك، والنفى سابق على
الإثبات كما فى كلمة الشهادة، وهذا مبنى على أن الحكمة فى الرفع ما ذكر، وقد قال فريق من العلماء: الحكمة فى اقترانهما أن
يراه الأصم، ويسمع التكبير الأعمى فيعلمان دخوله فى الصلاة، وقد ذكرت للرفع مناسبات أخرى: فقيل الإشارة إلى
طرح الدنيا والاقبال بكليته على العبادة. وقيل: إلى الاستسلام والانقياد، وليناسب فعله قوله ((الله أكبر)). وقيل:

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠- باب صفة الصلاة
حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره ،
إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود. وقيل غير ذلك. ثم إن الرفع عند تكبيرة الاحرام سنة عند الجمهور ، وليس
بواجب لعدم ذكره فى حديث المسمى، وفرض عند ابن حزم ، لا تجزئ الصلاة إلا به. وروى ذلك عن الأوزاعى.
وقال الزرقانى: روى الوجوب عن الحميدى ، وابن خزيمة ، وداود، وبعض المالكية والشافعية (حذاء منكبيه) بكسر
الحاء، أى مقابلهما. والمنكب - بفتح الميم وكسر الكاف - مجمع رأس عظم الكتف والعضد، وبهذا أخذ الشافعى
والجمهور خلافا للحنفية حيث أخذوا بحديث مالك بن الحويرث الآتى بعد حديثين، وهو من إفراد مسلم ، وبحديث وائل
ابن حجر عند أبى داود بلفظ «حتی حادتا أذنیه)). ورجحالأول لکون إسناده أصح وأثبت لأنه متفق عليه. وروى عن
الشافعى أنه جمع بينهما، فقال: يرفع يديه حذو منكبيه بحيث يحاذى أطراف أصابعه فروع أذنيه، وإبها ماه شحمة أذنيه، وراحتاه
منكبيه. ويؤيده الرواية الآتية فى الفصل الثانى عن وائل. واختاره ابن الهمام حيث قال: لا تعارض بين الروايتين، فإن محاذاة
الشحمتين بالا بهامين تسوغ حكاية محاذاة اليدين بالمنكبين لأن طرف الكف مع الرسغ يحاذى المنكب أو يقاربه ، فالذى
نص على محاذاة الابهامين بالشحمتين وفق فى التحقيق بين الروايتين فوجب اعتبارهـ انتهى. قلت: وقد استحب الحنفية
شيئا من المبالغة فى الرفع حتى قيدوا مس الابهامين بشحمتى الأذنين لتحقيق المحاذاة ، ولا دليل عليه لا من سنة ، ولا من
قول صحابى ، ولا من قياس. وجمع بعض العلماء بأن حديث المنكبين محمول على الشتاء، وعليهم الأكسية والبرانس كما
أخرجه أبو داود من حديث وائل بن حجر قال: رأيت النبي ◌َ ◌ّ حين افتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه.
قال: ثم أتتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم فى افتاح الصلاة وعليهم برانس وأكسية. وعليه حمله الطحاوى فى
شرح معاني الآثار. قلت: فى الاستدلال بهذا الحديث على الجمع المذكور كلام، فإن مداره على شريك القاضى وقد
تغير حفظه لما ولى القضاء، وقد تفرد هو بذ كر لفظ ((إلى صدورهم) وخالف الثقات الحفاظ كزائدة وسفيان، ولم يرض
العينى بهذا الجمع، وعده من التكلفات كما صرح به فى البناية. وقيل: لا اختلاف بينهما لأن رسول اللّه مَّم فعل كلا
الأمرين فى أوقات مختلفة ، فالرجل مخيربينهما. قال السندى: لا تناقض بين الأفعال المختلفة لجواز وقوع الكل فى أوقات
متعددة، فيكون الكل مستندا إلا إذا دل الدليل على نسخ البعض، فلا منافاة بين الرفع إلى المنكبين، أو إلى شحمتى الأذنين، أو إلى
فروع الأذنين أى أعاليها. وقد ذكر بعض العلماء فى التوفيق بسطا لا حاجة إليه لكون التوفيق فرع التعارض، ولا يظهر التعارض
أصلا - انتهى (أمكن يديه من ركبتيه) فى المغرب يقال: مكنه من الشئ وأمكنه فيه أقدره عليه ، والمعنى مكنهما من
أخذهما والقبض عليهما (ثم مصر ظهره) بالهاء والصاد المهملتين المفتوحتين، أى أماله وثناه فى استواء من رقبته ومتن
ظهره من غير تقويس. وأصل الهصر أن تأخذ برأس العود فتثنيه إليك وتعطفه. قال الخطابى فى المعالم (ج ١:
١١
:

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما ،
واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ، فإذا جلس فى الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب
اليمنى ، فإذا جلس فى الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى ، وقعد على مقعدته.
ص ١٩٥): معناه ثنى ظهره وخفضه. وأصل الهصر أن يأخذ بطرف الشئى ثم يجذبه إليه كالغصن من الشجرة ونحوه
فينهصر أى ينكسر من غير بينونة - انتهى. زاد فى رواية أبى داود («غير مقنع رأسه ولا صافح بخده، أى غير مبرز
صفحة خده مائلا إلى أحد الشقين (فإذا رفع رأسه) أى من الركوع (استوى) أى قائما معتدلا (حتى يعود كل فقار
مكانه) بفتح الفاء والقاف آخره راء جمع فقارة ، واستعمل الفقار للواحد تجوزا وهى عظام الظهر، وهى العظام المنظمة
التى يقال لها خرز الظهر، قاله القزاز. وفى المحكم: هى ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب. والمراد
بذلك كمال الاعتدال (فإذا سجد وضع يديه) حذاء منكبيه أى قبل وضع ركبتيه (غير مفترش) أى ساعديه أو ذراعيه
كافتراش السبع ، وغير حامل بطنه على شئى من فخذيه. وهو منصوب على الحال ، يعنى غير واضع مرفقيه على الأرض
(ولا قابضهما) بالجر أى ولا قابض يديه. أراد أن لا يضم الذراعين والعضدين إلى الجنبين بل يجافيهما معتمدا على راحتيه
(واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة) قال النووى: ولا يحصل توجيهها للقبلة إلا أن يكون معتمدا على بطونها،
ووضعها من غير تحامل عليها مخالف للحديث (فإذا جلس) للتشهد (فى الركعتين) أى عقب الأوليين (جلس على رجله
اليسرى ، ونصب اليمنى) هذا هو الافتراش (فإذا جلس فى الركعة الآخرة) للتشهد الأخير (قدم رجله اليسرى) أى
أخرجها من تحت ور كه إلى جانب الأيمن (ونصب الأخرى) أى اليمنى (وقعد على مقعدته) اليسرى، وهذا هو التورك
وفى ذكره كيفية الجلوسين -الجلوس الأوسط والأخير - دليل على تغاير هما، وأنه فى الجلسة الأخيرة يتورك، أى يفضى
بوركه اليسرى إلى الأرض، وينصب رجله اليمنى. وبهذا الحديث عمل الشافعى ومن وافقه، وألحق هو بالتشهد الأول
الجلسات الفاصلة بين السجدات لأنه يعقبها انتقالات ، والانتقال من المفترش أيسر. وقد قيل فى الحكمة فى التغاير بين
الجلوسين - الأوسط والأخير - أنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات، فإن المخالفة فى الهيئة قد تكون سببا للتذكر
عند الشك فى كونه فى التشهد الأول أو فى التشهد الأخير، ولأن الأول تعقبه الحركة بخلاف الثانى، يعنى أن الافتراش
هيئة استيفاز فناسب أن تكون فى التشهد الأول، لأن المصلى مستوفز للقيام الركعة الثالثة، والتورك هيئة اطمينان مناسب
الأخير ، ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به. وعند الحنفية يفترش فى الكل. وعند المالكية يتورك فى الكل.
والمشهور عن أحمد اختصاص التورك بالصلاة التى فيها تشهدان. واستدل الحنفية بحديث عائشة السابق. والجواب أنه
محمول على التشهد الأول چمعا بين الأحاديث، وأما قول ابن الترکانی: بأن إطلاقه يدل على أن ذلك كان فى التشهدین بل
هو فى قوة قولها ((وكان يفعل ذلك فى التشهدين)) إذ قولها أولا «و كان يقول فى كل ركعتين التحية) يدل على هذا التقدير.
١٢
١

مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
رواه البخارى .
٧٩٨ - (٤) وعن ابن عمر: أن رسول اللّه مؤتم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتح الصلاة،
وإذا كبر الركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع
ففيه أن إطلاقه وإن كان يدل على ما قال ، لكن حمله على التشهد الأول متعين جمعا بين الأحاديث. علا أن حديث
أبي حميد نص صريح فى ثبوت التورك فى التشهد الأخير، وحديث عائشة ليست بنص فى نفيه بل غاية ما يقال فيه : أنه
يدل بظاهره على نفى التورك. وقد تقرر فى مقره أن النصر يقدم على الظاهر عند التعارض. واستدلوا أيضا بأحاديث
ذكرها الشيخ عبد الحى اللكنوى الحنفى فى تعليقه على موطأ الإمام محمد. وقال بعد ذكرها: لا يخفى على الفطن أن هذه
الأخبار وأمثالها لا تدل على مذهبنا صريحا، بل تحتمله وغيره. وما كان منها دالا صريحا لا يدل على كونه فى جميع
القعدات على ما هو المدعى. والانصاف أنه لم يوجد حديث يدل صريحا على استنان الجلوس على الرجل اليسرى فى القعدة
الأخيرة، وحديث أبي حميد مفصل فليحمل المبهم على المفصل - انتهى. واستدل لما ذهب إليه مالك بما رواه هو فى
موطأه عن يحيى بن سعيد، أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس فى التشهد، فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى ، وجلس على
وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أرانى هذا عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثنى أن أباه كان يفعل ذلك.
والجواب أن هذا معارض بما رواه النسائى من طريق عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد، أن القاسم حدثه عن
عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال ((من سنة الصلاة أن ينصب اليمنى، ويجلس على اليسرى، فيحمل ما رواه
مالك على التشهد الأخير، وما رواه النسائى على التشهد الأول دفعا للتعارض بين قول ابن عمر وفعله. والتربع غير
التورك، وكان ابن عمر يتربع فى بعض الأحيان للعذر وكان ينكر على ابنه عبد الله التربع لأنه لم يكن معذورا، ولم يثبت
عن ابن عمر إنكار التورك أبدا. والحاصل أنه ليس نص صريح فيما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك، فالقول الراجح هو
ما ذهب إليه الشافعى. واعلم أنه أجاب الحنفية عن حديث أبى حميد بأنه ضعفه الطحاوى، أو يحمل على الكبر. وقد
رده الحافظ فى الدراية، قال: أما تضعيف الطحاوى فمذ كور فى شرحه بما لا يلتفت إليه، وأما الحمل فلا يصح، لأن أبا
حميد وصف صلاته التى واظب عليها رسول الله مؤفيه، ووافقه عشرة من الصحابة، ولم يخصوا ذلك بحال الكبر
والعبرة بعموم اللفظ، وقد قال رسول اللّه تَ ◌ّم ((صلوا كما رأيتمونى أصلى)، انتهى. وقال الشيخ عبد الحى فى التعليق
المجد : حمل أصحابنا هذا على العذر، وعلى بيان الجواز، وهو حمل يحتاج إلى دليل. ومال الطحاوى إلى تضعيفه،
وتعقبه البيهقى وغيره فى ذلك بما لا مزيد عليه - انتهى (رواه البخارى) وأخرجه أحمد والترمذى وأبو داود وابن ماجه
بلفظ أبسط من هذا كما سيأتى.
٧٩٩ - قوله ( كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتح الصلاة، وإذا كبر الركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع
١٣

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
رفعهما كذلك ،
رفعهما كذلك) أى حذو منكبيه. وهذا دليل صريح على أن رفع اليدين فى هذه المواضع سنة، وهو الحق والصواب،
ونقل البخارى فى صحيحه عقب حديث ابن عمر هذا عن شيخه على بن المدينى أنه قال : حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم
عند الركوع والرفع منه لحديث ابن عمر هذا. وهذا فى رواية ابن العساكر وقد ذكره البخارى فى جزء رفع اليدين،
وزاد «وكان أعلم أهل زمانه)) - انتهى. قلت: وإليه ذهب عامة أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّم والتابعين وغيرهم. قال
محمد بن نصر المروزى: أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة. وقال البخارى فى جزء رفع اليدين:
قال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله مرّفته يرفعون أيديهم فى الصلاة. وروى ابن عبد البر بسنده عن
الحسن البصرى، قال: كان أصحاب رسول اللّه ◌َفّ يرفعون أيديهم فى الصلاة إذا ركعوا وإذا رفعوا كأنها المراوح.
وروى البخارى عن حميد بن هلال، قال كان أصحاب رسول الله وليه كانما أيديهم المراوح، يرفعونها إذا ركعوا وإذا رفعوا
رؤسهم. قال البخارى: ولم يستثن الحسن أحدا منهم من أصحاب النبي ◌ُّم دون أحد ، ولم يثبت عند أهل العلم عن
أحد من أصحاب النبي ◌َّم أنه لم يرفع يديه. ثم ذكر البخارى عن عدة من علماء أهل مكة، وأهل الحجاز وأهل العراق
والشام والبصرة واليمن وعدة من أهل خراسان ، وعامة أصحاب ابن المبارك ومحدثى أهل بخارى، وغيرهم من لا يحصى
أنهم کانوا یرفعون أيديهم عند الر کوع والرفع منه ، لا اختلاف بينهم فى ذلك. قلت : قول الحسن ، و حميد بن هلال
يدل على أن الصحابة أجمعوا على رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه، کیف لا وقد صح الرفع ڤهما عن أبى بكر ،
وعمر وعلى من الخلفاء الراشدين، ثم عن غيرهم من الصحابة، ثم عن التابعين، وهو أيضا مذهب الأئمة الثلاثة:
مالك والشافعى وأحمد. قال الترمذى فى جامعه: وبه يقول: مالك، ومعمز والأوزاعى وابن عيينة وعبد الله بن
المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق ـ انتهى. وقال الشعرانى فى ميزانه (ج ١: ص ١٢٩): ومن ذلك قول مالك
والشافعى وأحمد باستحباب رفع اليدين فى التكبيرات والرفع منه ـ انتهى. وقال ابن عبد البر: لم يروأحد عن مالك ترك
الرفع فيهما - يعنى فى الركوع والرفع منه - إلا ابن القاسم، والذى نأخذ به الرفع حديث ابن عمر ، وهو الذى رواه
ابن وهب وغيره عن مالك، ولم يحك التر مذى عن مالك غيره، ونقل الخطابى وتبعه القرطبى فى المفهم: أنه آخر قولى
مالك وأصحها. وقال العراقى فى طرح التثريب (ج ٢: ص ٢٥٣): وقد حكاه عن مالك أيضا أبو مصعب وأشهب
والوليد بن مسلم ، وسعيد بن أبي مريم ، وجزم به الترمذى عن مالك۔ انتھی. واعلم أن البيهتقی روی فی ستنه حديث
ابن عمر هذا بزيادة فى آخره بلفظ «فما زالت تلك صلاته حتى لقى الله تعالى) ذكره الحافظ فى التلخيص (ص ٨١)
والزيلعى فى نصب الراية (ج ١: ص ٤٠٩) وسكنا عليه ولم يتكلما، لكن فى سنده عبد الرحمن بن قريش ، قال الذمى فى
الميزان (ج ٢: ص ١١٤): اتهمه السليمانى بوضع الحديث. وقال الخطيب فى تاريخه (ج ١٠: ص ٢٨٣): فى حديثه
١٤

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
غراتب وأفراد، ولم أسمع فيه إلا خيرا. وفيه أيضا عصمة بن محمد الأنصارى. قال أبو الحسن الدار قطنى: عصمة بن
محمد بن فضالة الأنصاری متروك ذکرہ الخطیب فى تاريخه (ج١٢ : ص ٢٨٦) وقال ابن عدى : کل حديثه غير
محفوظ، ذكره الذهبي فى ميزانه. ويظهر من صنيع النيموى فى آثار السنن أن هذه الزيادة هى دليل القائلين بمواطبته ،{ێے
على رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه، والأمر ليس كما توهم النيموى، فإن أصل الاستدلال على هذا
المطلوب ليس بهذا الحديث بل بحديث مالك بن الحويرث وحديث وائل بن حجر الآتيين ، وبالأحاديث التى استدل بها
الحنفية على أن رسول اللّه ◌َ اقل واظب على رفع اليدين عند تكبيرة الافتاح. قال شيخنا فى أبكار المنن (ص ١٩٥):
اعلم أن العلماء الحنفية ادعوا أن النبى يُؤتم واظب على رفع اليدين عند تكبيرة الافتاح ما دام حيا، واستدلوا عليه
بالأحاديث التی فیھا ذکر رفع الیدین عند الرکوع، وعند رفع الرأس منه، فکما ثبت مواظته ،ٹے على رفع اليدين عند
تكبيرة الافتتاح كذلك تثبت مواظبته مؤ تم على رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه أيضا. قال صاحب
الهداية: ويرفع يديه مع التكبير، وهو سنة، لأن النبي ◌َّم واظب عليه. قال الزيلعى فى نصب الراية: هذا معروف فى أحاديث
صفة صلاته عليه السلام، منها حديث ابن عمر أخرجه الأئمة السنة (ثم ذكره بنحو حديث الباب) وحديث أبي حميد الساعدى
(ثم ذكره بنحو أول أحاديث الفصل الثانى) ولم يثبت عن النبي مَيّم ترك رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه
بحديث صحيح ألبتة، وما جاء فيه فهو ضعيف، غيرقابل للاحتجاج، كما يأتى بيانه - انتهى كلام الشيخ. وقد عرفت ما تقدم
أنه ليس رفع يد فى غير التحريمة عند جماعة من أهل الكوفة، وإليه ذهبت الحنفية. ثم إنه اختلفت أقوال الحنفية، واضطربت
آراءهم فى دفع هذه السنة الصحيحة الثابتة المتواترة سندا وعملا- أى رفع اليدين فى المواضع الثلاثة - فذهب بعضهم إلى عدم
جواز الرفع فى غير التحريمة بناء على أن رفع اليدين فى غير الافتاح كان جائزا ومباحا فى أول الأمر، ثم ترك ونسخ جوازه،
فصار الرفع منهيا عنه، وترك الرفع مأمورا به، فيكره الرفع تحريما عندهم، كما فى الكبيرى شرح المنية والبدائع. وبالغ بعضهم كأمير
كاتب الإتقانى صاحب غاية البيان شرح الهداية فقال بفساد الصلاة بالرفع فى غير التحريمة لأنه عمل كثير، واعتمد فى ذلك
على ما روى مكحول النسفى عن أبى حنيفة من فساد الصلاة برفع اليدفى غير التحريمة. وقد رم عليه تقى الدين السبكى الشافعى فى
عصره أحسن رد ، ورد عليه الحنفية أيضا وصرحوا بشذوذ هذه الرواية، وذهبوا إلى عدم الفساد من رفع اليدين فى
غير الافتاح. وهذا القول يدلك على أن النزاع بين التاركين للرفع وبين القائلين به فى الجواز وعدمه، لا فى الأفضلية
والأولوية. وذهب بعضهم إلى جواز الرفع فى غير التحريمة، لكن الأولى والأرجح والمستحب عندهم ترك الرفع،
فالمنسوخ عندهم إنما هو استحباب الرفع لا جوازه وإباحته، والنزاع عندهم إنما هو فى الاختيار لا الجواز، قال صاحب
الكوكب الدرى (ج ١: ص ١٢٩): لا خلاف بيننا وبين الشافعى فى جواز الصلاة بالرفع وعدم الرفع، إنما النزاع فى
أن الأولى هل هو عدم الرفع أو الرفع؟ فاخترنا الأول واختاروا الثانى، وقال صاحب فيض البارى (ج ١: ص ٢٥٧):
١٥

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
قد ثبت الأمران (الرفع والترك) عندى ثبوتا لا مرد له ولا خلاف إلا فى الاختيار، وليس فى الجواز، فما فى الكيرى
شرح المنية والبدائع ((أنه مكروه تحريما)) متروك عندى، نعم إن كان عندهما نقل من صاحب المذهب فهما معذوران،
وإلا فالقول بالكراهة فى مسئلة متواترة بين الصحابة شديد عندى. قال: وقد اشتهر فى متأخرى الحنفية القول بالنسخ ،
وإنما تعلموه من الشيخ ابن الهمام ، والشيخ اختاره تبعا للطحاوى، قال: إذا ثبت عندى القول بالجواز من هو
أقدم فى الحنفية (يعنى به أبا بكر الجصاص الرازى صاحب أحكام القرآن) وساعدته الأحاديث أيضا فلا محيد إلا بالقول به،
وخلافه لا يسمع ، فمن شاء فليسمع. وقال صاحب البدر السارى (ج ١، ص ٢٥٥): إن الرفع متواتر إسنادا وعملا
ولم ينسخ منه ولا حرف. وإنما بقى الكلام فى الأفضلية كما صرح به أبو بكر الجصاص فى أحكام القرآن. وقال أيضا:
دع عنك حديث النسخ إذ قد شهد العمل بالجانبين، فإنه أقوى دليل على عدم النسخ. وذهب بعضهم إلى عدم النسح
مطلقاً ، وقالوا: باستنان الأمرين ، لكن الرفع عندهم أكثر وأرجح وأحب من ترك الرفع. قال الشاه ولى الله الدهلوى
- الذى يزعم الحنفية أنه كان مقلدا لأبى حنيفة - فى حجة الله البالغة (ج ٢، ص ٨): والحق عندى أن الكل سنة، والذى
يرفع أحب إلى من لا يرفع فإن أحاديث الرفع أكثر وأثبت ـ انتهى. وقال السندى فى حاشية ابن ماجه (ج ١:
ص ٢٨٢): أما قول من قال: إن ذلك الحديث (أى حديث ابن مسعود فى ترك الرفع) ناسخ رفع غير تكبيرة الافتاح
فهو قول بلا دليل ، بل لو فرض فى الباب نسخ فيكون الأمر بعكس ما قالوا، فإن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر
من رواة الرفع من صلى مع النبي ◌َّم آخر عمره، فروايتهما الرفع عند الركوع والرفع منه دليل على تأخر الرفع ،
وبطلان دعوى نسخه ، فإن كان هناك نسخ فينبغى أن يكون المنسوخ ترك الرفع. كيف وقد روى مالك هذا جلسة
الاستراحة فحملوها على أنها كانت فى آخر عمره فى سن الكبر، فهى ليس مما فعلها النبي مؤتم قصدا فلا تكون سنة. وهذا
يقتضى أن يكون الرفع الذى رواه ثابتا لا منسوخا لكونه آخر عمره عندهم ، فالقول بأنه منسوخ قريب من التناقض،
وقد قال مَّ لمالك وأصحابه: صلواكما رأيتمونى أصلى. فالأقرب القول باستنان الأمرين، والرفع أقوى وأكثر
انتهى. وقال فى حاشيته على النسائى (ج ١: ص ١٤٠): ومن لا يقول به يراه منسوخا بما لا يدل عليه، فإن عدم الرفع
إن ثبت فلا يدل على عدم سنية الرفع إذشأن السنة تركها أحيانا. ويجوزاستنان الأمرين جميعا، فلاوجه لدعوى النسخ، والقول
بالكراهة -انتهى. وقال الشيخ عبد الحى اللكنوى فى تعليقه (ص ٨٩) على موطأ محمد: القدر المتحقق فى هذا الباب هو ثبوت
الرفع وتركه كليهما عن رسول الله مَ ◌ّه إلا أن رواة الرفع من الصحابة جم غفير، ورواه الترك جماعة قليلة مع عدم صحة الطرق
عنهم إلا عن ابن مسعود، وكذلك ثبت الترك عن ابن مسعود وأصحابه بأسانيد محتجة بها، فإذن تختار أن الرفع ليس بسنة مؤكدة
يلام تاركها إلا أن ثبوته عن النبي مد الله أكثر وأرجح. وأما دعوى نسخه كما صدرعن الطحاوى مغترا بحسن الظن بالصحابة
١٦

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
التاركين ، وابن الهمام ، والعينى وغيرهم من أصحابنا فليس بمبرهن عليها بما يشفى العليل ويروى الغليل. وقال أيضا:
الانصاف فى هذا المقام أنه لا سبيل إلى رد روايات الرفع برواية ابن مسعود وفعله وأصحابه ودعوى عدم ثبوت الرفع.
ولا إلى رد روايات الترك بالكلية ، ودعوى عدم ثبوته، بل يوفى كل من الأمرين حظه ، ويقال: كل منهما ثابت ،
وفعل الصحابة والتابعين مختلف ، ولیس أحدهما بلازم یلام تار کہ مع القول برجحان ثبوت الرفع عن رسول الله مبٹے
انتهى. وذهب بعضهم إلى كون الأمرين ثابتين عن رسول الله مؤثّم مع عدم الجزم برجحان أحد من الطرفين. قال
صاحب البدر السارى (ج ١: ص ٢٦١): أملك علمت أن العمل فى هذا الباب بالنحوين ونفى الترك باطل. بقى أن
الرفع أكثر أو الترك؟ فلم يجزم الشيخ (يعنى شيخه الشاه محمد أنور الكشميرى) فيه بشئ، ولو تبين له لم يحكم به لسراية
الاجتهاد فى هذا الباب، إلخ. وإنما أطلنا الكلام فى تفصيل آراءهم، وذكر أقوالهم لتقف على تخبطهم فى هذه المسئلة وتباين
آراهم، وتناقض أقوالهم فيها. وهذا مؤشأتهم فى أكثر المسائل الشرعية كما لا يخفى على من طالع كتب الفقه الحنفية، ولم
يكن حاجة إلى رد القول بالنسخ بعد هذا التناقض الذى رأيته فى أقوالهم ، فإنهم قد كفونا بأنفسهم ردا لهذا القول الباطل
لكن لما اشتهر فى متأخريهم القول بالنسخ والاستدلال عليه نذكر دلائلهم مع بيان ما فيها من الخلل والخطل ، فاعلم أن
الذين قالوا بكرامة الرفع، وذهبوا إلى نسخ جوازه قد استدلوا على ذلك بحديث جابر بن سمرة ، قال: خرج علينا رسول
اللّه مَّ ونحن يعنى راضعى أيدينا فى الصلاة، فقال: ما بالهم رافعين أيديهم فى الصلاة كأنها أذناب خيل شمس ؟ اسكنوا
فى الصلاة. أخرجه أحمد، ومسلم وأبو داود والنسائى من طريق تميم بن طرفة، عن جابر. وأجيب عنه بأنه لا دليل فيه
على منع الرفع على الهيئة المخصوصة فى المواضع المخصوصة وهو الركوع، والرفع منه، لأنه مختصر من حديث طويل كما
سنبينه. قال النووى: المراد بالرفع المنهى ههنا رفع أيديهم عند السلام مشيرين إلى السلام من الجانبين ، كما صرح به فى الرواية
الأخرى - انتهى. وقال الشوكانى: الحديث ورد على سبب خاص، فإن مسلما رواه أيضا من حديث جابر بن سمرة (من طريق
عبيد الله بن القبطية) قال: إذا كنا صلينا مع رسول اللّه تَوقّ فقلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار
يديه إلى الجانبين فقال لهم النبي معرفته: علام تؤمون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمسر؟ إنما يكفى أحدكم أن يضع يديه على فخذيه ،
ثم يسلم على أخيه من عن يمينه وشماله. وفى رواية إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يؤمى بيده. وقال ابن حبان: ذكر الخبر
المنقصى للقصة المختصرة المتقدمة بأن القوم إنما أمروا بالسكون فى الصلاة عند الإشارة بالتسليم دون رفع الثابت عند
الركوع، ثم رواه كنحو رواية مسلم، وفى رواية النسائى: كنا نصلى خلف النبي مؤثّم فنسهم بأيدينا. قال الشيخ أبو
الحسن محمد بن عبد الهادى السندى الحنفي: أى فى الصلاة ، وبهذه الرواية تبين أن الحديث مسوق النهى عن رفع الأيدى
عند السلام إشارة إلى الجانبين، ولا دلالة فيه على النهى عن الرفع عند الركوع وعند الرفع منه، ولذا قال النووى:
١٧

مرعاة المفاتيح ج٣
٤- كتاب الصلاة
١٠ ٪ لبنصفة الصلاة
الاستدلال به على النهى عن الرفع عند الركوع وعندالرفع منه جهل قبيح. وقد يقال: العبرة لعموم اللفظ، ولفظ «ما بالهم رافعى
أيديهم فى الصلاة) إلى قوله ((اسكنوا فى الصلاة)) علم، فضح بناء الاستدلال عليه، وخصوص المورد لا عبرة به إلا أنه
يقال: ذلك إذا لم يعارضه عن العموم عارض، وإلا يحمل على خصوص المورد وههنا قد صح وثبت الرفع عند الزكوع.
وعند الرفع منه ثبوتا لا مردله، فيجب حمل هذا اللفظ على خصوص المورد توفيقا ودفعا للتعارض - انتهى كلام السندى. وقال
الشوكانى: ورد هذا الجواب (أى بأن الحديث ورد على سبب خاص) بأنه قصر للعام على السبب، وهو مذهب مرجوح،
وهذا الرد متجه لولا أن الرفع قد ثبت من فله مَ ◌ّ ثبوتا متواتهما (أى إسنادا وعملا، وقد اعترف به بعض الحنفية كما
سيأتى) وأقل أحوال هذه السنة المتواترة أن تصلح لجعلها قرينة لقصر ذلك العام على السبب، أو لتخصيص ذلك العموم
على تسليم عدم القصر. قال: وأيضا الخقرر فى الأصول بأن العام والخاص إذا جهل تاريخهما وجب البناء - انتهى.
وقال البخارى: أما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث جابر بن سمرة، قال: دخل علينا رسول اللّه تَ ◌ّه ونحن رافعوا
أیدینا - الحديث. فانما كان هذا فى التشهد لا فى القیام ، کان یسم بعضهم على بعض، فنھی الني ◌ُٹے عن رفع الأيدى
فى التشهد، ولا يحتج بهذا (أى على منع الرفع عند الركوع والرفع منه) من له حظ من العلم، هذا معروف مشهور
لا اختلاف فيه - انتهى. وقال الشيخ عابد بن أحمد السندى الحنفى فى المواهب اللطيفة: أما حديث «مالى أراكم راضعى
أيديكم، إلخ. فلا يليق الاستدلال بهذا الحديث فى نفى الرفع فافهم - انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا أن أهل العلم اتفقوا
على حمل حديث جابر المختصر على حديثه الطويل ، وجعلهما قضية واحدة وقعت فى وقت واحد ، والقول بأن الحديث
المختصر فى رفع الأيدى، والايماء والإشارة بها عند السلام بناء على أن أحدهما تفسير للآخر، وعليه يدل تبويب
أبى داود والنسائى وعلى المنفى الحنفى صاحب كنز العمال، وصنيع مسلم فى صحيحه. ولله در العلامة الشيخ أمير على الحنفى
فقد اعترف بوقوع إجماع المحدثين على ذلك حيث قال فى حاشية صحيح مسلم (ج ١: ص ١٨٢) (طبعة نولكشور
لكنو): أجمع المحدثون على هذا التأويلى، والسلام من تتمة الصلاة ونازع بعض الناس فيه فقال: بل هذا النهى عن رفع
اليدين فى الصلاة عند الركوع والرفع منه، فعلى هذا يكون تقبيحا بعد تشريع بلا تقديم النهى - انتهى. ومما يدل على اتحاد القضية
وكون أحد الحديثين تفسيراً للآخر أنه بعيد من الصحابة أن يرفعوا أيديهم عند السلام بعدما سمعوا منه من خلال النهى عن الرفع
فى الصلاة مطلقا، فإن المنع عن الرفع فى الصلاة مطلقا يستلزم المنع عن الرفع عندالسلام أيضا، وكذا يستبعد أن يرفعوا أيديهم
عندالز كوع والرفع منه بعد ما سمعوا منه النهى عن رفع الأيدى، والإيماء بها عند السلام، فإنه لما نهى عن الرفع عند السلام يكون الرفع
عدد الركوع والرفع منه قبل السلام منهياً عنه بطريق الأولى ،وهذاظاهر. ففى ادعاء التغاير بين الحديثين نسبة سوء الفهم إلى الصحابة،
وفيه من إساءة الأدب فى شأن المحلية ما لا يخفى، وفى حل الروايتين على التغاير مفاسد أخر لا تخق على المتأعلى النصف غير
١٨
ا

مرعاة المفاتيح ج ٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
المتعسف المتعصب. وقال بعض الحنفية : سياقالحديثین ظاهر فى أن أحدهما ورد فى غير ما ورد فيه الآخر ، ولا يمكن
أن يكون أحدهما تفسيرا للآخر، وذلك من وجوه، الأول أن الحديث الأول وهو قوله عليه السلام ((اسكنوا فى
الصلاة، ورد فى رفعهم فى الصلاة. روى النسائى، عن جابر بن سمرة: خرج علينا رسول الله مؤتم ونحن رافعوا
أیدینا فى الصلاة ، بخلاف الحديث الثانى : إذا سلم أحد كم فلا يلتفت إلى صاحبه، ولا يؤمی یده. لان رفعهم كان
عند السلام، وهى حالة الخروج من الصلاة - انتهى. قلت: حاصل كلامه أن الذى يرفع يديه حال التسليم
لا يقال له ((اسكن فى الصلاة) لأنه ليس فى أثناء الصلاة، بل هو فى حالة الخروج من الصلاة، فلا يصح إطلاق
لفظ ((فى الصلاة)) عليه، وإنما يقال ذلك لمن يرفع يديه فى أثناء الصلاة وهو حالة الركوع والسجود ونحو ذلك. وفيه
أن الذى يرفع يديه قبل الفراغ والانصراف من الصلاة وإن كان حال التسليم الثانى يقال له أيضا «اسكن فى الصلاة» فإن
الفراغ والانصراف منها إنما يكون بالفراغ من التسليم الثانى فا لم يفرغ من التسليم الثانى هو فى الصلاة. كيف لا !
وقد أطلق النبي ◌ُّم على هذه الحالة لفظ «فى الصلاة، وأمرهم بالسكون، ففي رواية لأحمد (ج ٥: ص ١٠٢) من حديث
جابر الطويل، فقال رسول الله رؤقي: ما بال الذين يرمون بأيديهم فى الصلاة كانها أذناب الخيل الشمس. وفى أخرى
له أيضا (ج ٥: ص ٨٦): ما بال أقوام يرمون بأيديهم كأنها أذناب الخيل الشمس، ألا يسكن أحدكم، إلخ. ويؤيد
ذلك أيضا ما عند الترمذى: أن رسول اللّه ◌َيّ كان يسلم فى الصلاة تسليمة واحدة. وما عند البزار: قال سمرة أمرنا
رسول الله مَّم أن نسلم على أمتنا ، وأن يسلم بعضنا على بعض فى الصلاة. فالذين كانوا يؤمون بأيديهم ، ويرفعونها عند
السلام يصدق عليهم أنهم رفعوا أيديهم فى الصلاة. والحاصل أن الرفع عند السلام هو الرفع فى أثناء الصلاة ، فصح أن
يقال له ((اسكن فى الصلاة)). قال: والثانى أن فى الحديث الأول كان خروجه منَّه من البيت، ولم يكن رسول الله عليه
معهم فى تلك الصلاة. روى أحمد فى مسنده (ج ٥: ص ٩٣) من حديث جابر: أنه عليه السلام دخل المسجد
فأبصر قوما قد رفعوا أيديهم - الحديث. بخلاف الحديث الثانى، فإن رفعهم فيه كان خلف النبي مرؤيتهم لقوله (( كنا إذا
صلينا مع رسول الله مَّ قلنا السلام عليكم). وفيه أن هذا الاختلاف من تصرف الرواة، ذكر بعضهم ما لم يذكره
الآخر وكان الأصل أنه صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فصلى بنا، وكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا السلام عليكم، فنظر
إلينا، فقال: ما شأنكم، إلخ. وكثيرا ما يقع مثل هذا التصرف بل أكثر منه من الرواة كما لا يخفى على من
له أدنى خبرة على مختلف الروايات، فدعوى التعدد والتغاير بمثل هذا الاختلاف ليس مما يلتفت إليه. والحديث
الأول ليس بنص فى أنه مرَّ لم يكن معهم فى تلك الصلاة. قال: والثالث أن الحديث الأول يدل على أن الرفع كان
فعل قوم مخصوصين، وهم الذين كانوا إذ ذاك يتنقلون فى المسجد سواء فعل جميع المصلين أو بعضهم، سوى الذين لم يكونوا
١٩

مرعاة المفاتيح ج٣
٤ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
إذ ذاك فى الصلاة بخلاف الحديث الثانى ، فإن الرفع الذى نهى عنه فى هذا الحديث كان فعل جميعهم. وفيه أن الحديث
الأول رواه النسائى بلفظ: خرج علينا رسول اللّه ترقيم ونحن يعنى راضعوا أيدينا فى الصلاة، فقال ما بالهم - الحديث.
وفى رواية لأحمد (ج ٥: ص ١٠٧): دخل علينا رسول اللّه مَّه ونحن رافعى أيدينا فى الصلاة، فقال: مالى أراكم -
الحدیث. وهاتان الروايتان کما تری تدلان على أن الرُفع کان فعل جمیعهم لا فعل قوم مخصوصین ، ولیس فی طریق من
طرق الحديث الأول أنهم كانوا منتغلين، ولا أنه مرَّه لم يكن معهم فى تلك الصلاة. وروى أحمد (ج ٥: ص ١٠٧)
الحديث الثانى بلفظ. كنا إذا صلينا خلف رسول الله مَ ◌ّ أشار أحدنا إلى أخيه من عن يمينه ومن عن شماله، فلما صلى
رسول اللّه ◌َفّ قال ما بال أحدكم يفعل هذا كأنها أذناب خيل شمس، إنما يكفى أحدكم، إلخ. وفى رواية له: كنا نقول
خلف رسول اللّه ◌َيّ إذا سلمنا: السلام عليكم. السلام عليكم، يشير أحدنابيده عن يمينه وعن شماله، فقال رسول الله مؤلفتع :
ما بال الذين يرمون بأيديهم فى الصلاة كانها أذناب الخيل الشمس؟ ألا يكفى أحدكم، إلخ. وفى أخرى (ج ٥: ص ٨٦)
له أيضا: ما بال أقوام يرمون بأيديهم. وهذه الروايات تدل على أن الرفع الذى نهى عنه فى هذا الحديث لم يكن فعل جميعهم
خلاف ما ادعى هذا البعض. قال: والرابع أن الحديث الثانى يدل على أن رفعهم كان كرفع المصافح عند السلام، ولا
يمكن أن يكون هذا هو الرفع فى الحديث الأول، لأنهم كانوافرادى. وفيه أنه لا دليل فى الحديث الأول على أنهم كانوا
فرادى، بل كانوا يصلون خلف النبي مَثّة ، كما هو مصرح فى الطريق الثانى لحديث جابر ، وعلى هذا فالرفع المذكور فى
الطريق الثانى الطويل هو الرفع فى الطريق المختصر ، يدل على ذلك أنه ورد التقبيح على الرضعين فى الحديثين بلفظ واحد
وهو قوله (( كأنها أذناب الخيل الشمس)). ولايفهم كونهم فرادى من الحديث الأول إلا من ليس له اطلاع على تصرف
الرواة واختلافهم فى الروايات، وعلى من رسخ فى قلبه كونهما حديثين متغايرين تمشية لمذهبه وإبطالا السنة الصحيحة
الثابتة المتواترة تواتر إسناد وعمل، وهذا من ثمرات التقليد. قال: والخامس أن الحديث الأول ورد على الرفع، ونهى
عنه بلفظ عام ، أى اسكنوا فى الصلاة، بخلاف الثانى فإنه ورد فى الإشارة والايماء، ونهى عنه بلفظ يختص بحالة
السلام - انتهى. وحاصله أن الرفع لا يطلق على الايماء. وفيه أن الحديث الثانى وإن لم يذكر فيه لفظ الرفع نصا لكنه
ورد على ما هو فى معنی الرفع، ففى رواية لأحمد (ج ٥: ص ٨٦): ما بال أقوام يرمون بأيديهم، والرمى بالأيدى هو.
الرفع، ونهى فيه أيضا بلفظ عام ، أى السكون ، وورد التقبيح بلفظ واحد، ففى الرواية المذكورة ((كانها أذناب الخيل
الشمس، ألا يسكن أحدكم». علا أن الإشارة يكون فيها أيضا الرفع وبالعكس، ولذلك أطلق أحدهما على الآخر، ففى
حديث ابن عمر عند مسلم فى صفة صلاته مرّتين «رفع إصبعه اليمنى،، وفى رواية ((أشار بالسبابة)) قال الطيبي: أى رفعها
وروى أبو داود عن وائل (رفع إصبعه) وعن ابن الزبير ((كان يشير بإصبعه إذا دعاه وهذا كما ترى قد أطلق فيهما الرفع
٢٠