النص المفهرس

صفحات 481-500

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
فإنهم لا يصلون فى نعالهم ولا خفافهم. رواه أبو داود.
٧٧٢ - (١٣) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: بينما رسول الله محل يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه
فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم.
أى بالصلاة فى نحو التعال (فإنهم لا يصلون فى نعالهم) بكسر النون، جمع فعل وهى معروفة (ولا خفافهم) بكسر الخاء
المعجمة جمع خف بالضم. قال الشاه ولى الله: كان اليهود يكرهون الصلاة فى نعالهم وخفافهم، لما فيه من ترك التعظيم، فإن
الناس يخلعون نعالهم بحضرة الكبراء وهو قوله تعالى ﴿فاخلع نعليك، إنك بالواد المقدس طوى - ١٢:٢٠) وكان هناك
وجه آخر، وهو أن الخف والنعل تمام زى الرجل فترك النبي ◌َ ◌ّ القياس الأول، وأبدى الثانى مخالفة لليهود - انتهى.
والحديث يدل على مشروعية الصلاة فى النعال. وقد اختلف نظر الصحابة والتابعين فى ذلك هل هو مستحب أو مباح أو
مكروه؟ وأقل أحوال هذا الحديث الدلالة على الاستحباب من جهة قصد مخالفة اليهود. وقال الحافظ فى الفتح فى شرح
حديث أبى سلمة سعيد بن يزيد: سألت أنسا أكان النبي مَثم يصلى فى نعليه؟ قال نعم. قال ابن بطال : هو محمول على ما
إذا لم يكن فيها نجاسة، ثم هى من الرخص كما قال ابن دقيق العيد، لا من المستحبات، لأن ذلك لا يدخل فى المعنى
المطلوب من الصلاة، وهو وإن كان من ملابس الزينة إلا أن ملامسة الأرض التى تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن
هذه الرتبة. وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة مصلحة النجاسة قدمت الثانية ، لأنها من باب رفع المفاسد
والأخرى من باب جلب المصالح. قال: إلا أن يرد دليل بالحاقه بما يتجمل، فيرجع إليه، ويترك هذا النظر. قال
الحافظ : قد روى أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعا ((خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون فى نعالهم ولا
خفافهم، فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة. قال: وورد فى كون الصلاة فى النعال من الزينة المأمور
بأخذها فى الآية حديث ضعيف جدا ، أورده ابن عدى فى الكامل ، وابن مردويه فى تفسيره من حديث أبى هريرة ،
والعقيلى من حديث أنس - انتهى (رواه أبو داود) وسكت عليه هو والمنذرى. وأخرجه أيضا ابن حبان فى صحيحه
والحاكم والبيهقى. قال الشوكانى: لا مطعن فى إسناده. وفى الباب عن جماعة من الصحابة، ذكر تخريج أحاديثهم
الشوكانى فى النيل ، والهشمی فی مجمع الزوائد.
٧٧٢ - قوله (إذ خلی نعلیه) أینزعهما عن رجليه (فوضعهما عن يساره) فيه معنى التجاوز، أى وضعهما بعيدا
متجاوزا عن يساره. وفيه من الأدب أن المصلى إذا صلى وحده وخلع فعله وضعها عن يساره. وإذا كان مع غيره فى
الصف، وكان عن يمينه ويساره ناس فإنه يضعها بين رجليه كما سيأتى. وفيه دليل على جواز عمل قليل فى الصلاة.
وأن العمل اليسير لا يقطع الصلاة (فلما رأى ذلك) أى خلع النعل (ألقوا نعالهم) أى خلعوها عن أرجلهم ثم ألقوها
٤٨١

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
فلما قضى رسول اللّه وَيتّ صلاته، قال: ما حملكم على إلقائكم فعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك،
فألقينا فعالنا. فقال رسول اللّه على: إن جبرئيل أتانى فأخبرنى أن فيهما قذراً. إذا جاء أحدكم
المسجد فلينظر، فإن رأى فى فعليه قذراً فليمسحه وليصل فيهما. رواه أبو داود، والدارمى.
٧٧٣ - (١٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َله: إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن
يمينه، ولا عن يساره فتكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون على يساره أحد،
(فعالكم) بالنصب (أن فيها قدرا) بفتحتين، أى نجاسة، وفى رواية أحمد «أن بهما خبثاء. والحديث يدل على أن المصلی إذا
دخل فى الصلاة وهو متلبس بنجاسة غیر عالم بها أو ناسیا بها ثم عرف بها فى أثناء صلاته أنه يجبعليه إزالتها، ثم يستمر فى
صلاته، ويبنى على ما صلى. قال الخطابي: فى الحديث من الفقه أن من صلى وفى ثوبه نجاسة لم يعلم بها فإن صلاته مجزية
ولا إعادة عليه، قال القاضى: ومن يرى فساد الصلاة حمل القذر على ما تقذر عرفا كالخاط. وحمله بعضهم على المقدار
المعفو من النجاسة. قلت: حله على مستقذر غير نجس، أو غمى مقو عنه تحكم، ويرد حمل القذر على المستقذر الغير
النجس رواية الخبث المذكورة للاتفاق بين أئمة اللغة وغيرهم أن الأخبثين هما البول والغائط (فإن رأى فى فعليه) أو فى
أحدهما (قذرا فظيمسحه وليصل فيها) فيه دليل على استحباب الصلاة فى النعال، وعلى أن مسح النعل من النجاسة مطهر له
من القذر. والظاهر عند الإطلاق فيه أن النعل يطهر بالمسح مطلقا أى سواء كانت النجاسة رطبة أو جافة. قال القاضى:
فيه دليل على أن من تنجس فعله إذا دلك على الأرض طهر، وجاز الصلاة فيه - انتهى. ومن يرى خلافه أول بالمستقذر
النير النجس أو بالمقدار المعفو من النجاسة، وهو تحكم فلا يلتفت إليه. وقد تقدم الكلام مفصلا على كون ذلك التعامل
مطهرا لها فى باب تطير النجاسات (رواه أبو داود) وسكت عليه هو والمنذرى، وأخرجه أيضا أحمد والحاكم وابن
خزيمة وابن حبان. واختلف فى وصله وإرساله. ورجح أبو حاتم فى العلل وصله. ورواه الحاكم من حديث أنس
وابن مسعود، ورواه الدارقطنى من حديث ابن عباس، وعبد الله بن الشخير، وإسنادهما ضعيفان، ورواه البزار من
حديث أبى هريرة، وإسناده ضعيف معلول أيضا، قاله الحافظ. وذكر الهيشمى أسحاديث هؤلاء الصحابة مع الكلام
عليها ، إن شئت الوقوف عليها فارجع إلى مجمع الزوائد (ج ٢: ص ٥٥).
٧٧٣ - قوله (إذا صلى أحد كم) أى أراد أن يصلى (فلا يضع فعليه) بالجزم جواب إذا (عن يمينه) لأن جهة
اليمين محرمة (متكون) أى فتقع النعل (عن يمين غيره) قال الطيبي: هو بالنصب جوابا النهى، أى وضعه عن يساره مع
وجود خيره سبب لأن تكون عن يمين صاحبه. يعنى وفيه نوع إهانة وإيذاء له، وعلى المؤمن أن يحب لصاحبه ما يحب لنفسه
ويكره له ما يكره لنفسه (إلا أن لا يكون على يساره) وفى بعض النسخ ((عن يساره» (أحد) أى فيجوز له حينئذ أن يضعها على
٤٨٢
٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
وليضعهما بين رجليه. وفى رواية: أو ليصل فيهما. رواه أبو داود، وروى ابن ماجه معناه.
﴿( الفصل الثالث ):
٧٧٤ - (١٥) عن أبى سعيد الخدرى، قال: دخلت على النبى عربية، فرأيته يصلى على حصير يسجد
عليه. قال: ورأيته يصلى فى ثوب واحد متوثها به. رواه مسلم.
يساره (وليضعها بين رجليه) إذا كان عن يساره أحد. والمراد الفرجة التى بين رجليه (وفى رواية) أى زيادة لا بدلا
أى إذا صلى أحدكم فطع فعليه فلا يؤذ بها أحدا (بأن يضعهما عن يمينه أو قدامه) ليجعلهما (فى الفرجة التى) بين رجليه
(أو يصل فيها) أى إن كانا طاهرين. وإنما لم يقل «أو خلفه، لثلا يقع قدام غيره، أو لتلا يذهب خشوعه لاحتمال أن
يسرق (رواه أبو داود) وسكت عليه. وقال العراقى: هذا حديث صحيح الإسناد - انتهى. وفى سنده عبد الرحمن بن
قيس عن يوسف بن مامك. قال المنذرى: يشبه أن يكون الزعفرانى البصرى، كنيته أبو معاوية، لا يحتج به ـ انتهى.
قلت: عبد الرحمن بن قيس هذا هو العتكى أبو روح البصرى لا الزعفرانى، ذكره ابن حبان فى الثقات، له هذا الحديث
الواحد عند أبى داود. قال الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج٦ : ص٢٥٧): وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحهما
وقال المنذرى فى مختصره: يشبه أن يكون الزعفرانى، وليس كما ظن، فإن الزعفرانى يصغر عن إدراك يوسف بن ماهك.
وأيضا فقد ذكره ابن حبان فى الثقات، وأما الزعفرانى فواهى الحديث - انتهى. وفى الباب عن أبى بكرة عند الطبرانى
فى الكبير. قال الهيشمى فى مجمع الزوائد: وفيه زياد الجصاص ضعفه ابن معين وابن المدينى وغيرهما. وذكره ابن
حان فى الثقات (وروى ابن ماجه) فى آخر الصلاة (معناه) وفى سنده عبد الله بن سعيد بن أبى سعيد. قال فى الزوائد:
متفق على تضعيفه - انتهى. ولفظه (الزم فعليك قدميك، فإن خلقتها فاجعلها بين رجليك، ولا تجعلها عن يمينك، ولا
عن يمين صاحبك، ولا ورائك فتؤذى من خلفك)).
٧٧٤ - قوله (يصلى على حصير) فيه دليل على جواز الصلاة على شئ يحول بينه وبين الأرض من ثوب،
وحصير وصوف وشعر وغير ذلك، وسواء نبت من الأرض أم لا. قال القاضى: الصلاة على الأرض أفضل إلا
لحاجة، حر أو برد أو نحوهما، لأن الصلاة سرما التواضع والخضوع، والأرض أقرب إلى التواضع (يسجد عليه)
بدل بعض من يصلى (متوشحا به) أتى مخالفا بين طرفيه. قال ابن السكيب: التوشح أن يأخذ طرف الثوب الذى
ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذى ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على
صدره فيكون بمنزلة الإزار والرداء (رواه مسلم) وأخرجه أيضا ابن ماجه.
٤٨٣
---

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
٧٧٥ - (١٦) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت رسول الله مؤتم يصلى حافيا
ومنتعلا. رواه أبو داود.
٧٧٦٠ - (١٧) وعن محمد بن المنكدر، قال: صلى جابر فى إزار قد عقده من قبل قفاه. وثيابه
موضوعة على المشجب. فقال له قائل: تصلى فى إزار واحد؟ فقال: إنما صنعت ذلك ليرانى أحق
مثلك ، وأينا كان له ثوبان
٧٧٥ - قوله (حافيا) أى بلا فعال تارة (ومنتعلا) أى أخرى، من الانتعال. وفى بعض النسخ ((متنعلا) من
التتعل ، أى لابسا فعليه فى رجليه (رواه أبو داود) وسكت عليه هو والمنذرى، وأخرجه أيضا ابن ماجه.
٧٧٦ - قوله (وعن محمد بن المنكدر) هو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير - بالتصغير ــ التيعى المدنى، أحد
الأئمة الأعلام الحفاظ . سمع عن جابر، وأنس، وابن الزبير، وعمه ربيعة وغيرهم ، وأ کثر عن جابر. روى عنه جماعة ،
منهم الثورى ومالك والزهرى وجعفر الصادق وهشام بن عروة. وهو من مشاهير التابعين وجّتهم، جمع بين العلم
والزهد والعبادة والدين المتين والصدق والعفة. قال إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة: كان من معادن الصدق، ويجتمع
إليه الصالحون، ولم يدرك أحد أجدر أن يقبل الناس منه إذا قال: قال رسول الله موفّم، ولا يسأل عمن هو، من ابن المنكدر،
يعنى لتحريه. وقال إبراهيم بن المنذر: كان غاية فى الحفظ والإتقان والزهد، حجة. مات سنة (١٣٠) وقيل:
(١٣١) وقد بلغ (٧٦) سنة (من قبل قفاه) بكسر القاف وفتح الموحدة أى من جهة قفاه (وثيابه) الواو الحال
(موضوعة على المشجب) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الجيم بعدها موحدة، هو ثلاث عيدان تضم وتعقد
رؤسها ويفرج بين قوائمها ، توضع عليها الثياب، وقد تعلق عليها الأسقية لتبريد الماء، قال ابن سيده: المشجب
والشجاب خشبات ثلاث يعلق عليها الراعى داوه وسقاء .. ويقال فى المثال: «فلا کالمشجب من حیث قصده وبعدته»
والجملة اسمية حالية (فقال له قائل) هو عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت كافى مسلم (تصلى فى إزار واحد) همزة الانكار
محذوفة (إنما صنعت ذلك) أى الذى فعله من صلاته، وإزاره معقود على قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب (ايرانى
أحفى) بالرفع غير منصرف من الحق - بضم الحة وسكون الميم - وهو قلة العقل. والمراد بالأحق هنا الجاهل.
وحقيقة الحمقى وضع الشئ فى غير موضعه مع العلم بقبحه، قاله فى النهاية. وإنما أغلظ له فى الخطاب وجرا عن الإنكار
على العلماء، وليحثه على البحث عن الأمور الشرعية (مثلك) أى فيعلم أنه جائز، أو فينكر على بجهله، فأظهر له جوازه
ليقتدى بى الجاهل ابتداء. ومثلك ـ بالرفع - صفة أحق لأنها وإن أضيفت إلى المعرفة لا تعرف لتوغلها فى الابهام
إلا إذا أضيفت لما اشتهر بالماثلة وههنا ليس كذلك، ولذا وقعت صفة لتكرة وهى أحق (وأنا كان له ثوبان) استفهام
٤٨٤
P

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
على عهد رسول اللّه مَلِم؟ رواه البخارى.
٧٧٧ - (١٨) وعن أبي بن كعب، قال: الصلاة فى الثوب الواحد سنة. كنا نفعله مع رسول الله
مَّ ولا يعاب علينا. فقال ابن مسعود: إنما كان ذاك إذا كان فى الثياب قلة؛ فأما إذا وسع الله،
فالصلاة فى الثوبین أزکی. رواه أحمد.
يفيد النهى، وغرضه أن الفعل كان مقررا (على عهد رسول اللّه مَئي) وحينئذ فلا ينكر. والمعنى: كان أكثرنا فى
عهده وَّى لا يملك إلا الثوب الواحد، ومع ذلك فلم يكلف تحصيل ثوب ثان ليصلى فيه، فدل على الجواز. والحديث
فيه دليل على جواز الصلاة فى الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر منه، وهو قول عامة الفقهاء. وروى عن ابن عمر
خلاف ذلك، وكذا عن ابن مسعود، فروى ابن أبى شيبة عنه «لا يصلين فى ثوب وإن كان أوسع مما بين السماء
والأرض، قال فى الفائق: أجمعوا على أن الصلاة فى توبين أفضل، فلو أوجبناه لعجز من لا يقدر عليهما، وفى ذلك حرج.
وأما صلاة النی ◌ُنتے وأصحابه فى ثوبواحد، فتی وقت كان لعدم توب آخر، وفى وقت كان مع وجوده ليان الجواز،
فقله الطبي. وأخرج البخارى من طريق سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة أن ماثلا سأل رسول اللّه مؤتم عن الصلاة
فى ثوب واحد، فقال رسول الله مؤلّم، أو لكلكم ثوبان؟ قال الخطابي: لفظه استخبار ومعناه الاخبار عما هم عليه من
قلة الثياب، ووقع فى ضمته الفتوى من طريق الفحوى. كأنه يقول: إذا علمتم أن ستر العورة فرض، والصلاة لازمة،
وليس لكل أحد منكم ثوبان فكيف لم تعلموا أن الصلاة فى الثوب الواحد جائزة؟ أى مع مراعاة ستر العورة به
(رواه البخارى) قال العين: هذا الطريق اتفرد به البخارى.
٧٧٧ - قوله (سنة) أى جائز بالسنة وإن كانت فى الثوبين أفضل، كما يأتى عن ابن مسعود ، فلا تنافى بينهما ،
قاله القارى ( كنا نفعله) أى ما ذكر من الصلاة فى الثوب الواحد (مع رسول الله مَئية) أى مع فعله، أو حال كوننا معه ..
ويزيد الثانى قوله (ولا يعاب علينا) أى وما نهانا. فيكون تقريرا نبويا، فثبت جوازه بالسنة، إذ عدم الإنكار دليل
الجواز لا دليل الندب (إنما كان ذاك) أى المذكور من الصلاة فى الثوب الواحد من غير كرامة (إذا كان) وفي المسند
(إذ كان)) (فى الثياب قلة) أى فى وقت كون الثياب قليلة (فأما إذا) وفى المسند «إذ) (وسع الله) بتكثير الشاب،
شرطية جزائرها (فالصلاة فى الثوبين) أى الإزار والرداء، أو القميص والازار (أزكى) أى أولى. وقال الطبي:
أى أطهر، أو أفضل، لأن الزكاة النمو الحاصل عن بركة الله تعالى، أو طهارة النفس عن الخصال الذميمة، وكلا
المعنيين محتمل فى الحديث ، وقيل: أزكى بمعنى أنى، أى أكثر ثوابا، أو بمعنى أطهر، لأنه أبعد من الخصلة الذميمة التى
هى أداء الصلاة على وجه الكرامة (رواه أحمد) فيه نظر لأنه لم يروه أحمد، بل هو ما رواه ابنه عبد الله زائدا على أيد
٤٨٥
۔

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
(٩) باب السترة
( الفصل الأول ):
٧٧٨ - (١) عن ابن عمر، قال: كان النبى مرويتم يغدو إلى المصلى والعنزة بين يديه تحمل، وتنصب
بالمصلى بين يديه فيصلى إليها.
(ج ٥: ص ١٤١) من طريق أبى نضرة بن بقية، قال: قال أبى بن كعب، إلخ. قال الهيشى فى مجمع الزوائد (ج ٢:
ص ٤٩) بعد ذكره: رواه عبد الله من زياداته، والطبرانى فى الكبير بنحوه من رواية زر عنه موقوفا، وأبو نضرة
لم يسمع من أبى ولا من ابن مسعود - انتهى. وعن ابن عمر، قال: قال النبي ◌َّم: إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبه، فإن
الله أحق من يزين له. رواه الطبرانى فى الكبير، وإسناده حسن، قاله الهيشمى.
(باب السترة) هى - بالضم - ما يستتر به كائنا ما كان، وقد غلب على ما ينصبه المصلى قدامه من عصا، أو
رمح، أو حربة ، أو سهم، أو غير ذلك مما يظهر به موضع مجود المصلى كيلا يمر مار بينه وبين موضع مجوده. قال
النووى: قال العلماء: الحكمة فى السترة كف البصر عما ورائها، ومنع من يجتاز بقربه. وقال ابن الحمام فى فتح القدير:
المقصود من السترة جمع الخاطر بربط الخيال به كيلا ينتشر. يريد أن فى فطرة الإنسان أن خاله ينتشر فى كل واد ،
ويطوف بكل جانب إذا كان فى مكان واسع ، بخلاف ما إذا كان فى مكان ضيق، فإنه لا يكون له جولان وتطواف
مثل الأول، بل ينقبض وينحصر فيه، فأراد الشارع بأمر نصب السترة أن يضيق عليه مكان صلاته بجمع خاطره بريط.
الخيال به كيلا ينتشر. والله أعلم.
٧٧٨ - قوله (كان النبي مَويّةٍ يغدو) أى يذهب غدوة (إلى المصلى) أى مصلى العيد (والعنزة) بفتحات وهى
أقصر من الرمح، فى طرفها زج كزج الرمح، والزج - بضم الزاى - الحديدة التى فى أسفل الرمح، يقابله السنان.
وقيل: العنزة أطول من العصا، وأقصر من الرمح، وفيها سنان كسنان الرمح (وتنصب) أى تغرز (بالمصلى بين يديه)
أى قدامه أى قبالة أحد حاجبيه لا بين عينيه (فيصلى إليها) زاد ابن ماجه وابن خزيمة، والاسماعيلى «وذلك أن المصلى
كان فضاء، ليس فيه شئ يستره)». وفى رواية للبخارى: كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه،
فیصلى إليها والناس وراءه. وكان يفعل ذلك (أی نصب الحربة بین یدیه حیث لا یکون جدار ، والصلاة إليها) فى
السفر (فليس مختصا يوم العيد) والحديث يدل على مشروعية اتخاذ السترة فى الفضاء، وملازمة ذلك فى السفر، وعلى
أن السترة تحصل بكل شئى ينصب تجاه المصلى وإن دق إذا كان قدر مؤخرة الرحل وعلى مشروعية المشى بين يدى
الإمام بآلة من السلاح. ولا يعارض ذلك ما روى من النهى عن حمل السلاح يوم العيد، لأن ذلك إنما هو عند
٤٨٦

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
رواه البخارى.
٧٧٩ - (٢) وعن أبى جحيفة، قال: رأيت رسول اللّه مؤتمر بمكة وهو بالأبطح فى قبة حمراء من
أدم، ورأيت بلالا أخذ وضوء رسول اللّه مَبِيرٍ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب
منه شيئا تمسح به، ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه. ثم رأيت بلالا أخذ عنزة فركزها.
وخرج رسول اللّه ومؤيته فى حلة حمراء مشمراً، صلى إلى العنزة
خشية التأذى به (رواه البخارى) فى العيدين. وأخرجه أيضا مسلم ، وأبو داود والنسائى وابن ماجه بنحوه.
٧٧٩ - قوله (وعن أبى جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة ومكون الياء وبالفاء، اسمه وهب بن عبد الله
السوائى - بضم المهملة وخفة الواو والمد ـ نسبة إلى سواءة بن عامر. ويقال: اسم أبيه وهب أيضا، مشهور بكنيته.
ويقال له: وهب الخير، صحابى معروف. قيل: مات التي مرّم قبل أن يبلغ الحلم، ولكنه سمع منه وروى عنه.
وكان من كبار أصحاب على وخواصه، وكان على شرطته، واستعمله على خمس المتاع. مات بالكوفة سنة (٧٤) له
خمسة وأربعون حديثا ، اتفقا على حديثين، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بثلاثة. روى عنه جماعة (وهو بالأبطح)
بفتح الهمزة، وهو فى اللغة مسيل واسع فيه دقاق الحصر. والبطيحة والبطحاء مثله، صار علما المسيل الذى بين مكة
ومنى، ينتهى إليه السيل من وادى من ، وهو أقرب إلى مكة ، يكون فيه دقاق الحصى ، ويسمى البطحاء والمحصب أيضا
لكثرة الحصباء فيه (من أدم) بفتحتين، جمع أديم أى جلد (وضوء رسول الله عزبثير) بفتح الواو، أى الماء الذى توضأ
به رسول اللّه مَّة. والظاهر أن المراد به ما سال من أعضاء وضوءه مَّة. وفيه دلالة بينة على طهارة الماء المستعمل
(يتدرون) أى يتسارعون ويتسابقون (ذلك الوضوء) أى إلى أخذ ماء وضوئه تبركا باً ثاره الشريفة (فمن أصاب)
أى أخذ (منه) أى من بلال (شيئا) من الماء، أو فمن وجد من ذلك الماء شيئا قليلا وقدرا يسيرا (تمسح به) أى
مسح به وجهه وأعضائه لينال بركته مؤثية (ومن لم يصب منه) أى من بلل يد بلال (أخذ من بلل يد صاحبه)
فيه دليل بين على أن الماء المستعمل طاهر، ولا دليل على كونه من خصائصه (فركزها) أى غرزها (فى حلة) أى
حال كونه فى حلة. وهى بضم الحاء إزار ورداء، ولا تسمى حلة حتى يكون ثوبين (حمراء) فيه أظهر دليل على أنه
يجوز لبس الأحمر الصرف للرجال وإن كان قانتا ، خلافا للحنفية، فإنهم قالوا: يكره، وتأولوا هذا الحديث بأنها كانت
خلة من برود فيها خطوط حمر. وهو تأويل ضعيف أو باطل. وسيأتى الكلام عليه مفصلا فى موضعه (مشمرا)
بكسر الميم الثانية من التشمير، وهو ضم الذيل ورفعه للعدو أى مسرعا، يقال: فلان شمر عن ساقه، وتشمر فى أمره
إلى خف، وقيل: المراد واضعا ثوبه قد كشف شيئا من ساقيه. قال فى مسلم: كأنى أنظر إلى بياض ساقيه (صلى)
٤٨٧

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
بالناس ركعتين. ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدى العنزة. متفق عليه.
٧٨٠ - (٣) وعن نافع، عن ابن عمر: أن النبى مؤثر كان يعرض راحلته فيصلى إليها. متفق عليه.
ولمسلم: تقدم فصلى إلى العنزة (بالناس) أى إماما بهم (ركعتين) أى للظهر كما فى رواية (يمرون) فيه تغليب للعقلاء
(بين يدى العنزة) أى وراءها. وفيه استعمال المجاز، وإلا فالعنزة لا يد لها. وفى الحديث من الفوائد: استعمال
البركة مما لامسه الصالحون، ووضع السترة للصلى حيث يخشى المرور بين يديه، والاكتفاء فيها بمثل غلظ العنزة. وفيه
تعظيم الصحابة للنبي مَثّ. وفيه استحباب استصحاب العنزة ونحوها (متفق عليه) أخرجه البخارى مطولا ومختصرا
فى الطهارة وفى الصلاة وفى اللباس وفى صفة النبى مؤ ته. وأخرجه مسلم فى الصلاة. قال ميرك: ولفظه للبخارى.
وأخرجه أيضا الترمذى وأبو داود فى الصلاة ، والنسائى فى الزينة، وابن ماجه فى الصلاة.
٧٨٠ - قوله ( کان یعرض راحلته) أی ینینھا بالعرض بينه وبين القبلة حتى تكون معترضة بينه وبين من يمر
بين يديه. من عرض المود على الإناء يعرض - بضم الراء وكسرها - وضعه عرضا، قاله التوربشتى. وقال النووى:
هو بفتح الياء وكسر الراء، وروى بضم الياء وفتح العين وتشديد الراء المكسورة. ومعناه يجعلها معترضة بينه وبين القبلة-
انتهى. والراحلة الناقة التى تصلح لأن يوضع الرحل عليها، قاله الجوهرى. وقال الأزهرى: الراحلة المركوب النجيب
ذكرا كان أو أنثى. والهاء فيها البالغة (فيصلى إليها) فيه دليل على جواز الصلاة إلى الحيوان، والاستتار بما يستقر منه
من غير كرامة ، وجواز الصلاة بقرب البعير، ولا يعارضه النهى عن الصلاة فى معاطن الإبل، لأن المعاطن مواضع
إقامتها عند الماء، ولا يستلزم من النهى عن الصلاة فى معاطن الايل النهى عن الصلاة إلى البعير الواحد فى غير المعاطن.
قال ابن حزم: من منع الصلاة إلى البعير فهو مبطل. وقال ابن عبد البر فى الاستذكار: أما الاستنار بالراحلة فلا أعلم
فيه خلافا. قلت: قال الشافعى: لا يستتر بامرأة ولا دابة. وفى الشرح الكبير المالكية: وسترة لامام وفذ بطاهر
ثابت لا دابة إما لنجاسة فضلتها كالبغال، وإما لخوف زوالها ، وإما لهما. قال الدسوقى: فلا تحصل السنة أو المندوب
بالاستنار بها - انتهى. وبهذا علم أن التستر بالدابة والصلاة إليها لا يخلو عن الكراهة عند الشافعية والمالكية. ولذلك
حملوا الحديث على حال الضرورة، فقال الحافظ فى الفتح، والزرقانى فى شرح الموطأ، وابن رسلان: يحمل ما وقع منه
فى السفر من الصلاة إليها على حالة الضرورة. ونظيره صلاته إلى السرير الذى عليه المرأة ، لكون البيت كان ضيقا.
قال الحافظ: وعلى هذا فقول الشافعى فى البويطى ((لا يستتر بامرأة ولا دابة)) فى حال الاختيار. وقال النووى: أعلى
الحديث لم يبلغ الشافعى ومذهبه اتباع الحديث، فتعين العمل به، إذ لا معارض له ـ انتهى. قال الحافظ: وروى
عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبد الله بن دينار أن ابن عمر كان يكره أن يصلى إلى البغير إلا وعليه رحل. وكان
الحكمة فى ذلك أنها فى حال شد الرحل عليها أقرب إلى السكون من حال تجريدها - انتهى (متفق عليه) ولفظه البخارى ،
٤٨٨

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
وزاد البخارى، قلت: أفرأيت إذا هبت الركاب. قال: كان يأخذ الرحل فيعدله، فيصلى إلى آخرته.
٧٨١ - (٤) وعن طلحة بن عبيد الله، قال: قال رسول اللّه عَلَّه: إذا وضع أحدكم بين يديه مثل
مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبال
وأخرجه أيضا الترمذى وأبو داود (قلت) أى قال عبيد الله بن عمر: قلت: النافع، كذا بينه الإسماعيلى، وحينئذ
فيكون مرسلا لأن فاعل قوله ((يأخذ) الآتى هو الرسول، وَّه ولم يدركه نافع. قال الحافظ: قوله ((قلت أفرأيت)) ظاهره
أنه كلام نافع والمسئول ابن عمر، لكن بين الاسماعيلى من طريق عبيدة بن حميد، عن عبيد الله بن عمر أنه كلام عبيد الله،
والمسئول نافع فعلى هذا هو مرسل، لأن فاعل «بأخذ، هو النبي مؤثّم. ولم يدركه نافع - انتهى. قال ميرك شاه:
فعلى هذا إيراد محى السنة، وصاحب المشكاة ليس بسديد، لأنهما ذكرا فى كتابيهما كلاما لم يذكر قائله فيهما مع أنه يوم
خلاف الواقع - انتهى (إذا هبت الركاب) بكسر الراء، أى هاجت الإبل. وشوشت على المصلى لعدم استقرارها.
يقال: ((هب الفحل)، إذا هاج، و«هب البعير فى السير، إذا نشط. والركاب الإيل التى يسار عليها. ولا واحد لها من
لفظها. والمعنى إلى أى شئ كان يصلى عند هبوب الركاب؟ (قال) أى نافع (كان يأخذ) أى النبي تَلِيَّ (الرحل) بفتح
الراء وسكون الحاء، ما يوضع على ظهر البعير ليركب عليه كالسرج الفرس (فيعدله) بضم المثناة التحتية وفتح العين
وتشديد الدال، من التعديل وهو تقويم الشئ وتسويته. وضبطه الحافظ وغيره بفتح أوله، وسكون العين ، وكسر الدال
أى يقيمه تلقاء وجهه (فيصلى إلى آخرته) بفتح الهمزة والمعجمة والراء من غير مد، ويجوز المد لكن مع كسر الخاء،
والمراد بها العود الذى فى آخر الرحل الذى يستند إليه الرا كب خلاف قادمته.
٧٨١ - قوله (إذا وضع أحدكم بين يديه) أى قدامه. وهذا مطلق، وقد ورد فى حديث بلال (أن النبي مزيفة
صلى فى الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع)، فينبغى للصلى أن يدنو من السترة ولا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع. قال
البغوى: استحب أهل العلم الدنو من السهرة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف. وقد
ورد الأمر بالدنو منها كما سيأتى (مثل مؤخرة الرحل) أى سترة مثل آخرة الرحل. وفى المؤخرة لغات: ضم الميم
وسكون الهمزة وكسر الخاء المخففة وفتحها. وفتح الهمزة والخاء معا مع تشديد الخام، وفتح الهمزة وكسر الخاء المشددة. وفتح
الميم وسكون الواو من غير همزة وكسر الخاء. وهو العود الذى يستند إليه راكب الرحل. قال الحافظ: اعتبر الفقهاء مؤخرة الرحل
فى مقدار أقل السترة ، واختلفوا فى تقديرها بفعل ذلك، فقيل: ذراع، وقيل: ثلثا ذراع. وهو أشهر، لكن فى مصنف
عبد الرزاق عن نافع: أن مؤخرة رحل ابن عمر كانت قدر ذراع. وقال النووى : فى هذا الحديث بيان أن أقل السترة
مؤخرة الرحل ، وهی قدر عظم الذراع وهو نحو ثلثى ذراع. ويحصل بأی شتی أقامه بین یدیه. قال : وليس فى هذا
الحديث دليل على بطلان الخط ـ انتهى (ولا يبال) وفى بعض نسخ مسلم مولا يالى، من المبالاة» يقال: بالى الأمر
٤٨٩

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
من مر وراء ذلك. رواه مسلم.
٧٨٢ - (٥) وعن أبى جهيم، قال: قال رسول الله عَليه: لو يعلم المار بين يدى المصلى ماذا عليه،
لكان أن يقف أربعین
وبالأمر، اهتم به واكترث له (من) أى بمن أو من (مر وراء ذلك) من المرأة ونحوها. ولا يدفعه بالإشارة وغيرها .
ولفظ أبى داود ((إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل فلا يضر من مر بين يديك)) والمراد بالضرر الضرر الراجع
إلى نقصان صلاة المصلى. وفيه إشعار بأنه لا ينقص شئى من صلاة من اتخذسترة بمرور من مر بين السترة والقبلة. ويحصل
النقص إذا لم يتخذ سترة، وكذا إذامر المار بينه وبين السترة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا الترمذى، وأبو داود،
زابن ماجه .
٧٨١ - قوله (بين يدى المصلى) ظرف المار، أى أمامه بالقرب منه. وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع
بها. واختلف فى تحديد ذلك فقيل: ما بين موضع جبهته فى سجوده وقدميه، وقال بعض الحنفية: المرور المحرم،
المرور بينه وبين موضع سجوده. والمراد بموضع السجود المكان الذى بينه وبين منتهى بصره إذا قام متوجها إلى مكان
يسجد فيه. وقيل: المراد قدر ما يقع بصره على المار لو صلى بخشوع، أى راميا ببصره إلى موضع سجوده. وقال
بعضهم: مقدار صف. وقال بعضهم: مقدار صفين. وقال بعضهم: مقدار ثلاثة صفوف. وهذا كله فى الصحراء
والمسجد الكبير. وأما فى المسجد الصغير فما بينه وبين جدار المسجد. وقال ابن العربى: حريم المصلى الذى يمنع المرور فيه
مقدار ما يحتاجه لقيامه وركوعه وسجوده. وقيل: إنه قدر رمية الحجر ، أو السهم، أو المضاربة بالسيف ، أقوال عند
المالكية. وقالت الشافعية والحنابلة: مقدار ثلاثة أذرع. قلت: أرجح الأقوال فى ذلك عندى أنه قدر ما يقع بصره
على المار لو صلى بخشوع، أى راميا بصره إلى موضع سجوده من غير تفصيل بين المسجد وغيره. والله أعلم. قال
السيوطى: المراد بالمرور أن يمربين يديه معترضا. أما إذا مشى بين يديه ذاهبا لجهة القبلة فليس داخلا فى الوعيد - انتهى.
وقال الحافظ: ظاهر الحديث أن الوعيد المذكور يختص بمن مر لا بمن وقف عامدا مثلا بين يدى المصلى أو قعد ، أو رقد
لكن إن كانت العلة فيه التشويش على المصلى فهو فى معنى المار - انتهى. والحديث عام فى كل مصل فرضا أو نفلا ، سواء
كان إماما أو منفردا أو مأموما. وقيل: يختص بالإمام والمنفرد إلا المأموم، فإنه لا يضره من مربين يديه، لأن سترة
الإمام سترة له، أو إمامه سترة له، إلا أنه رد هذا القول بأن السترة إنما تفيد رفع الحرج عن المصلى لا عن المار،
فاستوى الإمام، والمأموم، والمفرد فى ذلك (ماذا عليه) أى من الاثم أو الضرر بسبب مروره بين يديه، وهو فى
موضع نصب ساد مسد مفعولى يعلم، وجواب (لو)) قوله: (لكان أن يقف أربعين) أى أن المار لو علم مقدار الاثم
الذى يلحقه من مروره بين يدى . صلى لاختار أن يقف المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الإثم. وقال الكرمانى:
٤٩٠

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
خيراً له من أن يمر بين يديه. قال أبو النضر: لا أدرى قال: أربعين يوماً، أو شهرا، أو سنة.
متفق عليه .
جواب (((و)) ليس هو المذكور بل التقدير: لو يعلم ما الذى عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرا له. قال
الحافظ: وليس ما قاله متعينا. وقال السندى: أى لكان وقوفه خيرا له من المرور عنده. ولهذا علق بالعلم، وإلا
فالوقوف خيرا له سواء علم أو لم يعلم (خيرا له) بالنصب على أنه خبر كان ، واسمه قوله: أن يقف. وروى بالرفع،
وهى رواية الترمذى. قيل: هو مرفوع على أنه اسم كان، وسوغ الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة. ويحتمل أن يقال:
إسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها. قال الكرمانى: أبهم العدد تفخيما للأمر وتعظيما له. قال الحافظ: ظاهر السياق أنه
عين المعدود ، ولكن شك الراوى فيه. وقد وقع فى مسند البزار من حديث أبى جهيم ((لكان أن يقف أربعين خريفا))
أى عاما. أطلق الخريف على العام من إطلاق الجزء على الكل. وسيأتى فى الفصل الثالث من حديث أبى هريرة ((كان
لأن يقيم مائة عام خير له من الخطوة التى خطاها، وهذا مشعر بأن إطلاق الأربعين البالغة فى تعظيم الأمر لا لخصوص
عدد معين. وجنح الطحاوى إلى أن التقيد بالمائة وقع بعد التقيد بالأربعين زيادة فى تعظيم الأمر على المار، لأنهما لم يقعا معا ،
إذ المائة أكثر من الأربعين، والمقام مقام زجروتخويف، فلا يناسب أن يتقدم ذكر المائة على الأربعين، بل المناسب أن يتأخر. ومميز
الأربعين إن كان هو السنة ثبت المدعى، أو ما دونها فمن باب الأولى (من أن يمر) أى من المرور (بين يديه) أى المصلى
لأن إثم المرور يفضى إلى تعب هو أشد من هذا التعب، فإن عذاب الدنيا وإن عظم يسير (قال أبو النضر) هذه مقولة
مالك، وأبو النضر - بفتح النون وسكون الضاد المعجمة - اسمه سالم بن أبى أمية المدنى مولى عمر بن عبيد الله التيمى، سمع
أنسا. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت، وكان ابن عيينة يصفه بالفضل، والعقل، والعبادة. وقال الحافظ:
ثقة ثبت، وكان يرسل من صغار التابعين، روى عنه مالك، والسفيانان، وغيرهم. مات سنة (١٢٩) (قال) وفى
رواية ((أ قال)) بهمزة الاستفهام. والضمير يرجع إلى بسر بن سعيد، وقيل: إلى رسول اللّه مَ ات} (أربعين يوما، أو
شهرا، أو سنة) معنى هذا الكلام أن أبالنضر قال: لا أدرى - أى لا أحفظ - أن شيخى بسر بن سعيد أ قال بعد قوله
أربعين: لفظ يوما، أو شهرا، أو سنة. ويحتمل أن يكون معناه: قال أبو النضر: إن بسر بن سعيد روى هذا الحديث
عن أبى جهيم عن رسول اللّه مَّى، ولم يذكر بعد قوله ((أربعين)) لا يوما، ولا شهرا، ولا سنة، فلا أدرى هل ذكر بعد
ذلك رسول اللّه ◌َيقل شيئا من هذه الثلاثة أو لم يذكر. والحديث يدل على تحريم المرور بين يدى المصلى، فإن فى معنى
الحديث النهى الأكيد ، والوعيد الشديد على ذلك ، قاله النووى. ومقتضى ذلك أن يعد فى الكبائر . وظاهره يدل على
منع المرور مطلقا ، ولو لم يجد مسلكا ، بل يقف حتى يفرغ المصلى من صلاته (متفق عليه) واللفظ للبخارى، وأخرجه
أيضا مالك ، وأحمد والترمذى وأبو داود ، والنسائي وابن ماجه.
٤٩١

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤-كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
٧٨٣ - (٦) وعن أبى سعيد، قال: قال رسول اللّه ◌َي: إذا صلى أحدكم إلى شتى يستره من.
الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان.
٧٨٣ - قوله (إلى شئ يستره من الناس) مما سلف تعيينه من السترة، وقدرها، وقدركم يكون بينها
وبين المصلى. وفيه أنه لا يجوز الدفع والمقالة إلا لمن كان له سترة. قال النووي. اتفقوا على أن هذا كله لمن لم يفرط فى
صلاته بل احتاط وصلى إلى سترة ، أو فى مكان يأمن المرور بين يديه (أن يجتاز) من الجواز أى يعبر ويمر ويتجاوز
(بين يديه) أى بينه وبين السترة (فليدفعه) أنى ما استطاع، ففى رواية لمسلم «إذا كان أحدكم يصلى فلا يدع أحدا يمر
بين يديه، وليدرأه ما استطاع، قيل: ندباً. وقال أهل الظاهر: وجوباً، وهو الظاهر. قال القرطبى: أى بالإشارة
ولطيف المنع، أو بوضع اليد على نحره كما فى رواية. وقيل: بالتسبيح أو الجهر بآية فى الصلاة السرية ، فإن كانت الصلاة
جهرية يرفع بها صوته أزيد من قراءته. قال عياض: اتفقوا على أنه لا يجوز له المشى إليه من موضعه ليرده، إنما يرده
ويدفعه من موقفه لآن مفسدة المشی فی صلاته أعظم من مروره من بعيد بین یدیه. وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من
موقفه. ولهذا امر بالقرب من سترته، وإنما يرده إذا كان بعيدا منه بالإشارة والتسبيح - انتهى (فإن أبى) أى امتنع
من الاندفاع (فليقاتله) حملوه على أشد الدفع، وقالوا: يزيد فى دفعه الثانى أشد من الدفع الأول. قال القرطبى: أجمعوا
على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح مخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها، والخشوع فيها - انتهى.
وقال السندى: واستعمله بعض قليل على ظاهره، واللفظ معهم، إذ أقسام الدفع كلها مندرجة فى الدفع ما استطاع - انتهى.
وقال الحافظ: وقد رواه الإسماعیلی بلفظ «فان آبى فليجعل يده فى صدره ويدفعه» وهو صرح فى الدفع باليد، قال : وقال
أصحابنا يرده بأسهل الوجوه، فإن أبى فأشدها ولو أدى إلى قتله، فلو قله فلا شئ عليه، لأن الشارع أباح له مقاتلته،
والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها. ونقل عياض وغيره أن عندهم خلافا فى وجوب الدية فى هذه الحالة (فإنما هو شيطان)
تعليل للأمر بقتاله، أو لعدم اندفاعه، أو لهما. أى مطيع له فيما يفعل من المرور. وإطلاق الشيطان على مارد الإنس
شائع ذائع. وقد جاء فى القرآن قوله تعالى: {شياطين الإنس والجن - ٦: ١١١) وسبب إطلاقه عليه أنه فعل فعل الشيطان فى
إرادة التشويش على المصلى. وقيل المراد: إنما الحامل له على ذلك شيطان. وقد وقع فى رواية للإسماعيلى («فإن معه الشيطان،
ونحوه لمسلم من حديث ابن عمر بلفظ «فإن معه القرين، أى الشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه، الحامل له على هذا الفعل،
يعنى فينبغى منعه مهما أمكن عن ذلك الفعل الذى الحامل عليه الشيطان. وقد اختلف فى الحكمة المقتضية للدفع، فقيل: لدفع الإثم عن
المار. وقيل: لدفع الخلل الواقع بالمرور فى الصلاة. وهذا الأرجح لأن عناية المصلى بصيانة صلاته أهم من دفعه الأثيم عن غيره. قال
الأمير اليمانى: ولو قيل: إنه لهما معا لما بعد، فيكون لدفع الإثم عن المار الذى أفاده حديث «لو يعلم المار، ولصيانة الصلاة
عن النقصان من أجرها ، فقد أخرج أبو نعيم عن عمر «لو يعلم المصلى ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا
٤٩٢

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
هذا لفظ البخارى، ولمسلم معناه.
٧٨٤ - (١٠) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَّى: تقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب.
ويقى ذلك مثل مؤخرة الرحل.
إلى شئى يستره من الناس، وأخرج ابن أبى شيبة عن ابن مسعود: أن المرور بين يدى المصلى يقطع نصف صلاته.
ولهما حكم الرفع وإن كانا موقوفين لأن مثلهما لا يقال بالرأى. وهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة
المصلى ولا يختص بالمار (هذا لفظ البخارى) أى فى كتاب الصلاة، وأخرجه أيضا فى صفة إبليس (ولمسلم معناه)
وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه مطولا ومختصرا .
٧٨٤ - قوله (تقطع) بالتأنيث (الصلاة) أى تفسدها وتبطلها، أو تقلل ثوابها وتنقص أجرها بقطع حضورها
وخشوعها وكمالها. وهذا إذا لم يكن بين يديه سترة كما سيأتى (المرأة) هو فاعل تقطع، أى مرور المرأة إذ المرور هو
محل النزاع. ولأبى داود وابن ماجه من حديث ابن عباس (يقطع الصلاة المرأة الحائض)). قال السندى: يحتمل أن
المراد ما بلغت سن الحيض أى البالغة وهى المتبادرة من لفظ المرأة. وعلى هذا فالصغيرة لا تقطع. قلت: تقيد المرأة
بالحائض يقتضى حمل المطلق على المقيد، فلا تقطع الصلاة إلا الحائض ، كما أنه أطلق الكلب عن وصفه بالأسود فى
حديث أبى هريرة هذا ، وقيد به فى حديث أبى ذر عند مسلم وغيره ، لحملوا المطلق على المقيد، وقالوا : لا يقطع إلا
الأسود، فتعين فى المرأة الحائض حمل المطلق على المقيد (والحمار والكلب) وجه تخصيص هذه الأشياء مفوض إلى رأى
الشارع، والله أعلم (وبقى) أى يحفظ (ذلك) أى القطع (مثل مؤخرة الرحل) أى مثلا ، وإلا فقد أجزأ الهم كما
رواه الحاكم من حديث سبرة بن معبد مرفوعا «يستتر أحدكم فى الصلاة ولوبسهم». وفى قطع الصلاة بمرور هذه الأشياء
أحاديث عن جماعة من الصحابة: عن عبد الله بن مغفل عند أحمد وابن ماجه. وأبى ذر عند أحمد ومسلم والترمذى وأبى داود
والنسائي وابن ماجه. والحكم الغفارى عند الطبرانى فى الكبير. قال الهيشمى: وفيه عمر بن دريج ، ضعفه أبو حاتم ،
ووثقه ابن معين وابن حبان، وبقية رجاله ثقات. وأنس عند البزار. قال العراقى: رجاله ثقات. وقال الهيشمى: رجاله رجال
الصحيح. وابن عباس عند أبى داود وابن ماجه. وعبد الله بن عمرو عند أحمد. قال الهيثمى: رجاله موثقون.
وقال العراقى: إسناده صحيح. وعائشة عند أحمد قالت: قال رسول اللّه مؤلم: لا يقطع صلاة المسلم شئ إلا الحمار،
والكافر والكلب والمرأة، فقالت عائشة: يا رسول الله! لقد قرنا بدواب سوء. قال العراقى والهيشمى: رجاله ثقات.
وهذه الأحاديث نص فى أن الأشياء المذكورة فيها تقطع صلاة من لا سترة له. وظاهر القطع الابطال. وقد عارضها
حديث (((لا يقطع الصلاة شئ، أخرجه أبو داود من حديث أبى سعيد، وسيأتى الكلام فيه فى الفصل الثانى. وروى
أيضا من حديث أنس عند الدار قطنى، قال الحافظ فى الدراية: إسناده حسن. ومن حديث أبي أمامة عند الدار قطنى
٤٩٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
والطبرانى فى الكبير ، قال الهيشمى: إسناده حسن. وقال الشوكانى: فى إسناده عفير بن معدان، وهو ضعيف. ومن
حديث جابر عند الطبرانى فى الأوسط. قال الهيشمى: وفيه يحى بن ميمون التمار، وهو ضعيف، وقد ذكره ابن جبان
فى الثقات. ومن حديث أبى هريرة عند الدار قطنى ، وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة ، وهو متروك. ومن حديث
ابن عمر عند الدار قطنى أيضا، وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزى، وهو ضعيف. قال العراقى: والصحيح ما رواه مالك فى
الموطأ من قوله. وقد أخرج سعيد بن منصور ، عن على وعثمان وغيرهما من أقوالهم نحو هذا الحديث بأسائيد صحيحة .
قيل ويعارض أحاديث القطع أيضا حديث عائشة، وحديث ابن عباس التالان ، وحديث الفضل بن عباس فى الفصل
الثانى، وحديث عائشة فى الفصل الثالث. وقد اختلف العلماء فى العمل بهذه الأحاديث ، واختلفت آراؤهم فى الكلام على
هذه الروايات وتعارضها : فقال بقطع الصلاة بالمرأة والكلب والحمار أبو هريرة وأنس من الصحابة، والحسن البصرى
وأبو الأحوص من التابعين ، وأحمد بن حنبل من الأئمة فیما حكاه عنه ابن حزم الظاهرى. وحکی الترمذى عنه أنه
يخصصه بالكلب الأسود، ويتوقف فى الحمار والمرأة. ووجهه ابن دقيق العيد وغيره بأنه لم يجد فى الكلب الأسود ما
يعارضه، ووجد فى الحمار حديث ابن عباس، وفى المرأة حديث عائشة يعنى الذين يليان حديث أبى هريرة وسيأتى الكلام
فى دلالتهما على ذلك. وقال عطاء وابن جريج: يقطعها الكلب الأسود والمرأة الحائض دون الحمار لحديث ابن عباس
الآتى. وذهب أهل الظاهر - كما قال ابن حزم فى المحلى - إلى أنه يقطع الصلاة كون الكلب والحمار بين يدى المصلى
مارا أو غير مار ، صغيرا أو كبيرا، حيا أو ميتا، وكذا كون المرأة بين يدى الرجل مارة أو غير مارة ، صغيرة أو
كبيرة ، إلا أن تكون مضطجعة معترضة فقط. ثم اختلف القائلون بالقطع بمعنى الابطال بالثلاثة فى الجواب عن
أحاديث عدم القطع ، فقال بعضهم: الأحاديث التى تعارض حديث أبى ذر ومن وافقه بعضها صحيحة لكنها غير صريحة
فى عدم القطع كحديث عائشة وابن عباس ، فإن فى دلالتهما على ذلك نظرا قويا كما ستعرف، فلا يترك العمل بحديث
أبى ذر الصريح بالمحتمل. وبعضها صريحة كحديث أبى سعيد ومن وافقه، لكنها ضعيفة لا تنتمض للاحتجاج، ولو سلم
انتهاضها فهى عامة مخصصة بأحاديث القطع. أما عند من يقول إنه بينى العام على الخاص مطلقا فظاهر. وأما عند من
يقول إن العام المتأخر ناسخ فلا تأخر لعدم العلم بالتاريخ، ومع عدم العلم بينى العام على الخاص عند الجمهور. وأما على
القول بالتعارض بين العام والخاص مع جهل التاريخ كما هو مذهب الحنفية فلا شك أن الأحاديث الخاصة - أى
أحاديث أبى ذر ومن وافقه ـ أرجح وأقوى وأصح من هذه الأحاديث العامة، فالأخذ بالأقوى أولى. وقال بعضهم:
أحاديث عدم القطع منسوخة بحديث أبي ذر ومن وافقه. قال ابن حزم فى المحلى (ج ٤: ص ١٤): لو صحت هذه
الآثار - وهى لا تصح ـ لكان حكمه مَّ بأن الكلب والحمار والمرأة يقطعون الصلاة، هو الناسخ بلا شك لما كانوا
عليه قبل من أن لا يقطع الصلاة شئى من الحيوان كما لا يقطعها الفرس والسنور والخنزير وغير ذلك ، فمن الباطل الذى
لا يخفى، ولا يحل ترك الناسخ المتيقن والأخذ بالمنسوخ المتيقن. ومن المحال أن تعود الحالة المنسوخة ثم لا يبين
٠
٤٩٤
..

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
عليه السلام عودها - انتهى. وذهب الجمهور مالك والشافعى وأبو حنيفة وغيرهم من السلف والخلف إلى أنه لا يقطعها شتى.
ثم اختلف هؤلاء فى تأويل أحاديث القطع، فمال بعضهم إلى النسخ. قال الطحاوى وابن عبد البر: إن حديث أبى ذر
ومن وافقه منسوخ بحديث عائشة وحديث ابن عباس الآتيين ، واستدلا على تأخر تاريخ حديث ابن عباس بأنه كان فى
حجة الوداع، وهى فى سنة عشر، وفى آخر حياة النبى مُؤَّ، وعلى تأخر حديث عائشة بأن ما حكاه عائشة عنه يعلم تأخره
لكونه صلاته بالليل عندها ، ولم يزل على ذلك حتى مات مع تكرر قيامه فى كل ليلة ، فلو حدث شئ مما يخالف ذلك
لعلبت به. وفى هذا الاستدلال نظر لا يخفى على المتأمل، وعلى تسليم صحته لا يتم به المطلوب من النسخ لوجوه ذكرها
الشوكانى فى النيل ، وسنورد بعضها فى شرح حديث ابن عباس وعائشة. ووجه النسخ بعضهم بأن ابن عمر وابن عباس
من رواة حديث القطع وقد حكما بعدم قطع شئ وهو من أمارات النسخ. وفيه أن عمل الراوى خلاف ما رواه
لايدل على نسخ مرويه على ما هو الحق فى ذلك. وقال العلامة الشيخ أحمد فى تعليقه على الترمذى (ج ٢: ص ١٦٤):
والصحيح الذى أرضاه وأختاره أن أحاديث القطع منسوخة بحديث «لا يقطع الصلاة شئىء الذى رواه أبو داود، وقد
ضعفه ابن حزم فى المحلى (ج ٤: ص ١٣) بأن أبا الوداك ومجالدا ضعيفان. وأبو الوداك هو جبر بن نوف البكالى،
وهو ثقة، وثقه ابن معين ، وابن حبان. واختلف فيه قول النسائى، فمرة قال ((صالح، ومرة قال ((ليس بالقوى)) ومثل
هذا لا يطلق عليه الحكم بالضعف. وقد أخرج له مسلم فى الصحيح. ومجالد هو ابن سعيد الهمدانى الكوفى ضعفه أحمد
وغيره. وقال يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه وهو صدوق. وقال البخارى: صدوق، وأخرج له مسلم مقرونا
بغيره، ومثله أيضا لا يطرح حديثه، وقد ورد أيضا عن أبى أمامة مرفوعا رواه الطبرانى فى الكبير. قال فى مجمع
الزوائد: إسناده حسن، قال: وقد حققت ترجيح الفسخ فى تعليقى على المحلى لابن حزم (ج ٤: ص ١٤، ١٥)
"وقلت: إن قول النبي ◌َّ ((لا يقطع الصلاة شئء فيه إشارة إلى أنه كان معروفا عند السامعين قطعها بأشياء من هذا
النوع بل هو يكاد يكون كالصريح فيه لمن تأمل وفكر فى معنى الحديث. ثم قد وردما يؤيد هذا، فروى الدار قطنى
(ص ١٤٠، ١٤١) والبيق (ج ٢: ص ٢٧٧، ٢٧٨) من طريق إبراهيم بن منقذ الخولاني، ثنا إدريس بن يحمى
أبو عمرو المعروف بالخولانى، عن بكر بن مضر ، عن صخر بن عبد الله بن حرملة أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول عن
أنس، أن رسول اللّه مَّه صلى بالناس فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبى ربيعة: سبحان الله، سبحان الله، سبحان
الله. فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من المسبح آنفا سبحان الله؟ قال: أنا يا رسول الله! إنى سمعت
أن الحمار يقطع الصلاة. قال: لا يقطع الصلاة شئ. قال: ولم أجد ترجمة لا دريس بن يحيى، وما أظن أحدا ضعفه، ولذلك
لما أراد ابن الجوزى أن ينصر مذهبه ضعف الحديث بصخر بن عبد اللّه فأخطأ جدا، لأنه زعمه صخر بن عبد الله الحاجي
المنقری ، وهو کوفی متأخر ، روی عن مالك والليث ، ولقى فى حدود سنة (٢٣٠) وأما الذى فى الاسناد ، فهو صخر
ابن عبد الله بن حرملة المدلجى، وهو حجازى قديم، كان فى حدود سنة (١٣٠) وهو ثقة. قال: وهذا صريح فى
٤٩٥
...

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
رواه مسلم .
الدلالة على أن الأحاديث التى فيها الحكم بقطع الصلاة بالمرأة، والخمار ، والكلب منسوخة ، فقد سمع عياش أن الحمار
يقطع الصلاة، وعياش من السابقين الذين هاجروا الهجرتين، ثم حبس بمكة. وكان رسول الله مدفي يدعو له فى القنوت
كماثبت فى الصحيحين، فعلم الحكم الأول، ثم غاب عنه نسخه، فأعلمه رسول الله مَله أن الصلاة لا يقطعها شئ - انتهى كلامه
ملخصا مختصرا. ومال بعضهم إلى الترجيح، فقال: أحاديث الجمهور مثل حديث عائشة، وحديث ابن عباس أقوى وأصح من
الأحاديث التى فيها الحكم بالقطع، فالأخذ بالأقوى أولى. قال الشيخ أحمد فى تعليقه بعد نقل كلام الشافعى من ((اختلاف
الحديث، المطبوع بحاشية كتاب الأم (نج ٧: ص ١٦٣، ١٦٤): وكأن الشافعى يريد تضعيف الحديث الذى فيه قطع
الصلاة بأنه حديث يخالف أحاديث أثبت منه وأقوى، كأنه يقول شاذ، ولكن القطع ثابت بأحاديث صحيحة من غير وجه ،
فلا تكون شاذة. واختار بعضهم للترجيح مسلكا آخر، قال: لما اختلفت أحاديث الباب، ولم يتبين الراجح منها نظرنا إلى
ما عمل به الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فرجحنا به أحد الجانبين. قال أبو داود فى سننه بعد رواية
حديث أبى سعيد: إذا تنازع الخبران عن النبى مَّ نظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده ، يعنى وقد ذهب أكثرهم مثل
عائشة ، وابن عباس ، وابن عمر، وعلى ، وعثمان، وحذيفة إلى عدم القطع فليكن هو الراجح. ومال بعضهم إلى التأويل،
فقال الخطابى والنووى وغيرهما : المراد بالقطع فى حديث أبى ذر نقص الصلاة بشغل القلب بمرور هذه الأشياء عن
مراعاة الصلاة ، وبعدم القطع فى حديث أبى سعيد عدم البطلان ، أى أنه لا يبطلها شئ وإن نقص ثوابها بمرور ما ذكر فى
حديث أبى ذر وأبى هريرة. قال الحافظ: ويؤيد ذلك أن الصحابى راوى الحديث سأل عن الحكمة فى التقيد بالأسود،
فأجيب بأنه شيطان. وقد علم أن الشيطان لو مربين يدى المصلى لم تفسد عليه صلاته. وقال القرطبي: هذا مبالغة فى الخوف على قطعها
بالشغل بهذه المذكورات، فإن المرأة تفتن، والخمار ينهق، والكلب يخوف، فيشوش المتفكر فى ذلك حتى تنقطع عليه الصلاة .
فلما كانت هذه الأمور آئلة إلى القطع جعلها قاطعة - انتهى. وفيه ما قال السندى: من أن شغل القلب لا يرتفع بمؤخرة
الرحل ، إذ المار وراء مؤخرة الرحل فى شغل القلب قريب من المار فى شغل القلب إن لم يكن مؤخرة الرحل فيما يظهر ،
فالوقاية بمؤخرة الرحل على هذا المعنى غير ظاهر - انتهى. قلت: الراجح عندى أنه لا يقطع الصلاة مرور شئ وإن لم
يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل. وأقرب المسالك فى الأحاديث التى فيها الحكم بقطع الصلاة أنها منسوخة بحديث «لا يقطع
الصلاة شئىء وإن لم يرتض بذلك النووى. وهذا لأن الجمع بما تأول به الخطابي والنووى لا يخلو عن تكلف وخفاء كما
أشار إليه السندى. ولا شك فى أن الجمع المذكور خلاف الظاهر. وقد علم تأخر حديث ((لا يقطع الصلاة شئ))
بما حققه الشيخ فى تعليقه على المحلى، وهو تحقيق جيد فهو أحق وأحرى بالقبول، والله أعلم (رواه مسلم) وأخرجه أيضا
أحمد وابن ماجه .
٤٩٦

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
٧٨٥ - (٨) وعن عائشة رضى الله عنها، قالت: كان النبي مؤتم يصلى من الليل وأنا معترضة بينه
وبين القبلة كاعتراض الجنازة.
٧٨٥ - قوله (وأنا معترضة بينه وبين القبلة) قال ابن الملك: الاعتراض صيرورة الشئى حائلا بين شيئين ، ومعناه
ههنا مضطجعة ( كاعتراض الجنازة) بفتح الجيم وكسرها. والمراد أنها تكون نائمة بين يديه من جهة يمينه إلى جهة شماله
كما تكون الجنارة بين يدى المصلى عليها. وفى رواية للبخارى: ذكر عند عائشة ما يقطع الصلاة ، فقالوا: يقطعها الكلب
والخار، والمرأة، فقالت: لقد جعلتمونا كلابا، وفى رواية: ذكر عندها ما يقطع الصلاة، الكلب والحمار، والمرأة، فقالت
شبهتمونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيت النبى تربية يصلى وإنى على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدولى الحاجة،
فأكره أن أجلس فأودى النبي ◌َّ، فأنسل (أى أمضى وأخرج بتأن وتدريج) من عند رجليه. والحديث استدلت به
عائشة والجمهور بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل لأنها إذا كانت لا تقطع فى حالة كونها معترضة مضطجعة -
وهذه الحالة أقوى من المرور - فنى المرور بالأولى. وفيه أنه ليس فيما ذكرت مرور امرأة بين يدى المصلى، ومحمل
حدیث «يقطع الصلاة الكلب، إلخ. هو المرور. قال السندی: لا دلالة فیحدیث عائشة أنها مرت بين يديه ، وقال ابن
بطال: هذا الحديث وشبهه من الأحاديث التى فيها اعتراض امرأة بين المصلى وقبلته تدل على جواز القعود لا على جواز
المرور - انتهى. لا يقال: إن قولها «أنسل)) صريح فى المرور، فإن الانسلال هو المرور. لأن المرور المتنازع فيه هو
أن يمر الماربين يدى المصلى معترضا، لا أن يمشى ذاهبا لجهة القبلة أو لجهة الرجلين، ولم يتحقق مهنا إلا المضئى إلى جهة الرجلين
كما يدل عليه قولها «فا تسل من عند رجليه، وأما ما قيل: من أن اعتراض المرأة أشد من المرور، فإذا لم يقطع الصلاة
الاعتراض لا يقطع المرور أيضا بالأولى، ففيه أن الظاهر أن حصول التشويش بالمرأة من جهة الحركة والسكون ،
وعلى هذا فمرورها أشد من اعتراضها واضطجاعها وجلوسها. وفى النسائى فى هذا الحديث «فإذا أردت أن أقوم
كرهت أن أقوم فأمر بين يديه انسللت انلالاء. فالظاهر أن عائشة إنما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصلاة
فى جميع الحالات لا المرور بخصوصه. وأما إنكار عائشة على من ذكر المرأة مع الكلب والخمار فيما يقطع الصلاة مع
أنها روت الحديث عن النبي ◌ُّ بلفظ «لا يقطع صلاة المسلم إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة، فقالت عائشة:
يا رسول الله !لقد قرنا بدواب سوء. أخرجه أحمد. فيحتمل أنها نسيت حديث القطع عند الإنكار، ويمكن أن
يكون عندها معنى القطع بمرور المرأة فيما روت، هو قطع الخشوع بمرورها. وأما حديث الاعتراض تذكرته للرد على
من قال بقطع الصلاة بالمرأة بمعنی إبطالها بالكلية . وقيل : أنکرت کون الحكم باقیا هكذا فلعلها كانت ترمى نسخه . وروى
البخارى من طريق ابن أخى ابن شهاب أنه سأل عنه عن الصلاة يقطعها شئ؟ قال : لا يقطعها شئ. أخبرنى عروة بن
الزير أن عائشة زوج النبي مَثم قالت: لقد كان رسول الله مؤتم يقوم فيصلى من الليل وإنى لمعترضة بينه وبين القبلة على
فراشه. قال الحافظ: وجه الدلالة من حديث عائشة الذى احتج به ابن شهاب أن حديث «يقطع الصلاة المرأة. إلى
٤٩٧
...

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
متفق عليه.
٧٨٦ - (٩) وعن ابن عباس، قال: أقبلت راكباً على أنان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام،
ورسول الله مرات
آخره، يشمل ما إذا كانت مارة أو قائمة أو قاعدة أو مضطجعة، فلما ثبت أنه مر ◌ّ صلى وهى مضطجعة أمامه دل ذلك على
نسخ الحكم فى المضطجع ، وفى الباقى بالقياس عليه (ولما كان ذلك كذلك مع أن النفوس جبلت على الاشتغال بها فغيرها
من الكلب والحمار كذلك بل أولى) قال: وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور المذكورة، وقد تقدم ما فيه،
فلو ثبت أن حديثها متأخر عن حديث أبي ذر لم يدل إلا على نسخ الاضطجاع فقط. وقد نازع بعضهم فى الاستدلال
به مع ذلك من أوجه أخرى، أحدها : أن العلة فى قطع الصلاة فيها ما يحصل من التشويش، وقد قالت ((إن البيوت يومئذ
لم يكن فيها مصابيح، فانتفى المعلول بانتفاء علته. ثانيها: أن المرأة فى حديث أبى ذر مطلقة، وفى حديث عائشة مقيدةبكونها زوجته،
فقد يحمل المطلق على المقيد ويقال يتقيد القطع بالأجنبية لخشية الافتان بها بخلاف الزوجة، فإنها حاصلة. ثالثها أن حديث عائشة
واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال بخلاف حديث أبى ذر فإنه مسوق مساق التشريع العام . وقال بعض الحنابلة: يعارض
حديث أبى ذروما وافته أحاديث صحيحة غير صريحة، وصريحة غير صحيحة، فلا يترك العمل بحديث أبي ذر الصريح بالمحتمل، يعنى
حديث عائشة وما وافقه. والفرق بين المار وبين النائم فى القبلة أن المرور حرام بخلاف الاستقرار نائما كان أم غيره،
فهكذا المرأة يقطع مرورها لا لبثها - انتهى. ومن وجوه المنازعة أيضا ما قيل: إنه يحمل على أن ذلك وقع فى غير حالة
الحيض، والحكم بقطع المرأة للصلاة إنما هو إذا كانت حائضا كما تقدم (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضا أحمد
وأبو داود، والنسائي وابن ماجه بألفاظ متقاربة.
٧٨٦ - قوله (على أنان) متعلق بقوله «راكبا)) وأتان - بفتح الهمزة، وبالمثناة الفوقية،وفى آخرهنون، وشذ کسر
الهمزة كما حكاه الصغانى، وهى الأنثى من الحمير، ولا يقال ((أتانة)) والحمار يطلق على الذكر والأنثى. وفى بعض طرق
البخارى على حمار أتان - بالتنوین فیهما - على أن قوله ((أتان) صفة للحمار، أو بدل منه بدل بعض من كل ، لأن
الحمار يطلق على الجنس فيشمل الذكر والأنثى، أو بدل كل من كل نحو شجرة زيتونة، وروى بالإضافة ، أی حمار أنثى
كفحل أتن (وأنا يومئذ) الواو للحال، وأنا مبتدأ وخبره قوله (قد ناهزت الاحتلام) أى قاربت، يقال: ناهز الصبي
البلوغ إذا قاربه وداناه. قال صاحب الأفعال: ناهز الصبي الفطام دنا منه، ونهز الشئى أى قرب. والمراد بالاحتلام
البلوغ الشرعى ، وهو مشتق من الحلم بالضم. وقد أخرج البزار بإسناد صحيح أن هذه القصة كانت فى حجة الوداع،
ففيه دليل على أن ابن عباس كان فى حجة الوداع دون البلوغ. وقد اختلف فى سنه حين توفى النبي مد ته، فقيل: ثلاث
عشرة، ويدل له قولهم ((إنه ولد فى الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين)). وقيل: كان عمره عشر سنين وهو ضعيف، وقيل:
٤٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
يصلى بالناس بمناً إلى غير جدار، فمررت بين يدى بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع،
ودخلت فى الصف، فلم ينكر ذلك على أحد.
خمس عشرة. قال أحمد: إنه الصواب (بمنا) مذكر مصروف إن قلت على المكان، وغير منصرف إن قلت على البقعة.
قال النووى: فيه لغتان الصرف والمنع، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود صرفها وكتابتها بالألف، سميت بها لما يمنى
بها من الدماء أى تراق (إلى غير جدار) فى محل النصب على الحال، والتقدير يضلى متوجها إلى غير جدار، يعنى إلى غير
سترة، نقله البيهقى عن الشافعى، وبوب عليه ((باب من صلى إلى غير سترة)) ويؤيده رواية البزار بلفظ «والتي مز ثم يصلى
"المكتوبة، ليس شئى يستره)) لكن البخارى بوب على حديث ابن عباس هذا «باب سترة الإمام سترة لمن خلفه، وهذا
مصير منه إلى أن الحديث محمول على أنه كان هناك سترة. قال الحافظ: كأن البخارى حمل الأمر فى ذلك على المألوف
المعروف من عادته وَلّى أنه كان لا يصلى فى الفضاء إلا والعنزة أمامه. ثم أيد ذلك بحديثی ابن عمر وأبى جحيفة،
(يعنى المذكورين أول الباب) وأوردهما عقيب حديث ابن عباس هذا. وقال العينى: استنبط البخارى ذلك من قوله
(إلى غير جدار)) لأن لفظ غير يشعر بأن ثمة سترة لأنها تقع دائما صفة، وتقديره ((إلى شئى غير جدار، وهو أعم من أن
يكون عصا أو عنزة أو غير ذلك - انتهى. قلت: حمل البخارى لفظ الغير على النعت، والبيهقى على النفى المحض ، وما
اختاره البخارى هنا أولى، فإن التعرض لنفى الجدار خاصة يدل على أنه كان هناك شئى مغاير الجدار، لأنه إذا لم يكن
هناك جدار ولا غيره لم يكن فى التعرض لنفى الجدار خاصة فائدة. وقال الطبي: فإن قلت: قوله ((إلى غير جدار)) لا
ينفى شيئا غيره فكيف فسره (الشافعى) بالسترة، قلت: إخبار ابن عباس عن مروره بالقوم، وعن عدم جدار مع أنهم
لم يتكروا عليه وأنه مظنة إنكار، يدل على حدوث أمر لم يعهد قبل ذلك من كون المرور مع عدم السترة غير منكر ، فلو فرض
سترة أخرى لم يكن لهذا الاخبار فائدة، إذ مروره حينئذ لا ينكره أحد أصلا - انتهى. قال القارى : يمكن إفادته أن
سترة الإمام سترة القوم كمافهم البخارى - انتهى. وأما رواية البزار التى فيها «ليس شئى يستره) فليس المراد فيها نفى السترة مطلقا،
بل أراد ففى السترة التى تحول بينهم وبينه كالجدار المرتفع الذى يمنع الرؤية وقد صرح بمثل هذا العراقى (فررت) أى
راكبا (بين يدى بعض الصف) هو مجاز عن القدام لأن الصف لا يد له. والمراد الصف الأول، ففى البخارى فى الحج
((حتى سرت بين يدى بعض الصف الأول)) (ترتع) بمثناتين فوقيتين مفتوحتين وضم العين، أى تأكل ما تشاء، من
وقعت الماشية ترتع رتوعا. وقيل تسرع فى المشى (فلم ينكر) على صيغة المعلوم (ذلك) أى مشيه بأتانه وبنفسه بين يدى
بعض الصف (على أحد) أى لا النبى مُؤَّ ولا غيره ممن كانوا معه، لا فى الصلاة ولا بعدها. قال ابن دقيق العيد:
استبدل ابن عباس بترك الإنكار على الجواز، ولم يستدل بترك إعادتهم للصلاة، لأن ترك الافكار أكثر فائدة. قال
الحافظ: وتوجيهه أن قراء الإعادة يدل على صحتها فقط لا على جواز المرور، وترك الإنكار يدل على جواز المرورو صحة الصلاة معا.
ويستفادمنه أن ترك الإنكارحجة على الجواز بشرطه، وهو انتفاء الموانع من الإنكار وثبوت العلم بالاطلاع على الفعل. ولا يقال:
٤٩٩
-----

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٩ - باب السترة
متفق عليه .
لا يلزم مما ذكره اطلاع النبي ◌َّم على ذلك لاحتمال أن يكون الصف حائلا دون رؤية النبي مؤلّ له، لأنا نقول قد تقدم
أى فى البخارى ((أنه مُّ كان يرى فى الصلاة من ورائه كما يرى من أمامه)). وتقدم أنه مربين يدى بعض الصف الأول، فلم
يكن هناك حائل دون الرؤية، ولو لم يرو شئى من ذلك لكان توفر دواعيهم على سؤاله ◌َه عما يحدث لهم كافيا فى الدلالة على
اطلاعه على ذلك. واستدل به على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، وأنه ناسخ للحديث الذى فيه الحكم بقطع الصلاة
لكون هذه القصة فى حجة الوداع. وتعقب بأنه لا دلالة فيه على ذلك لما تقدم أن صلاته ومرؤيتهم كانت إلى سترة، وقد
تقرر أن سترة الامام سترة للقوم، فلا يتحقق المرور المضرفى حق الامام والقوم إلا إذا مرت بين يدى الامام ما بينه
وبين السترة، ولا دلالة لحديث ابن عباس على ذلك ، قاله السندى. وقال ابن العربى: يحتمل أنه لم تقطع عليهم
لأن الصلاة لا يقطعها شئ، ويحتمل أن تكون لم تقطع صلاة الامام وسترته سترة لهم، وإذا مرما يقطع الصلاة من
وراء السترة لم يبال به بلا خلاف. ولا حجة بهذا الحديث بحال - انتهى. قلت: لا شك أن الحديث ليس حجة لمن
قال بعدم القطع، لأنه صريح فى أن الأتان مرت بين يدى الصف فلم تدخل بين رسول اللّه مَ ◌ّلم وبين سترته فلم تقطع
صلاته، وسترة الامام سترة لمن خلفه. وقيل: منع المرور مختص بالامام والمنفرد، ويختص منه حكم المأموم. قال ابن
عبد البر: حديث ابن عباس منا یخص حديث أبى سعيد«إذا کان أحدکم یصلی فلا يدع أحدا يمربین یدیه)). قال:فحديث أبى
سعيد هذا يحمل على الإمام والمنفرد. فأما المأموم فلا يضره من مر بين يديه لحديث ابن عباس هذا. قال: والمرور
بين يدى المصلى مكروه إذا كان إماما أو منفردا. وأما المأموم فلا يضره من مربين يديه كما أن الامام أو المنفرد لا يضر
واحدا منهما ما مر من وراء سترته لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه. وقد قيل: إن الإمام نفسه سترة لمن خلفه ـ انتهى.
ويظهر أثر هذا الخلاف فيما لو مر بين يدى الإمام أحد فعلى قول من يقول: إن سترة الإمام سترة من خلفه يضر
صلاته وصلاتهم معا. وعلى قول من يقول: إن الإمام نفسه سترة لمن خلفه يضر صلاته ولا يضر صلاتهم. وقيل:
إن حكم منع المرور يستثنى منه ضرورة ، فقد بوب على حديث ابن عباس هذا مالك فى الموطأ بلفظ «الرخصة فى المرور
بين يدى المصلى، وعقد عليه الشاه ولى اللّه الدهلوى فى المصفى «باب الرخصة فى المرور بين يدى الصف إذا أقيمت
الصلاة)) وقال مالك بعد ذكر حديث ابن عباس: وأنا أرى ذلك واسعا إذا أقيمت الصلاة ، وبعد أن يحرم الامام ،
ولم يجد المرأ مدخلا إلى المسجد إلا بين الصفوف. قال ابن عبد البر: هذا مع الترجمة يقتضى أن الرخصة عنده لمن لم
مجد من ذلك بدا. وغيره لا يرى بذلك بأسا للآثار الدالة على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه - انتهى. قلت:
واستنبط بعضهم من الحديث نظرا إلى ما قاله مالك جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة، أى احتمال بعض
المفاسد لمصلحة أرجح منها، فإن المرور أمام المصلين مفسدة خفيفة. والدخول فى الصلاة وفى الصف مصلحة راجحةفاغتفرت
المفسدة المصلحة الراجحة من غير إنكار (متفق عليه) وهذا لفظ البخارى، قاله ميرك. والحديث أخرجه البخارى فى
i