النص المفهرس
صفحات 461-480
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٧٠ - باب المساجد ومواضع الصلاة
أنه قال: إنك قد آذيت الله ورسوله. رواه أبو داود.
٧٥٤ - (٦١) وعن معاذ بن جبل، قال: احتبس عنا رسول اللّه ◌ُ بّ ذات غداة عن صلاة الصبح،
حتى كدنا تترامى عين الشمس، خرج سريعاً، فثوب بالصلاة، فصلى رسول اللّه مؤتم ، وتجوز فى
صلاته. فلما سلم دعا بصوته، فقال لنا: على مصافكم كما أتم، ثم اتفتل إلينا، ثم قال: أما إنى
سأحدثكم ما حبسنى عنكم الغداة: إنى قمت من الليل، فتوضأت وصليت ما قدر لىء، فنعست فى صلاتى
حتى استثقلت، فإذا أنا بربى تبارك وتعالى فى أحسن صورة، فقال: يا محمد! قلت :.
حسبت (أنه) أى الرسول عَّةَ (قال) أى له زيادة على نعم (إنك قد آذيت الله ورسوله) أى فعلت فعلا لا يرضى الله
ورسوله. وفى هذا القول زجر عظيم. قال الله تعالى {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والآخرة
وأعد لهم عذابا مهينا - ٣٣: ٥٧) ولكن لما فعل الرجل ذلك الفعل جهلاً وخطأ لم يعده كفرا. وقيل: يحتمل أن يكون
ذلك الرجل منافقاً، وعلم مَّ نفاقه إذ ذاك فنهى عن إمامته (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى، وأخرجه
أیضا ابن حبان فى صحيحه. وروى الطیرانی فی الکیر باسناد جيد عن عبد الله بن عمر، قال أمر رسول الله ێ رجلا
يصلى بالناس الظهر، فتفل فى القبلة وهو يصلى الناس، فلما كانت صلاة العصر أرسل إلى آخر فأشفق الرجل الأول،
فيه إلى النبى مَوَّ، فقال: يا رسول الله! أأنزل فى شئى؟ قال لا، ولكنك تفلت بين يديك وأنت قائم توم الناس،
فآذيت اللّه والملائكة ، كذا فى الترغيب.
٩
١
٧٥٤ - قوله (احتبس) بصيغة المعلوم، ويحتمل أن يكون على بناء المفعول (ذات غداة) لفظة ذات مقحمة أبى
غداة(عن صلاة الصبح) بدل اشتلل بإعادة الجار (حتى كدنا) بكسر الكاف أى قاربنا (نتراءى) أى نرى، وعدل
عنه إلى ذلك لما فيه من كثرة الاعتناء بالفعل، وسبب تلك الكثرة خوف طلوعها المفوت لأداء الصبح (يخرج سريعا)
أى مسرعا أو خروجا سريعا (قلوب بالصلاة) بصيغة المجهول من التشويب أى أقيم بها (وتجوز فى صلاته) أى خفف
واقتصر على خلاف عادته مع أداء الأركان والواجبات والسنن (دعا) أى نادى (بصوته فقال لنا) أى رفع صوته بقوله
لنا (على مصافكم) أى اثبتوا عليها جمع مصف وهو موضع الصف (كما أنتم) أى على ما أنتم عليه، أو ثبوتا مثل الثبوت
الذى أنتم عليه قبل النداء من غير تغير وتقديم وتأخير (ثم انقتل إلينا) أى توجه إلينا وأقبل علينا (أما) بالتخفيف للتنبيه
(ما حبسنى) ما موصولة أو موصوفة (الغداة) بالنصب على الظرفية (من الليل) أى فى الليل (فنعست) بالفتح من النعاس
وهو النوم الخفيف من باب نصر وفتح (استثقلت) بصيغة المعلوم أو المجهول أى غلب على النعاس (فإذا أنا بربي) إذا
٤٦١
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
لبيك رب! قال: فيم يختصم الملا الأعلى؟ قلت: لا أدرى. قالها ثلاثا. قال: فرأيته وضع كفه بين
كتفى حتى وجدت برد أنامله بين ثديى، فتجلى لى كل شئى
للفاجأة، أى فاجأ استثقالى رؤيتى ربى تبارك وتعالى، وهذا ظاهر فى أن هذه الرؤية فى النوم فلا إشكال فيه (رب)
بحذف النداء وياء الإضافة (فيم) ما الاستفهامية إذا دخل عليه حرف الجر حذف ألفها (قالها ثلاثا) أى قال الله تعالى
هذه المقولة المترتب عليها جوابها ثلاثا، وأجبت عنها بلا أدرى تأكيدا للاعتراف بعدم العلم (فتجلى لى كل شئى) أى مما
أذن الله فى ظهوره لى ما فى السموات والأرض مطلقا، أو ما يختصم فيه الملأ الأعلى خصوصا وهذا هو الظاهر. وقد
تمسك به بعض القبوريين على أنه مَّ كان عالما بجميع ما كان وما يكون من المغيبات علما كليا تفصيليا محيطا بناء على أن لفظ
الكل من ألفاظ العموم والاستغراق وإحاطة الأفراد. ولا متمسك لهم فيه لأن لفظ الكل لا يراد به الاستغراق دائما كما
فى قوله تعالى: ﴿ كل نفس ذائقة الموت - ٢٩: ٥٧) وقد أطلق لفظ النفس على ذاته تعالى فى قوله: ﴿تعلم ما فى نفسى
ولا أعلم ما فى نفسك - ٥: ١١٦) وكما فى قوله تعالى: ﴿وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا - ١٨: ٧٩) وقد
على أن الملك كان لا يغصب إلا السفن الصالحة الغير المعية. وكما فى قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شئ - ١٣: ١٦) وقد
ورد إطلاق الشئى على الله فى قوله تعالى: ﴿قل أى شئى أكبر شهادة؟ قل الله شهيد - ٦: ١٩) وكما فى قوله تعالى:
﴿تدمر كل شئ - ٤٦: ٢٥) وقوله تعالى: ﴿يجي إليه ثمرات كل شئ - ٢٨: ٥٧) وقوله تعالى: ﴿وعلى كل ضامر
یأتین من كل فج عميق - ٢٢: ٢٧ ﴾ وكما فى قوله مثل: كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، وفى قوله: كل
مصور فى النار. وقول ابن مسعود: كان رسول اللّه مَّ صلى يكبر فى كل خفض ورفع. وقوله مزّ: كل صلاة لا
يقرأ فيها بأم الكتاب فهى خداج (وقد خصه الحنفية بالامام والمنفرد، واستثنوا منه المقتدى) وقوله: كل شئى
خلق من الماء. وقوله: كل بنى آدم خطاؤن. وقوله: كل بنى آدم سود. وغير ذلك من الآيات والأحاديث. ولا
يخفى على من له أدنى شئ من العقل والفهم أن لفظ الكل فى هذه الآيات والأحاديث ليس للاستغراق وإحاطة الأفراد
لفساد المعنى فى بعضها ولزوم الاستحالة فى بعضها، مع ذلك إن حمل على العموم والاستغراق فعلم بذلك أن لفظ الكل لا
يكون دائما للاستغراق الحقيقى التام، ولذلك اتفق العلماء على جواز تخصيص ألفاظ العموم كما صرح به فى كشف
الأسرار وغيره من كتب الأصول حتى اشتهر عند الشافعية ما من عام إلا وقد خص منه البعض. وقد صرح رئيس
الطائفة القبورية فى الهند الشيخ البريلوى فى فتاواه المطبوعة: أنه قد يطلق الكل ويراد به الأكثر. وإذا كان الأمر
كذلك جاز ، بل وجب أن يقال: إن لفظ الكل فى حديث معاذ بن جبل هذا ليس للاستغراق وعموم الأفراد لقيام
القرائن القوية والدلائل الواضحة على ذلك، كيف لا وقد صرح رئيسهم المذكور وغيره من أتباعه أن ذات الله تعالى
وصفاته، وتجلياته، وما يكون بعد القيامة خارجة من عليه مَثّة، قالوا: لا ندعى أن علمه وفهم محيط بذاته تقدس
٠٫٤٦٢
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
وعرفت. فقال: يا محمد! قلت: لبيك رب! قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: فى
الكفارات. قال: وما هن؟ قلت: مشى الأقدام إلى الجماعات، والجلوس فى المساجد بعد الصلوات،
وإسباغ الوضوء حين الكريهات. قال: ثم فيم؟ قلت: فى الدرجات. قال: وما هن؟ قلت:
إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قال: قلت: اللهم إنى أسألك فعل
الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفرلى وترحمنى، وإذا أردت فتنة فى قوم
فتوفنى غير مفتون، وأسئلك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربنى إلى حبك. فقال رسول
اللّه مَلَى : إنها حق فادرسوها
وتعالى، وصفاته وتجلياته، وما يكون بعد القيامة، بل نقول: إنه مرّة كان عالما بجميع ما كان من بدء الخلق وما يكون إلى
قيام الساعة إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بعلم كلى تفصيلى محيط ، فهذا كما ترى صريح فى أنهم قد خصوا
عليه عليه السلام بما كان من بدء الخلق إلى قيام الساعة فقط، واستثنوا منه ما عدا ذلك؟ فكانهم صرحوا بصنيعهم هذا
بأن لفظ الكل فى حديث معاذ هذا ليس للاستغراق والعموم. وهذاهو المطلوب. وإذا كان ذلك كذلك بطل استدلالهم به
على ما ابتدعوه. وما يدل على عدم إرادة الاستغراق فى الحديث ، الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على
نفى علىه مَّ بعض المغيات من الممكنات، وقد تقدمت الإشارة إليه. ومما يدل على ذلك أيضا سياق هذا الحديث،
فإنه يدل على أن المراد بقوله: تجلى لى كل شئ أى ظهر وانكشف لى كل شئ مما يتعلق باختصام الملأ الأعلى، لا جميع ما كان
وما يكون كما لا يخفى على المتأمل (وعرفت) تأكيد لما قبله (فى الكفارات) أى للسيئات (إلى الجماعات) أى للصلوات
المكتوبات (حين الكريهات) أى وقت المكروهات من أيام البرد أو أزمنة الغلاء فى ثمن الماء (قال: ثم فيم؟) أى فيم
يختصم الملأ الأعلى أيضا (فى الدرجات) أى فى ما يرفع درجات الجنات العاليات (ولين الكلام) أى لطفه مع الأنام
(قال: سل، قال: قات) كذا فى بعض النسخ للشكاة وفى جامع الترمذى ((قال: سل، قلت)، أى بحذف ((قال، الثانية،
وهكذا فى مسند أحمد (ج ٥: ص ٢٤٣) (وأسئلك حبك) قال الطيبي: يحتمل أن يكون معناه أسألك حبك إياى ، أو
حي إياك. وعلى هذا يحمل قوله: وحب من يحبك. وقيل: الإضافة هنا إلى المفعول أنسب (وحب عمل يقربنى
إلى جك) قال الطبي: هذا يدل على أنه طالب لمحبته ليعمل حتى يكون وسيلة إلى محبة الله إياه ، فينبغى أن يحمل الحديث
على أقصى ما يكون من المحبة فى الطرفين. ولعل السر فى تسميته بحبيب الله لا يخلو من هذا القول - انتهى (إنها) أى
هذه الرؤيا (حق) لأن رؤيا الأنبياء وحى (فادرسوها) أى فاحفظوا الألفاظ التى ذكرتها لكم فى ضمنها، أو أن هذه
٤٦٣
.
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
ثم تعلموها. رواه أحمد، والترمذى، وقال: هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن
هذا الحديث. فقال: هذا حديث صحيح.
٧٥٥ - (٦٢) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كان رسول اللّه ◌ُوّ يقول إذا دخل
المسجد: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم. قال: فإذا قال
ذلك، قال الشيطان: حفظ منى سائر اليوم. رواه أبو داود.
الكلمات حق فادرسوها ، أى اقرؤها (ثم تعلموها) أى معانيها الدالة هى عليها. قال الطيبي: أى لتعلوها ، حذف اللام
أى لام الأمر (رواه أحمد والترمذى) فى تفسير سورة ص. وأخرجه أيضا ابن خزيمة والدار قطنى والحاكم والطبرانى
وابن عدى ومحمد بن نصروابن مردويه وغيرهم. وهذا الحديث هو الذى أشار إليه المصنف بعد ذكر حديث عبدالرحمن
ابن عائش فى الفصل الثانى عن الدارمى بقوله: والترمذى مثله عنه، وعن ابن عباس، ومعاذ بن جبل. وقد تقدم
الكلام فيه هناك مفصلا .
م
٧٥٥٠ - قوله (إذا دخل المسجد) أى أراد دخوله عند وصول بابه (العظيم) ذاتا وصفة (وسلطانه) أى غلبته
وقدرته (القديم) أى الأزلى الأبدى (من الشيطان) مأخوذ من شطن أى بعد ، أى المبعد من رحمة الله تعالى (الرجيم)
فعيل بمعنى مفعول أى المطرود من باب اللّه تعالى، أو المشتوم بلعنة الله. والظاهر أنه خبر معناه الدعاء يعنى أللهم
احفظنى من وسوسته وإغوائه، وخطراته، وإضلاله، فإنه السبب فى الضلالة، والباعث على الغواية والجهالة، وإلا فنى
الحقيقة إن الله هو الهادى المضل، ويحتمل أن يكون التعوذ من صفاته وأخلاقه من الحسد، والعجب والكبر والغرور
والإياء والاغراء (قال) أى رسول اللّه ◌َيّ (فإذا قال) أى المؤمن (ذلك) أى القول المذكور (قال الشيطان حفظ)
أى قائل هذا القول (منى سائر اليوم) أى بقيته أو جميعه ويقاس عليه الليل، أو يراد باليوم مطلق الوقت فيشمله ، قال
ابن حجر المکی: إن أرید حفظه من جنس الشیاطین تعین حمله على حفظه من کل شئی مخصوص کا کبر الكبائر ، أو
من إبليس اللعين فقط ، بقى الحفظ على عمومه، وما يقع منه من إغواء جنوده. وإنما ذكرت ذلك لأنا نرى ونعلم من
يقول ذلك، ويقع فى كثير من الذنوب ، فتعين حمل الحديث على ما ذكرته -انتهى. قال القارى: وفيه أن الظاهر أن لام
الشيطان للعهد والمراد منه قرينه المؤكل على إغوائه، وأن القائل ببركة ما ذكر من الذكر يحفظ منه فى الجملة فى ذلك الوقت
عن بعض المعاصى وتعيينه عند اللّه تعالى، وبه يرتفع أصل الإشكال، والله اعلم (رواه أبو داود) وسكت عليه
هو والمنذرى.
٤٦٤
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٥٦ - (٦٣) وعن عطاء بن يسار، قال: قال رسول اللّه مَّه: اللهم لا تجعل قبرى وثناً يعبد،
اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. رواه مالك مرسلا.
٧٥٧ - (٦٤) وعن معاذ بن جبل، قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم يستحب الصلاة فى الحيطان.
٧٥٦ - قوله (اللهم لا تجعل قبرى وثنا) بفتح الواو والمثلثة، وهو كل ماله جثة معمولة من الجواهر، أو الخشب
والحجارة كصورة الآدمى. والصنم الصورة بلا جثة. وقيل: هما سواء. وقد يطلق الوثن على غير الصورة. ومنه
حديث عدى بن حاتم: قدمت على النبى مَّ وفى عنقى صليب من ذهب ، فقال: ألق هذا الوثن عنك (يعبد) بصيغة
المجهول أى لا تجعل قبرى مثل الوثن فى تعظيم الناس وعودهم للزيارة بعد بدهم واستقبالهم نحوه فى السجود، كما نسمع
ونشاهد الآن فى بعض المزارات والمشاهد، قاله القارى. وقال الباجى: دعاءه مَ ◌ّه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد،
تواضعا، والتزاما للعبودية لله تعالى، وإقرارا بالعبودية، وكراهية أن يشركه أحد فى عبادته، وعن مالك أنه كره
لذلك أن يدفن فى المسجد (اشتد) استئناف كانه قيل: لم تدعو بهذا الدعاء فأجاب بقوله اشتد (غضب الله) ترحما على
أمته وتعطفا لهم ، قاله الطبي. وقال القارى: والأظهر أنه إخبار عما وقع فى الأمم السالفة تحذيرا للأمة من أن يفعلوا
فعلهم فيشتد غضبه عليهم (على قوم) هم اليهود والنصارى كما تقدم (اتخذوا قبور أنياتهم مساجد) تقدم الكلام عليه
" (رواه مالك) أى عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار (مرسلا) أى بحذف الصحابى ، قال ابن عبد البر: لا خلاف عن
مالك فى إرسال هذا الحديث، وهو حديث غريب لا يكاد يوجد. قال: وزعم البزار أن مالكا لم يتابعه أحد على هذا الحديث
إلا عمربن محمد، عن زيد بن أسلم، وليس بمحفوظ عن النبى مَّه بوجه من الوجوه إلا بهذا الوجه لا إسناد له غيره، إلا
أن عمر بن محمد أسنده عن أبى سعيد الخدرى، عن النبي ◌َّم، وعمر بن محمد ثقة. وقوله: اشتد غضب الله - الحديث.
محفوظ من طرق كثيرة صحاح، هذا كلام البزار. قال ابن عبد البر: مالك عند جميعهم حجة فيما نقل. وقد أسند
حديثه هذا عمر بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وهو من ثقات أشراف أهل المدينة. فالحديث صحيح عند من
يحتج بالمراسيل. وعند من قال بالمسند لإسناد عمر بن محمد ، وهو من تقبل زيادته ، وله شاهد عند العقيلى من طريق
سفيان، عن حمزة بن المغيرة، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه ، عن أبى هريرة رفعه: اللهم لا تجعل قبرى وثنا، لعن الله
قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، كذا فى شرح الزرقانى، وتنوير الحوالك السيوطى. وفى مجمع الزوائد (ج ٢:
ص ٢٨) عن أبى سعيد الخدرى أن النبي ◌َّم قال: اللهم إنى أعوذ بك أن يتخذ قبرى وثنا، فإن الله تبارك
وتعالى اشتد غضبه على قوم اتخذوا قبور أنبياتهم مساجد، رواه البزار. وفيه عمر بن صهيان، وقد اجمعوا
على ضعفه .
٧٥٧ - قوله (يستحب) بصيغة المعلوم (الصلاة) أى النافلة أو مطلقا (فى الحيطان) بكسر المهملة جمع الحائط،
٤٦٥
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
قال بعض رواته: يعنى البساتين. رواه الترمذى، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من
حديث الحسن بن أبى جعفر، وقد ضعفه يحيى بن سعيد وغيره.
قال الجزرى: الحائط البستان من النخل إذا كان عليه حائط وهو الجدار. قال العراقى: استحبابه مَ يقيم الصلاة فى
الحيطان يحتمل معانى: أحدها : قصد الخلوة عن الناس فيها ، وبه جزم ابن العربى. الثانى: قصد حلول البركة فى ثمارها
بيركة الصلاة ، فإنها جالبة الرزق. الثالث: أن هذا من كرامة المزور أن يصلى فى مكانه. الرابع: أنها تحية كل منزل .
نزله أو توديعه، كذا فى قوت المغتذى (قال بعض رواته) هو أبو داود الطيالسى الراوى للحديث عن الحسن بن أبى
جعفر (يعنى البساتين) جمع بستان (رواه الترمذى) وفى بعض النسخ ((رواه أحمد والترمذى)) وهو غلط من الناسخ
(لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن أبى جعفر) الجفرى - بضم الجيم وسكون الفاء - نسبة إلى جفرة خالد مكان بالبصرة.
واسم أبيه عجلان . وقيل: عمرو الأزدى. ويقال: العدوى البصرى (وقد ضعفه يحيى بن سعيد وغيره) كأحمد وابن المدين
وأبي داود والعجلى. وقال الساجى: منكر الحديث، من مناكيره حديث معاذ ((كان يعجبه الصلاة فى الحيطان» وقال
عمرو بن على: صدوق، منكر الحديث. كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه. وقال الأزدى: هو عندى ممن لا يتعمد .
الكذب، وهو صدوق. وقال البخارى: منكر الحديث. وقال ابن حبان: من خيار عباد الله الخشن. ضعفه يحيى
وتركه أحمد، وكان من المتعبدين المجابى الدعوة ، ولكنه من غفل عن صناعة الحديث وحفظه، فإذا حدث وهم وقلب
الأسانيد وهو لا يعلم حتى صار من لا يحتج به، وإن كان فاضلا. وقال الحافظ فى التقريب: ضعيف الحديث مع
عبادته وفضله. مات سنة (١٦٧) والظاهر أنه ضعيف من قبل حفظه. ويحيى بن سعيد المذكور هو يحي بن سعيد بن
فروخ الامام العلم سيد الحفاظ القطان أبو سعيد التميمى مولاهم البصرى الأحول، أحد أئمة الجرح والتعديل، وأحد فتها.
المحدثين ومجتهديهم، ولد سنة (١٢٠) روى عن هشام بن عروة، وحميد الطويل، والأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصارى،
وطبقتهم، فأكثر جدا. وعنه ابن المهدى، وأحمد ومسدد وإسحاق وابن المدينى، وابن معين، وعمرو بن على الفلاس، -
وبندار وأمم سواهم. قال الحافظ: ثقة متقن، حافظ إمام قدوة. وقال أحمد: ما رأت عيناى مثله. وقال ابن المدينى:
ما رأيت أحدا أعلم بالرجال منه. وقال إسحاق بن ابراهيم بن أبى حبيب الشهيد: كنت أرى يحيى القطان يصلى العصر ثم يستند
فيقف بين يديه على بن المدينى وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين والشاذكونى، وعمرو بن على يسألونه عن الحديث وهم قيام
هيبة له، وقال ابن عمار: كنت إذا نظرت إلى يحيى القطان ظنت أنه لا يحسن شيئا، فإذا تكلم أنصت له الفقهاء.
وقال بندار: اختلفت إلى يحيى بن سعيد عشرين سنة، فما أظن أنه عصى الله قط. وقال ابن معين: أقام يحيى القطان
عشرين سنة يختم القرآن فى كل ليلة ، ولم يفته الزوال فى المسجد أربعين سنة. وقال ابن حبان: كان من سادات أهل .
زمانه حفظا، وورعا، وفهما ، وفضلا، ودينا ، وعلما، وهو الذى مهد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن فى البحث عن
٤٦٦
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٥٨ - (٦٥) وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه مَثّه: صلاة الرجل فى بيته بصلاة،
وصلاته فى مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته فى المسجد الذى يجمع فيه بخمسمائة
صلاة، وصلاته فى المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته فى مسجدى بخمسين ألف صلاة،
وصلاته فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة. رواه ابن ماجه.
الثقات، وترك الضعفاء. مات سنة (١٩٨) وله (٧٨) سنة. قال الذهبي فى الميزان فى ترجمة ابن عيينة: إن يحي
القطان متعنت جدا فى الرجال، وهو غير ابن القطان الحافظ الإمام أبى الحسن على بن محمد الحميرى الفاسى الشهير
بابن القطان.
٧٥٨ - قوله (صلاة الرجل فى بيته) أى منفردا كذا قيل: والأظهر أن يكون أعم (بصلاة) أى محسوبة بصلاة واحدة
أى لا يزداد له فى الأجر بسبب خصوص المكان، وهذا لا ينافى الزيادة التى ورد بها الشرع عموما، كقوله تعالى
﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - ١٦٠:٦﴾ (فى مسجد القبائل) أى فى المسجد الذى تجتمع فيه القبائل للصلاة جماعة.
والمراد به مسجد الحى والمحلة (بخمس وعشرين صلاة) أى بالإضافة إلى صلاته فى بيته لا مطلقا (وصلاته فى المسجد
الذى يجمع فيه) بتشديد الميم أى يصلى فيه الجمعة (بخمس مائة صلاة) أى بالنسبة إلى مسجد الحى (فى المسجد الأقصى)
أى مسجد بيت المقدس، وسمى به لبعده من المسجد الحرام. وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث. والمقدس المطهر
عن ذلك (بخمسين ألف صلاة) أى بالإضافة إلى ما قبله (وصلاته فى مسجدى بخمسين ألف صلاة) أى بالنسبة إلى
ما يليه (وصلاته فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة) أى بالنسبة إلى مسجد المدينة على ما يدل عليه سياق الكلام، فيحتاج
إلى ضرب بعض الأعداد فى بعض، فإنه ينتج مضاعفة كثيرة، وبه يجمع بين الروايات، ذكره القارى. قال ابن حجر
المکی : قبل : إن هذا الحديث منکر لأنه مخالف لما رواه الثقات، وقد يقال : يمكن الجمع بينه وبين ما رووه بأن روايتهم
((إن صلاة الجماعة تعدل صلاة المنفرد بخمس أو سبع وعشرين، تحمل على أن هذا كان أولا، ثم زيد هذا المقدار فى المسجد
الذى تقام فيه الجمعة، وكذا ما جاء «أن صلاة فى المسجد الأقصى بألف فى سائر المساجد، وصلاة بمسجده مَ ◌ّ بألف
صلاة فى المسجد الأقصى، كان أولاثم زيد فيهما ، جعل الأول بخمسين ألفا فى سائر المساجد، والثانى بخمسين ألفا فى
المسجد الأقصى، ومسجد مكة بمائة ألف فى مسجده عليه الصلاة والسلام، وحينئذ فتزداد المضاعفة فى مسجد مكة
بأضعاف مضاعفة، فتأمله ضاربا مائة ألف فى خمسين ألف ألف، ثم الحاصل فى الخمسين ألفا تجد صحة ما ذكرته ، كذا
فى المرقاة (رواه ابن ماجه) فى أواخر الصلاة من طريق أبى الخطاب الدمشقى، عن زريق أبى عبد الله الألهانى عن أنس.
قال فى الزوائد: إسناده ضعيف ، لأن أبا الخطاب الدمشقى لا يعرف حاله. وزريق فيه مقال، حكى عن أبى زرعة أنه
٤٦٧
مرعاة المفاتيح ج٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٥٩ - (٦٦) وعن أبى ذر، قال: قلت: يا رسول الله! أى مسجد وضع فى الأرض أول؟ قال:
المسجد الحرام. قال: قلت: ثم أى؟ قال: ثم المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال:
أربعون عاما؛
قال لا بأس به. وذكره ابن حبان فى الثقات وفى الضعفاء، وقال يتفرد بالأشياء التى لا تشبه حديث الأثبات. لا يجوز
الاحتجاج بخبره إلا عند الوفاق - انتهى. وقال الذهبي فى الميزان: إنه حديث منكر جدا.
٧٥٩ - قوله (وضع فى الأرض أول) بضم اللام وهى ضمة بناء لقطعه عن الإضافة مثل قبل وبعد. قال أبو
البقاء: وهو الوجه. والتقدير: أول كل شئى، ويجوز النصب منصرفا أى أولا بالتنوين كما فى رواية للبخارى. وغير
منصرف لوزن الفعل والوصفية نحو قوله تعالى ﴿ والركب أسفل منكم - ٨: ٤٢﴾ (ثم أى) بالتنوين مشددا أى ثم أى
مسجد وضع بعد المسجد الحرام؟ وهذا الحديث يفسر المراد بقوله {إن أول بيت وضع للناس للذى بكة مباركا وهدى
العالمين -٩٦:٣) ويدل على أن المراد بالبيت بيت العبادة لا مطلق البيوت، قاله الحافظ. وقال الرازى فى تفسيره: إن قوله
تعالى { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) يحتمل أن يكون المراد كونه أولا فى الوضع والبناء، وأن يكون المراد كونه أولا
فى كونه مباركا وهدى. ثم قال: إن دلالة الآية على الأولية فى الفضل والشرف أمر لا بد منه، لأن المقصود الأصلى بيان الفضيلة ،
لأن المقصود ترجيحه على بيت المقدس، وهذا إنما يتم بالأولية فى الفضيلة والشرف ، ولا تأثير للأولية فى البناء فى هذا
المقصد إلا أن ثبوت الأولية بسبب الفضيلة لا ينافى ثبوت الأولية فى البناء (أربعون عاما) فيه إشكال ، وذلك أن المسجد
الحرام بناه ابراهيم عليه السلام بنص القرآن ، والمسجد الأقصى بناه سليمان عليه السلام، كما أخرجه النسائى من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص، وإسناده صحيح، وبين إبراهيم وسليمان عليهما السلام أيام طويلة. قال أهل التاريخ:
أكثر من ألف سنة. وجوابه أن الإشارة إلى أول البناء، ووضع أساس المسجد ، وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة،
ولا سلمان أول من بنى بيت المقدس ، فقد روى أن أول من بنى الكعبة آدم ، ثم انتشر ولده ، جائز أن يكون بعضهم قد
وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عاما. قال القرطبي: يرتفع الإشكال بأن يقال: الآية والحديث لا يدلان على أن
إبراهيم وسليمان لما بنيا المسجدين ابتداءا وضعهما لهما، بل ذاك تجديد لما كان أسسه غيرهما وبدأه، وبناءآدم الكعبة مشهور
قلت: بل هو الذى أسس كلا من المسجدين، فذكر ابن هشام فى كتاب التيجان أن آدم لما بنى الكعبة أمره الله بالسير إلى
بيت المقدس، وأن ينيه فبناه ونسك. والحاصل أن المراد فى الحديث بناءهما قبل بناء إبراهيم للسجد الحرام، وبناء
سليمان للسجد الأقصى، فإبراهيم وسليمان عليهما السلام مجددان للبناء لا مؤسسان. وقال ابن القيم فى الهدى (ج ١:
ص ٩) : قد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به، فقال: معلوم أن سليمان بن داود الذى بنى المسجد الأقصى،
وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام. وهذا من جهل هذا القائل، فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى
٤٦٨
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
ثم الأرض لك مسجد، حيث ما أدركتك الصلاة فصل. متفق عليه.
(٨) باب الستر
( الفصل الأول )
٧٦٠ - (١) عن عمر بن أبى سلمة، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى فى ثوب واحد
تجديده لا تأسيسه، والذى أسسه هو يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما وسلم بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار -
انتهى (ثم الأرض لك مسجد) أى صالحة للصلاة فيها. ويخص هذا العموم بما ورد فيه النهى. قال السندى:
كلة (ثم)) للتراخى بالاخبار، والمراد أنها كلها مسجد ما دامت على الحالة الأصلية التى خلقت عليها. وأما إذا انتجست
فلا. ذكره لبيان أنه لا يؤخر الصلاة لإ دراك فضل هذه المساجد (فحيث ما أدركتك الصلاة) أى وقت الصلاة.
وفيه إشارة إلى المحافظة على الصلاة فى أول وقتها. ويتضمن ذلك الندب إلى معرفة الأوقات. وفى بعض الطرق:
فأينما أدركتك الصلاة فصل، فإن الفضل فيه. قال الحافظ: فى الحديث إشارة إلى أن المكان الأفضل للعبادة إذا
لم يحصل لا يترك المأمور به لفواته، بل يفعل المأمور فى المفضول، لأنه مَ ◌ّ كأنه فهم عن أبى ذر من تخصيصه السؤال
عن أول مسجد وضع، أنه يريد تخصيص صلاته فيه ، فنبه على أن إيقاع الصلاة إذا حضرت لا يتوقف على المكان الأفضل
(فعل). وفى بعض النسخ («فصله)) بهاء ساكنة، وهى ماء السكت. قال الطيبي: يعنى سألت أبا ذر عن أماكن بنيت
مساجد، واختصت العبادة بها ، وأيها أقدم زمانا فأخبرتك بوضع المسجدين وتقدمهما على سائر المساجد ، ثم أخبرك
بما أنعم الله على وعلى أمتى من رفع الجناح وتسوية الأرض فى أداء العبادة فيها (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الأنياء
ومسلم فى الصلاة ، وأخرجه أيضا النسائى وابن ماجه فى الصلاة.
(باب التستر) أى ستر العورة وسائر الأعضاء، وهو بالفتح مصدر سترته إذا غطيته، وبالكسر واحد الستور
والأستار. قال الله تعالى: ﴿يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ـ ٧: ٣١) ) روى مسلم من حديث ابن عباس،
قال: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة - الحديث. وفيه ((فنزلت: {خذوا زينتكم)﴾ ووقع فى تفسير طاؤس قال: فى
قوله تعالى: (خذوا زيتكم) قال: الثياب. وصله البيهقى، ونحوه عن مجاهد. ونقل ابن حزم الاتفاق على أن المراد
ستر العورة. واعلم أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة وإن كان فى مكان عال. وفى غير حالة الصلاة يجب سترها
عن أعين الناس من يحرم نظره .
٧٦٠ - قوله (عن عمر بن أبى سلمة) هو عمر بن أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومى القرشى أبو حفص المدنى،
وحيبه النبي ◌َّ. صحابى صغير، وأمه أم سلمة زوج النبي ◌َّة، ولد بأرض الحبشة فى السنة الثانية من الهجرة. وقبض
٤٦٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
مشتملابه، فى بيت أم سلمة، واضعا طرفيه على عاتقيه. متفق عليه.
٧٦١ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَ فيه: لا يصلين أحدكم فى الثوب الواحد ليس
على عاتقيه منه شى.
رسول اللّهِ مَّ وله تسع سنين، وشهد مع على الجمل. وأمره على على البحرين. وتوفى فى زمن عبد الملك بن مروان
سنة (٨٣) على الصحيح، له اثنا عشر حديثا، اتفقا على حديثين، روى عنه جماعة (مشتملا به) أى بالثوب. ووقع
فى رواية للبخارى ((متوشحا به)). وفى بعض روايات مسلم (متحفا به، ومعنى الاشتمال والتوشح والالتحاف واحد هنا.
وهو المخالفة بين طرفى الثوب بأن يأخذ طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليمنى فيلقيه على منكبه الأيسر ، ويلقى طرف
الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى على منكبه الأيمن. قال الطبى: الاشتمال، التوشح والمخالفة بين طرفى الثوب الذى
ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذى ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما
على صدره، يعنى لئلا يكون سدلا. قلت: الاشتمال على أنواع، أحدها: التوشح، وهو المذكور فى حديث الاياحة.
والثانى: ما فسر به الأخفش أن الاشتمال هو أن يلتف الرجل بردائه أو بکساته من رأسه إلى قدمه، ويرد طرف الثوب
الأيمن على منكبه الأيسر، ذكره الشوكانى. والثالث: اشتمال الصماء المنهى عنه. وقد اختلفوا فى تفسيره ، فقال أهل
اللغة: هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده، لا يرفع منه جانبا ، فلا يبقى ما يخرج منه يده، وإنما كره لثلا تعرض
له حاجة من دفع بعض الهوام، فيعسر عليه إخراج يده فيلحقه الضرر، ولأنه يعسر عليه حينئذ رفع اليدين حذو أذنيه،
وبسطهما على الأرض حذاء أذنيه فى السجدة. وقالت الفقهاء: هو أن يشتمل ثوب واحد ليس عليه غيره، ثم برضه من
أحد جانبيه فيضعه على أحد منكبيه فيدو منه فرجه. وفائدة التوشح والاشتمال والالتحاف المذكورة فى الأحاديث أن
لا ينظر المصلى إلى عورة نفسه إذا ركع، ولئلا يسقط الثوب عند الركوع والسجود. والحديث يدل على أن الصلاة
فى الثوب الواحد صحيحة إذا توشح به المصلى، أى وضع طرفيه على عاتقيه مخالفا بين طرفيه (فى بيت أم سلمة) ظرف
ليصلى (واضعا طرفيه) تفسير مشتملا (على عاتقيه) العاقق ما بين المنكبين إلى أصل العنق (متفق عليه) وأخرجه أيضا
مالك وأحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه .
٧٦١ - قوله (لا يصلين) بنون التأكيد المشددة. قال ابن الأثير: وفى رواية الصحيحين ((لا يصلى، بإثبات
الياء، ووجهه أن لا نافية، وهو خبر بمعنى النهى. ورواه الدار قطنى فى غرائب مالك من طريق الشافعى بلفظ ((لا
يصل)، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء ((لا يصلين)) أى بزيادة التأكيد، قلت: وكذا رواه النسائى بلفظ ((لا يصلين))
(ليس على عاتقيه منه شئ) الجملة المنفية حال. والمراد أنه لا يتزر فى وسطه، ويشد طرفى الثوب فى حقويه بل يتوشح
٤٧٠
مرعاة المفاتيح. ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
متفق عليه .
٧٦٢ - (٣) وعنه، قال: سمعت رسول اللّه ◌َيّ يقول: من صلى فى ثوب واحد، فليخالف بين
طرفيه. رواه البخارى.
بهما على عاققيه، فيحصل الستر من أعالى البدن وإن كان ليس بعورة. أو لكون ذلك أمكن فى ستر العورة، وهذا إذا
كان الثوب واسعا ، وذلك لأنه إذا خالف بين طرفيه ووضعهما على عاتقيه يكون بمنزلة الإزار والرداء جميعاً ، ويكون
أستر وأجمل. وأما إذا كان ضيقا وليس عنده ثوب آخر شده على حقوه كما فى حديث جابر عند الشيخين مرفوعا «إذا
صليت فى ثوب واحد، فإن كان واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به)). وقيل: فى حكمة وضع الثوب على
العائق إذا كان واسعا أنه إذا انزر به ولم يكن على عاتقه منه شئ لم يؤمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جعل بعضه
على عاتقه. ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده أو بيديه، فيشتغل بذلك ، ولا يتمكن من وضع اليد اليمنى على اليسرى
على الصدر فتفوت السنة والزينة المطلوبة فى الصلاة. والحديث يدل على المنع من الصلاة فى الثوب الواحد إذا لم يكن
على عاتق المصلى منه شئ، وقد حمل الجمهور هذا النهى على التنزيه ، فلو صلى فى ثوب واحد سائر لعورته وليس على
عاققه شئ منه محت صلاته مع الكراهة، ولو كان الثوب واسعا. وأما أحمد وبعض السلف فذهبوا إلى أنه لا يصح
صلاته، عملا بظاهر الحديث. وهذا هو الحق لأنه لا صارف للنهى عن معناه الحقيقى فيجب الجزم بمعناه الحقيقى
وهو تحريم ترك جعل طرف الثوب الواحد حال الصلاة على العاقق ، والجزم بوجوبه مع المخالفة بين طرفيه بالحديث
الآتى حتى ينتهض دليل يصلح للصرف. ولكن هذا إذا كان الثوب واسعا، جمعا بين الأحاديث كما تقدم التصريح بذلك
فى حديث جابر. وقد عمل بظاهر الحديث ابن حزم (متفق عليه) قال ميرك: وفيه نظر من وجوه، الأول: أن قوله
((لا يصلين)) ليس فيهما بل فيهما «لا يصلى، والثانى: أن قوله ((على عاتقيه)) ليس فى البخارى، وإنما فيه «على عاتقه)) والثالث: أن
قوله ((منه)) ليس فى البخارى، وإنما هو من إفراد مسلم، كما صرح به الشيخ ابن حجر - أى العسقلانى صاحب فتح البارى-
انتهى. والحديث أخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى.
١
٧٦٢ - قوله (فليخالف بين طرفيه) زاد أحمد وأبو داود على عاتقيه. وهذا إذا كان الثوب واسعا، وأما إذا
كان ضيقا فيشده على حقوه. قال النووى: المشتمل، والمتوشح، والمخالف بين طرفيه، معناه واحد هنا، وقد سبقه
إلى ذلك الزهرى. وقد حمل الجمهور هذا الأمر على الاستحباب ، وخالفهم فى ذلك أحمد. والخلاف فى الأمر هنا
كالخلاف فى النهى فى الحديث الذى قبل هذا. وقد تقدم أن الحق فيه ما ذهب إليه أحمد (رواه البخارى) وأخرجه
أيضا أحمد وأبو داود.
٤٧١
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
٧٦٣ - (٤) وعن عائشة، قالت: صلى رسول اللّه مَجلى فى خيصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة،
فلما انصرف، قال: اذهبوا بخميصتى هذه إلى أبى جهم، وانتونى بأنبجانية أبى جهم؛
٧٦٣ - قوله (فى خميصة) بفتح خاء وكسر ميم وصاد مهملة، ثوب رقيق مربع من خز أوصوف معلم،
وقيل : لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلة، فعلى هذا قول عائشة (لها) أى للخميصة (أعلام) جمع علم وهو
رسم الثوب ورقه، على وجه البيان والتأكيد، ولا يعد أن يكون من طريق التجريد. وقال ابن عبد البر فى التمهيد :
الخيصة هى كساء رقيق قد يكون بعلم وبغيره، وقد يكون أبيض معلما، وقد يكون أصفر وأحمر وأسود. وهى من لباس
أشراف العرب، والجملة صفة خيصة (فلما انصرف) أى عن الصلاة (اذهبوا بخميصتى هذه إلى أبى جهم) بفتح الجيم.
وسكون الهاء، هو أبو الجهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله القرشى العدوى. قال البخارى وجماعة: اسمه
عامر، وقيل: عبيد. أسلم عام الفتح، وصحب النبيِ مَّه. وكان مقدما فى قريش معظما، وعالما بالنسب. وهو أحد
الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم علم النسب. وكان من المعمرين. حضر بناء الكعبة حین بتها قریش ، و حین
بناها زیر. وهو أحد الأربعة الذين تولوا دفن عثمان، بقی إلی أول خلاقة ابن الزیر. ووجه تخصیص أبى جهم بارسال
الخميصة إليه أنه هو الذى أهداها له مرَّةٍ، فلذلك ردها عليه، فقد روى مالك، عن علقمة بن أبى علقمة ، عن أمه أن
عائشة زوج النبي ◌َّه قالت: أهدى أبو جهم بن حذيفة لرسول اللّه مَّ خميصة شامية، لها على، فشهد فيها الصلاة -
الحديث. قال ابن الأثير فى أسد الغابة: قد اختلفوا فى هذه الخيصة، فقال مالك: هكذا. ومنهم من قال: إن رسول
الله ◌ُێے أنی بخمیصتین سوداوين ، فلس إحداهما وبعث بالأخرى إلى آبی جهم، فلا أهته فى الصلاة بعثها إلى أبى جهم ،
وطلب التى كانت عنده بعد أن لبسها لبسات. روى ذلك سعيد بن عبد الكبير - انتهى. وقال الحافظ فى الإصابة
(ج ٤: ص ٣٥) بعد ذكر الحديث برواية الصحيحين: وذكر الزبير من وجه آخر مرسلا أن النبي مُؤثّم أتى بخميصتين
سوداوين، فلبس إحداهما وبعث الأخرى إلى أبى جهم، ثم إنه أرسل إلى أبى جهم فى تلك الخميصة، وبعث إليه التى لبسها
هو ، ولبس هو التى كانت عند أبى جهم بعد أن لبسها أبو جهم لبسات - انتهى (وائتونى بأنبجانية أبى جهم) وإنما طلب
أنيجانيته بدلها لئلا يتأذى برد هديته. قال ابن بطال: إنما طلب منه ثوبا غيرها ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافا به
وهى- بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف الجيم وبعد النون ياء نسبة مشددة - كساء يتخذ من الصوف
وله خمل ولا علم له، وهو من أدون الثياب الغليظة. ويجوز كسر الهمزة وسكون النون وفتح الموحدة وتخفيف الياء
المثناة. قال عياض: يروى بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء وكسرها، وبتشديد الياء وتخفيفها - انتهى. نسبة إلى
منج - بفتح الميم وكسر الموحدة - موضع معروف بالشام، فأبدلت الميم همزة فى القسب. ويقال: فنسبة إلى موضع
يقال له: أنبجان، وفى هذه قال ثعلب: كساء أنبجانى، وهذا هو الأقرب إلى الصواب فى لفظ الحديث. والأول فيه
٤٧٢
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
فإنها ألهتنى آنفاً عن صلانى. متفق عليه،
تعسف (فانها) أى الخميصة (ألهتنى) من لهى - بالكسر - إذا غفل، لا من ((لها لهواء إذا لعب أى شغلتنى (آنفا) بالمد
أى قريبا، أو فى هذه الساعة (عن صلاتى) وعند مالك فى الموطأ: فإنى نظرت إلى عليها فى الصلاة فكاد يقتنى. وفى الرواية
الآتية ((فأخاف أن يفتنى). فيحمل قوله ((ألخنى)) على قوله ((كاد)) فيكون الإطلاق المبالغة فى القرب لا تتحقق وقوع
الإلهاء. وقيل: معنى قوله ((يفتنى)) يلهينى عن الصلاة إلهاء أتم مما وقع منها أولا، فلا تنافى بين الجزم بوقوع الإلهاء بها
ثم، وخشية وقوعه بها هنا. وكان ذلك هو حكمة التغاير بين الأسلوبين حيث عبر أولا بالإلهاء وثانيا بالفتنة. والحاصل
أن المراد بالفتنة شئى فوق الإلهاء. وقيل: معنى الهنى: أرادت أن تلهينى فلا ينافى قوله ((فأخاف أن يقتنى، بمعنى يلهينى،
بل يكون الثانى تفسيرا للأول. ولا يقال: إن المعنى شغلتنى عن كمال الحضور فى صلانى، لأنا نقول: قوله ((فأخاف أن
يفتنى، يدل على نفى وقوع ذلك. وقد يقال: إن له عليه الصلاة والسلام حالتين حالة بشرية، وحالة يختص بها خارجة عن ذلك
فبالنظر إلى الحالة البشرية قال ألهنى ، وبالنظر إلى الحالة الثانية لم يجزم به، بل قال: أخاف. ولا يلزم من ذلك الوقوع.
ونزع الخميصة ليستن به فى ترك كل شاغل ، فهو تشريع لأمته، وليس المراد أن أبا جهم يعلى فى الخميصة، لأنه مؤئه
لم يكن ليبعث إلى غيره بما يكرهه لنفسه، فهو كاإهداء الحلة لعمر مع تحريم لباسها عليه، لينتفع بها يبيع أو غيره. وقيل
كان هو أعمى فالإلهاء مفقود فى حقه. قال ابن الجوزى: قيل: كيف خاف الإمتنان بعلم من لم يلتفت إلى الأكوان
بليلة ما زاغ البصر؟ وأجيب بأنه كان فى تلك الليلة خارجا عن طباعه، فأشبه ذلك نظره من وراءه، فإذا رد إلى طبعه أثر
فيه ما يؤثر فى البشر. وقيل: أيضا إن المراقبة فى الصلاة شغلت خلقا من أتباعه حتى أه وقع السقف إلى جانب مسلم بن
يسار ولم يعلم. وأجيب بأن أولئك كانوا يؤخذون عن طبائعهم فيغيبون عن وجودهم. وكان الشارع يسلك طريق
الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق الخواص وغير الكل فقال: لست كا حدكم، وإن سلك طريق غيرهم قال «إنما أنا
بشر مثلكم، فرد إلى حالة الطبع ليستن به فى ترك كل شاغل - انتهى. واستنبط من الحديث الحث على حضور القلب
فى الصلاة، وترك ما يؤدى إلى شغله. وقد شهد القرآن بالفلاح المصلين الخاشعين، والفلاح أجمع اسم السعادة
الآخرة. وبانتفاء الخشوع ينتفى الفلاح. قال الأمير اليمانى: فى الحديث دليل على كراهة ما يشغل عن الصلاة من
النقوش ونحوها مما يشغل القلب. وقال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرا فى القلوب الطاهرة
والنفوس الزكية فضلا عما دونها. وفيه كراهة الصلاة على المفارش والسجاجيد المنقوشة، وكراهة نقش المساجد
ونحوه (متفق عليه) واللفظ للبخارى. وقال ميرك: فيه نظر لأنه ليس هذا الحديث فى مسلم بهذا اللفظ، وإنما هو لفظ
البخارى. ولفظ مسلم عن عائشة، قالت: قام رسول اللّه مَ لم يصلى فى خيصة ذات أعلام ، فنظر إلى أعلامها، فما
قضى صلاته قال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة، وانتونى بأنبجانيته، فإنها ألحتنى آنفا فى صلاتى. فانظر
فى اختلاف الألفاظ - انتهى. قلت: مقصود المصنف أن أصل الحديث متفتى عليه لا خصوص هذا اللفظ. وعلى هذا
٤٧٣
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
وفى رواية للبخارى، قال: كنت أنظر إلى عليها وأنا فى الصلاة فأخاف أن يفتتنى.
٧٦٤ - (٥) وعن أنس، قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبى معَّم: أميطى
عنا قرامك هذا، فإنه لا يزال تصاويره تعرض لى فى صلاتى. رواه البخارى.
٧٦٥ - (٦) وعن عقبة بن عامر، قال: أهدى لرسول اللّه مَلّ فروج حرير، فلبسه ثم صلى فيه،
ثم انصرفب فنزعه نزعاً شديدا كالكاره له،
فلا اعتراض على المصنف فى عزو الحديث إلى الشيخين. والحديث أخرجه أيضا مالك، وأحمد والنسائى (وفى رواية)
أى معلقة (إلى عليها) أى على الخيصة (وأنا فى الصلاة) جملة حالية (فأخاف أن يفتنى) بفتح المثناة التحتية فى أوله، وكسر
المثناة فوق، وبالنوتين من باب ضرب يضرب، وفى رواية تفتنى بفتح المثناة الفوقية فى أوله بدل التحتية أى تمنعنى من
الصلاة وتشغلنى عنها .
٧٦٤ - قوله (قرام) بكسر القاف وتخفيف الراء، الستر الرقيق. وقيل: الصفيق من صوف ذى ألوان. وقيل
الستر الرقيق وراء الستر الغليظ (جانب بيتها) هو يحتمل جانب الباب وجانب الجدار (أميطى) أمر من أماط يميط أى
أزيلى (فإنه) الضمير الشأن أو القرام (تصاويره) جمع تصوير بمعنى الصورة أى تماثيله، أو نقوشه (تعرض) بفتح المثناة
الفوقية وكسر الراء أى تلوح وتظهر لى (فى صلاتى) فى الحديث دلالة على إزالة ما يشوش على المصلى صلاته ما فى منزله
أو فى محل صلاته. ولا دليل فيه على بطلان الصلاة، لأنه لم يرو أنه مَّم أعادها أو قطعها، نعم ! تكره الصلاة حينئذ
لما فيه من سبب اشتغال القلب المفوت للخشوع. قال الحافظ : وقد استشكل الجمع بين هذا الحديث وبين حديث عائشة
أيضا أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فقام النبي مرَّة بالباب، فلم يدخل - الحديث. لأنه يدل على أنه مرو ◌ّع لم يدخل البيت
الذى كان فيه الستر المصور أصلا حتى نزعه. وهذا يدل على أنه أقره وصلى، وهو منصوب إلى أن أمر بنزعه من أجل
ما ذكر من رؤية الصورة حالة الصلاة ، ولم يتعرض لكونها صورة، ويمكن الجمع بأن الأول كانت تصاويره من ذوات
أرواح، وهذا أى القرام المذكور فى حديث الباب كانت تصاويره من غير الحيوان كصورة الشجرة ونحوها
(رواه البخارى) فى الصلاة ، وفى اللباس.
٧٦٥ - قوله (أهدى) على بناء المفعول (فروج حرير) بالإضافة كثوب خز، وخاتم فضة. وفى رواية أحمد
«قروج من حرير، وهو بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وتخفيفها وآخرها جيم. وحكى عن أبى العلاء المعرى ضم
أوله وخفة الراء على وزن خروج، قباء مشقوق عن خلفه، وهو من ليوس الأعاجم. وكان الذى أهداه له أكيدر بن
عبد الملك صاحب دومة الجندل (نلبسه) قبل تحريم الحرير (فنوعه زعا) بفتح النون وسكون الزاى (عديدا كالكاره له)
٤٧٤
=
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
ثم قال: لا ينبغى هذا للمتقين. متفق عليه.
( الفصل الثانى )
٧٦٦ - (٧) عن سلمة بن الأكوع، قال: قلت: يا رسول الله! إنى رجل أصيد؛ أ فأصلى فى
القميص الواحد؟ قال: نعم، وازرره
وفى حديث جابر عند مسلم ((صلى فى قباء ديباج، ثم نزعه، وقال: هانى جبريل عليه السلام)، فهذا ظاهر فى أن صلاته فيه
كانت قبل تحريمه. وأن النهى سبب نزعه له، وذلك ابتداء تحريمه. قال ابن تيمية: حديث عقبة محمول على أنه لبسه قبل
تحريمه، إذ لا يجوز أن يظن به أنه لبسه بعد التحريم فى صلاة ولا غيرها. ويدل على إباحته فى أول الأمر ما روى
أنس بن مالك: أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ◌ُ ◌ّ جبة سندس أو دياج قبل أن ينهى عن الحرير، فلبسها ، فتعجب
الناس منها ، فقال: والذى نفسى بيده لمناديل سعد بن معاذ فى الجنة أحسن منها. رواه أحمد (لا ينبغى هذا) أى
لا يجوز استعمال الحرير (للتقين) عن الكفر، وهم المؤمنون، وعبر بجمع الذكر ليخرج النساء لأنه حلال لهن. فإن
قلت: يدخلن تغليا، أجيب بأنهن خرجن بدليل آخر قال ◌َ ◌ّى: أحل الذهب والحرير لإ ناث أمتى، وحرم على ذكورها،
أخرجه أحمد والترمذى وصححه. والحديث يدل على تحريم الصلاة فى الحرير، وقد اختلفوا هل تجزئ الصلاة فى الحرير
بعد تحريمه أم لا؟ فقال الحافظ : إنها تجزئى عند الجمهور مع التحريم، وعن مالك يعيد فى الوقت إن وجد ثوبا غيره.
وقد استدل بعضهم لجواز الصلاة فى ثياب الحرير بعدم إعادته مَيتم لتلك الصلاة، وهو مردود لأن ترك إعادتها لكونها
وقعت قبل التحريم كما دل عليه حديث جابر (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الصلاة، وفى اللباس ، ومسلم فى اللباس،
وأخرجه أيضا النسائى فى اللباس.
٧٦٦- قوله (عن سلمة) بفتح السين واللام (بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسمه سنان بن عبد الله
ابن قدير الأسلى، أبو مسلم المدنى، شهد بيعة الرضوان. قال الخزرجى: بايع تحت الشجرة أولى الناس وأوسطهم وآخرهم
على الموت، وكان شجاعا راميا سخيا خيرا فاضلا ، كان يسبق الفرس شدا على قدميه، استوطن الربذة بعد قتل عثمان ،
وتزوج بها امرأة، وولدت له أولادا، فظم زل بها حتى قبل أن يموث بلال فنزل المدينة وتوفى بها سنة (٧٤) له سبعة
وسبعون حديثا، اتفقا على سنة عشر، وانفرد البخارى بخمسة، ومسلم بتمعة، روى عنه خلق كثير (إنى رجل أصيد)
بصيغة المتكلم كابيع من صاد يعيد، أى أخرج للاصطياد. وفى رواية أحمد والنسائى: إنى أكون فى الصيد. وفى رواية
ابن حبان «إنى رجل أقصيد، وإنما ذكر الصيد لأن الصائد يحتاج أن يكون خفيفا ليس عليه ما يشغله عن الاسراع فى
طلب الصيد، قاله ابن الأثير (قال نعم) أى صل فيه (وازدره) بضم الرا من باب نصر، أى شد جيب القميص،
٤٧٥
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
ولو بشوكة. رواه أبو داود، وروى النسائى نحوه.
٧٦٧ - (٨) وعن أبى هريرة، قال: بينما رجل يصلى مسبل إزاره، قال له رسول اللّه مؤلّ: إذهب
فتوضأ، فذهب وتوضأ ،
واربطه، واجمع بين طرفيه لئلا تظهر عورتك (ولو بشوكة) أى ولو لم يمكنك ذلك إلا بأن تغرز فى طرفه شركة تستمسك
بها. قال الطبى: هذا إذا كان جيب القميص واسعا يظهر منه عورته فعليه أن يزره لثلا تنكشف العورة - انتهى.
والحديث يدل على جواز الصلاة فى الثوب الواحد، وفى القميص منفردا عن غيره مقيدا بعقد الإزار. قال فى شرعة
الاسلام ومن آداب الصلاة زر القميص بناء على أن الصحیح أن ستر عورته عن نفسه لیس بشرط ، حتى لو كان محلول
الجيب فنظر إلى عورته لا يعيد صلاته، كذا فى التبيين. وفى شرح المنية أفتى بعض المشائخ بأنه إذا رأى عورته تفسد
صلاته. وهو ظاهر الحديث. قاله القارى (رواه أبو داود) من طريق الدراوردى ، عن موسى بن إبراهيم
المخزومى، عن سلمة بن الأكوع. وأخرجه أيضا أحمد والشافعى وابن خزيمة والطحاوى وابن حبان والحاكم، وعلقه
البخارى فى صحيحه، وقال: فى إسناده نظر. قال الحافظ فى الفتح: وقد وصله المصنف أى البخارى فى تاريخه، وأبوداود
وابن خزيمة وابن حبان من طريق الدراوردى. قال: ورواه البخارى أيضا عن إسماعيل بن أبى أويس، عن أيه ،
عن موسى بن إبراهيم ، عن أبيه، عن سلة. زاد فى الاسناد رجلا. ورواه أيضا عن مالك بن إسماعيل، عن عطاف
ابن خالد. قال: حدثنا موسى بن إبراهيم ، قال: حدثنا سلمة، فصرح بالتحديث بين موسى وسلمة، فاحتمل أن يكون
رواية أبى أويس من المزيد فى متصل الأسانيد ، أو يكون التصريح فى رواية عطاف وهما ، فهذا وجه النظر فى إسناده -
انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود والمنذرى. قال الحافظ فى الفتح: أما من صححه فاعتمد رواية الدراوردى،
وجعل رواية عطاف شاهدة لاتصالها. وطريق عطاف أخرجها أيضا أحمد والنسائى - انتهى. وقال فى التلخيص.
قد بينت طرق الحديث فى تعليق التعليق ، وله شاهد مرسل ، وفيه انقطاع أخرجه البيهقى.
٧٦٧ - قوله (مسبل إزاره) صفة بعد صفة لرجل ، أى مرخ إزاره عن الحد الشرعى - وهو الكعبان - ففى
حديث أبى هريرة عند أبي داود : ما كان أسفل من الکعبین فهو فى النار (قال له) وفی أبى داود (إذ قال له) بزيادة
(إذ)) قال القارى: أى بعد صلاته لكون صلاته صحيحة، فأراد أن يبين أنها غير مقبولة. وقال ابن حجر: ظاهر الحديث
أنه أمر المسبل بقطع صلاته ثم بالوضوء (إذهب فتوضأ) قيل: إنما أمره بالوضوء ليعلم أنه مرتكب معصية لما أسبقه فى
نفوسهم أن الوضوء يكفر الخطايا ويزيل أسبابها كالغضب ونحوه. وقال الطبي: لعل السر فى أمره بالتوضى وهو
ظاهر أن يتفكر الرجل فى سبب ذلك الأمر فيقف على ما ارتكبه من المكروه (أى ينظر إلى إسباله المخل فى إسباغ
الوضوء المسبب لعدم قبول الصلاة) وأن الله بيركة أمر رسوله عليه الصلاة والسلام إياه بطهارة الظاهر يطهر باطنه من
٤٧٦
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
ثم جاء. فقال رجل: يا رسول الله! مالك أمرته أن يتوضأ؟ قال: إنه كان بصلى وهو مسبل
إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره. رواه أبو داود.
٧٦٨ - (٩) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقبل صلاة حائض
دفس الكبر، لأن طهارة الظاهر مؤثرة فى طهارة الباطن، فعلى هذا ينبغى أن يعبر كلام رسول اللّه مَول عن أن الله تعالى
لا يقبل صلاة المتكبر المختال، فتأمل فى طريق التنيه، ولطف هذا الإرشاد. ومنه ما روى عن عطية، قال: قال النبى
مَّ: إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما يطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ. أخرجه
أبو داود-انتهى كلام الطبى (ثم جاء) كانه جاء وهو غير مسبل إزاره (فقال رجل) لم يعرف اسمه (مالك أمرته أن
يتوضأ) أى والحال أنه طاهر متوضئى لم يوجد منه فى الظاهر ما ينقض وضوئه (لا يقبل) أى قبولا كاملا (صلاة رجل
هسبل إزاره) قال القارى: ظاهر جوابه عليه السلام أنه إنما أعاده بالوضوء- والله أعلم - أنه لما كان يصلى وما تعلق القبول
الكامل بصلاته ، والطهارة من شرائط الصلاة وأجزائها الخارجية ، فسرى عدم القبول إلى الطهارة أيضا، فأمره بإعادة
الطهارة حا على الأكمل والأفضل - انتهى. قلت: ويمكن أن يستدل بالحديث على كون الإسبال من مفسدات الصلاة
بناء على أن عدم القبول يرادف الرد، وإذا كانت صلاة المسبل مردودة كانت باطلة، والله أعلم (رواه أبو داود) فى
الصلاة واللباس، وفى سنده أبو جعفر، وهو رجل من أهل المدينة لا يعرف اسمه. قال الحافظ: أبو جعفر المؤذن
الأنصارى المدنى مقبول، ومن زعم أنه محمد بن على بن الحسين (الباقر) فقد وهم - انتهى. قال النووى فى «رياض الصالحين»
بعد ذكر هذا الحديث: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم - انتهى. وفى الباب عن ابن عباس مرفوعا: إذا
صليم فارضعوا سبلكم (أى الثياب المسبلة) فكل شئى أصاب الأرض من سبلكم فهو فى النار. رواه الطبرانى فى الكبير،
وفيه عيسى بن قرطاس وهو ضعيف جداً. وعن عطاء بن يسار، عن بعض أصحاب النبي مُؤَّةٍ، قال: بينما رجل يصلى
وهو مسبل إزاره قال له رسول اللّه تَّ: اذهب فتوضأ .. قال: فذهب فتوضأ ثم جاء، فقال له رسول ◌َضّم: اذهب
فتوضأ، ثم جاء، فقال (رجل): يا رسول الله! مالك أمرته يتوضأ ثم سكت عنه؟ فقال: إنه كان يسلى وهو مسبل
إزاره، وإن الله تبارك وتعالى لا يقبل صلاة عبد مسبل إزاره، ذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج٥: ص ١٢٥) وقال:
رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وعزاه صاحب الأطراف إلى النسائى، ولم أجد فى نسختى، فلعله فى الكبرى
انتهى. وعن ابن مسعود، أنه رأى أعرابيا يصلى قد أسبل إزاره، فقال: المسبل إزاره فى صلاته ليس من اللّه فى حل
ولا حرام. رواه الطبرانى ورجاله ثقات.
٧٦٨ ، قوله (لا تقبل) أى لا تصح إذ الأصل فى نفى القبول نفى الصحة والاجزاء إلا لدليل (صلاة حائض) يعنى
٤٧٧
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٨ - باب السقر
إلا بخمار. رواه أبو داود والترمذى.
٢٦٩ - (١٠) وعن أم سلمة، أنها سألت رسول اللّه عليه: أتصلى المرأة فى درع وخمار ليس
عليها إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابقاً يغطى ظهور قدميها.
به المرأة البالغة أى المكلفة، وإن تكلفت بالاحتلام مثلا. وإنما عبر بالحيض نظرا إلى الأغلب، قال الخطابي: يريد
بالحائض المرأة التى بلغت سن الحيض، ولم يرد به التى هى فى أيام حيضها، لأن الحائض لا تصلى بوجه . انتهى.
وقيل: الأصوب أن يراد بالحائض من شأنها الحيض، ليتناول الصغيرة أيضا ، فإن ستر رأسها شرط لصحة صلاحبها
أيضا. قلت: ويدل لما قال الخطابي ما رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط من حديث أبي قتادة مرفوعا بلفظ: لا يقبل
الله من امرأة صلاة حتى توارى زينتها، ولا من جارية بلغت الحيض حتى تختمر (إلا بخار) بكسر الخاء المعجمة آخره
راء، قال فى القاموس: الخمار بالكسر النصيف، وكل ما ستر شيئا فهو خاره. وقال: نصيف كامير: الخمار والعمامة،
وكل ما غطى الرأس - انتهى. والمراد به هنا ما تغطى به المرأة رأسها وعنقها. والحديث يدل على أن رأس المرأة
عورة، وأنه يجب عليها ستر رأسها وعنقها حال الصلاة. واستدل به من سوى بين الحرة والأمة فى العورة لعموم ذكر
الحائض ، ولم يفرق بين الحرة والأمة، وهو قول أهل الظاهر. وفرق الجمهور بين عورة الحرة والأمة ، وحملوا
الحديث على الحرة. والحديث قد استدل به على أن ستر العورة شرط فى صحة الصلاة، لأن قوله (لا تقبل)) صالح
للاستدلال به على الشرطية كما تقدم وقد اختلف فى ذلك. ومذهب الجمهور أن ستر العورة من شروط الصلاة (رواه
أبو داود والترمذى) وحسنه. ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره. والحديث أخرجه أيضا أحمد وابن ماجه وابن
خزيمة والحاكم في المستدرك (ج١: ص ٢٥١) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأظن أنه لخلاف
فيه على قتادة، ثم رواه الحاكم من طريق سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن الحسن مرفوعا مرسلا. وكذلك أشار أبو
داود بعدروايته إلى رواية الحسن المرسلة كأنه يعلل الحديث بها. وليست هذه بالعلة، فإن حماد بن سلمة ثقة، والرواية
المرسلة تزيد المتصلة، وهى من طريق آخر، فهو عند قتادة عن شيخين عن ابن سيرين متصلا، وعن الحسن مرسلا.
والحديث صحیح کما قال الحاكم، أو حسن كما قال الترمذى.
٧٩٩ - قوله (فى درع) أى قيص (ليس عليها) أى ليس تحت قيمها أو فوقه (إزار) أى ولا سراويل (قال)
أى نعم (إذا كان الدرح سابنا) أى كاملا واسعا (يغطى ظهور قدميها) ينى يجوز لها حينئذ أن تصلى فى درع وممار
ليس عليها إزار، ففى بعض ألفاظ الحديث: أن التى تَّم قال لها: لا بأس إذا كان المريخ سابقا، إلخ، والطيويث
دليل من قال: إن خدمى المرأة عورة يجب سترها، لأن قوله : ميتظى ظهور قدميها، يدل على عدام العفور، فهو حجة لمن
٤٧٨٨
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٨ - باب الستر
رواه أبو داود، وذكر جماعة وقفوه على أم سلمة.
٧٧٠- (١١) وعن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل فى الصلاة،
لم يستثن القدمين من العورة. وإليه ذهب أكثر العلماء. وهو إحدى الروايتين عن أبى حنيفة. قال الأمير اليمانى فى السبل
بعد ذكر حديث أم سلبة هذا وحديث عائشة السابق ما لفظه: هذا يدل على أنه لا بد فى صلاتها من تغطية رأسها ورقبتها
كا أفاده حديث الخار، ومن تغطية بقية بدنها حتى ظهر قدميها كما أفاده حديث أم سلمة وياح كشف وجهها حيث لميأت
دليل بتغطيته. والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي، فهذه عورتها فى الصلاة. وأما عورتها بالنظر إلى نظر
الأجنبى إليها فكلها عورة كما يأتى تحقيقه. وذكره هنا، وجعل عودتها فى الصلاة هى عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي،
وذكر الخلاف فى ذلك ليس محله هنا، إذ لها عورة فى الصلاة، وعورة فى نظر الأجانب، والكلام الآن فى الأول،
والثانى يأتى فى مصرانتهى. قلت: قد اختلف العلماء فى تحديد عورة المرأة فى الصلاة وخارجها اختلافا كثيرا، إن شئت
الوقوف على ذلك فارجع إلى المغنى لابن قدامة. والراجح عندى ما ذهب إليه الحنابلة من أن الحرة البالغة كلها عورة
فى الصلاة حتى ظفرها وشعرها إلا وجهها، والوجه والكفان عورة خارج الصلاة باعتبار النظر إليها كبقية البدن. قال
الخطابى ز فى خبر أم سلمة دليل على صحة قول من لم يجزصلاتها إذا انكشف من بدنها شئ، ألا تراه عليه السلام يقول:
إذا كان سابقا يغطى ظهور قدميها، جعل من شرط جواز صلاتها لثلا يظهر من أعضاءما شئ-انتهى (رواه أبو داود)
أى مرفوعا (وذكر) أى أبو داود (جماعة) أى من الرواة (وقفوه على أم سلمة) قال أبو داود بعد روايته من طريق
عبدالرحمن بن عبد الله بن دينار، عن محمد بن زيد بن قنفذ، عن أمه، عن أم سلمة مرفوعا: روى هذا الحديث مالك بن
أفس موبكر بن مضر، وحقص بن غياث و إسماعيل بن جعفر، وابن أبى ذئب ، وابن إسحاق عن محمد بن زيد، عن أمه
عن أم سلمة، لم يذكر أحد منهم النبي ◌َّى، قصروا به على أم سلمة - انتهى. يعنى أن هؤلاء الرواة الثقات كلهم رووه
وقونا على أم سلمة، ولم یرغموہ إلیرسول الله ٹے ، وعالفهم عبد الرحمن بن عبد الله بن دینار، فروی عن محمد بن زيد
عن أم سلمة مرفوعاً، فكأنه أشار إلى أن هذا الرفع شاذ. قالى الورقنى: يعنى فرواية عبد الرحمن شاذة، وهو وإن كان
صدوقا لكنه يخطئى، فلعله أخطأ فى رضعه. وأعله أيضا عبد الحق بأن بالكا وغيره رووه موقوفا. قال الحافظ: وهو
الصواب، ولكنه قد قال الحاكم بعد إخراجه: أن رفعه صحيح على شرط البخارى . انتهى. وقال الشوكانى: الرفع
زيادة لا ينبغى النامعا كما هو مصطلح أهل الأصول، وبعض أهل الحديث ، وهو الحق. وقال الأمير البانى: له حكم
الرفع وإن كان موقوفا، إذر الأقرب أنه لا مسرح للاجتهاد فى ذلك.
١=٠ ٧٧٠ قرة (نهى عن البدن فى الصلاة) قال الجوهرى: سيل ثوبه يسدله - بالضم - سدلا أى أرخاه. وقال
٤٧٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٨ - باب الستر.
وأن يغطى الرجل فاه. رواه أبو داود، والترمذى.
٧٧١ - (١٢) وعن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خالفوا اليهود،
الخطابى: السدل إرسال الثوب حتى يصيب الأرض - انتهى. فعلى هذا العدل والإسبال واحد. وقال أبو عبيد فى
غريبه: السدله إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه،فإن ضمه فلبس بسدل ـ انتهى. وقال الجزرى:
هو أن يلتحق بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك. قال: وهذا مطرد فى القميص وغيره من
الثياب. قال: وقيل: هو أن يضع وسط الإزار على رأسه (أو على كتفه) ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن
يجعلهما على كفيه - انتهى. ولا مانع من حمل الحديث على جميع هذه المعانى إن كان السدل مشتركا بينها. وحمل المشترك
على جميع معانيه هو المذهب القوى، قاله الشوكانى. والحديث يدل على تحريم السدل فى الصلاة ، سواء كان عليه قميص
أو سراويل أو لم يكن ، لأنه معنى النهى الحقيقى ، ولا موجب للعدول عن التحريم لعدم وجدان صارف له عن ذلك.
وقد روى أن السدل من فعل اليهود. أخرج الخلال فى العلل، وأبو عيد فى الغريب عن على أنه خرج فرأى قوما
يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال: كانهم اليهود خرجوا من قهرهم (وأن يغطى الرجل فاه) أى فه فى الصلاة. قال الخطابي:
فإن من عادة العرب التثم بالعمائم على الأفواه ، فنهوا عن ذلك فى الصلاة إلا أن يعرض التوباء فيغطى فمه عند ذلك
للحديث الذى جاء فيه - انتهى. والحديث يدل على تحريم أن يصلى الرجل مثلثم أى مغطيا فمه. وحكمة النهى أن فى
التغطية منعا من القراءة والأذ كار المشروعة. ولأنه لو غطى يده فقد ترك سنة اليد، ولو غطاه شوب فقد تشبه بالمجوس
لأنهم يتلثمون فى عبادتهم النار. قال ابن حبان: وإنما زجر عن تغطية الفم فى الصلاة على الدورلم لا عند التثاؤب بمقدار
ما يكظمه لحديث «إذا تشرب أحدكم فى الصلاة فليكظم ما استطاع)، وفى رواية «قليمسك بيده على فمه، فإن الشيطان.
يدخل فيه» رواه مسلم (رواه أبو داود والترمذى) فيه نظر لأنه ليس فى الترمذى «وأن يغعلى الرجل فاه، فروى الحديث
الترمذى مقتصرا على الفصل الأول، وكذا رواه أحمد، والحاكم، والطبرلة فى الأوسط، وروى ابن ماجه الفصل
الثانى فقط. ورواه ابن حبان بتهمه كأبى داود. والحديث حسن، ورجال إسناده كلهم ثقات إلا عسل بن سفيان،
وهو لم يتفرد به بلى تابعه سليمان الأحوال عند أبي داود. وتابعه أيضا عامر الأخول كما أخرجه الطبرانى فى معجمه الوسط.
قال الزيلغى: رجاله كلهم ثقات إلا أبا بكر البحراوى فإنه ضعفه أحمد، وابن حسين، وغيرهما، وكان يحيى بن سعيد
حسن الرأی فیه ، وروى عنه. وقال ابن عدى: وهو من یکتبسيط.
٧٧١ ستقوله (وعن شداد بن أوسْ) بن ثابت الأنصارئ التجارى، يكون أبا يعلى٤ المدفى ابن أخى حسان بن ثابته،
صحابي، مات بالشام سنة (٥٨) وهو ابن خمس وسبعين سدة. وقيل: وفى سنة (٩٤) قال عبادة بن الصاحي: عداد
ابن الأوس من الذين أوتوا العلم والحلم، لها خمسون حديثاً، الفرد لة البخارى بحديث، ومسلم بآخر (عالفوا اليهود)
٤٨٠