النص المفهرس

صفحات 421-440

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
إنى أنهاكم عن ذلك. رواه مسلم.
٧١٩ - (٢٦) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه ميل: اجعلوا فى بيوتكم من صلاتكم، ولا
تتخذوها قبورا.
1
باقتحام أداته بين السبب والمسبب مبالغة، وكرر النهى أيضا كما كرر التنبيه بقوله (إنى أنها كم عن ذلك) وفى الصحيحين
عن عائشة: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا ذلك النبى مَثّ فقال: إن أولئك
إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تيك الصور، وأولئك شرار الخلق عند الله يوم
القيامة. قال الحافظ: وإنما فعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون
كاجتهادهم ، ثم خلف من بعدهم خلوف جملوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور
ويعظمونها فاعبدوها، حذر النبي ◌َثّم عن مثل ذلك سدا للذريعة المؤدية إلى ذلك (رواه مسلم) .....
٧١٩ - قوله (اجعلوا فى بيوتكم من صلاتكم) قيل من زائدة ، والمراد من الصلاة النوافل، والتقدير: اجعلوا
صلاتكم أى نوافلكم فى بيوتكم، يدل على هذا ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعا: إذا قضى أحدكم الصلاة فى مسجده
فليجعل لبيته نصيبا من صلاته. وفى الصحيحين حديث: صلوا أيها الناس فى بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرا فى بيته إلا
المكتوبة. وإنما شرع ذلك لكونه أبعد من الرياء، وليتبرك به البيت، وتنزل الرحمة فيه والملائكة ، وتنفر الشياطين
منه، لكن استثنى منه ركعتا الطواف والإحرام، وتراويح رمضان، وصلاة الكسوف والاستسقاء وتحية المسجد،
وصلاة القدوم من السفر ، وما ورد من صلاته مَّم بعض النوافل فى المسجد - كركعتين بعد المغرب مثلا - فهو لبيان
الجواز، وقيل: من للتبعيض ، والمراد من الصلاة مطلق الصلاة ، والمعنى: اجعلوا بعض صلاتكم وهو النفل من الصلاة
المطلقة فى بيوتكم، والصلاة المطلقة تشمل النفل والفرض، قال القارى: ((من صلاتك، مفعول أول و ((فى بيوتكم) مفعول
ثان، قدم على الأول للاهتمام بشأن البيوت، أى اجعلوا بعض صلاتكم التى هى النوافل مؤداة فى بيوتكم، وإن من حقها أن يجعل
لها نصيبا من الطاعات لتصير منورة لأنها مأواكم ومنقلبكم، وليست كتبوركم التى لا تصلح لصلاتكم، ولذا قال
(لا تخذوها) أى بيوتكم (قبورا) بأن تتركوا الصلاة فيها كما تتركون فى المقابر، والمعنى : أعطوا البيوت حظها من
العسلاة، ولا تجعلوها كالمقابر حيث لا يصلى فيها ، فأحال على المقابر لكونها معهودة معروفة بهذه الصفة بحسب الحس
والمشاهدة والشرع، ويؤيده ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: لا تجعلوا بيوتكم مقابر. فالحديث فيه دليل على
كرامة الصلاة فى المقابر، وعليه حمله البخارى فى صحيحه حيث عقد عليه «باب كراهية الصلاة فى المقابر، وقد نقل ابن
المنذرعن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة، وكذا قال البغوى فى شرح السنة
٤٢١

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
متفق عليه.
8 ( الفصل الثانى ).
٧٢٠ - (٢٧) عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عليه: ما بين المشرق والمغرب قبلة.
والخطابى. وقيل: المراد من الحديث الندب إلى الصلاة فى البيوت، إذ الموتى لا يصلون كأنه قال: لا تكونوا كالموتى
الذين لا يصلون فى بيوتهم ، وهى القبور. وقيل: المراد لا تجعلوا بيوتكم وطنا النوم فقط لا تصلون فيها ، فإن النوم
أخو الموت ، والميت لا يصلى. ويحتمل أن يكون المراد أن من لم يصل فى بيته جعل نفسه كالميت وبيته كالقبر ، ويؤيده
ما رواه مسلم: مثل البيت الذى يذكر الله فيه والبيت الذى لا يذكر الله فيه كمثل الحى والميت. وهذا يرجع إلى المعنى
الثانى. وقيل: المراد النهى عن دفن الموتى فى البيوت، والمعنى: لا تدفنوا فى بيوتكم موتاكم لثلا يكدر عليكم معايشكم
ومأواكم، ولأن استمرار الدفن فى البيوت ربما صيرها مقابر فتصير الصلاة فيها مكروهة ، ولفظ حديث أبى هريرة عند
مسلم أصرح من حديث ابن عمر وهو قوله: لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن ظاهره يقتضى النهى عن الدفن فى البيوت مطلقا
(متفق عليه) وأخرجه أيضا الترمذي وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٧٢٠ - قوله (ما بين المشرق والمغرب قبلة) قد اضطربت أقوال العلماء فى شرح هذا الحديث ومعناه، فقال
العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر فى تعليقه على الترمذى: هذا الحديث كحديث أبى أيوب المتقدم : إذا أتيتم الغائط فلا
تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. إنهما كلاهما فيما كان من المواضع سمته وجهته كسمت المدينة
وجهتها ، لأنها فى شمال مكة، بينها وبين الشام ، فإذا استقبل القبلة استدبر الشام ، وإذا استدبر القبلة استقبل الشام ،
وإن المراد بقوله: ما بين المشرق والمغرب قبلة ، أن الفرض على المصلى إذا كان بعيدا عن الكعبة أن يتوجه جهتها،
لا أن یصیب عنها علی الیقین ، فإن هذا محال أو عسير - انتهى. وقال العراقى: ليس هذا عاما فى سائر البلاد، وإنما هو
بالنسبة إلى المدينة المشرفة وما وافق قبلتها ، قال: ولسائر البلدان من السعة فى القبلة مثل ذلك بين الجنوب والشمال ونحو
ذلك. وقال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن معنى الحديث فقال : هذا فی کل البلدان إلا یمکه عند البيت فإنه إن زال
عنه شيئا وإن قل فقد ترك القبلة، ثم قال: هذا المشرق - وأشار بيده - وهذا المغرب -وأشاربيده-وما بينهما قبلة. قلت:
فصلاة من صلى بينهما جائزة؟ قال: نعم. وينبغى أن يتحرى الوسط. قال ابن عبد البر: تفسير قول أحمد هذا فى كل البلدان
يريد أن البلدان كلها لأهلها فى قبلتهم مثل ما لمن كانت قبلتهم بالمدينة الجنوب التى يقع لهم فيها الكعبة ، فيستقبلون جهتها
ويتسعون يمينا وشمالا فيها ما بين المشرق والمغرب، يجعلون المغرب عن أيمانهم والمشرق عن يسارهم، وكذلك لأهل
اليمن من السعة فى قبلتهم مثل ما لأهل المدينة ما بين المشرق والمغرب إذا توجهوا أيضا قبل القبلة إلا أنهم يجعلون المشرق
٤٢٢

مرعاة المفاتيح ج٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
1
عن أيمانهم والمغرب عن يسارهم، وكذلك أهل العراق وخراسان لهم من السعة فى استقبال القبلة ما بين الجنوب والشمال
مثل ما كان لأهل المدينة من السعة فيما بين المشرق والمغرب، وكذلك ضد العراق على ضد ذلك أيضا، وإنما تضيق القبلة
كل الضيق على أهل المسجد الحزام، وهى لأهل مكة أوسع قليلا، ثم هى لأهل الحرم أوسع قليلا ثم لأهل الآفاق من
السعة على حسب ما ذكرنا - انتهى. قال الترمذى: قال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فه)
بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة. وقد ذكر العلامة أحمد بن على المقريزى هذا الحديث فى أثناء الفصل الذى عقده فى خططه١
عن الجاريب التى بديار مصر (ج٤: ص ٢١ - ٣٣ من طبعة مصر سنة ١٣٢٦هـ) ومما قال فى شرحه: إذا تأملت وجدت
هذا الحديث يختص بأهل الشام والمدينة وما على سمت تلك البلاد شمالا وجنوبا فقط ، والدليل على ذلك أنه يلزم من
جمله على العموم إبطال التوجه إلى الكعبة فى بعض الأقطار، وقد عرفت إن كنت تمهرت فى معرفة البلدان وحدود
الأقاليم أن الناس فى توجههم إلى الكعبة كالدائرة حول المركز، فمن كان فى الجهة الغربية من الكعبة فإن جهة قبلة صلاته
إلى المشرق، ومن كان فى الجهة الشرقية من الكعبة فإنه يستقبل فى صلاته جهة المغرب، ومن كان فى الجهة الشمالية من
الكعبة فإنه يتوجه فى صلاته إلى جهة الجنوب، ومن كان فى الجهة الجنوبية من الكعبة کانت صلاته إلى جهة الشمال ،
ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والجنوب فإن قبلته فيما بين الشمال والمغرب ، ومن كان من الكعبة فيما بين الجنوب
والمغرب فإن قبلته فيما بين الشمال والمشرق، ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والشمال فقبلته فيما بين الجنوب والمغرب ،
ومن كان من الكعبة فيما بين الشمال والمغرب فقبلته فيما بين الجنوب والمشرق، إلى آخر ما قال. وقد علمت مما تقدم أن
الحديث على هذا المعنى يدل على أن الواجب استقبال جهة الكعبة فى حق من بعد عن الكعبة وتعذرت عليه العين ، وقد
ذهب إليه أكثر السلف مالك، وأحمد، وأبو حنيفة وغيرهم ، وهو ظاهر ما نقله المزنى عن الشافعى ، ووجه الاستدلال
به على ذلك أن المراد أن بين الجهتين قبلة لغير المعاين ومن فى حكمه، لأن المعاين لا تنحصر قبلته بين الجهتين المشرق
والمغرب، بل كل الجهات فى حقه سواء متى قابل العين. فالحديث دليل على أن ما بين الجهتين قبلة، وأن الجهة كافية فى
الاستقبال، وذهب الشافعى فى أظهر القولين عنه: أن فرض من بعد إصابة العين، وأنه يلزمه ذلك بالظن، وقوله تعالى
﴿حيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره - ٢: ١٤٤) يدل على كفاية الجهة، إذ العين فى كل محل تتعذر على كل مصل، فالحق
أن الجهة كافية لمن تعذر عليه العين. وقال ابن المبارك فى معنى الحديث: ما بين المشرق (أى مشرق الشتاء) والمغرب
(أى معرب الصيف) قبلة، هذا لأهل المشرق، واختار التياسر لأهل مرو - انتهى. قال الشوكانى: أراد ابن المبارك
بالمشرق البلاد التى يطلق عليها اسم المشرق كالعراق مثلا، فإن قبلتهم أيضا بين المشرق والمغرب وقد ورد مقيدا بذلك
فی بعض طرق حديث أبى هريرة: ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل العراق. رواه البيهقى فىالخلافات، وروى ابن أبى
شية عن ابن عمر أنه قال: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فا بينهما قبلة لأهل المشرق - انتهى.
١ - أضى به كتابه والمواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار).
٤٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
رواه الترمذى.
قال المظهر: يعنى من جعل من أهل المشرق أول المغارب - وهو مغرب الصيف - عن يمينه وآخر المشارق - وهو مشرق
الشتاء - عن يساره كان مستقبلا للقبلة، والمراد بأهل المشرق أهل الكوفة وبغداد وخوزستان وفارس وعراق وخراسان
وما يتعلق بهذه البلاد - انتهى. فليس المراد بأهل المشرق فى قولى ابن المبارك وابن عمر جميع من هم فى المشرق إلى
أقصى المعمورة، بل أهل العراق وبخارى وبلغ وسمر قند ونحوهم، لأن بلادهم فى مشرق الصيف من المدينة، وقبلتهم بين
مغرب الصيف ومشرق الشتاء. وانظر الخريطة وهى هذه :
للغيب الصيف
للفي
. للغرب
تری
تلبية
فهم الحمامات من خير تياسرويما من
الحال الذى يظهر التياسر الأهل مرد
الشمال
الجنوب
مرات
جارى مـ
ـتان
المشرط لصيفى
بليغ م الخلان الان ان طوان المحاذاة الأهل بخار فى وبلغ دخلات.
المشرق
وقال بعضهم: أراد به بيان قبلة من التبس عليه قبلته فإلى أى جهة صلى بالتحرى والاجتهاد كفته. قال تعالى { ولله المشرق
والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله - ٢: ١١٥ ). وقال بعضهم: المراد منه المتطوع على الدابة فى السفر إلى أى جهة.
وفى القولين نظر، إذ لا وجه فيهما للتقيد بما بين المشرق والمغرب ، قاله القارى. وقال بعضهم: المراد منه صحة الصلاة
فى جميع الأرض، ذكره الزيلعى فى نصب الراية (ج١: ص٣٠٤). وقيل: المراد به بيان حكم المريض الذى لا يقدر أن يتوجه
إلى القبلة. وقيل: هو محمول على المجاهد المطلوب. والراجح عندى هو القول الأول، والله أعلم بالصواب (رواه الترمذى)
وابن ماجه كلاهما من طريق أبى معشر نجيح السندى وهو صدوق أسن واختلط فتكلم فيه من قبل حفظه. وقد تابعه عليه على بن
٤٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٢١ - (٢٨) وعن طلق بن على، قال: خرجنا وفدا إلى رسول اللّه عليه، فبايعناه، وصلينا معه،
وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، فاستوهبناه من فضل طهوره ، فدعا بماء ، فتوضأ
ظیان قاضی حلب کما رواه ابنعدی فی الکامل قال: ولا أعلم يرويه عن محمد بن عمرو غیر على بن ظیان، وأبى معشر، وهو
بأبى معشر أشهر منه بعلى بن ظبيان. قال: ولعل عليا سرقه من أبى معشر، وذكر قول ابن معين فيه: أنه ليس بشئى ،
وقول النسائى: أنه متروك الحديث. وقد تابعه عليه أيضا أبو جعفر الرازى، رواه البيهقى فى الخلافيات، وأبو جعفر
وثقه ابن معين، وابن المدينى ، وأبو حاتم ، والحاكم، وابن عبد البر وابن سعد. وقال أحمد والنسائى: ليس بقوى.
وقال الحافظ: صدوق سئى الحفظ. وقد أخرج الترمذى الحديث من طريق أخرى غير طريق أبى معشر، وقال:
حديث حسن صحيح. وقال أيضا : هو أقوى من حديث أبى معشر وأصح. وقد خالفه البيهقى فقال بعد إخراجه من
هذه الطريق : هذا إسناد ضعيف. قال الشوكانى: فنظرنا فى الإسناد فوجدنا عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس بن
شريق قد تفرد به عن المقبرى، وقد اختلف فيه فقال على بن المدينى: إنه روى أحاديث منا كير ، ووثقه ابن معين وابن
حبان فكان الصواب ما قاله الترمذى - انتهى. قلت: الحديث قد تأيد بروايته من حديث ابن عمر، فقد رواه
الحاكم (ج ١: ص ٢٠٥) من طريق شعيب بن أيوب، عن عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر
مرفوعا، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فإن شعيب بن أيوب ثقة وقد أسنده ، ورواه محمد بن
عبد الرحمن بن مجبر - وهو ثقة - عن نافع، عن ابن عمر مسندا، ثم أخرجه كذلك (ج ١: ص ٢٠٦) وقال: هذا
حديث صحيح، قد أوقفه جماعة عن عبد الله بن عمر، ووافقه الذهبي على ما قال، وزاد: وصححه أبو حاتم الرازى
موقوفا على عبد الله، ورواه البيهقى فى السنن الكبرى (ج ٢: ص ٩) عن الحاكم بالإسنادين ثم قال: تفرد بالأول ابن
مجبر وتفرد بالثانى يعقوب بن سفيان الخلال ، والمشهور رواية الجماعة: حماد بن سلمة، وزائدة بن قدامة ، ويحي بن
سعيد القطان وغيرهم ، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر عن عمر من قوله - انتهى. ورواه أيضا الدار قطنى
(ص ١٠١) بالإسنادين. قلت: الرفع زيادة ثقة فتقبل ، ولا تكون رواية من أوقفها علة للحديث بل تكون مؤيدة
له، وليس مهنا قرينة على كون الرفع وهما. والله أعلم.
٧٢١ - قوله (خرجنا وفدا) الوفد بفتح الواو وإسكان الفاء، جماعة قاصدة عظيما لشأن من الشئون فهو حال
أیقاصدین ، یقال: وفد إلى أو على الأمیر کضرب إذا قدم وورد رسولا فهو وافد والجمع وفد ووفود (فایعناه) أى
على التوحيد والرسالة والسمع والطاعة (بيعة) بكر الباء وهى معبد النصارى (فاستوهبناه) الغاء عطفت ما بعدها على المجموع
أى خرجنا وضعلنا فاستوهبناه أى سألناه أن يعطينا (من فضل طهوره) بفتح الطاء، والظاهر أن المراد ما استعمله فى
الوضوء وسقط من أعضائه الشريفة، ويحتمل أن المرادما يقى فى الإناء عند الفراغ من الوضوء. قال ابن حجر: من
٤٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
وتمضمض ، ثم صبه لنا فى إداوة، وأمرنا، فقال: اخرجوا فإذا أتيتم أرضكم، فاكسروا بيعتكم،
وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوها مسجدا. قلنا: إن البلد بعيد، والحر شديد، والماء ينشف.
فقال: مدوه من الماء، فإنه لا يزيده إلا طيبا. رواه النسائى.
٧٢٢ - (٢٩) وعن عائشة، قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد فى الدور،
تبعيضية وهى وما بعدها فى محل نصب بدل اشتمال من المفعول به (وتمضمض) منه بعد الوضوء أوفى أثناء، (ثم صبه) أى
الماء المتمضمض به زيادة على مطلوبهم فضلا، ويمكن أن يكون المصبوب هو الماء الباقى المطلوب (فى إدارة) بكسر الهمزة
ظرف صغير من جلد (وأمرنا) أى بالخروج (فقال) بيان للأمر، أو أمرنا بمعنى أراد أمرنا فقال: (اخرجوا) إِذنا
بالخروج (فإذا أتيتم أرضكم) أى دياركم (فاكسروا) بكسر السين (بيعتكم) أى غيروا محرابها وحولوه إلى الكعبة،
وقيل: خربوها (وانضحوا) بكسر الضاد وفتحها من ضرب وفتح أى رشوا (مكانها بهذا الماء) ايصل إليها بركة فضل
وضوءه، فالإشارة إلى فضل الوضوء (واتخذوها) أى البيعة يعنى مكانها (مسجدا) فيه دليل على جواز اتخاذ البيع مساجد،
وغيرها من الكنائس وبيوت الأصنام ونحوها ملحق بها بالقياس (والحر) بالنصب ويرفع (ينشف) بالتخفيف بصيغة
المجهول ، يقال نشف الثوب العرق - بالكسر - ونشف الحوض الماء ينشفه إذا شربه (مدوه من الماء) أى زيدوا فضل
ماء الوضوء من الماء غيره يعنى صبوا عليه ماء آخر (فإنه لا يزيده إلا طيبا) قال الطبي: الضمير فى ((فإنه)) إما الماء الوارد
أو المورود، أى الوارد لا يزيد المورود الطيب ببركته إلا طيبا أو المورود الطيب لا يزيد بالوارد إلا طيا - انتهى
وفى الحديث التبرك بفضله مرثية، ونقله إلى البلاد، ونظيره ماء زمزم، قيل: ويؤخذ من ذلك أن فضلة وارثيه من العلماء
والصلحاء کذلك (رواه النسائی) أی عن هناد بن السری ، عن ملازم هو ابن عمر ، وعن عبد الله بن بدر ، عن قيس
ابن طلق، عن أبيه طلق بن على. وقد أكثر الناس فى قيس بن طلق، والحق أنه صدوق ، وثقه العجلى، وابن معين فى
رواية عثمان بن سعد عنه. وقال ابن القطان: يقتضى أن يكون خبره حسنا لا صحيحا ، وأما بقية رجاله وهم من دون
قيس بن طلق فهم ثقات. والحديث أخرجه أيضا ابن حبان فى صحيحه مطولا عن خليفة: حدثنا مسدد بن مسرهد:
حدثنا ملازم بالسند المتقدم، قال: خرجنا ستة وهدا إلى رسول الله مثل - الحديث. نقله ميرك عن التخريج، كذا
فى المرقاة .
٧٢٢ - قوله (أمر) الظاهر أن الأمر للندب لا الوجوب فكان معناه أذن. وهذا لأن مبناه على دفع المشقة
عنهم كما سيأتى (رسول اللّه ◌َيّ ببناء المسجد فى الدور) جمع دار وهو اسم جامع البناء والعرصة والمحلة، والمراد
المحلات، فإنهم كانوا يسمون المحلة التى اجتمعت فيها قبيلة دارا. قال البغوى فى شرح السنة: يريد بالدور المحال التى
٤٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
وأن ينظف ويطيب. رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه.
٧٢٣ - (٣٠) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أمرت بتشييد المساجد،
فيها الدور. ومنه قوله تعالى ﴿سأريكم دار الفاسقين - ٧: ١٤٥} لأنهم كانوا يسمون المحلة التى اجتمعت فيها قبيلة
دارا. ومنه الحديث: ما بقيت دار إلا بنى فيها مسجد. قال سفيان: بناء المساجد فى الدور يعنى القبائل أى من العرب
يتصل بعضها بعض وهم بنو أب واحد بنى لكل قبيلة مسجد، هذا ظاهر معنى تفسير سفيان الدور. قال أهل اللغة:
الأصل فى إطلاق الدور على المواضع، وقد تطلق على القبائل مجازا. وحكمة أمره لأهل كل محلة ببناء مسجد فيها أنه قد
يتعذر أو يشق على أهل محلة الذهاب للأخرى فيحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجماعة فيه فأمروا بذلك ليتيسر لأهل
كل محلة العبادة فى مسجدهم من غير مشقة تلحقهم. وقال البغوى: قال عطاء: لما فتح اللّه على عمر الأمصار أمر المسلمين
ببناء المساجد وأمرهم أن لا ينوا مسجدين يضار أحدهما الآخر ، ومن المضارة فعل تفريق الجماعة إذا كان هناك مسجد
يسعهم، فإن ضاق سن توسعته أو اتخاذ مسجد يسعهم (وأن ينظف) أى يطهر كما فى رواية ابن ماجه أى من الأقذار
(ويطيب) أى برش العطر ويجوز أن يحمل التطبيب على التجمير بالبخور فى المسجد، وفيه أنه يستحب تجمير المسجد
بالبخور فقد كان عبد الله يجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر، واستحب بعض السلف التعليق بالزعفران والطيب، وروى
عنه عليه السلام فعله. قال الشعبى هو سنة، وأخرج ابن أبى شيبة أن ابن الزبير لما بنى الكعبة طلى حيطانها بالمسك ،
وفيه أنه يستحب كفس المسجد وتنظيفه، وقد روى ابن أبى شيبة أنه عليه السلام كان يتقبع غبار المسجد بجريدة (رواه
أبو داود) مسندا وسكت عنه (والترمذى) مسندا ومرسلا. وقال: المرسل أصح. وإنما صحيح الترمذى إرساله لأن فى سند
الموصول عامر بن صالح وقد ضعفه بعض العلماء و كذبه ابن معين ، لكنه رواه غير الترمذى موصولا من غير طريق
عامر بن صالح، فرواه أبو داود، وابن ماجه من طريق زائدة بن قدامة، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة
مسندا مرفوعا، وزائدة ثقة ثبت. ورواه ابن ماجه أيضا من طريق مالك بن سعير عن هشام بن عروة ، ومالك بن
سعير لا بأس به ، وأيضا عامر بن صالح قال فيه أحمد بن حنبل: ثقة لم يكن صاحب كذب. والحديث أخرجه أيضا
ابن حبان فى صحيحه .
=
٧٢٣ - قوله (ما أمرت) بضم الهمزة وكسر الميم، مبنى الفعول وما نافية (بتشييد المساجد) أى برفعها وإعلاء
بناءها. قال البغوى فى شرح السنة: التشييد رفع البناء وتطويله، ومنه قوله تعالى ﴿ولو كنتم فى بروج
مشيدة - ٤: ٧٨) وهى التى طول بناءها، يقال: شدت الشعى أشيده مثل بعته أبيعه إذا بنيته بالشيد وهو الجص ، وشيدته
تشييدا طولته ورفعته. وقيل: المراد بالبروج المشيدة المخصصة. قال ابن رسلان: والمشهور فى الحديث أن المراد
بتشيد المساجد هنا رفع البناء وتطويله كما قال البغوى - انتهى. والحديث قد استدل به بعضهم على منع تشييد المساجد
٤٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
قال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. رواه أبو داود.
٧٢٤ - (٣١) وعن أنس، قال: قال رسول اللّه مَّم: من أشراط الساعة أن يتباهى الناس
وفيه نظر ، لأن نفى كون التشييد مأمورا به لا يقتضى الكراهة والمنع بل يدل على عدم الوجوب، ونفى الوجوب قد
يتحقق بجواز الفعل أيضا فلا يستوجب الكراهة والمنع ، فتشييد المسجد وإحكام بناءه بما يستحكم به الصنعة من غير
تزيين وتزويق وزخرفة ليس بمكروه عندنا إذا لم يكن مباهاة ورياء وسمعة لما تقدم من حديث عثمان بن عفان : من بنى
لله مسجدا بنى الله له مثله فى الجنة. وأيضا يؤيده ما فعله عثمان فى خلافته فى بناء المسجد النبوى، فإنه صنع ما صنع فى
بنائه مستدلا بهذا الحديث، وكل ما صنع كان من باب الإحكام والتخصيص من غير تزويق وزخرفة، وأما الحجارة
المنقوشة فلم يكن نقشها بأمره بل حصلت له كذلك منقوشة ولم يكن عند الذين أنكروا عليه من الصحابة دليل يوجب
المنع إلا الحث على اتباع ما فعله مرّة وعمر فى بناء المسجد من ترك الرفاهية، وهذا لا يقتضى منع التشيد وكراهته
(قال ابن عباس) هو موقوف لكنه فى حكم المرفوع لأنه إخبار عن ما يأتى، وهو لا يكون إلا عن النبيِ مَ ◌ّه. وقال
الأمير اليمانى: هذا مدرج من كلام ابن عباس كأنه فهمه من الأخبار النبوية من أن هذه الأمة تحذو حذو بنى اسرائيل
(لتزخرفتها) بفتح اللام على أنها جواب القسم، وبضم المثناة وفتح الزاى، وسكون الخاء المعجمة، وضم الفاء، وتشديد
النون، وهى نون التأكيد. والزخرفة الزينة ، وأصل الزخرف الذهب، ثم استعمل فى كل ما يتزين به. قال الخطابى
معنى قوله: لتزخرفتها، لتزينها. وأصل الزخرف الذهب، يريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه ، ومنه قولهم زخرف
الرجل كلامه إذا موهه وزينه بالباطل (كما زخرفت اليهود والنصارى) أى بيعهم وكنائسهم ، يعنى أن اليهود والنصارى
زخرفوا مساجدهم عندما حرفوا أمر دينهم وتركوا العمل بما فى كتبهم فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا
بالدين، وتركتم الاخلاص فى العمل، وصار أمركم إلى المراآة بالمساجد والمباهاة فى تشيدها وتزينها. قال القارى:
هذا أى زخرفة المساجد بدعة لأنه لم يفعله عليه الصلاة والسلام. وفيه موافقة أهل الكتاب - انتهى. قال البخارى
فى صحيحه: أمر عمر ببناء المسجد وقال: أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. وهذا
الحديث فيه معجزة ظاهرة لا خباره عما سيقع بعده، فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها قد كثر فى هذا الزمان فى جميع
بلاد المسلمين إلا بلاد نجد ، فسلام على نجد ومن حل بالنجد (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى، وأخرجه
أيضا ابن حبان فى صحيحه، وذكر البخارى قول ابن عباس المذكور تعليقا، وإنما لم يذكر البخارى المرفوع للاختلاف على
يزيد بن الأصم فى وصله وإرساله، قاله الحافظ .
٧٢٤ - قوله (من أشراط الساعة) جمع شرط بالتحريك وهو العلامة، قدم الخبر على المبتدأ للاهتمام به وزيادة
الإنكار على فاعله لا للتخصيص ولا للحصر أى من علامات القيامة (أن يتباهى الناس) أى يتفاخرون، والتباهى إما
٤٢٨
**.

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
فى المساجد. رواه أبو داود، والنسائى، والدارمى، وابن ماجه.
٧٢٥ - (٣٢) وعنه، قال: قال رسول اللّه عَّم: عرضت على أجور أمتى حتى القذاة يخرجها الرجل
من المسجد. وعرضت على ذنوب أمتى فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل
ثم نسيها.
بالقول كما ستعرف أو بالفعل كان يبالغ كل واحد فى تزيين مسجده وتزويقه وغير ذلك ، وفيه دلالة مقهمة بكراهة ذلك
(فى المساجد) أى فى بناءها يعنى يتفاخر كل أحد بمسجده، يقول: مسجدى أرفع أو أزين أو أوسع أو أحسن علوا
وزينة، رياء وسمعة واجتلابا للمدحة أو يأتون بهذا الفعل الشنيع - وهو المباهاة بما ذكر - وهم جالسون فى المساجد.
والحديث على المعنيين بما يشهد بصدقه الوجود فهو من جملة المعجزات الباهرة له تربية (رواه أبو داود) وسكت عنه هو
والمنذرى (والنسائى والدارمى وابن ماجه) واللفظ للنسائى وابن ماجه، ورواه أبو داود والدارمى بلفظ: لا تقوم
الساعة حتى يتباهى الناس فى المساجد. وهكذا رواه ابن حبان فى صحيحه، وأخرجه أبو يعلى فى مسنده ، وابن خزيمة
فى صحيحه بلفظ: يأتى على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا. وعند أبي نعيم فى كتاب المساجد:
يتامون بكيزة المساجد.
٧٢٥ - قوله (عرضت على) لعل هذا العرض فى ليلة المعراج (أجور أمتى) أى ثواب أعمالهم (حتى القذاة) بزنة
حصاة وهی ما یقع فى العین من تراب أو تبن أو وسخ ثم استعمل فىكل شئ يقع فى البيت وغيره إذا كان يسيرا ،
والمراد هنا الشئ القليل ما يؤذى المسلمين سواء كان من تبن أو وسخ أو غير ذلك، ولا بد فى الكلام من تقدير مضاف
أى أجور أعمال أمتى، وأجر القذاة أى أجر إخراج القذاة، إما بالجروحتى بمعنى إلى والتقدير: إلى إخراج القذاة، وعلى
هذا قوله (يخرجها الرجل من المسجد) جملة مستأنفة للبيان، وإما بالرفع عطفا على أجور، فالقذاة مبتدأ ويخرجها خيره.
وهذا إخبار بأن ما يخرجه الرجل من المسجد وإن قل فهو مأجور فيه، لأن فيه تنظيف بيت الله، ويفيد الحديث
بمفهومه أن من الأوزار إدخال القذاة إلى المسجد، وفيه تنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا كتب هذا القليل وعرض
على نبيهم فيكتب الكبير ويعرض من باب الأولى (ظم أر ذنبا) أى يترتب على نسيان (أعظم من سورة) أى من ذنب
نسيان سورة كائنة (من القرآن) فإن قلت: هذا مناف لما مرفى باب الكبائر، قلت: إن سلم أن أعظم وأكبر مترادفان
فالوعيد على النسيان لأجل أن مدار هذه الشريعة على القرآن فنسيانه كالسعى فى الإخلال بها. فإن قلت: النسيان
لا يؤاخذ به، قلت: المراد تركها عمدا إلى أن يفضى إلى النسيان، وقيل: المعنى أعظم من الذنوب الصغار إن لم تكن عن
استخفاف وقلية تعظيم، كذا فى الأزهار شرح المصابيح (أو آية) أو التنويع (أوفيها رجل) أى تعلمها أو حفظها عن
ظهر قلب (ثم نسيها) قال الطبي: إنما قال: أوتيها دون حفظها، إشعارا بأنها كانت نعمة جسيمة أولاها الله ليشكرها فلما
٤٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة.
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
رواه الترمذى، وأبو داود.
٧٢٦ - (٣٣) وعن بريدة، قال: قال رسول اللّه مَّ: بشر المشائين فى الظلم إلى المساجد بالنور
التام يوم القيامة. رواه الترمذى، وأبو داود.
فسيها فقد كفر تلك النعمة ، فبالنظر إلى هذا المعنى كان أعظم جرما، فلما عد إخراج القذاة التى لا يؤبه لها من الأجور
تعظيما لبيت الله عد أيضا النسيان من أعظم الجرم تعظيما لكلام الله سبحانه، فكان فاعل ذلك عد الحقير عظيما بالنسبة إلى
العظيم فأزاله عنه، وصاحب هذا عد العظيم حقيرا فأزاله عن قلبه (رواه الترمذى) فى فضائل القرآن واستغربه
(وأبو داود) فى الصلاة وسكت عنه، وقال الترمذى: ذاكرت به محمد بن إسماعيل يعنى البخارى فلم يعرفه واستغربه.
قال محمد: ولا أعرف الطلب بن عبد الله يعنى الراوى له عن أنس سماعا من أحد من أصحاب النبي مزّة إلا قوله: حدثنى
من شهد خطبة النبي مَثّل، قال: وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن، يقول: لا يعرف المطلب سماع من أحد من
أصحاب النبي مَّ، قال عبد الله: وأنكر على بن المدينى أن يكون المطلب سمع من أنس - انتهى. وقال المنذرى بعد نقل
كلام الترمذى هذا: وفى إسناده عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد الأزدى وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه
غير واحد - انتهى. قلت: ووثقه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى كما فى تهذيب التهذيب. وقال الحافظ فى بلوغ المرام:
وصححه ابن خزيمة .
١٠
٧٢٦ - قوله (بشر) هذا من الخطاب العام ولم يرد به امرأً واحدا بعينه، قاله السيوطى. وقال السندى: لعله
خطاب لكل من يتولى تبليغ الدين ويصلح له (المشائين) بالهمز والمد من صيغ المبالغة والمراد منه كثرة مشيهم ويعتادون
ذلك، لا من اتفق منهم المشى مرة أو مرتين (فى الظلم) بضم الظاء وفتح اللام جمع ظلمة بسكونها أى ظلمة الليل.
والحديث يشمل العشاء والصبح بناء على أنها تقام بغلس (إلى المساجد) قيل: لو مشى فى الظلام بضوء لدفع آفات الظلام
فالجزاء بحاله، وإلا فلا ، قاله ابن الملك. وعلى هذا فالمراد من ((فى الظلم، أى فى وقت ظلمة الليل وإن كان معهم مصباح
(بالنور) متعلق بيشر (التام) الذى يحيط بهم من جميع جهاتهم أى على الصراط لما قاسوا مشقة المشى فى ظلبة الليل جوزوا
بنور يضئ لهم ويحوط بهم (يوم القيامة) قال الطبى: فى وصف النور بالتام وتقييده يوم القيامة تلميح إلى وجه المؤمنين
يوم القيامة فى قوله تعالى ( نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، يقولون: ربنا أتم لنا نورنا - ٦٦: ٨) وإلى وجه المنافقين
فى قوله تعالى ﴿انظرونا نقتبس من نوركم - ١٣:٥٧) - انتهى (رواه الترمذى) من طريق إسماعيل الكحال، عن
عبد الله بن أوس، عن بريدة، واستغربه (وأبو داود) من هذا الطريق وسكت عنه. وقال المنذرى: قال الدار قطنى:
تفرد به إسماعيل بن سليمان الضى الكحال عن عبد الله بن أوس. وقال المنذرى فى الترغيب: رجال إسناده ثقات.
٤٣٠
1
١

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٢٨،٧٢٧ - (٣٥،٣٤) ورواه ابن ماجه، عن سهل بن سعد، وأنس.
٧٢٩ - (٣٦) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول اللّه عَلَى: إذا رأيتم الرجل يتعاهد
المسجد، فاشهدوا له بالايمان؛ فإن الله يقول: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر)
وأخرجه ابن ماجه بلفظه من حديث أنس - انتهى. قلت: إسماعيل الكحال، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره
ابن حبان فى الثقات، وقال: يخطئى. وقال الحافظ: صدوق يخطئى. وعبد الله بن أوس الخزاعى ذكره ابن حبان
فى الثقات. وقال الحافظ: لين الحديث. فالظاهر أن الحديث حسن ، ويؤيده توثيق المنذرى لرجال إسناده. وتفرد
إسماعيل وعبد الله لا يضر لأن له شواهد كثيرة بمعناه، وبعضها بلفظه أو بنحوه، وبعض أسانيدها صحاح وبعضها حسان
من أحاديث بعض الصحابة ، و کلها مرفوع إلى النبي ێے ، وانظرها فى الترغيب (ج ١: ص ١٠٦) ومجمع الزوائد
(ج ٢: ص ٣١،٣٠)
٧٢٧ ٧١٢٨٠ - قوله (ورواه ابن ماجه عن سهل بن سعد) وأخرجه أيضا ابن خزيمة فى صحيحه، والحاكم، وقال:
صحيح على شرط الشيخين. وقال فى الزوائد: إسناده حسن، وصححه الحاكم وإبراهيم بن محمد الحلبى (شيخ ابن ماجه)
قال ابن حبان فى الثقات: يخطئى ، وقال الذهبي فى الكاشف: صدوق. وباقى رجاله ثقات. قال السندى: وهذا يؤيد
قول من قال : إسناده حسن (وأنس) قال فى الزوائد: إسناده ضعيف.
م
:
٧٢٩ - قوله (يتعاهد المسجد) أى يخدمه ويعمره. وقيل: المراد التردد إليه فى إقامة الصلاة وجماعته. وهذا هو التعهد
الحقيقى وهو عمارته صورة ومعنى. وفى رواية للترمذى ((يعتاد)) بدل (يتعاهد)) أى لازم المسجد ويرجع إليه كرة بعد أخرى.
قال الطبى: التعهد والتعاهد الحفظ بالشئى، وفى التعاهد المبالغة لأن الفعل إذا أخرج على زنة المبالغة دل على قوته، وورد فى
رواية للترمذى ((يعتاد)، بدل «يتعاهد، وهو أقوى سندا وأوفق معنى لشموله جميع ما يناط به المسجد من العمارة واعتياد
الصلاة وغيرها. ألا ترى إلى ما أشهد به النبي مَّة بقوله (فاشهدوا له) أى اقطعوا له القول (بالايمان) لأن الشهادة
قول صدر عن مواطأة القلب اللسان على سبيل القطع - انتهى. قال السندى: وهو الموافق للاستشهاد بالآية، لكن
يشكل عليه حديث سعد: قال فى رجل إنه مؤمن فقال معروضة: أو مسلم. رواه فى الصحيحين، فإنه يدل على المنع عن
الجزم بالايمان إلا أن يقال ذلك الرجل لم يكن ملتزما للمساجد، أو يراد بالايمان ههنا الإسلام ، وفيه أن الجزم
بالإسلام لا يحتاج إلى ملازمة المساجد، والأقرب أن المراد بالشهادة الاعتقاد وغلبة الظن - انتهى. وقال ابن حجر :.
بل التعهد أولى، أى من لفظ يعتاد لأنه مع شموله لذلك يشمل تعهدها بالحفظ، والعمارة ، والكنس ، والتطيب، وغير
ذلكے کما يدل عليه استشهاده علیه السلام بالآية الآتية (إنما یعمر مساجد الله) أی با إنشاءها أو ترميمها ، أو إحياتها
بالعبادة والدروس (من آمن بالله واليوم الآخر)-١٨:٩)قال فى الكشاف: عمارتها كنسها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح،
٤٣١

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
رواه الترمذى، وابن ماجه، والدارمى.
٧٣٠ - (٣٧) وعن عثمان بن مظعون، قال: يا رسول الله! ائذن لنا فى الاختصاء. فقال رسول
1
اللّه ◌َبِّ: ليس منا من خصى ولا اختصى، إن خصاء أمتى الصيام. فقال: اذن لنا فى السياحة.
وتعظيمها واعتيادها بالعبادة والذكر، وصبانتها عما لم تبن له المساجد من حديث الدنيا فضلا عن فضول الحديث - انتهى
(رواه الترمذى) فى الايمان، وفى التفسير، وحسنه (وابن ماجه والدارمى) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان فى
صحيحيهما، والحاكم كلهم من طريق دراج أبى السمح عن أبى الهيثم عن أبى سعيد. قال الحاكم: صحيح الإسناد. قال
الذهبى فى سنده دراج وهو كثير المناكير. وكذا قال أحمد، وقال ابن معين: ثقة. وقال يحيى بن سعيد: ليس به بأس.
وقال الحافظ: صدوق فى حديثه عن أبى الهيثم ضعف.
٧٣٠ - قوله (عن عثمان بن مظعون) بالظاء المعجمة ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح الجمحى القرشى،
يكنى أبا السائب، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، وهاجر هجرتين، وشهد بدرا، وكان من حرم الخمر فى الجاهلية،
وكان عابدا مجتهدا، من فضلاء الصحابة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين فى شعبان على رأس ثلاثين شهرا
من الهجرة بعد شهوده بدرا، وقيل: بعد اثنين وعشرين شهرا من مقدم رسول الله ميع المدينة. ولما غسل وكفن قبله
رسول الله مَّ بين عينيه، ولما دفن قال: نعم السلف هو أنا. وهو أول من دفن بقيع الغرقد من المهاجرين، ووضع
رسول اللّه مَّ حجرا عند رأسه، وقال: هذا قبر فرطنا (ائذن لنا فى الاختصاء) أى سل الخصيتين لتزول شهوة النساء
لأنه تشق علينا العزبة فى المغازى (ليس منا) أى من يقتدى بسنتنا وهندى بطريقتنا، لكن هذا التأويل لا يقال إلا فى مقام
التعليم، فلا يقال العامة لثلا تتساهل فى ذلك (من خصى) أى سل خصبية غيره (ولا اختصى) أى بنفسه بحذف ((من))
لدلالة ما قبله عليه، يعنى ولا من سل خصية نفسه واخرجها. قيل: واحتيج لتقدير ((من، لثلا يتوهم أن المنهى عنه الجمع.
بينهما. قال ابن حجر: وكل من هذين حرام. وفى معناه إطعام دواء الغيره أو أكله، إن كان يقطع الشهوة والفسل
دائما. وكذا نادرا إن أطعم غيره بغير إذنه (إن خصاء) بكسر الخاء (أمتى الصيام) أى فأكثروا الصوم، فإنه يكسر الشهوة
وضررها. كما أفاده قوله بري: يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن لم
وجاء . يعنى أن تكثير الصوم مسكن لشهوة الجماع وقاطع لها مع ما فيه من سلامة النفس من التعذيب وقطع النسل، ومن
حصول الثواب بالصوم المقتضى لرياضة النفس المؤدية إلى إطاعتها لأمر الله تعالى. وفيه دليل على كرامة الاستمناء
باليد (فى السياحة) بكسر السين المهملة بعدها تحتية، وهى مفارقة الأمصار والذهاب فى الأرض كفعل عباد بن إسرائيل،
٤٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
قال: إن سياحة أمتى الجهاد فى سبيل الله. فقال: ائذن لنا فى الترهب. فقال: إن ترهب أمتى
الجلوس فى المساجد انتظار الصلاة. رواه فى شرح السنة .
٧٣١ - (٣٨) وعن عبد الرحمن بن عائش، قال: قال رسول اللّه عزّى: رأيت ربى عز وجل فى
أحسن صورة.
قاله الطيبى (إن سياحة أمتى الجهاد فى سبيل الله) وهو أفضل ، فإنه عبادة شاقة على النفس ونفعه متعد إلى الغير، وهو
يشمل الجهاد الأكبر والأصغر (فى الترهب) أى فى التعبد، وإرادة العزلة، والفرار من الناس إلى رؤس الجبال
كالرهبان. وأصل الترهب من الرهب بمعنى الخوف، كانوا يترهبون بالتخلى من أشغال الدنيا وملاذها.
(انتظار الصلاة) بالإضافة، ونصبه بأنه مفعول له للجلوس أى لانتظار الصلاة ، فإن الجلوس فى المسجد يتضمن فوائد
الترهب مع زيادة الفضائل (رواه) أى البغوى (فى شرح السنة) بسنده المتصل من حديث سعد بن مسعود الصحابى: أن
عثمان بن مظعون أتى النبي مَّ فقال: يا رسول الله! ائذن لنا فى الاختصاء. وساقه بسند فيه مقال، قاله ميرك. وقال
الحافظ فى الإصابة (ج ٢: ص ٢٧) فى ترجمة سعد بن مسعود الكندى: قال ابن المبارك فى الزهد: أنبأنا رشدين بن
سعد، عن ابن أنعم عن سعد بن مسعود أن عثمان بن مظعون أتى النبي مَّم فقال: اذن لنا فى الاختصاء - فذكر الحديث
انتهى. وروى الطبرانى فى الكبير عن ابن عباس: ليس منا من خصى أواختصى، ولكن صم ووفر شعر جسدك.
قال المناوى: قاله لعثمان بن مظعون لما قال له: إنى رجل شبق فأذن لى فى الاختصاء. وأخرج الطبرانى أيضا من حديث
عثمان نفسه أنه قال: يا رسول الله! إنى رجل يشق على العزوبة فأذن لى فى الخصاء، قال: لا ولكن بالصيام - الحديث.
ومن طريق سعيد بن العاص أن عثمان قال: يا رسول الله! ائذن لى فى الاختصاء، فقال: إن الله قد أبدلنا بالرهبانية
الحنيفية السمحة .
٧٣١ - قوله (عبد الرحمن بن عائش) بكسر الهمزة والشين المعجمة ، كذا فى المفاتيح. وقال فى التقريب بمثناة
تحتية ثم معجمة يعنى أن أصله ياء، قال ابن حبان: له صحبة. وقال ابن السكن: يقال: له صحبة. وذكره فى الصحابة
محمد بن سعد، والبخارى، وأبو زرعة الدمشقى، وأبو الحسن بن سميع، وأبو القاسم، والبغوى، وأبو زرعة الحرانى،
وغيرهم. وقال أبو حاتم الرازى: أخطأ من قال: له صحبة. وقال ابن خزيمة، والترمذى: لم يسمع من النبى معَّه.
وقال البخارى: له حديث واحد إلا أنهم مضطربون فيه، كذا فى الإصابة (ج ٢، ص ٤٥) وقال فى تهذيب
التهذيب (ج ٦: ص ٢٠٤): عبد الرحمن بن عائش الحضرمى - ويقال السكسكى - مختلف فی صحته، وفى إسناد حديثه
(رأيت ربى عزوجل فى أحسن صورة) الصواب أن هذا الحديث مستند إلى رؤيا رآها رسول اللّه مؤتم ، يدل على ذلك
٤٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة.
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: أنت أعلم. قال: فوضع كفه بين كتفى، فوجدت بردها بين
تُدبى، فعلمت ما فى السموات والأرض،
حديث ابن عباس عند الترمذى ففيه: أتانى الليلة ربى تبارك وتعالى فى أحسن صورة، قال أحسبه قال: فى المنام، ويدل على
ذلك أيضا حديث معاذ بن جبل الآتى فى الفصل الثالث فإن فیه: فنعست فی صلانیحتی استثقلت، فإذا أنا بربی فی أحسن
صورة. قال الحافظ ابن كثير بعد نقله عن مسند أحمد: وهو حديث المنام المشهور ، ومن جعله يقظة فقد غلط - انتهى.
والروايات التى أطلق فيها الرؤية محمولة على المقيدة. وإليه أشار الدارمى حيث بوب على حديث عبد الرحمن بن عائش
هذا «باب رؤية الرب تعالى فى النوم، وعلى هذا فلا إشكال فى الحديث، إذ الرائى قديرى غير المتشكل متشكلا والمتشكل بغير
شكله، ثم لم يعد ذلك بخلل فى الرؤيا ولا فى خلد الرائى ، بل له أسباب أخرى تذكر فى على المنام أى التعبير، ولو لا تلك
الأسباب لما افتقرت رؤيا الأنبياء عليهم السلام إلى تعبير، وعلى تقدير كون ذلك فى اليقظة فذهب السلف فى مثل هذا من
أحاديث الصفات إذا صح أن يمركما جاء من غير تكيف ولا تشبيه ولا تعطيل، وأن يؤمن به من غير تأويل له، وأن يسكت
عنه وعن أمثاله مع الاعتقاد بأن الله تعالى ليس كمثله شئ وهو السميع البصير. وقال من ذهب إلى التأويل: إن قوله
فى أحسن صورة، حال من الفاعل ، أى رأيت ربى حال كونى فى أحسن صورة وصفة من غاية إنعامه ولطفه على، وإن
كان حالا من المفعول فالمراد بالصورة صفته أو شأنه أو مثل ذلك ، كما يقال: صورة المسئلة كذا، وصورة الحال
كذا ، فإن إطلاق الصورة على الصفة شائع، والمعنى: رأيت ربى حال كون الرب فى أحسن صفة أو شأن، قلت:
مذهب السلف هو المنهج القويم والمسلك الصحیح فمو المتعين ولا حاجة إلى التأويل (قال) أی ربی (غيم) أی فی أی شئ
(يختصم) أى يبحث (الملأ الأعلى) أى الملائكة المقربون، والملاً هم الأشراف الذين يملؤون المجالس والصدور عظمة
وإجلالا، وصفوا بالأعلى إما لعلو مكانهم وإما العلو مكانتهم عند الله تعالى. قال الطبى: المراد بالاختصام التقاول الذى
كان بينهم فى الكفارات والدرجات، شبه تقاولهم فى ذلك وما يجرى بينهم من السؤال والجواب، بما يجرى بين
المتخاصمين (أنت أعلم) أى بما ذكر وغيره، وزاد فى المصابيح كما فى الدارمى: أى رب (قال) أى النبي مَّه (فوضع)
أی ربی ( كفه بين كتفى) بتشديد الياء. قيل: هو مجاز من تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه وإيصال الفيض إليه، لأن
من ديدن الملوك إذا أرادوا أن يدنوا إلى أنفسهم بعض خدمهم يضعون أيديهم على ظهره تلطفا به وتعظيما لشأنه فجعل ذلك
حيث لاكف ولا وضع حقيقة كناية عن التخصيص بمزيد الفضل والتأيد - انتهى. قلت: قد تقدم فى مثل هذا مذهب
السلف أنه يؤمن بظاهره من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا يفسر بما يفسر به صفات الخلق بل تنفى عنه الكيفية.
ويوكل على الكيفية إلى الله تعالى وهذا هو المعتمد المعول عليه (فوجدت بردها بين ثديى) بالثنية والإضافة إلى ياء المتكلم أى
قلبي وصدرى. قال القارى: هو كناية عن وصول ذلك الفيض إلى قلبه، ونزول الرحمة، وانصباب العلوم عليه، وتأثره
عنه، ورسوخه فيه، وإتقانه له - انتهى. وفيه ما تقدم آنفا (فعلت ما فى السموات والأرض) الأرض بمعنى الجنس أى وما
٤٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
فى الأرضين السبع. قال القارى: يعنى ما أعلمه الله تعالى مما فيهما من الملائكة والأشجار وغيرهما ، وهو عبارة عن
ضعة عليه الذى فتح الله به عليه، قال: ويمكن أن يراد بالسموات الجهة العليا، وبالأرض الجهة السفلى، فيشمل الجميع
لكن لا بد من التقييد الذى ذكرنا، إذ لا يصح إطلاق الجميع كما هو الظاهر - انتهى أعلم أنه قد استدل بعض القبوريين
فى هذا الزمان بقوله: فعلت ما فى السموات والأرض، على ما ابتدعوا واعتقدوا من أن الله تعالى قد خص نبينا
محمداً مٍَّ من بين الأنبياء بعلم جميع ما كان من بدء الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل
النار النار، فكان علمه مزيتم عند هؤلاء محيطا بجميع الأشياء حقائقها وعوارضها وصفاتها إحاطة تامة كلية بتعليم الله تعالى
وإلهامه، كما أنه تعالى أحاط بكل شئ علماء، ولا فرق بين عله تعالى وعلم رسوله عندهم إلا أن على الله ذاتى وحقيق،
وعلم رسوله ليس بذاتى بل وهى، حصل له بتعليم الله وانكشف له الأشياء بإلهامه، وهذا كماتراه مخالف للعقل والنقل
من النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله، وتصريحات السلف الصالح من الصحابة، والتابعين والمحدثين،
وفتهاء المذاهب الأربعة، وغيرهم. قالوا فى وجه الاستدلال: أن لفظة (ما)) فى الحديث للعموم والاستغراق فتعم جميع
الممكنات من الموجودات، والمعدومات وذوات العقول، وغيرها بل تشتمل الواجبات والممتنعات أيضا. قلت :
استدلالهم هذا مخدوش من وجوه بل باطل ، الأول: أن لفظة «ما» فى أصل الوضع لغير ذوي العقول عند المحققين
فخرج من مفهومها ذوات العقول کما يدل عليه قصة ابن الزبعری فی قوله تعالى ﴿إِنكم وما تعبدون من دون الله حصب
جهم - ٢١: ٩٨) وعلى هذا فلا تكون الرواية دليلا على كون عليه ثم محيطا بجميع الأشياء إحاطة كلية. والثانى: أن
من ذهب إلى كونها شاملة لذوى العقول وهم الأكثر من علماء الأصول قد صرحوا بأنها إنما تشمل صفات من يعقل
فقط لا ذواتهم، أعنى أن ذوات من يعقل خارجة من مفهومها عندهم أيضا بحسب أصل الوضع، فلا تشملها إلا بقرينة
ولا قرينة مهنا تدل على ذلك، بل الأمر بالعكس كما سيأتى، فبطل بذلك دعوى العلم الكلى له رؤيته. والثالث: أن قوله:
فى السموات والأرض ، فى الحديث يدل على أن المراد بلفظة (ما)، إنما هى الممكنات فقط لا الواجبات والممتنعات،
وذلك لأن تقدير الكلام: فعلمت ما هو كائن، أو ثابت، أو متحقق، أو موجود، أو حاصل، أو مستقر، أو حادث
فى السموات والأرض. وهذا إنما هو شأن الممكن بالإمكان الخاص لا الواجب والممتنع، وهذا يبطل دعوى
القبوريين بكون علمه عليه السلام كليا محيطا بجميع الأشياء. والرابع: أن سياق الحديث يدل على أن لفظة ما ههنا ليست
العموم والاستغراق، فإنه موجه قد بين ذلك باستشهاده بقوله تعالى ﴿وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات
والأرض - ٦: ٧٥ ) ما علمه الله عز وجل فى المنام، وهو عجائب السموات والأرض فقط لا جميع ما كان وما هو
كائن إلى يوم القيامة، وإلا يلزم أن يقال: إن إبراهيم عليه السلام أيضا كان عالما بجميع الأشياء بعلم كلى محيط إحاطة
قامة، ويطل بذلك دعوى الخصوصية، وهو خلاف ما ذهب إليه القبوريون من أن ذلك من خصائصه مَّ اللّه، فلا مناص
من أن يقال أن لفظة ((ما)) فى الحديث ليست للعموم والاستغراق. والخامس: أنه قد ثبت بنصوص الكتاب والسنة
٤٣٥

مرعاة المفاتيح ج٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
وتلا: ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من المؤقنين) رواه الدارمى
الصحيحة الصريحة عدم علمه ومؤقل بعض الأشياء كما يدل عليه قوله تعالى (مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم -
٩: ١٠١) وقوله ﴿وما علمناه الشعر، وما ينبغى له - ٦٩:٣٦} وقوله: ﴿قل إنما علمها عند ربى-٧: ١٨٧) وقوله
عليه السلام: أنتم أعلم بأمور دنياكم .. وقوله: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وقوله فى حديث الشفاعة: أحمده بمحامد
لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله تعالى. وفى رواية: فأحمده بتحميد يعلمنيه ربى. وغير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة
الصريحة ، فعدم عليه رؤيته بعض الأشياء أو ببعض أوصافها قرينة صريحة على أن لفظة (ما) فى الحديث ليست للعموم
والاستغراق، وهو يبطل دعوى القبوريين. وأما قولهم: بأن المراد بنفى علم الغيب عنه عَّم فى بعض الآيات والأحاديث
ففى العلم الذاتى لا الوهبى فهو تحكم محض وادعاء بحت ليست عليه أثارة من علم لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من
إجماع، ولا من قياس، بل يبطله قوله تعالى ( ولا يحيطون بشئى من علمه - ٢: ٢٥٥) وقوله (وما يعلم جنود ربك
إلا هو - ٧٤: ٣١) فتفكر وتأمل ولا تعجل (وتلا) أى التى مَّ استشهادا على ما تقدم (وكذلك نرى إبراهيم)
مضارع فى اللفظ ومعناه الماضى والعدول لإرادة حكاية الحال الماضية استعجابا، أى أرينا إبراهيم ، يعنى كما أن الله
أرى إبراهيم عليه السلام ملكوت السموات والأرض وكشف له ذلك، فتح على أبواب الغيوب التى تليق لشأن الرسالة
والكاف للتشبيه، وهى فى محل نصب نعتا لمصدر محذوف فقدره الزمخشرى: ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم
ونبصره ملكوت. وقدره بعضهم: وكما أريناك يا محمد الهداية أو أحكام الدين، وعجائب ما فى السموات وما فى الأرض
أرينا إبراهيم. وقال الخازن ، معناه: وكما أرينا إبراهيم البصيرة فى دينه، والحق فى خلاف قومه وما كانوا عليه من
الضلال فى عبادة الأصنام ، نريه ملكوت السموات والأرض، فلهذا السبب عبر عن هذه الرؤية بلفظ المستقبل فى قوله
﴿ وكذلك نرى) لأنه تعالى كان أراه بعين البصيرة أن أباه وقومه على غير الحق فخالفهم فجزاه الله بأن أراه بعد ذلك
ملكوت السموات والأرض فحسنت هذه العبارة لهذا المعنى (ملكوت السموات والأرض) أى ملكهما وهو فعلوت
من الملك، وزيدت التاء والواو المبالغة فى الصفة، ومثله الرغبوت والرحموت والرهبوت مبالغة فى الرغبة والرحمة والرهبة
قيل: أراد بملكوتهما ما فيها من الخلق، وقيل: عجائبهما وبدائعهما، وقيل: الربوية والألوهية. أى نريه ذلك ونوفقه
لمعرفته بطريق الاستدلال التى سلكها. وقال ابن كثير: أى نبين له وجه الدلالة فى نظره إلى خلقها إلى وحدانية الله
عز وجل فى ملكه وخلقه وإنه لا إله غيره كقوله ﴿أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض - ٧: ١٨٥)
(وليكون من المؤقنين) عطف على مقدر، أى ليستدل به على وحدانيتنا، ويصح أن يكون علة لمحذوف أى وليكون من
المؤقين فعلنا ذلك ، والجملة معطوفة على الجملة قبلها ، واليقين عبارة عن علم يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة لأن
الإنسان فى أول الحال لا ينفك عن شبهة وشك، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت صارت سببا لحصول اليقين والطمأنينة
فى القلب (رواه الدارمى) فى كتاب الرؤيا من طريق الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن خالد بن
اللجلاج، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمى أنه سمع رسول الله تَّم يقول: رأيت ربى - الحديث. وأخرجه أيضا
٤٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
مرسلا.
٧٣٣،٧٣٢ - (٣٩، ٤٠) وللترمذی نحوه عنه،
من هذا الطريق ابن خزيمة، والبغوى وابن السكن ، وأبو نعيم. ووقع فى أسانيدهم التصريح بسماع عبد الرحمن من
التي تَّ (مرسلا) إنما أطلق عليه المرسل مع التصريح فيه بسماع عبد الرحمن بن عائش من الني مَثل لأن ابن عائش
هذا مختلف فى صحبته كما تقدم، والراجح عند المصنف أنه لم يسمع من النبي مَّة، وإن «سمعت، فى هذا الحديث وم.
قال ميرك: قوله: رواه مرسلا، بل معضلا فإن عبد الرحمن هذا مختلف فى صحبته، والصحيح أنه لم يدرك التى مد بل
رواه عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل ، كما فى مسند أحمد وهو إسناد جيد - انتهى.
٧٣٣،٧٣٢ - قوله (والترمذى) أى فى تفسير سورة ص (نحوه) أى نحو هذا اللفظ أى معناه (عنه) أى عن
عبد الرحمن لكن لم يذكر الترمذى لفظ حديثه، بل قال بعد إخراج حديث معاذ بن جبل الآتى فى الفصل الثالث: قال
البخارى: هذا أصح من حديث الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثنا خالد بن اللجلاج: حدثنى
عبد الرحمن بن عائش الحضرمى قال: قال رسول اللّه مَّى، فذكر الحديث، وهذا غير محفوظ، هكذا ذكر الوليد فى
حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال: سمعت رسول اللّه تَفَّم. ورواه بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر
هذا الحديث بهذا الإسناد عن عبد الرحمن بن عائش، عن النبي ◌ُ، وهذا أصح، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع
من النبي ◌َّ - انتهى كلام الترمذى. وقال ابن خزيمة («سمعت)) فى هذا الحديث وهم فإن هذا الخبر لم يسمعه
عبد الرحمن، ثم استدل على ذلك بما أخرجه هو والترمذى من رواية أبى سلام ، عن عبد الرحمن بن عائش، عن مالك
ابن يخامر ، عن معاذ بن جبل فذكر نحوه. قال الترمذى: صحيح. وقال أبو عمرو: هو الصحيح عندهم، وقال ، وقد
سبقه ابن خزيمة: لم يقل فى حديثه: سمعت النبي ◌ُ إلا الوليد بن مسلم. قال الحافظ فى الإصابة (ج ٢:
ص ٤٠٥) فى ترجمة عبد الرحمن بن عائش: لم ينفرد الوليد بن مسلم بالتصريح المذكور بل تابعه حماد بن مالك الأشجعى
والوليد بن يزيد البيروقى، وعمارة بن بشر، وغيرهم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. فأما الوليد بن يزيد فأخرجه
الحاكم، وابن مندة والبيهقى من طريق العباس بن الوليد، عن أبيه: حدثنا ابن جابر، قال: وهذه متابعة قوية للوليد بن
مسلم ، وأما حماد بن مالك فأخرجه البغوى. وابن خزيمة من طريقه، قال: حدثنا ابن جابر، وأما رواية عمارة بن بشر
فأخرجها الدار قطنى فى كتاب الرواية من طريقه: حدثنا عبد الرحمن بن جابر ، فذكر نحو رواية حماد بن مالك ، وزاد:
وذكر ابن جابر عن أبى سلام أنه سمع عبد الرحمن بن عائش يقول فى هذا الحديث: أنه سمع رسول الله مَالتي، فذكر
بعضه. وأما رواية بشر الذى أشار إليها الترمذى فأخرجها الهيثم بن كليب فى مسنده، وابن خزيمة والدار قطنى من
طريقه، عن ابن جابر عن خالد سمعت عبدالرحمن بن عائش يقول: قال رسول الله مثل. ثم ذكر الحافظ الاختلاف على
خالد بن اللجلاج فقال: وروى هذا الحديث يزيد بن يزيد بن جابر أخر عبد الرحمن ، عن خالد فخالف أخاه ، أخرجه
أحمد من طريق زهير بن محمد عنه عن خالد، عن عبد الرحمن بن عائش، عن رجل من الصحابة فزاد فيه رجلا، ولكن رواية
٤٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
وعن ابن عباس، ومعاذ بن جبل، وزاد فيه: قال يا محمد! هل تدرى فيم يختصم الملا الأعلى؟
قلت : نعم، فى الكفارات. والكفارات: المكث فى المساجد
زهير بن محمد عن الشاميين ضعيفة كما قال البخارى وغيره، وهذا منها. وقال هشام الدستوائى عن أبى قلابة، عن خالد .
ابن اللجلاج، عن ابن عباس أخرجه الترمذى وأبو يعلى، عن قتادة ، عن أبي قلابة. وقد ذكر أحمد بن حنبل أن قنادة
أخطأ فيه ، والقول ما قال ابن جابر. ورواه أيوب عن أبى قلابة مرسلا لم يذكر خالدا أخرجه الترمذى وأحمد، وكذا
أرسله بكر بن عبد الله المزنى عن أبى قلابة أخرجه الدار قطنى، ورواه سعيد بن بشير، عن قتادة ، عن أبي قلابة فخالف
الجميع، قال: عن أبى أسماء، عن ثوبان، وهى رواية أخطأ فيه سعيد بن بشير وأشد منها خطأ رواية أخرجها أبو بكر
النيسابورى فى الزيادات من طريق يوسف بن عطية، عن قنادة، عن أنس، وأخرجها الدار قطنى، ويوسف متروك. قال :
ويستفاد من مجموع ما ذكرت قوة رواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بإتقانها، ولأنه لم يختلف عليه فيها. وأما رواية
أبى سلام فاختلف عليه. وروى حماد بن مالك كما تقدم كرواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وخالفه زيد بن سلام.
فرواه عن جده أبى سلام، عن عبد الرحمن بن عائش ، عن مالك بن يخامر، عن معاذ، وقد ذكره مطولا ، وفيه قصة ،
ھکذا رواه جهضم بن عبد الله الیامی ، عن یحی بن أبی کثیر ، عن زيد. أخرجه أحمد (ج ٥: ص ٢٤٣) وابن خزيمة
والرئبانی والترمنی والدار قطنی وابن عدى وغيرهم. وخالفهم موسی بن خلف فقال: عن یحیی، عن زيد عن جده عن
أبى عبد الرحمن السكسكى، عن مالك بن يخامر، عن معاذ، أخرجه الدار قطنى وابن عدى. ونقل عن أحمد أنه قال:
هذه الطريق أصحها. قال الحافظ: فإن كان الأمر كذلك فإنما روى هذا الحديث عن مالك بن يخامر أبو عبد الرحمن
السكسكى لا عبد الرحمن بن عائش. ويكون للحديث سندان: ابن جابر عن خالد عن عبد الرحمن بن عائش. ويحي، عن
زيد ، عن أبى سلام، عن أبى عبد الرحمن عن مالك عن معاذ. ويقوى ذلك اختلاف السياق بين الروايتين - اتهى
كلام الحافظ فى الإصابة مختصراً وملخصا (وعن ابن عباس) عطف على عنه. والحديث أخرجه الترمذى عن ابن
عباس من طريق أبي قلابة ، عن ابن عباس ، وعنه، عن خالد بن اللجلاج ، عن ابن عباس. وقال: حديث حسن.
وأخرجه أيضا عبد الرزاق، وأبو يعلى ، وعبد بن حميد، ومحمد بن نصر (ومعاذ بن جبل) أراد حديثه الذى ذكره فى
الفصل الثالث، وقد تقدم تخريجه فى كلام الحافظ (وزاد) أى الترمذى (فيه) أى فى نحوه من الحديث (قال) أى اللّه تعالى
سائلا مرة أخرى كما يدل عليه أول الحديث الذى اختصره المصنف، وهو مذكور عند الترمذى وغيره ، وسياق الحديث
الذى ذكره المصنف إنما هو من رواية أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس (قلت نعم، فى الكفارات) أى يختصمون فى
الكفارات یعنی فی أعمال تكفر الذنوب، وفى رواية قتادة عن أبى قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس فى
الدرجات والكفارات (والكفارات) مبتدأ وخبره «المكث فى المساجد، إلخ. وسميت هذه الخصال کفارات لآنها
تكفر الذنوب عن فاعلها، فهى من باب تسمية الشئى باسم لازمه (فى المساجد) وفى بعض نسخ الترمذى ((المسجد، بلفظ
٤٣٨
-

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
بعد الصلوات، والمشى على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء فى المكاره، فمن فعل ذلك عاش
بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد! إذا صليت فقل: اللهم إنى
أسئلك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضتى إليك
غير مفتون. قال: والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام. ولفظ
هذا الحديث كما فى ((المصابيح، لم أجده عن عبد الرحمن إلا فى شرح السنة.
الافراد (بعد الصلوات) أى بعد كل صلاة انتظار الصلاة أخرى، وفى الترمذى ((بعد الصلاة)) بلفظ الافراد (والمثنى على
الأقدام إلى الجماعات) فإن الآتى إلى المسجد زائر اللّه، والزيارة على الأقدام أقرب إلى الخضوع والتواضع والتذلل
(وإبلاغ الوضوء) بفتح الواو وقضم، أى إيصال ماء الوضوء بطريق المبالغة مواضع الفروض والسنن. وفى الترمذى
«إسباغ الوضوء» بدل إبلاغ. والابلاغ بمعنى الاسباغ (فى المكاره) جمع مكره بفتح ميم ما يكرهه شخص ويشق عليه
أى التوضى مع برد شديد وعلل، يتأذى معها بمس الماء. قال ابن الملك: إنما خص هذه الأشياء بالذكر حثا على فعلها لأنها
دائمة فكانت مظنة أن تملـانتهى (فمن فعل) وفى الترمذى ((ومن)) بالواو (ذلك) أى المذكور (عاش بخير ومات بخير) كما
دل عليه قوله تعالى {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا
يعملون - ١٦: ٩٧﴾ (وكان من خطيته كيوم ولدته أمه) أى فيه بفتح «يوم)) قال الطبى: مبنى على الفتح لا ضافته إلى
الماضى ، وإذا أضيف إلى المضارع اختلف فى بناءه، أى كان مبرأ كما كان مبرأ يوم ولدته أمه (إذا صليت) أى فرغت
من الصلاة (فعل الخيرات) بكسر الفاء، وقيل: بفتحها ، وقيل: الأول اسم، والثانى مصدر ، والخيرات ما عرف من
الشرع من الأقوال الحميدة والأفعال السعيدة (وترك المنكرات) هى التى لم تعرف من الشرع من الأقوال القبيحة
والأفعال السيئة (وحب المساكين) الظاهر أنه كما قبله من إضافة المصدر إلى المفعول، وهو تخصيص بعد تعميم لدخوله فى
الخيرات اهتماما بهذا الفرد منه (فتنة) أى ضلالة أو عقوبة دنيوية (فاقبضنى) بكسر الباء، أى توفى (غير مفتون) أى غير
ضال أو غير معاقب (قال) أى النبي ◌َّم (والدرجات) مبتدأ، أى ما ترفع به الدرجات (إنشاء السلام) أى بذله على
من عرفه ومن لم يعرفه (والناس نيام) بكسر النون جمع نائم ، والجملة حالية، وإنما عدت هذه الأشياء من الدرجات
لأنها فضل منه على ما وجب عليه فلا جرم استحق بها فضلا وهو على الدرجات، هذا. وارجع لشرح الحديث مفصلاء
وبسط الكلام عليه مطولا إلى كتاب ((اختيار الأولى فى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى)) لابن رجب.
٤٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٣٤ - (٤١) وعن أبى أمامة، قال: قال رسول الله ◌َيَّة: ثلاثة كلهم ضامن على الله: رجل خرج
غازياً فى سبيل الله، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه، فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر أو
غنيمة؛ ورجل راح إلى المسجد، فهو ضامن على الله؛ ورجل دخل بيته بسلام، فهو ضامن على الله.
٧٣٤ - قوله (ثلاثة) أى أشخاص ( كلهم) أى كل واحد منهم، والافراد باعتبار لفظ الكل. قال الخطابي:
أنشدنى أبو عمر ، عن أبى العباس فى كل معنى كل واحد :
إذا جاء ألقى خده يتسمعا
فکلهم لا بارك الله فيهم
(ضامن على الله) عدى الضمان بعلى بتضمين معنى الوجوب والمحافظة، والضامن بمعنى المضمون كدافق بمعنى مدفوق فى
قوله تعالى {من ماء دافق -٦:٨٦) وعاصم بمعنى معصوم فى قوله {لا عاصم اليوم من أمر الله -٤٣:١١) على تأويل ومراضية
بمعنى مرضية، فى قوله ﴿عيشة راضية - ٧:١٠١) أو هو بمعنى ذو ضمان أى حفظ ورعاية كلابن وتامر أى صاحب لبن وتمر.
وحاصل المعنى أنه يجب على اللّه بمقتضى وعده الصادق أن يحفظ كلا من هؤلاء الثلاثة من الضرر والخية والضياع والآفة
(خرج غازيا) أى حال كونه مريدا للغزو (فهو ضامن على الله) أى واجب الحفظ والرعاية على الله كالشئى المضمون
(حتى يتوفاه) أى يقبض روحه إما بالموت أو بالقتل فى سبيل الله (فيدخله الجنة) أى مع الناجين (أو يرده) عطف على
يتوفاه (بما نال) أى مع ما وجده (من أجر) أى ثواب فقط (أو غنيمة) أى مع الأجر فأو التنويع (ورجل راح)
أى مشى إلى المسجد (فهو ضامن على الله) أى يعطيه الأجر وأن لا يضيع سعيه، أو واجب الوقاية والرعاية، ووقع فى
سنن أبي داود بعد قوله ((ضامن على الله)) ((حتى يتوفاه، فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر أو غنيمة، وهكذا رواه الحاكم
و كذا ذكره السيوطى فى الجامع الصغير ، وسقط هذا من جميع نسخ المشكاة (ورجل دخل بته بسلام) يحتمل وجهين،
أحدهما : أن يسلم على أهله إذا دخل منزله كقوله تعالى (فإذا دخلتم بيوتا فسدوا على أنفسكم - ٢٤: ٦١) والمضمون
عليه أن يبارك عليه وعلى أهله فمعنى قوله (فهو ضامن على الله) أى يعطيه البركة والثواب الكثير لما روى أنه عليه السلام
قال لأنس: إذا دخلت على أملك فسلم، يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك. والوجه الآخر: أن يكون أراد بدخول بته
بسلام، لزوم البيت طلبا للسلامة من الفتن، يرغب بذلك فى العزلة ويأمر بالإقلال من المخالطة، ويكون المعنى: دخل بيته
سالما من الفتن، أى طالبا السلامة منها. قال الطبى: وهذا أوجه لأن المجاهدة فى سبيل الله سفرا، والرواح إلى المسجد
حضوا، ولزوم البيت اتقاء من الفتن آخذ بعضها بحجزة بعض، فعلى هذا فالمضمون به هو رعاية اله تعالى وجواره من
الفتن - انتهى. وإنما لم يذكر المضمون به فى الأخير اكتفاء لظهور المراد وهو الأجر والمثوبة حسب ما يليق به من
٤٤٠