النص المفهرس

صفحات 401-420

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
متفق عليه .
٦٩٩ - (٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَلَّى: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض
الجنة ، ومنبرى على حوضى.
مساجد، وأما السفر إلى موضع للتجارة أو لطلب العلم أو لغرض آخر صحيح ما ثبت جوازه بأدلة أخرى فهو مستثنى من
حكم هذا الحديث - انتهى كلام الشيخ. وقال الشاه عبد العزيز الدهلوى فى تعليقه على البخارى فى شرح هذا الحديث: المستثنى منه
المحذوف فى هذا الحديث إما جنس قريب أو جنس بعيد، فعلى الأول تقدير الكلام: لا تشد الرحال إلى المساجد إلا إلى
ثلاثة مساجد. وحينئذ ما سوى المساجد مسكوت عنه، وعلى الوجه الثانى: لا تشد الرحال إلى موضع يتقرب به إلا إلى
ثلاثة مساجد ، فحينئذ شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة المعظمة منهى عنه بظاهر سياق الحديث ، ويؤيده ما روى
أبو هريرة عن بصرة الغفارى حين رجع عن الطور، وتمامه فى المؤطا. وهذا الوجه قوى من جهة مدلول حديث بصرة
انتهى، كذا فى عون المعبود. وقال الشاه ولى اللّه الدهلوى فى حجة الله (ج ١: ص ١٥٣): كان أهل الجاهلية
يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسد النبى مته الفساد
بهذا الحديث لثلا يلتحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندى أن القبر ومحل عبادة ولى
من أولياء الله والطور كل ذلك سواء فى النهى - انتهى (متفق عليه) وأخرجه أيضا الترمذى وابن ماجه فى الصلاة.
٦٩٩ - قوله (ما بين بيتى ومنبرى) الموصول مبتدأ وخبره قوله: روضة، إلخ. والمراد بالبيت البيت المعهود
وهو بيت عائشة الذى صار فيه قبره مَ لَّه وفى رواية الطبرانى: ما بين المنبر وبيت عائشة. وفى حديث سعد بن أبى
وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات، وعند الطبرانى من حديث ابن عمر بلفظ: ما بين قبرى ومنبرى (روضة) بفتح
الراء، أرض مخضرة بأنواع النباتات ، وروضات الجنة أطيب بقاعها وأنزهها (من رياض الجنة) اختلف فى تأويله
فقيل: المعنى أن العبادة فيه تؤدى إلى الجنة فهو مجاز باعتبار المآل كقوله: الجنة تحت ظلال السيوف. أى الجهاد مآله
الجنة. وقيل: المعنى أى كروضة الجنة فى نزول الرحمة وحصول السعادة بما يحصل من ملازمة حلق الذكر لا سيما فى
عهده مَّل، فيكون تشبيها بغير أداة ، وهذا القول لا يخلو عن بعد، لأنه خلاف الظاهر يشترك فيه سائر المساجد وبقاع
الخير .. وقال أهل التحقيق: إن الكلام محمول على الحقيقة بأن ينقل هذا المكان يوم القيامة إلى الفردوس الأعلى ولا
يغنى ولا يهلك مثل سائر البقاع. ويحتمل أن يكون عين هذه البقعة روضة من رياض الجنة أنزلت منها إلى المسجد كما
ورد فى الحجر الأسود ومقام إبراهيم ، وبعد قيام الساعة ينقل إلى مقامه الأصلى (ومنبرى على حوضى) أى على حافته
والمراد بالحوض نهر الكوثر الكائن داخل الجنة لا حوضه الذى خارجها بجانبها المستمد من الكوثر. قيل: هذا إنجار
٤٠١

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
متفق عليه.
٧٠٠ - (٧) وعن ابن عمر، قال: كان النبي ◌َّ يأتى مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا، ويصلى
فيه ركعتين. متفق عليه.
ء
عن المنبر الذى يكون له وَئل يوم القيامة، يوضع عليه بأمرربه، يدعو الناس عليه إليه، لا هذا المنبر فى المسجد الشريف،
وهذا القول بعيد من سياق الحديث. والراجح: ما قال به الأكثر من أن المراد منبره بعينه الذى قال هذه
المقالة وهو فوقه. فينقله الله بعينه ويضعه عليه، ويؤيده حديث أم سلمة عند النسائى مرفوعا: أن قوائم منبرى هذا
رواتب فى الجنة. وقيل: معناه أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض،
ويقتضى شر به منه. ونقل ابن زبالة أن ذرع ما بين المنبر والبيت الذى فيه القبر الآن ثلاث وخمسون ذراعا، وقيل:
أربع وخمسون وسدس. وقيل: خمسون إلا ثلثى ذراع، وهو الآن كذلك فكأنه نقص لما أدخل من الحجرة فى
الجدار (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الصلاة، وفى أواخر الحج، وفى الحوض، والاعتصام، ومسلم فى الحج.
٠
٧٠٠ - قوله (مسجد قباء) بضم القاف ممدودا وقد يقصر ، ويذكر على أنه اسم موضع ، ويؤنث على أنه اسم
بقعة ، وبينه وبين المدينة ثلاثة أميال أو ميلان على يسار قاصد مكة ، وهو من عوالى المدينة وسمى باسم بتر هناك،
والمسجد المذكورهو مسجد بن عمرو بن عوف وهو أول مسجد أسسه رسول الله رائع (كل سبت) خص السبت لأجل
مواصلته لأهل قباء، وتفقد حال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه فى مسجده بالمدينة ، وفيه دلالة على جواز تخصيص
بعض الأيام بعض الأعمال الصالحة والمداومة على ذلك (ماشيا) تارة (ورا كبا) أخرى بحسب ما تيسر ، والواو
بمعنى أو (ويصلى فيه ركعتين) ادعى الطحاوى أن هذه الزيادة مدرجة، قالها أحد الرواة من عنده لعلمه أنه عليه السلام كان
من عادته أنه لا يجلس حتى يصلى، وقد روى النسائى من حديث سهل بن حنيف مرفوعا : من خرج حتى يأتى مسجد قباء
فيصلى فيه كان له عدل عمرة. وعند الترمذى من حديث أسيد بن حضير رفعه: الصلاة فى مسجد قباء كعمرة. وعند
عمر بن شيبة فى أخبار المدينة بإسناد صحيح عن سعد بن أبى وقاص قال: لأن أصلى فى مسجد قباء ركعتين أحب إلى من
أن آ تی بیت المقدس مرتین ، لو یعلون ما فی قباء لضربوا إلیه أ کباد الابل. وفى هذه الأحاديث مع حديث الباب
دلالة على فضل قباء، وفضل مسجده، وفضل الصلاة فيه، لكن لم يثبت فى ذلك تضعيف بخلاف المساجد الثلاثة. قال
بعضهم حديث ابن عمر يدل على أن النهى عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم لكون النبي مزوّه
يأتى قباء ماشيا وراكبا، وتعقب بأن مجيئه مرَّة إلى قباء إنما كان بلا سفر، فهو غير مخالف لحديث النهى ، فلا يكون
-
قرينة على كون النهى فيه النزيه (متفق عايه) أخرجه البخارى فى الصلاة، ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا أبوداود فى الحج.
٤٠٢
.

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٠١ - (٨) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َلّى: أحب البلاد إلى اللّه مساجدها، وأبغض
البلاد إلى الله أسواقها. رواه مسلم.
٧٠٢ - (٩) وعن عثمان رضى الله عنه، قال: قال رسول الله توزيع: من جى الله مسجدا، بنى الله
له بيتا فى الجنة.
٧٠١ - قوله (أحب البلاد) أى أحب أما كن البلاد وبقاعها، ويمكن أن يراد بالبلد مأوى الإنسان فلا تقدير
(إلى الله مساجدها) لأنها بيوت الطاعة، وأساس التقوى، ومحل تنزل الرحمة، وموضع التقرب إلى الله تعالى
(وأبغض البلاد إلى الله أسواتها) لأنها محل أفعال الشياطين من الحرص، والطمع، والخيانة، والنش، والخداع، والربا
والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والفتن، والغفلة، فالمراد محجبة وبغض ما يقع فيهما. وقيل: المعنى أى من يمكث فى
المساجد أحب إلى الله من يمكث فى غيرها إذ المحبة الإثابة، ولا معنى الإثابة نفس المساجد، فالمراد الماكث فيها لذكر أو
اعتكاف أو نحوهما. وكذا المراد بغض من فى الأسواق لتعاطيه الأيمان الكاذبة، والغش، والأعراض الفانية لا بعض
نفس الأسواق نظير ما ورد فى مدح الدنيا وذمها، فالمراد مدح من قام بحقوق اللّه تعالى فيها وذم ضده. وقال
النووى: الحب والبغض من الله تعالى إرادته الخير والشر، أو فله ذلك بمن أسعده أو أشقاء. والمساجد محل نزول الرحمة
والأسواق عندها ، وهى جمع سوق سمى به لأن الأشياء تساق للبيع فيه، أو لأن الناس تمشى فيه البيع والشراً على سوتها
جمع ساق (رواه مسلم) وأخرجه أيضا ابن حبان وأخرجه أحمد والحاكم عن جبير بن مطعم .
-
٧٠٢ - قوله (من بنى) حقيقة أو مجازا (لله) أى يبتغى به وجه الله لا رياء وسمعة. قال ابن الجوزى: من كتب
اسمه على المسجد الذى يبنيه كان بعيدا من الإ خلاص - انتهى. ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد المخصوص لعدم
الإخلاص وإن كان يؤجر فى الجملة ، وهل يحصل الثواب المذكور لمن جعل بقعة من الأرض مسجدا بأن يكتفى
بتحويطها من غير بناء؟ وكذا من عمد إلى بناء كان يملكه فوقفه مسجدا؟ إن وقفنا مع ظاهر اللفظ ثلا، وإن نظرنا إلى
المعنى فنعم، وهو المتجه. وكذا قوله ((بنى)، حقيقة فى المباشرة بشرطها لكن المعنى يقتضى دخول الأمر بذلك أيضا،
قاله الحافظ (مسجدا) أى كبيرا كان أو صغيرا فقد رواه الترمذى عن أنس مرفوعا بزيادة لفظ ((صغيرا كان أو كبيرا)»
وبدل لذلك رواية «کفحص قطاة» وهی مرفوعة ثابتة عند ابن أبى شيبة عن عثمان ، وابن حبان والبزار عن أبى ذر ،
وأبى مسلم الكجى من حديث ابن عباس ، والطبرانى عن أبى بكر ، وابن خزيمة عن جابر. وحمل ذلك العطاء على المبالغة
وقيل: هى على ظاهرها (بنى اللّه) إسناد البناء إلى الله تعالى مجاز أى أمر الملائكة ببنائه، أو البناء مجازعن الخلق والإسناد حقيقة،
وأبرز الفاعل تعظيما وافتخارا (بيتا فى الجنة) زاد الشيخان فى رواية «مثله)) وكذا الترمذى، وقد اختلف فى معنى المماثلة ،
فقيل: مثله فى الشرف والفضل والتوقير، لأنه جزاء المسجد فيكون مثلا له فى صفات الشرف. وقيل: مثله فى مسمى
٤٠٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
متفق عليه .
٧٠٣ - (١٠) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله مؤلم: من غدا إلى المسجد أو راح، أعد
الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راحٍ. متفق عليه.
٧٠٤ - (١١) وعن أبى موسى الأشعرى، قال: قال رسول اللّه عربى: أعظم الناس أجرا فى
الصلاة ، أبعدهم فأبعدهم مشى.،
البيت ، وأما صفته فى السعة وغيرها فمعلوم فضلها فإنها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر.
وقيل : المراد أن فضله على يوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا ، وقيل : غيرذلك . وقوله «فى الجنة» متعلق بنی أو
بمحذوف صفة لبيتا (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وابن ماجه، وفى الباب عن جماعة من الصحابة. ذكر
أحاديثهم مع تخريجها شيخنا فى شرح الترمذى.
٧٠٣ - قوله (من غدا إلى المسجد أوراح) قيل: المراد بالغدو هنا مطلق الذهاب للمسجد فى أى وقت كان،
وبالرواح الرجوع منه، أى من ذهب للصلاة فى المسجد ورجع ، والأصل فى الغدو المضنى من بكرة النهار، والرواح بعد
الزوال، ثم قد يستعملان فى كل ذهاب ورجوع توسعا. وظاهر الحديث حصول الفضل لمن أتى المسجد مطلقا، لكن
المقصود منه اختصاصه بمن يأتيه للعبادة والصلاة رأسها (أعد) أى هيأ من الإعداد (نزله) بضم النون والزاى: المكان
الذى يهيأ للنزول فيه. وبسكون الزاى: ما يهيأ للقادم من الضيافة ونحوها. فعلى هذا ((من، فى قوله (من الجنة) للتبعيض على
الأول، وللتبين على الثانى (كلما غدا أوراح) قال الطيبي: النزل ما هياً للنزيل، و«كلما غدا» ظرف وجوابه ما دل
عليه ما قبله، وهو عامل فيه، والمعنى : كلما استمر غدوه ورواحه استمر اعداد نزله فى الجنة ، فالغدو والرواح فى الحديث
كالبكرة والعشى فى قوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا - ١٩: ٤٦٢ يراد بها الديمومة لا الوقتان المعلومان.
قال المظهر : من عادة الناس أن يقدموا طعاما إلى من دخل بيوتهم، والمسجد بيت الله، فمن دخله أى وقت كان من ليل أو
نهار يعطيه الله أجره من الجنة، لأن الله أكرم الأكرمين فلا يضيع أجر المحسنين - انتهى (متفق عليه) وأخرجه
أيضا أحمد.
1
٧٠٤ - قوله (أعظم الناس أجرا) أى أكثرهم ثوابا (فى الصلاة) أى فى الإتيان إليها (أبعدهم فأبعدهم مشى)
بفتح الميم الأولى وسكون الثانية أى مسافة، وهو منصوب على التميز يعنى أبعدهم مسافة إلى المسجد ، وإنما كان أعظم
أجرا لما يحصل فى بعيد الدار عن المسجد من كثرة الخطا. وفى كل خطوة عشر حسنات کما رواه أحمد. فإن قيل: روى
أحمد فى مسنده (ج ٥: ص ٣٨٧، ٣٩٩) عن حذيفة مرفوعا : أن فضل الدار القريبة يعنى من المسجد على الدار البعيدة
٤٠٤

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
والذى ينتظر الصلاة حى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذى يصلى ثم ينام. متفق عليه.
٧٠٥ - (١٢) وعن جابر، قال خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب
المسجد ، فبلغ ذلك النبى معَّ، فقال لهم: بلغنى أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد. قالوا :
نعم يا رسول الله ! قد أردنا ذلك. فقال: يا بنى سلمة! دياركم، تكتب آثاركم، دياركم، تكتب آثارثم.
كفضل الغازى على القاعد. أى من الجهاد. فالجواب أن هذا فى نفس البقعة ، وذاك فى الفعل ، فالبعيد دارا مشيه
أكثر وثوابه أعظم، والبيت القزيب أفضل من البعيد، قاله العلقمى. قلت: حديث حذيفة هذا ضعيف لضعف على بن
يزيد أبى عبد الملك الدمشقى، وقدرواه عن حذيفة بلاغا. وفاء«فاً بعدهم، قال البرماوى كالكرمانى والطبي: للاستمرار نحو الأمثل
فالأمثل والأكمل فالأ كمل. وتعقبه العينى بأنه لم يذكر أحد من النحاة أن الفاء تجئى بمعنى الاستمرار، ثم رجح كونها هنا بمعنى ثم أى
أبعد هم ثم أبعدهم عمشى. وقال السندى فى خاشية ابن ماجه: الفاء للترتيب أى الأبعد على مراتب البعد أعظم أجرامن الأقرب على مراتب
القرب، فکل من كان أبعد فهو أ کثر أجران كان أقرب منه ، ولو كان هذا الأقرب أبعد من غيره، فأجره أكثر من
. ذلك الغير. والمراد أنه إذا حضر المسجد مع ذلك البعد ولم يمنعه البعد عن الحضور (حتى يصليها مع الإمام) زاد مسلم
((فى جماعة) (أعظم أجرا من الذى يصلى) أى وحده (ثم ينام) أى يستريح بخروجه من عهدة ما عليه، فكما أن بعد المكان
مؤثر فى زيادة الأجر كذلك طول الزمان، الشقة فيهما ، فأجر منتظر الإمام أعظم من أجر من صلى منفردا من غير
انتظار، وفائدة قوله «ثم ينام، الإشارة إلى الاستراحة المقابلة للشقة التى فى ضمن الانتظار، وقيل: الحديث فى صلاة
العشاء لقوله: ثم ينام. وظاهر الحديث يقضى أن تأخير الصلاة للجماعة أفضل من تقديمها أول الوقت ولو مع الجماعة
لزيادة أجره بمشقة الانتظار، وليس مرادا إذ يعارضه الأخبار الدالة على طلب الصلاة أول الوقت. وقد استنبط من
الحديث بعضهم استحباب قصد المسجد البعيد ولو كان بجنبه مسجد قريب ، وإنما يتم ذلك إذ لم يلزم من ذهابه إلى البعيد
هجر القريب، وإلا فاإحياءه بذكر الله أولى، وكذا إذا كان فى البعيدمانع من الكمال كأن يكون إمامه مبتدعا
*(متفق عليه) وأخرجه أحمد، وأبوداود وابن ماجه والحاكم عن أبى هريرة مرفوعا بلفظ: الأبعد فالأبعد من المسجد
أعظم أجرا.
٧٠٥ - قوله (خلت البقاع) بكسر الباء (حول المسجد) أى أطرافه قريبا منه (فأراد بنو سلمة) بكسر اللام،
قبيلة معروفة من الأنصار (قرب المسجد) منصوب بنزع الخافض، أى إلى مكان بقربه (فبلغ ذلك) أى انتقالهم
(دياركم) نصب على الاغراء، أى الزموادياركم (تكتب) يروى بالجزم على جواب الزموا ويجوز الرفع على الاستثناف
(آثاركم) جمع أثر، يعنى الزموا دياركم فإنكم إذا لزمتموها كتبت خطاكم الكثيرة إلى المسجد. قال الطبي: بنوسلة بطن
٤٠٥
:

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
رواه مسلم.
٧٠٦ - (١٣) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مثل: سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل
إلا ظله :
من الأنصار ، وليس فى العرب سلبة - بكسر اللام - غيرهم، كانت ديارهم بعيدة من المسجد ، وكان يجهدهم فى سواد اليل
وعند وقوع الأمطار، واشتداد البرد فأرادوا أن يتحولوا قرب المسجد فكره التي تَّى أن تعرى جوانب المدينة
فرغبهم فيما عند الله من الأجر على نقل الخطا. والمراد بالكتابة أن تكتب فى صحف الأعمال، أى كثرة الخطا سبب
لزيادة الأجر - انتهى. وفى الحديث أن أعمال البر إذا كانت خالصة تكتب آثارها حسنات. وفيه استحباب السكنى
بقرب المسجد إلا لمن حصلت به منفعة أخرى، أو أراد تكثير الأجر بكثرة المشى ما لم يحمل على نفسه، ووجهه أنهم
طلبوا السكنى بقرب المسجد للفضل الذى علوه منه فما أنكر عليهم التي تؤثر ذلك بل رجح درء المفسدة بإخلائهم
جوانب المدينة على المصلحة المذكورة ، وأعلمهم بأن لهم فى التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى بقرب
المسجد أو يزيد عليه (رواه مسلم) وأخرج البخارى قريبا من معناه من حديث أنس، وروى ابن ماجه وغيره عن ابن
عباس بسند قوى، قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأردوا أن يقتربوا فنزلت: ﴿وتكتب ما قدموا
وآثارهم - ٣٦: ١٢﴾ قال فثبتوا.
٧٠٦ - قوله (سبعة) أى سبعة أشخاص أو سبعة من الناس، وهذا العدد لا مفهوم له ، فقد وردت أحاديث
بزيادة على ذلك لا تخفى على من تتبع دواوين الحديث، وقد أفردها الحافظ بتأليف سماه معرفة الخصال الموصلة إلى
الظلال، وتتبعها السيوطى فأوصلها إلى سبعين خصلة، وأفردها فى المؤلف بالأسانيد ثم اختصره (يظلهم الله) جملة فى
محل الرفع على أنها خبر للمبتدأ أعنى قوله: سبعة، أى يدخلهم (فى ظله) إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا عن غيره كما
يقال الكعبة: بيت الله. مع أن المساجد كلها ملكه، وقيل: المراد بظله كرامته وحمايته وكنفه، يقال: فلان فى ظل الملك
أى فى كنفه وحمايته، والمعنى يحفظهم من كرب الآخرة ويكنفهم فى رحمته. قال عياض: وهو أولى الأقوال. وقيل
المراد ظل عرشه. ويدل عليه ما رواه سعيد بن منصور بإسناد حسن من حديث سلمان: سبعة يظلهم الله فى ظل
عرشه - فذكر الحديث، ثم كونهم فى ظل عرشه يستلزم ماذكر من كونهم فى كنف اللّه وكرامته من غير عكس، فهو أرجح
وبه جزم القرطبى ، ويؤيده أيضا تقييد ذلك بيوم القيامة كما صرح به فى رواية (يوم لا ظل إلا ظله) أى ظل عرشه على
حذف المضاف، والمراد يوم القيامة إذا قام الناس لرب العالمين ، وقربت الشمس من الرؤس ، واشتد عليهم حرها ،
وأخذهم العرق ولا ظل هناك الشئ إلا العرش. قيل: المراد إن ظل العرش يغلب على الشمس بالنسبة إليه فلا يبقى لما
٤٠٦
---- -

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
إمام عادل، وشاب نشأ فى عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ،
ورجلان تحابا فى الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه،
تأثير الحرارة (إمام عادل) أى أحدهم إمام عادل ، والمراد به صاحب الولاية العظمى ، ويلتحق به كل من ولى شيئا من
أمور المسلمين، فعدل فيه لحديث: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذى يعدلون فى حكمهم
وأهلهم وما ولوا. رواه مسلم. وأحسن ما فسر به العادل أنه الذى يتبع أمر الله بوضع كل شئ فى موضعه من غير
إفراط ولا تفريط. وقدمه فى الذكر على تاليه لكثرة مصالحه وعموم نفعه (وشاب) خص الشاب لأن العبادة فى
الشباب أشق لكثرة الدواعى وغلبة الشهوات وقوة البواعث على اتباع الهوى فلازمة العبادة مع ذلك أشدوأدل على غلبة
التقوى. وفى الحديث : يعجب ربك من شاب ليست له صبوة (نشأً) أى نما وتربى وشب (فى عبادة الله) أى حتى توفى
على ذلك كما فى رواية الجوزقى. وفى حديث سلمان: أننى شبابه ونشاطه فى عبادة الله (معلق) بفتح اللام (بالمسجد) قال
القارى: وفى نسخة يعنى من المشكاة ((فى المسجد)). قال الحافظ: قوله ((معاق فى المساجد)» هكذا فى الصحيحين، وظاهره
أنه من التعليق كأنه شبهه بالشتى المعلق فى المسجد كالقنديل مثلا إشارة إلى طول الملازمة بقلبه، وإن كان جسده عارجا
عنه، ويحتمل أن يكون من العلاقة، وهى شدة الحب، ويدل عليه رواية أحمد: معلق بالمساجد. وكذا رواية سلمان: من
حبها. قال النووى: معناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها ، وليس معناه دوام القعود فيها ، يعنى أنه كنى به عن
انتظاره أوقات الصلاة فلا يصلى صلاة فى المسجد ويخرج منه إلا وهو ينتظر الأخرى ليصليها فيه ، فهو ملازم المسجد
بقلبه وإن عرض لجسده عارض ، وهذه الخصلة هى المقصودة من هذا الحديث للباب (ورجلان) مثلا (تحابا) بتشديد
الباء وأصله تحابيا من التفاعل أى اشتر كا فى جنس المحبة وأحب كل منهما الآخر حقيقة لا إظهارا فقط (فى الله) أى فى طلب
رضاه أو لأجله لا لغرض دنياوى (اجتمعا عليه) أى على الحب فى اللّه إن اجتمعا (وتفرقا عليه) أى على الحب إن تفرقا،
يعنى يحفظان الحب فى الحضور والغبية. وقال الحافظ: والمراد أنهما داما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوى
سواء اجتمعا حقيقة أم لا. حتى فرق بينهما الموت. وذكر المتحابين لا يصير العدد ثمانية لأن معناه: رجل يحب غيره
فى الله والمحبة أمر نسبى فلا بد لها من المنتسبين، فلذلك قال: رجلان، أو المراد عد الخصال لاعد المتصفين بها (ورجل
ذكر الله) بلسانه أو بقلبه (عاليا) من الخلو، أى من الناس لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، أو المراد
عالیا من الالتفات إلى غير الله تعالی ولو کان فى ملاً، ويؤيده رواية البيهقى: ذكر الله بين يديه، ويؤيد الأول ما وقع
فى رواية للبخارى وغيره: ذكرالله فى خلاء، أى فى موضع خال من الناس (ففاضت عيناه) من الدمع لرقة قلبه، وشدة خوفه من
جلاله ، أو مزيد شوقه إلى جماله. والفيض انصباب عن امتلاء فوضع موضع الامتلاء البالغة، أو المعنى: فاضت أى سالت
٤٠٧
١
:

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى
لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. متفق عليه.
٧٠٧ - (١٤) وعنه، قال: قال رسول اللّه مَله: صلاة الرجل فى الجماعة تضعف على صلاته فى بيته
وفی سوقه
وجرت دموع عينيه وأسند الفيض إلى العين مبالغة، جعلت من فرط البكاء كانها تفيض بنفسها (ورجل دعته امرأة) أى
إلى الزنا بها (ذات حسب) بفتحتين، وهو ما يعده الإنسان من مفاخر آباءه، وقيل: الخصال الحميدة له ولآ باءه.
قال الحافظ : الحسب يطلق على الأصل والمال أيضا. وفى رواية ذات منصب - بكسر الصاد - أى حسب ونسب شريف
ومال (وجمال) أى مزيد حسن (فقال) بلسانه زاجرا لها عن الفاحشة، ومعتذرا إليها ، أو المراد قال بقلبه زاجرا
لنفسه (إنى أخاف الله) زاد فى رواية: رب العالمين. قال عياض: خص ذات المنصب والجمال لكثرة الرغبة فيها
وعسر حصولها ، وهى جامعة للنصب والجمال لا سيما وهى داعية إلى نفسها ، طالبة لذلك، قد أغنت عن مشاق التوصل
إلى مراودة ونحوها ، فالصبر عنها لخوف اللّه تعالى - وقد دعت إلى نفسها مع جمعها المنصب والجمال - من أكمل المراتب
وأعظم الطاعات ، فرتب الله تعالى عليه أن يظله فى ظله(بصدقة) نکرها ليشمل كل ما يتصدق به من قليل و کثیر،
وظاهره أيضا يشمل المندوبة والمفروضة، لكن نقل النووى عن العلماء أن إظهار المفروضة أولى من إخفائها (فأخفاها)
قال ابن الملك: هذا محمول على التطوع لأن إعلان الزكاة أفضل. قلت: فى كل من الصدقة المندوبة والمفروضة عندى
تفصيل (حتى لا تعلم شماله) إلخ. ذكره للمبالغة فى إخفاء الصدقة والاسرار بها ، وضرب المثل بهما لقربهما وملازمتهما
أى لو قدر أن الشمال رجل متيقظ لما علم صدقة اليمين للمبالغة فى الإخفاء، فهو من مجاز التشبيه، أو من مجاز الحذف
أى حتى لا يعلم ملك شماله، أو حتى لا يعلم من على شماله من الناس، أو هو من باب تسمية الكل بالجزء، فالمراد بشماله نفسه، أى إن
نفسه لا تعلم ما تنفق يمينه، ووقع فى صحيح مسلم: حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله. وهو مقلوب سهو عند المحققين. وذكر الرجال
فى هذا الحديث لا مفهوم له، فتدخل النساء، نعم لا يدخلن فى الا مامة العظمى، ولافى خصلة ملازمة المسجد، لآن صلاتهن فى بيتهن
أفضل، لكن يمكن فى الامامة -حيث يكن ذوات عيال فيعدلن، ولا يقال: لا يدخلن فى خصلة من دعته امرأة لأنا نقول
إنه يتصور فى امرأة دعاها ملك جميل مثلا للزنا فامتنعت خوفا من الله مع حاجتها (متفق عليه) أخرجه البخارى فى
الصلاة والزكاة والرقاق، ومسلم فى الزكاة ، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى فى الزهد والنسائى فى القضاء.
٧٠٧ - قوله (صلاة الرجل) أى ثواب صلاته (تضعف) بضم الفوقية وتشديد العين أى تزاد ، يقال: ضعف
الشئى. إذا زاد. وضعفته وأضعفته وضاعفته بمعنى، كذا فى النهاية (على صلاته فى بيته وفى سوقه) أى منفردا، إذ الغالب
٤٠٨

منعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا
الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة ، فإذا صلى ، لم تنزل الملائكة
تصلى عليه ما دام فى مصلاه : اللهم صل عليه، اللهم ارحمه. ولا يزال أحدكم فى صلاة ما انتظر
الصلاة. وفى رواية: قال : إذا دخل المسجد كانت الصلاة تحبسه.
أن من لم يحضر الجماعة فى المسجد صلى منفردا، ولا يلزم من استواء الصلاة فى البيت والسوق فى المفضولية عن المسجد
أن لا يكون أحدهما أفضل من الآخر ، وكذا لا يلزم منه أن الصلاة جماعة فى البيت أو السوق لا فضل فيها على الصلاة
منفردا، بل الظاهر أن التضعيف المذكور مختص بالجماعة فى المسجد، والصلاة فى البيت مطلقا أولى منها فى السوق لما ورد
من أن الأسواق موضع الشياطين، والصلاة جماعة فى البيت وفى السوق أولى من الانفراد (خمسا وعشرين ضعفا) بكسر
الضاد أى مثلا، ووجه حذف التاء من ((خساء بتأويل الضعف بالدرجة أو بالصلاة، وتوضيحه أن ضعفا مميز مذكر فتجب التاء
فقيل بالتأويل المذكور، وفى المصاصح: خمسة وعشرين ضعفا. وكذا وقع فى بعض نسخ البخارى، والمرجع فى سر الأعداد
إلى علوم النبوة التى قصرت عقول الألباء عن إدراك جملها وتفاصيلها (وذلك) إشارة إلى التضعيف الذى يدل عليه
قوله: تضعف (أنه إذا توضأ) قال الحافظ: هذا ظاهر فى أن الأمور المذكورة علة التضعيف المذكور، إذ التقدير:
وذلك لأنه. فكأنه يقول: التضعيف المذكور سببه كيت وكيت. وإذا كان كذلك فما رتب على موضوعات متعددة
لا يوجد بوجود بعضها إلا إذا دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبرا، أو ليس مقصودا لذاته، وهذه الزيادة التى فى
حديث أبى هريرة معقولة المعنى، فالأخذ بها متوجه، والروايات المطلقة لا تنافيها بل يحمل مطلقها على هذه المقيدة
(فأحسن الوضوء) أى أسبغه برعاية السنن والآداب (لا يخرجه إلا الصلاة) أى قصد الصلاة المكتوبة فى جماعة،
جملة حالية، والمضارع المنفى إذا وقع حالا يجوز فيه الواو وتركه (لم يخط) بفتح أوله وضم الطاء من خطا يخطو خطوا:
فتح ما بين قدميه ومشى (خطوة) بضم أوله ويجوز الفتح، قال الجوهرى: الخطوة بالضم ما بين القدمين، وبالفتح
المرة الواحدة. وجزم العمرى: أنها هنا بالفتح، وقال القرطبي: إنها فى روايات مسلم بالضم (تصلى عليه) أى تدعو له
بالخير وتستغفر من ذنوبه، وتطلب له الرحمة (ما دام) أى مدة دوامه (فى مصلاه) بضم الميم ، أى فى المكان الذى
أوقع فيه الصلاة من المسجد ، وكذا لو قام إلى موضع آخر من المسجد مع دوام نية انتظاره للصلاة، فالأول خرج
مخرج الغالب (اللهم صل عليه) أى لم تزل الملائكة تصلى عليه حال كونهم قائلين ذلك (اللهم ارحمه) قال الطبي: طلب الرحمة
بعد طلب المنفرة لأن صلاة الملائكة استغفار لهم (فى صلاة) أى فى ثواب صلاة (ما انتظر الصلاة) أى ما دام ينتظرها سواء ثبت
فى مجلسه الذى صلى فيه من المسجد أم تحول إلى غيره (وفى رواية: إذا دخل المسجد كانت الصلاة تحبسه) أى تمتعه
٤٠٩

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
وزاد فى دعاء الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم تب عليه. ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه. متفق عليه.
٧٠٨ - (١٥) وعن أبى أسيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من الخروج من المسجد ، ولم أجد هذه الرواية فى الصحيحين ، نعم وقع فى رواية لهما: إذا دخل المسجد كان فى صلاة
ما كانت الصلاة هى تحبسه. أى مدة كون الصلاة حاسة له بأن كان جالسا لانتظار الصلاة، أما جلوسه بعد الصلاة لذكر
أو اعتكاف مثلا، فلا يترتب عليه خصوص هذا الثواب وإن كان فيه ثواب عظيم (وزاد) أى فى هذه الرواية، وهذه الزيادة من
إفراد مسلم (اللهم تب عليه) أى وفقه التوبة وتقبلها منه، أو ثبته عليها (ما لم يؤذ فيه) أى لا تزال الملائكة داعين له ما دام فى
مصلاه منظرا للصلاة ما لم يؤذ فى مجلسه الذى صلى فيه أحدا من المسلمين بقوله أو فعله. وقيل: أى ما لم يؤذ الملائكة،
وإيذاء، إياهم بالحدث فى المسجد، وهو معنى قوله (ما لم يحدث فيه) من أحدث أى ما لم ينقض وضوئه. وظاهره
عموم النقض لغير الاختيار أيضا، ويحتمل الخصوص ، ولفظ البخارى: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، ما لم يؤذ يحدث فيه.
قال الحافظ : كذا للأكثر بالفعل المجزوم على البدلية، ويجوز بالرفع على الاستئناف. وللكشمهنى: ما لم يؤذ بحدث
فيه. بلفظ الجار والمجرور متعلقا يؤذ. وقال الكرمانى: وفى بعض النسخ: ما لم يحدث فيه. بطرح لفظ يؤذ، أى ما
لم ينقض الوضوء، فالمراد بالحدث الناقض الوضوء، يدل عليه ما روى: أن أبا هريرة لما روى هذا الحديث قال له
أبورافع: ما يحدث؟ قال: يفسو أو يضرط، وهو فى بعض طرق الحديث عند مسلم، وقيل: يحتمل أن يكون المراد
بالحدث هنا أعم من الحدث الناقض الوضوء، أى ما لم يحدث سوء، ويدل عليه رواية أبى داود: ما لم يؤذ فيه أو يحدث
فيه. لأنه عطف قوله: أو يحدث. على قوله: لم يؤذ فيه. قال ابن المهلب: معنى الحديث أن الحدث فى المسجد خطيئة
يحرم بها المحدث استغفار الملائكة ودعائهم المرجو بركته. وقيل: إخراج الريح من الدبر لا يحرم، لكن الأولى اجتنابه
لأن الملائكة تأذى بما يتأذى منه بنو آدم، كما يأتى فى الحديث، ويؤخذ منه أن الحدث الأصغر وإن منع دعاء الملائكة لا يمنع
جواز الجلوس فى المسجد، كذا فى المرقاة. قال الحافظ: فى الحديث دليل على أن الحدث فى المسجد أشد من النخامة
لأن لها كفارة ولم يذكر لهذا كفارة بل عومل صاحبه بحرمان استغفار الملائكة، ودعاء الملائكة مرجو الإجابة، لقوله
تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى - ٢١: ٢٨) قال: واستدل بالحديث على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال
لما ذكر من صلاة الملائكة عليه، ودعائهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة (متفق عليه) واللفظ إلى قوله: ما انتظر الصلاة.
البخارى، ولمسلم معناه، وأما قوله: اللهم تب عليه، إلخ. فهو من إفراد مسلم كما تقدم، والحديث أخرجه أيضا أحمد
وأبو داود، وابن ماجه بنحوه.
٧٠٨ - قوله (عن أبي أسيد) بضم الهمزة وفتح السين المهملة وسكون الياء ، اسمه مالك بن ربيعة بن البدن
الساعدى الخزرجى مشهور بكنيته، صحابي جليل، شهد بدرا والمشاهد كلها، له ثمانية وعشرون حديثا، اتفقا على حديث
٤١٠

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لى أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم إنى
أستلك من فضلك. رواه مسلم.
٧٠٩ - (١٦) وعن أبى قتادة، أن رسول اللّه عَبّ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين
وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بآخر، مات سنة (٣٠) وقيل: بعد ذلك حتى قال المداتى: مات سنة (٦٠) وله (٧٨)
سنة بعد ما ذهب بصره، قال: هو آخر من مات من البدريين (إذا دخل أحدكم المسجد) أى أراد دخوله عند وصول بابه
(فليقل: اللهم افتح لى أبواب رحمتك) وفى رواية أبي داود: فيسلم على النبي ◌َّه ثم ليقل: اللهم افتح لى، إلخ.
(وإذا خرج فليقل: اللهم إنى أسئلك من فضلك) قال النووى: فى الحديث استحباب هذا الذكر، وقد جاءت فيه أذكار
كثيرة غير هذا فى سنن أبي داود وغيره ومختصر مجموعها: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من
الشيطان الرجيم، بسم الله، والحمد لله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم، اللهم اغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب
رحمتك. وفى الخروج يقوله لكن يقول: اللهم إنى أسئلك من فضلك - انتهى. وتخصيص الرحمة بالدخول والفضل
بالخروج لأن الرحمة فى كتاب الله أريد به النعم النفسانية والأخروية. قال تعالى: ﴿ورحمة ربك خير مما يجمعون -
٤٣ :٣٢) والفضل على النعم الدنيوية، قال تعالى: ﴿لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم - ٢: ١٩٨) وقال:
﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله - ٦٢: ١٠) ومن دخل المسجد يطلب القرب من
الله، ويشتغل بما يزلفه إلى ثوابه وجنته فيناسب ذكر الرحمة، والخروج وقت ابتغاء الرزق فناسب ذكر الفضل
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا أبو داود، وكلاهما من حديث أبي حميد (اسمه عبد الرحمن بن سعد الساعدى) أو
أبي أسيد على الشك، والنسائى عنهما من غير شك، وابن ماجه عن أبى حميد وحده.
٧٠٩ - قوله (إذا دخل أحدكم المسجد) عمومه يشمل أوقات الكراهة أيضا. فقيل: هذا الحديث مخصوص
بغير أوقات الكراهة، وقيل: بل محمول على عمومه، والكراهة فى تلك الأوقات مخصوصة بالصلاة التى لا يكون لها
سبب، لأن النبي ؤتقع على بعد العصر قضاء سنة الظهر شخص وقت النهى، وصلى به ذات السبب ، ولم يترك التحية فى
حال من الأحوال بل أمر الذى دخل المسجد يوم الجمعة وهو يخطب جلس أن يقوم فيركع ركعتين مع أن الصلاة فى
حال الخطبة منوع منها إلا التحية ، فلو كانت التحية تترك فى حال من الأحوال لتركت الآن لأنه قعد وهى مشروعة قبل
القعود، ولأنه كان يجهل حكمها، ولأن النبي مَّم قطع خطبته وكله وأمره أن يصلى التحية، فلولا شدة الاهتمام بالتحية
فى جميع الأوقات لما اهتم هذا الاهتمام، قاله النووى (فليركع ركعتين) أى فليصل ركعتين يعنى تحية المسجد أو ما يقوم
مقامهما من صلاة فرض أو سنة تعظيما للمسجد. قال النووى : لا يشترط أن ينوى التحية بل تكفيه ركعتان من فرض
٤١١

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
قبل أن يجلس.
وسنة راتبة أو غيرهما، ولو نوى بصلاته التحية والمكتوبة انعقدت صلاته وحصلتا له - انتهى. قال الحافظ: قوله:
ركعتين. هذا العدد لا مفهوم لأكثره بالاتفاق، واختلف فى أقله، والصحيح اعتباره فلا تتأدى هذه السنة بأقل من
ركعتين. واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر فى ذلك الندب. ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر: الوجوب، والذى صرح
به ابن حزم عدمه، ومن أدلة عدم الوجوب قوله مرَّ الذى رآه يتخطى: اجلس فقد آذيت. ولم يأمره بصلاة، كذا
استدل به الطحاوى وغيره، وفيه نظر - انتهى. قال شيخنا: لعل وجه النظر أنه لا مانع له من أن يكون قد فعلها فى
جانب من المسجد قبل وقوع التخطى منه، أو أنه كان ذلك قبل وقوع الأمر بها والنهى عن تركها. ومن أدلة عدم
الوجوب ما أخرجه ابن أبى شيبة عن زيد بن أسلم، قال: كان أصحاب رسول الله مزّم يدخلون المسجد، ثم يخرجون
ولا يصلون. ومشروعية تحية المسجد لا تختص بمن قصد الجلوس فى المسجد بل تسن لكل من دخل أراد الجلوس فيه
أولا. ومن أدلة عدم الوجوب حديث كعب بن مالك فى تخلفه عن رسول الله مَ ◌ّه فى غزوة تبوك، وفيه حتى جئت
أى إلى المسجد فلما سلمت أى على رسول الله مفت} تبسم تبسم المنضب، ثم قال: تعال، لجنت حتى جلست بين يديه ..
الحدیث، وفيه: فقال رسول الله ژاتے : أما هذا فقد صدق نتم حتى يقضى الله فيك، فقمت فمضيت. فقوله: حتى
جئت، إلخ. يدل بظاهره على أنه جلس بلا صلاة، وقوله: فضيت. على أنه خرج بلا صلاة، وقد استنبط منه
النسائى فى سنته الرخصة فى الجلوس فى المسجد والخروج منه بغير صلاة. قال الخطابي: فى حديث أبى قتادة من الفقه
أنه إذا دخل المسجد كان عليه أن يصلى ركعتين تحية المسجد قبل أن يجلس ، سواء كان ذلك فى جمعة أو غيرها،
كان الإمام على المنبر أو لم يكن، لأن النبي تَُّ عم ولم يخص. قلت: هذا هو الصحيح، وقد جاء مصرحا فى حديث
جابر أن رجلا جاء والنبي مَّ يخطب، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: تم فاركع. وقد تقدم الإشارة
إليه فى كلام النووى. واختلفوا فيمن جاء المسجد وقد ركع ركعتى الفجر فى بيته، هل يركع عند دخوله المسجد أم لا؟
فقال الشافعى؛ يركع. وهى رواية أشهب عن مالك. وقال أبو حنيفة: لا يركع. وهى رواية ابن القاسم عن مالك.
قال ابن رشد: وسبب اختلافهم معارضة الأمر قوله عليه السلام: لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتى الصبح. فيهنا عمومان
وخصوصان: أحدهما فى الزمان والآخر فى الصلاة ، وذلك أن حدیث الأمر بالصلاة عام فى الزمان ، خاص فى
الصلاة ، وحديث النهى عام فى الصلاة ، خاص فى الزمان ، فمن استثنى خاص الصلاة من عامها رأى الركوع بعد ركمتى
الفجر ، ومن استثنى خاص الزمان من عامه لم يوجب ذلك - انتهى (قبل أن يجلس) الظاهر أنه خرج مخرج الغالب من
فعل الصلاة من قيام، فلو جلس ليأتى بها وأتى بها فورا من قعود جاز، وكذا لو أحرم بها قائما ثم أراد القعود لإتمامها.
قال ابن رسلان: المراد بالركعتين الإحرام بهما حتى لو صلاهما قاعد اكفى سواء أحرم قائما ثم جلس أو أحرم بالا
٤١٢

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
متفق عليه.
٧١٠ - (١٧) وعن كعب بن مالك، قال: كان النبى مُّ لا يقدم من سفر إلا نهارا فى الضحى،
فإذا قدم بدأ بالمسجد ، فصلى فيه ركعتين ، ثم جلس فيه. متفق عليه.
٧١١ - (١٨) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَّ: من سمع رجلا ينشد ضالة فى
المسجد ، فليقل : لا ردها الله عليك ،
وأفضل إحرامه بأول جلوسه، لأن النهى عن جلوس فى غير صلاة - انتهى. ثم إنه إذا خالف وجلس قبل أن يصلى
يشرع له التدارك ولا تفوت بالجلوس لما روى ابن حبان فى صحيحه من حديث أبى ذر أنه دخل المسجد فقال له النبي
مرّ : أركعت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركعهما. ترجم عليه ابن حبان أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس،
ومثله قصة سليك الغطفانى. ويحتمل أن تحمل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل. قال القارى: وما
يفعله بعض العوام من الجلوس أولا ثم القيام للصلاة ثانيا باطل لا أصل له (متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك وأحمد
والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٧١٠ - قوله (لا يقدم) بفتح الدال أى لا يرجع (إلا نهارا فى الضحى) بضم المعجمة والقصر، وهو وقت
قشرق الشمس ، قيل : الحكمة فى ذلك'أنه وقت نشاط فلا مشقة على أصحابه فى المجتی إلیه بخلاف نصف النهار فإنه وقت
نوم وراحة، وبخلاف أواخره لأنه وقت اشتغال بأسباب العشاء ونحوه، وبخلاف الليل فإنه يشق الحركة فيه (بدأ بالمسجد)
أى بدخوله (فصلى فيه ركعتين) هذا فعله موافقة، ولا يتوهم أنه من خصائصه لأنه قد أمر جابرا بصلاة القدوم من السفر،
وحديثه عند الشيخين وغيرهما ، وفى الحديثين استحباب ركعتين للقادم من سفره فى المسجد أول قدومه، وهذه الصلاة
مقصودة للقدوم من السفر ينوى بها صلاة القدوم لا أنها تحية المسجد التى أمر الداخل بها قبل أن يجلس لكن تحصل
التحية بها (ثم جلس فيه) قبل أن يدخل بيته ليزوره المسلون شفقة على خلق الله (متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود
والنسائى ، وهو طرف من حديث طويل لكعب بن مالك فى قصة تخلفه عن رسول الله مؤقت فى غزوة تبوك وتوبته .
٧١١ - قوله (ينشد ضالة) أى يطلبها برفع الصوت، وينشد بفتح الياء وضم الشين ، يقال: نشد الضالة أى نادى
وسأل عنها وطلبها ، وهو من النشد رفع الصوت، والضالة تطلق على الذكر والأنثى، والجمع ضوال کدابة ودواب،
وهى مختصة بالحيوان الضائع، ويقال لغير الحيوان ضائع ولقيط (فى المسجد) متعلق بينشد (فليقل) أى السامع يعنى
عقوبة له لارتكابه فى المسجد ما لا يجوز، وظاهره أنه يقوله جهرا (لا ردها الله عليك) معناه ما رد الله الضالة إليك
٤١٣
:

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
فإن المساجد لم تبن لهذا. رواه مسلم.
٧١٢ - (١٩) وعن جابر، قال: قال رسول اللّه مَّى: من أكل من هذه الشجرة المنقنة،
وما وجدتها. قال السندى: يحتمل أنه دعاء عليه، فكلمة لا لنفى الماضى، ودخولها على الماضى بلا تكرار جائز فى الدعاء،
وفى غير الدعاء الغالب هو التكرار كقوله تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى - ٧٥: ٣١﴾ ويحتمل أن لا ناهية أى لا تنشد،
وقوله: ردما الله عليك، دعاء له لا ظهار أن النهى عنه نصح له، إذ الداعى بالخير لا ينهى إلا نصحا، لكن اللائق
حينئذ الفصل بأن يقال: لا، وردها الله عليك، بالواو لأن تركما يوم، إلا أن يقال: الموضع موضع زجر، ولا يضر
به الإيهام لكونه إبهام شتى هو آكد فى الزجر - انتهى (فإن المساجد لم تبن لهذا) أى لنشدان الضالة ونحوه ، بل بنيت
لذكر الله والصلاة، والعلم والمذاكرة فى الخير، ونحوهما. وقوله: فإن المساجد، إلخ. يحتمل أنه فى حيز القول فلابد أن
يقوله القائل تعليلا لقوله، ويؤيده حديث بريدة عند مسلم: أن رجلا نشد فى المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر
فقال النبىِ مَّى: لا وجدته، إنما بنيت المساجد لما بنيت له. ويحتمل أنه تعليل لقوله فليقل، فلا حاجة إلى أن يقول.
والحديث دليل على تحريم السؤال برفع الصوت عن ضالة الحيوان فى المسجد ، وهل يلحق به السؤال عن غيرها من
المتاع ولو ذهب فى المسجد؟ قيل: يلحق للعلة، وهى قوله: فإن المساجد لم تبن لهذا، وإن من ذهب عليه متاع فيه أو
فى غيره قعد فى باب المسجد يسأل الخارجين والداخلين إليه (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود وابن ماجه.
٧١٢ - قوله (من هذه الشجرة المنتنة) بضم الميم وكسر التاء الفوقية من أنتن الشئى أى خبثت رائحته ، يعنى بها
الثوم كما وقع فى رواية للشيخين ، وفى رواية لمسلم: من أكل البصل والثوم والكراث. وفى قوله: شجرة، مجاز لأن
المعروف فى اللغة أن الشجرة ما كان لها ساق، وما لا ساق له يقال له: نجم، وبهذا فسر ابن عباس قوله تعالى ﴿ والنجم
والشجر يسجدان - ٦:٥٥) ومن أهل اللغة من قال: كل ما ثبت له أرومة أى أصل فى الأرض يخلف ما قطع من
ظاهرها فهو شجر، وما ليس لها أرومة تبقى فهو نجم. قال العينى: فإن قلت على ما ذكر: كيف أطلق الشجر على الثوم
ونحوه، قلت: قد يطلق كل منهما على الآخر، وتكلم أفصح الفصحاء به من أقوى الدلائل - انتهى. وفى القاموس: الشجر
من النبات ما قام على ساق أو سما بنفسه دق أو جل، قاوم الشتاء أو عجز عنه، الواحدة بهاء - انتهى. والمراد بالثوم
فى الحديث النيئ منه، وأما المطبوخ فلا كرامة فيه لما روى أبو داود والترمذى من حديث على قال: نهى عن أكل الثوم
إلا مطبوخا، ولما يأتى فى الفصل الثانى من حديث معاوية بن قرة، عن أبيه: أن النبي ◌َ ◌ّ نهى عن هاتين الشجرتين .-
الحديث. وفيه: إن كنتم لابدآ كليهما فأميتوهما طبخا. فهذان الحديثان يفيدان تقييد ما ورد من الأحاديث المطلقة
فى النهى. ويلحق بما نص عليه فى الحديث من الثوم فى رواية، والبصل والكراث فى أخرى، والفجل فى رواية
٤١٤
١

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الانس.
المعجم الصغير للطبرانى، كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها لاسيما التقن والتبغ والتنباك والسيجارة، وإنما خص
الثوم والبصل والكراث والفجل بالذكر لكثرة أكلهم بها (فلا يقربن) بفتح الراء والباء الموحدة وبنون التأكيد المشددة
(مسجدنا) یرید به المكان الذى أعد لیصلی فیه مدة إقامته بخییر ، لأن القول المذکور صدر منه ،ُٹے عقب فتح خيبر ،
أو المراد بالمسجد الجنس، والإضافة إلى المسلين أى فلا يقربن مسجد المسلمين، ويؤيده رواية أحمد بلفظ («فلا يقربن
المساجد» ونحوه لمسلم، وهذا يدفع قول من خص النهى بمسجد النبى تَّ، لأن لفظ المساجد لا يساعده، وكذا التعليل
بتأذى الملائكة: لأن ذلك يوجد فى المساجد كلها ، ثم إن ظاهر التقييد بالمساجد يقتضى أن قربهم فى الأسواق غير منهى
عنه، ويؤيده التعليل لأن المساجد محل اجتماع الملائكة دون الأسواق، وكان المقصود مراعاة الملائكة الحاضرين فى
المساجد الخيرات، وإلا فالإنسان لا يخلو عن صحبة ملك فينبغى له دوام الترك لهذه العلة، قاله السندى. قلت : قد وقع
فى حديث أنس عند الشيخين ((فلا يقربنا)) قال الحافظ: ليس فى هذا تقييد النهى بالمسجد فيستدل بعمومه على إلحاق
الجامع بالمساجد كمصلى العيد والجنازة، ومكان الوليمة، وقد ألحقها بعضهم بالقياس، والتمسك بهذا العموم أولى، ونظيره
قوله: وليقعد فى بيته. لكن قد علل المنع فى الحديث بترك أذى الملائكة وترك أذى المسلین(كما فى حديث أبى هريرة عند مسلم:
فلا يقربن مسجدنا ولا يؤذينا بريح الثوم) فإن كان كل منهما جزء علة اختص النهى بالمساجد وما فى معناها وهذا هو
الأظهر، وإلا لعم النهى كل مجمع كالأسواق - انتهى. وقال ابن دقيق العيد: والظاهر أن كل واحد منهما علة
مستقلة -انتهى. وعلى هذا الأسواق كغيرها من مجامع العبادات (فإن الملائكة تتأذى) أريد بهم الحاضرون مواضع
العبادات عامة ، ويدل هذا التعليل على أنه لا يدخل المسجد وإن كان خاليا عن الإنسان لأنه محل ملائكة ، فقوله : ما
يتأذى منه الإنس - بكسر الهمزة - يكون محمولا على تقدير وجودهم فيه. والحديث يدل على جواز أكل الثوم وغيره
من البقول مما فيه رائحة كريهة مطبوعا كان أو غير مطبوخ لمن قعد فى بيته، وعند حضور المسجد إذا كان مطبوخا ثلا
يؤذى برائحته الخبيئة من يحضره من الملائكة وبنى آدم، فالنهى إنما هو عن حضور المسجد بعد أكل الثوم النيئى ونحوه
لا عن أكل الثوم والبصل ونحوهما ، فهذه البقول حلال لقوله {ٹے : کل فانی أناجی من لا تناجى. وقوله ڑٹے : أيها
الناس ليس لى تحريم ما أحل الله لى. وشذ أهل الظاهر فحرموا هذه الأشياء لا فضاءما إلى ترك الجماعة، وهى عندهم فرض
عين، وتقريره أن يقال: صلاة الجماعة فرض، ولا تتم إلا بترك أكلها وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فترك
أكلها واجب، فتكون حراما، كذا نقله ابن دقيق العيد وغيره عن أهل الظاهر، لكن صرح ابن حزم منهم بأن أكلها حلال
مع قوله: بأن الجماعة فرض عين ، وانفصل عن اللزوم المذكور بأن المنع من أكلها مختص بمن علم بخروج الوقت قبل
زوال الرائحة، ونظيره أن صلاة الجمعة فرض عين بشروطها ومع ذلك تسقط بالسفر، وهو فى أصله مباح لكن يحرم
٤١٥

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
متفق عليه.
٧١٣ - (٢٠) وعن أنس، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: البزاق فى المسجد خطيئة،
على من أنشأه بعد سماع النداء، قلت : الحديث قد استدل به على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين، قال ابن دقيق العيد :
وتقريره أن يقال: أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة فى حق آ كلها ، ولازم الجائز جائز فيكون
ترك صلاة الجماعة فى حق آ كلها جائزا، وذلك ينافى الوجوب، قال: وقد يستدل بهذا الحديث على أن أكل هذه
الأمور من الأعذار المرخصة فى ترك حضور الجماعة، وقد يقال: إن هذا الكلام خرج مخرج الزجر عنها فلا يقتضى
ذلك أن يكون عذرا فى تركها إلا أن تدعو إلى أكلها ضرورة، قال ويعد هذا من وجه تقريبه إلى بعض أصحابه فإن
ذلك ينفى الزجر - انتهى (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضا أحمد، والترمذى فى الأطعمة والنسائى فى الصلاة
وفى الباب روايات عن جماعة من الصحابة عند الشيخين وغيرهما بألفاظ متقاربة .
٧١٣ - قوله (البزاق) أى إلقاءه، وهو يضم الباء بعدها زاى، وفى رواية لمسلم «النفل ، بدل البزاق، وفى رواية النسائى: البصاق
بالصاد والنقل بفتح المثناة فوق وسكون الفاء هو البزاق والبصاق، وهما ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه فهو ريق (فى المسجد)
أى فى أرضه وجدرانه، قال الحافظ: قوله: فى المسجد. ظرف للفعل فلا يشترط كون الفاعل فيه حتى لو بصق من هو
خارج المسجد فيه تناوله النهى (خطيئة) بالهمز أى إثم وفى رواية لأحمد سيئة، ومثل البزاق المخاط والنخامة بل أولى.
قال القاضى عياض: إنما يكون خطيئة إن لم يدفنه، فمن أراد دفنه فلا، ورده النووى فقال: هو خلاف صريح الحديث،
فالبزاق فى المسجد عنده خطيئة مطلقا أراد دفنه أو لا. قال الحافظ: وحاصل النزاع أن مهنا عمومين تعارضنا وهما
قوله: البزاق فى المسجد خطيئة. وقوله: وليصق عن يساره أو تحت قدمه، فالنووى يجعل الأول عاما ويخص الثانى بما إذا
لم يكن فى المسجد، والقاضى بخلافه يجعل الثانى عاما ويخص الأول بمن لم يرد دفنها. وقد وافق القاضى جماعة منهم ابن مكى
فى التنقيب، والقرطبي فى المفهم ، ويشهد لهم ما رواه أحمد والطبرانى بإسناد حسن من حديث أبى أمامة مرفوعا، قال:
من تتخع فى المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة، فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوه حديث أبي ذر عند مسلم
مرفوعا قال: وجدت فى مساوى أعمال أمتى النخاعة تكون فى المسجد لا تدفن. قال القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة
بمجرد إيقاعها فى المسجد بل به وبتركها غير مدفونة - انتهى. ومما يدل على أن عمومه مخصوص جواز ذلك فى الثوب ولو
كان فى المسجد بلا خلاف، وعند أبى داود من حديث عبد الله بن الشخير أنه صلى مع النبى معَُّ فبصق تحت قدمه
اليسرى ثم دلكه بنعله. إسناده صحيح، وأصله فى مسلم، والظاهر أن ذلك كان فى المسجد فيزيد ما تقدم. وتوسط
بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر كأن لم يتمكن من الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر،
٤١.٦

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
وكفارتها دفنها. متفق عليه.
٧١٤٠ - (٢١) وعن أبى ذر، رضى الله عنه، قال: قال رسول اللّه مواضيع: عرضت على أعمال أمتى
حسنها وسيتها، فوجدت فى محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ، ووجدت فى مساوى أعمالها
النخاعة تكون فى المسجد لا تدفن. رواه مسلم.
٧١٥٠ - (٢٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َلَّم: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق
أمامه ،
1
وهو تفصيل حسن - انتهى كلام الحافظ باختصار يسير (وكفارتها) أى كفارة الخطيئة إذا فعلها (دفنها) أى فى
تراب المسجد ورمله وحصياته إن كان ، وإلا فيخرجها يعنى أنه إذا أزال ذلك البزاق أو ستره بشتى طاهر عقيب
الإلقاء زال منه تلك الخطيئة، قال الحافظ: قال ابن أبي جمرة: لم يقل: وكفارتها تغطيتها، لأن التغطية يستمر الضرر بها
إذ لا يأمن أن يجلس غيره عليها فنؤذيه بخلاف الدفن فإنه يفهم منه التعميق فى باطن الأرض - انتهى. قيل: إن لم يكن
المسجدذا تراب وكان ذا حصير لا يجوز إلقاء البزاق فيه احتراما المالية. قلت: إذا احتاج إلى دفع البزاق وكان المسجد
مجمصا ومبلطا فألقى البزاق تحت قدمه اليسرى ودلكه بحيث لم يبق فى المسجد للبزاق أثر فلا حرج، وعلى هذا
يحمل حديث عبد الله بن الشخير الذى تقدم فى كلام الحافظ (متفق عليه) وأخرجه أيضا الترمذى، وأبو داود
والنسائى.
٧١٤ - قوله (عرضت على) أى إجمالا أو تفصيلا (حسنها وسيها) بالرفع عطف بيان للأعمال أو بدل
اشتمال (فى محاسن أعمالها) جمع حسن بالضم والسكون على غير قياس (الأذى) أى المؤذى يعنى إزالته، واللام فيه
للجنس (يماط) أى يزال (عن الطريق) صفة الأذى ، قاله الطبى. وفيه التنبيه على أن كل ما نفع المسلمين أو أزال
عنهم ضرارا كان من حسن الأعمال (مساوى أعمالها) جمع سوء على غير قياس والياء منقابة عن الهمزة (النجاعة) بضم النون
أى البزاقة التى تخرج من أصل الفم والمراد إلقائها، وقيل: المراد بها البزاق (تكون فى المسجد) صفة النخاعة (لا تدفن)
قال ابن الملك : الجملنان صفتان أو حالان أى متداخلتان أو مترادفتان (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد، وابن ماجه
وابن حبان .
٧١٥ - قوله (إذا قام أحد كم إلى الصلاة) أى شرع فيها ففى حديث أنس عند الشيخين: إذا كان أحدكم فى
الصلاة. وفى حديث عبد الله بن عمر عندهما أيضا: إذا كان أحدكم يصلى (فلا يبصق) بالصاد والجزم على النهى،
وقيل: نفى معناه النهى (أمامه) بفتح الهمزة أى قدامه، وظاهر الاطلاق يعم المسجد وغيره، بل الواقعة كانت فى المسجد
٤١٧

مرعاة المفاتيح ج٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
فإنما يناجى الله ما دام فى مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكا. وليبصق عن يساره أو
تحت قدمه فيدفنها.
كما يدل عليه سبب الحديث فيدل على أن الحكم ليس معللا بتعظيم المسجد وإلا لكان اليمين واليسار سواء، بل المنع عن
تلقاء الوجه للتعظيم بحالة المناجاة مع الرب تعالى، وعن اليمين للتأدب مع ملك اليمين كما يفهم من الأحاديث، قاله
السندى (فإنما يناجى الله) والمناجاة من قبل العبد حقيقة، ومن قبل الله إقباله تعالى عليه بالرحمة والرضوان فمناجاة الله
مجاز، إذ المناجاة هى المسارة بين الاثنين، ولا كلام محسوسا إلا من طرف العبد فيكون المراد لازم المناجاة وهو إرادة
الخير (ما دام فى مصلاه) أى ومن يناجى أحدا مثلا لا يبصق نحوه، وظاهره يقتضى تخصيص المنع بحالة الصلاة لكن
التعليل بتأذى المسلم فى حديث سعد بن أبى وقاص مرفوعا عند أحمد بإسناد حسن: من تنخم فى المسجد فليغيب خامته أن
قصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه. يقتضى المنع فى جدار المسجد مطلقا، ولو لم يكن فى الصلاة، فيجمع بأن يقال:
كونه فى الصلاة أشد إنما مطلقا، وكونه فى جدار القبلة أشد إثما من كونه فى غيرها من جدار المسجد (ولا عن يمينه) تعظيما لليمين
وزيادة لشرنها (فان عن يمينه ملکا) لا بدمن وجه يقتضی اختصاص المنعبالیمین لأجل الملك، إذ الملك فی یساره أيضا،
وذلك الوجه هو أن يقال: أن ملك اليمين يكتب حسنات المصلى فى حالة صلاته، والصلاة هى أم الحسنات البدنية ، وهى
أيضا تنهى عن الفحشاء والمنكر فلا دخل لكاتب السيئات الكائن عن اليسار فيها ، ويكون هوفارغا. وأحسن ما قيل فيه:
أن لكل أحد قرينا أى شيطانا وموقعه يساره كما فى حديث أبي أمامة عند الطبرانى، فإنه يقوم بين يدى الله، وملكه عن يمينه
وقرينه على يساره. فلعل المصلى إذا تغل عن يساره يقع على قرينه وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذيكون بحيث لا يصيبه
شئ من ذلك ، أو أنه يتحول فى الصلاة إلى اليمين. وقيل: التشكير فى ملكا للتعظيم أى ملكا عظيما، فلا يشكل بأن على
اليسار أيضا ملكا. وقال الطبى: يحتمل أن يراد ملك آخر غير الحفظة يحضر عند الصلاة للتائيد والإلهام والتأمين على
دعائه فسيله سبيل الزائر فيجب أن يكرم زائره فوق من يحفظه من الكرام الكاتبين (وليصق عن يساره) أى إن
كان فارغا. قال الخطابي: إن كان عن يساره أحد فلا يبزق فى واحد من الجهتين لكن تحت قدمه أو ثوبه. ويؤيده
ما رواه أبو داود من حديث طارق المحاربى مرفزعا، فإنه قال فيه: ولكن عن تلقاً يساره إن كان فارخا، أو تحت
قدمه الیسری ، ثم ليقل به. وفى رواية النسائى: أو تلقاء شمالك إن كان فارغا ، وإلا نهكذا وبزق تحت رجله ودلكه ،
ومعنى قوله ((فارغا)، أى مشمكنا من البزق فى يساره، وقوله (ثم ليقل به، أى ليدفنه إذا بزقه تحت قدمه اليسرى
(أو تحت قدمه) أى اليسرى وأو التشويع أى إذا تعذر فى جهة اليسار لوجود فصل فيها بصق تحت قدمه (فيدقها)
بتحسب النون لأنه جواب الأمر، وبرضها على أنها خبر مبتدأ محذوف، أى فهو يدفتها، ويجوز الجزم عطفا على الأمرة
٤١٨٠
.

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
٧١٦ - (٢٣) وفى رواية أبى سعيد: تحت قدمه اليسرى. متفق عليه.
٧١٧ - (٢٤) وعن عائشة، أن رسول اللّه وَّم قال فى مرضه الذى لم يقم منه: لعن الله اليهود
والنصارى ، اتخذوا قبور أنيتهم مساجد.
F
وتأنيث الضمير فى «فيدفنها)) بتأويل البصقة التى يدل عليها قوله ((وليصق)) أى فيغيب البصقة بالتعميق فى باطن أرض
المسجد بحيث يأمن الجالس عليها من الإيذاء، فلو كان المسجد غیر ترابي فيدلكها بشئى حتى يذهب أثرها ألبتة، وإذا
بدره البزاق ولم يكن يساره فارغا وكان تحت قدمه فراش من ثوب ونحوه تعين الثوب البزق فيفل فيه ثم يرد بعضه على
بعض ولو فقد الثوب مثلا فلعل بلعه أولى من ارتكاب المنهى عنه.
٧١٦ - قوله (وفى رواية أبى سعيد) أى عند الشيخين (متفق عليه) واللفظ للبخارى، وفى الباب عن أنس،
وابن عمر ، وأبى سعيد عند الشيخين ، وجابر بن عبد الله عند أبى داود وغيره.
٧١٧ - قوله (قال فى مرضه الذى لم يقم منه) كانه وم علم أنه مرتحل من ذلك المرض فخاف أن يعظم قبره
كما فعل اليهود والنصارى، فعرض بلعنهم إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم كيلاً يعامل معه ذلك، فقال: (لعن الله
اليهود والنصارى) واللعن أمارة الكبيرة المحرمة أشد التحريم فيكون الفعل الذى أوجب اللعن حراما (اتخذوا قبور
أنياهم مساجد) جملة مستأنفة على سبيل البيان لموجب اللعن، كأنه قيل: ما سبب لعنهم؟ فأجيب بقوله: اتخذوا. زاد فى
رواية: يحذر ما صنعوا. وهى جملة مستأنفة أخرى من كلام الراوى ، كأنه سئل عن حكمة ذكر ذلك فى ذلك الوقت،
فقال: ليحذر أمته أن يصنعوا بقبره مثل ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم. واتخاذ القبور مساجد أعم من أن
يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة عليها. وفى مسلم: لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها ، ولا عليها
والظاهر أن العلة سد الذريعة والبعد عن التشبه بعبدة الأوثان الذين يعظمون الجمادات التى لا تسمع ولا تنفع
ولا تضر، ولما فى إنفاق المال فى ذلك من العبث والتبذير الخالى عن النفع بالكلية، ولأنه سبب لا يقاد السرج عليها
الملعون فاعله، ومفاسد ما يبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر. وقال التوربشتى الحنفى فى شرح المصابيح: معنى
إنكار النبي مؤلّم على اليهود والنصارى صنيعهم هذا مخرج على وجهين: أحدهما أنهم كانوا يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما
لهم، والثانى أنهم كانوا يتحرون الصلاة فى مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظرا
منهم بأن ذلك الصنيع أعظم موقعا عند الله لاشتماله على الأمرين: عبادة الله سبحانه، والمبالغة فى تعظيم الأنياء، وذهابا
إلى أن تلك البقاع بإقامة الصلاة والتوسل بالعبادة فيها إلى الله لاختصاصها بقبور الأنبياء، وكلا الطريقين غير مرضية، أما
الأولى فلاتها من الشرك الجلى، وأما الثانية فلا نها متضمنة معنى ما من الإشراك فى عبادة اللّه حيث أتى بها على صنعة
٤١٩

مرعاة المفاتيح ج٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
متفق عليه
٧١٨ - (٢٥) وعن جندب، قال: سمعت النى مَالى يقول: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون
قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد،
الإشراك أو التبعية لمخلوق. والدليل على ذم الوجهين قوله مري: لا تجعل قبرى وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. والوجه الأول أشبه به. وأما نهى النبي مثل أمته عن الصلاة فى المقابر فإنه لمعنيين:
أحدهما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود ، وإن كان القصدان مختلفين ، والثانى لما يتضمنه من الشرك الخفى حيث أتى فى عبادة
الله بما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له. قال والصلاة فى المواضع المتبركة بها من مقابر الصالحين داخلة فى جملة
هذا النهى لا سيما إذا كان الباعث تعظيم هؤلاء وتخصيص تلك المواضع لما أشرنا إليه من الشرك الخفى - انتهى كلام
التوربشتى بقدر الضرورة. قلت : ويدخل أيضا فى هذا النهى والوعيد اتخاذ مسجد بجوارنبى أو صالح، والصلاة عند
قبره لا لتعظيمه، ولا بالتوجه نجوه بل لحصول مدد مته، ورجاء كمال عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح، وهذا لأن
اتخاذ المسجد بقربه وقصد التبرك به تعظيم له، ولأن فى هذا الصنيع أيضا من المفاسد ما لا يخفى، ولأنه لم يأمر التى مؤێے.
أحدا من أمته بالاستفاضة بقبره أو بقبر أحد من صلحاء أمته، ولا بالاستعداد منه، ولا بالمجاورة به، ولا التبرك به، وإنما أمر
أمته بالسلام على أهل القبور والدعاء والاستغفار لهم عند زيارة القبور وحث على الاعتبار بهم ، فالاستفاضة بالقبور ،
والاستعداد منها ، والتبرك بها ولو كان بدون التوجه إليها حرام عندنا لكونه داخلا فى الشرك الخفى. واعلم أنه قد
استشكل ذکر النصارى فى الحدیث لأنه ليس لهم نی إلا عیسی علیه السلام، إذ لا نی بينه وبين محمد ◌ُٹے ، وهو حى فى
السماء لم يمت، فليس له قبر، وأجيب بأن ضمير الجمع فى قوله ((أنبيائهم)) للجموع من اليهود والنصارى، فإن اليهود لهم
أنبياء، أو المراد الأنياء وكبار أتباعهم ،فا كتفى بذکر الأنبياء، ويؤيده رواية جندب التالية حيث قال : كانوا يتخذون
قبور أنياتهم وصالحيهم مساجد، ولهذا أفرد النصارى، كما فى رواية لعائشة رضى الله عنها عند الشيخين. قال: إذا مات
فیھم الرجل الصالح، ولما أُفرد اليهود کمافى حديث أبى هريرة قال : قبور أنیاتهم، أو أنه كان فيهم أنیاء أيضا لكنهم غير
مرسلين كالحواريين، أويقال: أنياء اليهودأنبياء النصارى، لأن النصارى مأمورون بالايمان بكل رسول، فرسل بنى إسرائيل
يسمون أنياء فى حق الفريقين، والمراد من الاتخاذ أعم من أن يكون ابتداءا أو اتباعا، فاليهودابتدعت، والنصارى اتبعت، ولا ريب
أن النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود، وخصص اليهود بالذكر فى حديث أبى هريرة لكونهم ابتدعوا هذا
الاتخاذ فهم أظلم (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الصلاة، والجنائز، والمغازى، ومسلم فى الصلاة، وأخرجه أيضا النسائى.
٧١٨ - قوله (ألا) للتنبيه (وإن) بالكسر على تقدير أنبهكم وأقول إن. قال القارى: وروى بالفتح، فالتقدير:
تنبهوا واعلموا أن (من كان قبلكم) أى اليهود والنصارى، أو أعم منهما (ألا فلا تتخذوا القبور مساجد) كرر التنبيه
٤٢٠