النص المفهرس
صفحات 381-400
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٦ - باب
فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم،
وتدل على أن الوقت الذى يقع فيه الأذان قبل الفجر هو وقت السحور ، وأرادت عائشة بذلك بيان قلة ما بين أذانيهما
من المدة لا التحديد (فكلوا واشربوا) أتى أيها المريدون الصيام، والأمر للإباحة والرخصة ، وبان بقاء الليل بعد أذان
بلال ، وفيه إشعار بأن الأذان كان علامة عندهم على دخول الوقت، فبين لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك (حتى) أى إلى
أن (ينادى) أى يؤذن (ابن أم مكتوم) اسمه عمرو، أو عبد الله بن قيس بن زائدة القرشى، وهو الأعمى المذكور فى.
سورة عبس، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية. وروى ابن خزيمة فى صحيحه عن عائشة مرفوعا: إذا أذن عمرو
فإنه شرير البصر فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد. وروى النسائى وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما ،
وأحمد فى مسنده عن أنيسة بنت خبيب بلفظ: إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا
تشربوا. وهذا كما ترى مخالف لحديث ابن عمر. وقد جمع بينهما ابن خزيمة وغيره: بأنه يجوز أن يكون عليه السلام
جعل الآذان بین بلال و ابن أم مكتوم نوائب، فأمر فی بعض الليالى بلالا أن يؤذن بلیل، فإذا نزل بلال صعد
ابن أم مكتوم ، فأذن فى الوقت ، فإذا جاءت نوبة ابن أم مكتوم بدأ فأذن بليل، فإذا نزل، صعد بلال فأذن فى الوقت ،
فكانت مقالة النبى ٹّے : إن بلالا يؤذن بلیل. فى وقت نوبة بلال، وكانت مقالته: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل . فى
وقت نوبة ابن أم مكتوم. وقيل: لم يكن الأذان بينهما نوبا، وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإن بلالا كان فى أول ما شرع
الأذان يؤذن وحده ، ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر، وعلى ذلك تحمل رواية عروة عن امرأة من بى النجار قالت:
كان بلال يجلس على بيتى ، وهو أعلى بيت فى المدينة، فإذا رأى الفجر تطأ ثم أذن. أخرجه أبو داود وإسناده حسن.
ثم أردف ابن أم مكتوم ، فكان يؤذن بليل ، واستمر بلال على حالته الأولى، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسقوعائشة ،
ثم فى آخر الأمر أخر ابن أم مكتوم لضعفه، ووكل به من يراعى له الفجر ، واستقر أذان بلال بليل ، وكان سبب ذلك
ما رواه أبو داود وغيره عن ابن عمر: أن بلالا كان ربما أخطأ الفجر فأذن قبل طلوعه، وإنه أخطأ مرة فأمره عليه
السلام أن يرجع فيقول: ألا إن العبدنام ، يعنى أن غلة النوم على عينيه منعته من تبين الفجر، فلهذا - والله أعلم - استقر
أن بلالا يؤذن الأذان الأول وبهذاظهر أنه لا مخالفة بين قوله مَّ: إن بلالا يؤذن بليل. وبين أمره إياه بالاعتذار
بقوله: ألا إن العبد قد نام، فإن قوله عليه السلام: إن بلالا يؤذن بليل، إنما هو محمول على حالته الأخرى. أى على
زمان كان بلال يؤذن بالليل وابن أم مكتوم بالصبح ، وأما أمره بلالا أن ينادى: ألا إن العبد قد نام. فيحمل على
حالته الأولى، أى على زمان كان بلال يؤذن فيه للصبح، واتفق أنه أذن مرة فى الليل على عظن أن الفجر قد طلع فاحتاج
إلى الاعتذار، لأن الفجر لم يطلع، ولأن الآذان بالليل قد كان فرغ عنه ابن أم مكتوم. قال الخطابي فى المعالم (ج ١:
ص ١٥٧): يشبه أن يكون هذا أى قوله: ألا إن العبد نام، فيما تقدم من أول زمان الهجرة، فإن الثابت عن بلال
أنه كان فى آخر أيام رسول اللّه مؤهل يؤذن بليل ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر، وثبت عنه مَّم أنه قال: إن
=
٣٨١
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٦ - باب
قال: وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى، لا ينادى حتى يقال له : أصبحت أصبحت.
بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم - انتهى. قال الأمير اليمانى فى السبل: فى الحديث شرعية
الأذان قبل الفجر لا لما شرع له الأذان، فإن الأذان شرع للاعلام لدخول الوقت ، ولدعاء السامعين بحضور الصلاة،
وهذا الأذان الذى قبل الفجر قد أخبر مح له بوجه شرعيته بقوله: ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم. رواه الجماعة إلا الترمذى
عن ابن مسعود، والقائم هو الذى يصلى صلاة الليل، ورجوعه عوده إلى نومه أو قعوده عن صلاته إذا سمع الأذان، فليس للاعلام
بدخول الوقت ولا لحضور الصلاة، فذكر الخلاف فى المسئلة والاستدلال المانع وللجيز لا يلتفت إليه من همه العمل بما
ثبت - انتهى كلام الأمير. قلت: أشار بقوله: بذكر الخلاف. إلى ما ذكره الشراح من الاختلاف بين الأثمة،
قالوا : ذهب مالك والشافعى وأحمد وأبو يوسف إلى جواز الأذان لصلاة الفجر قبل طلوعه والاكتفاء به، وعدم وجوب
الإعادة. قال هؤلاء: كان الأذانان لصلاة الفجر ، ولم يكن الأول مانعا من التسحر ، وكان الثانى من قبيل الاعلام بعد
الإعلام، وإنما اختصت صلاة الفجر بهذا من بين الصلوات، لما ورد من الترغيب فى الصلاة لأول الوقت ، والصبح
يأتى غالبا عقيب النوم فناسب أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها لتأهوا ويدركوا فضيلة أول الوقت. وقال
أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز الأذان لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر كمافى سائر الصلوات ، فلو أذن قبل طلوعه يجب الإعادة
ولا يكتفى به. قالا: لم يكن الأذان الأول لصلاة الفجر بل كان لغرض آخر بينه عَ ه فى حديث ابن مسعود بقوله:
ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم. قلت : ليس فى حديث ابن مسعود ما يدل على الحصرفيما ذكر من السبب لأذان بلال، ولا
تزاحم فى الأسباب مع أنه ليس فيه بيان علة الأذان بل بيان نكتة التقديم، والراجح عندى أنه يجوز الأذان لصلاة الفجر
قبل طلوع الصبح، ويكتفى به إن قدم قبل الفجر بزمان يسير، ولا يجب الإعادة. هذا هو الذى يستفاد من أحاديث
الباب عندى. ولا يخفى ذلك على من تأمل فى الأحاديث الواردة فى ذلك إن شاء الله تعالى. واعلم أنه ادعى ابن القطان وابن
دقيق العيد ومحمد بن الحسن أن قوله: إن بلالا يؤذن بليل. كان فى رمضان خاصة لا فى سائر العام. وفيه نظر لأن قوله ((كلوا واشربوا))
يتأتى فى غير رمضان أيضا، وهذا لمن كان يريد صوم التطوع، فإن كثيرا من الصحابة فى زمنه مرّة كانوا يكثرون صيام النفل فكان
قوله «فكلوا واشربوا، بالنظر إلى هؤلاء، ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق عن ابن المسيب مرسلا بلفظ: إن بلالا
يؤذن بليل ، فمن أراد الصوم فلا يمنعه أذان بلال حتى يؤذن ابن أم مكتوم. ذكره على المتقی فی کنز العمال (ج ٤:
ص ٣١١) فعل النبي مَ ◌ّ الصوم فيه باختيار الرجل، ولا يكون ذلك إلا فى غير رمضان، فدل على أن قوله عليه السلام
(إن بلالا يؤذن بليل) ليس مختصابر مضان (قال) أى ابن شهاب راوى الحديث، أو شيخه سالم، أو شيخ شيخه ابن عمر
(رجلا أعمى) قيل: عمی ابن أم مكتوم بعد بدر بستین، وفيهأن سورةعبسمکیة فی قول الجميع، وعن ابن عباس نزلت بمكة،
فكيف يصح أن يقال أنه عمى بعدبدر بسنتين؟ فالظاهر أنه عمى بعد البعثة بسنتين. وقيل ولد أعمى فكنيت أمهأم مكتوم لاكتنام
نور بصره، والأول هو المشهور (أصبحت أصبحت) بالتكرار للتأكيد، وهى تامة تستغنى بمرفوعها، أى دخلت فى الصباح، هذا
٣٨٢
٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٦ - باب
متفق عليه .
٦٨٦ - (٢) وعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول اللّه عَ لّم: لا يمنعنكم من سحوركم أذان
بلال، ولا الفجر المستطيل ، ولكن الفجر المستطير فى الأفق. رواه مسلم ولفظه للترمذى.
ظاهره. واستشكل لأنه جعل أذانه غاية للأ كل فلو لم يؤذن حتى يدخل فى الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر
والإجماع على ثلافه إلا من شذ كالأعمش. وأجيب بأن الغرض أن أذان ابن أم مكتوم جعل علامة لتحريم الأكل
والشرب. والظاهر أنه كان له من يراعى الوقت بحيث يكون أذانه مقارنا لابتداء طلوع الفجر، وعند أخذه فى الأذان يعترض
الفجر فى الأفق ، ولم يكن الصحابة يخفى عليهم الأكل فى غير وقته بل كانوا أحوط لدينهم من ذلك. وقيل: المعنى قاربت
الصباح جدا ، فإن قرب الشئى قد يعبر به عنه، كما فى قوله تعالى ﴿فإذا بلغن أجلهن) أى قاربن ، لأن العدة إذا تمت
فلا رجعة ، فلا يلزم وقوع أذان ابن أم مكتوم قبل الفجر ولا الأكل بعد طلوع الفجر ، لاحتمال أن يكون قولهم ذلك
يقع فى آخر جزء من الليل، وأذانه يقع فى أول جزء من طلوع الفجر، وهذا وإن كان مستبعدا فى العادة فليس بمستبعد
من مؤذن النبي ◌َّم المؤيد بالملائكة ، فلا يشاركه فيه من لم يكن بتلك الصفة. وقيل: إن أذانه كان يقع فى أول طلوع
الفجر الثانى قبل تبينه وانتشاره ، وتحريم الأكل إنما يتعلق بانتشاره وتبينه، لا بطاوعه كما يدل عليه قوله تعالى (حتى
يتبين لكم - ٢: ١٨٧) وفى الحديث دليل على جواز أذان الأعمى من غير كراهة إذا كان عنده من يخبره بدخول الوقت
لأن الوقت فى الأصل مبنى على الشهادة. وفيه جواز تقليد الأعمى للبصير فى دخول الوقت. وفيه جواز ذكر الرجل
بما فيه من العامة إذا كان القصد التعريف به ونحوه (متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك وأحمد والترمذى والنسائى.
٦٨٦ - قوله (من سحوركم) بضم السين مصدرا أى تسحركم، وبفتحها اسم الأكول، أى من أكل سحوركم وهو
ما يتسخر به (أذان بلال) أبى فإنه يؤذن بليل (ولا الفجر المستطيل) أى ولا يمنعكم الصبح الذى يصعد إلى السماء كالعمود
قسميه العرب ذنب السرحان، وبطلوعه لا يدخل وقت صلاة الصبح، ولا يحرم الطعام . قال ابن الملك: وهو الفجر
الكاذب، يطلع أولا مستطيلا إلى السماء ثم يغيب ، وبعد غيبوبته بزمان يسير يظهر الفجر الصادق (ولكن) بالتخفيف
ويشدد (الفجر) بالرفع وينصب (المستطير فى الأفق) هو الذى انتشر ضوءه، واعترض فى الأفق الشرقى كأنه طار فى
نواحى السماء بخلاف المستطيل كذنب السرحان بكسر السين وهو الذئب. وفى الحديث بان صفة الفجر الذى يتعلق به
الأحكام من الدخول فى الصوم ، ودخول وقت صلاة الصبح، وهو الفجر الثانى، ويسمى الصادق والمستطير، وأنه لا
أثر للفجر الأول فى الأحكام ، وهو الفجر الكاذب والمستطيل كذنب الذئب (رواه مسلم) فى الصيام أى بمعناه بألفاظ
مختلفة (ولفظه الترمذى) أخرجه الترمذى فى الصيام، وحسنه. قيل: الأظهر أن يقول: رواه الترمذى، ولمسلم معناه.
وقيل: الأنسب (رواه مسلم والترمذى واللفظ له، قلت: يستفاد هذا من كلام المصنف مع الاختصار، وهو أنسب
٣٨٣
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٦ -باب
٦٨٧ - (٣) وعن مالك بن الحويرث، قال: أتيت النبي ◌َّ أنا وابن عم لى، فقال: إذا سافرتما
فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما. رواه البخارى.
للفصل الأول، فهو أولى بالاعتبار. والحديث أخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى والدار قطنى والحاكم وابن
خزيمة والطبرانى وأبو يعلى وابن أبى شيبة.
٦٨٧ - قوله (وعن مالك بن الحويرث) بالتصغير ، يكنى أبا سليمان الليثى الصحابى، نزل البصرة ، له خمسة
عشر حديثا ، اتفقا على حديثين، وانفرد البخارى بحديث، مات سنة (٧٤) (أنا وابن عم لى) بالرفع على العطف،
وبالنصب على أنه مفعول معه (فقال) أى لنا، ففي رواية للنسائى: قال لى رسول اللّه مر ثين ولصاحب لى. ولفظ
البخارى فى باب سفر الاثنين من كتاب الجهاد («انصرفت من عند النبي مَّر، فقال لنا أنا وصاحب لى). قال الحافظ:
لم أر فى شئى من طرقه تسمية صاحبه (فأذنا) أى ليؤذن أحدكما ويجيب الآخر، وإنما احتيج إلى هذا التأويل وصرف
عن ظاهره لقوله فى الرواية الآتية («فليؤذن لكم)) ولما رواه الطبرانى فى هذا الحديث: إذا كنت مع صاحبك فأذن وأقم،
وليؤمكما أكبر كما. ولأن أذان الواحد يكفي الجماعة إجماعا، فاجتماعهما فى الأذان غير مطلوب. وقيل: الاسناد مجازى،
أى ليتحقق بينكما الأذان، كما فى ((بنو فلان قتلوا)) أى وجد القتل فيما بينهم. والمعنى: يجوز لكل منكما الأذان أيكما فعل
حصل، فلا يختص بأكبر كالا مامة ، فنسب الأذان إليهما للتنبيه على عدم خصوصه بأحدهما بعينه كالإمامة. وقيل:
المراد من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن، ونسب إليهما لاستوائهما فى الفضل، ولا يعتبر فى الأذان السن بخلاف الإمامة.
وقال الكرمانى: قد يطلق الأمر بالثنية والجمع والمراد واحد كقوله: يا حرسى! اضربا عنقه. مع أن الضارب واحد
(وأقيما) فيه حجة لمن قال باستحباب إجابة المؤذن بالإقامة إن حمل الأمر على ما مضى من التأويل الأول ، وإلا فالذى
يؤذن هو الذى يقيم (وليؤمكما أكبر كما) أى سنا، وإنما خص الأكبر بالإمامة لمساواتهما فى سائر الأشياء الموجبة للتقدم
كالأقرئية والأعلية بالسنة لمساواتهما فى المكث والحضور عنده مَّة، وذلك يستلزم المساواة فى هذه الصفات عادة.
والحديث قد استدل به من قال بوجوب الأذان. قال القسطلانى: لكن الإجماع صارف للأمر عن الوجوب، وفيه
نظر. وفى الحديث الحض على المحافظة على الأذان فى السفر. وفيه أن أقل صلاة الجماعة إمام ومأموم، وهو إجماع المسلمين.
وفيه أن الأذان والجماعة مشروعان للمسافرين (رواه البخارى) فى باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة، وفى
باب اثنان فا فوقهما جماعة، وفى باب سفر الاثنين من كتاب الجهاد ، لكن ليس فى واحد من هذه الروايات لفظ
«وابن عم لى، نعم هو عند الترمذى وأبى داود والنسائى. والحديث أخرجه أيضا أحمد ومسلم والترمذى وأبو داود
والنسائى وابن ماجه فكان الأنسب للصنف أن يقول متفق عليه.
٣٨٤
٠
-
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٦ - باب
٦٨٨ - (٤) وعنه، قال: قال لنا رسول اللّه ◌َفّ: صلوا كما رأيتمونى أصلى، وإذا حضرت الصلاة،
فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم. متفق عليه.
٦٨٩ - (٥) وعن أبى هريرة، قال: إن رسول اللّه ◌َ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلة،
حتى إذا أدركه الکری عرس ،
٦٨٨ - قوله (صلوا كما رأيتمونى أصلى) أى فى مراعاة الشروط والأركان والسنن والآداب (وإذا حضرت
الصلاة) أى وقتها (ثم ليؤمكم أكبركم) أى فى السن، وإنما قدمه وإن كان الأقرأ والأعلم مقدمين عليه لأنهم استووا فى
الفضل لأنهم مكثوا عنده عشرين ليلة فاستووا فى الأخذ عنه عادة فلم يق ما يقدم به إلا السن. قال الشوكانى : الحديث
يدل على وجوب جميع ما ثبت عنه مَّ فى الصلاة من الأقوال والأفعال، ويؤكد الوجوب كونها بيانا لمجمل قوله تعالى:
﴿ وأقيموا الصلاة) وهو أمر قرآنى يفيد الوجوب، وبيان المجمل الواجب واجب كما تقرر فى الأصول، إلا أنه ثبت
أنه ◌َّ اقتصرفى تعليم المسئ صلاته على بعض ما كان يفعله، ويداوم عليه، فعلمنا بذلك أنه لا وجوب لما خرج عنه من
الأقوال والأفعال، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر فى الأصول بالإجماع. ووقع الخلاف إذا
جاءت صيغة أمر بشتى لم يذكر فى حديث المسئ، فمنهم من قال يكون قرينة لصرف الصيغة إلى الندب، ومنهم من قال
تبقى الصيغة على الظاهر الذى تدل عليه ويؤخذ بالزائد فالزائد (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الصلاة ، وفى الأدب ،
وفى أخبار الآحاد، ومسلم فى الصلاة، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣: ص ٤٣٦ وج ٥ : ص ٥٣) والنسائى .
قال السيد: لم يذكر مسلم ((صلوا كما رأيتمونى أصلى، فقول المصنف ((متفق عليه)) محل بحث. وأجيب بأنه يحمل على
الغالب، أو محل الشاهد والأمر الذى يتعلق به الحكم ويترتب عليه الخلاف من الوجوب والندب. واعلم أن حديث
مالك هذا وحديثه السابق واحد فى الأصل، وفيه قصة، وبعضهم أطال، وبعضهم اختصر ، والمعنى متقارب. وقيل
فى توجيه اختلاف السياق أنه يحتمل أن تكون هذه الألفاظ المتعددة كانت منه فى وفادتين أو فى وفادة واحدة غير أن
النقل تكرر منه ومن النبى مَثّ. والله أعلم.
٦٨٩ - قوله (حين قفل) أى رجع إلى المدينة (من غزوة خيبر) فى المحرم سنة سبع، وخيبر غير منصرف
للعلمية والتأنيث، وهى اسم موضع على ستة مراحل ، وقيل على ستة وتسعين ميلا من المدينة (حتى إذا أدركه الكرى)
بفتحتين وهو النعاس، وقيل النوم (عرس) من التعريس أى نزل آخر الليل النوم والاستراحة. قال النووى: التعريس
تزول المسافرين آخر الليل النوم والاستراحة ، هكذا قاله الخليل والجمهور. وقال أبو زيد: هو النزول أى وقت كان
٣٨٥
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٠ ٦ - باب
وقال لبلال: إكلاً لنا الليل. فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول اللّه مَّم وأصحابه. فلما تقارب
الفجر ، استند بلال إلى راحلته موجه الفجر، فغلبت بلالا عيناه، وهو مستند إلى راحلته ، فلم
يستيقظ رسول اللّه مثله، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله
عربية أولهم استيقاظا، ففزع رسول اللّه مؤثّر، فقال: أى بلال! فقال بلال: أخذ بنفسى الذى أخذ
بنفسك. قال : اقتادوا.
من ليل أو نهار، وفى الحديث معرسون فى نحر الظهيرة - انتهى. وقال الخطابي: هو النزول لغير إقامة (إكلاً)
بهمزة فى آخره، أى ارقب واحفظ واحرس، ومصدره الكلاء بكسر الكاف والمد (الليل) أى آخره لإ دراك الصبح
(فصلى بلال ما قدر له) أى ما تيسر له منن التهجد (وأصحابه) بالرفع على العطف ، ويجوز نصبه على أنه مفعول معه
(استند بلال إلى راحلته) لغلبة ضعف السهر وكثرة الصلاة (موجه الفجر) أى ليرقبه حتى يوقظهم عقب طلوعه. قال
القارى: هو بكسر الجيم على أنه فعل لازم ، ولذا قال الطبي: أى متوجه الفجريعنى موضعه، وفى نسخة بفتح الجيم على أن
الفعل متعد، والموجه هو الله تعالى ولكل وجهة - انتهى. ووقع فى صحيح مسلم، وكذا عند ابن ماجه (مواجه الفجر))
بزيادة الألف بعد الواو من المواجهة ، قال النووى : أى مستقبله بوجهه (فغلبت بلالا عيناه) قال الطيبي: هذا عبارة
عن النوم كأن عينيه غالبتاه فقلبتاه على النوم، تم كلامه. وحاصله أنه نام من غير اختيار (وهو مستند إلى راحلته)
جملة حالية تفيد عدم اضطجاعه عند غلبة نومه (حتى ضربتهم الشمس) أى أصابتهم ووقع عليهم حرها ، وألقت عليهم
ضوءها (ففزع) بكسر زاى معجمة وعين مهملة أى قام قيام المحير (رسول الله مر ثية) أى من استيقاظه وقد فاتته
الصبح. وقال الخطابي: معناه انتبه من نومه، يقال: أفزعت الرجل من نومه. إذا استيقظته ففزع، أى نبهته فانتبه (فقال: أى بلال!)
العتاب محذوف أو مقدر أى لم تمت حتى فاتنا الصلاة؟ (أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك) أى كما توناك الله فى النومتوفانى، أويقال:
معناه غلب على نفسى ما غلب على نفسك من النوم ، أى كان نومى بطريق الاضطرار دون الاختيار ليصح الاعتذار،
وليس فيه احتجاج بالقدر كما توهمه بعضهم (اقتادوا) أمر من الاقتیاد، وهو جر حبل العیر، أی سوقوا رواحلكم من
هذا الموضع، وفى رواية لمسلم: فقال النبي ◌َّ: ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا مثال حضرنا فيه الشيطان.
وفيها بيان سبب تأخير الصلاة عن المكان الذى كانوا فيه، وهو أنه أراد أن يتحول عن المكان الذى أصابته الغفلة فيه.
وفيها رد على من قال: إنه أخر قضاء الصلاة فى ذلك المكان لكون ذلك وقت الكراهة. قال النووي: فإن قيل:
كيف نام الني مَّ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس مع قوله: إن عينى تنامان ولا ينام قلبي؟ جوابه من وجهين:
٣٨٦
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٦ - باب
فاقتادوا رواحلهم شيئا، ثم توضأ رسول الله عَّى، وأمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح،
فلما قضى الصلاة، قال: من نسى الصلاة، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وأقم الصلاة
لذکری). رواه مسلم.
أصحهما وأشهرهما أنه لا منافاة بينهما، لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونجوهما، ولا يدرك
طلوع الفجر وغيره مما يتعلق بالعين وإنما يدرك ذلك بالعين ، والعين نائمة وإن كان القلب يقظان. والثانى أنه كان له
حالان أحدهما ينام فيه القلب ، وصادف هذا الموضع، والثانى لا ينام، وهذا هو الغالب من أحواله، وهذا التأويل
ضعيف، والصحيح المعتمد هو الأول - انتهى (فاقتادوا) ماض أى ساقوا (شيئا) أى يسيرا من الزمان أو اقتيادا قليلا
من المكان ، أى ذهبوا برواحلهم من ثمه مسافة قليلة (وأمر بلالا) أى بالإقامة (فأقام الصلاة) أى للصلاة، وفيه
إثبات الإقامة للفائتة، وفيه إشارة إلى ترك الأذان للفائتة ، وفى حديث أبى قنادة عند الشيخين إثبات الأذان للفائتة،
وهى زيادة صحيحة ، والزيادة إذا صحت قبلت وعمل بها. وأما ترك ذكر الأذان فى حديث أبى هريرة بجوابه من
وجهين: أحدهما لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يؤذن فلعله أذن وأهمله الراوى، أو لم يعلم به ، والثانى لعله ترك الأذان
فى هذه المرة لبيان جواز تركه، وإشارة إلى أنه ليس بواجب متحتم لا سيما فى السفر (فصلى بهم الصبح) أى قضاء،
وفيه استحباب الجماعة فى الفائدة (فلما قضى الصلاة) أى فرغ منها (من نسى الصلاة) وفى معنى النسيان النوم، أى من
تركما بنسيان أونوم، واكتفى بالنسيان عن النوم لأنه مثله بجامع ما فى كل من الغفلة وعدم التقصير (فليصلها إذا ذكرها)
فيه وجوب قضاء الفريضة الفائتة سواء تركها بعذر كنوم أو نسيان ، أم بغير عذر، وإنما قيد فى الحديث بالنسيان
لخروجه على سبب، ولأنه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنيه بالأدفى على
الأعلى، وقوله فليصلها إذا ذكرها محمول على الاستحباب، فإنه يجوز تأخير قضاء الفائتة بعذر على الصحيح (أقم الصلاة
لذكرى) بالإضافة إلى ياء المتكلم، وهى القراءة المشهورة، وظاهرها لا يناسب المقصود فأوله بعضهم بأن المعنى: وقت
ذكر صلاتى، على حذف المضاف وإضافة المصدر إلى المفعول، واللام بمعنى الوقت أى إذا ذكرت صلاقى بعد النسيان ،
أو المراد بالذكر المضاف إلى الله تعالى ذكر الصلاة لكون ذكر الصلاة يفضى إلى فعلها المفضى إلى ذكر الله تعالى فيها،
فصار وقت ذكر الصلاة كأنه وقت لذكر الله، فقيل فى موضع: أقم الصلاة لذكر الله، وقراءة ابن شهاب (للذكرى))
بلام الجر ثم لام التعريف وآخزه ألف مقصورة، وهى قراءة شاذة لكنها موافقة المطلوب هنا بلا تكلف (رواه مسلم)
فى الصلاة، وأخرجه أيضا الترمذى فى تفسير سورة طه. وأبو داود، وابن ماجه فى الصلاة.
٣٨٧
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٦ - باب
٦٩٠ - (٦) وعن أبى قتادة، قال: قال رسول اللّه مَلته: إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى
ترونى قد خرجت. متفق عليه.
٦٩١ - (٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أقيمت الصلاة،
٦٩٠ - قوله (إذا أقيمت الصلاة) أى ذكرت ألفاظ الإقامة ونودى بها (فلا تقوموا حتى ترونى قد خرجت)
أى من الحجرة الشريفة، أى فإذا رأيتمونى قد خرجت فقوموا، وذلك لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له
ما يؤخره. وفيه أنه إذالم يكن الإمام فى المسجد لا يقوم المؤتمون عند الإقامة إلى الصلاة إلا حين يرونه. وإليه ذهب
الجمهور. وأما إذا كان هو معهم فى المسجد فالمستحب أن يقوم الناس إذا أخذ المؤذن فى الاقامة. وفيه جواز الإقامة والإمام فى
منزله إذا كان يسمعها وتقدم إذنه فى ذلك. قال القرطبى: ظاهر الحديث أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبى مؤ لّم من
بيته، وهو معارض لحديث جابر بن سمرة: إن بلالا كان لا يقيم حتى يخرج النبي مؤثّر، فإذا خرج أقام الصلاة حين
يراه. أخرجه مسلم. ويجمع بينهما بأن بلالا كان يراقب خروج النبي ◌ََّ، فأول ما يراه يشرع فى الإقامة قبل أن يراه
غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم فى مقامه حتى تعتدل صفوفهم، وأما حديث أبى هريرة عند مسلم بلفظ: أقيمت
الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا النبى مَ لّله، فأتى فقام مقامه - الحديث. وعند البخارى بلفظ: أقيمت
الصلاة فسوى الناس صفوفهم، خرج النبي مؤثر. وعنه فى رواية أبى داود ((إن الصلاة كانت تقام لرسول الله مزدلّ، فيأخذ
الناس مقامهم قبل أن يحتى النبى مَّه، فيجمع بينه وبين حديث أبى قادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز ، وبأن صنيعهم
فى حديث أبى هريرة كان سبب النهى عن ذلك فى حديث أبى قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة ، ولو لم يخرج
التى تَبِّ، فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطئى فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره، ولا يرد هذا حديث
أنس عند البخاري وغيره: أنه قام فى مقامه طويلا فى حاجة بعض القوم. لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادرا ، أو فعله
لبيان الجواز (متفق عليه) قال ميرك: فيه نظر لأن قوله ((قد خرجت، من إفراد مسلم، قال القارى: هذا من باب
التأكيد الذى بدونه تحصل الإفادة، فكان اللفظ للبخارى والمعنى لمسلم. قلت: الظاهر أن المراد اتفاق الشيخين على
إخراج أصل الحديث من غير نظر إلى خصوص اللفظ، والحديث أخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى.
٦٩١ - قوله (إذا أقيمت الصلاة) ذكر الإقامة ليس بقيد لما فى حديث أبي قتادة عند البخارى «إذا أتيتم
الصلاة)) فإنه يتناول ما قبل الإقامة ، فالمراد الذهاب والمشى إلى الصلاة، وإنما ذكر الإقامة فى حديث أبى هريرة لأنها
هى الحاملة فى الغالب على الإسراع، وهى محل توهم جواز الإسراع لا دراك أول الصلاة مع الإمام ، فإن المسرع إذا
أقيمت الصلاة يترجى إدراك فضيلة التكبيرة الأولى، فإذا لم يجز الاسراع مع وجود هذه المصلحة. فعندانتفاءما بالأولى،
٣٨٨
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٦ - باب
فلا تأتوها تسعون ، وأتوها تمشون وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا.
فإن غيره ممن جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع، لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها ، فينهى عن الاسراع من باب
الأولى، ففى هذا التقيد تنبيه على ما سواه ، وإفادة أن الإسراع لا يجوز بحال (تسعون) حال أى لا تأتوا إلى الصلاة
مسرعين فى المشى وإن خفتم فوت بعض الصلاة، والمراد بالسعى ههنا هو الإسراع ، وقد يطلق على مطلق المشى
والذهاب، وهو المراد فى قوله تعالى ﴿فاسعوا إلى ذكر الله - ٩:٦٢) يدل عليه قراءة عمر: فامضوا إلى ذكر الله.
وقيل المراد فى الآية العمل والقصد، يدل عليه قوله تعالى {وذروا البيع - ٩:٦٢) أى اشتغلوا بأمر المعاد واتركوا
أمر المعاش، ومنه قوله تعالى ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى - ٥٣: ٣٩) وقوله ﴿إن سعيكم لشتى - ٤:٩٢﴾
وعلى هذا فلا تنافى بين الآية والحديث فى الذهاب إلى الجمعة (تمشون) المشى وإن كان يعم الاسراع لكن النقيد بقوله
(وعليكم، إلخ. خصه بغيره ولولا التقيد صريحا لكفى المقابلة فى إفادته (وعليكم السكينة) ضبطها القرطبي بالنصب
بعليكم، أى على الإغراء، يعنى على أنها مفعول بها، والمعنى الزموا السكينة، وضبطها النووى بالرفع على الابتداء، والخبر.
سابقها ، والجملة فى موضع الحال، زاد فى رواية للشيخين ((والوقار، فقيل: هو بمعنى السكينة وذكر على سبيل التأكيد،
وقيل: إن بينهما فرقا وإن السكينة التأنى فى الحركات، واجتناب العبث. والوقار فى الهيئة كغض البصر، وخفض الصوت
وعدم الالتفات (فا أدركتم) الفاء جواب شرط محذوف، أى إذا بنت لكم ما هو أولى بكم «فا أدر كتم فصلوا، أو
التقدير إذا فعلتم الذى أمرتكم به من السكينة وترك الإسراع فا أدركتم فصلوا. واستدل به الجمهور على حصول فضيلة
الجماعة بإدراك أى جزء كان من الصلاة، لعموم قوله «فما أدركتم فصلوا، ولم يفصل بين القليل والكثير. وقيل لا
يدرك فضل الجماعة بأقل من ركعة لحديث: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك. وقياسا على الجمعة. والجواب
عن الحديث أنه وارد فى الأوقات، وحديث الجمعة خاص بها. واستدل الحنفية بإطلاق الحديث على أن من أدرك
مع الإمام شيئا من صلاة الجمعة ولو فى التشهد يصلى ما أدرك معه ويتم الباقى، ولا يصلى الظهر، وسيأتى الكلام فى هذه
المسئلة فى موضعها. واستدل به على استحباب الدخول مع الامام فى أى حالة وجد عليها. وفيه حديث أصرح
أخرجه ابن أبى شيبة من طريق عبد العزيز بن رفيع عن رجل من الأنصار مرفوعا: من وجدنى راكعا أو قائما أو
ساجدا فليكن معى على حالتى التى أنا عليها (وما فاتكم) أى بحسب الحس والمشاهدة دون الحكم (فأتموا) أى أكملوه وحدكم
كذا فى أكثر الروايات بلفظ فأتموا، وفى بعضها فاقضوا. وقد اختلفوا فى المسبوق مل ما يصلى بعد الامام أول
صلاته أم آخرها؟ فمن قال بالأول - وهو أبو حنيفة - استدل برواية ((اقضوا)) لأن القضاء لا يكون إلا الفائت ، فمن
سبق بثلاث ركعات فإنه إذا سلم الإمام يقوم فيصلى ركعة بالفاتحة وسورة، ثم يقوم من غير تشهد فيصلى أخرى
بالفاتحة وسورة، ثم يقعد ويتشهد ثم يقوم فيصلى أخرى بالفاتحة لا غير، ويتشهد ويسلم، بناء على أن ما
أدركه مع الإمام هو آخر صلانه وأنه يكون قاضيا فى الأقوال والأفعال. ومن قال باآخر - وهو الشافعى - استدل
٣٨٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٦-باب
متفق عليه. وفى رواية لمسلم: فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو فى صلاة.
برواية «أتموا)) لأن لفظ الاتمام واقع على باق من شتى قد تقدم سائره، فمن سبق بثلاث ركعات فإنه يقوم بعد سلام
الإمام فيصلى ركعة بالفاتحة وسورة ، ثم يجلس وتشهد ، ثم يقوم فيصلى ركعتين بالفاتحة فقط ، ثم يتشهد ويسلم ، بناء
على أن ما أدرك مع الإمام هو أول صلاته، وأنه يكون بانيا عليه فى الأقوال والأفعال. وروى البيهقى من طريق
إسرائیل،عن أبى إسحاق،عناحارث،عنعلى«ما أدر کت فهو أول صلاتك)» وعن ابنعمر بسند جيدمثله. وقال مالك:إنه أول
صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فيبنى عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها، فمن سبق بثلاث ركعات يقضى ركعة بالفاتحة وسورة
ويقعد ويتشهد، ثم يقوم فيصلى ركعتين أولا هما بالفاتحة وسورة، وآخرا هما بالفاتحة خاصة، وكأنه أراد الجمع بين الروايتين
والعمل بمقتضى اللفظين، واستدل لذلك بما رواه البيهقى من حديث قنادة أن عليا قال: ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك،
واقض ما سبقك من القرآن. والراجح عندى هو ما ذهب إليه الشافعى، لأن أكثر الرواة أجمعوا على قوله عليه السلام:
وما فاتكم فأتموا. ولا يخالفه لفظ «اقضوا، كما سيأتى. قال الحافظ: إن أكثر الروايات ورد بلفظ ((فأتموا)) وأقلها بلفظ («فاقضوا)
وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جعلنا بين الاتمام والقضاء مغايرة، لكن إذا كان مخرج الحديث واحدا واختلف فى لفظه منه وأمكن .
رد الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى، وهنا كذلك، لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبا لكنه يطلق على الأداء
أيضا، ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى ﴿فإذا قضيت الصلاة - ٦٢: ١٠) ويرد بمعان آخر، فيحمل قوله هنا («فاقضوا))
على معنى الأداء، أو الفراغ، فلا يغايرقوله (فأتموا)) فلا حجة فيه لمن تمسك برواية «فاقضوا)، على أن ما أدركه المأموم هو
آخر صلاته بل هو أولها ، وإن كان آخر صلاةإمامه، لأن الآخر لا يكون إلا عن شئى تقدمه ، وأوضح دليل على
ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد فى آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرا له لما احتيج إلى إعادة
التشهد، وقول ابن بطال: إنه ما تشهد إلا لأجل السلام لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد. ليس بالجواب الناهض على دفع
الإيراد المذكور. واستدل ابن المنذر لذلك أيضاً على أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتاح لا تكون إلا فى الركعة الأولى-
انتهى. واستدل بالحديث على أن مدرك الركوع لا يعتد بتلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته، لأنه فاته القيام
والقراءة فيه، وهو قول أبى هريرة وجماعة، بل حكاه البخارى فى القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب
القراءة خلف الإمام ، واختاره ابن خزيمة والضبعى وغيرهما من محدثى الشافعية ، وقواه الشيخ تقى الدين السبكى من
المتأخرين (متفق عليه) وأخرجه أيضا الترمذى وأبو داود والنسائى وابن ما جه (وفى رواية لمسلم فإن أحدكم) تعليل
لقوله: وعليكم السكينة (إذا كان يعمد) بكسر الميم أى يقصد (فهو فى صلاة) أي حكما وثواها، فينبغى لم من الخشوع
والوقار الذى يجب على المضلى، مع أن عدم الإسراع يستلزم كثرة الخطا وهو معنى محمود لذاته ووبت فوأحاديث
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٦ - باب
وهذا الباب غال عن الفصل الثانى.
ح( الفصل الثالث ).
٦٩٢ - (٨) عن زيد بن أسلم، قال: عرس رسول اللّه مَفيه ليلة بطريق مكة، ووكل بلالا أن يوقظهم
الصلاة، فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظوا وقد طلعت عليهم الشمس، فاستيقظ القوم، فقد فزعوا،
فأمرهم رسول اللّه مريم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادى، وقال: إن هذا واد به شيطان،
(وهذا الباب) أى بالنسبة إلى تبويب صاحب المشكاة، وإلا فهو فى المصابيح ((فضل)) (عال عن الفصل الثانى) لأنه
لم يجد صاحب المصابيح فى السنن أحاديث حسانا مناسبة لهذا الفصل.
٦٩٢ - قوله (بطريق مكة) هذا يدل على أن هذه القضية غير الأولى لأن تلك بين خيبر والمدينة ، وهذه بين
مكة والمدينة، وفى أبى داود من حديث ابن مسعود: أقل النبى مَثّم من الحديبية للا فنزل فقال: من يكلونا؟ فقال
بلال: أنا - الحديث. وفى مصنف عبد الرزاق عن عطاء بن يسار مرسلا: أن ذلك كان بطريق تبوك. والبيهقى فى الدلائل
نحوه من حديث عقبة بن عامر. وفى أبى داود من حديث أبي قتادة: أن ذلك كان فى غزوة جيش الأمراء. وروى مسلم من
حديث أبي قتادة مطولا، والبخارى مختصرا فى الصلاة قصة نومهم عن صلاة الصبح أيضا فى السفر، لكن لم يعينه وكذا وقع بالايهام
فى حديث عمران عندهما. واختلف العلماء هل كانت قصة تعريسهم ونومهم عن صلاة الصبح مرة أو أكثر جزم بعضهم
بأن القصة واحدة وحاول الجمع بين هذه الروايات، ولا يخلو عن تكلف. ورجح النووى وعياض تعدد القصة
لاختلاف مواطنها وتغاير سياتها وغير ذلك من وجوه المغايرات مما يدل على تعدد القصة. قال السيوطى: لا يجمع إلا
بتعدد القصة ، وإليه مال أكثر المحدثين. وقال ابن العربي: وقع ذلك ثلاث مرات (ووأكل بلالا) أى أمر
(أن يوقظهم الصلاة) أى لصلاة الصبح، وخص بلالا بذلك لأنه هو الذى قال: أنا أوقظكم. فى جواب قوله عليه
الصلاة والسلام: أخاف أن تناموا عن الصلاة ، فكان بلالا سأله التوكيل فوكله (فرقد بلال) أى بعد ما سهر مدة
وغليه النوم (ورقدوا) أى تام التي تَثّ وأصحابه اعتمادا على بلال، واستمروا راقدين (حتى استيقظوا) كلهم جميعا
(وقد طلعت عليهم الشمس) أى وأصابهم حرها (فاستيقظ القوم) قال الطبي: كرره لينيط به قوله (فقد فزعوا) من
فوات الصبح (أن يركبوا) أى أن يرحلوا (إن هذا واد به شيطان) فيه رد على من قال: إن تأخيره قضاء الصلاة كان
الخروج وقت البكراهة، ولم يكن قوله عليه السلام هذا على سبيل التشاؤم بذلك الوادى لأنه علمه وحققه وعرف أثر
٣٩١
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٦ - باب
فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادى، ثم أمرهم رسول الله مؤفي أن ينزلوا، وأن يتوضؤا، وأمر بلالا
أن ينادى للصلاة - أويقيم - فصلى رسول الله مؤهل بالناس، ثم انصرف وقد رأى من فزعهم، فقال:
يا أيها الناس! إن اللّه قبض أرواحنا، ولو شاء لردها إلينا فى حين غير هذا، فإذا رقد أحدكم
عن الصلاة أو نسيها، ثم فزع إليها، فليصلها كما كان يصليها فى وقتها، ثم التفت رسول الله ما بته
إلى أبى بكر الصديق ، فقال : إن الشيطان
الشيطان فيه فأخبر به (فركبوا) أى رحلوا، أو ركب بعضهم واقتاد الآخرون (أو يقيم) أى بعد الأذان فأو الشك
أو بمعنى الجمع المطلق كالواو، وهو الظاهر لثبوت الجمع بين الأذان والإقامة فى حديث أبي قتادة وغيره (فصلى رسول
اللّه مَّ) أى قضى صلاة الصبح جماعة (وقد رأى من فزعهم) أى أدرك بعض فزعهم أسفا على فوات الصبح، أو
رأى عليهم بعض آثار خوفهم لما حسبوا أن فى النوم تقصيرا (قبض أرواحنا) أى ثم ردها إلينا، وهو كقوله تعالى
﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتى لم تمت فى منامها - ٣٩: ٤٢ ) ولا يلزم من قبض الروح الموت، فالموت انقطاع
تعلق الروح بالبدن ظاهرا وباطنا ، والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط ، قاله الحافظ. وقال العز بن عبد السلام: فى كل
جسد روحان: روح اليقظة التى أجرى اللّه تعالى العادة أنها إذا كانت فى الجسد كان الإنسان مستيقظا، فإذا نام خرجت
ورأت المنامات. وروح الحياة التى أجرى اللّه العادة أنها إذا كانت فى الجسد فهو حى. ثم إنه لا يخفى ما فى فوات
صلاته مَّم من المصالح، ولأحمد من حديث ابن مسعود: لو أن الله أراد أن لا يناموا عنها لم يناموا، ولكن أرادأن يكون
ـعـ
١
لمن بعدكم (فى حين) أى وقت (غير هذا) بالجر على الصفة وقيل بالنصب على الاستثناء ، أى قبل ذلك الوقت أو بعده
(فإذا رقد أحدكم) أى غافلا أو ذاهلا. (عن الصلاة أو نسيها) للتنويع لا للشك (ثم فزع إليها) أى تنبه بالاستيقاظ أو
التذكير (فليصلها) أى حين قضاها (كما كان يصليها فى وقتها) ولا كفارة لها إلا ذلك ولا قضاء عليه إلا ذلك، لا كما
زعم بعضهم أنه يعيد القضاء مرتين: عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتى، مستدلا بما فى حديث عمران بن حصين
عندأبى داود فى مثل هذه القصة: من أدرك منكم صلاة الغداة من غدصالحا فليقض معها مثلها. قال الحافظ: لم يقل أحد
من السلف باستحباب ذلك ، بل عدوا الحديث غلطا من راويه. وحكى ذلك الترمذى وغيره عن البخارى، ويؤيدذلكما
رواه النسائى من حديث عمران بن حصين أيضا أنهم قالوا يا رسول الله! ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال {وبته:
لا ينها كم الله عن الربا ويأخذه منكم ـ اتهى. وظاهر الحديث أنه يجهر فى الجهرية، ويسر فى السرية (أبى بكر الصديق)
قال الزرقانى: كان على يحلف أن الله أنزل من السماء اسمه الصديق (إن الشيطان) أى شيطان الوادى ، أو شيطان بلال،
٣٩٢
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
أتى بلالا وهو قائم يصلى فأضجعه، ثم لم يزل يهدئه كما يهدأ الصبى حتى نام. ثم دعا رسول الله
مَفِّ بلالا، فأخبر بلال رسول اللّه مَّفتم مثل الذى أخبر رسول اللّه مَّفتم أبا بكر، فقال أبو بكر:
أشهد أنك رسول الله. رواه مالك مرسلا
٦٩٣ - (٩) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه مؤلم: خصلتان معلقتان فى أعناق المؤذنين للمسلمين:
صيامهم وصلاتهم. رواه ابن ماجه.
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
( الفصل الأول )
أو الشيطان الكبير (فأضجعه) أى أسنده لما تقدم فى الحديث السابق ، ويمكن أنه اضطجع فى هذه القضية على أنها غير
القضية الأولى (يهدئه) من الإهداء، أى يسكنه وينومه، من أهدأت الصبى إذا أسكنته بأن تضرب كفك لينا عليه حتى
يسكن وينام. قال الجزرى فى النهاية: الهدو السكون عن الحركات من المشى والاختلاف فى الطريق (كما يهدأ) بالبناء
للفعول (ثم دعا رسول اللّه ◌َيّ بلالا) أى فسأله عن سبب نومه وعدم إيقاظه إياهم (فأخبر بلال رسول الله مد بلّم مثل
الذى أخبر رسول اللّه مَ ◌ّ أبا بكر) إلخ. قال الطيبي: فى الحديث إظهار معجزة، ولذا صدقه الصديق رضى الله عنه
بالشهادة (رواه مالك مرسلا) لما أن زيد بن أسلم تابعى، ولم يذكر الصحابى. وهذا الحديث وإن كان مرسلا عند
جميع رواة المؤطا لكن روى معناه متصلا من وجوه صحيحة كما تقدم .
٦٩٣ - قوله (معلقتان) صفة لخصلتان وقوله (للمسلمين، خبر، وقوله: صيامهم وصلاتهم. بيان للخصلتين أو
بدل منه، شبهت حال المؤذنين وإناطة الخصلتين للمسلمين بحال الأسير الذى فى عنقه ربقة الرق لا يخلصه منها إلا المن
والفداء ، قاله الطبي (فى أعناق المؤذنين) أى ثابتان فى ذمتهم ليحفظوهما (صيامهم وصلاتهم) فالصيام ابتداء وانتهاء ما
يتعلق بالأذان والصلاة يعرف وقتها به (رواه ابن ماجه) قال القارى: وسنده حسن. وفيه نظر لأن فى سنده بقية بن
الوليد وهو مدلس رواه بالعنعنة عن مروان بن سالم الغفارى الجزرى ، وهو متروك، ورماه الساجى وغيره بالوضع
كذا فى التقريب.
=
(باب المساجد ومواضع الصلاة) تعميم بعد تخصيص أو عطف تفسير، والمسجد لغة محل السجود وشرعا المحل
الموقوف للصلاة فيه .
٣٩٣
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
٦٩٤ - (١) عن ابن عباس، قال: لما دخل النبى معَّ البيت، دعا فى نواحيه كلها ولم يصل حتى
خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين فى قبل الكعبة ، وقال: هذه القبلة.
٦٩٤ - قوله (البيت) أى الكعبة وهو بيت الله الحرام (دعا فى نواحيه) أى جوانبه جمع ناحية وهى الجهة
(كلها) وفى رواية فكبر فيها. وفيه دليل على استحباب الدعاء والتكبير فى الكعبة، ولا خلاف فيه لأحد (ولم يصل)
أی فی البيت. وفى حديث ابن عمر النی بعده عن بلال : أنه صلی فیه ، فأثبت بلال صلاته ڑٹّ فی الكعبة، وابن عباس
فقاها، وقد أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال، وتقديم إثباته على نفى غيره لأمرين: أحدهما أن بلالا كان
معه بَّ يومئذ ولم يكن معه ابن عباس، وإنما استند فى نفيه تارة إلى أسامة وتارة إلى أخيه الفضل مع أنه لم يثبت أن
الفضل كان معهم إلا فى رواية شاذة، وقد روى مسلم عن أسامة نفى الصلاة فى الكعبة من طريق ابن عباس كما سيأتى
التصريح به من المصنف، ووقع إثبات صلاته فيها عن أسامة من رواية ابن عمر عند أحمد وغيره. فتعارضت الرواية
فى ذلك عنه، فترجح رواية بلال من جهة أنه مثبت ومعه زيادة على، وغيره ناف. ومن جهة أنه لم يختلف فيه فى الإثبات،
واختلف على من نفى، ويمكن الجمع بين روايتى أسامة المثبتة والنافية بأنه حيث أثبتها اعتمد فى ذلك على خبر غيره ،
وحيث نفاها أراد ما فى عليه لكونه لم يره ◌َّ حين صلى فيها . وقال النووى: يجب ترجيح رواية بلال لأنه مثبت فمعه
زيادة علم، وأما نفى أسامة فسبيه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبى مؤلّم يدعو
فاشتغل أسامة بالدعاء فى ناحية، والنبي ◌َّمه فى ناحية، ثم صلى النبي مَّ فى ناحية فرأه بلال لقربه منه ولم يره أسامة
لبعده واشتغاله بالدعاء ، ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة فتفاها عملا بظنه ،
وأما بلال حققها فأخبر بها. وقيل يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجةلم يشهدصلاته، ويشهد له ما رواه
أبو داود الطيالسى فى مسنده عن أسامة ، قال: دخلت على رسول اللّه مَّ الكعبة فرأى صورا فدعا بدلو من ماء فأتيته
به فضرب به الصور. قال القرطبى: فلعله استصحب النفى لسرعة عوده. وقيل: إنه مرثم دخل الكعبة مرتين ، مرة
صلى، ومرة دعا وكبر ولم يصل، وقال ابن حبان: الأشبه عندى فى الجمع أن يجعل الخبران فى وقتين، فيقال: لما دخل الكعبة
فى الفتح صلى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال، ويجعل نفى ابن عباس الصلاة فى الكعبة فى حجته التى حج فيها لأنّ
ابن عباس نفاها وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها وأسند إثباته إلى بلال وإلى أسامة أيضا، فإذا حمل الخبر على ما
وصفنا بطل التعارض (ركع ركعتين) أى صلى فأطلق الجزء وأراد به الكل (فى قبل الكعبة) بضم القاف والموحدة وقد
تسكن، أى مقابلها أو ما استقبلك منها وهو وجهها الذى فيه الباب وهذا موافق لرواية ابن عمر عند البخارى فصلى فى
وجه الكعبة ركعتين (هذه) أى الكعبة (القبلة) التى استقر الأمر على استقبالها فلا تنسخ إلى غيرها كما نسخ بيت المقدس،
: ٣٩٤
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
رواه البخارى.
٦٩٥ - (٢) ورواه مسلم عنه ، عن أسامة بن زيد.
٦٩٦ - (٣) وعن عبد الله بن عمر، رضى الله عنهما، أن رسول اللّه مفر دخل الكعبة هو
.وأسامة بن زيد ، وعثمان بن طلحة الحجي ،
فالمراد بذلك تقرير حكم الانتقال عن بيت المقدس، وقيل: المراد أن حكم من شاهد البيت وجوب مواجهة
عينه جزما بخلاف الغائب، وقيل: المراد أن الذى أمرتم باستقباله ليس هو الحرم كله ولا مكه ولا المسجد الذى حول
الكعبة بل الكعبة نفسها، وقيل: الإشارة إلى وجه الكعبة علهم بذلك سنة موقف الامام فى وجهها دون أركانها
وجوانبها الثلاثة وإن كان الكل جائزا (رواه البخارى) فى الصلاة، وفى المناسك، وفى ذكر الأنبياء، وفى المغازى
مطولا ومختصرا. وأخرجه مسلم والنسائى فى المناسك مختصرا ، ولفظه عند مسلم: أن النبي ◌ُّم دخل الكعبة وفيه
ست سوار، فقام عند كل سارية فدعا ولم يصل. وحديث ابن عباس هذا من مراسيل الصحابة لأنه لم يكن معهم،
وأسنده عن غيره ممن دخل مع النبي مَ ◌ّ الكعبة فيكون مرسلا .
٦٩٥ - قوله (ورواه مسلم عنه) أى عن ابن عباس فى المناسك (عن أسامة بن زيد) وأخرجه أيضا النسائى فى
المناسك. وأسامة هذا هو أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى الأمير أبو محمد ، ويقال: أبو زيد، وأمه أم أيمن
واسمها بركة، وهى حاضنة رسول اللّه ◌َؤقيم، وكانت مولاة لأبيه عبد الله بن عبد المطلب، وأسامة مولى رسول اللّه ما فيه
وابن مولاه، وحبه وابن حبه، قبض النبى مَّم وهو ابن (٢٠) سنة، وقيل (١٨) سنة، ونزل وادى القرى، وتوفى
به بعد قتل عثمان (رض) وقيل: سكن المزة مدة ثم انتقل إلى المدينة فمات سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥) سنة. استعمله
رسول اللّه مَضّ على جيش فيه أبو بكر (رض) وعمر (رض) فلم ينفذ حتى توفى رسول اللّه مَثّ فبعثه أبو بكر إلى
الشام. له مائة وثمانية وعشرون حديثا، اتفقا على خمسة عشر، وانفرد كل منهما بحديثين ، روى عنه جماعة.
٦٩٦ - قوله (دخل الكعبة) يوم فتح مكة كما وقع مبينا عند البخارى فى الجهاد (وأسامة بن زيد) برفع أسامة
على العطف (وعثمان بن طلحة) بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصى بن كلاب العبدرى، أسلم فى الهدنة بعد عمرة القضاء
وهاجر مع خالد بن الوليد، ثم سكن مكة إلى أن مات بها سنة (٤٢) وقيل: قتل بأجنادين وأدخله الكعبة لئلا يتوهم
الناس عزله عن سدانة البيت وحجابته (الحجى) بفتح المهملة والجيم ، ويقال لآل بيته الحجبة لحجبهم الكعبة ، ويعرفون
الآن بالشيبين نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ، وذلك أن عثمان بن طلحة بن أبى طاحة لم يزل على فتح البيت إلى أن
توفى فدفع إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عم عثمان هذا لا ولده فبقيت الحجابة فى بنى شيبة، ولشية هذا أيضا
٣٩٥
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
وبلال بن رباح، فأغلقها عليه، ومكث فيها، فسألت بلالا حين خرج: ماذا صنع رسول اللّه مَ ◌ّ؟
فقال: جعل عمودا عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على
ستة أعمدة، ثم صلى.
صحبة ورواية، قتل أبوه يوم أحد كافرا، وأسلم شيبة بعد الفتح، وكان من صبر بحنين مع النبي مَ ◌ّ. قال مصعب
الزبيرى دفع النبي مَّم المفتاح إليه وإلى عثمان بن طلحة فقال: خذوها يا بنى أبى طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلا
ظالم. مات شيبة سنة (٥٩) (وبلال بن رباح) بفتح الراء مؤذن رسول الله مَّم وخادم أمر صلاته، وأدخل النبي
مؤ قّ معه أسامة وبلالا لملازمتهما خدمته (فأغلقها) أى الكعبة يعنى بابها ، والفاعل عثمان كما وقع التصريح به فى رواية
المسلم ووقع فى المؤطا بلفظ «فأغلقاها، فالضمير لعثمان وبلال، وفى رواية للشيخين ((فأغلقوا، والجمع بين الروايات أن
عثمان هو المباشر لذلك لأنه من وظيفتهٍ، وأما ضم بلال فلعله ساعده فى ذلك، ورواية الجمع يدخل فيها الآمر بذلك
والراضى به (عليه) أى على النبى مَّةٍ، وفى رواية ((عليهم، وهو ظاهر، وإنما أغلق الباب الثلا يزدحم الناس عليه لتوفر
دواعيهم على مراعاة أفعاله ليأخذوها عنه، أو ليكون ذلك أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه، وقيل: لثلا يكثر الناس
فيصلوا بصلاته، ويكون ذلك عندهم من المناسك كما فعل فى صلاة الليل فى رمضان. واستدل البخارى بحديث ابن
عمر هذا على جواز اتخاذ الغلق المساجد لأجمل صونها عما لا يصلح فيها ، ولأجل حفظ ما فيها من الأيدى العادية
(ومكث) بضم الكاف وفتحها أى توقف (ماذا صنع) أى داخل البيت (جعل عمودا عن يساره، وعمودين عن يمينه،
وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة) كذا فى هذه الرواية ولا إشكال فيها. ووقع فى رواية للبخارى:
جعل عمودا عن يساره، وعمودا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة. ولا يخفى ما فيها من
الإشكال إذ فى قوله: وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ، إشعار بكون ما عن يمينه أو يساره اثنين. وأجيب بأن التثنية
بالنظر إلى ما كان عليه البيت فى زمن النبي مؤثر، والافراد بالنظر إلى ما صار إليه بعد، ويؤيده قوله «وكان البيت يومئذ)
لأن فيه إشعارا بأنه تغير عن هيئته الأولى. أو يقال لفظ العمود جنس يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجمل بينته رواية
عمودين، أو لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد بل عمودان متسامتان والثالث على غير سمتهما ، ولفظ المقدمين فى
الرواية الأخرى ليشعربه، أو كان هناك ثلاثة أعمدة مصطفة فصلى إلى جنب الأوسط، فمن قال: جعل عمودا عن يمينه وعمودا
عن يساره، لم يعتبر الذى صلى إلى جنبه، ومن قال: عمودين، اعتبره. وقوله: كان البيت يومئذ على ستة أعمدة. إخبار
عما كان عليه البيت قبل أن يهدم، ويبنى فى زمن ابن الزبير، وأما الآن فعلى ثلاثة أعمدة (ثم صلى) أى متوجها إلى الجدار
الغربى المقابل للجدار الشرقى الذى فيه الباب تقريبا بينه وَالله وبين الجدار الغربى ثلاثة أذرع. وفى الحديث مشروعية
الدخول فى الكعبة واستحبابه ، وفيه استحباب الصلاة فيها ، وهو ظاهرفى النفل ، ويلتحق به الفرض إذ لا فرق بينهما
٣٩٦
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
متفق عليه .
٦٩٧ - (٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة فى مسجدى هذا
فى الاستقبال للقيم، وهو قول الجمهور، ومنع منه مالك لقوله: {فولواوجوهكم شطره - ١٤٤:٢) أى قبالته، ومن فيه مستدبر
لحنه، ولم يثبت أنه تَّ صلى الفرض داخله، وإن ثبت أنه صلى النفل، إذ يسامح فى النافلة ما لا يسامح فى الفريضة
(متفق عليه) فيه أن قوله: جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه. من إفراد البخارى، ولفظ مسلم: جعل عمودين
عن يساره، وعمودا عن يمينه، عكس رواية البخارى، فنسبة المصنف للرواية التى ذكرها هو إلى الشيخين فيه نظر
اللهم !. إلا أن يقال: أن مراد المصنف اتفاق الشيخين على أصل الحديث. وجمع بعض المتأخرين بين هاتين الروايتين
باحتمال تعدد الواقعة. قال الحافظ: وهو بعيد لاتحاد مخرج الحديث، وقد جزم البيهقى بترجيح رواية البخارى.
٦٩٧ - قوله (صلاة) التفكير للوحدة أى صلاة واحدة فرضا كانت أو نفلا، فالتضغيف المذكور فى الحديث
لا يختص بالفرض بل يعم النفل أيضاً. وقال الطحاوى: إن ذلك مختص بالفرائض لقوله مرّت: أفضل صلاة المرا فى
بيته إلا المكتوبة. قال الحافظ: ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه فتكون صلاة النافلة فى بيت بالمدينة
· أو مكة تضاعف على صلاتها فى البيت بغيرهما، وكذا فى المسجدين، وإن كانت فى البيوت أفضل مطلقا (فى مسجدى هذا)
أى مسجد المدينة لا مسجد قباء ، واختلف هل يدخل فى التضعيف ما زيد فى المسجد النبوى فى زمن الخلفاء الراشدين ومن
بعدهم أم لا؟ إن غلبنا اسم الإشارة اتحصر التضعيف فيه ولم يعم ما زيد فيه، لأن التضعيف إنما ورد فى مسجده وقد أكده
بقوله (هذا)) فإن الإشارة لخصوص البقعة الموجودة يومئذ فلم تدخل فيه الزيادة، ولا بد فى دخولها من دليل ، قال
النووى: ينبغى أن يحرص المصلى على الصلاة فى الموضع الذى كان فى زمانه مَ ◌ّه دون ما زيد فيه بعده بخلاف المسجد
الحرام ، فإنه يشمل جميع مكة بل صح أنه يعم جميع الحرم، وإن غلبنا التسمية لم يختص التضعيف بما كان فی زمنه ،ظٹے ،
وإليه ذهبت الحنفية كما صرح به فى الدر المختار، قال ابن عابدين: وأصل ذلك قوله مرّة: صلاة فى مسجدى هذا.
ومعلوم أنه قد زيد فى المسجد النبوى، فقد زاد فيه عمر، ثم عثمان، ثم الوليد، ثم المهدى، والإشارة «بهذا، إلى المسجد
المضاف المنسوب إليه ◌َّم، ولا شك أن جميع المسجد الموجود الآن يسمى مسجده مر و ، فقد اتفقت الإشارة
والتسمية على شئ واحد ، فلم تلغ التسمية فتحصل المضاعفة المذكورة فى الحديث فيما زيد فيه، وخصها الإمام النووى
بما كان فى زمنه مَ ◌ّ عملا بالإ شارة، قال القارى واعترضه ابن تيمية وأطال فيه، والمحب الطبرى، وأوردا آثارا استدلا
بها، وبأنه سلم فى مسجد مكة أن المضاعفة لا تختص بما كان موجودا فى زمنه مَ ◌ّة، وبأن الإشارة فى الحديث إنما هى
لإخراج غيره من المساجد المنسوبة إليه مَّة ، وبأن الإمام مالكا سئل عن ذلك فأجاب بعدم الخصوصية وقال: لأنه
عليه السلام أخبر بما يكون بعده وزويت له الأرض فعلم بما يحدث بعده ، ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون أن
٣٩٧
،
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
خير من ألف صلاة فيما سواه ، إلا المسجد الحرام.
يستزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر ذلك عليهم، وبما فى تاريخ المدينة عن عمر رضى الله عنه أنه لما فرغ من الزيادة قال
لو انتهى إلى الجبانة - وفى رواية إلى ذى الحليفة - لكان الكل مسجد رسول اللّه مَفيه، وبما روى عن أبى هريرة قال
سمعت رسول اللّه ◌َفيم يقول: لو زيد فى هذا المسجد ما زيد كان الكل مسجدى. وفى رواية: لو بنى هذا المسجد إلى
صنعاء كان مسجدى. هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر فى الجوهر المنظم - انتهى ما فى المرقاة. قلت: لو كان حديث
أبى هريرة: لو زيد فى هذا المسجد، إلخ. قابلا للاحتجاج لكان قاطعا للنزاع، لكنه ضعيف بجميع طرقه لا يصلح
بمجموعها للاستدلال ، قال فى تميز الطيب من الخبيث (ص ١١٩): حديث صلاة فى مسجدى هذا ولو وسع إلى صنعاء
اليمن بألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام. أخرجه ابن أبى شيبة فى أخبار المدينة عن أبى هريرة
مرفوعا بلفظ ((لو مد مسجدى هذا إلى صنعاء كان مسجدى)) وفى سنده ضعف، وله شواهد لا تقوم الحجة بمجموعها
فضلا عن أفرادها، ولذا خصص النووى اختصاص التضعيف بمسجده الشريف عملا بالإشارة فى الحديث المتفق عليه
عن أبى هريرة - انتهى. وقال ابن عابدين: وأما حديث: لومد مسجدى هذا إلى صنعاء كان مسجدى. فقد اشتد ضعف
طرقه فلا يعمل به فى فضائل الأعمال كما ذكره السخاوى فى المقاصد الحسنة - انتهى (خير) أى من جهة الثواب لا من
جهة الاجزاء فالتضعيف يرجع إلى الثواب ولا يتعدى إلى الإجزاء باتفاق العلماء كما نقله النووى وغيره، فلو كان عليه صلاتان
فصلى فى أحد المسجدين صلاة لم تجزه إلا عن واحدة، وهذا مع قطع النظرعن التضعيف بالجماعة، فإنها تزيد سبعا وعشرين
درجة كما سيأتى فى فضل الجماعة لكن هل يجتمع التضعيفان أولا؟ محل بحث (من ألف صلاة) تصلى (فيما سواه) من
المساجد (إلا المسجد الحرام) بالنصب على الاستثناء ويجوز الجر على أن إلا بمعنى غير أى فإن الصلاة فيه خير من
الصلاة فی مسجدی ، ويدل له حديث عبد الله بن الزبير أخرجه أحمد ، وصححه ابن حبان من طريق عطاء عن عبد الله بن
الزبير قال: قال رسول الله عزّم: صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام،
وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة فى هذا . وفى رواية ابن حبان: وصلاة فى ذلك أفضل من مائة صلاة فى
مسجد المدينة. قال ابن عبد البر: اختلف على ابن الزبير فى رفعه ووقفه، ومن رفعه أحفظ وأثبت ، ومثله لا يقال
بالرأى. ويدل له أيضا حديث جابر أخرجه ابن ماجه مرفوعا، وفيه: وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة ألف
صلاة فيما سواه. قال الحافظ: وفى بعض النسخ ((من مائة صلاة فيما سواه، فعلى الأول معناه فى ما سواه إلا مسجد
المدينة، وعلى الثانى معناه من مائة صلاة فى مسجد المدينة. ورجال إسناده ثقات، لكنه من رواية عطاء فى ذلك عنه
قال ابن عبد البر: جائز أن يكون عند عطاء فى ذلك عنهما ، وعلى ذلك يحمله أهل الحديث، ويؤيده أن عطاء إمام واسع
الرواية ، معروف بالرواية عن جابر وابن الزبير، ويدل لذلك أيضا حديث أبى الدرداء، أخرجه البزار والطبرانى
٣٩٨
1
....
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
متفق عليه . .
٦٩٨ - (٥) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول اللّه مَلِيمٍ: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة
مساجد : مسجد الحرام ،
مرفوعاً: الصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، والصلاة فى مسجدى بألف صلاة ، والصلاة فى بيت المقدس
بخمس مائة صلاة. قال الحافظ فى الفتح: قال البزار: إسناده حسن، ففى هذه الأحاديث الثلاثة دلالة واضحة على أن
المراد بالاستثناء فى حديث أبى هريرة تفضيل المسجد الحرام ، ورد صريح على من حمل الاستثناء على المساواة ، أو على
أن المراد أن الصلاة فى مسجدى لا تفضل الصلاة فى المسجد الحرام بألف بل بدونها. قال القارى: لا تنافى بين
الروايات المختلفة فى التضعيف لاحتمال أن حديث الأقل قبل حديث الأكثر، ثم تفضل الله تعالى بالأكثر شيئا بعد
شئ، ويحتمل أن يكون تفاوت الأعداد لتفاوت الأحوال لما جاء: أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة إلى
غير نهاية - انتهى (متفق عليه) وأخرجه أيضا الترمذى وابن ماجه فى الصلاة والنسائى فى المناسك، وفى الباب عن جماعة
من الصحابة ذكر أحاديثهم الحافظ المنذري والعينى.
٦٩٨ - قوله (لا تشد الرحال) بضم التاء على البناء للمفعول بلفظ النفى، والمراد النهى عن المسافرة إلى غيرها، قال
الطيبي: وهو أبلغ مما لو قيل: لا تسافر. لأنه صور حالة المسافرة وتهيئة أسبابها من الراكب وفعل الشد، ثم أخرج
النهى مخرج الاخبار، أى لا ينبغى ولا يستقيم أن يقصد الزيارة بالرحلة إلا إلى هذه البقاع الشريفة لاختصاصها بالمزايا
والفضائل ، لأن إحداها بيت الله وقبلتهم، رفع قواعدها الخليل عليه السلام، والثانية قبلة الأمم السالفة ، عمرها سليمان
عليه السلام، والثالثة أسست على التقوى، عمرها خير البرية، فكان المسافرة إليها وفادة إلى بانيها - انتهى. والرحال-بكسر الراء-
جمع رحل بالفتح وهو البعير كالسرج للفرس، وهو أصغر من القتب، وشده كناية عن السفر لأنه لازمه، والتعبير
بشدما خرج مخرج الغالب فى ركوبها المسافر فى بلاد العرب إذ ذاك ، فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال
والحمير والقطار الحديدى، والسيارات والدراجات والعربات فى البرء والسفن والبواخر فى البحر، والطيارات فى الجو، والمشى على
الأقدام فى هذا المعنى، ويدل لذلك قوله فى بعض طرقه: إنما يسافره. أخرجه مسلم (إلا إلى ثلاثة مساجد) الاستثناء مفرغ، والتقدير
لا تشد الر حال إلى موضع. ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها، لأن المستثنى منه فى المفرغ مقدر بأعم العام، لكن يمكن أن يكون
المراد بالعموم ههنا الموضع المخصوص وهو المسجد، قاله الحافظ (مسجد الحرام) بإضافة الموصوف إلى الصفة، والحرام بمعنى
المحرم كالكتاب بمعنى المكتوب. والمسجد - بخفض الدال - بدل من ثلاثة، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أىهى
المسجد الحرام، والتاليان عطف عليه، ويجوز النصب بتقدير أغنى، قيل المراد به جميع الحرم، وقيل يختص بالموضع الذى يصلى
٣٩٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
والمسجد الأقصى ، ومسجدى هذا.
فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم (والمسجد الأقصى) أى بيت المقدس وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة
عند الكوفيين كقوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربى - ٤٤:٢٨) والبصريون يؤولونه بإضمار المكان، أى الذى يجانب
المكان الغربى ومسجد المكان الأقصى، وسمى به لبعده عن مسجد مكة فى المساقة، أو لأنه لم يكن وراءه مسجد
(ومسجدى هذا) أى مسجد المدينة، وفى رواية مسجد الرسول. وفى الحديث مزية هذه المساجد وفضيلتها على غيرها
لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم، والثانى كان قبلة الأمم الماضية، والثالث أسس على التقوى
واختلف فى شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتا، وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها
والصلاة فيها، فقال الشيخ أبو محمد الجوينى: يحرم شد الرحال إلى غيرها عملا بظاهر هذا الحديث، وأشار القاضى حسين
إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة، ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار بصرة الغفارى على أبى هريرة
خروجه إلى الطور ، وقال له: لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت. واستدل بهذا الحديث ، فدل على أنه يرى حمل
الحديث على عمومه، ووافقه أبو هريرة. والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم ، وأجابوا عن
الحديث بأجوبة لا يخلو واحد منها عن النظر، وأحسنها وأقواها عندهم أن المراد حكم المساجد فقط ، وأنه لا تشد
الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة ، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قبر أو طلب علم أو
تجارة أو نزهة فلا يدخل فى النهى،وقد ورد ذلك مصرحا فىبعض طرق الحديث فى مسند أحمد برواية أبى سعيد الخدرى
وذكر عنده صلاة فى الطور فقال: قال رسول اللّه مَ له: لا ينبغى للصلى أن يشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير
المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدی هذا ، وفی سنده شهر بن حوشب وهو حسن الحدیث وإن كان فيه بعض
الضعف ، وقال بعضهم : قوله: إلا إلى ثلاثة مساجد. المستثنى منه محذوف ، فإما أن يقدر عاما فيصير: لا تشد الرحال
إلى مكان فى أى أمر كان إلا إلى الثلاثة. أو أخض من ذلك، لا سبيل إلى الأول لإفضاءه إلى سد باب السفر للتجارة
وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها فتعين الثانى، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة ، وهو لا تشد الرحال إلى مسجد
للصلاة فيه إلا إلى الثلاثة. قال شيخنا فى شرح الترمذى بعد ذكر هذا الجواب: أن قولهم: المراد حكم المساجد فقط
وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد، إلخ. غير مسلم، بل ظاهر الحديث العموم وأن المراد لا تشد الرحال إلى
موضع إلا إلى ثلاثة مساجد، فإن الاستثناء مفرغ، والمستثنى منه فى المفرغ يقدر بأعم العام، نعم لوصح رواية أحمد بلفظ
لا ينبغى للمصلى أن يشد رحاله إلى مسجد، إلخ. لاستقام هذا الجواب، لكنه تفرد بهذا اللفظ شهر بن حوشب ولم يزد
لفظ ((مسجد)» أحد غيره فيما أعلم وهو كثير الأوهام كما صرح به الحافظ فى التقريب ففى ثبوت لفظ (مسجد» فى هذا
الحديث كلام ، فظاهر الحديث هو العموم وأن المراد: لا يجوز السفر إلى موضع للتبرك به والصلاة فيه إلا إلى ثلاثة
٤٠٠