النص المفهرس
صفحات 321-340
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
رواه أبو داود، والدارمى
ثالثة من كل شهر، وليس الأمر كذلك. ثم نقل لإثبات خطأ ابن التركمانى جدولين لأوقات غروب القمر فى الليالى
الثالثة من شهور سنة ١٣٤٥هـ وسنة ٥١٣٥٦ بحساب مدينة القاهرة ذكر فيهما أوقات العشاء، وأوقات الفجر، وأوقات
غروب القمر بالساعة العربية. بتقسيم اليوم والليلة إلى ٢٤ ساعة واحتساب مبدأما من غروب الشمس. قال: ومنه
يظهر خطأ ابن التركمانى، فإنك إذا قسمت الوقت بين غروب الشمس وبين طلوع الفجر إلى اثنى عشر قسما - سماها ابن
التركانى ساعات - وجدت أن القمر يغرب فى بعض الليالى الثالثة قبل الوقت الذى ذكر، وفى بعض الليالى بعده. ومنه
يظهر أيضا أن النعمان بن بشير لم يستقرأ أوقات صلاة النبي مُؤم العشاء استقراء تاما ولعله صلاها فى بعض المرات فى ذلك
الوقت، فظن النعمان أن هذا الوقت يوافق غروب القمر لثالثة دائما، ومما يؤيد ذلك أن رسول الله مز يل لم يكن ياتزم وقنا
معينا فى صلاتها كما قال جابر بن عبد الله فى ذكر أوقات صلاة النبي ◌ُّ: والعشاء أحيانا يؤخرها، وأحيانا يعجل، إذا
راهم اجتمعوا عجل وإذا راهم أبطأوا أخر. وهو حديث صحيح أخرجه أحمد والبخارى ومسلم وأبو داود والنسائى
(رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى (والدارمى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٢٧٤) والترمذى والحاكم
(ج ١: ص ١٩٤) والبيهقى (ج ١: ص ٤٤٨، ٤٤٩). قال ابن العربى فى عارضة الأحوذي (ج ١: ص ٢٧٧) :
حديث النعمان حديث صحيح وإن لم يخرجه الامامان فإن أبا داود خرجه عن مسدد ، والترمذى عن ابن أبى الشوارب
كلاهما عن أبى عوانة ، عن أبى بشر جعفر بن أبى وحشية ، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم ، فأما حبيب بن سالم
مولى النعمان بن بشير، فقال أبو حاتم: هو ثقة، وأما بشير بن ثابت، فقال يحيى بن معين: إنه ثقة. ولا كلام فيمن دونهما،
وإن كان هشيم قد رواه عن أبى بشر، عن حبيب بن سالم بإسقاط بشير. وما ذكرناه أصح. وكذلك رواه شعبة
وغيره، وخطأ من أخطأ فى الحديث لا يخرجه عن الصحة - انتهى. قلت: حديث شعبة أخرجه أحمد (ج ٤ :
ص ٢٧٢) عن یزید بن هارون ، والحا کم (ج ١ : ص ١٩٤) من طريق يزيد بن هارون ، عن شعبة ، عن أبى بشر نحو
رواية أبى عوانة. وحديث هشيم أخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٢٧٠) وأبو داود الطيالسى كلاهما عن هشيم، وأخرجه
الحاكم (ج ١: ص ١٩٤) من طريق عمرو بن عون ، عن هشيم، عن أبى بشر ، عن حبيب بن سالم بغير ذكر واسطة
بشير بن ثابت. قال الحاكم: تابعه رقبة بن مصقلة عن أبى بشر، هكذا اتفق رقبة وهشيم على رواية هذا الحديث عن
أبى بشر ، عن حبيب بن سالم ، وهو إسناد صحيح، وخالفهما شعبة وأبو عوانة فقالا: عن أبى بشر ، عن بشير بن ثابت،
عن حبيب بن سالم - انتهى. ورقبة بن مصقلة ثقة ، وروايته عند النسائى عن محمد بن قدامة ، عن جرير بن عبد الحميد ،
عن رقبة. وهذا كما ترى قد اختلفت الرواية عن أبى بشر فبعضهم رواه عنه ، عن حبيب بن سالم بلا واسطة، وبعضهم
رواه عنه، عن بشير بن ثابت، عن حبيب. وقد رجح الترمذى وتابعه ابن العربى رواية من زادعن بشير بن ثابت. قال
الترمدی : وحدیث أبی عوانة أصح عندنا، لأن یزید بن هارون روی عن شعبة ، عن أبى بشر نحو رواية أبى عوانة،
٣٢١
منعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٦١٦ - (٢٨) وعن رافع بن خديج، قال: قال رسول اللّه مَّ: أسفروا بالفجر، فإنه أعظم
للأجر.
وصرح ابن العربى كما تقدم بأن هشيما أخطأ فى روايته، ولكن متابعة رقبة بن مصقلة له تبعد احتمال الخطأ. والظاهر أن
أبا بشر سمعه من حبيب وسمعه من بشير بن ثابت عن حبيب، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا كما تراه كثيرا فى صنيع
الرواة، والإسناد صحيح فى الحالين كذا حققه صاحب التعليق ، وهو تحقيق جيد.
٦١٦ - قوله (أسفروا بالفجر) أى صلوا صلاة الفجر إذا أضاء الفجر وأشرق (فإنه) أى الاسفار بالفجر
(أعظم للأجر) احتج به الحنفية على أفضلية تأخير الفجر إلى الإسفار. وأجيب عنه بأن استمرار صلاته مؤ لم بغلس
ومداؤمته على التغليس يشعر بأن المراد بأسفروا غير ظاهره، فقيل: يحمل على التأخير حتى يتين وينكشف بحقيقة الأمر
ويعرف يقينا طلوع الفجر، وعلى هذا ((أعظم) ليس للتفضيل. وقيل يحمل على المالى المقمرة، لأن أول الفجر لا يتضح
معها لغلبة نور القمر لنوره. وقيل يحمل على الليالى القصيرة لإ دراك النوم الصلاة كما فى حديث معاذ بن جل قال:
معشى رسول اللّه مَّ إلى اليمن فقال: يا معاذ إذا كان فى الشتاء فغاس بالفجر، وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا
تملهم، وإذا كان الصيف فأسفر بالفجر، فإن الليل قصير والناس ينامون، فأمهلهم حتى يدركوا. ذكره البغوى فى
شرح السنة ، وأخرجه بقى بن مخلد فى مسنده، وأبو نعيم فى الحلية. وقيل المراد طولوا القراءة فى صلاة الصبح حتى
تخرجوا منها مسفرين، وهو الأوفق بحديث: ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر، قال الإمام ابن القيم فى إعلام
الموقعين بعد ذكر حديث رافع بن خديج ما لفظه: وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الاسفار دواما لا ابتداء فيدخل فيها
مغلسا، ويخرج منها مسفرا كما كان يفعله مَّة، فقوله .وافق لفعله لا مناقض له، وكيف يظن به المواظبة على فعل ما
الأجر الأعظم فى خلافه ـ انتهى. وهذا هو الذى اختاره الطحاوى فى شرح الآثار ، وبسط الكلام فيه، وقال فى
آخره: فالذى ينبغى الدخول فى الفجر فى التغليس والخروج منها فى وقت الإسفار على موافقة ما روينا عن رسول الله
◌َّ وأصحابه، وهو قول أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد بن الحسن - انتهى. ولا يخدش هذا الجواب حديث عائشة
المتقدم فتنصرف النساء ما يعرفن من الغلس لأنه يمكن أن يقال: إنه كان أحيانا. وقيل فى جواب حديث رافع هذا :
أن قوله: أسفروا بالفجر، مروى بالمعنى، والأصل أصبحوا بالصبح، كما فى رواية أبى داود. قال الجزرى: أى
صلوها عند طلوع الصبح، يقال : أصبح الرجل إذا دخل فى الصبح۔ انتھی. قال السیوطی فی حاشية أبى داود : وبهذا
يعرف أن رواية من روى هذا الحديث بلفظ ((أسفروا بالفجر)) مروية بالمعنى، وأنه دليل على أفضلية التغليس بها لا على
التأخير إلى الإسفار - انتهى. وقال السندى فى حاشية ابن ماجه: تعين أن ((أسفروا، متقول بالمعنى، محتاج إلى الدليل،
إذ يمكن العكس. فعم! قد سقط استدلال من يقول بالاسفار بلفظ ((أسفروا، لاحتمال أنه من تصرف الرواة،
والأصل أصبحوا، كما سقط استدلال من يقول بالتغليس بلفظ ((أصبحوا، لاحتمال أنه من تصرف الرواة إلا أن يقال
٣٢٢
أ
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
رواه الترمذى، وأبو داود، والدارمى، وليس عند النسائى: فإنه أعظم للاجر.
الفصل الثالث )
٦١٧ - (٢٩) عن رافع بن خديج، قال: كنا فصلى العصر مع رسول اللّه مؤثّه، ثم تنحر الجزور
فتقسم عشر قسم، ثم تطبخ، فأكل لحما نضيجا قبل مغيب الشمس.
الموافق لأدلة التغليس لفظ أصبحوا، وتلك أدلة كثيرة، ولا دليل على الإسفار إلا هذا الحديث بلفظ ((أسفروا.
والأصل عدم التعارض، فالظاهر أن الأصل لفظ ((أصبحوا)) الموافق لباقى الأدلة لا لفظ ((أسفروا، المعارض، وإنما
جاء لفظ ((أسفروا)) من قصرف الرواة، لكن قد يقال ((أسفروا)) هو الظاهر لا ((أصبحوا)) لأنه لوكان ((أصبحوا، صحيحا.
لكان مقتضى قوله ((أعظم للأجر)) أنه بلا إصباح تجوز الصلاة وفيها أجر دون أجر، ويمكن الجواب بأن معنى
((أصبحوا) تيقنوا بالإصباح بحيث لا يبقى فيه أدنى وهم، ولو كان ذلك الوهم غير مناف الجواز، وذلك لأنه إذا قرى
الظن. بطلوع الفجر يجوز الصلاة ويثاب عليها لكن التأخير حتى يتبين وينكشف بحيث لا يبقى وهم ضعيف فيه أولى
وأحسن، فأجره أكثر، وعلى هذا المعنى حمل الإسفار إن صح توفيقا بين الأدلة - انتهى كلام السندى. قلت : أحسن
الأجوبة وأسلها وأولاها ما قاله الإمام ابن القيم بأن المراد الاسفار دواما لا ابتداء، والله اعلم (رواه الترمذى) وقال
حديث حسن صحيح (وأبو داود) وسكت عليه هو والمنذرى (والدارمى) وأخرجه أيضا الطيالسى وأحمد (ج٣: ص ٤٦٥،
وج ٤: ص ١٤٠، ١٤٢، ١٤٣) وابن ماجه والبيهقى وابن حبان والطبرانى والطحاوى فى معانى الآثار، قال الحافظ
فى الفتح: رواه أصحاب السنن، و صححه غير واحد .
٦١٧ - قوله (الجزور) بفتح الجيم، قال الطبي: هو البعير ذكرا كان أو أنثى إلا أن اللفظ مؤنثة، يقال: هذه
الجزور وإن أردت ذكرا - انتهى. وقال النووى: الجزور - بفتح الجيم - لا يكون إلا من الإبل، وقال المجد فى
القاموس: الجزور البعير ، أو خاص بالناقة المجزورة، الجمع جزائر، وجزر، وجزرات (فتقسم عشر قسم) بكسر
القاف وفتح السين، جمع قسمة (ثم تطبخ) بالتأنيث، وفى بعض النسخ ((طبخ)» بالنون، وكذا وقع فى صحيح مسلم، وهو من
باب نصر ومنع (لحما نضيجا) أى مشويا، وقال الجزرى: النضيج المطبوخ، فعيل بمعنى مفعول (قبل مغيب الشمس) قال
الطبي: فى تخصيص القسم بالعشر، والطبخ بالنضج، وعطف تنحر على نصلى إشعار بامتداد الزمان، وأن الصلاة واقعة
أول الوقت, قلت: الحديث يدل على مشروعية المبادرة بصلاة العصر وتعجيلها، فإن نحر الجزور ثم قسمتها ثم طبخها
ثم أكلها نضجا ثم الفراغ من ذلك قبل غروب الشمس من أعظم المشعرات بالتبكير بصلاة العصر، فهو من حجج
٣٢٣
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
متفق عليه.
٦١٨ - (٣٠) وعن عبد الله بن عمر، قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول اللّه مؤتم صلاة العشاء
الآخرة، خرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندرى: أشئ شغله فى أهله أو غير ذلك؟
فقال حين خرج: إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتى لصليت
بهم هذه الساعة. ثم أمر المؤذن، فأقام الصلاة وصلى. رواه مسلم.
1
الجمهور، وهو يرد ما قاله أبو حنيفة من أن أول وقت العصر مصير ظل الشئ مثليه، وقد خالفه الناس فى ذلك ، ومن
جملة المخالفين له أصحابه ، وقد تقدم البسط فى ذلك (متفق عليه) أخرجه البخارى فى كتاب الشركة ، وهو من الأحاديث
المذكورة فى غير مظنتها، وأخرجه مسلم فى الصلاة، واللفظ له، وفى الباب عن أنس عند مسلم.
٦١٠٨ - قوله (مكثنا) بفتح الكاف وضمها، أى لبثنا فى المسجد (ذات ليلة) أى ليلة من الليالى (صلاة العشاء)
ظرف لننتظر أى ننتظر رسول الله ومثله وقت صلاة العشاء (الآخرة) بالجر على النعت، ولعل تأنيثها باعتبار مرادف:
العشاء، وهو العتمة ، وجوز النصب على أنها صفة الصلاة أو بتقدير أعنى (حين ذهب) أى مضى (أو بعده) عطف على
حين ذهب وأو للشك من الراوى (أشئ شغله) أى عن تقديمها المعتاد (أو غير ذلك) بأن قصد بتأخيرها إحياء طائفة
كثيرة من أول الليل بالسهر فى العبادة التى هى انتظار الصلاة. وغير بالرفع عطف على شئى، وبالجر عطف على أهله ،
قاله القارى (فقال حين خرج) من الحجرة الشريفة (ما ينتظرها أهل دين غير كم) لأنها صلاة مخصوصة بهذه الأمة كما فى
حديث معاذ بن جبل المتقدم ، أى فانتظاركم لها شرف مخصوص بكم فلا تكرهوه. قال القارى: غير كم بالرفع على
البدل، وبالنصب على الاستثناء، والأول هو المختار، أى انتظار هذه الصلاة من بين سائر الصلوات من خصوصياتكم
التى خصكم الله بها، فكلما زدتم يكون الأجر أكمل مع أن الوقت زمان يقتضى الاستراحة، فالمثوبة على قدر المشقة - انتهى
(ولو لا أن يثقل) بصيغة التذكير أى التأخير أو هذا الفعل ، وفى سنن أبي داود: تثقل ، بالتأنيث أى الصلاة هذه الساعة
(الصليت بهم) أى دائما (هذه الساعة) قال الطيبي: أى لزمت على صلاتها فى مثل هذه الساعة. وفى الحديث أنه يستحب
للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه، أو جرى منه ما يظن أنه يشق عليهم أن يعتذر إليهم ويقول: لكم فى هذا مصلحة
من جهة كذا، أو كان لى عذر، أو نحو هذا. وفيه أيضا التصريح بأن ترك التأخير إنما هو الشفة والنقل على الأمة.
واختلفوا هل الأفضل تقديمها أم تأخيرها ويأتى إيضاح القول الحق فيه فى شرح حديث أبي سعيد الآتى (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى.
٣٢٤:
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٦١٩ - (٣١) وعن جابر بن سمرة، قال: كان رسول اللّه مؤيّ يصلى الصلوات نجوا من صلاتكم،
وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئا، وكان يخفف الصلاة. رواه مسلم.
٦٢٠ - (٣٢) وعن أبى سعيد، قال: صلينا مع رسول اللّه وَالثّ صلاة العتمة، فلم يخرج حتى مضى
نحو من شطر الليل، فقال: خذوا مقاعدكم، فأخذنا مقاعدنا، فقال: إن الناس قد صلوا وأخذوا
مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا فى صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم،
لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل.
٦١٩ - قوله (نحوا) أى قريبا (من صلاتكم) أى فى هذه الأوقات المعتادة لكم (وكان يؤخر العتمة) أى العشاء،
وإطلاق العتمة على العشاء لبيان الجواز وأن النهى للتنزيه لا للتحريم، أو التعريف لأنها أشهر عندهم (بعد صلاتكم) فى
وقتكم المعتاد (شيئا) أى يسيرا أو كثيرا (وكان يخفف الصلاة) وفى صحيح مسلم: وكان يخفف فى الصلاة، أى بزيادة ((فى))
قال ابن حجر: أى إذا كان إماما ، وذلك أغلى أيضا لما يأتى أنه عليه الصلاة والسلام طول بهم حيث قرأ الأعراف
فى ركعتى المغرب - انتهى. والحديث يدل على استحباب مطلق التأخير للعشاء، وهو مقيد بنصف الليل أو ثلثه (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا أحمد والنسائى مختصرا بلفظ: كان رسول الله عزّه يؤخر العشاء الآخرة.
٦٢٠ - قوله (صلينا) أى أردنا أن نصلى جماعة (نحو) أى قريب (من شطر الليل) أى نصفه (فقال) أى يخرج
فقال (خذوا) أى الزموا (فأخذنا مقاعدنا) أى ما تفرقنا عن أماكننا (إن الناس) أى غير أهل مسجد الني وز ئى
(قد صلوا) بفتح اللام (وأخذوا مضاجعهم) أى مكانهم النوم يعنى وناموا (لن تزالوا) وفى بعض نسخ أبي داود: لم
تزالوا (فى صلاة) أى حكما وثوابا، والتفكير للتعميم لئلا يتوهم خصوص الحكم بصلاة العشاء، أى أنى صلاة انتظر تموها
فأنتم فيها ما دمتم تنتظرونها (ولو لا ضعف الضعيف) إلخ. هو بضم أو فتح فسكون، والسقم بضم فسنكون أو بفتحتين، ومقتضى
الموافقة أن يختار فيهما الضم مع السكون، ثم السقم هو المرض، والضعف أعم فقد يكون بدونه، أى لو لا مخافة المشقة
عليهما. زاد أحمد فى روايته: وحاجة ذى الحاجة (لأخرت) أى دائما (هذه الصلاة) أى العشاء (إلى شطر الليل) أى
نصفه أو قريبا منه وهو الثلث. والحديث فيه تصريح بأفضلية التأخير أو لا ضعف الضعيف، وسقم السقيم، وحاجة ذى
الحاجة، وهو من حجج من قال: بأن التأخير أفضل، قال الحافظ فى الفتح بعدذكر حديث أبى سعيد هذا وحديث أبى هريرة
التقدم بلفظ «لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه)) ما نصه: فعلى هذا من وجد به قوة
على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين، فالتأخير فى حقه أفضل، وقد قرر النووى ذلك فى شرح
مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم، والله أعلم. ونقل ابن المنذر عن الليث وإسحاق: أن
٣٢٥
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
رواه أبو داود، والنسائى.
٦٢١ - (٣٣) وعن أم سلمة، قالت: كان رسول اللّه تَّم أشد تعجيلا للظهر منكم، وأتم أشد
تعجيلا للعصر منه. رواه أحمد، والترمذى.
المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث، وقال الطحاوى: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة
والتابعين ، وهو قول الشافعی فی الجديد، وقال فى القديم التعجيل أفضل، وكذا قال فى الاملاء، و صححه النووى،
وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتى به فى القديم ، وتعقب بأنه ذكره فى الإملاء وهو من كتبه الجديدة والمختار من حيث
الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل، والله أعلم - انتهى كلام الحافظ (رواه أبو داود) وسكت عليه هو
والمنذرى (والنسائى) وأخرجه أيضا أحمد وابن ماجه وابن خزيمة فى صحيحه، وغيرهم، واللفظ المذكور لأبي داود.
وقال الشوكانى: وإسناده صحيح.
٦٢١ - قوله (كان رسول اللّه ◌َي أشد تعجيلا للظهر منكم) فيه دليل على استحباب تعجيل الظهر، ونحوه
ماروى الترمذى عن عائشة: ما رأيت أحدا أشد تعجيلا للظهر من رسول الله ڕٹے، ولا من أبى بكر، ولا من عمر.
قال ابن قدامة فى المغنى: لا نعلم فى استحباب لتعجيل الظهر فى غير الحر والغيم خلافا ـ انتهى (وأنتم أشد تعجيلا العصر
منه) قال الطبى: ولعل هذا للإنكار عليهم بالمخلفة. قال القارى: الظاهر أن الخطاب لغير الأصحاب، قال: وفى الجملة
يدل الحديث على استحباب تأخير العصر كما هو مذهبنا. قلت: وكذا استدل به العينى فى البناية شرح الهداية على أفضلية
تأخير العصر. وقد أجاب عن هذا الاستدلال الشيخ عبد الحي اللكنوى فقال: ولا يخفى على الماهر ما فى الاستناد
بهذا الحديث؛ فإنه إنما يدل على كون التعجيل فى الظهر أشد من التعجيل فى العصر، لا على استجاب التأخير. وقال
شيخنا فى شرح الترمذى بعد نقل كلام القارى: ليس فيه دلالة على استحباب تأخير العصر، نعم فيه أن الذين خاطبتهم
أم سلمة كانوا أشد تعجيلا العصر منه ڑٹے ، وهذا لايدل على أنه ◌ُے کان یؤخر العصر، حتى يستدل به على استحباب
التأخير. وقال صاحب العرف الشذى ما لقظه: حديث الباب ظاهره مبهم والتأخير مهنا إضافى، وإطلاق الألفاظ
الإضافية ليست بفاصلة -انتهى. ثم قال بعد هذا الاعتراف: نعم يخرج شئى لنا -انتهى. قال شيخنا: لا يخرج لكم شتى
من هذا الحديث أيها الأحناف، كيف وظاهره مبهم، والتأخير فيه إضافى، وأطلق فيه اللفظ الإضافى ، وهو ليس
بفاصل، وقد ثبت بأحاديث كثيرة صحيحة صريحة استحباب التعجيل، وترك الأحاديث الصحيحة الصريحة فى أفضلية
التعجيل، والتشبث بمثل هذا الحديث ليس إلا من أثر التقليد، والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم (رواه أحمد)
ج ٦: ص ٣١٠،٢٨٩) (والترمذى) قال العلامة أحمد محمد شاكر فى تعليقه على الترمذى: لم أجده فى شتى من الكتب
الستة وغيرها إلا فى الترمذی ومسند أحمد.
٣٢٦
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٦٢٢ - (٣٤) وعن أنس، قال: كان رسول اللّه ◌َيفضّ إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد
مجل. رواه النسائى.
٦٢٣ - (٣٥) وعن عبادة بن الصامت، قال: قال لى رسول اللّه مَّ: إنها ستكون عليكم بعدى أمراء
يشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها. فقال رجل: يا رسول
الله ! أصلى معهم؟ قال: نعم. رواه أبو داود.
٦٢٢ - قوله (أبرد) من الايراد وهو الدخول فى البرد ، والباء للتعدية أى أدخلها فى البرد ، وأخرها عن شدة
الحرفى أول الزوال، وكان حد التأخير غالبا أن يظهر الفتى للجدر (بالصلاة) أى بصلاة الظهر، ففى رواية الاسماعيلى
والبيهقى: كان إذا كان الشتاء بكر بالظهر، وإذا كان الصيف أبرد بها. والحديث فيه دليل على استحباب تأخير الظهر
عن أول وقته فى الحر، وقد تقدم الكلام فيه. واختلفوا فى مشروعية الإيراد بالجمعة، وليس عند القائلين بالايراد
بالجمعة فص، إنما هو بالقياس على الظهر (رواه النسائي) قال المجد بن تيمية فى المنتقى: وللبخارى نحوه يعنى حديث أنس
الذى أخرجه البخارى فى ((باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة)) بلفظ: كان النبي مَّ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد
الجر أبرد بالصلاة. وسيأتى فى باب الخطبة والصلاة من أبواب الجمعة .
٦٢٣ - قوله (إنها) الضمير للقصة ويفسرها ما بعدها (يشغلهم) بفتح الياء والغين المعجمة، ويجوز أن يكون بضم
الياء وكسر الغين، وفى سنن أبي داود بالتاء بدل التحتية، أى يمنعهم (أشياء) أى أمور (عن الصلاة) أى عن أداء جنس
الصلاة (حتى يذهب وقتها) أى وقتها مطلقا، فإنهم كانوا يخرجونها عن جميع وقتها كما تقدم. وقيل وقتها المستحب المختار
(فصلوا) أى إذا كان كذلك فصلوا أنتم أى فى بيوتكم كما فى حديث ابن مسعود عند ابن ماجه (الصلاة لوقتها) أى ولو
منفردين لكن على وجه لا يترتب عليه فتنة ومفسدة (أصلى) بحذف حرف الاستفهام (معهم) أى مع الإمام والجماعة إذا
أدركتها معهم (قال: نعم) لأنها زيادة خير ودفع شر، زاد أحمد وكذا أبو داود (إن شئت)) بعد قوله نعم، ولا أدرى
لم لم يذكرها المصنف، وفى لفظ لأحمد: واجعلوا صلاتكم معهم تطوعا. والحديث فيه دليل على وجوب تأدية الصلاة
لوقتها وترك ما عليه أمراء الجور من التأخير، وعلى استحباب الصلاة معهم، لأن الترك من دواعى الفرقة، وعدم
الوجوب لقوله فى هذا الحديث: إن شئت ، وقوله: تطوعاً ، وفيه دليل على أن المعادة نافلة وأن إمامة الفاسق تجوز،
وسيأتى الكلام عليه (رواه أبو داود) وسكت عليه هو والمنذرى، وأخرجه أيضا أحمد (جه: ص ١٤ ٣، ٣١٥) وابن
ماجه، قال الشوكانى: الحديث رجال إسناده فى سنن أبي داود ثقات. قلت: الحديث حسن أو صحيح، ويشهد له حديث
٣٢٧
٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٦٢٤ - (٣٦) وعن قبيصة بن وقاص، قال: قال رسول اللّه مؤلم: يكون عليكم أمراء من بعدى
يؤخرون الصلاة، فهى لكم، وهى عليهم؛ فصلوا معهم ما صلوا القبلة. رواه أبو داود.
٦٢٥ - (٣٧) وعن عبيد الله بن عدى بن الخيار: أنه دخل على عثمان وهو محصور، فقال: إنك
إمام عامة ،
أبى ذر المتقدم، وحديث ابن مسعود عند ابن ماجه، وحديث قبيصة الآتى وغير ذلك من الأحاديث التى ذكرها الهيشمى
فى مجمع الزوائد (ج ١: ص ٣٢٥،٣٢٤).
٦٢٤ - قوله (وعن قبيصة) بفتح أوله وكسر الموحدة (بن وقاص) بفتح الواو وتشديد القاف السلمى،
ويقال : الليثى وهو أصح، صحابى نزل البصرة ، له هذا الحديث فقط، لا يعرف له غير هذا الحديث الواحد، ذكره فى
الصحابة البخارى ، وابن أبى خيثمة وأبو على بن السكن ، وأبو زرعة الرازى، وغيرهم (يؤخرون الصلاة) أى عن وقتها
(فهى لكم وهى عليهم) أى الصلاة المؤخرة عن الوقت نافعة لكم، لأن تأخيركم للضرورة تبعالهم ومضرة عليهم، لأنهم
يقدرون على عدم التأخير وإنما شغلهم أمور الدنيا عن أمر العقبى. وقال الطبي: أى إذا صلتم أول وقتها ثم صليتم معهم
تكون منفعة صلاتكم لكم، ومضرة الصلاة ووبالها عليهم لما أخروها، كما فى الفصل الأول فى الحديث الثالث عشر
(فصلوا) بضم اللام (معهم) أى مع الأمراء (ما صلوا) بفتح اللام (القبلة) أى ماداموا مصلين متوجهين إلى القبلة،
وهى الكعبة الحرام يعنى ما داموا مسلمين صلوامعهم الصلاة وإن أخروها عن أوقاتها (رواه أبو داود) وسكت عنه
هو والمنذرى.
٦٢٥ - قوله (وعن عبيد الله) بالتصغير (بن عدى) بفتح العين وكسر الدال وتشديد الياء (بن الخيار) بكسر
الخاء معجمة وتخفيف الياء التحتية، ابن عدى بن نوفل بن عبد مناف القرشى النوفلى المدنى ، يقال: قتل أبوه بيدر كافرا ،
ولد عبيد الله فى زمن النبي ◌ُّل، وذكره ابن حبان فى الصحابة، وقال: له رؤية، ثم ذكره فى ثقات التابعين. وذكره
الحافظ فى الإصابة فى القسم الثانى من حرف العين ، وقال فى التقريب: كان هو فى الفتح ميزا فعد فى الصحابة لذلك
وعده العجلى وغيره فى ثقات التابعين ، مات فى خلافة الوليد بن عبد الملك، وقيل سنة (٩٠) قال ابن إسحق: حدثنى
الزهرى، عن عطاء بن يزيد ، عن عبيد الله بن عدى بن الخيار. وكان من فقهاء قريش وعلمائهم ، وقد أدرك أصحاب النبي
وّ متوافرين (أنه دخل على عثمان) قيل: كان عثمان من أقارب عبيد الله بن عدى (وهو محصور) أى محبوس فى
داره، ممنوع عن أموره، حصره أهل الفتنة من قبل اختلاط فسقة اجتمعوا عليه من مصر وغيرها لإ رادة خلعه أو قتله
لما زعموا من أمره بقتل محمد بن أبى بكر وغير ذلك مما هو برئى منه (إمام عامة) أى جماعة ، يعنى أنت أمير المؤمنين
٣٢٨
٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
ونزل بك ما ترى، ويصلى لنا إمام فتنة، ونتحرج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا
أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤا فاجتنب إساءتهم. رواه البخارى.
وخليفة المسلمين وإمامهم لاجماع أهل الشورى وغيرهم على إمامته. وفى رواية الاسماعيلى: وأنت الإمام، أى الإمام الأعظم
(ونزل بك ما ترى) أى من الحصار وخروج الخوارج عليك (ويصلى لنا) أى يؤمنا (إمام فتنة) أى رئيسها عبد الرحمن بن
عديس البلوى أحد رؤس المصريين الذين جلبوا على عثمان أهل مصر وحصروه فى داره ، أو هو كنانة بن بشر أحد
رؤسهم أيضا ، قال الحافظ وهو المراد هنا (ونتحرج) وفى رواية عند الاسماعيلى وأبى نعيم: وإنا لنتحرج من الصلاة
معه، والتحرج التأثم أى تخاف الوقوع فى الإثم بمتابعته، وأصل الحرج الضيق ثم استعمل للإثم لأنه يضيق على
صاحبه (الصلاة أحسن ما يعمل الناس) الصلاة مبتدأ وقوله أحسن مضاف إلى ما بعده خبره، أى الصلاة أفضل
أعمال المسلمين (فإذا أحسن الناس فأحسن معهم) ظاهره أنه أذن ورخص له فى الصلاة معهم كأنه يقول: لا يضرك
كونه مفتونا بفسق بل إذا أحسن أوانقه على إحسانه واترك ما افتتن به. قال الطيبي: وفيه دليل على جواز الصلاة
خلف الفرقة الباغية وكل فاجر - انتهى (وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم) من قول أو فعل أو اعتقاد لا الصلاة التى هى أحسن
أنواع الإحسان معهم ، وفيه تحذير من الفتنة والدخول فيها ومن جميع ما ينكر من قول أو فعل أو اعتقاد. وفى هذا
الأثر الحض على شهود الجماعة ولا سيما فى زمن الفتنة لثلا يزداد تفرق الكلمة، وفيه أن الصلاة خلف من تكره الصلاة
خلفه أولى من تعطيل الجماعة. وأعلم أنهم اختلفوا فى صحة إمامة الفاسق بجارحة واعتقاد، والراجح عندى أنه يجوز
الاهتمام بالفاسق إذا لم يكن فسقه بجوارحه أو اعتقاده من الأمور التى يكفربها صاحبها، لما لم يصح شئى فى المنع عن
الائتمام بهم، وقد ورد ما يدل على صحة إمامته عند أبى داود وغيره، وهو وإن كان ضعيفا لكنه قد تأيد بما كان عليه
السلف الصالح من الصلاة خلف الأمراء المشتهرين بظلم العباد والإفساد فى البلاد، وبما هو الأصل الأصيل، وهو أن
من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره ، فلا نتقل عن هذا الأصل إلى غيره إلا لدليل ناهض ، نعم يجب أن يجعل المصلون
إمام صلاتهم من خيارهم عند القدرة ، كما أخرجه الدار قطنى عن ابن عباس مرفوعا: اجعلوا أتمتكم خياركم، فإنهم وفدكم
فيما بينكم وبين ربكم، وفى إسناده سلام بن سليمان المدائنى وهو ضعيف، وأخرج الحاكم فى ترجمة مرئد الغنوى عنه مؤفيه:
إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤ مكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم. ولكن ليس محل النزاع إلا أنه لا يصح
أن يكون الفاسق ومن فى حكمه إماماً، لا فى أن الأولى أن يكون الإمام من الخيار، فإن ذلك لا خلاف فيه .
وسيأتى بسط الكلام فى هذه المسألة فى باب الإمامة إن شاء الله تعالى (رواه البخارى) فى باب إمامة المفتون والمبتدع.
قال: وقال لنا محمد بن يوسف: حدثنا الأوزاعى قال: حدثنا الزهرى، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن عبيد الله بن عدى
ابن الخيار، إلخ. وإنما عبر بصيغة ((قال لنا، ولم يقل حدثنا أو أخبرنا مع أنه متصل من حيث اللفظ والمعنى لأن المتن
٣٫٢٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٣ - باب فضائل الصلاة
(٣) باب فضائل الصلاة
( الفصل الأول ):
٦٢٦ - (١) عن عمارة بن روية، قال: سمعت رسول اللّه مَّ يقول: لن يلج النار أحد صلى
قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها. يعنى الفجر والعصر.
موقوف. قال الحافظ: والذى ظهرلى بالاستقراء أنه لا يعبر بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن موقوفا أوكان فيه راو ليس
على شرطه ، والذى هنا من قبيل الأول، وقد وصله الإسماعيلى، ورواه أبو نعيم الأصبهانى.
(باب فضائل الصلاة) كذا وقع فى بعض النسخ، وفى بعضها «باب فى فضل الصلوات فى مواقيتها)) وفى بعضها
(((باب)) لا غير، وهو بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هذا باب ويجوز فيه الوقف على سبل تعداد الكلمات فلا
إعراب له حينئذ، لأن الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب ، قال ابن حجر: أى فى متمات فضائل الصلوات
وأوقاتها، ووقع فى المصابيح فصل لا غير ، قال ابن الملك: إنما أفرد هذا الفصل عما تقدم لأن أحاديثه من جنس
آخر ـ انتهى.
٦٢٦ - قوله (عن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم (بن روية) بضم الراء وفتح الواو وسكون التحتية بعدها
موحدة، الثقفى يكنى أبا زهير الكوفى. صحابى نزل الكوفة. له تسعة أحاديث، انفرد له مسلم بحديثين، تأخر إلى ما
بعد السبعين (لن يلج) أى لن يدخل (النار) أى أصلا للتعذيب، وقيل: أو على وجه التأيد (صلى قبل طلوع الشمس
وقبل غروبها يعنى الفجر والعصر) أى داوم على أدائهما، وخص الصلاتين بالذكر لأن وقت الصبح وقت لذيذ الكرى
والنوم ، والقيام فيه أشق على النفس من القيام فى غيره ، ووقت صلاة العصر وقت قوة الاشتغال بالتجارة ، وحينئذ
يحمى البيع والشرى فمن يتلهى عنه إلا من كمل دينه. قال تعالى: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام
الصلاة - ٣٧:٢٤ ) والمسلم إذا حافظ عليهما مع ما فيه من التثاقل والتشاغل كان الظاهر من حاله أن يحافظ على غيرهما أشد
محافظة ، وما عسى أن يقع منه تفريط ، ولأن الوقتين مشهودان يشهدهما ملائكة الليل والنهار ، ويرفعون فيهما أعمال
العباد إلى الله تعالى، فبالحرى أن من داوم عليهما لا يدخل النار أصلا ، ويدخل الجنة لصيرورة ذلك مكفراً للذنوب ،
وإن كان هذا ينافى ما عليه الجمهور من اختصاص كفارة الصلاة بالصغائر ، ولکن فضل الله واسع، وقيل: خصتا
بالذكر لأن أكرم أهل الجنة على اللّه من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، كما فى حديث ابن عمر عند أحمد والترمذى،
وقوله ◌َّ: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لاتضامون فى رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل
طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ، إلخ. يدل على أن رؤية الله تعالى والنظر إلى وجهه قد يرجى ذيله بالمحافظة على
٣٣٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٣ - باب فضائل الصلاة
رواه مسلم.
٦٢٧ - (٢) وعن أبى موسى، قال: قال رسول اللّه مؤ لّ: من صلى البردين دخل الجنة. متفق عليه.
٦٢٨ - (٣) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يتعاقبون
هاتين الصلاتين اللتين تؤديان طرفى النهار غدوة وعشية (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى.
٦٢٧ - قوله (من صلى البردين) بفتح الموحدة وسكون الراء تثنية برد ، قال البغوى: أراد بهما صلاة الفجر
والعصر لكونهما فى طرفى النهار ، وقال الخطابي: سميتًا بردين لأنهما تصليان فى بردى النهار ، وهما طرفاه حين يطيب
الهواء وتذهب سورة الحر - انتهى. قال التور بشتى: أراد به المحافظة على صلاتى الصبح والعصر لما فى حديث فضالة بن
عبيد (عند أبى داود والحاكم) حافظ على العصرين ، قال: وما كانت لغتنا ، فقات: وما العصران؟ قال: صلاة قبل
طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها. ومن المفهوم الواضح أن النبى موضع لم يخصص هاتين الصلاتين تسهيلا للأمر فى
إضاعة غيرهما من الصلوات أو ترخيصا لتأخيرها عن أوقاتها، وإنها أمر بأدائهما فى الوقت المختار والمحافظة عليهما فى
جماعة لما فيهما من الفضل والزيادة فى الأجر. قال: وهذا الذى ذكرناه من طريق المفهوم فى تفسير هذا الحديث، فمعظمه
مذكور فى حديث فضالة ، فإنه لما قال له النبي مَّ: حافظ على الصلوات، قال: إن هذه ساعات لى فيها أشغال ، فمرنى
بأمر جامع إذا أنا فعلته أجزأ عنى ، فقال: حافظ على العصرين، وقد علم ◌َّم أنه إذا حافظ عليهما مع ما فى وقتهما من
الشواغل والقواطع لم يكن ليضيع غيرهما من الصلوات، والأمر فى إقامة ذلك أيسر - انتهى (دخل الجنة) أى دخولا
أوليا، وهو جواب الشرط وعدل عن الأصل وهو فعل المضارع كأن يقول: يدخل الجنة، إرادة للتأكيد فى وقوعه
يجعل ما سيقع كالواقع (متفق عليه) فى المحافظة على صلاتى الصبح والعصر أحاديث عن جماعة من الصحابة فى الصحيحين
وغيرهما ذكرها المنذرى فى الترغيب، وعلى المتقى فى الكنز ، والهيشمى فى مجمع الزوائد .
٦٢٨ - قوله (يتعاقبون) أى تأتى طائفة عقب طائفة، ثم تعود الأولى عقب الثانية، والواو فى يتعاقبون العلامة
جمع الفاعل المذكر على لغة بلحارث ، وليس بفاعل، فإن إظهار ضمير الجمع والثنية فى الفعل إذا تقدم جائز عندهم ، وهم
القائلون أكلونى البرا غيث. قال القرطبى: هذه لغة فاشية ولها وجه فى القياس صحيح، وعليها حمل الأخفش قوله تعالى:
﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا - ٢١: ٣) وقيل: فاعل ((يتعاقبون)) مضمر تقديره ملائكة يتعاقبون، وقوله: ملائكة
بالليل، بدل من الضمير الذى فيه، أو بيان ، كأنه قيل: من هم؟ فقيل ملائكة. وقيل «ملائكة بالليل» مبتدأ خبره «يتعاقبون
فيكم، تقدم عليه لفظا، هذا هو المشهور فى مثله. ورد بأن فى هذا الحديث وقع اختصار من الرواة، ففى رواية البخارى
فى بدء الخلق ((الملائكة يتعاقبون ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)) وحينئذ ففى سياقه هنا إضمار الفاعل كان الراوى اختصر
المسوق هنا من المذكور فى بدء الخلق، وأخرجه البزار، وابن خزيمة، والسراج من وجه آخر بلفظ: إن لله ملائكة
٣٣١
٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٣ - باب فضائل الصلاة
فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا
فيكم، فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم
وهم يصلون.
يتعاقبون (فيكم) أى فى المصلين (ملائكة) هم الحفظة عند الأكثرين، وقال القرطبي: الأظهر عندى أنهم غيرهم ، قال
الحافظ : ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد ، ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار ، وبأنهم لو كانوا هم الحفظة
لم يقع الاكتفاء فى السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها فى قوله: كيف تركتم عبادي؟ - انتهى. وتنكير ملائكة فى
الموضعين ليفيد أن الثانية غير الأولى كقوله تعالى: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر - ١٢:٣٤ )﴾ (ويجتمعون فى صلاة الفجر
وصلاة العصر) أى فى وقتها فإن قلت: التعاقب يغائر الاجتماع، أجيب بأن تعاقب الصنفين لا يمنع اجتماعهما، لأن التعاقب أعم
من أن يكون معه اجتماع هكذا ، أو لا يكون معه اجتماع كتعاقب الضدين، أو المراد حضورهم معهم الصلاة فى الجماعة ،-
فينزل على حالين ، وتخصيص اجتماعهم معهم فى الورود والصدور بأوقات العبادة تكرمة بالمؤمنين واطفا بهم لتكون
شهادتهم بأحسن الثناء وأطيب الذكر، ولم يجعل اجتماعهم معهم فى حال خلواتهم بلذاتهم وإنهماكهم على شهواتهم فلله الحمد
(الذين باتوافيكم) وفى رواية للنسائى: الذين كانوا فيكم، وهى أوضح لشمولها لملائكة الليل والنهار ، وفى الأولى استعمال
لفظ بات فى الإقامة مجازا فلا تختص بليل دون نهار ولانهار دون ليل، فكل طائفة منهم إذا صعدت سئلت ، ويكون
قوله ((فيسألهم)) أى كلا من الطائفتين فى الوقت الذى يصعد فيه، والدليل على حمل بات على الإقامة رواية النسائى، بل
قد وقع فى حديث أبى هريرة هذا من وجه أخر عند ابن خزيمة فى صحيحه مرفوعا التصريح بسؤال كل من الطائفتين
ولفظه: تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار فى صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون فى صلاة الفجر، فتصعد ملائكة الليل وتثبت
ملائكة النهار ، ويجتمعون فى صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم كيف تركتم عادى؟
الحديث. فهذه الرواية تزيل الإشكال وتغنى عن كثير من الاحتمالات التى ذكرها الشراح، فهى المعتمدة ويحمل ما
نقص منها على تقصير بعض الرواة (فيسألهم) قيل: الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبنى آدم بالخير واستنطاقهم بما يقتضى
التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة فى خلق الإنسان فى مقابلة من قال من الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك
الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: إنى أعلم ما لا تعلمون - ٢: ٣٠)﴾ أى وقد وجد فيهم من يسبح ويقدس
مثلكم بنص شهادتكم. وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد الملائكة كما أمروا أن يكتبوا أعمال بنى آدم، وهو
سبحانه وتعالى أعلم من الجميع بالجميع (وهو أعلم بهم) أى بالمصلين من الملائكة، حذف صلة أفعل التفضيل (كيف تركتم
عادى) وقع السؤال عن آخر الأعمال لأن الأعمال بخواتيمها، قاله ابن أبي جمرة (تركناهم وهم يصلون وأتيناهم)
أى جناهم ونزلنا عليهم (وهم يصلون) لم يراعوا الترتيب الوجودى لأنهم بدءوا بالترك قبل الاتيان، والحكمة فيه أنهم
٣٣٢
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٣ - باب فضائل الصلاة
متفق عليه .
٦٢٩ - (٤) وعن جندب القسرى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
طابقوا السؤال لأنه قال: كيف تركتم ، ولأن المخبر به صلاة العباد والأعمال بخواتيمها فناسب ذلك إخبارهم عن آخر
عملهم قبل أوله، وقوله: تركناهم وهم يصلون، ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم فى العصر، سواء تمت أم منع مانع من
إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها أم لا، لأن المنتظر فى حكم المصلى، ويحتمل أن يكون المراد بقوله ((وهم يصلون، أى
ينتظرون المغرب ، وقال ابن التين: الواو فى قوله ((وهم يصلون)) واو للحال أى تركناهم على هذه الحال، ولا يقال:
يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة فلم يشهدوها معهم ، والخبر ناطق بأنهم يشهدونها ، لأنا نقول: هو محمول على
أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها فى أول وقتها ، وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك ، ومن شرع فى أسباب ذلك ، فإن
قيل: فما الفائدة فى قولهم ((وأتيناهم، وكان السؤال عن كيفية الترك؟ أجيب بأنهم أجابوا بأكثر مما سئلوا، لأنهم علوا
أنه سؤال يستدعى التعطف على بنى آدم فزادوا فى الجواب إظهارالبيان فضيلة المصلين، وحرصا على ذكر ما يوجب
مغفرة ذنوبهم، كما هو وظيفتهم فيما أخبر اللّه عنهم { ويستغفرون للذين آمنوا) ووقع فى صحيح ابن خزيمة فى آخر هذا
الحديث: فاغفر لهم يوم الدين ، ويستفاد من الحديث أن الصلاة أعلى العبادات لأنه عليها وقع السؤال والجواب. وفيه
التنبيه على أن الفجر والعصر من أعظم الصلوات لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان ، وفى غيرهما طائفة واحدة ، والإشارة
إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار ، فمن كان
حينئذ فى طاعة بورك له فى رزقه وفى عمله، ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى الصلاة ، وفى بدء الخلق، وفى التوحيد، ومسلم فى الصلاة، وأخرجه أيضا أحمد والنسائى وغيرهما .
٦٢٩ - قوله (وعن جندب) بضم أوله، والدال تفتح وتضم، هو جندب بن عبد الله بن سفيان البجلى ثم العلق،
يكنى أبا عبد اللّه، وربما نسب إلى جده ، صحابى، وقال البغوى عن أحمد: ليست له صحبة قديمة. مات بعد الستين ،
وتقدم ذكره (القسرى) بفتح القاف وسكون السين المهملة ، قال القارى: هو كذلك فى جميع النسخ المقروأة المصححة
الحاضرة من نسخ المشكاة ، وقال التور بشتى : فى سائر نسخ المصابيح القشرى بضم القاف والشين المعجمة وهو غلط، نقله
الطبي ـ انتهى. وقال النووى: القسرى هو بفتح القاف وإسكان السين المهملة، وقد توقف بعضهم فى صحة قولهم
القسرى، لأن جندبا ليس من بنى قسر إنما هو يحلى علقى، وعلقة بطن من بجيلة، هكذا ذكره أهل التواريخ والأنساب
والأسماء، وقسر هو أخو علقة. قال القاضى: لعل لجندب حلفا فى بنى قسر أو سكنا أو جوارا فنسب إليهم لذلك ، أو
لعل بنى علقة ينسبون إلى بنى عمهم قسر كغير واحدة من القبائل ينسبون بنسبة بنى عمهم لكثرتهم أو شهرتهم - انتهى .
٣٣٣
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٣ - باب فضائل الصلاة
من صلى صلاة الصبح ؛ فهو فى ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشئى؛ فإنه من يطلبه من
ذمته بشتى يدركه ثم يكبه على وجهه فى نارجهنم. رواه مسلم. وفى بعض نسخ المصابيح: القشيرى.
بدل القسرى.
٦٣٠ - (٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَلي: لو يعلم الناس ما فى النداء والصف
الأول، ثم لم يجدوا
(من صلى صلاة الصبح) أى فى جماعة (فهو فى ذمة الله) أى فى عهده أو فى ضمانه، أو أمانه فى الدنيا والآخرة ، وهذا
غير الأمان الذى ثبت بكلمة التوحيد (فلا يطلبنكم الله) أى لا يؤاخذكم من باب لا أرينك، المراد نهيهم عن أذيته
والتعرض لما يوجب مطالبة الله إياهم (من ذمته) من بمعنى لأجل، والضمير فى ذمته إما لله وإما لمن ، والمضاف محذوف
أى لأجل ترك ذمته (بشتى) أى يسير ، وفى المصابيح: بشتى من ذمته. قيل: أى بنقض عهده بالتعرض لمن له ذمة
بالأذى ، أو المراد بالذمة الصلاة الموجبة للا مان ، أى لا تتر کوا صلاة الصبح فينتقض به العهد الذی ینکم وبین ربكم
فيطلبكم به (فإنه من يطلبه) بالجزم أى الله تعالى (من ذمته) أى من أجل ذمته (بشئى يدركه) بالجزم أى يأخذه الله
(ثم يكبه) بالرفع أى هو يكبه، وبالفتح عطفا على يدركه، ويمكن أن يكون بالضم مجزوما أيضا، والمعنى لا تعرضوا له
بشئى ولو يسيرا فإنكم إن تعرضتم له يدرككم الله ويكبكم فى النار، قال الطيبي: وإنما خص صلاة الصبح لما فيها من الكلفة
والمشقة، وأداءها مظنة خلوص الرجل ومثنة إيمانه أى علامته، ومن كان خالصا كان فى ذمة الله (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٣١٢، ٣١٣) والترمذى ، وفى الباب عن ابن عمر عند أحمد ، والبزار ، والطبرانى
فى الكبير ، وعن أنس عند أبي يعلى، وعن أبى بكرة عند الطبرانى فى الكبير، وعن أبى مالك الأشجعى عن أبيه عند
الطبرانى أيضا (وفى بعض نسخ المصابيح القشيرى) بضم القاف وفتح المعجمة بعدها تحتية ، قال القارى: وفى نسخة يعنى
من المشكاة القشرى (بدل القسرى) وقد تقدم ضبطهما .
٦٣٠ - قوله (ما فى النداء) أى الأذان، وقد روى بهذا اللفظ عند السراج (والصف الأول) زاد أبو الشيخ
فى روايته: من الخير والبركة، وقال الطبى: أطلق مفعول ((يعلم، وهو (ما)) ولم يبين الفضيلة ما هى؟ ليفيد ضربا من المبالغة
وأنه بما لا يدخل تحت الوصف ، والإطلاق إنما هو فى قدر الفضيلة، وإلا فقد بينت فى الرواية الأخرى بالخير والبركة.
قال القرطبى: اختلف فى الصف الأول هل هو الذى يلى الإمام أو المكبر؟ والصحيح الأول (ثم لم يجدوا) أى لم يجدوا
شيئا من وجوه الأولوية، أما فى الأذان فبأن يستووا فى معرفة الوقت وحسن الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذن
وتكلاته، وأما فى الصف الأول فبأن يصلوا دفعة واحدة ويستووا فى الفضل فيقرع بينهم إذا لم يتراضوا فيما بينهم فى
٣٣٤
-
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٣ - باب فضائل الصلاة
إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا؛ ولو يعلمون ما فى التهجير، لا ستبقوا إليه ؛ ولو يعلمون ما فى
العتمة
الحالين (إلا أن يستهموا) أى بأن يقترعوا، والاستهام الاقتراع، يدل على هذا ما فى رواية لمسلم: لكانت قرعة. قيل:
سمى بذلك لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا فى الشئى، فمن خرج له منها سهم فاز بالحظ المقسوم
وغلب. والتقدير إلا بالاستهام وطلب السهم بالقرعة (عليه) أى على ما ذكر ليشمل الأمرين الأذان والصف الأول،
وقد رواه عبد الرزاق بلفظ: لاستهموا عليهما ، فهذا مفصح بالمراد من غير تكلف ، وقيل: عليه أى على السبق إليه أو
على الاستحقاق فيهما. قال السندى: فيه تجهيل للتساهلين فى هذا الأمر، فلا يرد أنهم قد علموا بخبر الصادق وهم بسعة
من تحصيله بلا استهام، ومع هذا لا يحصلونه فكيف يصدق الخبر بأنهم لو علموا لاستهموا (التهجير) أى التبكير إلى
الصلاة مطلقا أى صلاة كانت ، قاله الهروى، وصوبه النووى، واختاره ابن عبد البر إذ قال: هو البدار إلى الصلاة
أول وقتها، وحمله الخليل وغيره على ظاهره، فقالوا: المراد الإتيان إلى صلاة الظهر فى أول الوقت لأن التهجير مشتق من
الهاجرة، وهى شدة الحر نصف النهار، وهو أول وقت الظهر، وإلى ذلك مال البخارى إذ بوب على هذا الحديث فى جامعه
الصحيح ترجمة بلفظ: باب فضل التهجير إلى الظهر. ولا يرد على ذلك مشروعية الايراد لأنه أريد به الرفق ، وأما من
ترك عائلته وقصد إلى المسجد لينتظر الصلاة فلا يخفى ماله من الفضل (لاستبقوا إليه) أى سبق بعضهم بعضا إليه لا بسرعة.
فى المشى فى الطريق فإنه منوع بل بالخروج إليه والانتظار فى المسجد قبل الآخر ، قال ابن أبى جمرة : المراد بالاستباق
معنى لا حسا ، لأن المسابقة على الأقدام حسا تقتضى السرعة فى المشى وهو منوع منه. والحديث يدل على استحباب
القيام بوظيفة الأذان ، والملازمة للصف الأول، والمسارعة إلى جماعة العشاء والفجر (العتمة) أى صلاة العشاء الآخرة
فى الجماعة. فيه دليل على جواز تسمية العشاء بالعتمة، وقد استشكل الجمع بين هذا الحديث وبين حديث ابن عمر الآتى،
فقال النووى وغيره: الجواب من وجهين: أحدهما أنه استعمل لبيان الجواز، وأن النهى عن العتمة للتنزيه لا للتحريم.
والثانى أنه يحتمل أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء لوطب بما يعرفه ، فهو لقصد التعريف لا لقصد التسمية ، أو
استعمل لفظ العتمة لأنه أشهر عند العرب، وإنما كانوا يطلقون العشاء على المغرب كما سيأتى ، فلو قال: لو يعلمون ما فى
الصبح والعشاء. لتوهموا أن المراد المغرب. قال الحافظ: وهو ضعيف، لأنه قد ثبت فى نفس هذا الحديث لو يعلمون
ما فى الصبح والعشاء، فالظاهر أن التعبير بالعشاء تارة ، وبالعتمة تارة من قصرف الرواة. وقيل: إن النهى عن تسمية
الجناء عتمة نسخ الجواز، وفيه نظر للاحتياج فى مثل ذلك إلى التاريخ. قال الحافظ: ولا يبعد أن ذلك كان جائزا ،
فلما كثر إطلاقهم له نهوا عنه لثلا تغلب السنة الجاهلية على السنة الإسلامية، ومع ذلك فلا يحرم ذلك بدليل أن الصحابة
الذين رووا النهى استعملوا التسمية المـكورة، وأما استعمالها فى مثل حديث أبى هريرة فلدفع الالتباس بالمغرب - انتهى.
٣٣٥
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٣ - باب فضائل الصلاة
والصبح، لأتوهما ولو حبوا. متفق عليه.
٦٣١ - (٦) وعنه، قال: قال رسول اللّه مَّي: ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء،
ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبوا. متفق عليه.
٦٣٢ - (٧) وعن عثمان، قال: قال رسول اللّه عَله: من صلى العشاء فى جماعة؛ فكانما قام
نصف الليل، ومن صلى الصبح فى جماعة؛ فكانما صلى الليل كله.
(والصبح) أى صلاة الصبح فى الجماعة يبنى من مزيد الفضل وكثرة الأجر (لأتوهما) أى الصلاتين، والمراد المحل الذى
يصليان فيه جماعة وهو المسجد (ولو حبوا) أى ولو كان الإتيان حوا أى زحفا وهو مشى الصبى على أربع أو ديبه على
إسته. وقيل: التقدير ولو كانوا حابين يعنى يزحفون إذا منعهم مانع من المشى كما يزحف الصغير ، ولابن أبى شيبة من
حديث أبى الدرداء: ولو حبوا على المرافق والركب (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الصلاة ، وفى الشهادات ، ومسلم
فى الصلاة ، وأخرجه أيضا مالك وأحمد والنسائى، وأخرج الترمذى القطعة الأولى فقط .
٦٣١ - قوله (ليس صلاة أثقل) بالنصب خبر ليس (على المنافقين) فيه دليل على أن الصلاة كلها ثقيلة على
المنافقين ، ومنه قوله تعالى: ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى - ٩: ٥٤} وقوله: ﴿إذا قاموا إلى الصلاة قاموا
كسالى يراؤن - ٤: ١٤٢) وإنما كانت العشاء والفجر أثقل عليهم من غيرهما لقوة الداعى إلى تركهما، لأن العشاء وقت
السكون والاستراحة والشروع فى النوم ، والصبح وقت طعم النوم ولذته، والمقصود أن الكسل فيهما من عادة
المنافقين ، فمن كان مخلصا فى إيمانه فعليه أن يحترز من عادتهم (ولو يعلون ما فيهما لأتوهما) أى لحضروا المسجد لأجلهما
ولو مع كلفة ، وفيه تنزيل من يعلم ولا يعمل بعلمه منزلة من لا يعلم ، وإلا فكم من يعلم ذلك بخير الشارع ولا يحضر بلا
كلفة (متفق عليه) واللفظ للبخارى، وأخرجه أيضا ابن ماجه، وفى الباب عن أبي بن كعب عند أحمد ، وأبى داود،
والنسائى وغيرهم.
٦٣٢ - قوله (فكانما قام نصف الليل) قال القرطبي: معناه أنه قام نصف ليلة لم يصل فيها العشاء فى جماعة، إذ لو
صلى ذلك فى جماعة لحصل له فضلها وفضل القيام. وقال البيضاوى: نزل صلاة كل من طرفى الليل منزلة نوافل نصفه، ولا يلزم
منه أن يبلغ ثواب من قام الليل كله، لأن هذا تشبيه مطلق مقدار الثواب ، ولا يلزم من تشبيه الشئ بالشتى أخذه بجميع
أحكامه، ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلى العشاء والصبح جماعة منفعة فى قيام الليل غير التعب - انتهى (ومن صلى
الصبح فى جماعة فكأنما صلى الليل كله) عبر ههنا بـ«صلى، وفيما سبق بـ«قام)) تفننا وإيماء إلى أن صلاة الليل تسمى قياما
وظاهره يقتضى أن صلاة الفجر فى الجماعة أفضل من صلاة العشاء فى الجماعة، وأن فضلها فى الجماعة ضعفا فضل العشاء فى
٣٣٦
٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٣ - باب فضائل الصلاة
رواه مسلم.
٦٣٣ - (٨) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه تَّى: لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم
المغرب، قال: وتقول الأعراب: هى العشاء.
الجماعة ، فمن صلى العشاء والفجر فى جماعة كان له قيام ليلة ونصف ، وهذا ينافى رواية الترمذى وأبى داود بلفظ: ومن
صلى العشاء والفجر فى جماعة كان كقيام ليلة. وأجيب بأن المراد بقوله: ومن صلى الصبح فى جماعة ، فى رواية مسلم أى
منضما لصلاة العشاء جماعة، قاله المناوى. وقال الطبى فى شرح قوله فكانما صلى الليل كله: أى بانضمام ذلك النصف
فكانه أحيى نصف الليل الأخير - انتهى. وقال المنذرى فى تلخيص السنن: اللفظ الذى أخرجه أبو داود تفسير لفظ
مسلم، ويبين أن المراد بقوله: ومن صلى الصبح فى جماعة فكأنما صلى الليل كله، يعنى ومن صلى الصبح والعشاء، وطرق
هذا الحديث مصرحة بذلك، وأن كل واحد منهما يقوم مقام نصف ليلة ، وأن اجتماعهما يقوم مقام ليلة (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا أحمد ، والترمذى، وأبو داود، وأخرجه مالك موقوفاً على عثمان من قوله.
٦٣٣ - قوله (لا يغلبنكم) بالتحتية، وروى بالفوقية أيضا (الأعراب) هم سكان البوادى خاصة، والمراد
أعراب الجاهلية (على اسم صلاتكم المغرب) بالجر، صفة للصلاة ، ويجوز رفعه على أنه خبر المبتدأ أى هى، ونصبه
بتقدير أعنى، وإنما شرع لها التسمية بالمغرب لأنه اسم يشعر بمسماها، وبابتداء وقتها. قيل: معنى الغلبة أنكم تسمونها
اسما، وهم يسمونها اسما، فإن سميتموها بالاسم الذى يسمونها به وافقتموهم، وإذا وافق الخصم خصمه صار كا ه
انقطع له حتى غلبه، والمقصود النهى عن تسمية المغرب بالعشاء كما تفعل الأعراب، فإنه إذا وقعت الموافقة لهم فقد
غلبتهم الأعراب عليها ، إذ من رجع إليه خصمه فقد غلبه، وقد اختلف فى علة النهى، فقيل: إن لفظ العشاء لغة هو أول
ظلام الليل ، وذلك من غيربة الشفق فلو قيل الغرب عشاء لأدى إلى أن أول وقتها غيبوبة الشفق، وقيل هى خوف
التباس المغرب بالعشاء، وعلى هذا لا يكره أن يقال الغرب العشاء الأولى، ويؤيده قولهم: العشاء الآخرة، كما ثبت فى الصحيح
وكذا لا يكره تسمية المغرب عشاء على سيل التغليب كمن قال مثلا: صليت العشاءين. لزوال اللبس فى الصيغتين المذكورتين،
وقيل: العلة الجامعة أن تسميتها بالغشاء مخالفة لإ ذن الله، فإنه سمى الأولى المغرب والثانية العشاء، وقيل غير ذلك، والله أعلم
(قال: وتقول الأعراب) قد جزم الكرمانى أن فاعل ((قال)) هو عبد الله بن مغفل المزنى الصحابى راوى الحديث ، على ما فى
صحيح البخارى. قال الحافظ: ويحتاج إلى نقل خاص لذلك وإلا فظاهر إيراد الإسماعيلى أنه من تتمة الحديث، فإنه
أورده بلفظ: فإن الأسراب تسميها، والأصل فى مثل هذا أن يكون كلاما واحدا حتى يقوم دليل على إدراجه - انتهى.
(هى) أى المغرب (العشاء) لأن العشاء، لغة: أول ظلام الليل.
٣٣٧
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٣ - باب فضائل الصلاة
٦٣٤ - (٩) وقال لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها فى كتاب الله العشاء، فإنها
تعتم بحلاب الابل. رواه مسلم.
٦٣٤ - قوله (وقال) أى رسول اللّه مَّم (لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء) قال الشيخ عز الدين بن
عبد السلام: المعنى فيه أن العادة أن العظماء إذا سموا شيئا باسم فلا يليق العدول عنه إلى غيره لأن ذلك تنقيص لهم،
ورغبة عن صنعهم ، وترجيح لغيره عليه ، وذلك لا يليق ، والله سبحانه وتعالى سماها فی کتابه العشاء فى قوله { ومن بعد
صلاة العشاء - ٢٤: ٥٨) فيقبح بعد تسمية ذى الجلال والاكرام العدول إلى غيره، انتهى. والحديث يدل على
كراهة تسمية العشاء بالعتمة، وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر راوى الحديث. ومنهم من أطلق جوازه، نقله ابن أبى شيبة عن
أبى بكر الصديق وغيره ، ومنهم من جعله خلاف الأولى، نقله ابن المنذر عن مالك ، والشافعى ، واختاره ، وإليه ذهب
البخارى حيث قال فى صحيحه: والاختيار أن يقول العشاء لقوله تعالى ﴿من بعد صلاة العشاء﴾ قال الحافظ: وهو
الراجح. قلت: قد تقدم وجه التوفيق بين حديث ابن عمر هذا وبين الحديث السابق عن أبى هريرة، فتذكر. وقال
السندى: قوله فلا تغلبنكم الأعراب، إلخ. أى الاسم الذى ذكر الله تعالى لهذه الصلاة اسم العشاء، والأعراب يسمونها
العتمة ، فلا تكثروا استعمال ذلك الاسم لما فيه من غلبة الأعراب عليكم، بل أكثروا استعمال اسم العشاء موافقة للقرآن
فالمراد النهى عن إ كثار اسم العتمة لا عن استعماله أصلا، فاندفع ما يتوهم من التنافى بين أحاديث المنع والثبوت فى
استعمالاته مَّ - انتهى (فانها فى كتاب الله العشاء) الفاء فيه علة للنهى، وفى قوله (فإنها تعتم) علة التسمية، أى لا يغلبنكم
الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، لأن اسمها فى كتاب الله العشاء وهم يسمونها بالعتمة لأنها تعتم (بحلاب الايل) بكسر
الحاء، أى بسبب حلبها، فالباء للسبية. قال ابن الملك: قوله فإنها تعتم، روى مجهولا فالضميران للصلاة ، ومعلوما فهما
للأعراب. وقال السيد: تعتم معروف لرواية: فإنهم يعتمون بالابل، ويجوز كونه مجهولا والضمير للصلاة - انتهى.
قلت: رواه ابن ماجه بلفظ: وإنهم ليعتمون بالايل، وعند النسائى: فإنهم يعتمون على الإبل، قال السندى: من أعتم
إذا دخل فى العتمة وهى الظلمة ، وعلى بمعنى اللام، أى يؤخرون الصلاة ويدخلون فى ظلمة الليل بسبب الايل وحلبها
انتهى . وقيل: كانوا يؤخرون الحلاب إلى الظلمة ويسمون ذلك الوقت العتمة، فهو من باب تسمية الشئ باسم وقته
(رواه مسلم) فيه نظر فإنه يوهم أنه حديث واحد من رواية ابن عمر وأنه عند مسلم بهذا التمام وليس كذلك، فإن الجملة
الأولى مروية فى صحيح البخارى من حديث عبد الله بن مغفل المزنى عن النبي مَ الله فى باب من كره أن يقال للغرب العشاء
وهى كما ترى فى صلاة المغرب. قال ميرك: قال صاحب التخريج: ولم أره فى غير البخارى، وكذا قال الشيخ الجزرى ،
رواه البخارى من حديث عبد الله بن مغفل. قلت: الحديث من إفراد البخارى كما قال العينى ثم القسطلانى، وذكره
الشيخ عبد الغنى النابلسى فى ذخائر المواريث فى مسند عبد الله بن مغفل، وعزاه للبخارى فقط، وهو يدل على أنه لم يروه
٣٣٨
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٣ - باب فضائل الصلاة
٦٣٥ - (١٠) وعن على، أن رسول الله مريم قال يوم الخندق: حبسونا عن صلاة الوسطى:
من أصحاب الكتبالستة إلا البخاری وحده، وقد أخرجه أحمد فىمسنده (ج ٥ : ص ٥٥) وأبو نعيم فىمستخرجه، وابن
خزيمة فى صحيحه، وأما الجملة الثانية أى قوله «لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، إلخ. فهى فى صلاة العشاء لا
فى صلاة المغرب، وهى ما تفرد به مسلم عن البخارى، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ١٠، ١٨، ٤٩، ١٤٤) وأبوداود
والنسائى وابن ماجه كلهم من حديث ابن عمر، ولم يخرج البخارى فى هذا شيئا، وتوهم صاحب المشكاة أن الجميع حديث .
واحد مروى عن ابن عمر عند مسلم، ولم أقف على منشأ توهمه، فإن محى السنة أورد الجملة الأولى فى المصابيح، وقال
عقبها: رواه عبد الله المزنى، ثم أورد الجملة الثانية أى الحديث الثانى، وقال فى آخره: رواه ابن عمر. على ما فى أيدينا
من نسخة المصابيح المطبوعة بمصر، وقال ميرك: ومنشأ توهم صاحب المشكاة أن محى السنة أورد الحديثين فى المصابيح:
أحدهما عقيب الآخر ، وقال فى الآخر: رواه ابن عمر، فظن المصنف أنه حديث واحد مروى عن ابن عمر فوقع فيما
وقع ، والله أعلم. قلت: هذا يدل على اختلاف نسخ المصابيح فى ذكر قوله: رواه عبد الله المزنى.
٦٣٩ - قوله (يوم الخندق) وهو يوم الأحزاب، وكان فى شوال سنة أربع من الهجرة ، قاله موسى بن عقبة ،
واختاره البخارى، وقيل: سنة خمس، وعليه كثيرون. سميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذى حفر بأمره ێے
حول المدينة لما أشار به سلمان الفارسى، فإنه من مكايد الفرس دون العرب. وعمل فيه عليه الصلاة والسلام بنفسه
ترغيا للسلين ، فإنهم قاسوا فى حفره شدائد، منها شدة الجوع، والبرد، وكثرة الحفر، والتعب، وأقاموا فى عمل الحفر
عشرين ليلة، أو خمسة عشر يوما، أو أربعا وعشرين، أو شهرا على أقوال. وسميت بالأحزاب لاجتماع طوائف من
المشركين : قریش ، وغطفان، وبی أسد ، وبنى سليم ، وبنى سعد، واليهود، على حرب المسلمین، وهم كانوا ثلاثة آلاف،
والمشركون عشرة آلاف، وقيل: أربعة وعشرين ألفا (حبسونا) أى منعونا وشغلونا عن فعل الصلاة الوسطى حتى غابت
الشمس وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف (عن صلاة الوسطى) بإضافة الصلاة إلى الوسطى ، وهو من باب قول الله
تعالى {وما كنت بجانب الغربى - ٢٨: ٤٤) وفيه المذهبان المعروفان: مذهب الكوفيين جواز إضافة الموصوف إلى
صفته، ومذهب البصريين منعه، ويقدرون فيه محذوفا وتقديره هنا: عن صلاة الصلاة الوسطى ، أى عن فعل الصلاة
الوسطى، وهى تأنيث الأوسط كالفضلى تأنيث الأفضل، والأوسط الأعدل من كل شئ، قال أعرابى يمدح التى مرێّ
يا أوسط الناس طرا فى مفاخرهم وأكرم الناس أما برة وأبا
وقال تعالى: ﴿قال أوسطهم - ٦٨: ٢٨) أى أفضلهم وليست من الوسط الذى معناه المتوسط بين شيئين لأن فعلى أفعل
التفضيل، ولا يبنى منه إلا ما يقبل الزيادة والنقصان، والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما، بخلاف المتوسط بين الشيئين
فإنه لا يقبلهما ، فلا يبنى منه أفعل التفضيل ، قاله القسطلانى، ورجح الرازى فى تفسيره كونه من التوسط بين الشيئين ،
وقال: المراد من الوسطى ما تكون وسطى فى العدد لا ما تكون وسطى بسبب الفضيلة - انتهى. وذكر الزمخشرى
٣٣٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٣ - باب فضائل الصلاة
صلاة العصر، ملا الله بيوتهم وقبورهم نارا. متفق عليه.
وابن العربى القولين على احتمال (صلاة العصر) بالجر بدل من صلاة الوسطى ، أو عطف بيان لها. والحديث نص فى
أن الصلاة الوسطى هى العصر، وقد اختلف الناس فى تعيين الوسطى على أكثر من عشرين قولا أشهرها ثلاثة: أحدها
أنها الصبح، قال به مالك والشافعى. والثانى أنها الظهر، قال به زيد بن ثابت، وعروة. والثالث أنها العصر، ذهب إليه
أكثر علماء الصحابة وجمهور التابعين وأكثر أهل الأثر، قاله الترمذى والبغوى والماوردى وابن عبد البر والطي،
وهو مذهب أحمد ، وأبى حنيفة. واحتجوا بالأحاديث الصحيحة الصريحة ، ذكرها الحافظ فى الفتح، وابن كثير فى تفسيره
والمجد بن تيمية فى المنتقى، منها حديث على هذا، ولا يساويه سائر الأحاديث، والآثار الدالة على خلاف ذلك، فهو
أصح الأقوال فى ذلك ، والمذهب الحق الذى يتعين المصير إليه، قال النووى: الذى يقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها
العصر ونهو المختار. وقال الحافظ: كونها العصر هو المعتمد (ملأ الله) دعاء عليهم ، وأخرجه فى صورة الخبر تأكيدا
وإشعاراً بأنه من الدعوات المجابة سريعا، وعبر بالماضى ثقة بالاستجابة فكأنه أجيب سؤاله فأخبر عن وجود إجابته
ووقوعها (بيوتهم وقبورهم نارا) قال الأشرف: خصهما بالذكر لأن أحدهما مسكن الأحياء والآخر مضجع الأموات،
أى جعل النار ملازمة لهم بحيث لا تنفك عنهم لا فى حياتهم ولا فى مماتهم. قال الطبي: دعا عليهم بعذاب الدارين من
خراب بيوتهم فى الدنيا بنهب أموالهم، وسبى ذراريهم، وهدم دورهم، ومن عقاب فى الآخرة باشتعال قبورهم نارا-انتهى.
قال الحافظ: وقد استشكل هذا الحديث بأنه تضمن دعاء صدر من النبى مَ ◌ّمه على من يستحقه، وهو من مات منهم مشركا،
ولم يقع أحد الشقين وهو البيوت، أما القبور فوقع فى حق من مات منهم مشركا لا محالة، ويجاب بأن يحمل على سكانها، وبه
يتبين رجحان الرواية بلفظ قلوبهم أو أجوافهم أى بدل بيوتهم - انتهى. واعلم أنه وقع فى هذا الحديث أن الصلاة
الفائة كانت صلاة العصر، وظاهره أنه لم يفت غيرها، وفى المؤطا: أنها الظهر والعصر، وفى غيره: أنه أخر أربع صلوات:
الظهر ، والعصر، والمغرب، والعشاء حتى ذهب هوى من الليل ، وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت
أياما فكان هذا فى بعض الأيام ، وهذا فى بعضها (متفق عليه) أى على أصل الحديث، وإلا فقوله ((صلاة العصر)) ليس
عند البخارى ، قد تفرد به مسلم ، قال الزيلغى فى نصب الراية (ج ٢: ص ٢٠٠) وظيفة المحدث أن يبحث عن أصل
الحديث فينظر من خرجه، ولا يضره تغير بعض ألفاظه، ولا الزيادة فيه ولا النقص. والحديث أخرجه البخارى فى الجهاد ،
والمغازى، والتفسير، والدعوات ، ومسلم فى الصلاة، وأخرجه أيضا أحمد ، والترمذى، وأبو داود، والنسائى ، وابن ۔
ماجه، وغيرهم.
٣٤٠
-----
٠