النص المفهرس
صفحات 301-320
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
متفق عليه. وفى رواية للبخارى: فأشد ما تجدون من الحر فمن سمومها، وأشد ما تجدون من البرد
فمن زمهريرها.
٥٩٤ - (٦) وعن أنس، قال: كان رسول اللّه مؤلم يصلى العصر، والشمس مرتفعة حية، فيذهب
الذاهب إلى العوالى، فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض العوالى من المدينة على أربعة أميال أو نحوه.
فلم يشكنا. أى لم يعذرنا ولم يزل شكوانا، فمحمول على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الإيراد، لأن الايراد أن يؤخر بحيث
يصير للحيطان فتى يمشون فيه، ويتناقص الحر، والتأخير الزائدعنه أن يزول حر الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت
فلذلك لم يجبهم (متفق عليه) للحديث طرفان أما طرفه الأول وهو طرف الايراد فأخرجه أيضا مالك وأحمد والترمذى
وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم. وأما طرفه الثانى وهو اشتكاء النار فأخرجه أيضا مالك وأحمد والترمذى فى
صفة جهنم ، وابن ماجه فى الزهد. قال العينى والقسطلانى: وأخرجه النسائى فى الصلاة (وفى رواية للبخارى فأشد .!
تجدون من الحر) إلخ. لم أجد هذه الرواية فى البخارى ، نعم رواها مسلم والترمذى وابن ماجه بنحوها (فمن سمومها)
بفتح السين المهملة، الريح الحارة (فمن زمهريرها) أى من أثر طبقتها الباردة .
٥٩٤ - قوله (والشمس مرتفعة حية) أى صافية اللون عن التغير والاصفرار (فيذهب الذاهب) أى بعد صلاة
العصر (إلى العوالى) جمع عالية وهى قرى مجتمعة حول المدينة أبعدها على ثمانية أميال كما جزم به عياض وابن عبد البر
وغير واحد، وآخرهم صاحب النهاية ، وأقربها من المدينة على ميلين وبعضها على ثلاثة أميال (فيأتيهم) أى فيصل إلى
أهل العوالى (والشمس مرتفعة) أى دون ذلك الارتفاع لكنها لم تصل إلى الحد الذى توصف به لأنها منخفضة. وفى
ذلك دليل على تعجيله ◌َ اللّه لصلاة العصر لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضى مسافة أربعة أميال (وبعض العوالى)
أى بين بعض العوالى والمدينة المسافة المذكورة (أو نحوه) أى نحو هذا المقدار أى قريب من أربعة أميال، وظاهر إيراد
المصنف يقتضى أن هذا من كلام أنس، وليس كذلك بل هو مدرج من كلام الزهرى الراوى عن أنس فى الحديث ، بينه
عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى فى هذا الحديث فقال فيه بعد قوله والشمس حية: قال الزهرى: والعوالى من المدينة على
ميلين أو ثلاثة، فهذا اختصار مخل موهم لخلاف المقصود، وحق العبارة أن يقول: وعن الزهرى عن أنس، ثم يقول: قال
الزهرى: وبعض العوالى، إلخ. والحديث يدل على استحباب المبادرة بصلاة العصر أول وقتها لأنه لا يمكن أن يذهب
بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة والشمس لم تتغير بصفرة ونحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل الشئى مثله. قال
النووى: ولا يكاد يحصل هذا إلا فى الأيام الطويلة، وهو دليل للجمهور القائلين بأن أول وقت العصر إذا صار ظل كل
٣٠١
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
متفق عليه.
٥٩٥ - (٧) وعنه، قال: قال رسول اللّه مُّ: تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس، حتى
إذا اصفرت، وكانت بين قرنى الشيطان؛ قام فنقر أربعاً لا يذكر اللّه فيها إلا قليلا. رواه مسلم.
شئ مثله (متفق عليه) فيه نظر لأن زيادة: وبعض العوالى، ألخ. من إفراد البخارى. والحديث أخرجه أيضا أحمد
وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم ..
٥٩٥ - قوله (تلك صلاة المنافق) إشارة إلى مذكور حكما أى صلاة العصر التى أخرت إلى الاصفرار ، قاله ابن
الملك. وقال الطبى: إشارة إلى ما فى الذهن من الصلاة المخصوصة، والخبر بيان لما فى الذهن. والمنافق إما محمول على
حقيقته بأن يكون بيانا اصلاته، أو يكون تغليظا، يعنى من أخر صلاة العصر إلى قبيل الغروب فقد شبه نفسه بالمنافق ،
فاين المنافق لا يعتقد حقيقة الصلاة بل إنما يصلى لدفع السيف، ولا يبالى بالتأخير إذ لا يطلب فضيلة ، ولا ثوابا
والواجب على المسلم أن يخالف المنافق (يجلس يرقب الشمس) أى ينتظر غروبها، وهى جملة استئنافية بيان للجملة
السابقة. قال النووى: فيه تصريح بذم تأخير صلاة العصر بلا عذر (حتى إذا اصفرت) أى الشمس (وكانت بين قرنى
الشيطان) أى جانبى رأسه، وهو كناية عن قرب الغروب، وذلك لأن الشيطان عند الطلوع والاستواء والغروب
ينتصب دون الشمس ، بحيث يكون الطلوع والغروب بين قرنيه، فهو محمول على حقيقته ، وكلة إذا للشرط وقوله (قام)
أى إلى الصلاة جزاءها والشرطية استئنافية (فنقر أربعا) من نقر الطائر الحبة نقرا أى التقطها. قال الجزرى: يريد
تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله - انتهى. وقال السندى: كأنه شبه
كل سجدتين من سجداته من حيث أنه لا يمكث فيهما ولا بينهما بنقر طائر إذا وضع منقاره يلتقط شيئا - انتهى. يعنى
إنما قال أربعا أى أربع سجدات مع أن فى العصر ثمانى سجدات لأنه لا يمكث بينهما ، فكانه سجد أربعا. وفيه تصريح
بذم من صلى مسرعا بحيث لا يكمل الخشوع والطمأنينة والأذكار ، وقيل معنى نقر أربعا أى لقط أربع ركعات سريعا ،
فالنقر عبارة عن السرعة فى أداء الصلاة، وقيل عن سرعة القراءة وقلتها وقلة الذكر فيها (لا يذكر الله فيها) لعدم اعتقاده
أو لخلوه عن الإخلاص (إلا قليلا) أى إلا ذكرا قليلا، وقيل: الظاهر أنه منفصل أى لكنه فى زمن قليل يذكر الله
فيه بلسانه فقط. قيل: وتخصيص الأربع بالنقر وفى العصر ثمان سجدات اعتبارا بالركعات (رواه مسلم) فيه نظر لأن
لفظة ((إذا اصفرت)) ليست فى رواية مسلم بل هى فى رواية أبى داود، ولفظ مسلم كذا: حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان.
والحديث أخرجه أيضا أحمد ، والترمذى، وأبو داود، والنسائى.
٣٠٢
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٥٩٦ - (٨) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه مؤلّ: الذى تفوته صلاة العصر فكانما وتر أهله
وماله. متفق عليه.
٥٩٧ - (٩) وعن بريدة، قال: قال رسول اللّه مؤمتع: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله.
٥٩٦ - قوله (الذى تفوته) أى بغروب الشمس، قاله نافع الراوى لهذا الحديث، وقيل بفوت الوقت المختار
ومجنى وقت الاصفرار، روى ذلك أبو داود عن الأوزاعى فى هذا الحديث ، وقيل بفوت الجماعة والإمام، والراجح
هو الأول لما روى ذلك مرفوعا عند ابن أبى شيبة، ذكره السيوطى (صلاة العصر) أى بغير اختياره، وظاهره التغليظ
على من تفوته صلاة العصر وأن ذلك مختص بها والله تعالى يختص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة (فكأنما وتر.
أهله وماله) على بناء المفعول ونصب الأهل والمال أو رفعهما، قيل النصب هو المشهور وعليه الجمهور، وهو مبنى على أن
وتر بمعنى سلب وهو يتعدى إلى مفعولين، والرفع على أنه بمعنى أخذ فيكون أهله هو نائب الفاعل ، والمعنى : أخذ أهله
وماله فبقى وترا فردا بلا أهل ومال ، يريد أنه فليكن على حذر من فوتها كحذره من ذهاب أهله وماله. وقيل : الوجه
أن المراد أنه حصل له النقصان فى الأجر فى الآخرة مالووزن بنقص الدنيا لما وازنه إلا نقصان من نقص أهله وماله.
وقال الحافظ: قوله: أهله. هو بالنصب عند الجمهور على أنه مفعول ثان لوتر، وأضمر فى «وتر، مفعول ما لم يسم فاعله ،
وهو عائد على الذى فاته العصر ، فالمعنى: أصيب بأهله وماله، وهو متعد إلى مفعولين، ومثله قوله تعالى: ﴿ولن يتركم
أعمالكم - ٤٧: ٣٥﴾ وقيل: ((وتر، ههنا بمعنى نقص فعلى هذا يجوز نصبه ورفعه، لأن من رد النقص إلى الرجل نصب
وأضمر ما يقوم مقام الفاعل ومن رده إلى الأهل رفع - انتهى. والحديث حمله الترمذى على الساهى والناسى، وعلى
هذا فالمراد بالحديث أنه يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب لمن صلى ما يلحق من ذهب أهله وماله. وقد روى معنى
ذلك عن سالم بن عبد الله بن عمر، ويؤخذ منه التنبيه على أن أسف العامد أشد لاجتماع فقد الثواب وحصول الإثم،
وحمله بعضهم على العامد، والظاهر أنه محمول على الساهى، والله أعلم (متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك والترمذى
وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه ، والدارمى ، وغيرهم. وفى الباب عن نوفل بن معاوية عند النسائى وغيره.
٥٩٧ - قوله (من ترك) أى متعمدا كما فى رواية لأحمد وكما فى حديث أبى الدرداء عنده أيضا (صلاة العصر)
متكاسلا (فقد حبط عمله) قال ابن عبد البر: مفهوم قوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حط عمله - ٥:٥)
أن من لم يكفر بالايمان لم يحبط عمله، فيتعارض مفهومه ومنطوق الحديث ، فيتعين تأويل الحديث لأن الجمع إذا أمكن
كان أولى من الترجيح. فقيل فى تأويله أن الوعيد خرج مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير مراد كقوله: لا يزنى
الزانى وهو مؤمن ، وقيل: هو من مجاز التشبيه كأن المعنى فقد أشبه من حبط عمله. وقيل معناه: كاد أن يحبط .
وقيل: المراد بالحط الايطال، أى يبطل انتفاعه بعمله فى وقت ما، ثم ينتفع به كمن رجحت سيئاته على حسناته فإنه
٣٠٣
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
رواه البخارى.
٥٩٨ - (١٠) وعن رافع بن خديج، قال: كنا نصلى المغرب مع رسول الله ێے، فينصرف أحدنا
وإنه ليبصر مواقع نبله. متفق عليه.
٥٩٩ - (١١) وعن عائشة رضى الله عنها، قالت: كانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى
موقوف فى المشيئة، فإن غفر له فمجرد الوقوف إبطال لنفع الحسنة إذ ذاك، وإن عذب ثم غفر له فكذلك. قال معنى
ذلك القاضى أبو بكر بن العربى، ومحصل ما قال: أن المراد بالحط فى الآية غير المراد بالحبط فى الحديث. وقال فى
شرح الترهذى ما حاصله: أن الحبط على قسمين حط إسقاط ، وهو إحباط الكفر للايمان وجميع الحسنات ، وهو
إحباط حقيقي، وحط موازنة وهو إحباط المعاصى للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النجاة فيرجع
إليه جزاء حسناته، وهو إخباط مجازى أطلق عليه الإحباط مجازا لا حقيقة وهذا هو المراد فى الحديث، وقيل فى
تأويله غير ذلك ، قال الحافظ: أقرب هذه التأويلات قول من قال: إن ذلك خرج مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير
مراد - انتهى. وقال السندى: حبط عمله، بكسر الباء أى بطل، قيل: أريد به تعظيم المعصية لا حقيقة اللفظ، ويكون
مجاز التشبيه. قال: وهذا مبنى على أن العمل لا يحبط إلا بالكفر، لكن ظاهر قوله تعالى: (لا ترفعوا أصواتكم -
٤٩: ٢) الآية، يفيد أنه يحبط بعض المعاصى أيضا فيمكن أن يكون ترك العصر عمدا من جملة تلك المعاصى - انتهى
(رواه البخارى) وأخرجه أيضا أحمد ، والنسائى ، وابن ماجه.
٥٩٨ - قوله (كنا نصلى المغرب مع رسول اللّه مَ ثّم، فينصرف أحدنا) من الصلاة (وإنه) أى والحال أن
أحدنا (ليصر) من الإيصار أى بعد الصلاة (مواقع نبله) بفتح النون وسكون الموحدة، وهى السهام العربية لا واحد
لها من لفظها. وقيل: واحدها نبلة كتمر وتمرة يعنى أنه مَ للم كان يعجل بها فى أول وقتها بمجرد غروب الشمس حتى
ينصرف أحدنا بعد الصلاة ، ويرمى السهم عن قوسه ويبصر موقعه لبقاء الضوء، ففيه دليل على المبادرة بصلاة المغرب
فى أول وقتها بحيث أن الفراغ منها يقع والضوء باق، وقد كثر الحث على المسارعة بها، وأما الأحاديث الواردة فى
تأخيرها إلى قرب سقوط الشفق فكانت لبيان جواز التأخير ، قلت: والحديث يدل على أنه يقرأ فيها السور القصار
إذ لا يتحقق مثل هذا إلا عند المبادرة وقراءة السور القصار، فليتأمل (متفق عليه) وأخرجه أيضا ابن ماجه. وفى الباب
عن أنس عند أبى داود، ورجل من أسلم من أصحاب النبي مؤتم عند النسائى، وعن ناس من الأنصار عند أحمد، قال
الحافظ : إسناده حسن .
٥٩٩ - قوله (كانوا) أى النبى مؤتم وأصحابه (يصلون العتمة) أى صلاة العشاء (فيما بين أن يغيب الشفق إلى
٣٠٤
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
ثلث الليل الأول. متفق عليه.
٦٠٠ - (١٢) وعنها، قالت: كان رسول اللّه مؤيم ليصلى الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن
ما يعرفن من الغلس.
ثلث الليل الأول) بالجر صفة ثلث، وفيه بيان الوقت المرغوب المختار لصلاة العشاء لما يشعر به السياق من المواظبة على
ذلك، وقد ورد بصيغة الأمر فى هذا الحديث عند النسائى ، ولفظه: ثم قال: صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث
الليل. وليس بين هذا وبين قوله فى حديث أنس: أنه أخر الصلاة إلى نصف الليل. معارضة ، لأن حديث عائشة محمول
على الأغلب من عادته مَّ، كذا فى الفتح (متفق عليه) أى على أصل الحديث الذى اللفظ المذكور طرف منه. وإلا
فالسياق المذكور من إفراد البخارى، وهو طرف من حديث اتفق الشيخان على روايته ، وبين ألفاظهما اختلاف يسير
والطرف الذى ذكره المصنف ليس عند مسلم بل هو من إفراد البخارى، فقول المصنف ((متفق عليه)) لا يخلو عن نظر.
٦٠٠ - قوله (ليصلى) اللام فيه للابتداء، وقد دخل على الخبر وهو جائز عند الكوفيين (فتنصرف النساء) أى
اللاتى يصلين معه (متلفعات) بناء بعدها عين مهملة من التلفع وهو بالنصب على الحالية أى مستثرات رؤسهن ووجوههن
وأبدانهن (بمروطهن) جمع مرط - بكسر ميم وسكون راء - وهو كساء معلم من خز أو صوف أو غير ذلك. وقيل
هى ملحفة يؤتزر بها. قال الجزرى: أى متلففات بأكسيتهن، واللفاع ثوب يحلل به الجسد كله كساء كان أو غيره ،
وتلفع بالثوب إذا اشتمل به ـ انتهى. وقال السيوطى: التلفع هو التلفف إلا أن فيه زيادة تغطية الرأس، فكل متلفع
متلفف، وليس كل متلفف متلفعا (ما يعرفن) ما نافية أى ما يعرفن أ نساء أم رجال؟ أى لا يظهر للرائى إلا الأشباح
خاصة. وقيل: لا يعرف أعيانهن فلا يفرق بين خديجة وزينب، فإن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى غالبا، ولوكان
بدنها مغطى، وهذا هو الظاهر ، فإن المعرفة إنما تتعلق بالأعيان، ولوكان المراد الأول لعبر بنفى العلم، ووقع فى رواية
للبخارى أى فى باب سرعة انصراف النساء من الصبح: لا يعرف بعضهن بعضا ، وهذا كالصريح فى عدم معرفة أعيانهن
وأشخاصهن دون معرفة الذكر من الأثى. قال السندى: ما يعرفن أى حال الانصراف إلى البيت فى الطريق لا فى
داخل المسجد كما زعمه المحقق ابن الهمام، لأن جملة ((ما يعرفن)) حال من فاعل تنصرف فيجب المقارنة بينهما - انتهى.
قلت: فبطل بذلك تأويل من قال من الحنفية أن المراد من الغلس غلس المسجد لأنه كان مسقفا فما كان يظهر فيه النور
إلا بطلوع الشمس (من الغلس) أى لأجل الظلمة لا لأجل التلفع، فمن ابتدائية أو تعليلية، وهو بفتحتين بقايا ظلام الليل
يخالطها ظلام الفجر، وقال الجزرى: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. قال الحافظ : فى الحديث استحباب
المبادرة بصلاة الصبح فى أول الوقت، وجواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة فى الليل، ويؤخذ منه جوازه
فى النهار من باب الأولى: لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار، ومحل ذلك إذا لم يخش عليهن أو بهن فتنة ـ انتهى.
٣٠٥
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
متفق عليه.
قلت: الحديث يدل على أن التغليس أفضل من الإسفار، وبه قال مالك، والشافعى، وأحمد، وإسحق. قال ابن عبد البر:
صح عن رسول الله {ێے، وعن أبى بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يغلسون، ومحال أن يتركوا الأفضل، وياتوا الدون، وم
النهاية فى اتيان الفضائل. واستدل هؤلاء الأئمة على أفضلية التغليس بحديث عائشة هذا ، وبحديث ابن عمر عند ابن
ماجه، وبحديث أنس الآتى، وبحديث قيلة بنت مخرمة عند الطبرانى وابن مندة ، ذكره الحافظ فى الإصابة (ج: ٤
ص ٣٩١، ٣٩٤) فى قصة طويلة قال ابن عبد البر: هو حديث طويل فصيح حسن، وبحديث أبي برزة وجابر بن
عبد الله المتقدمين ، وبحديث أبى مسعود قال: صلى رسول الله مزيتم الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها
ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ، لم يعد إلى أن يسفر. رواه الحازمى، وأبو داود، وغيرهما، وصححه ابن
خزيمة وغيره. قال الحازمى: تغليس النبى وَّن ثابت، وأنه داوم عليه إلى أن فارق الدنيا، ولم یکن رسول الله مؤلێ}
يداوم إلا على ما هو الأفضل، وكذلك أصحابه من بعده تأسيا به مَّى ، ثم روى بسنده حديث أبى مسعود هذا وقال
بعد روايته: هذا طرف من حديث طويل فى شرح الأوقات ، وهو حديث ثابت مخرج فى الصحيح بدون هذه الزيادة ،
وهذا إسناد رواته عن آخره ثقات، والزيادة عن الثقة مقبولة. وقال المنذرى فى تلخيص السنن نحو هذا. وقال الخطابي :
هو صحيح الإسناد. وقال ابن سيد الناس: إسناده حسن. وقال الشوكانى: رجاله فى سنن أبي داود رجال الصحيح،
وقد أعلى بعضهم حديث أبى مسعود هذا بما قد رده شيخنا فى أبكار المنن (ص ٧١ - ٧٣) وفى شرح الترمذى (ج ١ :
ص ١٤٣) فارجع إليهما. وقد خالف الخفية أحاديث التغليس، وقالوا باستحباب الاسفار، واستدلوا لذلك بحديث
رافع بن خديج الآتى: أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر ، وسيأتى كلام فيه فانتظر. وأجابوا عن أحاديث التغليس
بأجوبة كلها مخدوشة مردودة. فمنها أن هذه الأحاديث محمولة على الخصوصية، وفيه أن هذا مجرد دعوى لا دليل عليه
بل يبطله عمل الخلفاء الراشدين من بعده. ومنها أنها منسوخة فكان التغليس فى ابتداء حين كن يحضرن الجماعات، ثم
لما أمرن بالقرار فى البيوت انتسخ ذلك، وفيه ما فى الأول مع أنه لم يثبت منعهن من المساجد بل ثبت النهى عن منعهن
من المساجد كما لا يخفى. ومنها أنها محمولة على عذر الخروج إلى سفر، وفيه أنه مر تهم قد داوم على التغليس فى الحضر
والسفر ، ولازمه حتى فارق الدنيا ، فلو كان التغليس لعذر الخروج إلى سفر لم يكن للأحاديث الدالة على مواظته على
التغليس معنى. ومنها أن التغليس لو كان مستحبا لما اجتمع الصحابة على الإسفار. وقد روى الطحاوى عن إبراهيم
النخعى قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله مؤتم على شئ ما اجتمعوا على التنوير، وفيه أن دعوى إجماع الصحابة على
الإسفار باطلة جدا يبطلها عمل الخلفاء الراشدين، ومن سواهم من الصحابة والتابعين بالتغليس. ومنها أنها محمولة على
أطول القراءة كسورة البقرة، فيحمل على الخصوصية أيضا لقوله مر زقى: صل بالقوم صلاة أضعفهم، وفيه أنه قد تقدم أنه
وَّ كان يصلى فى الصبح ما بين الستين إلى المائة، وهذا لا يخالف قوله: صلى بالقوم صلاة أضعفهم، فلا حاجة إلى حمل
تغليسه على الخصوصية (متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك، وأحمد، والترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه، وغيرهم.
٣٠٦
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٦٠١ - (١٣) وعن قتادة، عن أنس: أن فى اللّه ◌َيَّ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من
سحورهما؛ قام فى اللّه ◌َيّ إلى الصلاة، فصلى. قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخوله)
فى الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. رواه البخارى.
٦٠٢ - (١٤) وعن أبى ذر، قال: قال لى رسول اللّه مريم: كيف أنت إذا كانت عليك أمراء
يميتون الصلاة، أو يؤخرون الصلاة عن وقتها؟
٦٠١ - قوله (وعن قنادة) بفتح القاف، ابن دعامة - بكسر المهملة ، وخفة العين - ابن قتادة السدوسى يكنى
أبا الخطاب البصرى الأعمى، أحد الأئمة الأعلام، ثقة، ثبت، حافظ مدلس، روى عن أنس، وابن المسيب، والحسن،
وابن سيرين، وغيرهم. يقال. ولد أكمه. قال سعيد بن المسيب لما رأى جودة حفظه وإتقانه: ما أظن أن الله خلق مثلك
وقال أيضا: ما أتانى عراقى أحسن من قتادة. وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس . قال ابن مهدى: قتادة أحفظ من
خمسين مثل حميد. وقال قتادة: ما سمعت أذناى شيئا إلا وعاه قلبى. قيل: مات بواسط فى الطاعون سنة (١١٧) أو
(١١٨) وهو ابن (٥٥) أو (٥٦) أو (٥٧) سنة بعد الحسن بسبع سنين (تسحرا) أى أكلا السحور (من سحورهما)
بفتح السين اسم لما يتسحر به، وقيل بضمها وهو مصدر (إلى الصلاة) أى صلاة الصبح (فصلى) أى إماما وهو معه
(كم كان) أى مقدار ، قال ابن الملك: اشتق منه مبتدأ وخبرها الجملة أى أى زمان كان (قال: قدر) بالنصب خبر لكان
المقدر أى كان ما بينهما قدر ، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى الفاصلة قدر (ما يقرأ الرجل خمسين آية) فيه
دليل على استحباب التغليس ، وأن أول وقت الصبح طلوع الفجر لأنه الوقت الذى يحرم فيه الطعام والشراب ، والمدة
التى بين الفراغ من السحور والدخول فى الصلاة وهى قراءة الخمسين آية أو نحوها لعلها مقدار ما يتوضأ، فأشعر بذلك أن
أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر، وفيه أنه مريم كان يدخل فيها بغلس (رواه البخارى) وأخرجه أيضا النسائى فى الصيام.
٦٠٢ - قوله (كيف أنت) أى كيف الحال والأمر بك (إذا كانت عليك أمراء) قال الطبى: أى ما حالك
حين ترى من هو حاكم عليك متهاونا فى الصلاة يؤخرها عن أول وقتها وأنت غير قادر على مخالفته؟ إن صليت معه فاتك
فضيلة أول الوقت، وإن خالفته خفت أذاه وفاتك فضيلة الجماعة. فسأل كيف أفعل حينئذ، و ((عليك)) خبر كان أى
كانت الأمراء مسلطين عليك قاهرين لك، وفى الحديث إخبار بالغيب، وقد وقع فى زمن بنى أمية فكان معجزة
(يميتون الصلاة) أى يؤخرونها ويجعلونها كالميت الذى خرجت روحه (أو يؤخرون الصلاة) وفى بعض النسخ أو
يؤخرونها ، وأو الشك من الراوى (عن وقتها) قال الطيبي: شبه إضاعة الصلاة وتأخيرها عن وقتها بحيفة ميت تنفر عنها
الطباع كما شبه المحافظة عليها وأداءها فى وقت اختيارها بذى حياة له نضارة وطراوة فى عنفوان شبابه، ثم أخرجها مخرج
٣٠٧
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
قال: قلت: فما تأمرنى؟ قال: صل الصلاة لوقتها. فإن أدركتها معهم؛ فصل، فإنها لك نافلة .
رواه مسلم.
٦٠٣ - (١٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَثّل: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن
تطلع الشمس ؛ فقد أدرك الصبح. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ؛ فقد
أدرك العصر .
١
الاستعارة وجعل القرينة يميتون لأنه غير لازم المشبه به. قال النووى: المراد بتأخيرها تأخيرها عن وقتها المختار، لأنهم لم يكونوا
يؤخرونها عن جميع وقتها. قلت: ظاهر الحديث إخراج الصلاة وتأخيرها عن جميع وقتها، وعليه حمله النسائى. وقد
صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها ، فينبغى أن يحمل هذا الحديث على الواقع.
قال الحافظ فى الفتح: قد صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار فى ذلك
مشهورة ، ثم ذكرها (فما تأمرنى) أى فما الذی تأمرنى أن أُنعل فى ذلك الوقت؟ (فإن أدر کتها) بأن حضرتها
(معهم فصل فانها) أى الصلاة التى صليت مع الأمراء (لك نافلة) يعنى صل الصلاة فى أول الوقت ، فإن صادفتهم بعد
ذلك وقد صلوا أجزأتك صلاتك، وإن أدركت الصلاة معهم فصل معهم ، وتكون هذه الثانية نافلة لك. والحديث
يدل على مشروعية الصلاة لوقتها وترك الاقتداء بالأمراء إذا أخروها عن أول وقتها، وأن المؤتم يصليها منفردا، ثم
يصليها مع الامام لثلا تفرق الكلمة وتقع الفتنة، فيجمع بين فضيلتى أول الوقت والجماعة. وقوله: فإنها لك نافلة.
صريح فى أن الصلاة التى يصليها مرتين تكون الأولى فريضة، والثانية نفلا. وفى الحديث دليل على أنه لا بأس بإعادة
الصبح والعصر، وسائر الصلوات، لأن النبي مَلّم أطلق الأمر بالإعادة، ولم يفرق بين صلاة وصلاة ، فيكون مخصصا
لحديث: لا صلاة بعد العصر وبعد الفجر (رواه مسلم) وأخرجه أيضا الترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٦٠٣ - قوله (من أدرك ركعة) بأن أتى بها بواجباتها من الفاتحة ، واستكمال الركوع والسجود ، ومفهومه أن
من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركا للوقت ، وأن صلاته تكون قضاء، وإليه ذهب الجمهور ، وقيل تكون أداء.
والحديث يرده (من الصبح) أى من صلاة الصبح (قبل أن تطلع الشمس) أى وأضاف إليها أخرى بعد طلوعها (فقد أدرك
الصبح) أى أدرك صلاة الصبح أداء لوقوع ركعة فى الوقت ، فالاتيان ببعضها قبل خروج الوقت ينسحب حكمه على
ما بعد خروجه فضلا من الله، فيكون الكل أداء. وقيل: أى تمكن من إدرا كها بأن يضم إلى الركعة المؤداة بقية الصلاة.
وليس المراد أن الركعة تكفى عن الكل. وهذا لصاحب العذر كالرجل ينام عن الصلاة ، أو ينساها فيذكر أو يستيقظ
عند طلوع الشمس وغروبها. قال النووى: وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت - انتهى.
٣٠٨
ا
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
قال الحافظ : الإدراك الوصول إلى الشئى، فظاهره أنه يكتفى بذلك، وليس ذلك مرادا بالإجماع ، فقيل: يحمل على أنه
أدرك الوقت ، فإذا صلی ر کعة أخرى فقد کملت صلاته، وهذا قول الجمهور، وقد صرح بذلك فى رواية الدراوردى عن
زيد بن أسلم ، أخرجه البيهقى من وجهين ، ولفظه: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعد ما تطلع
الشمس، فقد أدرك الصلاة. وأصرح منه رواية أبى غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم عن عطاء وهو ابن يسار ،
عن أبى هريرة بلفظ: من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ثم صلى ما بقى بعد غروب الشمس فلم يفته العصر.
وقال مثل ذلك فى الصبح، وفى رواية للبخارى يعنى التى بعد هذا الحديث: فليتم صلاته، والنسائى من وجه آخر: من
أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضى ما فاته. والبيهقى من وجه آخر: من أدرك ركعة من
الصبح فليصل إليها أخرى. ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوى حيث خص الإدراك باحتلام الصبي، وطهر الحائض
وإسلام الكافر ، ونحوها ، وأراد بذلك نصرة مذهبه فى أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته، لأنه لا يكلها إلا
فى وقت الكراهة -انتهى والحديث يدل على أن من أدركركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك صلاة
الصبح ولا تبطل بطلوعها كما أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك صلاة العصر ولا تبطل
بغروبها، وبه قال مالك والشافعى وأحمد وإسحق، وهو الحق وخالف أبو حنيفة هذا الحديث فقال: من طلعت عليه
الشمس وهو فى صلاة الصبح بطلت صلاته. واحتج فى ذلك بالأحاديث الواردة فى النهى عن الصلاة عند طلوع الشمس.
وأجيب عنه بأن أحاديث النهىعامة تشمل ذوات الأسباب المتقدمة وغير ذوات الأسباب من النوافل والفرائض.
وحديث أبى هريرة هذا خاص ليس فيه إلا ذكر صلاة ذات سبب متقدم ، فتحمل أحاديث النهى على ما لا سبب له من
النوافل جمعا بين الحديثين، فإن الجمع بالتخصيص أولى من ادعاء النسخ، قاله الحافظ. قال الشوكانى: هذا جمع بما يوافق
مذهب الحافظ ، والحق أن أحاديث النهى عامة تشمل كل صلاة ، وهذا الحديث خاص فينى العام على الخاص ، ولا
يجوز فى ذلك الوقت شئ من الصلوات إلا بدليل يخصه، سواء كان من ذوات الأسباب أو غيرها -انتهى. وقال النووى:
قال أبو حنيفة: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس، لأنه دخل وقت النهى عن الصلاة بخلاف غروب الشمس (نفرق بين
فجر اليوم وعصره) والحديث حجة عليه - انتهى. قال القارى بعد ذكر كلام النووى ما نصه: وجوابه ما ذكره
صدر الشريعة (فى شرح الوقاية): أن المذكور فى كتب أصول الفقه أن الجزء المقارن للأداء سبب لوجوب الصلاة،
وآخر وقت العصر وقت ناقص إذ هو وقت عبادة الشمس، فوجب ناقصا، فإذا أداه أداه كما وجب فإذا اعترض
الفساد بالغروب لا تفسد ، والفجر كل وقته وقت كامل لأن الشمس لا تعبد قبل طلوعها ، فوجب كاملا ، فإذا اعترض
الفساد بالطوع تفسد لأنه لم يؤدها كما وجب، فإن قيل: هذا تعليل فى معرض النص ، قلنا: لما وقع التعارض بين هذا
الحديث وبين النهى الوارد عن الصلاة فى الأوقات الثلاثة رجعنا إلى القياس كما هو حكم التعارض، والقياس رجح هذا
الحديث فى صلاة العصر ، وحديث النهى فى صلاة الفجر ، وأما سائر الصلوات فلا تجوز فى الأوقات الثلاثة المكروهة
لحديث النهى الوارد إذ لا معارض لحديث النهى فيها. قلت: قد رد هذا التقرير المزخرف الشيخ عبدالحي اللكنوى
٣٠٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
وهو من الحنفية فى حاشيته على شرح الوقاية حيث قال: فيه بحث، وهو أن المصير إلى القياس عند تعارض النصین إنما"
هو إذا لم يمكن الجمع بينهما ، وأما إذا أمكن يلزم أن يجمع بينهما، وههنا العمل بكليهما ممكن بأن يخص صلاة العصر
والفجر الوقتيتان من عموم حديث النهى، ويعمل بعمومه فى غيرهما، وبحديث الجواز فيهما إلا أن يقال حديث الجواز
خاص، وحديث النهى عام، وكلاهما قطعيان عند الحنفية، متساويان فى الدرجة والقوة، فلا يخص أحدهما الآخر ، وفيه
أن قطعية العام كالخاص ليس متفقا عليه بين الحنفية، فإن كثيرا منهم وافقوا الشافعية فى كون العام ظنيا كما هو مبسوط فى
شروح المنتخب الحسامى وغيرها - انتهى. وقال صاحب الكوكب الدرى بعد ذكر وجه الفرق بين الفجر والعصر بنحوما
ذكره صدر الشريعة ما لفظه: هذا ما قالوا، وأنت تعلم ما فيه من الاختلال وتزويق المقال، فإن قولهم: النهى عن الأفعال
الشرعية يقتضى صحتها فى أنفسها، ينادى بأعلى نداء على جواز الصلاتين كلتيهما وإن اعتراهما حرمة بعارض التشبه بعبدة الشمس
فادعاء المعارضة بينهما باطل ، وإن قطع النظر عن ذلك فلا وجه لعدم الجواز فى الفجر والجواز فى العصر، فإن الوقت
شرط لكلتيهما فإذا غربت الشمس بأداء ركعة أوركعتين لم يبق الوقت المشروط لصحة الباقى فكيف يمكن لهم القول بأن
الصلاة تامة. إذ ليس ذلك إلا قولا بعدم اشتراط الوقت ، فعلى هذا يلزم عليهم جواز صلاة من شرع فى الصلاة وثوبه
نجس بقدر الدرهم أو دونه، ثم بعد أداءه ركعة وضع عليه رجل شيئا نجسا ليس ذلك إلا أداء الصلاة على الكيفية التى
التزمها ، أو من أخذ فى الصلاة وهو يدافعه الأخبثان ، فلما قضى ركعة أو ركعتين بال أو تغوط أو ليس نظير ما قالوا، !
فإنه أدى صلاته بعد الحدث على نحو مما التزمه (إلى آخر ما قال وأطال فى الرد عليهم): قلت: ويلزمهم أيضا أن
يقولوا بفساد صلاة العصر إذا شرع فيها فى الجزء الصحيح الكامل أى قبل الاصفرار ومدها إلى أن غربت مع أنها
لا تكره عندهم فضلا عن أن تفسد. وما اعتذروا عنه بعذر الخضوع والخضوع لا ينفع كما أقر به صاحب فيض البارى،
فإن الاحتراز عن المد إلى غروب الشمس ليس مما يتعذر كما لا يخفى على المنصف غير المتعسف. واختار صاحب الكوكب
فى معنى الحديث ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من جواز الصلاتين العصر والصبح، وفراغ الذمة لمن صلى فى هذين الوقتين،
وإن لم يخل فعله ذلك من الكراهة وأعلم أن الحنفية قد عجزوا عن دفع إلزام العمل بعض هذا الحديث وترك
بعضه مع أن النقص قارن العصر ابتداء والفجر بقاء، ولذلك ذهب الطحاوى إلى عدم جواز عصر يومه كالفجر خلافا
لمذهب الحنفية. قال صاحب الفيض: إن الحديث لا يفرق بين الفجر والعصر، وظاهره موافق لما ذهب إليه الجمهور،
وتفريق الحنفية باشمال العصر على الوقت الناقص دون الفجر عمل بإحدى القطعتين وترك الأخرى بنحو من القياس ،
وذا لا يرد على الطحاوى فإنه ذهب إلى النسخ بالكلية بالأحاديث الواردة فى النهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند
غروبها إلا أن المعروف من مذهب الخفية خلافه، فإنهم قاتلون فى العصر بصحتها کما فى الحديث ، قال : فلم أر جوابا
شافيا عنه فى أحد من كتب الحنفية بعد، ثم حمل هو هذا الحديث على المسبوق وقال: إن المراد بالادراك إدراك الجماعة
لا إدراك الوقت ، وإن الصلاة كلها فى الوقت قبل الطلوع فى الفجر، وقبل الغروب فى العصر، ومعنى الحديث : من
أدرك ركعة من الصبح مع الإمام وركعة أخرى بعد انصرافه، وكلتاهما فى الوقت قبل الطلوع، وكذا فى العصر أدرك
٣١٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
متفق عليه.
٦٠٤ - (١٦) وعنه، قال: قال رسول الله على: إذا أدرك أحدكم سيدة من صلاة العصر قبل أن
تغرب الشمس؛ فليتم صلاته. وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فليتم
صلاته. رواه البخارى.
ركنة مع الامام وثلاث ركعات بعد سلامه لكن الصلاة كلها وقعت فى الوقت قبل الغروب وهذا كما ترى تحريف
للحديث وإبطال لمؤداه، لا توجه له مع أنه يطل شرحه ويهدمه، كما اعترف به هو ما تقدم من رواية البيهقى بلفظ:
من أدرك من الصيح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركمة بعد ما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة، هذا. وقد أطال
الكلام فى الجواب عن هذه الرواية وتقرير ما رامه من تحريف الحديث، وأتى بكلام كله تكلفات ودعاوى محضة ،
ونسبة الوهم وسوء الفهم والاختصار إلى الرواة من غير دليل وبرهان وأعلم. أيضا أن إدراك الركعة قبل خروج الوقت
لا يختص بصلاة الفجر والعصر لما ثبت عند الشيخين وغيرهما من حديث أبى هريرة مرفوعا بلفظ: من أدرك ركعة من
الصلاة فقد أدرك الصلاة. وهو أعم من حديث الباب. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون اللام عهدية ويؤيده أن كلا
منهما من رواية أبى سلمة عن أبي هريرة، وهذا مطلق وذاك يعنى حديث الباب مقيد فيحمل المطلق على المقيد - انتهى.
ويمكن أن يقال أن حديث الباب دل بمفهومه على اختصاص ذلك الحكم بالفجر والعصر، وهذا الحديث دل بمنطوقه على
أن حكم جميع الصلوات لا يختلف فى ذلك، والمنطوق أرجح من المفهوم فيتعين المصير إليه، ولاشتماله على الزيادة
التى ليست منافية للزيد، كذا فى النيل (متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك وأحمد والترمذى وأبو داود والنسائى، وابن
ماجه وغيرهم.
٦٠٤ - قوله (إذا أدرك أحدكم سجدة) أى ركعة كما ذكره المجد بن تيمية فى المنتقى، ومسلم فى صحيحه، وقد
ثبت عند الإسماعيلى بلفظ «ركمة)) مكان سجدة، فدل على أن الاختلاف فى اللفظ وقع من الرواة ، وقد تقدم الرواية
بلفظ: من أدرك ركعة، قال الحافظ: ولم يختلف على راويها فى ذلك فكان عليها الاعتماد ، قال الخطابي: المراد بالسجدة
الركعة بركوعها وجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها فسميت على هذا المعنى سجدة - انتهى (فليتم صلاته)
أى ليكلها بالباقيسة، ويكون الكل أداء (رواه البخارى) وأخرجه أيضا أحمد والنسائى، وفى الباب عن عائشة عند أحمد
وصفهم والنسائي وابن ماجه. ومناسبة هذا الحديث وما قبله لعنوان الباب غير ظاهرة، وإنما ذكرهما استطرادا، أو
يقال: فيهما إشارة إلى أن من أخر الصلاة إلى آخر أجزاء وقتها بسبب البهو والنسيان أو النوم لا يكون مقصرا،
ويصدق عليه أنه عملها فى الجملة حيث أداها قبل الفوت.
٣١١
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٦٠٥ - (١٧) وعن أنس، قال: قال رسول اللّه ◌َخ: من نسى صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن
يصليها إذا ذكرها، وفى رواية: لا كفارة لها إلا ذلك. متفق عليه.
٦٠٦ - (١٨) وعن أبى قتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس فى النوم تفريط؛
٦٠٥ - قوله (من نسى صلاة) أى تركها نسيانا (أو نام عنها) ضمن نام معنى غفل أى غفل عنها فى حال نومه، قاله
الطبى. أو نام غافلا عنها (فكفارتها) هذا يدل على أنه لا يخلو عن تقصير ما بترك المحافظة لكن يكفى فى محو تلك الخطيئة
القضاء وما سيجثى أنه لا تفريط فى النوم فبالنظر إلى الذات (أن يصليها إذا ذكرها) أى بعد النسيان أو النوم، وقيل: فيه
تغليب للفسيان فعبر بالذكر وأراد به ما يشمل الاستيقاظ، والأظهر أن يقال: أن النوم لما كان يورث النسيان غالبا قابلهما بالذكر.
وظاهر الحديث أنه يصليها إذا ذكرها أى وإن كان عند طلوع الشمس أو عند غروبها أو عند استواءها. وإليه ذهب مالك،
والشافعى وأحمد وإسحاق فجعلوا هذا الحديث وما فى معناه مخصصا لأحاديث النهى عن الصلاة فى هذه الأوقات الثلاثة.
ووقع فى رواية لغير الشيخين ((فوقتها حين يذكرها لا وقت لها إلا ذلك)) وهذا يفيد أن ذلك وقتها أداء لا قضاء، فتكون
أحاديث الباب مخصصة لما ورد من توقيت الصلاة وتعيين أوقاتها ابتداء وانتهاء، فيقال إلا الصلاة التى سها عنها المصلى
أو نسيها أو نام عنها فإن فعلها عند الذكر هو وقت أداءها ولو بعد خروج الوقت المضروب لتلك الصلاة ، فإن حین
التذكر والاستيقاظ هو وقت أداءها (وفى رواية) أى للشيخين. قال الطبي: أراد أنه زاد فى رواية أخرى هذه العبارة لا
أن هذه الرواية بدل عن الرواية السابقة، لأن اسم الإشارة يقتضى مشار إليه، وهو قوله: فليصلها إذا ذكرها . جيئى
بالثانية تأكيدا وتقريرا على سبيل الحصر لئلا يتوهم أن لها كفارة غير القضاء (لا كفارة لها إلا ذلك) قال الخطابى فى المعالم:
يريد أنه لا يلزمه فى تركها غرم أو كفارة من صدقة أو نحوها كما تلزمه فى ترك الصوم فى رمضان من غير عذر الكفارة،
وكما تلزم المحرم إذا ترك شيئا من نسكه كفارة وجبران من دم أو طعام ونحوه. وقال الطبي: يحتمل ذلك وجهين:
أحدهما أنه لا يكفرها غير قضاءها، والآخر أنه لا يلزمه فى نسيانها غرامة ولا زيادة تضعيف ولا كفارة من
صدقة ونحوها كما يلزم فى ترك الصوم (متفق عليه) أى بروايتيه إلا أن لفظ الرواية الأولى لفظ مسلم. والحديث أخرجه
أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه .
٦٠٦ - قوله (ليس فى النوم) أى فى حاله (تفريط) أى تقصير ينسب إلى النائم فى تأخيره الصلاة، وكذا فى النسيان
ولم يذكر لأنه فى معناه، ولهذا ذكره فى التفريع، وليس المراد أن نفس فعل النوم والمباشرة بأسبابه لا يكون فيه
تفريط أى تقصير ، فإنه قد يكون فيه تفريط إذا كان فى وقت يقتضى فيه النوم إلى فوات الصلاة كالنوم قبل العشاء، وإنما
المراد أن ما فات حالة النوم فلا تفريط فى فوته فإنه فات بلا اختيار، وأما المباشرة بالنوم فالتفريط فيها تفريط حالة
٣١٢
جـ
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
إنما التفريط فى اليقظة. فإذا نسى أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال:
﴿وأقم الصلاة لذكرى). رواه مسلم.
﴿ الفصل الثانى ):
٦٠٧ - (١٩) عن على: أن النبى صلى اللّه عليه وسلم قال: يا على! ثلاث
اليقظة، قاله السندى (إنما التفريط فى اليقظة) بفتح القاف، أى إنما يوجد التقصير فى حال اليقظة بأن يفعل ما يؤدى إلى
النوم أو النسيان كاضطجاع عند غلبة النوم والاشتغال بما يترتب عليه النسيان من المشاغل كلعب الشطرنج ونحوه فيكون
مقصرا حينئذ ويأثم بذلك. قال الشوكانى: ظاهر الحديث أنه لا تفريط فى النوم سواء كان قبل دخول وقت الصلاة أو
بعده قبل تضييقه. وقيل: إنه إذا تعمد النوم قبل تضيق الوقت واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة لغلبة ظنه أنه لا
يستيقظ إلا وقد خرج الوقت كان آئما. والظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم، لأن فعله فى وقت يباح فعله، فيشمله
الحديث. وأما إذا نظر إلى التسبب به للترك، فلا إشكال فى العصيان بذلك، ولاشك فى إثم من نام بعد تضيق الوقت لتعلق
الخطاب به ، والنوم مانع من الامتثال، والواجب إزالة المانع (أقم الصلاة لذكرى) اللام فيه للوقت، وهو بالإضافة
إلى ياء المتكلم، وهى القراءة المشهورة لكن بظاهرها لا يناسب المقصود، فأوله بعضهم بأن المعنى: وقت ذكر صلاقى، على
حذف المضاف، أو المراد بالذكر المضاف إلى الله تعالى ذكر الصلاة لكون ذكر الصلاة يفضى إلى فعلها المفضى إلى ذكر
الله تعالى فيها، فصار وقت ذكر الصلاة كأنه وقت لذكر الله، فقيل فى موضع أقم الصلاة لذكرها: لذكر الله. وقراءة ابن
شهاب للذكرى بلام الجر ثم لام التعريف وآخره ألف مقصورة، وهى قراءة شاذة لكنها موافقة للطلوب هنا بلا تكلف، قاله
السندى. وقال الطبى: الآية تحتمل وجوها كثيرة من التأويل، لكن الواجب أن يصار إلى وجه يوافق الحديث لأنه
حديث صحيح ثم ذكر التوجيهين الذين تقدما فى كلام السندى، قال: أو وضع ضمير اللّه موضع ضمير الصلاة لشرنها
وخصوصيتها. والحديث يدل على أن شرع من قبلنا شرع لنا لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى عليه السلام، وهو الصحيح
فى الأصول ما لم يرد ناسخ (رواه مسلم) فيه نظر لأن اللفظ المذكور ليس لمسلم بل هو للنسائى والترمذى إلا أنه ليس
عندهما: فإن اللّه تعالى يقول ﴿أقم الصلاة لذكرى - ٢٠: ١٤) قال الترمذى: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضا أحمد
وأبو داود وابن ماجه. قال الحافظ: إسناد أبى داود على شرط مسلم، ورواه مسلم بنحوه فى قصة نومهم فى صلاة الفجر
ولفظه: ليس فى النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئى وقت الصلاة الأخرى ، فمن فعل ذلك فليصلها
حين ينتبه لها ، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها .
:
٦٠٧ - قوله (ثلاث) أى من المهمات وهو المسوغ للابتداء، والمعنى: ثلاثة أشياء، وهى الصلاة، والجنازة،
٣١٣
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
لا تؤخرها: الصلاة إذا أنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً. رواه الترمذى.
والمرأة ، ولذا ذكر العدد (لا تؤخرها) بالرفع إما خبر لثلاث أو صفة ، أى فإن فى التأخير آفات بل تعجل فيها ، وهذه
الأشياء مستثناة من حديث العجلة من الشيطان (الصلاة) بالرفع أى منها، أو أحدها، أو هى. وقيل: بالنصب بتقدير
أعنى (إذا أتت) بالتائين مع القصر من الاتيان، أى جاءت يعنى وقتها. قال التوربشتى: فى أكثر النسخ المقروؤة أى
المصابيح ((أنت)) بالتاتين وكذا عند أكثر المحدثين، وهو تصحيف، والمحفوظ من ذوى الإتقان ((آنت)) على وزن حانت
وبمعناه، ذكره الطبي. والظاهر أنهما روايتان صحيحتان ومعناهما متقارب. قال ابن العربى فى عارضة الأحوذى
(ج ١: ص ٢٨٤): كذا رويته بالتائين كل واحد منهما معجمة باثنتين من فوقها، وروى ((إذا آنت)) بنون وتاء معجمة
من فوقها بمعنى حانت. تقول: آن الشئ يتين أينا أى حان يحين حينا - انتهى. وكذا قال ابن سيد الناس كما ذكره
السيوطى فى قوت المغتذى. وقال الأبهرى: ((إذا أنت)) بفتح الهمزة من أنى يأتى، وهو أيضا بمعنى حان، ومنه قوله تعالى:
﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم - ٥٧: ١٦﴾ (والجنازة) بكسر الجيم وفتحها لغتان لليت فى النعش (إذا حضرت)
لأن تأخيرها قد يؤدى إلى التغير فالتعجيل فيها أحب، وأيضا إن كانت خيرا فالتقديم إليه أحب، وإن كانت شرا فتبعيده
أولى كما فى حديث: لا ينبغى لجيفة مسلم أن تحبس، عند أبى داود. وكما فى حديث أسرعوا بالجنازة، عند الشيخين. وفيه
دليل على أن الصلاة على الجنازة لا تكره فى الأوقات المكروهة، ذكره الطبي. قال القارى: وهو كذلك عندنا يعنى
الحنفية أيضا إذا حضرت فى تلك الأوقات من الطلوع، والغروب، والاستواء، وأما إذا حضرت قبلها وصلى عليها فى
تلك الأوقات، فمكروهة، وكذا حكم سجدة التلاوة ، وأما بعد الصبح، وقبله ، وبعد العصر فلا يكرهان مطلقا
(والأيم) بفتح الهمزة وكسر الياء المشددة، هى التى لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، مطلقة كانت أو متوفى عنها ( كفؤا)
بضم الكاف وسكون الفاء، المثل والنظير، وفى النكاح أن يكون الرجل مثل المرأة فى الإسلام، والصلاح. وقيل: فى
الحرية، والنسب، وحسن الكسب والعمل، والأول هو المعتمد (رواه الترمذى) فى الصلاة من حديث سعيد بن
عبد الله الجهنى، عن محمد بن عمر بن على، عن أبيه، عن على بن أبى طالب. قال الترمذى: هذا حديث غريب حسن.
على ما فى النسخة المصرية المطبوعة بتعليق العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر. وقد نقل هذا الحديث الزيلعى فى نصب الراية
(ج ١: ص ٢٤٤) عن الترمذى، ونقل أنه قال: حديث غريب، وما أرى إسناده بمتصل. وهكذا نقل الحافظ فى
التلخيص (ص ٦٩) أيضا. قال صاحب التعليق المذكور: ليس فى شئى من النسخ التى معى من الترمذى عبارة «وما أرى
إسناده بمتصل، وكذلك قال شيخنا فى شرح الترمذى: إن هذه العبارة ليست فى النسخ المطبوعة والقلبية الموجودة عندنا .
قال صاحب التعليق: وأنا أظن أن الحافظ الزيلعى انتقل نظره حين الكتابة إلى كلام الترمذى على حديث عائشة الآتى ،
وأن الحافظ ابن حجر نقل منه تقليدا له فقط - انتهى. وقال الحافظ فى الدراية: أخرجه الترمذى والحاكم بإسناد
ضعيف. قلت: الظاهر أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن، وأن سنده متصل، فإن سعيد بن عبد الله الجهنى
٣١٤
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٦٠٨ - (٢٠) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه موضوع: الوقت الأول من الصلاة رضوان الله،
والوقت الآخر عفو الله. رواه الترمذى.
ذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال الحافظ: إنه مقبول. ومحمد بن عمر بن على صدوق، وعمر بن على ثقة ، وقد سمع من
أيه على بن أبى طالب ، قاله أبو حاتم ، فاتصل سنده. والحديث أخرجه أيضا أحمد ، والنسائى فى مسند على، وأخرج
ابن ماجه منه النهى عن تأخير الجنازة فقط، وأخرجه الحاكم فى النكاح (ج ٢، ص ١٦٢) مطولا وقال: هذا حديث
غريب صحيح ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي.
٦٠٨ - قوله (الوقت الأول من الصلاة) من تبعيضية، والتقدير من أوقات الصلاة، قاله القارى. وقال الطبى:
من بيان للوقت - انتهى. وخص منه بعض الأوقات كالعشاء والظهر فى شدة الحر (رضوان الله) أى يحصل بأدائها
فيه رضوان الله تعالى عن فاعلها، وهو خبر إما بحذف مضاف، أى الوقت الأول سبب رضوان الله لما فيه من المبادرة إلى
الطاعة ، وهى مؤدية إلى رضاه ، أو على المبالغة، أى الوقت الأول عين رضا الله تعالى عنه (والوقت الآخر) أى بحيث
يحتمل أن يكون خروجا عن الوقت ، أو المراد به وقت الكراهة نحو الاصفرار فى العصر، والتجاوز عن نصف الليل
فى العشاء، قاله القارى (عفو الله) ولا عفو إلا عن ذنب. قال المناوى: والعفو يكون عن المقصرين فأفاد أن تعجيل
الصلاة أول وقتها أفضل - انتهى. وقال الشافعى: ولا يؤثر على رضوان الله شتى لأن العفو لا يكون إلا عن تقصير،
نقله البيهقى، زاد فى حديث أبى محذورة عند الدار قطنى بسند ضعيف جدا: وأوسطه رحمة الله، أى يحصل لفاعل الصلاة
فيه رحمته، ومعلوم أن رتبة الرضوان أبلغ (رواه الترمذى) وكذا الدار قطنى والبيهقى كلهم من طريق يعقوب بن الوليد
المدنى ، عن عبد الله بن عمر العمرى، عن نافع، عن ابن عمر، ونقل البيهقى عن أبى أحمد بن عدى الحافظ أنه قال:
هذا الحديث بهذا الإسناد باطل، ثم قال البيهقى: هذا حديث يعرف بيعقوب بن الوليد المدنى، ويعقوب منكر الحديث،
ضعفه يحيى بن معين ، وكذبه أحمد بن حنبل، وسائر الحفاظ، ونسبوه إلى الوضع نعوذ بالله من الخذلان. وقال فى
المعرفة: حدیث «الصلاة فى أول الوقت رضوان الله) إنما يعرف بيعقوب بن الوليد ، وقد كذبه أحمد بن حنبل ، وسائر
الحفاظ. قال: وقد روى هذا الحديث بأسانيد كلها ضعيفة، وإنما يروى عن أبى جعفر محمد بن على من قوله - انتهى.
قال الزيلعى فى نصب الراية (ج ١: ص ١٢٧) بعد ذكر كلام البيهقى هذا : وأنكر ابن القطان فى كتابه على أبى محمد
عبد الحق كونه أعل الحديث بالعمرى، وسكت عن يعقوب ، قال: ويعقوب هو علة، فإن أحمد قال فيه: كان من
الكذابين الكبار، وكان يضع الحديث. وقال أبو حاتم: كان يكذب، والحديث الذى رواه موضوع، وابن عدى
إنما أعله به، وفى بابه ذكره - انتهى. والعجب من الترمذى أنه سكت عن هذا الحديث، ولم يعله بيعقوب ولا بالعمرى.
٣١٥
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٦٠٩ - (٢١) وعن أم فروة، قالت: سئل النبي مرَّةٍ: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول وقتها.
رواه أحمد، والترمذى، وأبو داود، وقال الترمذى: لا يروى الحديث إلا من حديث عبد الله بن
عمر العمرى، وهو ليس بالقوى عند أهل الحديث.
٦٠٩ - قوله (عن أم فروة) ذكر ابن عبد البر والطبرانى أن أم فروة هذه بنت أبى قحافة أخت أبى بكر الصديق
لأبيه ، كانت من بايع تحت الشجرة ، وكانت من المهاجرات، وتبعهما على ذلك المنذرى ، وابن العربى، وغيرهما من
العلماء، ووهموا وغلطوا من قال: إنها أنصارية. ورجح الحافظ وغيره أنها غير أخت أبى بكر الصديق، وأنها أنصارية،
أخذ ذلك من ظاهر بعض الروايات أنها جدة القاسم بن غنام الأنصارى، أو عمته. والراجح عندنا هو القول الأول .
والظاهر أنها جدة القاسم بن غنام من جهة أمه أو أم أبيه ، ففى رواية للحاكم عن القاسم بن غنام الأنصارى ، عن جدته
أم أبيه الدنيا، عن أم فروة جدته، عن رسول الله مؤ لّه. وفى رواية أخرى له عن القاسم بن غنام ، عن جدته الدنيا، عن
جدته أم فروة. وكانت ممن بايعت النبى مَّةٍ، وكانت من المهاجرات الأول، فهذا يدل على غلط من ظن أنها أنصارية
(أى الأعمال أفضل) أى أكثر ثوابا (الصلاة لأول وقتها) اللام بمعنى فى، قاله ابن الملك. وقال الطبى: اللام التأكيد ،
فيه دليل على أن الصلاة لأول الوقت أفضل الأعمال ، لکن الحديث ضعيف کما سیأتی، لکن له شاهد من حديث ابن
مسعود عند الحاكم والدارقطنى والبيهقى، وأيضا المحافظة منه مؤتم على الصلاة أول الوقت دالة على أفضليته (رواه أحمد)
(ج ٦: ص ٣٧٤، ٣٧٥، ٤٤٠) (والترمذى وأبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى (وقال الترمذى: لا يروى
الحديث) أى هذا الحديث (إلا من حديث عبد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدنى، وفى كلام
الترمذى هذا نظر، لأنه رواه عن القاسم بن غنام غيره أيضا، فقد رواه عنه عبد الله بن عمر العمرى عند الحاكم،
والدار قطنى، والضحاك بن عثمان عند الدارقطنى، ونسب الحافظ رواية الضحاك هذه فى الإصابة للطبرانى (وهو ليس
بالقوى عند أهل الحديث) قد اختلف فى جرحه وتعديله فضعفه الحاكم، وابن حبان ، وابن المدينى، وأبو حاتم ،
وصالح جزرة، ويحيى بن سعيد، والنسائى، والبخارى فيما حكاه الترمذى عنه، ووثقه أحمد بن حنبل ، وابن معين ،
وابن عدى ، ويعقوب بن شيبة، والعجلى. وقال الذهبي فى الميزان: صدوق فى حفظه شئ. وقال الخليلى: ثقة، غير
أن الحفاظ لم يرضوا حفظه. ثم إنه يظهر من كلام الترمذى الذى نقله المصنف أن الحديث قد تفرد به عبد الله بن عمر
العمرى، وهو ضعيف، فيكون الحديث ضعيفا، لكن الظاهر أن سبب ضعف الحديث كونه مضطرب الإسناد ، كما قال
الترمذى بعد ذلك: واضطربوا عنه فى هذا الحديث ، واختلف فى أن اضطرابه من قبل عبد الله بن عمر العمرى أو من
قبل شيخه القاسم بن غنام، والظاهر أن اضطراب سنده من جهة انقاسم بن غنام، وقد ذكره ابن حبان فى الثقات، وذكره
العقيلى فى الضعفاء، وقال فى حديثه اضطراب. وقال الحافظ : صدوق مضطرب الحديث ، وتفصيل الاضطراب أنه ورد
٣١٦
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٦١٠ - (٢٢) وعن عائشة رضى الله عنها، قالت: ما صلى رسول اللّه مؤلّم صلاة لوقتها الآخر
مرتين حتى قبضه الله تعالى. رواه الترمذى.
فى بعض الروايات عن القاسم ، عن جدته أم فروة. وفى بعضها «عن عمته أم فروة)) بدون واسطة ، وفى بعضها ((عن
بعض أمهاته)) وفى بعضها ((عن بعض أهله)) وفى بعضها ((عن عماته)) وفى بعضها ((عن أهل بيته) كل هؤلاء عن أم فروة،
وتقدمت روايتا الحاكم وهما أوضح الروايات فى ذلك. والذى يظهر أن القاسم بن غنام يروى الحديث تارة فيذكر
الواسطة المبهمة، ويرويه أخرى فيحذفها، ويقول عن أم فروة. قال الزيلعى فى نصب الراية (ج ١: ص ٢٤١): ذكر
الدار قطنى فى كتاب العلل فى هذا الحديث اختلافا كثيرا واضطرابا، ثم قال: والقول قول من قال عن القاسم ، عن جدته
الدنيا، عن أم فروة - انتهى. وهكذا رواه الحاكم فى المستدرك، والدارقطنى فى سننه. قال فى الإمام: وما فيه من
الاضطراب فى إثبات الواسطة بين القاسم وأم فروة ، وإسقاطها يعود إلى العمرى، وقد ضعف، ومن أثبت الواسطة
يقضى على من أسقطها ، وتلك الواسطة مجهولة - انتهى. فالحديث ضعيف بكل حال لجهل الواسطة بين القاسم بن غنام
وبين أم فروة .
٦١٠ - قوله (ما صلى رسول اللّه مَ في صلاة لوقتها الآخر مرتين) إلخ. يعنى أنه صلى بعض الصلوات فى آخر
وقتها لكنه لم يقع له ذلك أكثر من مرة إلى أن توفاه الله تعالى. قيل: وتلك المرة هى التى صلاها وَ لَّم للتعليم حين جاء
رجل سائل عن أوقات الصلاة، فكان كل صلاة فى آخر وقته. وأما حديث إمامة جبريل بخارج عن المبحث، لأنه لم
يكن اختيارا منه، أو المقصود المبالغة فى عدم وقوع ذلك منه متهم ، فلا يحتاج إلى الجواب عما وقع ذلك منه أحيانا ،
يعنى أن أوقات صلاته عليه الصلاة والسلام كلها كانت فى وقتها الاختيارى إلا ما وقع من التأخير إلى آخره نادرا لبيان
الجواز، ووقع فى بعض نسخ الترمذى: لوقتها الآخر إلا مرتين. بزيادة إلا ، وهو يوافق ما نقله الزيلعى فى نصب الراية
(ج ١: ص ٢٤٤) وصاحب جمع الفوائد (ج١: ص ٦٠) كلاهما عن الترمذى. والظاهر أن المراد منه حين إمامة جبريل
وسؤال الرجل ، لكن الظاهر أن يكون المراد غير ما هو التعلم والتعليم ، أو لم يفعل من حين تزوجها فأخبرت بما أحاط
به عليها، كذا قيل (رواه الترمذى) وقال غريب، وفى بعض النسخ ((حسن غريب» قال: وليس إسناده بمتصل.
وأخرجه أيضا الدار قطنى، والحاكم ، والبيهقى كلهم من طريق سعيد بن أبى هلال ، عن إسحاق بن عمر، عن عائشة.
قال الزيلعى فى نصب الراية (ج ١: ص ٢٤٤): قال البيهقى: وهو مرسل ، إسحاق بن عمر لم يدرك عائشة ، وقال ابن أبى
حاتم عن أبيه: إسحاق بن عمر روى عنه سعيد بن أبى هلال مجهول - انتهى. وكذلك قال ابن القطان فى كتابه: أنه
منقطع، وإسحاق بن عمر مجهول، وأخرجه أيضا الدار قطنى عن عمرة عن عائشة نحوه ، وفى سنده معلى بن عبد الرحمن ،
٣١٧
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٦١١ - (٢٣) وعن أبى أيوب، قال: قال رسول اللّه تَّى: لا يزال أمتى بخير، أو قال: على
الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم. رواه أبو داود.
قال ابن أبى حاتم: سألت أبى عنه، فقال: متروك الحديث، وأخرجه أيضاً عن أبى سلمة، عن عائشة نحوه، وفيه
الواقدى، وهو معروف عندهم - انتهى مختصرا. قال العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذى (ج ١: ص ٣٢٩):
قد ترك الزيلعى أصح إسناد لهذا الحديث فقد روى الحاكم (ج١: ص ١٩٠) من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم قال :
حدثنا الليث بن سعد، عن أبى النضر، عن عمرة، عن عائشة قالت: ما صلى رسول الله عزَّم الصلاة لوقتها الآخر حتى
قبضه الله. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقى (ج ١: ص ٤٣٥) عن
الحاكم، وأبو النضر شيخ الليث هو سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله، وهو مجمع على توثيقه، وهذا الحديث
هو الذى أشار الزيلعى إلى أن الدار قطنى رواه من طريق معلى بن عبد الرحمن ، عن الليث، وهو فى سنن الدار قطنى
(ص ٩٢) وقد أشار البيهقى إلى رواية معلى، ومعلى هذا ليس بثقة كان يضع الحديث، ولكن الرواية محت برواية أبى
النضر هاشم بن القاسم عن الليث - انتهى.
٦١١ - قوله (لا يزال) بالتحتية وفى رواية لأحمد، وكذا فى أبى داود بالمثناة الفوقية (أمتى بخير أو قال على:
الفطرة) أى السنة المستمرة، أو الإسلام أو الاستقامة، وأو الشك من الراوى (إلى أن تشتبك النجوم) أى تظهر
جميعاً ، ويختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها، وهو كناية عن الظلام. فيه دليل على استحباب المبادرة والتعجيل
بصلاة المغرب وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم، وقد عكست الروافض القضية لجعلت تأخير صلاة المغرب إلى
اشتباك النجوم مستحبا ، والحديث يرده. قال النووى فى شرح مسلم: إن تعجيل صلاة المغرب عقيب غروب الشمس
مجمع عليه. قال وقد حكى عن الشيعة فيه شئ لا التفات إليه، ولا أصل له. وأما الأحاديث الواردة فى تأخير المغرب
إلى قرب غروب الشفق فكانت لبيان آخر الوقت لأنها كانت جوابا للسائل عن الوقت، وأحاديث التعجيل عامتها إخبار
عن عادة رسول الله مَ ل المتكررة التى واظب عليها إلا لعذر فالاعتماد عليها (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى،
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥: ص ٤١٧، ٤٢٢) والحاكم فى المستدرك (ج ١: ص ١٩٠) وقال: صحيح على شرط مسلم،
وأقره الذهبي ، وفى سنده عندهم محمد بن إسحاق، وهو مدلس لكنه صرح بالتحديث، قال الزيلعى: قال الشيخ فى الامام:
وقد خولف ابن إسحاق فى هذا الحديث، قال ابن أبى حاتم : ورواه حیوة وابن هیعة ، عن یزید بن حبيب ، عن أسلم أبى
عمران التجيى، عن أبى أيوب، عن النبي ◌َّ أنه قال: بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجوم، قال أبو زرعة:
وحديث حيوة أصح - انتهى كلامه. قلت: حديث ابن لهيعة أخرجه أحمد (ج ٥: ص ٤١٥) وأخرج أحمد أيضا
(ج ہ: ص ٤٢١) منحديث ابن أبي ذئب ، عن یزید بن أبی حیب عن رجل عن أبى أبوپ بنحوه ..
٣١٨
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٦١٢ - (٢٤) ورواه الدارمى عن العباس.
٦١٣ - (٢٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَّي: لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم أن يؤخروا
العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه. رواه أحمد، والترمذى، وابن ماجه.
٦١٤ - (٢٦) وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول اللّه مَّى: أعتموا بهذه الصلاة؛ فإنكم قد
فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم.
٦١٢ - قوله (ورواه الدارمى عن العباس) وكذا روى ابن ماجه والحاكم وابن خزيمة فى صحيحه وأبو بكر
البزار كلهم من حديث إبراهيم بن موسى، عن عباد بن العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن
الأحنف بن قيس ، عن العباس بن عبد المطلب. قال البوصيرى فى الزوائد: إسناده حسن ، وجعله الحاكم شاهدا صحيحا
لحديث أبى أيوب المتقدم ووافقه الذهبي. وقال أبو بكر البزار: لا يعلمه يروى يعنى عن العباس إلا من هذا الوجه ،
ورواه غير واحد عن عمر بن إبراهيم ، عن قتادة ، عن الحسن مرسلا. قال الترمذى: وحديث العباس قد روى عنه
موقوفا وهو أصح، قال ابن سيد الناس: ومراد البزار بالمرسل هنا الموقوف لأنه متصل الإسناد إلى العباس. وذكر
الخلال بعد إيراد هذا الحديث: قال أبو عبد الله: هذا حديث منكر. كذا فى النيل.
٦١٣ - قوله (إلى ثلث الليل أو نصفه) قال ميرك ((أو، يحتمل التنويع، أى إلى ثلث الليل فى الصيف ونصف
الليل فى الشتاء. وقيل: أو بمعنى بل، والظاهر أنه شك من الراوى، أى سعيد بن أبى سعيد المقبرى، أو من الرواة عنه ،
وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن السراج، عن سعيد، عن أبى هريرة. وفيه إلى نصف الليل بغير شك. والحديث
صريح فى أن التأخير فى العشاء أولى من التعجيل، ولا يعارضه ما تقدم من أحاديث أفضلية أول الوقت لأنها عامة وحديث
أبى هريرة هذا وما فى معناه من الأحاديث الدالة على تأخير العشاء خاصة فيجب بناء العام عليها (رواه أحمد والترمذى) وقال:
حديث حسن صحيح (وابن ماجه) وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١: ص ١٤٦).
٦١٤ - قوله (أعتموا) بفتح الهمزة وكسر التاء، أمر من باب الإفعال (بهذه الصلاة) أى العشاء والباء للتعدية ،
أى أدخلوها فى العتمة، أو الصاحبة أى أدخلوا فى العتمة متلبسين بهذه الصلاة، فالجار والمجرور حال، يقال: أعتم
الرجل إذا دخل فى العتمة ، وهى ثلث القليل الأول بعد غيوبة الشفق، أو مطلق الظلمة بعد غيوبته، وقيل: هو مأخوذ
من العتم الذى هو الايطاء، والمعنى أخرُوا العشاء الآخرة. وفيه دليل على استحباب تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها،
وتنبيه على أفضلية التأخير، وهو مقيد إلى الثلث أو النصف لما تقدم (قد فضلتم) بصيغة المجهول من التفضيل (بها) أى
بصلاة العشاء (على سائر الأمم) أى جميعها أو باقيها (ولم تصلها أمة قبلكم) التوفيق بينه وبين قوله فى حديث جبريل: هذا
٣١٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
رواه أبو داود.
٦١٥ - (٢٧) وعن النعمان بن بشير، قال: أنا أعلم بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة: كان
رسول اللّه مي يصليها لسقوط القمر الثالثة.
وقت الأنبياء من قبلك. أن صلاة العشاء كانت تصليها الرسل نافلة لهم أى زائدة ، ولم تكتب على أممهم كالتهجد ، فإنه
وجب على رسول اللّه مَ ◌ّم، ولم يجب علينا، قاله الطبي. وقال ميرك: يحتمل أنه أراد أنه لم تصلها على النحو الذى
تصلونها من التأخير وانتظار الاجتماع فى وقت حصول الظلام وغلبة المنام على الأنام، كذا فى المرقاة (رواه أبو داود)
وسكت عليه هو والمنذرى .
٦١٥ - قوله (وعن النعمان) بضم النون (بن بشير) مكبرا، ابن سعد بن ثعلبة الأنصارى الخزرجى أبو عبد الله
المدنى ، له ولأبويه صحة، وأمه عمرة بنت رواحة. ولد على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة ، وهو أول مولود ولد
فى الأنصار بعد قدوم النبى مَيقيم، سكن الشام، ثم ولى إمرة الكوفة. ثم حمص. وكان فصيحا. له مأة وأربعة وعشرون
حديثا ، اتفقا على خمسة، وانفرد البخارى بحديث، ومسلم بأربعة ، قتله خالد بن خلى الكلاعى بحمص يوم راهط سنة
(٦٤) أو (٦٥) أو (٦٦) وله (٦٤) سنة (أنا أعلم بوقت هذه الصلاة) هذا من باب التحدث بنعمة الله عليه بزيادة العلم
مع ما فيه من حمل السامعين على اعتماد سرويه، ولعل وقوع هذا القول منه بعد موت غالب أكابر الصحابة وحفاظهم
الذين هم أعلم بذلك منه، قاله القارى. ويحتمل أنه قال ذلك على ظن أنه لم يضبط وقت صلاة العشاء من الصحابة أحد كما
ضبطه هو بناء على أنه بحث عنه واستقرأه واجتهد فى علمه ومشاهدته ما لم ير شيئا من ذلك لأحد غيره من الصحابة
(صلاة العشاء) بالجر على البدل، وبالنصب بتقدير أعنى (الآخرة) احتراز عن المغرب (لسقوط القمر) اللام للوقت أى
وقت غروبه وغيبته (الثالثة) أى فى ليلة ثالثة من الشهر، وهو متعلق بسقوط القمر، وقيل صفة للقمر أى لسقوط القمر
الكائن ليلة ثالثة من الشهر. والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلى العشاء وقت مغيب القمر فى الليلة الثالثة من
الشهر ، وكان هذا هو الغالب، وإلا فقد علم أنه كان يعجل تارة ويؤخر أخرى حسب ما يرى من المصلحة. قال العلامة
فى تعليقه على الترمذى: قد استدل بعض علماء الشافعية بهذا الحديث على استحباب تعجيل العشاء. أنظر المجموع النووى
(ج ٣: ص ٥٥ - ٥٨) وتعقبهم ابن التركمانى فى الجوهر النقي (ج ١: ص ٤٥) فقال: إن القمر فى الليلة الثالثة يسقط بعد
مضى ساعتين ونصف ساعة ونصف سبع ساعة من ساعات تلك الليلة المجزأة على ثنتى عشرة ساعة ، والشفق الأحمر
يغيب قبل ذلك بزمن كثير فليس فى ذلك دليل على التعجيل عند الشافعية ، ومن يقول بقولهم. قال: وقد يظهر هذا النقد
ضميحا دقيقا فى بادى الرأى ، وهو صحيح من جهة أن الحديث لا يدل على تعجيل العشاء ، وخطأ من جهة حساب غروب
القمر، فلعل ابن التركمانى راقب غروب القمر فى ليلة ثالثة من بعض الشهور، ثم ظن أن موعد غروبه متحد فى كل ليلة
٣٢٠