النص المفهرس
صفحات 281-300
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
عن هذه الشجرة. رواه أحمد.
٥٧٩ - (١٤) وعن زيد بن خالد الجهنى، قال: قال رسول اللّه مريضة: من صلى سجدتين لا يسهو
فيهما؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه. رواه أحمد.
٥٨٠ - (١٥) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبى معظم أنه ذكر الصلاة يوما فقال: من
حافظ عليها، كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة .
المذكر فى مسند أحمد (عن هذه الشجرة) أى عن غصفيها (رواه أحمد) (ج ٥: ص ١٥٩) قال المنذرى فى الترغيب
(ج ١: ص ١١٩) بإسناد حسن: وفى الباب عن أبى عثمان عن سلمان عند أحمد والنسائى والطبرانى. قال المنذرى:
رواة أحمد محتج بهم فى الصحيح إلا على بن زيد .
٥٧٩ - قوله (من صلى سجدتين) أى ركعتين كما فى رواية لأحمد (لا يسهو) أى لا يغفل (فيهما) قال الطبى: أى
يكون حاضر القلب، يقظان النفس، يعلم من يناجى، وبما يناجيه، كما فى قوله مروان: تعبد الله كأنك تراه. ولهذا المعنى
خصت السجدة فى التغليب دون الركوع تلميحا إلى قوله: ﴿ واسجد واقترب - ٩٦: ١٩﴾ انتهى. قلت: قد تقدم فى
أوائل الطهارة حديث عثمان بلفظ: من توضأ نحو وضوئى هذا ثم يصلیر کعتين لا يحدث نفسه فيهما بشئ غفر له ما تقدم من
ذنبه، فلو أريد بقوله: لا يسهو فيهما أى لا يحدث فيها نفسه لكان أولى، لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضا (رواه أحمد)
(ج ٥: ص ١٩٤) وأخرجه أيضا هو فى (ج ٤: ص ١١٧) وأبو داود فى كراهية الوسوسة وحديث النفس فى
الصلاة، والحاكم بلفظ: من توضأ فأحسن وضوء، ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه. وقدسكت
عنه أبو داود ، والمنذرى.
٥٨٠ - قوله (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) قال الكرمانى: الجمهور على كتابته بالياء، وهو الفصيح عند أهل العربية.
وفى كثير من الكتب أو أكثر بحذفها - انتهى. قال القارى: والصحيح كتابته بلا ياء على ما فى النسخ الصحيحة، وهو
مبنى على حذف الياء لفظه وخطا للتخفيف كمافى نحو المتعال، أو بناء على أن أصله العوص أو العيص على ما يفهم من القاموس
(أنه ذكر الصلاة) أى أراد أن يذكر فضلها وشرفها، قاله الطبى (فقال) الفاء التفسير (من حافظ عليها) أى من أن يقع
زيغ فى فرائضها وسنتها، وداوم عليها، ولم يفتر عنها (كانت) أى صلاته أو محافظته عليها (نورا وبرهانا) تقدم معناهما
فى أوائل الطهارة. وقيل أى نورا بين يديه، مغنيا عن سؤاله عنها، وبرهانا أى دليلا على محافظته على سائر الطاعات.
وقيل : أى زيادة فى نور إيمانه، وحجة واضحة على كمال عرفانه (ونجاة) بفتح النون أى ذات نجاة ، أو جعلت نفسها
نجاة مبالغة كرجل عدل (يوم القيامة) لأن الصلاة أول ما يسئل عنه من العبادات، وكذلك نور وبرهان ونجاة له فى
٢٨١
٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
ومن لم يحافظ عليها، لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون
وهامان وأبى بن خلف. رواه أحمد، والدارمى، والبيهقى فى شعب الإيمان.
٥٨١ - (١٦) وعن عبد اللّه بن شقيق، قال:
القبر كما ورد فى الأحاديث ، فإن من مات فقد قامت قيامته، قاله القارى (ومن لم يحافظ عليها) أى على شرائطها
وأركانها، فمن تركها بالكلية فهو أولى بالمحرومية (لم تكن له نورا) إلخ، فيه أنه لا انتفاع للصلى بصلاته إلا إذا كان
محافظا عليها لأنه إذا انتفى كونها نورا وبرهانا ونجاة مع عدم المحافظة اتفى نفعها (وكان يوم القيامة) محشورا أو معذبا
فى الجملة (مع قارون) الذى منعه ماله عن الطاعة ، وهو على وزن فاعول اسم أعجمى ممتنع العجمة والعلمية، وليس بعربى
مشتق من قرنت. كان ابن عم موسى ، وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب ، وموسى هو ابن عمران
ابن قاهث. وقيل: كان عم موسى لأب وأم. وقيل: هو ابن خالة موسى. وأكثر أهل العلم على الأول. وكان يسمى
المنور لحسن صورته. وقيل: لحسن صوته بالتوراة. وكان من السبعين الذين اختارهم موسى للمناجاة ، فسمع كلام
الله ، قاله الرازى. ولم يكن فى بنى إسرائيل أقرأ للتوراة منه، فنافق كما نافق السامرى، وخرج عن طاعة موسى ، فأهلكه
البغى لكثرة ماله (وفرعون) لقب لمن ملك العمالقة أولاد عمليق بن لاوذبن إرم بن سام بن نوح، ككسرى وقيصر لملكى
الفرس والروم ، واسمه الوليد بن مصعب بن ريان كما عليه أكثر المفسرين. وفرعون يوسف عليه السلام ريان جد
فرعون موسى. وكان بينهما أكثر من أربع مائة سنة. قال المسعودى: ولا يعرف لفرعون تفسير بالعربية. وظاهر
كلام الجوهرى أنه مشتق من معنى العتو فإنه قال: والعناة الفراعنة، وقد تفرعن وهو ذو فرعنة أى دها. ومكر - انتهى.
وقيل : لأجل أن الفراعنة كانوا عاتين حتى فهم العرب من ذكرهم العتو، اشتقوا من فرعون تفرعن الرجل إذا عنا.
(وهامان) وزير فرعون، ومدير رعيته، ومشير دولته (وأبى بن خلف) بفتح الخاء عدو النبي مؤقّ الذى قتله
النبى مَ لَّه بيده يوم أحد، وهو مشرك، وقد كان واعده النبي مرَ ◌ّم بقتله، وهو بمكة، كما فى السيرة لابن هشام. وقوله مربّه
كان يوم القيامة مع قارون، كناية عن دخول النار، أى كان معهم فى النار، وإن اختلفت المحال وكيفية العذاب.
وفيه تغليظ شديد ، وتهديد عظيم لتارك المحافظة على الصلاة. واستدل به بعضهم على كفر تارك الصلاة لأن هؤلاء
المذكورين هم أشد أهل النار عذابا، وعلى تخليد تاركها فى النار كتخليد من جعل معهم فى العذاب. ويمكن أن يقال
مجرد المعية والمصاحبة لا يدل على الاستمرار والتأييد لصدق المعنى اللغوى بلبثه معهم مدة (رواه أحمد والدارمى)
إلخ. وأخرجه أيضا الطبرانى فى الكبير، والأوسط، وابن حبان فى صحيحه. قال المنذرى: إسناد أحمد جيد. وقال
الهيشمى : رجاله ثقات .
٥٨١ - قوله (وعن عبد الله بن شقيق) العقيلى البصرى ثقة، فيه نصب من الطبقة الوسطى من التابعين ، روى عن
٢٨٢
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
كان أصحاب رسول اللّه مَّم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذى.
٥٨٢ - (١٧) وعن أبى الدرداء، قال: أوصانى خليلى أن لا تشرك بالله شيئا. وإن قطعت
وحرقت. ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدا، فمن تركها متعمدا، فقد برئت منه الذمة.
عمر، وعثمان وعلى وأبى ذر وأبى هريرة وعائشة وابن عباس وغيرهم. مات سنة (١٠٨) وقيل: غير ذلك. قال
الجريرى: كان عبد الله بن شقيق مجاب الدعوة، كانت تمر به السحابة فيقول اللهم لا تجوز كذا وكذا حتى تمطر ، فلا تجوز
ذلك الموضع حتى تمطر. حكاه أبن أبي خيثمة فى تاريخه (كان أصحاب رسول اللّه مَّ) منهم عمر ، وابن مسعود وابن
عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء وعلى (لا يرون) من الرأى أى لا يعتقدون (شيئا) مفعوله
(من الأعمال) صفة شيئا (تركه كفر) صفة أخرى شيئا (غير الصلاة) استثناء، والمستثنى منه الضمير الراجع إلى شيئا
قاله الطبي. والمراد ضمير تركه. والحديث فيه دليل ظاهر على أن الصحابة رضى الله تعالى عنهم كانوا يعتقدون أن ترك
الصلاة كفر. والظاهر من الصيغة أن هذه المقالة اجتمع عليها الصحابة، لأن قوله: كان أصحاب رسول اللّه مؤالتي، جمع مضاف،
وهو من المشعرات بذلك. قال محمد بن نصر المروزى: سمعت إسحاق يقول: صح عن النبي ◌ٍَّ أن تارك الصلاة كافر.
وكذلك كان رأى أهل العلم من لدن النبى مُؤثّ أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. وقال ابن
حزم: وقد جاء عن عمر. وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبى هريرة وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم: أن من
ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد ، ولا نعلم لهؤلاء من الصحابة مخالفا - انتهى.
(رواه الترمذى) فى الايمان ، ولم يتكلم عليه، ورواته ثقات أثبات. وأخرجه أيضا الحاكم، وصححه على شرطهما.
وذكره الحافظ فى التلخيص والمنذرى فى الترغيب، ولم يتكلما عليه.
٥٨٢ - قوله (أوصانى خللى) لما كان هذا الحديث فى الوصية متناهيا، والزجر عن رذائل الأخلاق جامعا
وضع ((خليلى، مكان ((رسول اللّه مَّة) إظهارالغاية تعطقه وشفقته، قاله الطبي (أن لا تشرك) بالجزم على أنه صيغة
نهى، وأن تفسيرية لأن فى ((أوصى، معنى القول. ويجوز النصب على أنه صيغة مضارع، وأن ناصبة مصدرية، والمراد
أن لا تظهر الشرك (وإن قطعت) بالتشديد ويخفف (وحرقت) بالتشديد لا غير. وهذا يدل على أنه ينبغى اختيار
الموت والقتل دون إظهار الشرك، وهو وصية بالأفضل والعزيمة ، فإنه يجوز التلفظ بكلمة الكفر والشرك عند الإكراه
لقوله تعالى {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان - ١٦: ١٠٦ ﴾ (متعمدا) احتراز عن الخطأ، والنسيان والنوم
والضرورة وعدم القدرة (فقد برئت منه الذمة) كناية عن الكفر تغليظا، قاله الطبي. أو المراد منه الأمان من التعرض
بالقتل أو التعزير، كذا فى المرقاة. وقال الجزرى: الذمه والذمام هما بمعنى العهد والأمان، والضمان والحرمة والحق،
وسمى أهل الذمة لدخولهم فى عهد المسلمين وأمانهم. وحديث: فقد برتت منه الذمة. أى أن لكل أحد من اللّه عهدا بالحفظ
٢٨٣
مرعاة المفاتيح ج٢
٤ - كتاب الصلاة
١ - باب المواقيت
ولا تشرب الخمر، فإنها مفتاح كل شر. رواه ابن ماجه.
(١) باب المواقيت
والكلاءة، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة، أو فعل ما حرم الله تعالى، أو خالف ما أمر به، خذلته ذمة الله تعالى
(ولا تشرب الخمر) قال الطيبي: قرن ترك الصلاة وشرب الخمر، مع الشرك إيذانا بأن الصلاة عمود الدين ، وتر کها
ثلة فى الدين. وأن شرب الخمر كعبادة الوثن، ولأن أم الأعمال ورأسها الصلاة، وأم الخبائث الخمر فأنى يجتمعان؟
قال تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر - ٢٩ -٠ ٤٥) فالصلاة مفتاح كل خير، والخمر مفتاح كل شر، أى
لأنها تزيل العقل فلا يالى بشئى، فقد انفتح له باب الشر بعد أن كان مغلقا بقيد العقل (رواه ابن ماجه) فى الفتن من
حديث شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبى الدرداء. قال فى الزوائد: إسناده حسن، وشهر مختلف فيه. وقال الحافظ
فى التلخيص (ص ١٧٢): فى إسناده ضعف. ورواه الحاكم فى المستدرك من طريق جبير بن نفير عن أميمة مولاة
رسول اللّه مَّ، قالت: بينا رسول الله وَلَّل جالسا إذ دخل عليه رجل، فقال: إنى أريد الرجوع إلى أهلى فأوصنى،
فذكر نحوه مطولا. ورواه أحمد والبيهقى من حديث مكحول، عن أم أيمن. وفيه انقطاع. ورواه الطبرانى من حديث
عبادة بن الصامت، ومن حديث معاذ بن جبل، وإسنادهما ضعيفان - انتهى. وقال المنذرى بعد ذكر حديث عبادة:
رواه الطبرانى ومحمد بن نصر فى كتاب الصلاة بإسنادين لا بأس بهما .
(باب المواقيت) أى باب بيان مواقيت الصلاة، جمع ميقات وهو مفعال من الوقت. والمراد به الوقت الذى
عينه اللّه لأداء هذه العبادة، وهو القدر المحدود للفعل من الزمان. قال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا
موقوتا - ٤: ١٠٣) أى مفروضا فى أوقات معينة معلومة، فأجمل ذكر الأوقات فى هذه الآية، وبينها فى مواضع أخر
من الكتاب من غير ذكر تحديد أوائلها وأواخرها، وبين على لسان الرسول مؤ تم تحديدها ومقاديرها. قال تعالى:
﴿أقم الصلاة طر فى النهار وزلفا من الليل - ١١: ١١٤) وقد تقدم تفسيره. وقال تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك
الشمس﴾ أى الظهر والعصر (إلى غسق الليل) أى المغرب والعشاء (وقرآن الفجر - ١٧: ٧٨ ) أى صلاة الفجر.
وقال تعالى: ﴿فسبحان اللّه حين تمسون﴾ فيه ذكر المغرب والعشاء (وحين تصبحون﴾ فيه ذكر الصبح (وعشيا)
يعنى العصر ﴿وحين تظهرون - ٣٠: ١٧، ١٨) يعنى الظهر. وقال تعالى: ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس)
يعنى الفجر ﴿ وقبل غروبها﴾ يعنى العصر (ومن آناء الليل) هو مثل قوله: (زلفا من الليل) (فسح وأطراف النهار -
٢٠ : ١٣٠) فيه ذكر الظهر. والجمع باعتبار وقوع صلاة الظهر تارة فى أول وقتها، وأخرى فى غيره، لجمعية الأطراف
باعتبار الساعات كجمعية الآناء والزلف.
صـ
٢٨٤
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
١ - باب المواقيت
{{ الفصل الأول )
٥٨٣ - (١) عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول اللّه مؤلّ: وقت الظهر إذا زالت الشمس،
وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر. ووقت العصر ما لم تصفر الشمس. ووقت صلاة
المغرب ما لم يغب الشفق.
٥٨٣ - قوله (وقت الظهر) أى أول وقنه، وسميت بالظهر لفعلها فى وقت الظهيرة (إذا زالت الشمس) أى حين
مالت عن بطن السماء ووسطه المسمى بلوغها إليه بحالة الاستواء، إلى جهة المغرب باعتبار ظهوره لنا بزيادة ظل الاستواء
إلى جهة المشرق. والميل إلى جهة المغرب هو الدلوك الذى أراده تعالى بقوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس) وهذا
بيان لأول وقت الظهر (وكان) أى صار (ظل الرجل كطوله) أى قريبا منه. ويستمر ويمتد وقتها إلى أن يصير ظل كل
شئى مثله. وذكر الرجل فى الحديث تمثيلا. وهذا تعريف لآخر وقتها. فقوله: وكان ، عطف على زالت ، أى
ويستمر وقت الظهر إلى صيرورة ظل الرجل قدر قامته (ما لم يحضر العصر) أى وقته وحضوره. بمصر ظل كل شئ مثله ،
كما يفيده مفهوم هذا، وصريح غيره. قال الأبهرى: قوله مالم يحضر العصر، بيان وتأكيد لقوله: وكان ظل الرجل
كطوله، ثم المراد بالظل الظل الحادث، أو مطلق الظل، ويلائمه قوله: ما لم يحضر العصر، أى وقته، وهو الظل الحادث لطول:
الرجل. وهذا الحديث يدل على أنه لا فاصلة بين وقت الظهر ووقت العصر، ولا اشتراك بينهما ، بل متى خرج وقت
الظهر دخل وقت العصر، وإذا دخل وقت العصر لم يبق شئ من وقت الظهر. وأما حديث جبريل فى الفصل الثانى الذى
يدل على الاشتراك فسيأتى الجواب عنه. وعلى أن لا كراهة فى تأخير الظهر إلى آخر الوقت (ووقت العصر) أى يستمر
من دخوله بما ذكر من صيرورة ظل الرجل كطوله إلى (ما لم تصفر) يفتح الراء المشددة وتكسر (الشمس) والمراد به
وقت الاختيار لقوله ◌َّه: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، أى مؤداة. ولما
فى رواية لمسلم من زيادة: ويسقط قرنها الأول. قال النووي: فيه دليل لمذهب الجمهور أن وقت العصر يمتد إلى غروب
الشمس. والمراد بقرنها جانبها. وفيه أن العصر يكون أداء ما لم يغب الشمس (ووقت صلاة المغرب) يمتد ويستمر
من غروب الشمس (ما لم يغب الشفق) هو الحمرة التى تلى الشمس بعد الغروب لما روى ابن عمر عن النبي ◌َّ، قال:
الشفق الحمرة ، رواه الدار قطنى ، وصحيح ابن خزيمة ، وغيره وقفه على ابن عمر. قال البيهقى: روى هذا الحديث عن
على وعمر وابن عباس وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبى هريرة ولا يصح منها شئ. قال الأمير اليمانى:
البحث لغوى والمرجع فيه إلى أهل اللغة ، وابن عمر من أهل اللغة، وقح العرب ، فكلامه حجة ، وإن كان موقوفا عليه.
وفى القاموس: الشفق - محركة - الحمرة فى الأفق من الغروب إلى العشاء، وإلی قریبها، أو إلی قریب العتمة - انتهى. وقال.
٢٨٥
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
١ - باب المواقيت
C
ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط. ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع
الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة؛ فإنها تطلع بين قرنى الشيطان. رواه مسلم.
الخليل : الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء، فإذا ذهب قيل: غاب الشفق. وقال الفراء: سمعت العرب
يقول: عليه ثوب كأنه الشفق، وكان أحمر - انتهى. وبه قال الشافعى، ومالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد. قال
القارى: وبه يفتى. وقال فى الدر: الشفق هو الخمرة. وبه قال الثلاثة، وإليه رجع الامام كما هو فى شروح المجمع
وغيره، فكان هو المذهب. قال صدر الشريعة: وبه يفتى. وفى المواهب: وعليه الفتوى. ورجحه فى البرهان. وفيه
دليل على أن وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق ، ولا يعارضه حديث جبريل الآتى الدال على عدم الامتداد
والاتساع، لأنه اقتصر على بان وقت الاختيار، ولم يستوعب وقت الجواز. وهذا جار فى كل الصلوات سوى الظهر.
ولأنه متقدم فى أول الأمر بمكة ، وحديث عبد الله بن عمرو هذا وأمثاله بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق
متأخرة فى أواخر الأمر بالمدينة، فوجب اعتمادها. ولأن أحاديث الامتداد أصح إسنادا من حديث جبريل فوجب
تقديمها (ووقت صلاة العشاء) من غيبوبة الشفق يستمر (إلى نصف الليل الأوسط) المراد به الأول، والأوسط صفة
النصف. وفيه دليل على أن آخر وقت العشاء إلى نصف الليل، وقد ثبت فى الحديث التحديد لآخره بثلث الليل لكن
أحاديث النصف صحيحة، فيجب العمل بها. واحتج به أبو سعيد الأصطخرى على أن وقت العشاء إلى نصف الليل فقط ،
وعند غيره محمول على بيان وقت الاختيار. وأما وقت الجواز فيمتد إلى طلوع الفجر لما روى أبو قتادة مرفوعا: إنما
التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئى وقت الصلاة الأخرى. قال الحافظ: عموم حديث أبى قتادة مخصوص
بالاجماع فى الصبح، فللا صطخرى أن يقول: إنه مخصوص بالحديث المذكور وغيره من الأحاديث فى العشاء، قال: ولم أر
فى امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثا صريحا يثبت - انتهى (ووقت صلاة الصبح) أى أوله (من طلوع الفجر)
أى الصادق، ويستمر إلى (ما لم تطلع الشمس) أى شئى منها ، ففى رواية: ما لم يطلع قرن الشمس الأول (فإذا طلعت
الشمس) أى أرادت الطلوع (فإنها تطلع بين قرنى الشيطان) أى ناحيتى رأسه، وذلك لأن الشيطان يرصد وقت طلوع
الشمس فينتصب قائما فى وجه الشمس ، ويد لى رأسه إليها فى وقت الطلوع فيكون فى مقابلة من يعبد الشمس ويسجد له ،
فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، فنهى التى مَ ◌ّ أمته عن الصلاة فى ذلك الوقت لتكون صلاة من يعبد الله فى
غير وقت عبادة من يعبد الشيطان. وفى تأويله وجوه أخرى ذكرها الخطابى فى المعالم (ج ١: ص ١٣١،١٣٠)
والمختار ما ذكرناه. وارجع إلى تأويل مختلف الحديث (ص ١٥٤ - ١٥٦). لابن قتيبة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا
أحمد ، وأبو داود، والنسائى لكن ليس عندهما: فإذا طلعت الشمس، إلخ.
٢٨٦
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
١ - باب المواقيت
٥٨٤ - (٢) وعن بريدة، قال: إن رجلا سأل رسول اللّه مَّم عن وقت الصلاة. فقال له: صل
معنا هذين - يعنى اليومين - فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام
العصر، والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام
العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما أن كان اليوم الثانى أمره:
فأبرد بالظهر، فأبرد بها - فأنعم أن يبرد بها - وصلى العصر والشمس مرتفعة - أخرها فوق الذى كان -
وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق،
٥٨٤ - قوله (عن وقت الصلاة) أريد به الجنس أى الصلوات الخمس (صل معنا هذين يعنى اليومين) وفى رواية
النسائى: هذين اليومين ، بغير زيادة يعنى أى لتعلم أوقات الصلاة كلها أوائلها وأواخرها، ووقت الفضيلة، والاختيار،
وغيرهما بالمشاهدة التى هى أقوى من السماع (فلما زالت الشمس) عن حد الاستواء وبطن السماء من اليوم الأول (أمر بلالا)
بالأذان (ثم أمره) بالاقامة (فأقام الظهر) بنزع الخافض أى للظهر (ثم أمره) أى فى أول وقت العصر (فأقام العصر)
أى بعد أن أذن له، وتركه اختصارا أو اعتمادا على ذكره فى الأول (والشمس مرتفعة) الجملة حالية أی صلی فی أول وقته
(بيضاء) أى لم تختلط بها صفرة (نقية) أى صاف لونها بحيث لم يدخلها تغير (فأقام الفجر) أى لصلاة الفجر (حين طلع الفجر) أى
الصادق (فل) أن كان اليوم الثانى) أن زائدة، وكان قيل تامة أى فلما وجد أو حصل ، ويحتمل أنها ناقصة ، واسمها ضمير
الزمان، أى فلما كان الزمان اليوم الثانى (أمره) أى بالإيراد وهو جواب لما (فأبرد بالظهر) على صيغة الأمر أى فقال
له أبرد بالظهر. قال القارى: وفى نسخة فأبرد على صيغة الماضى أى فأمره بالإيراد فيكون تفسير الأمر وتأكيدا
(فأبرد بها) أى بصلاة الظهر. والايراد هو الدخول فى البرد، والباء للتعدية أى إدخالها فى البرد. وقال الخطابي:
الإيراد أن يتفيأ الأفياء، وينكسر وهج الحر، فهو برد بالإضافة إلى حر الظهيرة، ذكره الطبي (فأنعم) أى أفضل. وزاد
وبالغ. قال الجزرى: أى أطال الايراد وأخر الصلاة. ومنه قولهم: أنعم النظر فى الشئى إذا أطال التفكر فيه
(أخرما) بالتشديد أى أخر صلاة العصر فى اليوم الثانى (فوق الذى) أى التأخير الذى (كان) أى وجد فى اليوم الأول
بأن أوقتها حين ضار ظل الشئى مثليه كما بينته الروايات الآخر ، أو التقدير: كان أخرها بالأمس يريد أن صلاة العصر
بالأمس كانت مؤخرة عن الظهر، لا أنها كانت مؤخرة عن وقتها. والحاصل أنه أخر عصر اليوم الثانى تأخيرا هو
فوق التأخير الذى كان. وتحقق ذلك التأخير فى اليوم الأول، وتأخير اليوم الأول ليس بالنظر إلى أول وقت العصر
وإنما هو بالنظر إلى وقت الزوال، فإنه كان صلاها فى اليوم الأول حين كان ظل الشئ مثله (قبل أن يغيب الشفق) أى
٢٨٧
٠٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
١ - باب المواقيت
وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر وأسفر بها. ثم قال: أين السائل عن وقت
الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله! قال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم. رواه مسلم.
الفصل الثانى )
٥٨٥ - (٣) عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه مَّه: أمنى جبرئيل عند البيت مرتين. فصلى
بى الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك
صلاها فى آخر الوقت (فأسفر بها) أى أدخلها فى وقت إسفار الصبح، أى انكشافه وإضاءته (فقال الرجل أنا) هذا
كناية عن حضوره عنده، والتقدير أنا حاضر عندك (وقت صلاتكم) لعله جمع الضمير إشعارا بأن الحكم عام
(بين ما رأيتم) أى بين وقت الشروع فى المرة الأولى، ووقت الفراغ فى المرة الثانية. وهذا محمول على بيان الوقت
المختار، إذ يجوز صلاة الظهر بعد الايراد التام ما لم يدخل وقت العصر. ويجوز العصر بعد ذلك التأخير الذى هو
فوق ما لم تغرب الشمس ، ويجوز صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر على قول الجمهور، أو إلى نصف الليل على قول
الأصطخرى بناء على الحديث السابق، وصلاة الفجر بعد الإسفار ما لم تطلع الشمس (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد
(ج ٥: ص ٣٤٩) وابن الجارود ، والترمذى، وصححه ، والنسائى ، وابن ماجه.
٥٨٥ - قوله (أمنى) بتشديد الميم، أى صار إماما لى (عند البيت) وفى رواية للشافعى فى الأم: عند باب الكعبة
(مرتين) أى فى يومين ليعرفنى كيفية الصلاة وأوقاتها (فصلى بى الظهر) الباء للصاحبة والمعية، أى صلى معى، وكان إمامة
جبريل بالنبي مَّه فى اليوم الذى يلى ليلة الإسراء، وأول صلاة أديت كذلك الظهر على المشهور، ولذلك سميت الأولى.
قبل: ابتدأ بأداء صلاة الظهر مع أن فرض الصلاة كان ليلا، وقياسه أن أول صلاة وجبت الصبح لأن الصلاة لما لم تبين
حينئذ لم يلزم أداء صلاة الفجر لعدم الاحاطة بكيفيتها، لأن أداء الوجوب متوقف على على الكيفية، وهو لم يقع إلا فى
الظهر بصلاة جبريل، فهى التى أول صلاة وجبت ، ولا حاجة إلى بيان النكتة عند من يقول: إن رسول الله {به كان
يصلى الفجر والعصر قبل الإسراء على صفة الفريضة (وكانت) الضمير للشمس، والمراد منها الفقى لأنه بسببها ، ففيه تجوز
بينته رواية الترمذى: وكان الفتى قدر الشراك. والفتى هو الظل، ولا يقال إلا للراجع منه ، وذلك بعد الزوال
(قدر الشراك) أى كان الفتى مثل شراك النعل، وهو بكسر الشين أحد سيور النعل الذى على وجهها. وهذا على وجه
التقريب لا التحديد، لأن زوال الشمس لا يتبين إلا بأقل مما يرى من الظل فى جانب المشرق، وكان حينئذ بمكة هذا القدر
والظل يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فكل بلد هو أقرب إلى خط الاستواء ومعدل النهار كان الظل فيه أقصر،
وكل بلد كان أبعد عنهما إلى جانب الشمال كان فيه أطول، قاله ابن الملك. وقال الطيبي: وإنما يتبين ذلك فى مثل مكة
٢٨٨
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
١ - باب المواقيت
وصلى بى العصر حين صار ظل كل شئ مثله، وصلى بى المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بى العشاء
حين غاب الشفق، وصلى بى الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم. فلما كان الغد؛ صلى بى
الظهر حين كان ظله مثله،
من البلاد التى يقل فيها الظل، فإذا كان أطول النهار، واستوت الشمس فوق الكعبة لم ير لشئى من جوانبها ظل - انتهى.
والمراد منه أن وقت الظهر حين يأخذ الظل فى الزيادة بعد الزوال (وصلى بى العصر حين صار ظل كل شئ مثله) أى بعد
ظل الزوال، فيه دليل على أن أول وقت العصر من حين يصير ظل كل شئ مثله. وبه قال الأئمة الثلاثة ، وأبو يوسف
ومحمد والحسن وزفر والطحاوى وغيرهم، وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة على ما فى عامة الكتب. ورواية محمد عنه على
ما فى المبسوط. كذا فى حلية المحلى لابن أمير الحاج. وفى غرر الأذكار: هو المأخوذ به. وفى البرهان: هو الأظهر. وفى
الغيض للكركى: عليه عمل الناس اليوم ، وبه يفتى. كذا فى الدر المختار. والمشهور عن أبى حنيفة أنه لا يدخل وقت
العصر حتى يصير ظل كل شئ مثليه. قال الحافظ: لم ينقل عن أحد من أهل العلم مخالفة فى ذلك إلا عن أبى حنيفة ،
فالمشهور عنه أن أول وقت العصر مصير ظل كل شئى مثليه بالشفية - انتهى. قلت: والرواية الثانية عنه كذهب الجمهور كما
تقدم. قال بعض الحنفية: ونقل السيد أحمد الدحلان رجوع الامام إلى هذه الرواية عن خزانة المفتين والفتاوى الظهيرية،
وهما من المعتبرات ، قال وبها أفتى صاحب الدر المختار ، ورد عليه ابن عابدين بأنها خلاف ظاهر الرواية فلا يفتى بها
وقال الأرجح عندى ما اختاره صاحب الدر المختار - انتهى. وقال الشيخ رشيد أحمد الكتكوهى: الدليل يرجح
قولهما ، وما استدل به على رواية المثلين لا يخلو شتى منها عن شئ. ثم قال بعد تنقيد ما احتجوا بها على المثلين من
الروايات والجواب عنها: فالتحقيق الذى ارتضاه المحققون أن الصحيح من المذهب هو العمل برواية المثل فى الظهر ويدخل
بعده وقت العصر - انتهى. وقال الشيخ عبد الحى اللكنونى فى التعليق الممجد بعد ذكر ما استدلوا بها من الأحاديث على
المثلين ، والتعقب عليها: والإنصاف فى هذا المقام أن أحاديث المثل صريحة صحيحة وأخبار المثلين ليست صريحة فى أنه
لا يدخل وقت العصر إلا بالملين، وأكثر من اختار المثلين إنما ذكر فى توجيهه أحاديث استنبط منها هذا الأمر،
والأمر المستبط لا يعارض الصريح. وقد أطال الكلام فى هذا المبحث صاحب البحر الرائق فيه وفى رسالة مستقلة، فلم
يأت بما يفيد المدعى ويثبت الدعوى (حين أفطر الصائم) أى دخل وقت إفطاره بأن غابت الشمس ودخل الليل، لقوله
﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل- ١٨٧:٢) وفى رواية الترمذى: حين وجبت الشمس وأنطر الصائم، وهو عطف تفسير إذ
بوجوبها أى سقوطها وغروبها يدخل وقت الإفطار (حين حرم الطعام والشراب على الصائم) يعنى أول طلوع الفجر الثانى
(فلما كان الغد) أى اليوم الثانى (صلى بى الظهر حين كان ظله) أى ظل كل شئى (مثله) أى مع فتى الزوال. وقال القارى: أى قريبا منه
٢٨٩
1
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤- كتاب الصلاة
١ - باب المواقيت
وصلى بى العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بى المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بى العشاء إلى
ثلث الليل، وصلى بى الفجر فأسفر. ثم التفت إلى، فقال: يا محمد! هذا وقت الأنبياء من قبلك،
والوقت ما بين هذين الوقتين .
من غير الفئ. قال الطيبي: ليس المراد بعد ظل الزوال ، فلا يلزم كون الظهر والعصر فى وقت واحد - انتهى. وقال
السندى فى خاشية النسائى: قوله: صلى به الظهر أى فرغ منها. وأما فى العصر الأول فالمراد بقوله: صلى، شرع فيها،
وهذا لأن تعريف وقت الصلاة بالمرتين يقتضى أن يعتبر الشروع فى أولى المرتين والفراغ فى الثانية منهما ليتعين بهما الوقت
ويعرف أن الوقت من شروع الصلاة فى أولى المرتين إلى الفراغ منها فى المرة الثانية. وهذا معنى قول جبريل أى فى
حديث أبى هريرة : الصلاة ما بين صلاتك أمس وصلاتك اليوم ، أى وقت الصلاة من وقت الشروع فى المرة الأولى
إلى وقت الفراغ فى المرة الثانية. وبهذا ظهر صحة هذا القول فى صلاة المغرب ، وإن صلى فى اليومين فى وقت واحد.
وسقط ما يتوهم أن لفظ الحديث يعطى وقوع الظهر فى اليوم الثانى فى وقت صلاة العصر فى اليوم الأول، فيلزم التداخل أى
الاشتراك فى الأوقات، وهو مردود عند الجمهور، ومخالف لحديث: لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت صلاة أخرى
ومخالف لحديث مسلم بلفظ: وقت الظهر ما لم يحضر العصر. أو النسخ، وهو يفوت التعريف المقصود بإمامة جبريل مرتين ،
فإن المقصود فى أولى المرتين تعريف أول الوقت، وبالثانية تعريف آخره، وعند النسخ لا يحصل ذلك، على أن قوله:
والصلاة ما بین صلاتك، إلخ. تصريح فىرد القول بالنسخانتهى. وبنحو ذلك قرره الخطابى فى المعالم، والنووى وغيره
(وصلى فى العصر حين كان ظله) أى ظل الشئى (مثليه) أى غير ظل الاستواء (إلى ثلث الليل) أى منتهيا إليه. وقيل
إلى بمعنى مع أو بمعنى فى، ووقع فى رواية الترمذى: حين ذهب ثلث الليل (فأسفر) أى أضاء به، أو دخل فى وقت الاسفار.
والظاهر أنه صلى الفجر بحيث وقع الفراغ عند الاسفار، فضبط آخر الوقت بالفراغ من الثانية كما ضبط أو له بالشروع
فى الأولى (هذا) أى ما ذكر من الأوقات الخمسة (وقت الأنبياء من قبلك) قال ابن العربى فى عارضة الأحوذي (ج ١:
ص ٢٥٧، ٢٥٨): ظاهره يؤهم أن هذه الصلوات فى هذه الأوقات كانت مشروعة لمن قبله من الأنبياء، والأمر ليس
كذلك، وإنما معنى هذا وقتك المشروع لك، يعنى الوقت الموسع المحدود بطرفين الأول والآخر، وقوله: وقت
الأنبياء قبلك: يعنى ومثله وقت الأنبياء قبلك، أى كانت صلاتهم واسعة الوقت وذات طرفين مثل هذا وإلا فلم تكن هذه
الصلوات على هذا الميقات إلا بهذه الأمة خاصة ، وإن كان غيرهم قد شاركهم فى بعضها - انتهى. وقال ابن حجر أى
المكى: هذا باعتبار التوزيع بالنسبة لغير العشاء إذ مجموع هذه الخمس من خصوصياتنا، وأما بالنسبة إليهم فكان ما عدا
العشاء مفرقا فيهم، وقيل: الاختصاص بالنسبة إلى الأمم دون الأنياء، فالأنياء كانوا يصلون العشاء نافلة لهم (والوقت)
المختار والمستحب (ما بين) وفى رواية الترمذى فيما بين (هذين الوقتين) إشارة إلى أول آن الشروع فى اليوم الأول
٢٩٠
!
مرعاة المفاتيح ج ٢
. ٤ - كتاب الصلاة
١ - باب المواقيت
رواه أبو داود، والترمذى.
الفصل الثالث )
٥٨٦ - (٤) عن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئا،
وآخر آن الفراغ فى اليوم الثانى (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى (والترمذى) وقال: حديث حسن، وفى
بعض النسخ حديث حسن محمیح، و مصحه أيضا ابن عبد البر ،وابن العربى فى شرح الترمذى (ج ١: ص ٢٥١،٢٥٠)
وقال : رواة حديث ابن عباس هذا كلهم ثقات مشاهیر ، لا سیما وأصل الحديث صحيح فى ملاة جبريل بالنى ڭے ،
وإنما هذه الرواية تفسير مجمل ، وإيضاح مشكل. وقال ابن عبد البر فى التمهيد: وقد تكلم بعض الناس فى حديث ابن
عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم. وارجع لتفصيل الكلام عليه إلى التلخيص (ص ٦٤)
والنيل (ج ١: ص ٢٨٩) ونصب الراية (ج ١: ص ١١٦) والحديث أخرجه أيضا الشافعى وأحمد، وابن الجارود
وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما والدار قطنى والحاكم، وفى الباب عن جابر عند أحمد والترمذى والنسائى والحاكم
وأبى هريرة عند النسائى والدارقطنى، وأبى سعيد عند أحمد والطبرانى فى الكبير.
٥٨٦ - قوله (عن ابن شهاب) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد اله بن الحارث بن
زهرة بن كلاب القرشى الزهرى المدنى، وكنيته أبو بكر، التابعى الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه. مات فى رمضان
سنة (١٢٤) روى عن ابن عمر ، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وسعيد بن المسيب ، وأبى
أمامة بن سهل ، وطبقتهم من صغار الصحابة ، وكبار التابعين، وروى عنه الأوزاعى، والليث، ومالك، وابن عيينة،
وغيرهم. قال أبو داود: حديثه ألفان ومائتان ، النصف فيها مسند. قال عمر بن عبد العزيز: لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية
من الزهرى. وقال مالك: بقى ابن شهاب وما له فى الدنيا نظير، وفضائله كثيرة ، بسط ترجمته الحافظ فى التهذيب
(ج ٩: ص ٤٤٥ - ٤٥١) والذهبي فى التذكرة (ج ١: ص ٩٦ - ١٠٠) وابن خلكان فى تاريخه (ج ١: ص٤٥١، ٤٥٢)
(أن عمر بن عبد العزيز) بن مروان الأموى، أحد الخلفاء الراشدين ، وفى رواية عبد الرزاق عن معمرعن ابن شهاب،
قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز، فذكره، وفى رواية شعيب عن الزهرى سمعت عروة يحدث عمر بن عبد العزيز
الحديث (أخر العصر) وهو يومئذ أمير المدينة فى زمان الوليد بن عبد الملك، وكان ذلك زمان يؤخر فيه الصلاة بنوأمية
(شيئا) أى تأخيرا يسيرا، أو شيئا قليلا من الزمان ، يعنى أخر شيئا حتى خرج الوقت المستحب لا أنه أخرها حتى
غربت الشمس ، وفى رواية للبخارى: أخر الصلاة يوما ، وفى رواية عبد الرزاق: مرة ، وظاهر السياقين أنه فعل ذلك
يوما ما لا أن ذلك كان عادة له، وإن كان أهل بيته معروفين بذلك، وفى رواية أبى داود: وكان قاعدا على المنبر فأخر
٢٩١
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
١ - باب المواقيت
فقال له عروة: أما إن جبرئيل قد نزل فصلى أمام رسول اللّه مَّى، فقال له عمر: اعلم ما تقول
يا عروة! فقال سمعت بشير بن أبى مسعود، يقول: سمعت أبا مسعود، يقول: سمعت رسول الله
وَلّ يقول: نزل جبرئيل فأمنى، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم
صليت معه ،
-
العصر شيئا، وفيها إشارة إلى سبب تأخيره وهو اشتغاله بشئ من مصالح المسلمين (فقال له عروة) أى ابن الزبير (أما)
بالتخفيف حرف استفتاح بمنزلة ألا (قد نزل) صبيحة ليلة الإسراء (فصلى أمام رسول اللّه مَّةٍ). قال السيوطى: لا
إشكال فى فتح همزة ((أمام، بل فى كسرها لأن اضافة أمام معرفة والموضع موضع الحال فيوجب جعله نكرة بالتأويل
كغيره من المعارف الواقعة أحو الاكاً رسلها العراك، وقال السندهى بكسر الهمزة، وهو حال لكون إضافته لفظية
نظرا إلى المعنى، أو بفتح الهمزة، وهو ظرف ، والمعنى يميل إلى الأول، قلت: ويؤيده قوله فى الحديث: فأمنى،
ومقصود عروة بذلك أن أمر الأوقات عظيم قد نزل لتحديدها جبريل، فعلها النبي مَّ بالفعل ، فلا ينبغى التقصير فى
مثله (اعلم) أمر من العلم أى كن حافظا ضابطا له، ولا تقله عن غفلة، أو من الإعلام أى بين لى حاله وإسنادك فيه
(ما تقول يا عروة) الظاهر أنه استبعاد لإخبار عروة بنزول جبريل بدون الإسناد، فكأنه غلظ عليه بذلك مع عظيم
جلالته إشارة إلى مزيد الاحتياط فى الرواية لئلا يقع فى محظور الكذب على رسول مد لله وإن لم يتعمد ، وزاد فى
رواية للبخارى وغيره: أو أن جبريل هو الذى أقام لرسول اللّه مَّه وقت الصلاة (فقال) أى عروة (سمعت بشير بن
أبى مسعود) عقبة بن عمرو الأنصارى، ذكره ابن مندة فى الصحابة، وجزم ابن عبد البر بأنه ولد على عهد النبي مَ ◌ّم،
وجزم البخارى، والعجلى ، ومسلم ، وأبو حاتم الرازى بأنه تابعى، وذكره ابن حبان فى الثقات فى التابعين ، وذكره
الحافظ فى القسم الثانى من حرف الباء فى ذكر من له رؤية من الإصابة (ج ١: ص١٦٨) (سمعت أبا مسعود) تقدم ذكره
(يقول: سمعت رسول اللّه مَّه يقول: نزل جبرئيل فأمنى، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت
معه ، ثم صليت معه) قال الطبى: معنى إيراد عروة الحديث أنى كيف لا أدرى ما أقول وأنا صحبت وسمعت ممن صحب
وسمع ممن صاحب رسول اللّه مَّم، وسمع منه هذا الحديث، فعرفت كيفية الصلاة وأوقاتها وأركانها - انتهى. قال
القرطبي: قول عروة: أن جبريل نزل، ليس فيه حجة واضحة على عمر بن عبد العزيز، إذ لم يبين له الأوقات ، قال:
وغاية ما يتوهم عليه أنه نبهه وذكره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بعد لإنكار عمر على عروة حيث
قال له: اعلم ما تحدث يا عروة. قال: وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل. قال الحافظ فى
الفتح: لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المستمر،
٢٩٢
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
١ - باب المواقيت
يحسب بأصابعه خمس صلوات. متفق عليه.
٥٨٧ - (٥) وعن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أنه كتب إلى عماله أن أهم أموركم عندى
الصلاة ؛ من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبين جبريل بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد.
قال: وورد فى هذه القصة بيان أبى مسعود للأ وقات ، وفى ذلك ما يرفع الإشكال ، ويوضح توجيه احتجاج عروة به،
فروى أبو داود والدار قطنى وابن خزيمة والطبرانى، عن أسامة بن زيد ، عن الزهرى هذا الحديث ، وزاد فى آخره:
قال أبو مسعود: فرأيت رسول اللّه مَّم يصلى الظهر حين تزول الشمس، فذكر الحديث، ويعضد رواية أسامة
ويزيد عليها أن البيان من فعل جبرئيل، ما رواه الباغندى فى مسند عمر بن عبد العزيز والبيهقى فى السنن الكبرى من طريق
يحيى بن سعيد الأنصارى، عن أبى بكر بن حزم أنه بلغه عن أبى مسعود فذكره منقطعا، لكن رواه الدارقطنى والطبرانى
فى الكبير من طريق آخر ، عن أبى بكر بن حزم، عن عروة ، فرجع الحديث إلى عروة ووضح أن له أصلا وأن فى
رواية مالك ومن تابعه اختصارا، وبذلك جزم ابن عبد البر - انتهى كلام الحافظ بتلخيص وزيادة يسيرة. قلت: رواية
الطبرانى ذكرها الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١: ص ٣٠٥، ٣٠٦) وقال بعد إيرادها: فى الصحيح أصله من غير بيان
لأول الوقت وآخره، وفى رواية الطبرانى هذه (وكذا فى رواية الدارقطنى) أيوب بن عتبة، ضعفه ابن المدينى، ومسلم،
وجماعة، ووثقه عمرو بن على فى رواية، وكذلك يحيى بن معين فى رواية وضعفه في روايات، والأكثر على تضعيفه
انتهى (يحسب) بضم السين مع التحثانية من الحساب، والظاهر أن فاعله النبي تؤثّ أى يقول ذلك حال كونه يحسب
تلك المرات بعقد أصابعه ( بأصابعه خمس صلوات) كل واحدة منها مرتين تحديدا لأوائل الأوقات وأواخرها ، وهو
بالنصب مفعول يحسب أو صليت (متفق عليه) أخرجه البخارى فى مواقيت الصلاة وبدء الخلق والمغازى، ومسلم فى
الصلاة، وأخرجه أيضا مالك وأحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم.
٥٨٧ - قوله (عماله) جمع عامل أى أمراء، (أن) بفتح الهمزة وكسرها (أهم أموركم) وفى المؤطا أهم أمركم أى
بالافراد (عندى) أى فى اعتقادى (من حفظها) بأن أدى بشرائطها وأركانها (وحافظ عليها) أى سارع إلى فعلها فى وقتها،
أو داوم عليها، أو لم يبطلها بالرياء والسمعة (حفظ دينه) أى حفظ معظم دينه وعماده كقوله: الحج عرفة، أو حفظ بقية
أمور دينه، فإن المواظبة عليها يستدل بها على صلاح المرء. وقال الطبي: المحافظة على الصلاة أن لا يسهو عنها و يؤديها
فى أوقاتها ويتم أركانها وركوعها وسجودها ويؤكد نفسه بالاهتمام بها والتكرير بمعنى الاستقامة والدوام (ومن ضيعها)
أى الصلاة بأن أخرها أو ترك بعض ما يجب فيها فضلا عن تركها رأسا (فهو بلما سواها) من بقية أمور الدين (أضيع)
أى أكثر تضيعا وهو أفعل التفضيل من التضييع على ما روى عن سيويه، ويحتمل أن يكون اللام بمعنى فى يعنى أنه
٢٩٣
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
١ - باب المواقيت
ثم كتب أن صلوا الظهر أن كان الفتى ذراعاً، إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس
مرتفعة بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة قبل مغيب الشمس، والمغرب إذا غابت
الشمس، والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه،
فمن نام فلا نامت عينه، والصبح والنجوم بادية مشتبكة.
ضائع فى تركه الصلاة وأنه أضيع فى غيره، والمعنى أنه إذا علم أنه مضيع للصلاة ظن به التضييع لسائر العبادات التى
تخفى، أو يقال: إنه إذا ضيع الصلاة فقد ضيع سائر العبادات وإن عملها، لما روى: أن أول ما ينظر فيه من عمل العبد
الصلاةٍ فإن قبات منه نظر فيما بقى من عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر فى شئ من عمله، قاله الباجى (ثم كتب) أى عمر
إليهم بعد التنبيه المذكور (أن) أى بأن (صلوا الظهر أن كان الفتى ذراعا) أن مصدرية والوقت مقدر أى وقت كون
الفئ قدر ذراع، وهو مختص بمحل يكون كذلك ، فإن مقدار الفق يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة. وفيه دليل
على تعجيل صلاة الظهر (إلى أن يكون) أى يستمر وقتها إلى أن يصير (ظل أحدكم مثله) أى سوى فى الزوال
(والعصر) بالنصب عطف على الظهر (والشمس مرتفعة) الجملة حالية (قدر ما يسير الراكب) ظرف لقوله مرتفعة ،
أى ارتفاعها قدر أن يسير الراكب (فرستين) للبطنى (أو ثلاثة) أى ثلاثة فراسخ السريع، وقيل فرسخين فى الشتاء،
وثلاثة فى الغيظ، فأو التنويع، وقيل للشك من الراوى. ووقع فى كتاب عمر إلى أبى موسى الأشعرى عند مالك:
ثلاثة فراسخ. على سبيل الجزم. والفرسخ ثلاثة أميال، واختلفوا فى تحديد الميل. وفيه دليل على أن وقت العصر يدخل
قبل أن يصير ظل الشئى مثليه، لأن هذا السير لا يمكن إلا إذا صلى العصر قبل المثلين بل على المثل متصلا (قبل مغيب
الشمس) وفى الخرطا: قبل غروب الشمس (إذا غاب الشفق) الأحمر (إلى ثلث الليل) أى ويستمر إلى ثلث الليل
(فمن نام) أى قبل العشاء كما في رواية البوار، ورويت هذه الجملة فى مسند البزار عن عائشة مرفوعا، قاله السيوطى
(فلا نامت عه) دعاء بنفى الاستراحة علی من ینام عن صلاة العشاء ، لأنه ٹے کان یکرہ النوم قبلها ، و کررہ ثلاثا
زيادة فى التخطيط والتنغير عنه، وفيه كرامة النوم قبل العشاء، ولا يختص ذلك بالعشاء بل يدخل فى معناها بقية الصلوات.
قال ابن حجر: هو محمول عندنا على تفصيل، وهو أنه تارة ينام قبل الوقت ، وتارة بعد دخوله، ففى الثانى إن علم أو ظن
أن نومه يستغرق الوقت لم يجز له النوم إلا أن وثق من غيره أنه يوقظه بحيث يدرك الصلاة كاملة فى الوقت ، وكذا فى
الأول عند جماعات من أصحابنا. وقال آخرون لا حرمة فيه مطلقا لأنه قبل الوقت لم يكلف بها بعد - انتهى (بادية)
أى ظاهرة من البدو وهو الظهور (مشتبكة) قال الجزرى: اشتكت النجوم أى ظهرت واختلط بعضها ببعض لكثرة ما
٢٩٤
مـ
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
رواه مالك.
٥٨٨- (٦) وعن ابن مسعود، قال: كان قدر صلاة رسول اللّه مؤتم الظهر فى الصيف ثلاثة
أقدام إلى خمسة أقدام، وفى الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام. رواه أبو داود، والنسائى.
(٢) باب تعجيل الصلاة
ظهر منها (رواه مالك) فى أوائل المؤطا عن نافع مولى عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب كتب، إلخ. وهو منقطع
لأن نافعا لم يلق عمر.
٥٨٨ - قوله (كان قدر صلاة رسول اللّه ◌َيَّ) بالجر على البدلية من الصلاة، وبالنصب بتقدير أعنى
(ثلاثة أقدام) أى من الفئى (إلى خمسة أقدام) إلخ. قال السندى: أى قدر تأخير الصلاة عن الزوال ما يظهر فيه قدر ثلاثة
أقدام الظل، أى يصير ظل كل شئ ثلاثة أقدام من أقدامه فيعتبر قدم كل إنسان بالنظر إلى ظله. والمراد أن يبلغ مجموع
الظل الأصلى والزائد هذا المبلغ، لا أن يصير الزائد هذا القدر ويعتبر الأصلى سوى ذلك ، فهذا قد يكون لزيادة الظل
الأصلى كما فى أيام الشتاء، وقد يكون لزيادة الظل الزائد بسبب التبريد كما فى أيام الصيف -انتهى. وقال الخطابى: هذا أمر
يختلف فى الأقاليم والبلدان، ولا يستوى فى جميع المدن والأمصار ، وذلك أن العلة فى طول الظل وقصره هو زيادة
ارتفاع الشمس فى السماء وانحطاطها، فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤس فى مجراها أقرب، كان الظل أقصر، وكلما كانت
أخفض ومن محاذاة الرؤس أبعد، كان الظل أطول، ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدا أطول من ظلال الصيف فى كل مكان
وكانت صلاة رسول اللّه مَّ بمكة والمدينة وهما من الإقليم الثانى. ويذكرون أن الظل فيهما فى أول الصيف فى شهر
آذار - هو الشهر الثالث من السنة الشمسية أعنى مارس - ثلاثة أقدام وشئ. ويشبه أن تكون صلاته عليه السلام إذا
اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام ، وأما الظل فى الشتاء فإنهم يذكرون أنه فى
قشرين الأول - هو الشهر العاشر من السنة الشمسية أعنى أكتوبر - خمسة أقدام أو خمسة أقدام وشئ، وفى كانون
- أى الأول وهو الشهر الثانى عشر من السنة الشمسية أعنى ديسمبر، وكانون الثانى وهو الشهر الأول أعنى يناير - سبعة
أقدام أو سبعة أقدام وشئ، فقول ابن مسعود ينزل على هذا التقدير فى ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان التى
هى خارجة عن الإقليم الثانى ـ انتهى. (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى (والنسائى) واللفظ له ، وأخرجه
أيضا الحاكم.
(باب تعجيل الصلاة) المراد بها جنس الصلاة المكتوبة، وفى بعض النسخ الصلوات، بلفظ الجمع يعنى أن الأصل.
فى الصلاة تعجيلها، والمبادرة إليها، وأداءها فى أول الوقت، لقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم - ٤: ١٣٣)
٢٩٥
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
{ الفصل الأول):
٥٨٩ - (١) عن سيار بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبى على أبي برزة الأسلمى، فقال له أبى:
كيف كان رسول اللّه عَّم يصلى المكتوبة؟ فقال: كان يصلى الهجير التى تدعونها الأولى حين
تدحض الشمس، ويصلى العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله فى أقصى المدينة والشمس حية،
ولقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات - ٢: ١٤٨) إلا ما خصه الشارع لحكمة اقتضت تأخيرها كصلاة العشاء والظهر فى
شدة الحر .
٥٨٩ - قوله (عن سيار) بفتح سين وتشديد تحتية (بن سلامة) بفتح السين وتخفيف لام ، الریاحی ، یکنی أبا
المنهال البصرى، من ثقات التابعين، روى عن أبي برزة الأسلمى وغيره، مات سنة (١٢٩) (دخلت أنا وأبى) أى
سلامة ، قال الحافظ: لم أقف على من ترجمه (على أبي برزة) بفتح موحدة وسكون راء (الأسلمى) بفتح الهمزة، وسكون
اللام نسبة إلى أسلم بن أنصی ، واسم أبي برزة نقلة ۔ بنون مفتوحة ومعجمة سا کنة ۔ ابن عبد ، صحابی مشهور بکنیته،
أسلم قبل الفتح وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة ، وغزا خراسان ، ومات بها سنة (٦٥) على الصحيح ، له سنة
وأربعون حديثا اتفقا على حديثين وانفرد البخارى بحديثين ومسلم بأربعة (يصلى المكتوبة) أى الصلوات المفروضة
باعتبار أوقاتها ( كان يصلى الهجير) أى صلاة الهجير، والهجير - بفتح الهاء وتخفيف الجيم - والهاجرة بمعنى، وهو وقت شدة
الحر ، وسميت بذلك الظهر لأن وقتها يدخل حينئذ (التى تدعونها) أى تسمونها وأنث الموصول والضمير لكون الصلاة
مرادة أو أنثهما لأن الهجير بمعنى الهاجرة، أو التقدير صلاة الهجير (الأولى) لأنها أول صلاة ظهرت وصليت ، أو
لأنها أول صلاة النهار العرفى (حين تدحض الشمس) أى تزول عن وسط السماء إلى جهة المغرب، مأخوذ من الدحض
وهو الزلق، وفى رواية لمسلم: حين تزول الشمس، وهى تفسير لقوله تدحض ، ومقتضى ذلك أنه كان يصلى الظهر فى
أول وقتها ولا يخالف ذلك الأمر بالإيراد، لاحتمال أن يكون ذلك فى البرد، أو قبل الأمر بالإيراد، أو عند فقد
شروط الإيراد لأنه يختص بشدة الحر ، أو لبيان الجواز، قاله الحافظ (إلى رحله) أى منزله ومسكنه ومحل أثاثه
(فى أقصى المدينة) حال من رحله، أو صفة له، وليس بظرف للفعل ، أى الكائن فى أبعد المدينة وآخرها (والشمس حية)
أى بيضاء نقية قوية الأثر حرارة ولونا وإنارة وشعاعا، والجملة حالية أى حال كون الشمس صافية اللون عن التغيير
والاصفرار، فإن كل شئ ضعفت قوته فكأنه قدمات. وقال العينى: حياة الشمس عبارة عن بقاء حرها لم يفتر ، وبقاء
لوبها لم يتغير، وإنما يدخلها التغير بدنو المغيب، كأنه جعل مغيها موتالها - انتهى. والحديث يدل على المبادرة بصلاة
العصر فى أول وقتها، وأن وقتها يدخل بمصيرة ظل كل شئ مثله ، لأنه لا يكون أن يذهب بعد صلاة العصر إلى منزله فى
٢٩٦
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
ونسيت ما قال فى المغرب، وكان يستحب أن يؤخر العشاء التى تدعونها العتمة، وكان يكره النوم
قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى
المائة. وفى رواية: ولا يبالى بتأخير العشاء إلى ثلث الليل، ولا يحب النوم قبلها والحديث بعدها.
متفق عليه .
أبعد المدينة والشمس بيضاء نقية بعد مصير الظل مثلى الشئ (ونسيت ما قال) أى أبو برزة (فى المغرب) قائل ذلك هو
سيار بينه أحمد فى روايته (وكان) أى النبي ◌َّم، وهو عطف على ((كان يصلى» (يستحب) بفتح الياء وكسر الحاء
(أن يؤخر) على بناء المعلوم أو المجهول (العشاء) إلى ثلث الليل كما سيأتى (التى تدعونها العتمة) بفتحات، هى الظلمة التى
بعد غيوبة الشفق، وفيه إشارة إلى ترك تسميتها (وكان يكره النوم قبلها) لما فيه من التعريض لصلاة العشاء على الفوات
(والحديث) أى التحادث مع الناس بكلام الدنيا (بعدها) لما فيه من تعريض قيام الليل بل صلاة الفجر على الفوات عادة
ولينام عقب تكفير الخطيئة بالصلاة فيكون ختم عمله على عبادة كفرت خطاياه، وقد ورد الكلام بعدها فى العلم وغيره
من أمور المسلمين ومصالحهم مما لا يخل ، ولذلك حمل هذا الحديث على ما لا يكون من الخير، وخص منه أيضا المسافر
والمصلى لما روى أحمد وأبو يعلى والطبرانى فى الكبير والأوسط عن ابن مسعود مرفوعا: لا سمر بعد الصلاة يعنى العشاء
الآخرة إلا لأحد رجلين مصل أو مسافر، ولما روى أيضا فى الأحكام عن عائشة مرفوعا: لا سمر إلا لثلاثة : مصل، أو
مسافر. أو عروس (وكان ينفتل) أى ينصرف أو يلتفت إلى المأمومين (من صلاة الغداة) أى الصبح (حين يعرف
الرجل جليسه) أى الذى يجنبه، وإذا كان هذا وقت الفراغ فيكون الشروع بغلس، ففيه دليل على استحباب التعجيل
بصلاة الصبح، لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون فى أواخر الغلس ، وقد صرح بأن ذلك كان عند فراغ
الصلاة، ومن المعلوم من عادته مَّه ترتيل القراءة، وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيها مغلسا، ولا يخالف
ذلك حديث عائشة الآتى حيث قالت: ما يعرفن من الغلس، لأن الفرق بينهما ظاهر ، وهو أن حديث أبي برزة متعلق
بمعرفة من هو مسفر جالس إلى جنب المصلى، فهو يمكن، وحديث عائشة متعلق بمن هو متلفف مع أنه على بعد فهو بعيد، قاله
الحافظ (ويقرأ) أى فى الصبح (بالستين) أى آية يعنى أنه كان يقرأ بهذا القدر من الآيات، وربما يزيد (إلى المائة) من
الآى، وقدرها فى رواية للطبرانى بسورة الحاقة ونحوها ، قال العينى: قوله يقرأ بالستين إلى المائة. يدل على أنه كان يشرع
فى الغلس، ويمدها بالقرأة إلى وقت الإسفار، وإليه ذهب الطحاوى (وفى رواية) للشيخين (ولا يبالى) بل يستحب ،
وهو من المبالاة بمعنى الاكتراث بالشئى (ولا يحب النوم قبلها) بل يكرهه (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى باب وقت
العصر وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه، وأخرج الترمذى طرفا منه.
٢٩٧
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
٥٩٠ - (٢) وعن محمد بن عمرو بن الحسن بن على، قال: سألنا جابر بن عبد الله عن صلاة النبي
مؤلفة، فقال: كان يصلى الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا
. كثر الناس جل، وإذا قلوا أخر، والصبح بغلس. متفق عليه.
٥٩١- (٣) وعن أنس، قال: كنا إذا صلينا خلف النبى معَّ بالظهار سحدنا على ثيابنا إتقاء الحر.
٥٩٠- قوله (وعن محمد بن عمرو بن الحسن بن على) بن أبى طالب الهاشمى أبو عبد الله المدنى، أمه رملة بنت عقيل
ابن أبى طالب من ثقات التابعين (عن صلاة النبي) أى عن أوقات صلاته (بالهاجرة) هى شدة الحر نصف النهار عقب
الزوال، سميت بذلك من الهجر وهو الترك لأن الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر، أو لأنهم يستكنون فى
يوتهم كانهم قد تهاجروا. قال القسطلانى: قوله كان يصلى الظهر بالهاجرة، أى إلا أن يحتاج إلى الايراد لشدة
الحرسانتهى. وتعقب بأنه لو كان ذلك مراده لفصل كما فصل فى العشاء. وقال السندى: لعل المطلوب أنه كان يصلى
الظهر فى أول وقتها أى لا يؤخرها تأخيرا كثيرا فلا ينافى الايراد. ولعل تخصيص أيام الحر ليان أن الحر لا يمنعه من
أول الوقت فكيف إذا لم يكن هناك حر (إذا وجبت) المراد بوجوب الشمس أى سقوطها وغيبوبة جميعها (إذا كثر
الناس عجل ، وإذا قلوا أخر) قال الطبى: الجملتان الشرطينان فى محل النصب حالان من الفاعل أى يصلى العشاء معجلا
إذا كثر الناس، ومؤخرا إذا قلوا، أو يحتمل أن يكونا من المفعول والراجع مقدر أى عجلها أو أخرها ـ اتهى.
والتقدير معجلة ومؤخرة ، وفى رواية إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطؤا أخر. والحديث فيه مشروعية ملاحظة
أحوال المؤتمين، والمبادرة بالصلاة مع اجتماع المصلين لأن انتظارهم بعد الاجتماع ربما كان سبا لتأذى بعضهم وأما
الانتظار قبل الاجتماع فلا بأس به لهذا الحديث، ولأنه من باب المعاونة على البر والتقوى. قال الشوكانى: الحديث يدل على
استحباب تأخير صلاة العشاء لكن مقيدا بعدم اجتماع المصلين (والصبح بغلس) ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح
(متفق عليه) واللفظ للبخارى فى باب «وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا، وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى.
٥٩١ - قوله (بالظهائر) الباء زائدة، وهى جمع ظهيرة، وهى الهاجرة أى شدة الحر من نصف النهار عقب
الزوال، ولا يقال فى الشتاء ظهير، والمراد بها صلاة الظهر، وجمعها بالنظر إلى تعدد الأيام (على ثيابنا) الظاهر أنها
الثياب التى هم لابسوها، ضرورة أن الثياب فى ذلك الوقت قليلة، فمن أين لهم ثياب فاضلة؟ فهذا يدل على جواز أن يسجد
المصلى على ثوب هو لابسه، كما عليه الجمهور، ومن لم يجوز يحمله على الثياب المنفصلة عن البدن ، أو التى لا تتحرك
بحركة المصلى ، وهو تأويل لا تساعده الروايات، ولا النظر فى الواقع (إنقاء الحر) بالنصب على أنه مفعول له أى لأجل
اتقاء الحر. وفى الحديث جواز استعمال الثياب، وكذا غيرها فى الحيلولة بين المصلى وبين الأرض لاتقاء حرها وكذا
٢٩٨
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
متفق عليه، ولفظه للبخارى.
٥٩٢ - (٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّ: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة.
٥٩٣ - (٥) وفى رواية للبخارى عن أبى سعيد، بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم،
بردها. وفيه تقديم الظهر فى أول الوقت، وظاهر الأحاديث الواردة فى الأمر بالايراد يعارضه، فمن قال: الايراد
رخصة فلا إشكال. ومن قال سنة فإما أن يقول التقديم المذكور رخصة، وإما أن يقول منسوخ بالأمر بالإيراد
كحديث المغيرة بن شعبة: كنا نصلى مع رسول اللّه مَّم صلاة الظهر بالهاجرة، فقال لنا: أبردوا بالصلاة، فإن شدة
الحر من فيح جهنم. أخرجه ابن ماجه وغيره، وصححه أبو حاتم وأحمد. وأحسن منهما أن يقال: إن شدة الحرقد
توجد مع الإيراد فيحتاج إلى السجود على الثوب، أو إلى تبريد الحصى، لأنه قد يستمر حره بعد الايراد ، ويكون
فائدة الإيراد وجود ظل يمشى فيه إلى المسجد، أو يصلى فيه فى المسجد، كذا فى الفتح (متفق عليه) وأخرجه أيضا
أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه (ولفظه البخارى) فى باب وقت الظهر عند الزوال.
٥٩٢ - قوله (فأيردوا) من الايراد وهو الدخول فى البرد ، يقال: أبرد إذا دخل فى البرد كا ظهر إذا دخل فى
الظهيرة (بالصلاة) أى بصلاة الظهر ، والباء للتعدية أى أدخلوها فى البرد، وأخروها عن شدة الحر فى أول الزوال ،
وقيل: الباء زائدة وأبرد متعد بنفسه، ومعنى ((أبردوا)، أخروا على سبيل التضمين أى أخروا الصلاة إلى أن يبرد الوقت
وينكسر الوهج، والأمر للندب والقرينة الصارفة أن العلة فيه دفع المشقة عن المصلى لشدة الحر فصار من باب
الشفقة والنفع .
٥٩٣ - قوله (بالظهر) أى بدل بالصلاة (فإن شدة الحر من فيح جهنم) بفتح فاء وسكون ياء ثم حاء مهملة أى من
سطوع حرها ، وسعة انتشارها، وتنفسها. ومنه مكان أفيح أى متسع، وأرض فيحاء أى واسعة ، وهذا كناية عن شدة
استعارها، وظاهره أن مثار وهج الحر فى الأرض من فيح جهنم حقيقة، وقيل بل هو على وجه التشبيه والاستعارة، وتقديره
أن شدة الحر تشبه نار جهنم فاحذروه، واجتنبوا ضرره، والأول أولى، ويؤيده قوله: اشتكت النار إلى ربها فأذن
لها بنفسين. قال النووى: هو الصواب، لأنه ظاهر الحديث ولا مانع من حمله على حقيقته، فوجب الحكم بأنه على
ظاهره. واستبعد هذا بل استشكل لأن اشتداد الحر فى الأرض تابع لقرب الشمس وبعدها كما هو المشاهد المحسوس.
وأجيب بأنه يمكن أن يكون الشمس بحيث أن جعل الله تعالى بين مادة جرمها وبين جهنم ارتباطا وعلاقة ومناسبة تقبل
بها الشمس حرارة نار جهنم حتى تكون حرارة الشمس سببا لاشتداد الحر فى الأرض فى الظاهر ، وحينئذ فلا استبعاد فى
نسبة اشتداد الحر فى البلاد إلى فيح جهنم لأنه هو السبب الأصلى الباطنى الغيبى لذلك، والله تعالى أعلم. والفاء فى ((فان،
لتعليل الايراد أى وعند شدته يذهب الخشوع الذى هو روح الصلاة وأعظم المطلوب منها. قيل وإذا كان العلة ذلك
٢٩٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٢ - باب تعجيل الصلاة
واشتكت النار إلى ربها فقالت: رب! أكل بعضى بعضاً. فأذن لها بنفسين: نفس فى الشتاء ونفس
فى الصيف، أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير.
فلا يشرع الايراد فى البلاد الباردة. واختلفوا فى حد الابراد ولم يرد فى تحديده إلا ما تقدم من حديث ابن مسعود:
كان قدر صلاة رسول اللّه ◌َاقّ الظهر فى الصيف، إلخ. وما روى من حديث أبى ذر عند الشيخين فإن فيه : فقال له
أبرد حتى رأينا فتى التلول - الحديث. فهذه الغاية متعلقة بأبرد أى قال له: أبرد إلى أن ترى ، أو متعلقة بمقدر أى قال له
أبرد فأبرد إلى أن رأينا ، والفئى هو ما بعد الزوال من الظل، ومعنى الحديث أنه أخر تأخيرا كثيرا حتى صار للنلول
فتى ، وهى فى الغالب منبطحة غير شاخصة لا يصير لها فتى فى العادة إلا بعد زوال الشمس بكثير فيستبط منه حد الايراد
وهو أن يؤخر بحيث يصير للجدر ظلال يمشون فيها، والله أعلم (واشتكت) جملة مبينة للأولى وإن دخلت الواو بين
المبين والمبين كما فى قوله تعالى {وإن من الحجارة لما يتفجر - ٢: ٧٤﴾ (النار إلى ربها) شكاية حقيقية بلسان المقال
بحياة وإدراك خلقهما الله تعالى فيها، وقيل: مجازية عرفية بلسان الحال. قال ابن عبد البر: لكلا القولين وجه ونظائر
والأول أرجح، وقال عياض: إنه الأظهر، واللّه قادر على خلق الحياة بجزء منها حتى تكلم أو يخلق لها كلاما يسمعه من
شاء من خلقه. وقال القرطبى: لا إحالة فى حمل اللفظ على حقيقته، وإذ أخبر الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويله ،
حمله على حقيقته أولى. وقال النووى نحو ذلك، ثم قال: حمله على حقيقته هو الصواب، وقال نحو ذلك التور بشتى، ورجح
البيضاوى حمله على المجاز فقال : شكواها مجاز عن غليانها ، وأكلها بعضها بعضا مجاز عن ازدحام أجزاءها بحيث يضيق
مكانها عنها فيسعى كل جزء فى إفناء الجزء الآخر والاستيلاء على مكانه، وتنفسها مجاز عن لهبها وخروج ما يبرز منها .
وقال الزين بن المنير: المختار حمله على الحقيقة لصلاحية القدرة لذلك، ولأن استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت
لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والإذن، والقبول، والتنفس، وقصره على اثنين فقط، بعيد من المجاز خارج عما
ألف من استعماله (فأذن لها بنفسين) تثنية نفس وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء (نفس) بالجر على
الدل أو البيان ، ويجوز الرفع بتقدير أحدهما (أشد ما تجدون من الحر) برفع أشد على أنه خبر مبتدأ محذوف، أى
ذلك أشد ما تجدون، أو مبتدأ خبر محذوف أى أشد ما تجدون من الحر من ذلك النفس ، ويجوز الجر على البدل من
النفس المجرور، والنصب بتقدير أعنى، وعلى كل تقدير فما إما موصولة أو موصوفة، ومن الحر ومن الزمهرير بيان
(وأشد ما تجدون من الزمهرير) أى شدة البرد ولا مانع من حصول الزمهرير من نفس النار لأن المراد بالنار محلها ،
وهو جهنم وفيها طبقة زمهريرية. والحديث يدل على استحباب الايراد ، ولا يعارض ذلك الأحاديث الواردة
بتعجيل الظهر وأفضلية أول الوقت لأنها عامة أو مطلقة، وحديث الإبراد خاص أو مقيد، ولا تعارض بين عام وخاص
ولا بين مطلق ومقيد، وأما حديث خباب عند مسلم، قال: شكونا إلى رسول الله عز ◌ّ حر الرمضاء فى جباهنا وأكفنا
٣٠٠
مـ