النص المفهرس

صفحات 261-280

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
رواه مالك، وأبو داود، والدارمى. وروى النسائى معناه.
٥٦٢ - (٤) وعن عدى بن ثابت عن ايه، عن جده، قال يحيى بن معين:
وسائر العبادات إجماعا، وغثيان الزوج إياها إلا أنها توضأ لكل صلاة (رواه مالك، وأبو داود، والدارمى) وأخرجه
أيضا الشافعى وأحمد وابن ماجه والدار قطنى والبيهقى، بعضهم من حديث نافع ، عن سليمان بن يسار ، وبعضهم من
حديث أيوب، عن سليمان بن يسار. واختلف فيه أصحاب نافع وأيوب، فبعضهم قال: عن سليمان بن يسار ، عن أم
سلمة، وبعضهم قال: عن سليمان بن يسار، عن رجل ، عن أم سلمة، وبعضهم قال: عن سلمان بن يسار ، عن رجل.
ولم يذكر أم سلمة. ورجح أبو داود رواية من قال: عن سليمان بن يسار عن أم سلمة. قال البيهقى: هو حديث
مشهور إلا أن سليمان لم يسمعه ههنا. وكذا قال المنذرى. وقد رواه البيهقى أيضا من طريق موسى بن عقبة، عن
سليمان ، عن مرجانة، عن أم سلمة. قال الحافظ فى التقريب: مرجانة والدة أم علقمة، علق لها البخارى فى الحيض، وهى
مقبولة. وقال النووى فى الخلاصة: حديث صحيح، ولم يلتفت إلى دعوى الانقطاع. وقال الحافظ فى التلخيص:
قال النووى: على شرطهما وجمع ابن عبد البر بين هذا الاختلاف فى الرواية بأنه يحتمل أن سليمان سمع عن رجل ،
عن أم سلمة، ثم سمعه عن أم سلمة ، حدث به على الوجهين. وقال فى الجوهر النقي: ذکر صاحب الكمال أن سلمان
سمع من أم سلمة ، فيحتمل أنه سمع هذا الحديث عنها وعن رجل عنها .
٥٦٢ - قوله (وعن عدى بن ثابت) الأنصارى الكوفى ثقة، رمى بالتشيع، مات سنة (١١٦) (عن أبيه) هو
ثابت الأنصارى والدعدى ، ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال الحافظ مجهول الحال (عن جده) أى جد عدى صحابى.
واختلف فى اسمه على أقوال فقيل: اسمه دينار، وقيل عمرو بن أخطب، وقيل عبيد بن عازب، وقيل قيس بن الخطيم، وقيل
إنه يعنى جده أبو أمه، وهو عبد الله بن يزيد الخطمى، كذا زعم يحيى بن معين فيما حكى الدار قطنى. وكذا قال أبو حاتم
الرازى، واللالكائى، وغير واحد. وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب: ولم يترجح لى فى اسم جده إلى الآن شئى من هذه
الأقوال كلها، إلا أن أقربها إلى الصواب أن جده هو جده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمى. والله أعلم -انتهى. وعبد الله
ابن يزيد هو أبو موسى الأوسى الأنصارى الخطمى، صحابى صغير، شهد الحديدية وهو ابن سبع عشرة سنة ، وشهد الجمل
والصفين مع على. وكان أمیرا على الكوفة زمن ابن الزبير. له سبعة وعشرون حديثا ، روى له البخارى حدثين
(قال يحيى بن معين) بفتح الميم ابن عون الغطفانى المرى مولاهم، أبو زكريا البغدادى ، أحد الثقات الحفاظ المشهورين،
وأحد أئمة الجرح والتعديل. ولد سنة (١٥٨) ومات بالمدينة النبوية سنة (٢٣٣) وله (٧٧) سنة إلا نحوا من عشرة
أيام، وغسل على أعواد النبي تَّ، وحمل على سريره وَّى. مات أبوه :خلف لابنه يحمي هذا ألف ألف درهم وخمسين
٢٦١

مرعاة المفاتيح ج٢
٣- كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
جد عدى اسمه دينار عن النبى معَّ، أنه قال فى المستحاضة : تدع الصلاة أيام أقرائها التى كانت
تحيض فيها، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم، وتصلى. رواه الترمذى، وأبو داود.
٥٦٣ - (٥) وعن حمنة بنت جحش، قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي مؤلّة
أستفتیه وأخبره ،
ألف درهم، فأنفق جميع المال على الحديث، وكتب يده ستمائة ألف حديث. روى عنه البخارى ومسلم وأبو داود
وأحمد وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث
وفضائله کثیرة، بسط ترجمته الحافظ فی تهذيب التهذيب (ج ١١ : ص ٢٨٠ - ٢٨٨) وابن خلکان فى تاريخه (ج ٢:
ص ٢١٤ - ٢١٦) والذهبي فى التذكرة (ج ٢، ص ١٧، ١٨) (جد عدى اسمه دينار) قال الترمذى: سألت محمدا يعنى
البخارى عن هذا الحديث، فقلت: عدى بن ثابت عن أبيه عن جده، جد عدى ما اسمه؟ فلم يعرف محمد اسمه. وذكرت لمحمد
قول يحيى بن معين: اسمه دينار، فلم يعبأ به (قال فى المستحاضة) أى فى شأنها (تدع الصلاة) أى تتركها (أيام أقرانها)
جمع قرء وهو مشترك بين الحيض والطهر. والمراد به مهنا الحيض للسباق واللحاق (التى كانت تحيض فيها) أى قبل أن
يصيبها ما أصابها من الاستحاضة (ثم) أى بعد فراغ زمن حيضها باعتبار العادة (تغتسل) أى الطهارة من الحيض مرة
(وتوضأ عند كل صلاة) عند كل متعلق بتتوضأ لا بتغتسل. وفيه دليل على أن المستحاضة تتوضأ عند كل صلاة. والحديث
ضعيف كما ستعرف، لكن له شواهد، ذكرها الزيلعى فى نصب الراية، والحافظ فى الدراية، ومنها حديث عائشة فى الفصل
الأول (وقصوم) أى الفرض والنفل (رواه الترمذى وأبو داود) وأخرجه أيضا الدارمى، وابن ماجه كلهم من
حديث شريك، عن أبى اليقظان، عن عدى بن ثابت. وشريك هذا هو ابن عبد الله النخعى قاضى الكوفة، قد تكلم
فيه غير واحد، وأبو اليقظان هو عثمان بن عمير الكوفى، وهو ضعيف جدا. قال الحافظ فى التقريب: إنه ضعيف،
واختلط ، وکان یدلس ، ويغلو فى التشيع .
٥٦٣ - قوله (وعن حمنة) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم بعدها نون وها. (بنت جحش) بتقديم الجيم المفتوحة
على الحاء الساكنة بعدها شين معجمة، الأسدية، أخت زينب زوج التي تُؤثّل. كانت تحت مصعب بن عمير، فقتل
عنها يوم أحد، وخلف عليها طلحة بن عبيدالله. صحاية، لها حديث، وهى أم وادى طلحة: عمران ومحمد (حيضة) بفتح
الحاء، وهو مصدر استحاض على حد أنبته الله نباتا. ولا يضره الفرق فى اصطلاح العلماء بين الحيض والاستحاضة ،
إذ الكلام وارد على أصل اللغة (كثيرة) فى الكمية (شديدة) فى الكيفية (أستفتيه وأخبره) الواو لمطلق الجمع، وإلا
٢٦٢

مرعاة المفاتيح ج٢
٣٠ - كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
فوجدته فى بيت أختى زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله! إنى أستحاض حيضة كثيرة شديدة،
فما تأمرنى فيها؟ قد منعتنى الصلاة والصيام. قال أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم. قالت :
هو أكثر من ذلك. قال فتلجمى. قالت: هو أكثر من ذلك: قال: فاتخذى ثوبا. قالت: هو أكثر
من ذلك، إنما أنج نجا. فقال النبى ◌ّ: سآمرك بأمرين، أيهما صنعت أجزأ عنك من الآخر،
وإن قويت عليهما فأنت أعلم. قال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضى ستة أيام
أو سبعة أيام
كان حقها أن تقول: أخبره وأستفتيه (فما تأمرنى) ما استفهامية (فيها) أى فى حال وجود الحيضة (قد منعتنى) استئناف
مبين لما ألجأها إلى السؤال. ويمكن أن يجعل حالا من الضمير المجرور فى قولها فيها (الصلاة والصيام) أى على زعمها
(أنعت) أى أصف (الكرسف) بضم الكاف والسين بينهما راء. أى القطن وكأنه ينعت لها لتحتشى به فيمنع نزول الدم
ثم يقطعه (فإنه يذهب الدم) أى يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج، أو معناه فاستعمليه لعل دمك ينقطع (هو أكثر من
ذلك) أى من أن يكون الكرسف مانعا من الخروج أو قاطعا (فتلجمی) قال ابن العربى: قوله: تلجمى، كلمة غريبة لم
يقع لى تفسيرها فى كتاب، وإنما أخذتها استقراء. قال الخليل: اللجام معروف، أخذناه من هذا كأن معناه: افعلى
فعلا يمنع سيلانه واسترساله، كما يمنع اللجام استرسال الدابة - وقال الجزرى فى النهاية: أى اجعلى موضع الدم عصابة
تمنع الدم، تشبيها بوضع اللجام فى فم الدابة (فاتخذى ثوبا) أى تحت اللجام مبالغة فى الاحتياط من خروج الدم (هو أكثر
من ذلك) أى من أن يمنعه (أتج) بضم المثلثة وتشديد الجيم ، من نج الدم والماء لازم ومتعد، أى أنصب أو أصبه، فعلى
الثانى تقديره أج الدم، وعلى الأول إسناد التج إلى نفسها البالغة، على معنى أن النفس جعلت كان كلها دم نجاج، وهذا
أبلغ فى المعنى (سآمرك) السين للتأكيد (بأمرين) أى حكمين أو صنعين (أيهما) بالنصب لا غير، والناصب له صنعت
قاله أبو البقاء (أجرأ عنك) أى أغنى عنك (من الآخر) من بمعنى البدل (وإن قويت عليهما) أى قدرت على كل واحد
منهما (فأنت أعلم) بما تختارينه منهما، فاختارى أيهما شئت (إنما هذه) أى التجة أو العلة (وكضة) بفتح الراء أى دفعة
وضربة. والركض الضرب بالرجل والإصابة بها كما تركض الدابة وتصاب بالرجل. أراد الإضراربها والأذى. والمعنى:
أن الشيطان قد وجد بذلك طريقا إلى التليفس عليها فى أمر دينها وطهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك عادتها، وصار فى
التقدير كأنه ركضة بآلة من ركضاته، ولا ينافى ما تقدم من أنها عرق يقال له العاذل، لأنه يحمل على أن الشيطان ركضه
حتى انفجر. والأظهر أنها ركضة منه حقيقة إذ لا مانع من خملها عليه (فتحيضى) بتشديد الياء المفتوحة بعد الحاء، أى
التزمى أحكام الحيض، وعدى نفسك حائضا (ستة أيام أو سبعة أيام) قيل: أو الشك من بعض الرواة. وقد ذكر
٢٦٣

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
فى علم الله، ثم اغتسلى، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت، فصلى ثلاثا وعشرين ليلة، أو
أربعا وعشرين ليلة وأيامها، وصومى، فإن ذلك يجزئك. وكذلك فافعلى كل شهر كما تحيض النساء
وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن. وإن قويت على
النبي ◌َّم أحد العددين اعتبارا بالغالب من حال نساء قومها. وقيل للتخيير بين كل واحد من العددين، لأنه العرف
الظاهر والغالب من أحوال النساء. وقيل: ليس للتخيير بين السنة والسبعة بل للتنويع على معنى اعتبار حالها بحال من هى
مثلها وفى مثل سنها من نساء أهل بيتها، فإن كانت عادة مثلها منهن أن تقعد ستا قعدت ستا، وإن سبعا فسبعا فكانها كانت
مبتدأة لم يتقدم لها أيام ، ولم تميز بين الدمين ويحتمل أنها كانت معتادة ونسيت أن عادتها كانت سنتا أو سبعا ، يعنى
أنه قد ثبت لها فى ما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها، فلا تدرى أيتهما كانت ، فأمرها أن تتحرى، وتجتهد ،
وتبنى أمرها على ما تيقنته من أحد العددين (فى علم الله) معناه على قول الشك ، أى فى عله الذى بينه وشرعه لنا ، كما يقال
فى حكم الله وفى كتاب الله. وقيل معناهما أمرتك فهو حكم الله. وعلى قول التخيير فيما علم الله من ستة أو سبعة وقيل
فيما أعلمك الله من عادات النساء من الست أو السبع. وقيل: فى علم الله من أمرك من الست أو السبع، أى هذا شئ
بينك وبين الله، فإنه يعلم ما تفعلين من الاتيان بما أمرتك به أو تركه (ثم اغتسلى) أى مرة واحدة بعد السنة أو السبعة
من الحيض (حتى إذا رأيت) أى علمت (واستنقات) من الاستنقاءوهو مبالغة فى تنقية البدن وتنظيفه ، وهو فى نسخ
المشكاة كلها مضبوط بالهمز دون الياء، وهو استعمال جائز ومسموع، إذ أن همز ما ليس بمهموز كثير فى كلام العرب .
قال يونس: أهل مكة يخالفون غيرهم من العرب، فيهمزون النبئ، والبريئة، والذرية والخابئة، نقله السيوطى فى
المزهر (ج ٢: ص ١٣٣) وقال الجوهرى فى الصحاح: (مادة رثى) ابن السكيت. قالت امرأة من العرب:
وثأت زوجى بأبيات وهمزت. قال الفراء: ربما خرجت فصاحتهم إلى أن يهزوا ما ليس بمهموز. قالوا: رثأت الميت
ولبأت بالحج وحلات السويق تحلثة، وإنما هو من الحلاوة - انتهى. فقول أبى البقاء، وصاحب المغرب: أن ((استنقات))
بالهمز خطأ . جرأة عظيمة منهما منشأها قصور العلم والاطلاع (فصلى) أى بالوضوء عند كل صلاة (ثلاثا وعشرين ليلة)
يعنى وأيامها إن كانت مدة الحيض سبعة (أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها) إن كانت مدة الحيض سنة (وصومى) ما شئت
من فريضة وتطوع (فإن ذلك) أى ما قدر لك من الأيام فى حق الصلاة والصوم (يجزئك) أى يكفيك (وكذلك) أى
مثل ما ذكرت لك الآن (فاضعلى كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن) أى اجعلى حيضك بقدر ما يكون عادة النساء
من ست أو سبع، وكذلك اجعلى طهرك بقدر ما يكون عادة النساء من ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين (ميقات حيضهن
وطهرهن) نصب على الظرف يعنى إن كان وقت حيضهن فى أول الشهر فليكن حيضك فى ذلك الوقت (وإن قويت على
٢٦٤

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
أن تؤخرين الظهر وتعجلين العصر، فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وتؤخرين
المغرب وتعجلين العشاء. ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، فافعلى. وتغتسلين مع الفجر، فافعلى،
وصومى إن قدرت على ذلك. قال رسول اللّه مَبيع: وهذا أعجب الأمرين إلى.
أن تؤخرین الظهر) فتأتى بها فى آخر وقتها قبل خروجه (وتعجلين العصر) فتأتى به فى أول وقته ، فتكون قد أتت بكل
صلاة فى وقتها ، وجمعت بينهما جمعا صوريا (وتجمعين بين الصلاتين) أى بغسل واحد (الظهر والعصر) بالجر بدل،
ويجوز الرفع والنصب، وإثبات النون فى أن تؤخرين وتعجلين بإهمال أن الناصبة ، تشبيها لها بما المصدرية.
قال فى الألفية :
ما أختها حيث استحقت عملا
وبعضهم أهمل أن حملا على
قال ابن حجر: الظاهر أن كلمة أن مصدرية لكنها لا تنصبه حملا على ما المصدرية. ومنه قراءة مجاهد: ﴿لمن أراد أن
يتم الرضاعة - ٢: ٢٣٣) بضم الميم، كما أن ما قد تنصب حملا على أن. ومنه كما تكونوا يولى عليكم، فى رواية أخرجها
الديلمى من حديث أبى بكرة مرفوعا ، وأخرجها البيهقى بلفظ: يؤمر عليكم، وبحذف أبى بكرة، وقال: إنه منقطع ، وفى
طريقه يحي بن هاشم، وهو فى عداد من يضع، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة. وارجع للتفصيل إلى شواهد التوضيح
والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح (ص ١١٧، ١١٨) (وتغتسلين مع الفجر، فافعلى) هذا تأكيد، والشرطية باعتبار
المجموع (وصومى) أى فى هذه المدة التى تصلى فرضا ونفلا (إن قدرت على ذلك) بدل من الشرط الأول هذا، والجمع بين
الصلاتين بغسل واحدهو الأمر الثانى، بدليل قوله: وهذا أعجب الأمرين إلى. وأما الأمر الأول، فقيل: هو الوضوء
لكل صلاة بعد الاغتسال عن الحيض بمرور الستة أو السبعة الأيام، فإن فى صدر الحديث سأمرك بأمرين ، ثم ذكر لها
الأمر الأول أنها تحيض منا أو سبعا، ثم تغتسل وتصلى، وقد علم أنها توضأ لكل صلاة، لأن استمرار الدم ناقض
للوضوء، فلم يذكره فى هذه الرواية. وقد ذكره فى غيرها. ثم ذكر الأمر الثانى من جمع الصلاتين. وقيل: الأمر الأول هو
الاغتسال لكل صلاة. قلت: لم يصرح فى حديث حمة هذا بالوضوء لكل صلاة، ولا بالاغتسال لكل صلاة. والظاهر عندى
هو القول الأول، وإليه ذهب الأمير اليمانى، وأبو الطيب السندى، والامام الشافعى. ورجح شيخنا فى شرح الترمذى
أن الأمر الأول هو الاغتسال لكل صلاة، وبه فسر القارى وغيره مستدلا بما ورد فى روايات قصة أم حبيبة المفسرة
عند أبى داود وغيره، ولا يخفى ما فيه. قال القارى: وتعليقه عليه الصلاة والسلام هذا بقوتها لا ينافى قوله السابق:
وإن قويت عليهما ، لأن ذلك لبيان أنها إذا قويت عليهما تختار ما شاءت. وهذا لبان أنها إذا قويت عليهما تختار الأحب
إليه عليه الصلاة والسلام (وهذا) أى الجمع بين الصلاتين بغسل وإحد (أعجب الأمرين إلى) الحديث قد استدل به على
٢٦٥

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
رواه أحمد وأبو داود والترمذى.
( الفصل الثالث )
٥٦٤ - (٦) عن أسماء بنت عميس، قالت: قلت: يا رسول الله! إن فاطمة بنت أبى حييش
: سبحان الله!
أستحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل. فقال رسول ﴾
أن المستحاضة ترجع إلى الغالب من عادة النساء. ولا مخالفة بينه وبين الأحاديث القاضية بالرجوع إلى عادة نفسها ،
كحديث أم حبيبة وغيرها ، والقاضية بالرجوع إلى التمييز بصفات الدم كحديث عروة عن فاطمة بنت أبى حبيش، فإنه
يحمل هذا الحديث على عدم معرفتها لعادتها، وعدم إمكان التمييز بصفات الدم. وحاصل الكلام فى المستحاضة: أنها إن كانت
معتادة ترجع إلى عادتها المعروفة، سواء كانت ميزة أو غير مميزة لحديث أم حبيبة عند مسلم وغيره ، ففيه: امكثى قدر
ما كانت تحبسك حيضتك. وإن كانت غير معتادة وهى مميزة تعمل بالتمييز لحديث: إذا كان دم الحيض فإنه أسود
يعرف. وإن كانت مبتدأة غير مميزة لا عادة لها ولا تميز، أو كانت معتادة لكنها نسيت عادتها، ترجع إلى عادة النساء
القرائب. فإن اختلفت عادتهن فالاعتبار بالغالب منهن. فإن لم يوجد غالب، تحيضت ستا أو سبعا كما أمر رسول الله
ملح حنة بنت جحش. والله اعلم (رواه أحمد) (ج ): ص ٤٣٩،٣٨٢،٣٨١) (وأبو داود والترمذى) وأخرجه
أيضا الشافعی فی الأم (ج ١: ص ٥١، ٥٢) وابن ماجه، والدار قطنى (ص ٧٩) والحاكم (ج ١: ص ١٧٢، ١٧٣)
والبيهقى (ج ١: ص ٣٣٩،٣٣٨) كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمران
ابن طلحة، عن أمه حمة. قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح، وسألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: هو حديث
حسن. وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث صحيح - انتهى. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل
فى نفسى منه شئى. وهذا يخالف ما نقله الترمذى عنه هنا من تصحيحه. وأجيب عنه بأنه يمكن أن يكون قد كان فى نفسه
من الحديث شئى، ثم ظهرت له صحته. وقيل: لعله يريد أن فى نفسه شيئا من جهة الفقه، والاستنباط ، والجمع بينه وبين
الأحاديث الأخرى ، وإن كان صحيحا ثابتاً عنده من جهة الاسناد.
٥٦٤ - قوله (عن أسماء بنت عميس) بالمهملتين مصغرا الختعمية من المهاجرات الأول، وأخت ميمونة بنت الحارث
أم المؤمنين لأمها، هاجرت مع زوجها جعفر بن أبى طالب إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، ثم تزوجها أبو بكر، ثم على بن أبى
طالب، وولدت لهم. كان عمر يسألها عن تعبير الرؤيا. ولما بلغها قتل محمد بن أبى بكر جلست فى مسجدها، وكظمت غيظها حتى
شخبت ثدياها دما. لهاستون حديثا انفرد له البخارى بحديث. ماتت بعد على (منذ كذا وكذا) أى سبع سنين (فلم تصلى) ظنا
منها أن الاستحاضة تمنع الصلاة كالحيض (سبحان الله) قاله تعجبا من تركها الصلاة بمجرد ظنها المذكور من غير أن تراجعه
٢٦٦

مرعاة المفاتيح چ٢
٣ - كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
إن هذا من الشيطان. لتجلس في مركز، فإذا رأت صفارة فوق الماء، فلتغتسل الظهر والعصر
غسلا واحدا، وتغتسل المغرب والعشاء غسلا واحدا ، وتغتسل للفجر غسلا واحدا ، وتوضأ فى ما
بین ذلك. رواه أبو داود .
عليه الصلاة والسلام فى ذلك (إن هذا) أى أمر الاستحاضة ، وترك الصلاة بها (من الشيطان) أى من ركضه وتسويله
(لتجلس). أمر (فى مركز) أى فيه ماء وهو بكسر الميم وفتح الكاف ، إناء كبير يغسل فيه الثياب (فإذا رأت صفارة)
كذا وقع فى نسخ المشكاة كلها صفارة بزيادة الألف بعد الفاء، والذى فى سنن أبي داود صفرة بغير ألف (فوق الماء) أى
فوق الماء الذى تجلس فيه فإنه تظهر الصفرة فوق الماء فعند ذلك تضب الماء للغسل خارج المركز. وفائدة الجلوس فى
المركز أن يعلو الدم الماء، فيظهر به تمييز دم الاستحاضة من غيره، فإنه إذا علا الدم الأصفر فوق الماء فهى مستحاضة،
وإذا علا الدم الأسود فهو حض، فهذه هى النكتة فى الجلوس فى المركز. وأما الغسل خارج المركز لا فيه فى الماء النجس،
قاله الأمير اليمانى (فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وتغتسل) بالجزم غطف على المجزوم (وتغتسل للفجر غسلا واحدا)
جاء بطريق المشاكلة (وتوضأ) بحذف أحد التائين (فيما بين ذلك) أى فيما بين الظهر والعصر للعصر، وفيما بين المغرب
والعشاء للعشاء، لأنها صاحبة عذر، وهى مأمورة بالوضوء لكل صلاة. وهذا الحديث وحديث حمنة المتقدم فيهما الأمر
بالاغتسال فى اليوم والليلة ثلاث مرات، وقد بين فى حديث حمنة أن المراد إذا أخرت الظهر والمغرب، ومفهومه أنه إذا
وقتت اغتسلت لكل فريضة. وقد اختلفوا فيه، فروى عن بعض العلماء أنه يجب عليها الاغتسال لكل صلاة. واستدل
بما روى أبو داود والبيهقى وغيرهما أن النبى مَّ قال لها: اغتسلى لكل صلاة. وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف
إلى أنه لا يجب عليه الاغتسال لشئى من الصلوات، ولا فى وقت من الأوقات إلا مرة واحدة فى وقت انقطاع حيضها .
وقالوا: رواية الأمر بالاغتسال لكل صلاة ضعيفة، غير ثابتة، قد بين البيهقى ومن قبله ضعفها. وقيل: بل هى منسوخة
بحديث فاطمة بنت أبى حبيش أنها توضأ لكل صلاة. وقيل: إن حديث تعدد الغسل محمول على الندب والاستحباب.
واختاره أحمد ، وجنح إليه الشافعى بقرينة عدم أمر فاطمة به ، واقتصاره على أمرها بالوضوء، فالوضوء هو الواجب.
وقيل محمول على العلاج، والتبريد، وتقليل الدم. قلت : القول الراجح عندى أن أحاديث تعدد الغسل محمولة على
الاستحباب. قال ابن قدامة فى المغنى: قوله مؤلّ لفاطمة متوضئى لكل صلاة)) يدل على أن الغسل المأمور به فى سائر الأحاديث
مستحب غير واجب، والغسل لكل صلاة أفضل، ثم الجمع بين الصلاتين ، ثم الغسل كل يوم بعد الغسل عند انقطاع
الحيض، ثم تتوضأ لكل صلاة، وهو أقل المأمور، ويجزئه إن شاء الله - انتهى مختصرا (رواه أبو داود) وسكت عنه .
وقال المنذري : حسن .
: ٢٦٧

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١٣ - باب المستحاضة
٥٦٥ - (٧) وقال: روى مجاهد عن ابن عباس: لما اشتد عليها الغسل، أمرها أن تجمع بين الصلاتين.
٥٦٥ - قوله (وقال) أى أبو داود (روى مجاهد) هو مجاهد بن جبر - بفتح الجيم وسكون الباء- الامام أبو الحجاج
المخزومى مولاهم، المكى المقرئى المفسر الحافظ، مولى السائب بن أبي السائب المخزومى. ولد سنة (٢١) فى خلافة عمر
سمع سعدا وعائشة وأبا هريرة وعبد الله بن عمر وابن عباس، ولزمه مدة، وقرأ عليه القرآن. وكان أحد أوعية العلم.
روى عنه أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت وكيف كانت؟ قال
الذهبى: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد، والاحتجاج به. وقال ابن سعد: كان ثقة فقيها عالماً ، كثير الحديث، من
الطبقة الوسطى من تابعى مكة ، وفقهاءها، وقراءها، والمشهورين بها. مات بمكة سنة (١٠٢) أو (١٠٣) أو
(١٠٤) وهو ساجد، وقد بلغ (٨٣) سنة (عن ابن عباس) وصل الطحاوى هذا التعليق بسنده عن مجاهد عن ابن عباس
(لما اشتد عليها) أى على المستحاضة التى سألت عنه حكمها ، واعتذرت بأن أرضنا أرض باردة (الغسل) أى لكل صلاة
(أمرها) أى ابن عباس (أن تجمع بين الصلاتين) أى جمعا صوريا بغسل واحد .
٢٦٨

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
(٤) كتاب الصلاة
الفصل الأول )
٥٦٦ - (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَلّى: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة،
ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. رواه مسلم.
(كتاب الصلاة) كان فرض الصلوات الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة ، وكانت الصلاة قبل الاسراء صلاتين،
صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. قال تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك بالعشى والإيكار -٤٠: ٥٥) واختلفوا
فى اشتقاق الصلاة ، فقيل: من الصلاة بمعنى الرحمة ، وقيل: بمعنى الدعاء، وقيل: من الصلوين ، وهما عرقان فى الردف
ينحنيان فى الصلاة، وقيل: من الصلى وهو دخول النار. ونقل الإمام ابن القيم فى بدائع الفوائد عن السهيلى كلاما حسنا
فی اشتقاق الصلاة ، فارجع إليه.
٥٦٦ - قوله (الصلوات الخمس) أى بعضها إلى بعض ، ففي رواية لأحمد: الصلاة إلى الصلاة التى قبلها كفارة
(والجمعة) أى صلاتها (إلى الجمعة) أى منتهية إلى الجمعة، أو منضمة إليها. وعلى هذا قوله: (ورمضان) أى صومه
(إلى رمضان) وقوله: (مكفرات لما بينهن) أى من الذنوب، خبر عن الكل و ((ما بينهن)) معمول لاسم الفاعل، قاله الطبي.
والتكفير التغطية، والمراد هنا المحو (إذا اجتنبت الكبائر) على صيغة المجهول، شرط جزاءه محذوف دل عليه ما قبله.
وقيل إذا لمجرد الظرفية، فمعنى قوله: إذا اجتنبت الكبائر. أى وقت اجتنابها. والحديث بظاهره يفيد أن التكفير مشروط
باجتناب الكبائر، فإن لم يحتفبها لم تكفر الصغائر، ومثله قوله تعالى: ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم -
٤: ٣١) وهذا إنما يلزم عند من يقول بالمفهوم. وأما من لم يقل بمفهوم المخالفة، فأمر تكفير الصغائر وقت ارتكاب
الكبائر معكوت عنده، وقد على من الأدلة الأخرى أنه تغفر الصغائر بالطاعات وإن لم يجتنب الكبائر . وقيل فى توجيه
الآية: أن محو الصغائر لمن اجتنب الكبائر وعد مقطوع به، ومحوها لمن تعاطى الكبائر ليس كذلك، بل فى مشيئته وإرادته
تعالى. وقال النووى: معنى الحديث: أن ما بينهن من الذنوب كلها مغفور إلا الكبائر لا يكفرها إلا التوبة، أو فضل
الله. هذا مذهب أهل السنة، ذكره القارى. وقال الشيخ محمد طاهر الفتى: لا بد فى حقوق الناس من القصاص ولو
صغيرة، وفى الكبائر من التوبة. ثم ورد المنفرة فى الصلوات الخمس والجمعة ورمضان، فإذا تكرر يغفر بأولها الصغائر،
وبالبواقى يخفف عن الكبائر، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة يرفع بها الدرجات - انتهى (رواه مسلم) فى الطهارة
وأخرجه أيضا أحمد والترمذى فى الصلاة.
٢٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٥٦٧ - (٢) وعنه، قال: قال رسول اللّه مربى: أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم
خمسا، هل يبقى من درله شئى؟ قالوا: لا يبقى من درنه شئى. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس،
يمحو الله بهن الخطايا. متفق عليه.
٥٦٧ - قوله (أرأيتم لو أن نهرا) بفتح الهاء وسكونها (يغتسل) أى أحدكم (فيه) أى فى النهر (خمسا) أى خمس
مرات (هل يبقى من دونه شئى) بفتح الدال والراء أى وسخه، ومن زائدة ، وقيل بيانية. قال الطبي: لو الامتناعية
تقتضى أن تدخل على الفعل الماضى، وأن يجاب. والتقدير لو ثبت نهر بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات لما
بقى من درنه شئى. فوضع الاستفهام موضعه تأكيدا وتقريرا، إذ هو فى الحقيقة متعلق الاستخبار ، أى أخبرونى هل
يبقى لو كان كذا؟ ومن فى قوله ((من درنه) استغراقية زائدة لما دخل فى حيز الاستفهام، ودرنه مفعول يبقى، وفيه
مبالغة فى نفى دون الذنوب ووسخ الآثام - انتهى (فذلك) أى النهر المذكور أو الغسل فيه خمس مرات. قال الطيبي:
الفاء جزاء شرط محذوف، أى إذا أقررتم ذلك وصح عندكم فهو مثل الصلوات (مثل الصلوات) بفتح الميم والمثلثة،
فيكون تشبيه المعقول - أى الصلاة - بالمحسوس - أى الغسل فى النهر - وهو الظاهر. وقيل بكسر الميم وسكون الثاء،
فيكون تشبيه الغسل بالصلاة ، لكن المقصود تشبيه الصلاة بالغسل وإنما عكس فى اللفظ مبالغة. قال القارى: عكس
فى التشبيه حيث أن الأصل تشبيه المعقول بالمحسوس مبالغة (يمحو الله بهن الخطايا) أى الصغائر. والجملة مبنية لوجه الشبه
قال ابن العربى: وجه التمثيل أن المرأكما يتدنس بالأقذار المحسوسة فى بدنه وثيابه، ويطهره الماء الكثير، فكذلك الصلوات
تطهر العبد عن أقذار الذنوب حتى لا تبقى له ذنبا إلا أسقطته ـ انتهى. وظاهر الحديث أن المراد بالخطايا ما هو أعم
من الصغيرة والكبيرة ، لكن الحديث المتقدم يدل على أن المراد بها هى الصغائر دون الكبائر. وقال السندى: خصها
العلماء بالصغائر ولا يخفى أنه بحسب الظاهر لا يناسب التشبيه بالنهر فى إزالة الدرن، إذ النهر المذكور لا يبقى من الدرن
شيئا أصلا. وعلى تقدير أن يبقى، فإبقاء القليل والصغير أقرب من إبقاء الكثير والكبير ، فاعتبار بقاء الكبير وارتفاع
الصغير قلب لما هو المعقول نظرا إلى التشبيه، فلعل ما ذكروا من التخصيص مبنى على أن للصغائر تأثيرا فى درن الظاهر
فقط ، کما يدل عليه ما ورد فى خروج الصغائر من الأعضاء عند التوضئ بالماء بخلاف الكبائر ، فإن لها تأثيرا فی درن
الباطن كما يفيده بعض الأحاديث أن العبد إذا ارتكب المعصية تحصل فى قلبه نكتة سوداء، ونحو ذلك. وقد قال تعالى:
﴿بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون - ٨٣: ١٤) فكما أن الغسل يذهب بدرن الظاهر دون الباطن، فكذلك الصلاة.
فتفكر - انتهى (متفق عليه) واللفظ المذكور لمسلم إلا أن فيه: يغتسل منه كل يوم خمس مرات. وفى لفظ البخارى
بعض ما يتفاوت ذلك اللفظ. والمؤلف ربما ينسب الحديث إلى الشيخين ، ويحكم بكونه متفقا عليه مع تفاوت فى لفظهما،
نظرا إلى أصل الحديث. وقد يصرح بالاختلاف. ولعل ذلك فيما يفحش التفاوت. والحديث أخرجه أيضا الترمذى
٢٧٠
:

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٥٦٨ - (٣) وعن ابن مسعود، قال: إن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي مَّذين فأخبره،
فأنزل الله تعالى ﴿وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات) فقال
الرجل: يا رسول الله! ألى هذا؟ قال: لجميع أمتى كلهم. وفى رواية: لمن عمل بها من أمتى.
فى الأمثال، والدارمى فى الصلاة ، وفى الباب عن جابر عند مسلم، والدارمى، وعثمان عند ابن ماجه.
٥٦٨ - قوله (إن رجلا) هو أبو اليسر بفتحتين كعب بن عمرو الأنصارى أخرج قصته الترمذى، والنسائى ،
والبزار عنه، قال: أنتنی امرأة تبتاع تمرا فقلت : إن فى البيت تمرا أطیب منه، فدخلت معی فی الیت ، فأمریت إليها ،
فقبلتها - الحديث. وقيل: اسم هذا الرجل نيهان التمار. ذكر قصته عبد الغنى بن سعيد الثقفي أحد الضعفاء فى تفسيره عن
ابن عباس. وقيل : عمرو بن غزية. وقيل: عامر بن قيس. وقيل: عباد. قال الحافظ : وأقوى الجميع أنه أبو اليسر ،
واسمه كعب بن عمرو الأنصارى السلمى، مشهور باسمه وكنيته، شهد العقبة ، وبدرا وله فيها آثار كثيرة ، وهو الذى
أسر العباس، كان قصيرا ، دحداحا، عظيم البطن. مات بالمدينة سنة (٥٥) (أصاب من امرأة) أنصارية وهى حال
من قوله: (قبلة) بضم القاف أى من غير مجامعة (فأتى النبي مَّل) بعد أن ندم على فعله، وعزم على تلافى حاله عملا
بقوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلوا أنفسهم جاؤك - ٤: ٦٤) الآية (فأخبره) أى بالواقعة (فأنزل الله تعالى) قال
الطبي: الفاء عطف على مقدر أى فأخبره، فسكت رسول الله مَثّل، فصلى الرجل، فأنزل الله ، يدل عليه الحديث الآتى
(وأقم الصلاة طرفى النهار) أى الغداة والعشى، أى الصبح والظهر والعصر (وزلفا) جمع زلفة أى طائفة (من الليل)
أى المغرب والعشاء. قال فى المدارك: {وأقم الصلاة طرفى النهار)) غدوة وعشية (وزلفا من الليل) وساعات من
الليل جمع زلفة، وهى ساعاته القريبة من آخر النهار ، من أزلفه إذا قربه. وصلاة الغدوة الفجر. وصلاة العشية الظهر
والعصر، لأن ما بعد الزوال عشى. وصلاة الزلف المغرب والعشاء - انتهى. وقيل فى تفسير ((طرفى النهار والزلف)
غير ذلك. والأقرب عندى ما نقلته من المدارك. واستدل مغلطائى الحنفى بقوله {زلفا من الليل)) على وجوب الوتر،
لأن زلفا جمع وأقله الثلاث، فلا بد أن تكون هناك صلاة ثالثة، وهى الوتر. قال بعض الحنفية؛ لا دليل فى الآية على
وجوب الوتر. أما جمعية الزلف فهى باعتبار وقوع العشاء فى هذه الحصة تارة وتارة فى الحصة الأخرى ، فكانت باعتبار
حصص الليل وساعاته من حيث تعجيل العشاء وتأخيره - انتهى (إن الحسنات) أى كالصلوات الخمس (يذهبن)
أى يكفرن (السيئات) أى الصغائر لحديث أبى هريرة السابق (ألى هذا؟) هذا مبتدأ وعلى)، خبره، والهمزة
حرف الاستفهام لإ رادة التخصيص، أى مختص لى هذا الحكم أو عام لجميع المسلمين؟ (كلهم) تأكيد بعد تأكيد ليشمل
الموجودين والمعدومين، أى هذا لهم وأنت منهم (وفى رواية) للشيخين عن ابن مسعود أيضا كما أفاده تأخير المصنف
قوله متفق عليه إلى ما بعدها (لمن عمل بها) أى بهذه الآية بأن فعل حسنة بعد سيئة. واستدل بهذا الحديث على عدم
٢٧١

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
متفق عليه.
٥٦٩ - (٤) وعن أنس، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله! إنى أصبت حدا فأقه على. قال:
ولم يسأله عنه. وحضرت الصلاة، فصلى مع رسول اللّه وَّى. فلما قضى الني مَفى الصلاة، قام
الرجل، فقال: يا رسول الله! إنى أصبت حدا فأقم فى كتاب الله. قال: أليس قد صليت معنا؟
قال: نعم. قال: فإن الله قد غفرلك ذنبك أو حدك. متفق عليه.
وجوب الحد فى القبلة واللس ونحوهما، وعلى سقوط التعزير عمن أتى شيئا منها وجاء تائبا نادما (متفق عليه) أخرجه
البخارى فى مواقيت الصلاة ، وفى تفسير سورة هود ، ومسلم فى التوبة، وأخرجه أيضا الترمذى فى التفسير، وابن ماجه
فى الصلاة ، واللفظ المذكور البخارى فى مواقيت الصلاة.
٥٦٩ - قوله (جاء رجل فقال: يا رسول الله! إنى أصبت حدا) أى موجبه على حذف المضاف، أى فعلت
شيئًا يوجب الحد (فأقه) أى الحد، والمراد حكم الله (على) قال الحافظ فى الفتح: لم أقف على اسم هذا الرجل، ولكن من
وحد بين هذه القصة والتى فى حديث ابن مسعود فسره به ، وليس يجيد لاختلاف القصتين ، وعلى التعدد جرى البخارى
فى هاتين الترجمتين، فحمل الأولى على من أقر بذنب دون الحد للتصريح بقوله: غير أنى لم أجامعها . وحمل الثانية على
ما يوجب الحد ، لأنه ظاهر قول الرجل ، وأما من وحد بين القصتين ، فقال: لعله ظن ما ليس بحد حدا، أو استعظم
الذى فعله، فظن أنه يجب فيه الحد ـ انتهى. ولحديث أنس هذا شاهد من حديث أبي أمامة عند مسلم، وابن جرير
(ولم يسأله عنه) أى لم يستفسر رسول الله مر فق الرجل عن موجب الحد ما هو؟ لأنه قد يدخل فى التجسس المنهى عنه،
أو إيثارا للستر. ويحتمل أن يكون ◌َّ اطلع بالوحى على أن الله قد غفر له، لكونها واقعة عين، وإلا لكان يستفسره
عن الحد، ويقيمه عليه. قال الخطابي، وجزم النووى، وجماعة: أن الذنب الذى فعله كان من الصغائر بدليل قوله:
إنه كفرته الصلاة ، بناء على أن الذى تكفر الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر. وترجم البخارى على هذا الحديث
بقوله: إذا أقر بالحد ، ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه؟ قال الحافظ: ظاهر ترجمته حمله على من أقر بحد ولم يفسره
فإنه لا يجب على الامام أن يقيمه عليه إذا تاب، أى وكان موجب الحد مخفيا (فلما قضى النبى مَثّ الصلاة) أى أداما
وانصرف عنها (قام الرجل) وفى البخارى: قام إليه الرجل (فاقم فى) أى فى حتى ( كتاب الله) أى حكم الله من الكتاب
والسنة ، أو ما حكم به الله تعالى فى كتابه من الجد (أو حدك) شك من الراوى أى سبب حدك (متفق عليه) أخرجه
البخارى فى المحاربين، ومسلم فى التوبة ، واللفظ للبخارى .
٢٧٢

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٥٧٠ - (٥) وعن ابن مسعود، قال: سألت النبي ◌َّ أى الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الصلاة
لوقتها. قلت: ثم أى؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أى؟ قال: الجهاد فى سبيل الله. قال: حدثنى
بهن، ولو استزدته لزادنى. متفق عليه.
٥٧٠ - قوله (أى الأعمال) أى البدنية، فلا يعارض ((أفضل الأعمال الإيمان بالله)) كذا قيل (الصلاة لوقتها)
أى فى وقتها المندوب، فاللام فيه بمعنى فى، لأن الوقت ظرف لها. قال تعالى ﴿ونضع الموازين القسط ليوم
القيامة - ٢١: ٤٧) أى فيه. وفى رواية للشيخين على وقتها. قيل على بمعنى اللام، ووقع فى رواية الحاكم والدار قطنى
والبيهقى: فى أول وقتها، وهى رواية صحيحة صححها الحاكم ووافقه الذهبي، وأخرجها ابن خزيمة فى صحيحه. قيل: رواية
لوقتها باللام تفيد معنى لفظ أول، لأن اللام لاستقبال وقتها كقوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن - ٦٥: ١) أى مستقبلات
العدتهن، ومعلوم ضرورة شرعية أن الصلاة لا تصح قبل دخول الوقت ، فتعين أن المراد لاستقبالكم الأكثر من وقها،
وذلك بالإتيان بها فى أول وقتها. ورواية ((على وقتها)) أيضا تفيد ذلك، لأن كلمة ((على) تقتضى الاستعلاء على جميع
الوقت. وفائدته تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه. وعورض تفضيل الصلاة فى أول وقتها على ما كان منها فى
غيره بحديث العشاء، وبأحاديث الايراد بالظهر عند القائلين بأفضلية الايراد. والجواب أن ذلك تخصيص لعموم أول
الوقت ، ولا معارضة بين عام وخاص، هذا. وقد وردت أحاديث أخرى فى أنواع من أعمال البر بأنها أفضل
الأعمال، وهى تعارض حديث ابن مسعود هذا ظاهرا. وأجيب بأنه مريض أخبر كل مخاطب بما هو ألق به وهو به
أقوم ، وإليه أرغب ، ونفعه فيه أكثر، فالشجاع أفضل الأعمال فى حقه الجهاد، فإنه أفضل من تخليه للعبادة،
والغنى أفضل الأعمال فى حقه الصدقة وغير ذلك. أو كان الاختلاف فى الجواب باختلاف الأوقات بأن يكون
العمل فى ذلك الوقت أفضل منه فى غيره ، فقد كان الجهاد فى ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها ،
والتمكن من أدائها وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة ، ومع ذلك ففى وقت مواساة المضطر تكون
الصدقة أفضل. أو أن كلمة من مقدرة، والمراد من أفضل الأعمال. أو كلمة أفضل لم يرد به الزيادة بل الفضل المطلق.
وأجاب الطحاوى عن هذا الإشكال بجواب آخر أطال فى تقريره، إن شئت الوقوف عليه فارجع له إلى مشكله
(ثم أى) بالتشديد والتنوين، وثم لتراخى الرتبة لا لتراخى الزمان، أى ثم بعد الصلاة أيها أحب وأفضل (بر الوالدين)
بكر الباء وتشديد الراء الإحسان، وبر الوالدين ضد العقوق، وهو الإساءة وتضيع الحقوق (حدثنى بهن) أى بهذه
الأشياء الثلاثة (ولو استزدته) أى طلبت منه الزيادة فى السؤال يعنى لو سألته أكثر من هذا (لزادنى) فى الجواب
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى مواقيت الصلاة، والجهاد، والأدب والتوحيد. ومسلم فى الإيمان. وأخرجه أيضا
الترمذى فى الصلاة، وفى البر والصلة. والنسائى والدارمى فى الصلاة. وأبو داود الطيالسى فى مسنده. واعلم أن
هذا الحديث ليس مرويا فى الصحيحين بعين هذا اللفظ وتمامه الذى ذكره المؤلف تبعا للبغوى ، بل اللفظ المذكور
٢٧٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٥٧١ - (٦) وعن جابر، قال: قال رسول اللّه مَللَّه: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة.
لا يوافق رواية من روايات غيرهما أيضا. وكان البغوى أخذشيئا من رواية وشيئا من رواية أخرى ، وجعل المأخوذ
المجموع سياقا واحد ، وهذا كما ترى ليس مما ينبغى، بل كان عليه أن يوردرواية واحدة معينة للحديث، ثم يذكر الاختلاف
فى ألفاظها إن كان، هذا هو الطريق الصحيح فى نقل الرواية. والعجب من صاحب المشكاة أنه لم يتنبه لذلك، أو تنبه
لكن لم يعد صنيع البغوى هذا مخالفا للقاعدة .
٥٧١ - قوله (بين العبد) أى المسلم وفى حكمه المسلمة (وبين الكفر) كرر بين لمزيد التأكيد (ترك الصلاة)
مبتدأ مؤخر ، والظرف المقدم خبره ، ولمتعلقه محذوف تقديره: ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر، والمعنى أنه يوصله
إليه، وبهذا التقدير زال الإشكال، فإن المتبادر أن الحاجزبين الإيمان والكفر فعل الصلاة لا تركها. وقيل: المعنى
الفارق بين المؤمن والكافر ترك الصلاة ، لوجوده فى الكافر دون المؤمن ، فإن من حق ما به الفرق أن يوجد فى أحد
الطرفين دون الآخر، فترك الصلاة فارق بينهما لتحققه فى الكافر دون المؤمن. وقال السندهى فى حاشية ابن ماجه: مثل
هذه العبارة كما يستعمل فى المانع الحائل بين الشيئين كذلك يستعمل فى الوسيلة المفضية لأحدهما إلى الآخر. وفى الحديث
من هذا القبيل، فلا يرد أن الحائل بينهما هى الصلاة ، فإنها تمنع العبد من الوصول إلى الكفر لا تركها، فليتأمل. ومثل
هذا قول القائل بينك وبين مرادك الاجتهاد، وليس هو نظير قوله تعالى ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب - ٤١: ٥} وقوله
﴿ وجعل بين البحرين حاجزا - ٢٧: ٦١} - انتهى. واللفظ المذكور لفظ ابن ماجه. ولفظ مسلم: بين الرجل وبين
الشرك والكفر ترك الصلاة. قال النووى معناه أى الذى يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإذا ترك لم يبق بينه
وبين الشرك حائل، بل دخل فيه. ثم إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد، وهو الكفر بالله تعالى. وقد يفرق
بينهما فيكون الكفر أعم من الشرك - انتهى. وعلى هذا عطف الكفر على الشرك فى رواية مسلم عطف عام على خاص.
والحديث يدل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر، ولا خلاف بين المسلمين فى كفر من ترك الصلاة منكرا لوجوبها
إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة. وإن كان تركه لها تكاسلا مع
اعتقاده لوجوبها كما هو حال كثير من الناس ، فقد اختلف العلماء فيه، فذهب أحمد وإسحق ، وبعض المالكية، وبعض
الشافعية إلى أنه يكفر وتمسكوا بحديث جابر هذا وبحديث بريدة فى الفصل الثانى، وبأحاديث عبد الله بن عمرو بن العاص
وعبد الله بن شقيق، وأبى الدرداء فى الفصل الثالث وبأحاديث أخرى وردت بتكغيره، ذكرها الحافظ فى التلخيص (ص ١٧٢)
والهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ١: ص ٢٩٥) والمنذرى فى الترغيب (ج ١: ص ١٦٤ - ١٦٦) وذهب مالك والشافعى
إلى أنه لا يكفر بل يفسق، فإن تاب وإلا قتل حدا كالزانى المحصن، ولكنه يقتل بالسيف. وذهب صاحب الرأى إلى
أنه لا يكفر ، ولا يقتل ، بل يعزر ، ويحبس حتى يصلى. ومن أقوى ما يستدل به على عدم كفره حديث عبادة الآتى،
وقوله تعالى ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفرما دون ذلك لمن يشاء -٤: ١١٦)﴾ وحمل القائلون بعدم كفره الأحاديث
٢٧٤

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
رواه مسلم.
( الفصل الثانى )
٥٧٢ - (٧) عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول اللّه مؤلم: خمس صلوات اقترضهن الله تعالى
من أحسن وضوهن، وصلاهن لوقتهن،
القاضية بكفره على من تركها جحدا. وقال بعضهم: هى محمولة على التغليظ والتهديد ، أو على أنه قد يؤل به إلى الكفر ،
أو أن فعله شابه فعل الكفار. والحق عندى: أن تارك الصلاة عمداكافر ولو لم يححد وجوبها، لصحة الأحاديث فى
إطلاق الكفر عليه، لكنه كفر دون كفر أى لم يرد بهذا الكفر كفرا يرده إلى ما كان عليه فى الابتداء، ففي الكفر
مراتب كثيرة بعضها أخف من بعض غير موجب للخلود وعدم المغفرة، كما أن فى الإيمان مراتب بعضها أعلى من بعض.
والله أعلم. وارجع للتفصيل إلى النيل (ج ١: ص ٢٨٠ - ٢٨٦) والفتح (ج ٢٨: ص ٣٩٣) (رواه) أى أصل
الحديث (مسلم) وإلا فاللفظ الذى ذكره المؤلف تبعا للبغوى لفظ ابن ماجه. وأما لفظ مسلم فقد ذكرناه مع شرحه.
والحديث أخرجه أيضا أحمد والترمذى فى الإيمان وأبو داود فى السنة والنسائى وابن ماجه فى الصلاة وابن حبان . قال
الحافظ : ورواه ابن حبان والحاكم، من حديث بريدة بن الحصيب نحوه.
٥٧٢ - قوله (خمس صلوات) مبتدأ لتخصيصه بالإضافة خبره جملة (افترضهن الله تعالى) وجملة (من أحسن
وضوئهن) إلخ. استئناف مبين لبيان ما ترتب على افتراضهن، ويحتمل أن يكون جملة افترضهن صفة، وما بعدها خبر.
قال السندى: قد استدل عبادة بن الصامت بالعدد على عدم وجوب الوتر. كما جاء عنه أى عند مالك، وأبى داود والنسائى،
لكن دلالة المفهوم للعدد ضعيفة عندهم إلا أن يقال: قد قويت ههنا لما لحقها من القرائن المقتضية لاعتبار ها ههنا، وذلك لأنه لوكان
فرض سادس فى جملة الصلوات كل يوم لبين لهم النبي مَّ بيانا وانيا بحيث ماخفى على أحد لعموم الإبتلاء، فضلا عن أن
يخفى على نحو عبادة، فكيف وقد بين لهم ما يؤهم خلافه، فظهر بهذا أن المفهوم هنا معتبر. قلت : ويؤيد ذلك أيضا أن
الصحابى أعلم منا بفحوى الكلام، فيكون استدلاله بمفهوم العدد حجة، لا سيما إذا لم يعارضه عنده منطوق. قال السندى:
وقد يقال: لعله استدل على ذلك بقوله: من جاء بهن، إلخ. حيث رتب دخول الجنة على أداء الخمس، ولو كان هناك
صلاة غير الخمس فرضا لما رتب هذا الجزاء على أداء الخمس. وفيه أنه كيف يحصل دخول الجنة بالصلاة فقط مع وجود
سائر الفرائض ، فإن جوز ذلك فليجوز مثله مع وجود الفرض السادس فى جملة الصلوات - انتهى. قلت : الفرائض
الأخر غير الصلاة منطوقات فتقدم على هذا المفهوم، ويشترط لدخول الجنة وجودها مع الصلاة، وأيضا هى من غير جنس
الصلاة وكلامنا فى ما هو من جنسها (وصلاهن لوقتهن) أى فى أوقاتهن المختارة. وقال الطبى: أى قبل أوقاتهن وأولها
٢٧٥

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له على اللّه عهد أن يغفرله. ومن لم يفعل فليس له على الله عهد
إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. رواه أحمد، وأبو داود. وروى مالك، والنسائى نحوه.
٥٧٣ - (٨) وعن أبى أمامة، قال: قال رسول اللّه ◌َؤ تى: صلوا خمسكم،
(وأتم ركوعهن) أى وسجودهن كما فى رواية لأحمد (ج٥: ص ٣١٧) أى أتى بهما تامين بأن اطمأن فيهما (وخشوعهن)
المراد به سكون الجوارح عن العبث والقلب عما يشتغل بغير ما هو فيه من صلاته. واختلفوا فى وجوب الخشوع واشتراطه
فى الصلاة، فذهب الأكثرون إلى عدم الوجوب والاشتراط. وروى عن سفيان الثورى أنه قال: من لم يخشع فسدت صلاته.
وروى عن الحسن أنه قال: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهى إلى العقوبة أسرع، ولاشك أن حضور القلب فى الصلاة شرط
من حيث أن الصلاة لا تنفع فى الآخرة إلا به، فإن حضور القلب هو روح الصلاة، فصلاة الغافل فى جميعها كالميت، وصلاة
الغافل فى جميعها إلا عند التكبير كمثل حى لا حراك به، فهو قريب من ميت. وقدمال الغزالى إلى اشتراطه فى الصلاة ، فقد ذكر
أدلته فى إحياء العلوم، ولأبى الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلى رسالة مفيدة فى الخشوع فى الصلاة فعليك أن
تراجعها ( كان له على اللّه) أى كرما وتفضلا (عهد) أى وعد. والعهد حفظ الشئى ومراعاته حالا خالا، سمى ما كان
من الله تعالى على طريقة المجازاة لعباده عهدا على جهة مقابلة عهده على العباد، ولأنه وعد القائمين بحفظ عهده أن
لا يعذبهم، ووعده حقيق بأن لا يخلفه، فسمى وعده عهدا لأنه أولق من كل وعد وعهد، قاله التور بشتى. وقال القاضى:
شبه وعد الله باثابة المؤمنين على اعمالهم بالعهد الموثوق به الذى لا يخلف ، ووكل أمر النارك إلى مشيته تجويزا لعفوه
لأنه لا يجب على اللّه شتى، ومن ديدن الكرام محافظة الوعد والمسامحة فى الوعيد (أن ينفر له) خبر مبتدأ محذوف أى
هو، أو صفة عهد أو بدل منه (ومن لم يفعل) أى ذلك استخفافا، وقال القارى أى مطلقا، أو ترك الإحسان
(إن شاء غفر له) برحمته فضلا (وإن شاء عذبه) عدلا، قد استدل به على عدم كفر من ترك الصلاة، وعدم استحقاقه
للخلود فى النار، وقد تقدم أن الكفر مراتب، ومنها ما لا ينافى المغفرة ولا يوجب الخلود فى النار (رواه أحمد)
(ج ٥: ص ٣١٥، ٣١٦) (وأبو داود) أى باللفظ المذكور فى باب المحافظة على الصلوات من حديث عبد الله الصنايحى
ورواه أيضا فی (باب من لم يؤتر» من حديث الخدجی بنحوه، وسكت عنه هو والمنذرى (وروى مالك) فى باب الأمر
بالوتر من مؤطاه (والنسائى) فى باب المحافظة على الصلوات الخمس، وكذا ابن ماجه وابن حبان والحاكم وابن السكن
كلهم من حديث المخدجى (نحوه) أى بمعناه. قال المنذرى: قال أبو عمر النمرى يعنى ابن عبد البر: لم يختلف عن مالك
فی إسناد هذا الحدیث، وهو صحیح ثابت۔ انتهى. وله شاهد من حديث أبى قنادة عند ابن ماجه ، ومن حديث كعب
ابن عجرة عند أحمد.
٥٧٣ - قوله (قال رسول اللّه ◌َبَع) فى خطبة حجة الوداع (صلوا خمسكم) أى صلواتكم الخمس ، وأضافها إليهم
٢٧٦
مـ

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم. رواه أحمد، والترمذى.
٥٧٤ - (٩) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول اللّه مؤلّم: مروا
أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم
لأنها لم تجمع لغيرهم. قال الطبي: حكمة إضافة هذا وما بعده إليهم إعلامهم بأن ذوات هذه الأعمال بكيفياتها المخصوصة من
خصوصياتهم التى امتازوا بها عن سائر الأمم، وحثهم على المبادرة للامتثال بتذكيرهم بما خوطبوا به، وتذكيرهم بأن هذه
الإضافة العملية يقابلها إضافة فضلية هى أعلى منها وأتم، وهى الجنة المضافة إلى وصف الربوية المشعر بمزيد تربيتهم وتربية
فعيمهم بما فارقوا به سائر الأمم (وصوموا شهركم) أى رمضان. والإضافة للاختصاص، وقيل أضافه إلينا مع أن
الراجح أنه ما من أمة إلا وفرض عليها رمضان، لأنه لم يغير ولم يضل عندنا، بخلاف الأمم السابقة فإنهم غيروه وأضلوه
فى أيام السنة. وأبهمه للدلالة على أنه صار من الظهور عندهم إلى حد لا يقبل الشك والتردد (وأدوا زكاة أموالكم) أى
التى هى ملك لكم، إلى الإمام أو إلى مستحقيها إن لم يكن الامام. ولم يذكر الحج فى هذه الرواية اختصارا، ففى رواية
لأحمد (ج ٥: ص ٢٦٢): وحجوا بيتكم، وأدوا زكاتكم طيبة بها أنفسكم (وأطيعوا ذا) صاحب (أمركم) أى من ولى
أمرا من أموركم فى غير معصية (تدخلوا) جواب الأوامر السابقة، أى من غير سابقة عذاب، لأن الغالب أن من فعل
الأشياء المذكورة فهو يكون من الصالحين (جنة ربكم) الإضافة للتنبيه على كمال اختصاصهم به سبحانه وتعالى كإضافة
الصلاة، والصوم، والزكاة إليهم للتنبيه على مقابلة العمل بالثواب. قال القارى: والمراد تناولوا من درجات الجنة ما يليق
بأعمالكم، لأن الحق أن دخول الجنة بفضل الله، والدرجات على حسب الطاعات (رواه أحمد) (ج ٥: ص ٢٥١، ٢٦٢)
(والترمذى) فى آخر الصلاة، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضا ابن حبان، والحاكم فى المستدرك
(ج ١: ص ٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولا نعرف له علة، ولم يخرجاه، وقد احتج البخارى، ومسلم
بأحاديث سليم بن عامر راوى الحديث عن أبى أمامة، وسائر رواته متفق عليهم ، ووافقه الذهبي. وفى الباب عن أبى
الدرداء أخرجه الطبرانى فى مسند الشاميين مرفوعا بلفظ: أخلصوا عبادة ربكم، وصلوا خمسكم، وأدوا زكاة أموالكم،
وصوموا شهركم، وحجوا بيت ربكم ، تدخلوا جنة ربكم. ذكره الزيلعى فى نصب الراية.
٥٧٤ - قوله (مروا) أمر من الأمروهو أمر للأولياء، لأن الصبي غير مكلف لحديث: رفع القلم عن ثلاثة. وفيه
عن الصبي حتى يشب أو يحتلم، فهو ليس بمخاطب إلا ما ورد فى قوله ( ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم، والذين لم يبلغوا الحلم
منكم - ٢٤: ٥٨﴾ (أولادكم) ذكورا أو إناثا (بالصلاة) بأن تعلوهم ما تحتاج إليه الصلاة من شروط وأركان، وأن
تأمروهم بفعلها بعد التعليم (وهم أبناء) فيه تغليب للذكور على الإناث (سبع سنين) أى عقب تمامها ليتمرنوا عليها،
وليعتادوها ويستانسوا بها. والجملة خالية. وعين السبع لأنه وقت ظهور العقل والتميز فى الولد (وأضربوهم) أى
٢٧٧

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم فى المضاجع. رواه أبو داود، وكذا رواه فى شرح
السنة عنه.
٥٧٥ - (١٠) وفى المصابيح عن سبرة بن معبد.
ضربا غير مبرح متقين عن الوجه (عليها) أى على تركها (وهم أبناء عشر سنين) أى عقب تمامها، لأنه حد يحتمل فيه
الضرب غالبا (وفرقوا) أمر من التفريق (بينهم) أى بين البنين والبنات على ما هو الظاهر، لأن بلوغ العشر مظنة الشهوة
(فى المضاجع) قال المناوى فى فتح القدير: أى فرقوا بين أولادكم فى مضاجعهم التى ينامون فيها إذا بلغوا عشرا ، حذرا
من غوائل الشهوة وإن كن أخوات - انتهى. قال الطيبي: إنما جمع بين الأمر بالصلاة والفرق بينهم فى المضاجع فى
الطفولة تأديبا ومحافظة لأمر الله تعالى، لأن الصلاة أصل العبادات، وتعليما لهم المعاشرة بين الخلق، وأن لا يتفوا
مواقف التهم. فيجتنبوا محارم الله كلها - انتهى. والحديث يدل على وجوب أمر الصبيان بالصلاة على الأولياء إذا بلغوا
سبع سنين، وضربهم عليها إذا بلغوا عشرا ، والتفريق بينهم فى المضاجع لعشر سنين. وأما ما قيل من أن عدم تكليف
الصبي يمنع من حمل الأمر على حقيقته، لأن الإجبار إنما يكون على فعل واجب أو ترك محرم ، وليست الصلاة بواجبة
على الصبي، ولا تركها محظور عليه، ففيه أن ذلك إنما يلزم ذلك لو اتحد المحل، وهو هنا مختلف، فإن محل الوجوب
الولى، ومحل عدمه ابن السبع ، وابن العشر، ولا يلزم من عدم الوجوب على الصبى عدمه على الولى. وفى قوله:
واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، دليل على إغلاظ العقوبة إذا تركها متعمدا بعد البلوغ. وللشيخ الأجل الشاه
ولى الله الدهلوى كلام حسن فى التحديد بالسبع والعشر فى حجة الله البالغة (ج ١: ص ٤٨) فعليك أن تراجعه
(رواه أبو داود) فى الصلاة وسكت عنه هو والمنذرى (وكذا رواه) البغوى (فى شرح السنة عنه) وأخرجه أيضا
أحمد والحاكم.
٥٧٥ - قوله (وفى المصابح عن سبرة بن معبد) يعنى قال البغوى فى المصابيح بعد ذكر الحديث باللفظ المذكور:
رواه سيرة بن معبد الجهنى، وفيه نظر، لأن هذا اللفظ من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، لا سبرة بن معبد .
وقد أخرجه أبو داود عنه أيضا ، لكن بلفظ: مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه
عليها . وليس فى رواية سبرة، التفريق. وأخرجه أيضا الترمذى وابن خزيمة والدار قطنى والحاكم، قال الترمذى: حديث
حسن صحيح، وسكت عنه أبو داود، وذكر المنذرى تصحيح الترمذى، وأقره. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وسبرة - بفتح أوله وسكون الموحدة - ابن معد بن عوسجة، ويقال: سبرة بن عوسجة الجهنى أبو ثرية المدنى صحابى،
نول المدينة. وأقام بذى المروة. أول مشاهده الخندق. وكان رسول على لما ولى الخلافة بالمدينة إلى معاوية، يطلب منه
بيعة أهل الشام. مات فى آخر خلافة معاوية. له أحاديث انفرد له مسلم بحديث المتعة ..
٢٧٨

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
٥٧٦ - (١١) وعن بريدة، قال: قال رسول اللّه ◌ُلّ: العهد الذى بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها؛
فقد كفر. رواه أحمد، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه.
﴿ الفصل الثالث )
٥٧٧ - (١٢) عن عبد الله بن مسعود، قال: جاء رجل إلى النبى معَ ◌ّةٍ، فقال: يا رسول اللّه! إنى
عالجت امرأة فى أقصى المدينة. وإنى أصبت منها ما دون أن أمسها. فأنا هذا، فاقض فى ما شئت.
٥٧٦ - قوله (العهد الذى بيتناوينهم) قال القاضى: الضمير الغائب المنافقين، شبه الموجب لابقائهم وحقن دمائهم
بالعهد المقتضى لإبقاء المعاهد والكف عنه. والمعنى أن العمدة فى إجراء أحكام الإسلام عليهم تشبههم بالمسلمين فى حضور
صلاتهم ، ولزوم جماعتهم ، وانقيادهم للأحكام الظاهرة ، فإذا تركوا ذلك كانوا هم والكفار سواء. قال التور بشتى:
ويؤيد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام لما استوذن فى قتل المنافقين: الا أنى نهيت عن قتل المصلين. قلت: الظاهر أن
الضمير عام فيمن تابع رسول اللّه مَ الله بالإسلام سواء كان منافقا أم لا. ويدل عليه قوله عزَ ◌ّم لأبى الدرداء فى
آخر أحاديث الباب: لا تترك الصلاة متعمدا، فمن تركها فقد برئت منه الذمة. قال السندى فى حاشية النسائى:
قوله: ((إن العهد) أى العمل الذى أخذ اللّه تعالى عليه العهد والميثاق من المسلمين، كيف وقد سبق أن النبي {)
بايعهم على الصلوات. وذلك من عهد الله تعالى. ((الذى بيننا وبينهم، أى الذى يفرق بين المسلمين والكافرين ، ويتميز به
هؤلاء عن هولاء صورة على الدوام. ((الصلاة)) وليس هناك عمل على صفتها فى إفادة التمييز بين الطائفتين على الدوام
((فمن تركها فقد كفر)) أى صورة، وتشبه بهم إذ لا يتميز إلا المصلى. وقيل: يخاف عليه أن يؤويه إلى الكفر وقيل:
كفر أى أبيح دمه. وقيل: المراد من تركها جحدا. وقال أحمد: تارك الصلاة كافر لظاهر الحديث - انتهى. قلت:
الراجح فى ذلك ما ذهب إليه أحمد ، لأن ظواهر الأحاديث الواردة بتكفيره تؤيده، لكن المراد كفر دون كفر،
أى كفر غير الكفر المخرج من الملة. والله تعالى أعلم. ولا حاجة إلى هذه التأويلات التى ذكرها السندى وغيره من
لم يذهب إلى تكفيره. وارجع إلى كتاب الصلاة للإمام ابن القيم، فإنه قد بسط الكلام فيه فى ذلك بسطا حسنا
(رواه أحمد) (ج ٥: ص ٣٤٦، ٣٥٥) (والترمذى) فى الايمان، وقال حسن صحيح غريب (والنسائى وابن ماجه)
فى الصلاة. قال الشوكانى فى النيل: الحديث صحه النسائى والعراقى، ورواه ابن حبان فى صحيحه والحاكم. وقال: صحيح
ولا نعرف له علة .
٥٧٧ - قوله (إنى عالجت امرأة) أى داعبتها ولا عبتها وناوات منها ما يكون بين الرجل والمرأة غير أنى ما جامعتها
(فى أقصى المدينة) أى أسفلها وأبعدها عن المسجد (ما دون أن أمسها) ما موصولة، أى الذى تجاوز المس أى الجماع (فأنا هذا) أى
أنا حاضر بين يديك، ومنقاد لحكمك (فاقض فى ما شئت) أى فاحكم بسبب ذلك فى حقى ما أردته مما يجب على، كناية عن غاية التسليم
٢٧٩

مرعاة المفاتيح ج ٢
٤ - كتاب الصلاة
فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت على نفسك. قال: ولم يرد النبى مَّفت عليه شيئا. وقام
الرجل، فانطلق. فأتبعه النبي ◌َّ رجلا فدعاه، وتلا عليه هذه الآية: ﴿وأقم الصلاة طر فى النهار
وزلفا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين) فقال رجل من القوم:
يا نبي الله! هذا له خاصة؟ فقال: بل للناس كافة. رواه مسلم.
٥٧٨ - (١٣) وعن أبى ذر، أن النبى مَّ خرج زمن الشتاء، والورق يتهافت، فأخذ بغصنين
من شجرة. قال: جعل ذلك الورق يتهافت. قال: يابا ذر! قلت: لبيك يا رسول اللّه! قال:
إن العبد المسلم ليصلى الصلاة يريد بها وجه الله، فتهافت عنه ذنوبه، كما تهافت هذا الورق
والانقياد لحكم الله ورسوله (لو سترت على نفسك) أى لكان حسنا، أو لو للتمنى (قال) أى ابن مسعود (ولم يرد النبيلمَ لم عليه)
أى على الرجل السائل أو على عمر (شيئا) من الكلام انتظارا لقضاء الله فيه رجاء أن يخفف عن عقوبته (فانطلق) ظنا منه
بسكوته مَ ◌ّل أن الله تعالى سينزل فيه شيئا، وأنه لا بد أن يبلغه (فأتبعه النبي) أى أرسل عقبه (رجلا) لدعوه (وتلا)
عليه الصلاة والسلام (عليه) أى على الرجل السائل (وأقم الصلاة) بدل من الآية (ذلك) أى ما ذكر فى هذه الآية
العظيمة من المنة الجسيمة (ذكرى) أى تذكرة وموعظة (للذاكرين) لنعمة الله أو المتعظين (فقال رجل) قيل: هو عمر
ابن الخطاب. وقيل هو معاذ بن جبل (هذا له) أى هذا الحكم للسائل (خاصة) أى يخصه خصوصا أم الناس عامة
(كافة) أى كلهم يعنى يعم جميعا، لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. قال النووى: هكذا تستعمل كافة حالا
ولا يضاف، فيقال كافة الناس ولا الكافة بالألف واللام، وهو معدود فى تصحيف العوام ومن أشبههم (رواه مسلم)
فى التوبة، وأخرجه أيضا الترمذى فى تفسير سورة هود. وقال: حديث حسن صحيح. والظاهر أن الحديث السابق
أول الفصل الأول مختصر من هذا الحديث الطويل. وذهب بعضهم إلى أن الواقعة تكررت لرجلين لمغايرة سياقيهما،
والله أعلم .
٥٧٨ - قوله (زمن الشتاء) أى البرد أو قريبا من فصل الشتاء، وهو الخريف (يتهافت) أى يتساقط متواليا
(نجعل ذلك الورق يتهافت) أى طفق الورق من الغصنين يتساقط تساقطا سريعا لأنهما عند القبض بهما أسرع سقوطا
من تركهما على حالهما (يريد بها وجه الله) أى ذاته ومرضاته. والجملة حالية من الفاعل أو المفعول، أى خالصا لله أو خالصة له
تعالى بأن لا يكون فيها سمعة ولا رياء بل يقصد بها امتثال أمر الله ورضاءه عنه فقط (فتهافت عنه) بحذف إحدى الثائين
(كما تبافت) بصيغة الماضى، وفى نسخة صحيحة يتهافت بالمضارع الذكر، قاله القارى. قلت: وكذا وقع بصيغة المضارع
٢٨٠
'ےے