النص المفهرس
صفحات 181-200
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٧ - باب أحكام المياه
ضعيفا والآخر قويا فلا، لعدم التعارض حينئذ، بل يقدم القوى على الضعيف، لأن القوى لا يؤثر فيه مخالفة الضعيف ،
وأيضا قد نفى ابن مسعود شهوده ليلة الجن مطلقا، ولم يقيده بحال دون حال ، فتخصيص إنكاره بوقت دون وقت من
غير قرينة مما لا يصنى إليه. وقال بعضهم إن حديث النفى قد أسقط الرواة منه حرفا. قال ابن قتيبة فى مختلف
الحديث (ص ١١٩) بعد ما ذكر حديثا أسقط الرواة منه حرفا فاختل بسينه المعنى: وهذا مثل قول ابن مسعود فى ليلة
الجن: ما شهدها أحد غيرى، فأسقط الراوى ((غيرى، قلت هذه مجرد دعوى من غير بينة ولا برهان، فلا يلتفت إليها،
فإن نسبة الغلط والإسقاط إلى الثقات العدول من غير دليل مما يرفع الأمان من السنن النبوية وأما الاستشهاد على ذلك
بما رواه الحاكم فى المستدرك (ج ٢: ص ٥٠٣) عن ابن مسعود أن رسول الله مَّم قال لأصحابه وهو بمكة : من أحب
منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل، فلم يحضر منهم أحد غيرى، الحديث. ففيه أن فى سنده أبا عثمان بن سنة الشامى،
وهو مجهول، قال أبو زرعة: لا أعرفه. وقال الذهبى فى الميزان: ما أعرف روى عنه غير الزهرى - انتهى. ولذا لم
يصححه الحاكم. وقال الذهبي فى تلخيصه: هو صحيح عند جماعة ـ انتهى. ولم يذكرالذهبى أسماء الجماعة حتی یعرف
مرتبتهم فى تصحيح الحديث وتضعيفه، ولو سلم صحته فهو مخالف ومناقض لما هو أقوى منه أن ابن مسعود قال: لم أكن
ليلة الجن مع رسول اللّه مَثّر، على أنه ليس فى رواية الحاكم هذه ذكر الوضوء بالنيذ. وقال بعضهم: إن المثبت مقدم
على النافى. قلت: هذا إذا كانت رواية الإثبات مساوية لرواية النفى فى القوة والصحة، وأما إذا كانت رواية الإثبات
ضعيفة، فالترجيح لرواية النفى لقوتها وصحتها. وقد علمت أن رواية إنكار ابن مسعود لشهوده ليلة الجن صحيحة
لا تقاومها رواية الإثبات. ومن وجوه الطعن فى حديث ابن مسعود هذا أنه مخالف لكتاب الله، لأن الله تعالى قال:
(فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا)، والنيذ ليس بماء. قال الزيلعى فى نصب الراية (ج ١: ص ١٤٦) أنه عليه السلام
قال: هل معك ماء؟ قال: لا. فدل على أن الماء استحال فى التمر حتى سلب عنه اسم الماء وإلا لما صح نفيه عنه - انتهى. أو
يقال: إن ماء النيذ لا يسمى ماء مطلقا، فواجده ليس واجد ماء، فيجب عليه التيمم بنص الكتاب، وعلى تقدير صحة
الحديث كان ينبغى لأولئك أن يؤولوا هذا الحديث ليوافق الآية ، على أن تلك التمرات الملقاة فى الماء لم تغيره ، وتسمية
ابن مسعود له نيذا من المجاز الأول، أو المراد به الوضع اللغوى وهو ما ينبذ فيه شئ وإن لم يغيره وأجاب أيضا
الجمهور عن حديث ابن مسعود هذا بأنه لو كان صحيجا وهو غير صحيح، فهو من أحاديث الآحاد ، فلا يعارض الكتاب
ولو صلح معارضا لكان منسوخا بآيتى النساء والمائدة، لأنهما مدنيتان بلا خلاف. وحديث ابن مسعود هذا إنما زعم
رواته أنه كان ليلة الجن فى مكة وهى قبل الهجرة. قال السندهى: قد اعترف المحققون كالنووى، والنور بشتى، والمحقق
ابن الهمام بقوة هذا الكلام، وقال المحقق: إنه الذى مال إليه المتأخرون - انتهى. وقال صاحب البذل (ج ١: ص ٥٥)
بعد ذكر رواية التيمم عن أبى يوسف: وهى الرواية المرجوع إليها عن أبى حنيفة وقوله الأخير ، وعليه الفتوى ،
واختاره الطحاوى، وهو المذهب المصحح المختار عندنا، لأن الحديث وإن صح لكن آية التيمم ناسخة له إذ هى
مدينة - انتهى. وقال الطحاوى فى شرح الآثار (ج ١: ص ٥٨) قد أجمع الناس على أنه لا يجوز الوضوء به أى
١٨١
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٧ - باب أحكام المياه
٤٨٥ - (٨) وصح عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله
◌َّ. رواه مسلم.
٤٨٦ - (٩) وعن كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبى قتادة - أن أبا قتادة دخل عليها،
فسكبت له وضوءاً، فامت هرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآنى
أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخى؟
بالنوذ مع وجود الماء، فكذلك هو عند فقد الماء. والمروى فى حديث ابن مسعود أنه توضأ به إنما هو، وهو عليه السلام
غیر مسافر، لأنه خرج من مكة یریدهم، فهو فى حكم استعماله له بمكة ، فلو ثبت ذلك جاز الوضو به فى حال وجود الماء
فلما أجمعوا على خلاف ذلك ثبت طرحهم لهذا الحديث ، وهو النظر عندنا - انتهى ملخصا .
٤٨٥ - قوله (عن علقمة) هو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعى الكوفى، ثقة، ثبت ، فقيه ، عابد ، من كبار
التابعين، كان أعلم الناس وأشبههم هديا ودلا وسمتا بابن مسعود، مات بعد الستين ، وقيل: بعد السبعين (لم أكن ليلة
الجن مع رسول اللّه مَثّة) لا عند المخاطبة وتعليم الأحكام إياهم، ولا قبل ذلك، ولا بعد. قال ابن مسعود: ووددت ،
أنى كنت معه. وفيه رد على ابن قتية وغيره من تأول الحديث بأنه لم يكن منا أحد أى غيرى (رواه مسلم) من طريق
أبى معشر عن إبراهيم عن علقمة فى باب الجهر بالقراءة فى الصبح، والقراءة على الجن من كتاب الصلاة. وأخرجه أحمد
ومسلم فيه والتر مذى فى تفسير سورة الأحقاف من طريق داودعن الشعبى، عن علقمة مطولا، وأبو داود فى الطهارة مختصرا.
٤٨٦ - قوله (وعن كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة بعدها شين معجمة (بنت كعب بن مالك) الأنصارية
زوجة عبد الله بن أبي قتادة، قال ابن حبان: لها صحبة. وتبعه الزبير بن بكار، وأبو موسى، والمستغفرى، وقال
الخزرجى فى الخلاصة، والحافظ فى اللسان (ج ٦: ص ٨٦٠): وثقها ابن حبان وصحح الترمذى حديثها (وكانت تحت
ابن أبى قتادة) أى كانت زوجة ولده عبد اللّه، وهو عبد الله بن أبى قتادة السلمى الأنصارى المدنى ثقة من أوساط
التابعين ، توفى سنة (٩٥)، روى عن أبيه وجابر، وعنه جماعة (أن أبا قتادة) تقدم ترجمته (دخل عليها) أى على كبشة
(فسكبت) بصيغة المتكلم، ففى رواية الترمذى: قالت: فسكبت له)، ويحتمل أن يكون بسكون التاء على التأنيث (له) أى
لأبى قنادة (وضوء) بفتح الواو أى ماء الوضوء فى إناء (تشرب منه) أى تريد الشرب من الماء الذى كان فى الإناء،
والجملة حال أو صفة (فأصغى لها الإناء) أى أما له للهرة ليسهل عليها الشرب (فرآ نى أنظر إليه) أى فرآنى أبو قتادة
والحال أنى أنظر إلى شرب الهرة الماء من الإناء نظر المنكر المتعجب، أو أنظر إلى فعل أبي قتادة متعجبة ، فقال أبو قتادة
(أتعجبين؟) أى بشربها من وضوئى، أو بإصغائى لها الإناء (يا ابنة أخى) المراد أخوة الإسلام. ومن عادة العرب
١٨٢
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٧ - باب أحكام المياه
قالت: فقلت: نعم. فقال: إن رسول اللّه مَلِّم قال: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم
أو الطوافات. رواه مالك، وأحمد، والترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه، والدارمى.
أن يدعوا بيا ابن أخى، ويا ابن عمى، وإن لم يكن أخا أو عماله فى الحقيقة (فقلت: نعم) أتعجب منه (فقال) أى لا
تعجبي (إن رسول اللّه مَ ◌ّه قال: إنها ليست بنجس) بفتح الجيم، قاله المنذرى، والنووى وابن دقيق العيد، وابن
سيد الناس. وقال السندى: بفتحتين مصدر نجس الشئ بالكسر ، فذلك لم يؤنث كما لم يجمع فى ((إنما المشركون نجس،
والصفة منه نجس بكسر الجيم وفتحها. ولو جعل المذكور فى الحديث صفة يحتاج التذكير إلى التأويل، أى ليست
بنجس ما تالغ فيه - انتهى. وذكر الكازرونى: أن بعض الأئمة قال: هو بفتح الجيم. والنجس النجاسة، فالتقدير:
إنها ليست بذات نجس. وفيما سمعنا وقرأنا على مشاتخنا هو بكسر الجيم، وهو القياس، أى ليست بنجسة، ولم ياحق التاء
نظرا إلى أنها بمعنى السفور (إنها) استيناف فيه معنى التعليل (من الطوافين عليكم أو الطوافات) قيل: هو شك من
الراوى، وقيل: ليست للشك لوروده بالواو فى رواية أبى داود وغيره ، بل للتنويع، ويكون ذكر الصنفين من الذكور
والإناث يريد أن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون من جملة الذكور الطوافين أو الإناث الطوافات. ومحصل الكلام أنه شبه ذكور
الهر بالطوافين وإناتها بالطوافات، والجمع بالواو والنون فى الذكور تشبيها له بالعيد والخدم العقلاء الذين يدخلون على الإنسان
ويطوفون حوله للخدمة، كقوله تعالى: ﴿طوافون عليكم - ٢٤: ٥٨﴾ وهذا إشارة إلى علة الحكم بطهارتها، وهى أنها
كثيرة الدخول والاتصال بأهل المنزل وبما فى منزلهم ، ففى الحكم بنجاستها حرج، وهو مدفوع. والحديث دليل على
أن ذات الهرة طاهرة، وأن سؤرها غير نجس، وأن الوضوء منه وكذا الشرب غير مكروه، وحديث عائشة الآتى نص فى
ذلك. وفيه رد على من قال: إن سور الهرة مكروه بكراهة تحريمية أو تنزيهية. وارجع للتفصيل إلى شرح الترمذى
لشيخنا الأجل المباركفورى (رواه مالك) عن اسحاق بن عبد الله بن أبى طاحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة ، عن
كبشة. قال البخارى: جود مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصح من رواية غيره. وقال الحاكم: قد صحح
مالك هذا الحديث، واحتج به فى مؤطاه، وقد شهد البخارى ومسلم لما لك أنه الحكم فى حديث المدنيين ، فوجب
الرجوع إلى هذا الحديث فى طهارة الهرة (وأحمد والترمذى) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهذا أحسن شئى فى
هذا الباب. وقد جود مالك هذا الحديث عن اسحاق بن عبد الله، ولم يأت به أحد أتم من مالك (وأبو داود) وسكت
عنه، ونقل المنذرى تصحيح الترمذى وكلام البخارى، وأقرهما (والنسائى وابن ماجه والدارمى) وأخرجه أيضا الشافعى،
وابن خزيمة ، وابن حبان، والحاكم، والدار قطنى، والبيهتى. قال الحافظ: وصححه البخارى، والعقيلى، والدار قطنى ،
وابن خزيمة .
١٨٣
-------
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٧ - باب أحكام المياه
٤٨٧ - (١٠) وعن داود بن صالح بن دينار، عن أمه، أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة.
قالت: فوجدتها تصلى، فأشارت إلى: أن ضعيها. بنجاءت هرة فأكلت منها. فلما انصرفت عائشة من
صلاتها، أكلت من حيث أكلت الهرة. فقالت: إن رسول اللّه مؤتمر قال: إنها ليست بنجس، إنها
من الطوافين عليكم. وإنى رأيت رسول اللّه ◌َبّ يتوضأ بفضلها. رواه أبو داود.
٤٨٧ - قوله (وعن داود بن صالح بن دينار) التمار المدنى مولى الأنصار، قال أحمد: لا أعلم به بأسا. وذكره
ابن حبان فى الثقات. وقال الحافظ : صدوق من صغار التابعين، روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، والقاسم،
وسالم، وأبى سلبة، وأيه صالح، وأمه وغيرهم (عن أمه) أى والدة داود بن صالح، وهى مجهولة لم يذكرها إلا الذهبى
فى الميزان، فقال فى آخر كتابه فى من لم تسم من النساء: والدة داود بن صالح الثمار عن عائشة، وعنها ابنها ، ولم يزد على
ذلك، وهذا ظاهر فى أنها لا تعرف (أن مولاتها) أى مولاة أمه أى معتقة أم داود بصيغة المعلوم ولم تسم أيضا
(أرسلتها) أى أم داود (بهريسة) فعيلة بمعنى مفعولة، هرسها من باب قتل أى دقها، وفى النوادر الهريس الحب المدقوق
بالمهراس قبل أن يطبخ فإذا طبخ فهو الهريسة بالها ، وفى بعض كتب اللغة الهريس والهريسة طعام يعمل من الحب
المدقوق واللحم (قالت) أى أمه (فوجدتها) أى عائشة (فأشارت) أى عائشة باليد أو بالرأس (أن ضعيها) أى الهريسة
وأن مفسرة لمعنى القول فى الإشارة. وفيه إن مثل هذه الأشياء جائزة فى الصلاة، وقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة
الإشارة فى الصلاة عن النبي مؤتة. وسيأتى الكلام فى هذه المسئلة فى موضعها إن شاء الله تعالى (فأكلت منها) أى
بعضها (أكلت من حيث أكلت الهرة) أى من محل أكلها (إنها من الطوافين عليكم) قال القارى: ظاهره أن أو فيما تقدم
الشك، ويمكن أن يكون هنا اقتصارا، أو يحمل على التغليب (وإنى رأيت رسول اللّه يتوضأ بفضلها) أى بسور الهرة
وفيه رد صريح على الطحاوى حيث قال فى الجواب عن حديث أبى قنادة المتقدم: أنه محمول على مماسة الثياب وغيرها ،
فإن المرفوع منه قوله عليه السلام: ليست بنجس ، لا يثبت طهارة سؤرها ، والاصغاء فعل أبى قنادة ، مستدلا بهذا
المرفوع، لأن حديث عائشة هذا نص فى أن التوضؤ بسؤرها من فعل النبي ◌َّه، على أن قوله مَّه: ليست بنجس،
ظاهر فى طهارة ذاتها وطهارة سؤرها المتولد من لحمها الطاهر، وهو الذى فهمه أبو قتادة وعائشة، مع أنه لا دليل فيه على
حمله على مماسة الثياب، بجواب الطحاوى مردود عليه لبطلانه. (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى، وأخرجه
أيضا الدار قطنى ، والبيهقى كلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن داود. قال الدار قطنى رفعه الدراوردى
عن داود بن صالح، ورواه عنه هشام بن عروة موقوفا على عائشة - انتهى. قلت: عبد العزيز الدراوردى صدوق،
وثقه مالك والنسائى وابن معین و ابن سعد ، وغیرم. نعم فی سنده أم داود ، وهی مجهولة. وفى الباب أحاديث أخرى
١٨٤
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٧ - باب أحكام المياه
٤٨٨ - (١١) وعن جابر، قال: سئل رسول اللّه ◌َّى: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال نعم وبما
أفضلت السباع كلها. رواه فى شرح السنة .
٤٨٩ - (١٢) وعن أم هانئى، قالت: اغتسل رسول الله مطل هو وميمونة فى قصعة فيها أثر ..
العجين ..
عن عائشة، وأنس، ذكرها الزيلعى فى نصب الراية، والهيشمى فى مجمع الزوائد ، وهى تؤيد حديث الدراوردى ، عن
داود ، عن أمه ، عن عائشة .
٤٨٨ - قوله (بما أفضلت الحمر) أى الأهلية، بضمتين جمع حمار، أى أبقته من فضالة الماء الذى تشربه
(وبما أفضلت السباع كلها) فيه دليل على طهارة سور الحمسر والسباع خلافا لمن قال: إن سور السباع كلها نجس ، وسؤر
الحمار مشكوك، قالوا: الحديث محمول على الحياض والغدران ، أى الماء الكثير وإلا لزم طهارة سور الكلاب أيضا ،
لأن التأكيد بكل يجعل العام محكما فى العموم ، فلا يقبل التخصيص. وقال من ذهب إلى طهارة سؤر السباع: إن
الكلب والخنزير مخصوصان من عموم الحديث بالأدلة الأخرى القاضية بنجاستها. والحديث عام للأوانى الصغيرة
والحياض فى الفلوات، فتخصيصه بالحياض تخصيص من غير دليل. وحديث القلتين لا يدل على نجاسة سور السباع
كما ظن هؤلاء، فإن منشأ السؤال أن المعتاد من السباع إذا وردت المياه أن تخوض فيها وتبول، وربما لا تخلو أعضائها
من لوث أبوالها ورجيعها. وأيضا جوابه مَّفته فى حديث القلتين عموم كلى لا مطابق فتأمل (رواه فى شرح السنة)
وأخرجه أيضا الشافعى (ص ٣) والدار قطنى (ص ٢٣) والبيهقى فى المعرفة، وفى السنن ج ١: ص ٢٤٩ وقال: له أسانيد
إذا ضم بعضها إلى بعض كانت قوية قاله الشوكانى. قلت: الحديث رواه الدارقطنى من طريقين، فى أحدهما إبراهيم
بن محمد بن أبى يحيى، وهو متروك، وفى الثانى إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة وهو ضعيف، وقد ضعف الدار قطنى
هذا الحديث بسبيهما .
٤٨٩ - قوله (وعن أم هانئ) بالهمزة هى بنت أبى طالب الهاشمية، اسمها فاختة، وقيل: هند. وهى شقيقة على
وإخوته. كان رسول اللّه مَّ خطها فى الجاهلية، وخطبها هيرة بن أبى وهب، فزوجها أبو طالب من هبيرة. وأسلمت
يوم الفتح، فتفرق الإسلام بينها وبين هيرة. وخطيبها النبى مَّله، فقالت: والله إن كنت لأحك فى الجاهلية، فكيف
فى الإسلام، ولكنى امرأة مصبية، فسكت عنها. لها ستة وأربعون حديثا، اتفقا على حديث، روى عنها جماعة
(اغتسل رسول اللّه ◌َ له هو وميمونة) بالرفع، وقيل: بالنصب (فى قصعة) أى من قصعة ، وهى بفتح الكاف وسكون
الصاد ظرف كبير (فيها أثر العجين) هو الدقيق المعجون بالماء، من عجمن الدقيق (من بابى ضرب ونصر) اعتمد عليه
يجمع كفه يغمزاه، والظاهر أن أثر العجين فى تلك القصعة لم يكن كثيرا مغيرا الماء، وهذا يدل على أن الطاهر القليل لا
١٨٥
١
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٧ - باب أحكام المياه
رواه النسائى، وابن ماجه .
مجلة ( الفصل الثالث )
٤٩٠ - (١٣) عن يحيى بن عبد الرحمن، قال: إن عمر خرج فى ركب فيهم عمرو بن العاص حتى
وردوا حوضا. فقال عمرو: يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب:
يا صاحب الحوض! لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع وترد علينا. رواه مالك.
جمع ما يعد
يخرج الماء عن الطهورية، ولا حجة فيه لمن ذهب إلى جواز التطهر بالماء المضاف كما لا يخفى (رواه النسائي وابن ماجه)
وسنده حسن ، أو صحيح، وأخرجه أيضا ابن حبان فى صحيحه.
٤٩٠ - قوله (عن يحيى بن عبد الرحمن) بن حاطب بن أبي بلتعة اللخمى يكنى أبا محمد، ويقال: أبا بكر المدنى
ثقة من أوساط التابعین، ولد فى خلافة عثمان، ومات سنة (١٠٤) قال ابن سعد : كان ممن أدرك علیا وعثمان، وزید
ابن ثابت ، وكان ثقة كثير الحديث ، روى عن جماعة من الصحابة منهم أسامة بن زيد وحسان بن ثابت وابن عمر وابن
الزبير، وأبو سعيد وعائشة، وروى عنه جماعة من التابعين. وأبوه عبد الرحمن بن حاطب صحابى روية ، تابعى رواية،
عداده فی کیار ثقات التابعین ، وجده حاطب بن أبي بلتعة صحابى مشهور ، بدری حليف لقریش (خرج فی رکب) جمع
راكب أى فى جماعة من الراكبين (حتى وردوا) أى الركب وخص عمرا بالذكر لما وقع منه السؤال عن
ماء الحوض (حوضا) أى وحضرت الصلاة (لا تخبرنا) قال الطبى: يعنى أن إخبارك بوردها وعدمه
سواء، فإن أخبرتنا بسوء الحال فهو عندنا جائز وسائغ. قال ابن حجر: لأنا لا نمتنع ما ترده لعسر تجنبه المقتضى
لبقاءه على طهارته. (فإنا نرد على السباع وترد علينا) أى لانا نخالط السباع وهى واردة علينا. قال ابن حجر: لأننا نرد
على ما فضل عنها ، وهى ترد على ما فضل عنا. والحاصل أن غرض عمر من قوله : لا تخبرنا ، أن كل ذلك عندنا سواء
أخبرتنا أو لم تخبرنا، فلا حاجة إلى إخبارك. وفى الحديث دليل على طهارة سور السباع. والزيادة الآتية صريحة فى
ذلك؛ الضعلى ماء الحوض على أنه كان كثيرا يحتاج لدليل، بل فيه قرينة على أن الحوض كان صغيرا لأنه لو كان كبيرا
لما سأل (رواه مالك) عن يحيى بن سعيد الأنصارى، عن محمد بن إبراهيم الحارث، عن يحيى بن عبد الرحمن. قال
البيهقى: هذا الأثر إسناده صحيح إلى یحی لکنه مرسل منقطع، فان يحيي وإن كان ثقة فلم يدرك عمر، بل ولد فى
خلافة عثمان، هو الصواب - انتهى وأما ما وقع فى بعض الروايات أنه اعتمر مع عمررضى الله عنه، فالظاهر
أنه وقع فيه سقوط، والأصل عن يحي بن عبد الرحمن عن أبيه أنه اعتمر مع عمر. قال فى تهذيب التهذيب
(ج ١١: ص ٢٥٠) فى ترجمة يحي : قال الدورى عن ابن معين: بعضهم يقول عنه: سمعت عمر وإنما هو عن أبيه سمع
١٨٦
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٧ - باب أحكام المياه
وزاد رزين، قال: زاد بعض الرواة فى قول عمر: وإنى سمعت رسول اللّه مَيم يقول: لها ما أخذت
فى بطونها، وما بقى فهو لنا طهور وشراب.
٤٩١ - (١٤) وعن أبى سعيد الخدرى: أن رسول اللّه مؤتم سئل عن الحياض التى بين مكة والمدينة
تردها السباع والكلاب والخمر عن الطهر منها. فقال: لها ما حملت فى بطونها، ولنا ما غير طهور.
رواه ابن ماجه .
٤٩٢ - (١٥) وعن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، قال: لا تغتسلوا بالماء المشمس، فإنه يورث
البرص .
عمر (وزاد رزين قال: زاد بعض الرواة) إلخ. هذه الزيادة سيأتى معناها عن أبى سعيد عند ابن ماجه (لها) أى
للسباع (ما أخذت) أى مما شربته فى بطونها (وما بقى فهو لنا طهور وشراب) يعنى أن الله تعالى قسم لها فى هذا الماء ما
أخذت فى بطونها فا شربته حقها الذى قسم لها وما فضلت فهو حقنا .
٤٩١ - قوله، (بين مكة والمدينة) فى الفلوات والبرارى (عن الطهر منها) أى التطهر بدل من الحياض بإعادة العامل
قاله القارى، وفى نسخ ابن ماجه الموجودة عندنا: وعن الطهارة منها ، أى بذكر الواو ، وبلفظ الطهارة بدل الطهر (ولنا
ما غير) بفتح الباء أى بقى (طهور) بفتح الطاء: وهو خبر مبتدأ محذوف. قال ابن حجر: الحديث صريح فى طهارة
منور السباع. وفيه أن فيه ذكر الكلاب أيضا ، وهى منجسة . قال القارى: والجواب بأن نجاسة الكلب علم من حديث
آخر ، مدفوع بعدم علم التاريخ. قلت: حديث أبي سعيد هذا ضعيف جدا لا يصلح للاستدلال على طهارة سور
البهائم عندى كما ستعرف (رواه ابن ماجه) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ، عن عطاء بن يسار، عن أبى
سعيد وعبد الرحمن هذا ضعيف جدا. قال ابن الجوزى: أجمعوا على ضعفه. وقال محمد بن نصر المروزى: أصحاب
الحديث لا يحتجون بحديثه. وقال الطحاوى: حديثه عند أهل العلم بالحديث فى النهاية من الضعف. وقال ابن خزيمة:
ليس هو من يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه.
٤٩٢ - قوله (لا تغتسلوا بالماء المشمس) أى الذى سخن بحرارة الشمس. فيه دليل على كراهية الاغتسال بالماء
المشمس. والأصح من مذهب الشافعى كراهة استعمال الماء المشمس فى البدن مطلقا قليلا كان أو كثيرا. والمختار عند
متأخرى أصحابه عدم كراهته، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وهو الراجح، لأنه لم يصح فيه شئ عن النبي مؤثرة. والأصل
الاياحة حتى يصح عن الشارع ما يدل على المنع والكراهة. وأثر عمر هذا وإن صح ليس فى حكم المرفوع لمجال
الاجتهاد فيه، يدل عليه التعليل بقوله: (فإنه) أى الاغتسال بالماء المشمس (يورث البرص) ولو سلم فالمراد منه الاعتياد
١٨٧
أ
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
رواه الدار قطنى.
(٨) باب تطهير النجاسات
الفصل الأول )
Pi
٤٩٣ - (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَّ: إذا شرب الكلب فى إناء أحدكم؛ فليغسله
سبع مرات.
والمداومة على ذلك. والبرص محركة بياض يظهر فى ظاهر البدن لفساد مزاجه، كذا فى القاموس. وأما الماء المسخن
بالنار فغير مكروه بالاتفاق. روى ذلك عن عمر ، وابنه عبد الله، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع (رواه الدار قطنى)
من حديث اسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو الحمصى الشامى، عن حسان بن أزهر، عن عمر ، ورواية اسماعيل
بن عياش عن الشاميين صحيحة، وقد تابعه المغيرة بن عبد القدوس ، فرواه عن صفوان به. رواه ابن حبان فی کتاب
الثقات فى ترجمة حسان بن أزهر ، قاله الزيلعى فى نصب الراية (ج ١: ص ١٠٣) ولقول عمر هذا طريق آخر أخرجه
الشافعى عن إبراهيم بن أبى يحي، عن صدقة بن عبد الله، عن أبى الزبير عن جابر عن عمر. ومن طريق الشافعى أخرجه
البيهقى. قال الحافظ فى التلخيص (ص ٧): صدقة ضعيف ، وأكثر أهل الحديث على تضعيف ابن أبى يحيى، لكن
الشافعى كان يقول: إنه صدوق وإن كان مبتدعا. وورد المنع عن الماء المشمس مرفوعا من حديث عائشة، ومن حديث
أنس ومن حديث ابن عباس، بسط طرقها الزيلعى فى نصب الراية (ج ١: ص ١٠٢) والحافظ فى التلخيص (ص ٦، ٧)
والسيوطى فى اللآلى المصنوعة (ج ٢: ص ٣ - ٤)، مع بيان وجوه ضعفها، وسقوطها. قال العقيلى: لا يصح فى الماء
المشمس حديث مسند، إنما هو شئى يروى من قول عمر يعنى الذى رواه الشافعى والدار قطنى والبيهقى.
(باب تطهير النجاسات) أى الحقيقية بالماء وغيره، أتى بالجمع إشارة إلى أنواع النجاسة المختلفة فى الأحكام.
٤٩٣ - قوله (إذا شرب الكلب فى إناء أحدكم) أى من إناء أحدكم، أو ضمن «شرب)) معنى ولغ، فعدى تعديته ،
والإضافة ملغاة هنا، وليست للتمليك والتخصيص ، لأن حكم الطهارة والنجاسة لا يتوقف على ملكه الإناء وكذا قوله
الآتى: فليغسله، لا يتوقف على أن يكون مالك الإناء هو الغاسل (فليغسله) زاد مسلم والنسائى فى رواية لهما: ظيرقه، لكن
تكلم النسائى، وابن مندة، وابن عبد البر وغيرهم فى هذه الزيادة (سبع مرات) فيه دليل على وجوب سبع غسلات للإناء
من شرب الكلب وولوغه ، خلافا لمن ذهب إلى التثليث ولم يفرق بين لعاب الكلب وغيره من النجاسات وهم الحنفية.
وقد بين بعض أطباء العصر وجه غسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب طبا، وهو أن فى أمعاء أكثر الكلاب دودة شريطية
صغيرة جدا طولها ٤ مليمترات ، فإذا راث الكلب خرجت البويضات بكثرة فى الروث ، فيلصق كثير منها بالشعر الذى
٥
١٨٨
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
متفق عليه. وفى رواية لمسلم قال: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات،
أولاهن بالتراب :
بالقرب من دبره ، فإذا أراد الكلب أن ينظف نفسه بلسانه كما هى عادته تلوث لسانه وفمه بها ، وانتشرت فى بقية شعره
بواسطة لسانه أو غيره، فإذا ولغ الكلب فى إناء، أو شرب ماء، أو قبله إنسان كما يفعل الأفرنج أو بعض من قلد الأفرنج
فى العادات القبيحة علقت بعض هذه البويضات بتلك الأشياء، وسهل وصولها إلى فمه أثناء أكله أو شربه فتصل إلى
معدته وتخرج منها الأجنة ، فثقب جدار المعدة ، وتصل إلى أوعية الدم ، فتحدث أمراضا كثيرة فى المخ، والقلب،
والرئة إلى غير ذلك وكل ذلك مشاهد لأطباء أروبا فى بلادهم. ولما كان تمييز الكلب المصاب بهذه الدودة عسيرا جدا
لأنه يحتاج إلى زمن وبحث دقيق بالآلة التى لا يعرف استعمالها إلا قليل من الناس كان اعتبار الشارع إياه نجسا ، وغسله
سبع مرات إنقاء للإناء بحيث لا يعلق فيها شئى ما ذكرنا هو عين الحكمة والصواب ، والله أعلم. كذا فى حاشية إحكام
الأحكام (ج ١: ص ٢٧) شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك واحمد والترمذى
وأبوداود والنسائى وابن ماجه وغيرهم .
قوله (وفى رواية لمسلم) وأخرجها أبو داود والنسائى أيضا (طهور إناء أحدكم) الأظهر فيه ضم الطاء ويقال
بفتحها لغتان بمعنى التظهر أو الطهارة (إذا ولغ) فى القاموس ولغ الكلب فى الاناء وفی الشراب یلغے کھب ویالغے، وولغ
كورث ووجل شرب ما فيه بأطراف لسانه ، أو أدخل لسانه فيه فحر كه، أى شرب أو لم يشرب. وقال ابن مكى:
إن كان ما فى الإناء غير مائع يقال: لعقه. وقال المطرزى: فإن كان فارغا يقال: لحسه. وفى حكم الولوغ ما إذا
لعق أو لحس، وإنما ذكر الولوغ للغالب. قال الطبي: طهور إناء أحدكم مبتدأ، والظرف معمول له ، والخبر قوله: أن
يغسله سبع مرات (أولاهن بالتراب) فيه دليل على شرعية التقريب فى غسل الإناء. واختلفت الروايات فى غسلة التقريب
فى رواية لمسلم وأبى داود والدار قطنى ((أولاهن)، وفى رواية لأبى داود: السابعة بالتراب، وفى رواية الترمذى والبزار:
((أولاهن أو أخراهن، وفى رواية للشافعى: أولاهن أو إحداهن، وفى رواية للدار قطنى: إحداهن. وهذا الاختلاف
ليس بقادح، لأن هذه الروايات ليست بمتساوية، فإن رواية ((أولاهن)» أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن
حيث المعنى أيضا لأن تتريب الأخيرة يقتضى الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه. ووقع فى حديث عبد الله بن مغفل
عند أحمد، ومسلم، وأبي داود، والنسائى، وابن ماجه: فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب. وظاهره يدل
على إيجاب ثمان غسلات، وأن غسلة التتريب غير الغسلات السبع، وأن التتريب خارج عنها. والحديث قد أجمعوا
على صحة إسناده، وهى زيادة ثقة فتعين المصير إليها. وقد أهمل البغوى ذكر هذه الرواية، قيل لأنه شافعى وإمامه
الشافعى لم يقل بالشمين، فتركها البغوى لذلك، وكذا صاحب المشكوة محاماة على المذهب، والله أعلم. ونقل عن
١٨٩
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
٤٩٤ - (٢) وعنه، قال: قام أعرابى، قبال فى المسجد،
الشافعى أنه قال: هو حديث لم أقف على صحته، ولكن هذا لا يثبت العذر لمن وقف على صحته. وأوله النووى فقال:
المراد بقوله: عفروه الثامنة بالتراب، أى اغسلوه سبعا ، واحدة منهن بالتراب مع الماء، فكان التراب قائم مقام غسلة
فسميت ثامنة لهذا. وقال الحافظ: جمع بعضهم بين الحديثين بضرب من المجاز فقال: لما كان التراب جنسا غير الماء
جعل اجتماعهما فى المرة الواحدة معدودا باثنتين وتعقبه ابن دقيق العيد بأن قوله: وعفروه الثامنة بالتراب ، ظاهر فى
كونها غسلة مستقلة، لكن لو وقع التعفير فى أوله قبل ورود الغسلات السبع كانت الغسلات ثمانية ، ويكون إطلاق
الغسلة على التقريب مجازا وهذا الجمع من مرجحات تعين التراب فى الأولى انتهى وفى الحديث دليل على نجاسة فم الكلب
من حيث الأمر بالغسل لما ولغ فيه والاراقة للماء، وقوله: طهور إناء أحدكم، فإنه لا غسل إلا من حدث أو نجس
وليس ههنا حدث ، فتعين النجس، والإبراقة إضاعة مال، فلو كان الماء طاهرا لما أمر بإضاعته، إذ قد نهى عن إضاعة
الماء ، وهو ظاهر فى نجاسة فمه، وألحق به سائر بدنه قياسا عليه، وذلك لأنه إذا ثبت نجاسة لعابه ولعابه جزء من فمه إذ
هو عرق فيه، فقمه نجس إذ العرق جزء متحلب من البدن، فكذلك بقية بدنه. وفيه أيضا أن الماء القليل ينجس بوقوع
النجاسة فيه وإن لم يتغير، لأن ولوغ الكاب لا يغير الماء الذى فى الإناء غالبا. وأعلم أنه خالف حديث أبى هريرة
وحديث عبد الله بن مغفل الحنفية حيث قالوا بالتليث فقط، ولم يقولو ابو جوب السبع ولا الثمان ولا التقريب. و
المالكية حيث لم يقولوا: بالتقريب وأوجبوا التسبيح فقط دون التثمين، لأن التقريب لم يقع فى رواية مالك. قال
القرا فى منهم: قد صحت فيه الأحاديث. والعجب منهم كيف لم يقولوا بها. وخالف الشافعية حيث لم يقولوا بالتثمين،
تفتح بعضهم إلى ترجيح حديث أبى هريرة على حديث ابن مثقل، وتعقب بأن الترجيح لا يصار إليه مع إمكان
-الجمع، والأخذ بحديث ابن مغفل يستلزم الأخذ بحديث أبى هريرة دون العكس، والزيادة من الثقة مقبولة ومال
بعضهم إلى الجمع كما تقدم فى كلام النووى والحافظ . واعتذر الطحاوى وغيره عن الحنفية بأمور قد ردها الحافظ فى
الفتح (ج ١: ص ١٣٩) أحسن رد، ثم إنه تعقب العينى على كلام الحافظ بما يدل على شدة تعصبه لمذهب إمامه. وقد
فقل الشيخ عبد الحى اللكنوى الحنفى فى السعاية (٤٥١) تعقبات العينى ثم ردها ردا حسنا. والشيخ ابن الهمام فى فتح
القدير كلام مزخرف فى الاعتذار عن العمل بحديث التسبيع والتقريب قدرده أيضا الشيخ اللكنوى فى السعاية ، وأطال
الكلام فى هذا المبحث وأجاد، وقال فى آخر البحث: ولعل المنصف غير المتعسف يعلم بعد ملاحظة هذا البحث ضعف
كلام أرباب التثليث وقوة كلام أصحاب التسيع والتثمين انتهى. وقد ذكر شيخنا تعقبات الشيخ اللكنوى على العينى
وابن الهام فى أبكار المنن (ص ٢٩ - ٣٢) فعليك أن تراجعه ..
٤٩٤ - قوله (قام أعرابى) بفتح الهمزة نسبة إلى الأعراب وهم سكان البادية سواء كانوا عربا أو مجما. قيل هو
ذو الخويصرة اليامى. وقيل: الأقرع بن حابس التميمى. وقيل: عيينة بن حصن بن بدر الفزاري (فبال فى المسجد)
١٩٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
تتناوله الناس. فقال لهم النبى تَفي: دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء - أو ذنوبا من ماء -
فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين.
أى مسجد النبى (فتناوله الناس) أى بألسنتم سبا وشتما. أو أرادوا أن يتناولوه بأيديهم فقد قاموا إليه كما فى بعض
الروايات (دعوه) أمر بصيغة الجمع من ودع يدع أى اتركوه فإنه معذور لأنه لم يعلم عدم جواز البول فى المسجد لقربه
بالإسلام. وقيل: لئلا يتعدد مكان النجاسة. وقيل لئلا يتضرر باتحباس البول (وهريقوا). بفتح الهاء أمر من
هراق الماء يهرقه هراقة أى صب، وأصله أراق يريق إراقة من باب الافعال ، أبدلت الهاء بالهمزة فصار هراق. وفيه
لغة أخرى أهرق الماء يهرقه إهراقا على وزن أفعل إفعالا. قال سيويه: قد أبدلوا من الهمزة الهاء ثم لزمت فصارت
كأنها من نفس الكلمة، وحذفت الألف بعد الراء، وزيدت همزة أخرى وتركت الهاء عوضا عن حذفهم العين لأن
أصل أهرق أريق. وفيه لغة ثالثة أهراق بهريق إهرياقا فهو مهريق والشئى مهراق ومهراق أيضا بالتحريك وهذا شاذ،
ونظيره أسطاع يسطيع اسطياعا بفتح الألف فى الماضى وضم الياء فى المضارع، وهو لغة فى أطاع يطيع ، جعلوا السين
عوضا عن ذهاب حرکة عین الفعل فكذلك حكم الماء(سجلا) بفتح السین وسکون الجيم الدلو الملآی ماء لا فارغة(أو ذنوبا
من ماء) بفتح الذال الدلو الملآى لا فارغة، وأو للشك من الراوى، ومن فى الموضعين زائدة تأ كيدا، وقيل هو من كلام
رسول اللّه مَّةٍ، وأو للتخيير، لما بين السجل والذنوب من الفرق، وهو أن السجل الدلو الواسعة، والذنوب الدلو
العظيمة. وقال الطبي: السجل الدلوفيه الماء قل أوكثر، وهو مذكر والذنوب يؤنث، وهو ما ملئى ماء، فقوله: من ماء
فى الموضعين زيادة وردت تأكيدا انتهى. لأن السجل والذنوب لا يستعملان إلا فى الدلو التى فيها الماء. وقيل من
للنبين لاحتمال أن يكون من ماء وغيره، وهذا قول من يجوز التطهير بغير الماء (فانما بعثتم) إسناد البعث إليهم على
طريق المجاز لأنه هو المبعوث مَّه بما ذكر، لكنهم لما كانوا فى مقام التبليغ عنه فى حضوره وغيته أطلق عليهم ذلك
أوهم مبعوثون من قبله بذلك أى مأمورون. وكان ذلك شأنه مَّه فى حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات بقوله :
يسروا ولا تعسروا (ميسرين) حال أى مسهلين على الناس (ولم تبعثوا معسرين) عطف على السابق على طريق الطرد
والعكس مبالغة فى اليسر قاله الطبى، أى فعليكم بالتيسير أيها الأمة. والحديث فيه دليل على نجاسة بول الآدمى وهو
إجماع وعلى أن الأرض إذا تنجست طهرت بالمكاثرة والمغالبة من الماء وعلى أنه يكتفى بإفاضة الماء ولا يشترط حفر
الأرض ونقل التراب إذا صب عليها الماء، لأنه لم يرد فى هذا الحديث الأمر بنقل التراب، وظاهر ذلك الاكتفاء
بصب الماء، فإنه لو وجب لأمر به ولو أمر به لذكر، وقد ورد فى حديث آخر الأمر بنقل التراب، ولكنه تكلم فيه
لانقطاعه وإرساله كما فى نصب الراية (ج ١: ص ٢١٢) للزيلعى، والفتح (ج ١: ص ١٦٢) للحافظ. وأيضا لو كان
نقل التراب واجبا فى التطهير لا كتفى به، فإن الأمر بصب الماء حينئذ يكون زيادة تكليف وتعب من غير منفعة قعود
١٩١
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
رواه البخارى .
٤٩٥ - (٣) وعن أنس، قال: بينما نحن فى المسجد مع رسول اللّه عَّ، إذ جاء أعرابى، فقام
يبول فى المسجد. فقال أصحاب رسول اللّه مؤلم: مه مه. فقال رسول اللّه مؤلٍّ: لا تزرموه؛
دعوه. فتركوه حتى بال، ثم إن رسول اللّه مَّ دعاه، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشى
من هذا البول والقذر. وإنما هى لذكر الله،
إلى المقصود وهو تطهير الأرض واستدل بالحديث على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة تجفت بالشمس أو بالهواء لا
تطهر ، لأنه لو كفى ذلك لما حصل التكليف بطلب الماء. وفيه نظر لأن ذكر الماء فى الحديث لوجوب المبادرة إلى تطهير
المسجد ، لأنه كان نهارا وقد لا يجف قبل وقت الصلاة ، فبادر إلى تطهيره بالماء، أو لأن الوقت كان إذ ذاك قد آن،
أو أريد إذ ذاك أكمل الطهارتين المتيسر فى ذلك الوقت ، وفى تركه إلى الجفاف تأخير لهذا الواجب مع ما فيه من
المفاسد التى أشرنا إليها، وإذا تردد الحال بين الأمرين لا يكون دليلا على أحدهما بعينه. والدليل على كون الجفاف.
مطهرا للأرض ما رواه أبو داود عن ابن عمر : كانت الكلاب تبول ، وتقبل ، وتدبر فى المسجد ، فلم يكونوا يرشون
من ذلك. وقد بوب عليه أبو داود بقوله: باب فى طهور الأرض إذا يبست. فاستدل به على طهارة الأرض
المتنجسة بالجفاف، فإن قوله: لم يكونوا يرشون، يدل على نفى صب الماء من باب الأولى، فلو لا أن الجفاف يفيد تطير
الأرض ما تركوا ذلك. ولا مخالفة بين حديث ابن عمر هذا وبين حديث أبى هريرة، فإنه يقال: إن الأرض تطهر
بوجهين أعنى بصب الماء وبالجفاف، واختار ◌َّتم فى حديث الأعرابى أحد المطهرين وهو الماء مبادرة إلى التطهير. ويدل
على كون الجفاف مطهرا قول أبى جعفر محمد بن على الباقر: زكاة الأرض يسها. أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق
(رواه البخارى) فى الطهارة وفى الأدب، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٤٩٥ - قوله (مه مه) اسم فعل مبنى على السكون، معناه اكفف ، لأنه كلمة زجر أصله «ما هذا؟ ثم حذف
تخفيفا، وتقال: مكررة للتأكيد، ومفردة، وقد تنون مع الكسر، فيقال مَهٍ مَمٍ (لا تزرموه) بضم التاء وسكون الزاى
وكسر الراء من الازرام، وهو القطع أى لا تقطعوا عليه بوله، فإنه يضره، ويحصل من تقويمه من محله مع ما قد حصل
من تنجيس المسجد تنجيس بدنه وثيابه ومواضع من المسجد غير الذى وقع فيه البول أو لا (دعاه) أى طلب ذلك
الأعرابي ليعلمه بما يجب المساجد على أبلغ وجه وألطفه (إن هذه المساجد) الإشارة للتعظيم، وإنما جمع لئلا يتوهم تخصيص
الحكم بمسجده مَّمِ (لشئى من هذا البول) الاشارة للتحقير (والقذر) بفتح الذال، ما يتفر منه الطبع كالنجاسات والأشياء
المنقنة، فذكره بعد البول يكون تعميما بعد تخصيص، قاله ابن الملك (وإنما هى لذكر الله) قال الشوكانى فى النيل (ج ١: ٤٣)
١٩٢
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
والصلاة، وقراءة القرآن. أو كما قال رسول اللّه مَطير. قال: وأمر رجلا من القوم، جاء بدلو من
ماء، فسنه عليه. متفق عليه.
٤٩٦ - (٤) وعن أسماء بنت أبى بكر، قالت: سألت امرأة رسول اللّه مٍَّ، فقالت: يا رسول الله!
أرأيت إحدانا
مفهوم الحصر مشعر بعدم جواز ما عدا هذه المذكورة من الاقذار ، والقذى والبصاق ، ورفع الصوت ، والخصومات،
والبيع والشراء وسائر العقود وإنشاد الضالة ، والكلام الذى ليس بذكر، وجميع الأمور التى لا طاعة فيها . وأما التى فيها
طاعة كالجلوس فى المسجد للاعتكاف والقراءة للعلم، وسماع الموعظة، وانتظار الصلاة، ونحو ذلك، فهذه الأمور وإن
لم تدخل فى المحصور فيه لكنه أجمع المسلمون على جوازها كما حكاه النووى، فيخصص مفهوم الحصر بالأمور التى فيها طاعة لائقة
بالمسجد لهذا الاجماع، وتبقى الأمور التى لا طاعة فيها داخلة تحت المنع وحكى الحافظ فى الفتح (ج١: ص ١٦٢) الاجماع
على أن مفهوم الخصر منه غير معمول به قال: ولا ريب أن فعل غير المذكورات وما فى معناها خلاف الأولى (أو كماقال)
.شك من الراوى، أى قال هذا القول أو قولا شبيها به. قال النووي: ينبغى للراوى وقارئ الحديث إذا اشتبه عليه لفظة فقرأها
على الشك أن يقول عقيبه: أو كما قال ، وكذا يستحب لمن روى بالمعنى أن يقول بعده: أو كما قال، أو نحو هذا، كما فعلته
الصحابة فمن بعدهم. والله أعلم. وقد روى الدارمى فى مسنده فى «باب من هاب الفتيا مخافة السقط)) آثارا كثيرة فى ذلك
من شاء رجع إليه (قال) أى أنس (وأمر رجلا) من القوم باتيان دلو من ماء (فسنه) بالمهملة وفى بعض النسخ بالمعجمة
أى صبه. قال الطبى: سننت الماء على وجهى إذا أرسلته إرسالا من غير تفريق فإذا فرقته فى الصب قلت بالشين المعجمة
كما فى الصحاح ـ انتهى. وكذا فى النهاية، والقاموس، وقال النووى: يروى بالشين المعجمة وبالمهملة وهو فى أكثر
الأصول والروايات بالمعجمة ، ومعناه صبه. وفرق بعض العلماء بينهما فقال: هو بالمهملة الصب فى سهولة ، وبالمعجمة
التفريق فى صبه - انتهى. وفيه دليل على أن النجاسة على الأرض إذا استهلكت بمكاثرة الماء فالأرض والماء طاهران ولا
يكون ذلك أمرا بتكثير النجاسة فى المسجد (متفق عليه) أى على أصل الحديث، والسياق المذكور لمسلم لأنه ليس عند
البخارى قوله: إن هذه المساجد، إلى قوله: وقراءة القرآن ، لا بهذا اللفظ ولا بمعناه، نعم أخرج أصل الحديث فى
الطهارة ، وفى الأدب مختصرا فى معنى الحديث السابق ، فكان الأولى للصنف أن يعزو هذا الحديث إلى مسلم فقط. قال
السيد جمال الدين: قوله ((متفق عليه)) فيه تأمل لأن صاحب التخريج نسب هذا الحديث إلى مسلم دون البخارى وقال
الشيخ الألباني: قوله: متفق عليه، فيه نظر. فان هذا الحديث من رواية أنس، ولم يخرجه البخارى. أنظر شرحه للحافظ
ابن حجر - انتهى. والحديث أخرجه مسلم فى الطهارة ، وأخرجه أيضا النسائى وابن ماجه فى الطهارة.
٤٩٦ - قوله (سألت امرأة) فى رواية الشافعى أن أسماء هى السائلة (أرأيت إحدانا) بحذف مضاف أى أخبرنى
١٩٣
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - بلب تطهير النجاسات
إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة، كيف تصنع؟ فقال رسول اللّه مَبقى: إذا أصاب ثوب إحداكن
الدم من الحيضة فلتقرصه، ثم لتنضجه باء، ثم لتصل فيه. متفق عليه.
٤٩٧ - (٥) وعن سليمان بن يسار، قال: سألت عائشة عن المنى
فى حال إحدانا أو عن حال إحدانا (إذا أصاب ثوبها) بالنصب على المفعولية (الدم) بالرفع على الفاعلية (من الحيضة)
بفتح الحاء أى الحيض ( كيف تصنع؟) متعلق بالاستخبار، أى أخبرنا كيف تصنع إحدانا بهذا الثوب، هل تترك لبسه، أو
تقطع موضع الدم منه، أو تغسله فكيف تغسله؟ (فتقرصه) بضم الراء وسكون الصاد المهملة من القرص ، وهو الدلك
بأطراف الأصابع والأظفار ، أى لتدلك موضع الدم بأطراف الأصابع بالماء ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب
منه (ثم لتنصحه) أى لتغسله، وهو بفتح الضاد المعجمة وتكسر (ثم لتصل فيه) أى فى ذلك الثوب فإنه لا بأس بعد
هذا. والحديث دليل على نجاسة دم الحيض ، وعلى وجوب غسله، والمبالغة فى إزالته بما ذكر من الحت فى بعض
الروايات ، والقرص والنضح لا ذهاب أثره. وظاهره أنه لا يجب غير ذلك ، وإن بقی أثره ولونه ، فلا يجب استعمال
الحاد لإذهاب الأثر لعدم ذكره فى الحديث وهو محل البيان، ولأنه قد ورد فى غير حديث أسماء: ولا يضرك أثره.
واستدل الخطابى بحديث أسماء هذا على أن الماء يتعين لاإزالة النجاسات دون غيره من المائعات الطاهرة، لأن جميع
النجاسات بمثابة الدم لا فرق بينه وبينها وتعقب هذا الاستدلال بأن هذا خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط ، والمعنى
فى ذلك أن الماء أكثر وجودا من غيره، أو يقال تخصيص الشئى بالذكر لا يدل على نفى الحكم عما عداه، أو يقال: ذكر
الماء لأنه المعتاد فى إزالة النجاسات لالاشتراط خصوصيته وأجيب بأن الخبر نص على الماء، فإلحاق غيره من المائعات
به بالقياس. ومن شرطه أن لا ينقص الفرع عن الأصل فى العلة، وليس فى غير الماء ما فى الماء من وقته وسرعة نفوذه،
فلا يلحق به. وللشوكانى ههنا كلام حسن فى النيل (ج ١: ص ٣٩). فارجع إليه. وفى الحديث دليل على أن دم
الحيض لا يعفى يسيره وإن قل لعمومه، حيث لم يفرق بين قليله وكثيره ، ولا سألها عن مقداره ، ولم يجد فيه مقدار
الدرهم، ولا دونه، وبه قال الشافعى فى الجديد، خلافا للأئمة الثلاثة، فإنهم ذهبوا إلى الفرق بين القليل من الدم
والكثير ، فاليسير منه معفو عندهم، وإنما الاختلاف بينهم فى مقدار اليسير وتحديده، والحديث محمول عندهم على
الدم الكثير. وارجع للتفصيل إلى المغنى (ج ١: ص ٧٢٨ - ٧٣١) والشرح الكبير (ج ١: ص ٣٠٤ - ٣٠٥).
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى الطهارة والصلاة والبيوع، ومسلم فى الطهارة، وأخرجه أيضا مالك وأحمد والترمذى
وأبو داود والنسائى وابن ماجه .
٤٩٧ - قوله (وعن سليمان بن يسار) بتحتية مفتوحة وعين مهملة خفيفة، الهلالى المبدئى مولى ميمونة زوج
١٩٤
11
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
يصيب الثوب. فقالت: كنت أغسله من ثوب رسول اللّه عليه، فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل
فى ثوبه. متفق عليه.
٤٩٨ - (٦) وعن الأسود وهمام، عن عائشة، قالت: كنت أفرك المنى من ثوب رسول الله ملته.
-
النبىِ مَّة، ويقال: كان مكاتبا لأم سلمة أم المؤمنين، ثقة، فاضل، من كبار تابعى المدينة، وأحد الفقهاء السبعة. قال
ابن سعد: كان ثقة ، عالما رفيعا، فقيها ، كثير الحديث . مات سنة (١٠٧) وهو ابن (٧٣) سنة. وقيل: فى وفاته غير
ذلك. (يصيب الثوب) يحتمل الوصف والحال (كنت أغسله) أى المنى (من ثوب رسول اللّه مؤثّ) قد استدل به
لمالك وأبى حنيفة على نجاسة المنى: لأن الغسل لا يكون إلا من نجس. وأجيب بأن غسلها فعل وهو لا يدل على الوجوب
بمجرده، فهو محمول على التنزه والاستحباب لأجل النظافة، وإزالة الدون ونحوه. قال الشوكانى فى النيل
(ج ١: ص ٥٤) لم يثبت الأمر بغسله من قوله مؤ قته فى شتى من أحاديث الباب، وإنما كانت تفعله عائشة، ولا حجة فى
فى فعلها إلا إذا ثبت أن رسول ◌َّ علم بفعلها وأقرها ، على أن علمه بفعله وتقريره لها لا يدل على المطلوب، لأن غاية
ما هناك أنه يجوز غسل التى من الثوب وهذا مما لا خلاف فيه ، بل يجوز غسل ما كان متفقا على طهارته كالتراب
والطيب، فكيف بما كان مستقذرا انتهى. وقال ابن الجوزى: ليس فى هذا الحديث حجة، لأن غسله كان للاستقذار لا
النجاسة، كذا فى نصب الراية (ج ١: ص ٢١٠) واحتج أيضا على نجاسة المنى بالقياس على غيره من فضلات البدن
المستقذرة من البول والغائط لانصباب جميعها إلى مقر، وانحلالها عن الغذاء، ولأن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة
والمنى منها ، ولأنه يجرى من مجرى البول فينجس ، ولا يخفى ما فيه ، وللقائلين بالنجاسة دلائل أخرى ذكرها النيموى فى
آثار السنن، وقد أوضح ما فيها من الخدشات شيخنا فى أبكار المنن (ص ٣٣ - ٣٦) فعليك أن تراجعه (متفق عليه)
وأخرجه أيضا الترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٤٩٨ - قوله (وعن الأسود) وهو الأسود بن يزيد بن قيس النخعى أبو عمر أو أبو عبد الرحمن ، مخضرم ثقة
مكثر، فقيه من كبار التابعين. وقال الطبى: أدرك زمن النبي ◌َّ ولم يره، ورأى الخلفاء الراشدين. وهو خال إبراهيم
النخعى. مات سنة (٧٤). وقيل سنة ٧٥ وقال المصنف: هو الأسود بن هلال المحاربى (مخضرم ثقة) وفيه نظر لأنه لم يذكره
أحد أنه روى عن عائشة (وهمام) بالتشديد ، هو حمام بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعى الكوفى، ثقة عابد من كبار
التابعين مات سنة (٦٥) (كنت أفرك) بضم الراء من باب نصر، وقد تكسر، والفرك الدلك حتى يذهب الأثر عن الثوب
(المنى من ثوب رسول اللّه مَئي) وفى لفظ لمسلم عن عائشة: لقد كنت أحكمه يابسا بظفرى من ثوبه، قال الحافظ: وقد
ورد الأمر بفركه من طريق صحيحة. رواما ابن الجارود فى المنتقى عن عائشة، قالت: كان رسول الله مؤثّم يأمرنا
١
١٩٥
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
رواه مسلم. وبرواية علقمة والأسود، عن عائشة نحوه، وفيه: ثم يصلى فيه.
بحته. قال وأما الأمر بغسله فلا أصل له. والحديث قد استدل به الشافعى وأحمد وداود واسحق على طهارة التى لأنه لو
كان نجسا لم يكف فركه كالدم. وللزم بطلان الصلاة فيما إذا صلى فى الثوب الذى فرك منه المنى لأن الفرك لا يقلع الى
بل يخففه ويقلله فقط. ولما اكتفى فيه بالفرك مع أن الفرك لا يقطعه ولا يزيله بالكلية، وإنما يقاله، علم أنه طاهر. واستدل لهم أيضا
بحديث عائشة قالت: كان رسول الله مَ ◌ّل يسلت المنى من ثوبه بعرق الاذخر ثم يصلى فيه، ويحته يابسا ثم يصلى فيه، أخرجه
أحمد. قال الحافظ بإسناد حسن. وبحديث عائشة: أنها كانت تسلت المتی من ثوبه بعرق الذخر ثم يصلى فيه، وتحکه من ثوبه
يابسا ثم يصلى فيه. أخرجه ابن خزيمة. ذكره الحافظ فى الفتح وسكت عنه. وأجيب عن هذه الأحاديث بأن ذلك لا
يدل على الطهارة وإنما يدل على كيفية التطهير فغاية الأمر أنه نحس خفف فى تطهيره بما هو أخف من الماء، والماء لا يتعين
لا زالة جميع النجاسات وإلا لزم عدم طهارة العذرة التى فى النعل، لأن النبي ◌َّم أمر بمسحها فى التراب، ورتب على ذلك
الصلاة فيها قاله الشوكانى فى النيل (ج ١ ص ٥٤) واحتج لهم أيضا بأن الأصل الطهارة فلا ينتقل عنها إلا بدليل. قال
الشوكانى: وأجيب بأن التعبد بالازالة غسلا، أو مسحا ، أو فركا أوحتا أو سلنا أو حكا ثابت ولا معنى لكون الشئى
نجساً إلا أنه مأمور بإزالته بما أحال عليه الشارع، فالصواب أن المنى نجس يجوز تطهيره بأحد الأمور الواردة - انتهى.
قلت: الظاهر أن المنى نحس يطهره الغسل، أو الفرك، أو الحت، أو الحك، أو السلت، والإزالة بالاذخر عملا
بالأحاديث. وأما الفرق بين الرطب واليابس بوجوب الغسل فى الأول والاكتفاء بالفرك فی الثانی فليس بصحيح عندى
لما تقدم من حديث عائشة عند أحمد وابن خزيمة، فإنه يتضمن ترك الغسل فى الحالتين (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد
والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وابن الجارود، ولم يخرجه البخارى بل اكتفى بالإ شارة إليه فى ترجمته ، فقال
((باب غسل المنى وفركه)) وهذا على عادته بالإشارة إلى الأحاديث التى لا تكون على شرطه فى تراجم أبوابه
(وبرواية علقمة) النخعى (والأسود عن عائشة نحوه) أى نحو رواية الأسود، وهمام عن عائشة ومعناها، وهو مرفوع
على أنه مبتدأ خبره الجار المتقدم، و((عن عائشة)) متعلق برواية (وفيه) أى وفى مرويهما زيادة قولهما (ثم يصلى فيه) أى فى
ذلك الثوب الذى أفرك منه المنى. وفى رواية أخرى لمسلم: فيصلى فيه ، ذكر المصنف هذه الزيادة ردا على من قال من
أصحاب مالك: إن الثوب الذى اكتفت عائشة فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذى غسلته هو ثوب الصلاة ، والرواية
التى ذكرناها صريحة فى الرد عليهم فإن التعقيب بالفاء ينفى احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة ، وإنما احتاج أصحاب
مالك إلى تأويله لأن مالكا وأصحابه لم يقولوا بالفرك وأوجبوا الغسل رطبا ويابسا، وحمل بعضهم الفرك على الدلك بالماء،
وهذا أيضا مردود عليهم بما ورد فى الباب من الروايات الصريحة فى الاكتفاء بالفرك من غير ماء. هذا وفى المقام
مجادلات ومقاولات ومناظرات محلها المطولات من كتب شروح الحديث ، وكتب الفروع للذاهب الأربعة.
١٩٦
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
٤٩٩ - (٧) وعن أم قيس بنت محصن: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله
◌َّ، فى حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه، ولم يغسله.
٤٩٩ - قوله (وعن أم قيس بنت محصن) بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الصاد بعدها نون، الأسدية أخت
عكاشة بن محصن الأسدى، أسلمت بمكة قديما وبايعت النبى معَّم وهاجرت إلى المدينة يقال: إن اسمها آمنة. لها أربعة وعشرون
حديثا، اتفقا على حديثين عن أبى الحسن مولى أم قيس عن أم قيس ، قالت: توفى ابى تجزعت فقلت الذى يغسله: لا تغسله
بالماء البارد فتقتله. فانطلق عكاشة إلى رسول اللّه مَّ فأخبره بقولها، فتبسم ثم قال: طال عمرها فلا نعلم امرأة عمرت ما
عمرت (أنها أنت بابن لها) لم يسم ومات فى عهد النبي مَّه (صغير) بالجر صفة لابن (لم يأكل الطعام) صفة ثانية لابن، والمراد
بالطعام ما عدا اللبن الذى يرتضعه ، والتمر الذى يحنك به، والعسل الذى يلعقه للداواة وغيرها ، فكان المراد أنه لم يحصل
له الاغذاء بغير اللبن على الاستقلال (فى حجره) بفتح الحاء على الأشهر وتكسر وتضم ، أى حضنه (فبال على ثوبه) أی
ثوب النبي ◌َّ، وحمله على ثوب الصبى كما قال بعض المالكية بعيد خلاف الظاهر (فنضحه) أى رش الماء على موضع
البول من الثوب، ففي رواية الترمذى وابن ماجه وابن حبان («فرشه عليه)) وكذا وقع فى لفظ لمسلم، والروايات يفسر.
بعضها بعضا. ويؤيده ما فى الصحاح، والقاموس، والمصباح، والكشاف، والنهاية أن النضح الرش، وقد يذكر النضح، والرش،
ويراد بهما الغسل، لكن إذا لم يكن هناك مانع يمنع من إرادة الرش بل يكون دليل يدل على إرادة الغسل كما لا يخفى على
من له وقوف على موارد استعمال هذين اللفظين ، وليس فيما نحن فيه قرينة تدل على أن المراد بالنضح والرش الغسل ، بل
ههنا دليل صريح يدل على عدم إرادة الغسل، وهو قوله (ولم يغسله) وفى رواية لمسلم: ولم يزد على أن نضح بالماء، فقوله:
لم يغسله، دليل واضح على أنه لم يرد بالنضح الغسل، ورد صريح على من تأول من الحنفية والمالكية القائلين بعدم التفرقة
بين بول الصبى الرضيع وبول الجارية النضح بالغسل، فإنه لو كان المراد بالنصتح الغسل لكان المعنى فغسله ولم يغسله وهو كما
ترى وأما قولهم: بان المراد بقولها: ولم يغسله، أى غسلا مبالغا فيه فردود عليهم، فإنه خلاف الظاهر ، ولا دليل عليه.
قال السندى بعد ذكر تأويلهم هذا: هو تأويل بعيد ، ومع بعده مخالف للذهب أيضا إذ ما تعرضوا فى كتب الفقه للخفة
والمبالغة - انتهى. وقال ابن دقيق العيد: هو خلاف الظاهر، ويبعده ما ورد فى الأحاديث الأخر من التفرقة بين بول
الصبى والصبية فانهم لا يفرقون بينهما - انتهى. قلت: أراد بالأحاديث الأخر حديث لابة. وحديث أبى السمح
الآتيين فى الفصل الثانى وحديث على عند أحمد والترمذى وأبى داود، وغيرهم بلفظ: يغسل بول الجارية ، وينضح بول
الغلام. قال قنادة راويه: هذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غلا جميعا. فهذه الأحاديث لاشك أنها تبعد تأويلهم
بل تبطله، فإن حمل النضح والرش على الغسل يحيل معنى هذه الأحاديث إلى أنه يغسل بول الجارية ، ويغسل بول الغلام
وما أظن أن أحدا له مساس بالعلم أو معرفة باللغة يرضى أن يحمل كلام رسول اللّه مَّم على هذا المعنى. وأما ما وقع
١
١٩٧
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
متفق عليه.
٥٠٠ - (٨) وعن عبد الله بن عباس، قال: سمعت رسول الله عزَّه، يقول: إذا دبغ الإهاب فقد
طهر. رواه مسلم.
٥٠١ - (٩) وعنه، قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فربها رسول اللّه محله، فقال:
هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به! فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها.
فى حديث عائشة عند مسلم: فدعا بماء خصبه عليه، وعند البخارى «فأتبعه إياه، فالمراد بالصب وإتباع الماء، هو الرش
والنضح لا الغسل، يدل عليه ما فى رواية لمسلم والطحاوى: فأتبعه الماء ولم يغسله. وفى أخرى للطحاوى: فنضحه عليه .
ويأتى بقية الكلام فى شرح حديث لبابة (متفق عليه) أخرجاه فى الطهارة، وفى الطب، وأخرجه أيضا مالك وأحمد
وأبو داود الطيالسى ، وابن سعد فى الطبقات، والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٥٠٠ - قوله (إذا دبغ) بصيغة المجهول من ضرب ونصر وفتح، الدبغ والدباغ والدباغة عبارة عن إزالة الرائحة
الكريهة والرطوبات النجسة باستعمال الأدوية أو بغيرها. قال إبراهيم النخعى: كل شئ يمنع الجلد من الفساد فهو دباغ (الإهاب)
يكسر الهمزة هو الجلد، أو مالم يدبغ كما فى القاموس، ومثله فى النهاية، وفى الصحاح: الاهاب الجلد ما لم يدبغ. وبه فسر
النضر بن شميل ، كما روى أبو داود عنه فى سننه (فقد طهر) بضم الهاء وفتحها لغتان، والفتح أنصح، أى ظاهره وباطنه
فيجوز استعماله فى الأشياء اليابسة والمائعة. وفى رواية أحمد والترمذى والنسائي وابن ماجه: أيما إهاب دبغ فقد طهر
وفيه دليل على أن الدباغ يطهر جلد ميتة كل حيوان من غير فرق بين ما كول اللحم وغيره، لعموم كلمة ((أيما، ولأن
لفظ الإهاب بعمومه يشمل جلد ما كول اللحم وغيره. واستثنى منه الخنزير لنجاسة عينه، لقوله تعالى (فإنه رجس)
والضمير للخنزير فقط ، حكم برجسية كله، والكلب مقيس عليه بجامع النجاسة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا الشافعى
وأحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه وغيرهم.
٥٠١- قوله (تصدق) بصيغة المجهول (على مولاة) أى عتيقة (لميمونة) أم المؤمنين (بشاة) متعلق بتصدق
(فاتت) أى الشاة (فر بها) أى بالشاة (هلا) تحضيضية أى لم لا (فدبغتموه فانتفعتم به) فيه دليل على أن جلود الميتة
لا يجوز الانتفاع بها أى انتفاع كان إلا بعد الدباغ، وأما قبل الدباغ فلا يجوز الانتفاع كالبيع وغيره، وهو القول
الراجح المعول عليه. ولم يقع فى رواية البخارى والنسائى ذكر الدباغ ، وهى محمولة على الرواية المقيدة بالدباغ
(إنما حرم) قال النووي: رويناه على وجهين: حرم بفتح الحاء وضم الراء، وحرم بضم الحاء وكسر الراء المشددة (أكلها) أى
أكل الميتة. وأما جلدها فيجوز دباغته ويطهربها حتى يجوز استعماله فى الأشياء الرطبة والوضوء منه، والصلاة معه وعليه.
١٩٨
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
متفق عليه.
٥٠٢ - (١٠) وعن سودة زوج التى مرَّة، قالت: ماتت لنا شاة، فدبغنا مسكها، ثم مازلنا ننبذ
فيه حتى صار شنا. رواه البخارى.
﴿ الفصل الثانى )
٥٠٣ - (١١) عن لبابة بنت الحارث، قالت: كان الحسين بن على فى حجر رسول اللّه ملته، فبال
على ثوبه. فقلت: إلبس ثوبا، وأعطنى إزارك حتى أغسله، قال: إنما يغسل من بول الأنثى،
وينضح من بول الذكر.
وفى شرح السنة: فيه دليل لمن ذهب إلى أن ما عدا المأكول غير محرم الانتفاع كالشعر، والسن والقرن ونحوها ، وقالوا :
لا حياة فيها فلا تنجس بموت الحيوان. وجوزوا استعمال عظام الفيل، وقالوا: لا بأس بتجارة العاج - انتهى.
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى الزكاة ، والبيوع والذبائح، ومسلم فى الطهارة، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود
فى اللباس والنسائى فى الفرع، وابن ماجه فى اللباس إلا أنه قال فيه ((عن ميمونة)) جعله من مسندها.
٥٠٢ - قوله (وعن سودة) بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية القرشية أم المؤمنين، أسلمت بمكة قديما،وهاجرت
هى وزوجها إلى الحبشة الهجرة الثانية، ومات زوجها هناك، واسمه السكران بن عمرو، فتزوجها رسول اللّه مَ ◌ّ ودخل
بها بمكة، وذلك بعد موت خديجة، وقبل أن يعقد عائشة، وهاجرت إلى المدينة. قالوا: لما أسنت هم النبي مؤتم بطلاقها
فوهبت يومها لعائشة. توفيت سنة (٥٥) على الصحيح، لها أحاديث، انفرد البخارى بحديث (قدبغنا مسكها)
بفتح الميم أى جلدها ، وسمى به لأنه يمسك ما فيه من الماء وغيره (ثم ما زلنا) بكسر الزاى (نبذ فيه) بكسر الباء من
ضرب أى تنقع فيه الثمر وغيره ، يعنى نعمل فيه نبيذا من تمر وغيره (حتى صار شنا) بفتح الشين المعجمة وتشديد
النون أى قربة خلقة (رواه البخارى) فى النذور، وأخرجه أيضا أحمد ، والنسائى فى الفرع.
٥٠٣ - قوله (عن طبابة) بضم اللام وتخفيف الموحدتين (بنت الحارث) بن حزن الهلالية أم الفضل زوج
العباس بن عبد المطلب، وأم ستة من بنيه، وأخت ميمونة أم المؤمنين لأبويها. قال ابن عبد البر: يقال: إنها أول
امرأة أسلمت بعد خديجة، وكانت من المنجبات، وكان النبى مؤيِّ يزورها. لها ثلاثون حديثا، اتفقا على حديث،
وانفرد كل منهما بحديث. ماتت بعد زوجها العباس فى خلافة عثمان (فى حجر رسول الله) بكسر الحاء وتفتح وتضم
,قبال على ثوبه) أى إزاره مَّه (إلبس) بفتح الباء أمر من سمع (ثوبا) آخر (وأعطنى إزارك) أى المتلوث بالبول
(إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر) الحديث حجة صريحة فى الفرق بين بول الصبى وبول الصبية ، وأن
١٩٩
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٨ - باب تطهير النجاسات
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
٥٠٤ - (١٢) وفى رواية لأبى داود، والنسائى، عن أبى السمح، قال: يغسل من بول الجارية،
ويرش من بول الغلام.
بول الصبى يكفى فيه النضح بالماء ، ولا حاجة فيه للغسل وأن بول الصبية لا يكفى فيه النضح والرش بل لا بد من غسله،
وهو أصح المذاهب فى ذلك وأقواها ، وذلك قبل أن يأكلا الطعام كما قيده به قنادة راوى حديث على، وقد ذكرنا لفظه.
وعند ابن حبان فى صحيحه ، وابن أبى شيبة فى مصنفه عن ابن شهاب: مضت السنة أن يرش بول من لم يأكل الطعام من
الصبيان. والمراد بالنضح كما قاله النووى فى شرح مسلم: هو أن الشئى الذى أصابه البول يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة
لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره، بخلاف المكاثرة فى غيره، فإنه يشترط أن تكون بحيث يجرى عليها بعض الماء
ويتقاطر من المحل ، وإن لم يشترط عصره، وهذا هو الصحيح المختار، وهو قول إمام الحرمين والمحققين كذا فى سبل
السلام (ج ١: ص ٥٤) (رواه أحمد) (ج ): ص ٣٣٩) (وأبو داود) وسكت عليه هو والمنذرى (وابن ماجه)
وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والطبرانى والكجى فى سننه والبيهقى والطحاوى.
٥٠٤ - قوله (وفى رواية لأبي داود، والنسائى عن أبى السمح) هو مولى رسول الله عزّه وخادمه. قيل: اسمه
إياد ، بكسر الهمزة وتخفيف الياء تحتها نقطتان، وقيل: اسمه كنيته، صحابى، له حديث واحد ، قطعه النسائى فى موضعين:
أى فى باب ذكر الاستار عند الاغتسال، وفى باب بول الجارية. قال ابن عبد البر يقال: إنه ضل فلا يدرى أين مات
قال ميرك: قوله والنسائى بالرفع، عطف على ابن ماجه. قال القارى: وفى سائر النسخ المصححة بالجروهو الظاهر، لكن إنما
يصح الجرلو كان للنسائى روايتان كما لا يخفى، حينئذ لو كانت الرواية الأخرى له كا حمد وغيره من المذكورين فكان الصنف أن يذكره
معهم أو لا أيضا كما ذكر أبا داود مرتين، وإن كان النسائى ليس له إلا رواية واحدة كالرواية الثانية لأبي داود فيتعين الرفع، لكن
لا بالعطف على ابن ماجه لوجود الفصل بالأجنبى، بل على أنه مبتدأ خبره كذلك، كما قيل فى قوله تعالى {إن الذين آمنوا
والذين هادوا والصابون - ٥: ٦٩} بالرفع والله اعلم ـ انتهى. قلت: عبارة المصنف بظاهرها توهم أن للنسائى روايتين
كأبى داود، إحداهما عن لبابة، والأخرى عن أبى السمح، والأمر ليس كذلك، فإن حديث لبابة لم يروه النسائى،
فالأحسن أن يقول: وروى أبوداود أيضا والنسائى عن أبى السمح، إلخ. والحديث أخرجه أيضا البزار وابن ماجه وابن خزيمة
والبغوى والحاكم وصححه، وسكتعنه أبو داودوالمنذری، وقال البخارى : حديث حسن، ولفظه عند أبى داود: قال كنت
أخدم النبى مَّمِ فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولنى قفاك فأوليه قفاى فأستره به فأتى بحسن أو حسين رضى الله عنهما
فبال على صدره يعنى موضعه من الثياب بنجئت أغسله ، فقال: (يغسل من بول الجارية ، ويرش من بول الغلام) أى
الرضيع. ففى حديث على عند أحمد والترمذى وابن ماجه: أن النبي ◌ُّم قال فى بول الرضيع: ينضح بول الغلام -
٢٠٠