النص المفهرس
صفحات 141-160
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٥ - باب الغسل
وأنقوا البشرة. رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه. وقال الترمذى: هذا حديث غريب، والحارث
بن وجيه الراوى وهو شيخ، ليس بذاك.
لأنه لا يكون شعره مغسولا إلا أن ينقضها، وهذا الحكم بعمومه يشمل الرجال والنساء، لأن النساء شقائق الرجال ، لكن
رخص للنساء فى ترك نقض ضفر رؤسهن كما تقدم، والعلة فيه دفع الحرج عنهن ، لحكم الرجال فى ذلك مغائر للنساء،
حديث أبى هريرة هذا مخصوص بالرجال، وكذا حديث على الذى يتلوه (وأنقوا) من الإنقاء (البشرة) أى نظفوها من
الأوساخ، لأنه لو منع شئى من ذلك وصول الماء لم يرتفع الجنابة. والبشرة بفتح الباء والشين ، ظاهر جلد الإنسان.
وفى حديث أبى هريرة هذا وحديث على الآتى دليل على وجوب المضمضة والاستنشاق فى غسل الجنابة لما فى داخل الأنف
من الشعر، ولأن داخل الفم من البشرة، واحتج به على وجوب الدلك فى الغسل فإنه فسر صاحب المصباح الإنقاء بالتنظيف
ومعلوم أن التنظيف لا يكون إلا بالدلك (رواه أبو داود) وضعفه (والترمذى وابن ماجه) وأخرجه
اليهقى (ج ١: ص ١٧٥) (وقال الترمذى: هذا حديث غريب) لأنه تفرد به الحارث عن مالك بن دينار. قال الحافظ
مداره على الحارث بن وجبة وهو ضعيف جدا، قال أبو داود: والحارث حديثه منكر وهو ضعيف ، وقال الشافعى:
الحدیث لیس ثابت، وقال البيهقى: أنکره أهل العلم بالحديث البخارى، وأبو داود، وغيرهما (والحارث بن وجيه) بكسر
الجيم وبعدها ياء تحتية مثناة، ويقال: ابن وجبة باسكان الجيم وفتح الياء الموحدة (وهو شيخ ليس بذاك) الظاهر أن قوله
(الحارث بن وجیه)) مبتدأ خبره «ليس بذاك)، وقوله ((وهو شيخ حال أو اعتراض)» وهو خلاف نص عبارة الترمذى فى
جامعه ففيه «حديث الحارث بن وجيه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه ((وهو شيخ ليس بذاك)) قال الطبى: أى
شيخ كبير غلب عليه النسيان، ليس بذاك المقام الذى يوثق به، يعنى روايته ليست بقوية . وقال القارى: وظاهره يقتضى
أن قوله ((وهو شيخ)، للجرح، وهو مخالف لما عليه عامة أصحاب الجرح والتعديل من أن قولهم ((شيخ)) من ألفاظ مراتب
التعديل فعلى هذا يحتى إشكال آخر فى قول الترمذى، لأن قولهم (ليس بذاك، من ألفاظ الجرح اتفاقا، فالجمع بينهما
فى شخص واحد جمع بين المتنافيين ، فالصواب أن يحمل قوله (وهو شيخ، على الجرح بقرينة مقارنته بقوله ((ليس بذاك،
وإن كان من ألفاظ التعديل، ولا شعاره بالجرح لأنهم وإن عدوه من ألفاظ التعديل صرحوا أيضا بإشعاره بالقرب من
التجريح ، أو نقول: لا بد فى كون الشخص ثقة من شيئين : العدالة والضبط کما بین فی موضعه ، فإذا وجد فى الشخص
العدالة دون الضبط يجوز أن يعدل باعتبار الصفة الأولى ، ويجوز أن يجرح باعتبار الصفة الثانية، فإذا كان كذلك لا
يكون الجمع بينهما جمعا بين المتنافيين، كذا فى حاشية السيد جمال الدين، ذكره القارى فى المرقاة. وقيل: الشيخ هنا بمعنى
العالم فإنه يطلق على الأستاذ والعالم وكبير القوم ورئيس الصناعة، وعلى من كان كبيرا فى أعين القوم علما أو فضيلة أو
مقاما أو نحو ذلك.
١٤١
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٥ - باب الغسل
٤٤٨ - (١٥) وعن على، قال: قال رسول اللّه عَلَّى: من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها
فعل بها كذا وكذا من النار. قال على: فمن ثم عاديت رأسى، فمن ثم عاديت رأسى ، فمن ثم عاديت
رأسى، ثلاثا رواه أبو داود وأحمد والدارمى، إلا أنهما لم يكروا : فمن ثم عاديت رأسى.
٤٤٩ - (١٦) وعن عائشة رضى الله عنها، قالت: كان النبى مؤتم لا يتوضأ بعد الغسل. رواه الترمذى
٤٤٨ - قوله (موضع شعرة) لم يرد المحل الذى تحت الشعر فإن إيصال الماء هناك مشكل بل أراد محلا يمكن قيام
الشعر فيه، أى شعرا قليلا من ظاهر البدن قدر ما يقوم فيه الشعر، كذا قاله السندهى (من جنابة) متعلق بترك ، أى من
أجل غسل جنابة، أو من عضو بجنب (لم يغسلها) أنث الضمير الراجع إلى الموضع لتأنيث المضاف إليه (فعل) بصيغة المجهول
(بها) أى بسبب تلك الشعرة، أو الضمير يرجع إلى الموضع، والتأنيث باعتبار المضاف إليه، ولفظ أحمد «فعل الله به))
أى بذلك التارك، أو بالموضع المتروك ( كذا كذا) كناية عن العذاب الشديد (فمن ثم) أى من أجل أنى سمعت هذا
التهديد والوعيد (عاديت رأسى) وفى رواية أحمد وابن ماجه ((عاديت شعرى)) أى عاملت شعر رأسى معاملة العدو
بالعدو أى فعلت به ما يفعل بالعدو من الاستئصال والقطع والجز جززته مخافة أن لا يصل الماء إلى جميع رأسى ، وقوله
(عاديت)) كناية عن دوام جز شعر الرأس وقطعه. زاد أبو داود، والدارمى: وكان يجز شعره (ثلاثا) أى قاله ثلاثا
تأكيد (رواه أبو داود) وسكت عنه (وأحمد والدارمى) وأخرجه أيضا ابن ماجه. قال الحافظ فى التلخيص: إسناده
صحيح، فإنه من رواية عطاء بن السائب، وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط ، أخرجه أبو داود ، وابن ماجه من
حديث حماد، لكن قيل: إن الصواب وقفه على على - انتهى. وهذا التعليل الأخير الذى أشار إليه الحافظ ينافيه
سياق الحديث كما هو ظاهر. وفى الباب عن أنس عند أبي يعلى ، والطبرانى فى الصغير، وأبى أيوب عند ابن ماجه
وإسنادهما ضعيف (إلا أنهما) أى أحمد والدارمى (لم يكررا: فمن ثم عاديت رأسى) أى هذا اللفظ وأكتفيا
مرة واحدة.
٤٤٩ قوله - (لا يتوضأ بعد الغسل) من الجنابة أى يصلى بعد الاغتسال وقبل الحدث بلا وضوء جديدا كتفاء
بالوضوء الذى كان قبل الاغتسال، فكان عادته وتم تقديم الوضوء على غسل الجنابة كما تقدم. وقيل اكتفاء بالوضوء
الحاصل فى ضمن غسل الجنابة لاندراج ارتفاع الحدث الأصغر تحت ارتفاع الأكبر بإيصال الماء إلى جميع أعضاءه ، علل
به من لم يوجب الوضوء فى غسل الجنابة، والمعتمد هو الأول. وأداء الصلاة بعد غسل الجنابة وقبل الحدث بلا وضوء
جيد أمر مجمع عليه ، لم يختلف فيه العلماء كما صرح به ابن العربى فى شرح الترمذى (رواه الترمذى) وقال: حديث حسن
١٤٢
مـ
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٥- باب الغسل
وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٤٥٠ - (١٧) وعنها، قالت: كان النبى مُوي يغسل رأسه بالخطمى وهو جنب يحتزى بذلك ولا
يصب عليه الماء. رواه أبو داود.
٤٥١ - (١٨) وعن يعلى، قال: إن رسول اللّه لل رأى رجلا يغتسل بالبراز، فصعد المنبر،
محیح کما فى بعض نسخ جامع الترمذى ، قال ابن سید الناس فى شرح الترمذى: تختلف نسخ الترمذى فى تصحیح حديث
عائشة، وأخرجه البيهقى بأسانيد جيدة (وأبو داود) وسكت عليه (والنسائى) وأخرجه أيضا أحمد والبيهقى.
٤٥٠ - قوله ( کان النیمزێے يغسل رأسهبالخطیی) بكسر الخاء، نبت یتنظف بهمعروف. وفيه دليل على استحباب
تنظيف الرأس عند غسل الجنابة بالخطمى ونحوه (وهو جنب) جملة حالية (يحتزى بذلك) أى يقتصر عليه قاله الطبي:
يعنى يكتفى بالماء الذى كان يفيضه على رأسه لإزالة أثر الخطمى، وما كان يأخذ ماء جديدا للغسل. وقال المنذرى:
قيل: يكتفى بالماء الذى يغسل به الخطمى، وينوى غسل الجنابة ولا يستعمل بعده ماء آخر يخص به الغسل (ولا يصب عليه)
أى على رأسه (الماء) قال ابن رسلان: أى يصب الماء الذى يزيل به الخطمى، ولا يصب على رأسه الماء الآخر بعد إزالته
وقال من ذهب إلى جواز التطهير بالماء المقيد فى معنى الحديث: أنه كان يكتفى بالماء المخلوط به الخطمى الذى يغسل به
رأسه، وينوى به غسل الجنابة، ولا يصب بعده ماء آخر قراحا صافيا يخص به الغسل. ولا يخفى ما فيه من التكلف، على
أن الحديث ضعيف لا يكفى مثله للاستدلال (رواه أبو داود) فى سنده رجل من بنى سواءة بن عامر، وهو محمول.
وقال الحافظ فى الفتح رواه أبو داود باسناد ضعيف. وقد روى عن ابن مسعود أنه كان يغسل رأسه بخطسمى، ويكتفى
بذلك فى غسل الجنابة ، أخرجه ابن أبى شيبة ، والطبرانى فى الكبير.
٤٥١ - قوله (وعن يعلى) بفتح ياء وسكون عين مهملة وفتح لام وقصر كيرضى، هو يعلى بن أمية بن أبى عيدة
بن همام التميمى أبو صفوان المكى حليف قريش، وهو يعلى بن منية - بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية مفتوحة - وهى أمه
ويقال: جدته، صحابى مشهور من مسلمة الفتح، وشهد حنينا، والطائف وتبوك مع النبى حديثه. قال ابن عبد البر عن ابن
المدينى: استعمله أبو بكر على حلوان، واستعمله عمر على بعض اليمن فبلغ عمر أنه حمى لنفسه ، فأمر أن يمشى على رجليه
إلى المدينة، فمشى خمسة أيام أو ستة فلغه موت عمر فركب. واستعمله عثمان على الجند ، فلما بلغه قتل عثمان أقبل لينصره
فصحب الزبير وعائشة. له ثمانية وأربعون حديثا ، اتفقا على ثلاثة ، روى عنه جماعة من التابعين ، وروى عنه هذا
الحديث ابنه صفوان، بقى إلى قرب الخمسين (رأى رجلا يغتسل) أى من غير سترة عريانا (بالبراز) بفتح الباء وهو
١٤٣
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣- كتاب الطهارة
٥ - باب الغسل
حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله حى ستير يحب الحياء والتستر، فإذا اغتسل أحدكم، فليستتر
رواه أبو داود والنسائى، وفى روايته قال: إن اللّه ستير، فإذا أراد أحدكم أن يغتسل فليتوار بشتى.
﴾ ( الفصل الثالث
٤٥٢ - (١٩) عن أبى بن كعب قال: إنما كان الماء من الماء رخصة فى أول الإسلام ثم نهى عنها.
الفضاء الواسع، والباء الظرفية (حى) يائين الأولى مخففة مكسورة والثانية مشددة مرفوعة، أى كثير الحياء من تفضيح
عباده وإظهار شائعهم. (سغير) بوزن كريم، وقيل: هو كسكيت - بكسر السين وتشديد التاء المكسورة - فعيل بمعنى
فاعل، أى من شأنه وإرادته حب الستر والصون (يحب) أى من عبده. (الحياء) فإنه من الايمان (والتستر) كالقبل،
وفى أبى داود والنسائى الستر بفتح السين وسكون التاء، قال التور بشتى: يعنى أن الله تعالى تارك للقبائح، سائر العيوب
والفضائح، يحب الحياء والستر من العيد ليكون متخلفا بأخلاقه تعالى فهو تعريض للعباد، وحث لهم على تحرى الحياء
والنستر - انتهى مختصرا (فإذا اغتسل) أى أراد الاغتسال (فليستتر) من الاستتار أى فليجعل لنفسه سترة وجوبا
إن كان ثم من يحرم نظره لعورته، وندبا فى غير ذلك. واغتساله مته فى بعض الأحيان عريانا لبيان الجواز.
(رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى (والنسائى) وأخرجه أيضا أحمد. قال الشوكانى: الحديث رجال إسناده
رجال الصحيح، وقد أخرج البرار نحوه من حديث ابن عباس مطولا. وقد ذكره الحافظ فى الفتح (ج ٢، ص ١٩٣)
ولم يتكلم عليه (وفى روايته) أى فى رواية أخرى النسائى (فليتوار) أمر من التوارى بمعنى التستر (بشتى) من الثوب أو
الجدار أو الحجر أو الشجر. قال ابن حجر: وحاصل حكم من اغتسل عاريا أنه إن كان بمحل حال لا يراه أحد من
يحرم عليه نظر عورته خل له ذلك ، لكن الأفضل التستر حياء من الله تعالى، يدل عليه حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن
جده عند أبي داود والترمذى بلفظ: احفظ عورتك إلا من زوجك. قات: فالرجل يكون حاليا؟ قال مَيِّ: الله أحق
أن يستحيي منه، وإن كان المغتسل بحيث يراه أحد يحرم عليه نظر عورته وجب عليه التستر منه إجماعا على ما حكى.
۔۔۔۔
٤٥٢ - قوله (إنما كان الماء) أى انحصار وجوب الغسل (من الماء) أى من إنزال المنى لا بمجرد الجماع
(رخصة فى أول الإسلام) تدريجا لتكاليف الأحكام (ثم نهى) بصيغة المفعول (عنها) أى عن تلك الرخصة وفرض
الغسل بمجرد الإيلاج ولو لم ينزل . ولفظ أبى داود : إن الفتيا التى كانوا يفتون أن الماء من الماء كان رخصة رخصها
رسول الله مَّ فى بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد. وفى رواية للحازمى فى كتاب الاعتبار قال: كان الماء من الماء
شيئا فى أول الإسلام، ثم ترك ذلك بعد، وأمروا بالغسل إذا مس الختان الختان. والحديث صريح فى ما قاله الجمهور
١٤٤
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٥- باب الغسل
رواه الترمذى وأبو داود والدارمى.
٤٥٣ - (٢٠) وعن على، قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّ فقال: إنى اغتسلت من الجنابة، وصليت
الفجر، فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه الماء. فقال رسول مولي: لوكنت مسحت عليه يدك
أجزأك. رواه ابن ماجه.
٤٥٤ - (٢١) وعن ابن عمر، قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات ، وغسل
البول من الثوب سبع مرات. فلم يزل رسول اللّه عَظيم يسأل، حتى جعلت الصلاة خمسا، وغسل
الجنابة مرة ، وغسل الثوب من البول مرة.
من النسخ، وقد سبق الكلام عليه (رواه الترمذى) وقال: حسن صحيح (وأبو داود) وسكت عنه. ونقل المنذرى
تحسين الترمذى وأقره (والدارمى) وأخرجه أيضا أحمد وابن ماجه واليهقى والدار قطنى وصحه ابن خزيمة وابن حبان
وقال الاسماعيلى: إنه صحيح على شرط البخارى وأطال الحافظ الكلام عليه فى التلخيص والشيخ أحمد محمد شاكر فى تعليقه
على الترمذى (ج ١: ص ١٨٤ و ١٨٥) فارجع إليهما .
٤٥٣ - قوله (فرأيت) أى بعد انقضاء صلاتى (قدر موضع الظفر) بضم الظاء والفاء وقد يسكن الفاء، أى مقدار
موضعه من بدنى (لم يصبه الماء) حال أو مفعول ثان (لو كنت مسحت عليه يدك) أى ليسرى بذلك الماء عليه، فليس
فيه اكتفاء بالمسح قاله السندهى. وقال القارى: لو كنت أى عند الغسل مسحت عليه يدك، أى غسلته غسلا خفيفا، أو
مررت عليه يدك المبلولة (أجزأك) أى كفاك. وأما المسح الذى هو إصابة اليد المبتلة فلا يكفى. قال الطيبي: قد
عرفت أن لو لامتناع الشئى لامتناع غيره ، فالمعنى: لا يجزئك لأنك فى زمان الغسل ما مسحت بالماء على ذلك الموضع.
وفيه أنه يلزمه الغسل جديدا وقضاء الصلاة - انتهى. يعنى غسل ذلك الموضع (رواه ابن ماجه) وفى سنده محمد بن
عبيد الله العزرمى الفزارى وهو متروك.
٤٥٤ - قوله ( كانت الصلاة خمسين) قال الطبي: أى كانت الصلاة مفروضة فى ليلة المعراج خمسين، لا أنهم
صلوا خمسين صلاة. والحديث مشهور - انتهى. يعنى أن حديث المعراج مشهور لكن ليس فى أحاديث المعراج فى
الصحيحين إلا ذكر الصلوات فقط (سبع مرات) وفى أبى داود ((وسيع مرار)» فى الموضعين (وغسل الثوب من البول)
وفى أبى داود: وغسل البول من الثوب (فلم يزل رسول الله رؤية يسأل) أى ربه فى التخفيف عن أمه (خسا) بالكمية،
وخمسين بمضاعفة الفضيلة (وغسل الجنابة مرة) أى بالفرضية فلا يتافى سنية العليث (وغسل الثوب من البول مرة) فيه
١٤٥
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
رواه أبو داود.
(٦) باب مخالطة الجنب وما يباح له
﴿ الفصل الأول )
٤٥٥ - (١) عن أبى هريرة، قال: لقينى رسول اللّه ◌َفي وأنا جنب، فأخذ بيدى، فمشيت معه حتى
قعد، فانسللت ، فأتيت الرحل ،
دليل لما ذهب إليه الشافعى ومن وافقه من أن الثوب يطهر بالغسل مرة، وأن التثليث مندوب، خلافا للحنفية، فإن
التثليث عندهم واجب فى النجاسة الغير المرئية. قال برهان الدين المرغينانى: النجاسة ضربان مرئية وغير مرئية، فما كان
منها مرئيا فطهارتها بزوال عينها، وما ليس بمرتى فطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر، لأن التكرار
لا بد منه للاستخراج، وإنما قدروا بالثلاث لأن غالب الظن يحصل عنده، ويتأيد ذلك بحديث: إذا استيقظ أحدكم من
منامه فلا يغمسن يده فى الإناء حتى يغسلها ثلثا - انتهى. قلت: فى الاستدلال بهذا الحديث على إيجاب التثليث فى النجاسة
الغير المرئية نظر ، لأن الحديث من باب النظافة لا من باب النجاسة كما ذهب إليه الباجى، وابن تيمية (رواه أبو داود)
وسكت عنه، لكن فى سنده أيوب بن جابر اليمامى، وقد ضعفه ابن معين وابن المدينى والنسائى وأبو زرعة وأبو حاتم
وابن حبان ويعقوب بن سفيان . وقال أحمد : حديثه يشبه حديث أهل الصدق . وقال الفلاس : صالح. وقال ابن عدى:
أحاديثه صالحة متقاربة، وهو من يكتب حديثه. وقال البخارى فى التاريخ الأوسط: هو أوثق من أخيه محمد .
(باب مخالطة الجنب) أى جواز استه، ومماسخته، وماشاته، ومجالسته، ومصاخته، ومواكلته، ونحو ذلك.
يقال أجنب الرجل إذا صار جنبا، بضمتين، وهو يقع على الواحد والاثنين والجمع ، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد ،
وقد يقال: جنان وجنوب وأجناب، والاسم الجنابة، وأصلها البعد لأنه نهى أن يقرب موضع الصلاة وعن كثير
من العبادات ما لم يتطهر (وما يباح له) أى للجنب من الأكل والشرب والنوم والذكر وغيرها بعد الوضوء وقبله.
٤٥٥ - قوله (فأخذ بيدى) للتأنيس؛ ويحتمل أن يكون أخذه بها للاتكاء عليها. وفيه جواز أخذ الإمام والعالم
بيد تلميذه ومشيه معه معتمدا عليه ومرتفقا به (حتى قعد) أى وتخلصت يدى منه (فانسللت) أى مضيت وخرجت بتأن
وتدريج. وفى رواية فانخنست أى تأخرت وانقبضت ورجعت. وإنما تأخر أبو هريرة ورجع وترك صحته مح له من
غير أن يستأذنه لما ظن أن النبى مَّه يرضى بصفيعه الذى يصنعه لعلمه أنه قد أمرهم بالطهارة والنظافة، وحثهم عليها ، وأنه
يحب أن يكون الرجل على أكمل الهيئات وأحسن الصفات عند ملاقاة ذوى الفضل ومصاحبتهم (فأتيت الرحل) بالحاء المهملة
١٤٦
-
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
فاغتسلت ، ثم جئت، وهو قاعد. فقال: أين كنت يابا هريرة؟ فقلت له. فقال: سبحان الله!
إن المؤمن لا ينجس.
الساكنة أى المكان الذى آوى إليه (فاغتسلت) أى فى الرحل (أين كنت) كان هذه ناقصة وخبرها الظرف، أو تامة،
فلا تحتاج إلى الخبر. وفيه أن من حسن الأدب لمن مشى معه شيخه وإمامه أن لا ينصرف عنه ولا يفارقه حتى يعلمه
بذلك، لأن قوله لأبى هريرة: أين كنت؟ يدل على أنه مَ ◌ّ استحب أن لا يفارقه حتى ينصرف معه (يابا هريرة)
بحذف الهمزة فى الأب تخفيفا (فقلت له) أى الذى فعلته من الرواح إلى الرحل والاغتسال فيه وسببه (فقال: سبحان الله)
تعجباً من اعتقاد أبى هريرة التنجس بالجنابة وعدم علمه المسئلة، أى كيف يخفى مثل هذا الظاهر عليك (إن المؤمن لا
يقجس) بفتح الجيم وضمها من سمع وكرم أى لا يتنجس تجاسة تمنع مصاحبته، وملامسته، وإصابة العرق منه بمجرد
الحدث سواء كان أصغر أو أكبر ما لم يتعلق بجسده شئ من النجاسة الحقيقية، يدل عليه المقام، إذ المقام مقام الحدث،
فلايرد أنه يتنجس بالنجاسة. والمقصود أن الحدث ليس بنجاسة تمنع عن الماسة، والماشاة. والمصالحة إنما هو أمر
قعبدى. وقد يقال: إن المراد أن نفسه لا يصير نجسا أصلا لا بالحدث ولا بالخبث، لأنه إن صحبه شئ من النجاسة
قنجاسته بسبب صحبته بذلك، لا أن ذاته صار نجسا ، فإذا زال ما كان معه من النجاسة فالمؤمن على حاله من الطهارة ،
قصدق: أن المؤمن لا ينجس أصلا. والحاصل أن مقتضى ما فعله أبو هريرة أن المؤمن يصير نجسا بحيث يحترز عن
صبته حالة الجنابة فرده مَّم بأن المؤمن لا يصير كذلك أصلا. وذلك لا ينافى أن المؤمن قد يحترز عنه بالنظر إلى ما
يصحبه من الأنجاس لأنه أمر معلوم من خارج. فالحديث دليل على أن المؤمن طاهر سواء كان جنبا أو محدثا، حيا أو
ميثا، وكذا ما تحلب منه من عرقه ودمعه ولعابه وسؤره. وذكر البخارى فى صحيحه عن ابن عباس تعليقا: المسلم لا
ينجس حيا ولا ميتا. ورواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: لا تنجسوا موتاكم، فإن المسلم لا ينجس حيا ولا
مينا. قال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. وهو أصل فى طهارة المسلم حيا وميتا. أما الحى فبالاجماع حتى
الجنين إذا ألقته أمه، وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، والصحيح أنه طاهر لحديث ابن عباس هذا فلا ينجس المؤمن.
بالموت بتشرب الدم المسفوح فى أجزائه كرامة له، إذ لو نجس لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات التى حكم بنجاستها
بالموت. وأما غسله فتعبد، أو النظافة. وحديث ابن عباس حجة على العراقيين من الحنفية حيث قالوا بتنجس المؤمن
بالموت ، فالغسل عندهم للتطهير، قالوا: يحكم بطهارته بالغسل كرامة. وارجع للبسط إلى النيل. وأما الكافر الحى لحكمه
فى الطهارة والنجاسة حكم المسلم عند الجمهور من السلف والخلف، وذكروا فى تخصيص النبى مَ ثّه للؤمن بقوله: ((لا
يجس، مع أن الكافر كذلك عندهم وجوها: الأول أن المقام مقام خطاب المسلم. والثانى أنه أشار به إلى أن الكفار
يجب أن يتجنب عنهم كما يتجنب من النجاسات الظاهرة، فهو تتفير عن الكفار وإهانة لهم. والثالث أن فيه إشارة إلى
١٤٧
منعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
هذا لفظ البخارى. والمسلم معناه، وزاد بعد قوله: فقلت له: لقد لقيتنى وأنا جنب، فكرهت أن
: أجالسك حتى أغتسل. وكذا البخارى فى رواية أخرى.
٤٥٦ - (٢) وعن ابن عمر، قال: ذكر عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، لرسول اللّه مَلتم أنه تصيبه.
الجنابة من الليل، فقال له رسول اللّه م﴿له: توضأ،
أنهم لا يتطهرون فلا يتجنبون ولا يتحفظون عن النجاسات غالبا ، فهم ملابسون لها غالبا فهم متنجسون، بخلاف المؤمن
فإن شأنه التطهر فى شأنه كله فهو طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة. والرابع أن فيه إشارة إلى أن المؤمن لا ينجس
بالحدث ظاهرا وباطنا بخلاف الكافر فإنه نجس باطنا لنجاسة اعتقاده. وأما ما روى عن ابن عباس من أن أعيانهم نجسة
كالخنزير فمحمول على المبالغة فى التبعدعنهم والاحتراز منهم. وأما قوله تعالى: {إِنما المشركون نجس-٢٨:٩) فالمراد به
أنهم نجس فى الباطن والاعتقاد لا فى أصل الخلقة ، أو أن ذلك تنفير عن الكفار، وذم وإهانة لهم. وهذا وإن كان
مجازا فقرينته ما ثبت فى الصحيحين من أنه مرؤيته توضأ من مزادة مشركة ، وربط ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من
سوارى المسجد ، فدل على أن الآدمى الحى ليس بنجس العين سواء كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء
(هذا لفظ البخارى) فى باب الجنب يخرج ويمشى فى السوق وغيره من كتاب الغسل (وزاد) أى مسلم (لقد لقيتنى)
فى محل النصب على أنه مفعول لقوله ((زاد)) وهو يان للزيادة (فكرهت أن أجالسك) أى فى هذه الحالة (حتى أغتسل)
لأكون على طهارة حقيقية (وكذا) أى زاد هذه الزيادة (البخارى فى رواية) فيه بحث لأن قوله: حتى أغتسل، ليس
للخارى ، فإن لفظه فى باب عرق الجنب، وأن المسلم لا ينجس: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة.
والحديث أخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه. وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى
وابن ماجه عن حذيفة نحوه .
٤٥٦ - قوله (عن ابن عمر) مقتضاه وظاهره أن الحديث من مسند ابن عمر ، وزاد بعض الرواة فيه عند
النسائى عن عمر ، والظاهر أن ابن عمر حضر هذا السوال (أنه تصيبه الجنابة) الضمير المنصوب لابن عمر لا لعمر لما فى
رواية النسائى من طريق ابن عون عن نافع قال: أصاب ابن عمر جنابة فأتى عمر فذكر ذلك له، فأتى عمر النبى مُّم فاستأمره،
فقال: ليتوضأ وليرقد (من الليل) أى فى الليل، وحذف تمام السوال لأن الجواب يدل عليه، أو اكتفى عمر فى السوال
بهذا القدر وفهم النبى يروّم غرض السوال أنه النوم قبل الغسل (توضأ) أى وضوءك للصلاة لأنه هو الحقيقة الشرعية
وهى مقدمة على غيرها ، وقد صرحت بذلك عائشة فى حديثها الآتى. والخطاب فيه لابن عمر لأنه كان حاضرا إذ ذاك،
ويمكن أن يكون الخطاب لعمر لأنه كان سائلا. والأمر للاستحباب لحديث عائشة: كان رسول الله ينام وهو جنب فلا
١٤٨
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
واغسل ذكرك ، ثم نم. متفق عليه.
٤٥٧ - (٣) وعن عائشة رضى الله عنها، قالت كان النبى مؤلّم إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو
ينام ، توضأ وضوءه للصلاة. متفق عليه.
٤٥٨ - (٤) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله ومؤلته: إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد
أن يعود، فليتوضأ بينهما وضوء.
يمس ماء. أخرجه أحمد والترمذى وأبو داود وابن ماجه. ولما روى ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما عن عمر:
أنه سأل رسول الله تَّ أنام أحدنا وهو جنب؟ قال نعم: ويتوضأ إن شاء (واغسل ذكرك) أى قبل الوضوء فإن
الواو لا يفيد الترتيب. وقد ورد فى رواية للنسائى فى الكبرى وابن حبان بلفظ: اغسل ذكرك، ثم توضأ ، ثم ثم.
والحديث يدل على استحباب الوضوء للجنب إذا أراد النوم، وأن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق عند القيام
إلى الصلاة، واستحباب التنظيف بغسل الذكر عند النوم. والحكمة فى الوضوء أنه يخفف الحدث. ويؤيده ما رواه
ابن أبى شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابى قال: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ
فإنه نصف غسل الجنابة ، وقيل: الحكمة أن يبيت على إحدى الطهارتين خشية أن يموت فى منامه، وقيل
حكمته أنه ينشط إلى العود أو إلى الغسل إذا بل أعضاءه (متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك وأحمد والترمذى وأبو داود
والنسائى وابن ماجه .
٤٥٧ - قوله (فأراد أن يأكل أو ينام ، توضأ وضوءه للصلاة) أى كوضوء الصلاة، ذكرته لدفع أن يتوهم أن
المراد الوضوء لغة. ويحمل هذا على أنه الغالب توفيقا بين الأحاديث. وفيه استحباب الوضوء للجنب عند إرادة الأكل
والنوم، لكن الوضوء لأجل النوم آكد من الوضوء للأكل (متفق عليه) واللفظ لمسلم، فليس فى رواية البخارى ذكر
الوضوء عند إرادة الأكل. والحديث أخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٤٥٨ - قوله (إذا أتى) أى جامع (أهله) أى امرأته أو جاريته (ثم أراد أن يعود) أى إلى الجماع
(فليتوضأ بينهما) أى بين الجماع الأول والعود، فإنه أنشط للعود (وضوءا) أتى بالمصدر تأكيدا لئلا يتوهم أن المراد
بالوضوء غير المتعارف، فالمعنى فليتوضأ وضوءه للصلاة. وقد رواه البيهقى وابن خزيمة بلفظ: فليتوضأ وضوءه للصلاة
وفيه رد على من حمل الوضوء فى الحديث على الوضوء" اللغوى. وفيه وفى الحديث الآتى دليل على أن الغسل بين
الجماعين لا يحب. ويدل على استحبابه قبل المعاودة حديث أبي رافع الآتى فى الفصل الثالث. والأمر بالوضوء فى الحديث
١٤٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
رواه مسلم .
٤٥٩ - (٥) وعن أنس، قال: كان النى مَيتم يطوف على نسائه بغسل واحد. رواه مسلم.
٤٦٠ - (٦) وعن عائشة، قالت كان النبي مؤلم يذكر الله عز وجل على كل أحيانه. رواه مسلم.
للاستحباب لا للوجوب لما روى الطحاوى عن عائشة، قالت: كان النبي مَّ يجامع ثم يعود ولا يتوضأ. ويدل على
كونه للاستحباب أيضا ما زاده ابن خزيمة وابن حبان والحاكم فى هذه الرواية من قوله: فإنه أنشط للعود ، فإنه قرينة.
صارة للأمر إلى الندب (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم.
٤٥٩ - (يطوف) أى يدور أى أحيانا وهو كناية عن الجماع (يغسل واحد) أى يجامعهن متلبسا ومصحوبا بنية
غسل واحد بعد الفراغ من جماعهن. وفى رواية لأحمد والنسائى: طاف على نسائه فى ليلة بغسل واحد. وهذا يحتمل
أنه كان يتوضأ عقب الفراغ من كل واحدة منهن، ويحتمل ترك الوضوء لبيان الجواز ومحمله على عدم وجوب القسم
عليه، أو على أنه كان يرضيهن. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون عند قدومه من سفر، أو عند تمام الدور عليهن وابتداء
دور آخر، أو يكون ذلك عن إذن صاحبة النوبة، أو يكون ذلك مخصوصا به وإلا فوطأ المرأة فى نوبة ضرتها ممنوع عنه.
وقال ابن العربى: إن الله خص نيه بأشياء: منها أنه أعطاه ساعة فی کل یوم لا يكون لأزواجه فيها حق يدخل فيها
على جميعهن أو بعضهن فيفعل ما يريد ثم يستقر عند من لها النوبة ، وكانت تلك الساعة بعد العصر، فإن اشتغل عنها
كانت بعد المغرب. والحديث يدل على ما اعلى النبى مَ ◌ّم من القوة على الجماع. وفى كثرة أزواجه حكم ومصالح:
منها أن الأحكام التى ليست ظاهرة يطلعن عليها فينقلنها، وقد جاء عن عائشة من ذلك الكثير الطيب: ومن ثم فضلها
بعضهم على الباقيات (رواه مسلم) ورواه البخارى أيضا فى كتاب الغسل، وفى النكاح، إلا أنه لم يذكر بغسل واحد لكن
يفهم من سياقه. وذكر البخارى عدد الفسوة ولم يذكره مسلم. والحديث أخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود
والنسائى وابن ماجه.
٤٦٠٠ - قوله (على كل أحيانه) أى فى كل أوقاته متطهرا ومحدثا وجنبا وقائما وقاعدا ومضطجعا وماشيا. قال
النووى: هذا الحديث أصل فى جواز ذكر الله بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الأذكار، وهذا جائز
بإجماع المسلمين، وإنما اختلف العلماء فى جواز قراءة القرآن الجنب والحائض، فالجمهور على تحريم القراءة عليهما جميعا،
واستدلوا بحديثى على وابن عمر الآتيين فى الفصل الثانى، وسيأتى الكلام على ذلك هناك. واعلم أنه يكره الذكر فى حالة
الجلوس على البول والغائط وفى حالة الجماع فيكون الحديث مخصوصا بما سوى هذه الأحوال، ويكون المراد« بكل أحيانه»
معطعها كما قال الله تعالى: ﴿يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ٣: ١٩١﴾ (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى
١٥٠
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
وحديث ابن عباس سنذكره فى كتاب الأطعمة، إن شاء الله تعالى.
( الفصل الثانى )
٤٦١ - (٧) عن ابن عباس، قال: اغتسل بعض أزواج النبي مؤتمر فى جفنة، فأراد رسول الله عرفه
أن يتوضأ منه، فقالت: يا رسول اللّه! إنى كنت جنبا، فقال: إن الماء لا يجنب. رواه الترمذى
وأبو داود وابن ماجه وروى الدارمى نحوه.
وأبو داود وابن ماجه. وذكره البخارى تعليقا فى الطهارة وفى الأذان (وحديث ابن عباس) أى المذكور فى المصابيح
هنا الذى رواه مسلم وهو ((خرج النبي، مُؤثّم من الخلاء فأتى بطعام فذكروا له الوضوء) الحديث (سنذكره فى كتاب الأطعمة)
فإنه أنسب بذلك الكتاب .
٤٦١ - قوله (اغتسل بعض أزواج النبي مَّة) هى ميمونة خالة ابن عباس كما صرح به فى رواية الدار قطنى
(فى جفنة) أى مدخلة يدها فى جفنة تغترف منها وهى بفتح الجيم وسكون الفاء صحنة كبيرة (أن يتوضأ منه) أى من
الماء الذى فى الجفنة (إنى كنت جنبا) أى واغتسلت بهذا الماء وهو فضلة يدى (إن الماء لا يجنب) يجوز فيه ضم الياء مع
كسر النون وفتح الياء مع ضم النون يقال: أجنب وجنب على وزن قرب أى إن الماء لا يتنجس باغتسال الجنب من
الإناء الذى فيه الماء ولا يظهر فيه أثر جنابته بحيث لا يحل استعماله. قال التوربشتى: الماء إذا غمس فيه الجنب يده
لم ينجس فربما سبق إلى فهم بعضهم أن العضو الذى عليه الجنابة فى سائر الأحكام كالعضو الذى عليه النجاسة فيحكم بنجاسة
الماء من غمس العضو الجنب كما يحكم بنجاسة من غمس النجس فيه فين لهم أن الأمر بخلاف ذلك - انتهى. والحديث
يدل على جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة وإن خلت به. وإليه ذهب الجمهور وهو الصواب. وأما حديث
الحكم بن عمرو الغفارى، وحديث حميد الحميرى فى الفصل الثالث فالنهى فيهما محمول على التنزيه جمعا بين
الأدلة. وقيل: إن قول ميمونة فى هذا الحديث: إنى كنت جنبا، عند إرادته مَّ التوضأ بفضلها يدل على أن النهى
كان مقدما تحديث الجواز ناسخ لحديث النهى. وقيل: إن أحاديث الجواز أكثر وأقوى وأصح من أحاديث النهى
(رواه الترمذى) وقال حسن صحيح (وأبو داود) وسكت عنه، ونقل المنذرى تصحيح الترمذى وأقره (وابن ماجه
وروى الدارمى نحوه) وأخرجه أيضا أحمد والنسائى والدار قطنى وصححه ابن خزيمة وأخرجه الحاكم (ج ١: ص ١٥٩)
من طريق الثورى وشعبة عن سماك بن حرب ، وقال: هذا حديث صحيح فى الطهارة ولم يخرجاه ولا يحفظ له علة ،
ووافقه الذهبي. وقال الحافظ فى الفتح: وقد أعله قوم بسماك بن حرب لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة
وهو لا يحمل عن مشائخه إلا صحيح حديثهم -انتهى. وأخرج أحمد ومسلم والدار قطنى عن ابن عباس: أن رسول الله والله
١٥١
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
٤٦٢ - (٨) وفى شرح السنة عنه، عن ميمونة، بلفظ المصابيح.
٤٦٣ - (٩) وعن عائشة، قالت: كان رسول اللّه مَّ يغتسل من الجنابة، ثم يستدفى بى قبل أن
أغتسل.
كان يغتسل بفضل ميمونة وأخرج أحمد وابن ماجه والدار قطنى عن ابن عباس عن ميمونة أن النبى مَّ توضأ بفضل
غسلها من الجنابة.
٤٦٢ - قوله (وفى شرح السنة عنه) أى عن ابن عباس (عن ميمونة) يعنى أن البغوى رواه فى شرح السنة عن
ابن عباس عن ميمونة جعله من مسندها لا من مسندابن عباس وهو رواية لأحمد والدار قطنى. قال الألبانى لكنها وهم من
بعض رواته والصواب أنه من مسند ابن عباس كما رواه الجماعة وبينته فى صحيح أبي داود - انتهى. وميمونة هذه هى
ميمونة بنت الحارث العامرية الهلالية أم المؤمنين، قيل: اسمها برة فسماها النبى مَ فيه ميمونة، وتزوجها فى ذى القعدة سنة
سبع فى عمرة القضية بسرف على عشرة أميال من مكة ، وقدر الله تعالى أنها ماتت فى المكان الذی تزوجها فيه بسرف
سنة (٥١) وصلى عليها ابن عباس. وهى أخت أم الفضل امرأة العباس، وأخت أسماء بنت عميس، وهى آخر أزواج
النبي ◌َّ. قيل إنه لم يتزوج بعدها. لها ستة وأربعون حديثا، اتفقا على سبعة، وانفرد البخارى بحديث، ومسلم
بخمسة. روى عنها جماعة، منهم عبد الله بن عباس (بلفظ المصابيح) قال القارى: وسنده صحيح أيضا، ولفظه: قالت
ميمونة: أجنبت أنا ورسول الله عَ ◌ّ فاغتسلت من جفنة وفضلت فيها فضلة، فجاء النبي ◌َّ ليغتسل منها، فقلت:
إنى قد اغتسلت منها، فاغتسل وقال: إن الماء ليس عليه جنابة. وفى رواية إن الماء لا يجنب ـ انتهى. وأخرج.
الدار قطنى نحوه (ص ١٩).
٤٦٣ - قوله (يستدفتى) بهمزة فى آخره، أى يطلب الدفاءة وهى الحرارة بأن يضع أعضاءه الشريفة على أعضائى، يعنى
يطلب من حرارة بدفى ليدفع به البرودة الحاصلة بالاغتسال، ومنه قوله تعالى {ولكم فيها دفء- ٥:٦١) أى تخذون من
أصوافها وأوبارها ما تستدفأون به. قال الطبى: فيه أن بشرة الجنب طاهرة لأن الاستدفاء إنما يحصل من مس البشرة
البشرة. قيل: وفيه بحث لأن الاستدفاء يمكن مع الثوب أيضا. والحديث قد استدل به على طهارة عرق المرأة الجنب
ولعابها وسؤرها كالرجل الجنب، وكذا الحائض والنفساء، وعلى طهارة الماء المستعمل، فإن الماء المستعمل هو الذى انفصل
عن عضو المتطهر بعد التطهر، ولا شك أنه ينفصل البلل من جسده مَوزير عند الاستدفاء ويبتل به شئ من أعضاء عائشة
وثيابها، ثم ينتقل إليه ◌َّ شتى من ذلك البلل المنفصل أولا، ولم يثبت ولو برواية ضعيفة أنه مرّ كان يغسل أعضاء.
التى كان يضعها على أعضاء عائشة عند الاستدفاء بها، فعلم به أن الماء المستعمل طاهر (قبل أن أغتسل) قال الترمذى:
وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّم والتابعين: أن الرجل إذا اغتسل فلا بأس بأن يستدفئى بامرأته
١٥٢
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
رواه ابن ماجه. وروى الترمذى نحوه. وفى شرح السنة بلفظ المصابيح.
٤٦٤ - (١٠) وعن على، قال: كان النبى، عَلّم يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا
اللحم، ولم يكن يحجبه - أو يحجزه - عن القرآن شى ليس الجنابة.
وينام معها قبل أن تغتسل المرأة . وبه يقول سفيان الثورى والشافعى وأحمد واسحق. قلت: هو قول جميع أهل العلم من
السلف والخلف، لم يختلف فيه أحد (رواه ابن ماجه) أى بهذا اللفظ. قال القارى: وسنده حسن (وروى الترمذى نحوه)
ولفظه: قالت: ربما اغتسل النبى ◌َّ من الجنابة ثم جاء فاستد فأبى فضمعته إلى ولم أغتسل. قال الترمذى: هذا حديث
ليس باسناده بأس، وقال ابن العربى فى شرح الترمذى (ج ١: ص ١٩١) حديث لم يصح ولم يستثم ، فلا يثبت به شئى
انتهى. قلت: مدار الحديث على حريث بن عمرو الفزارى وقد ضعفه أكثر العلماء. وقال البخارى: فيه نظر، وقال
مرة أخرى: ليس بالقوى عندهم. وقال الحافظ فى التقريب: ضعيف (بلفظ المصابيح) ولفظه: قالت عائشة: كان
رسول الله منزل يجنب فيغتسل ثم يستدفتى بى قبل أن أغتسل.
٤٦٤ - قوله (فيقرننا القرآن) من الإقراء أى يعلمنا القرآن قبل أن يتوضأ، يدل عليه الفاء فى قوله فيقرتنا، وكذا
يأكل قبل الوضوء، قال الطبى: لعلى انضمام الأكل مع قراءة القرآن للإشعار بجواز الجمع بينهما من غير وضوء أو مضمضة
كما فى الصلاة (ولم يكن يحجبه) أى يمنعه (أو يحجزه) أو الشك من الراوى، وفى رواية النسائى: ولم يكن يحجبه ، على
الجزم من غير شك (شتى) بالرفع على أنه فاعل يحجب ، أى شئى من أنواع الحدث، ولم يرد «لم يكن يمنعه مباشرة شتىء
ضرورة أن مباشرة الجماع والبول والغائط مما يمنع قراءة القرآن (ليس الجنابة) قال السندهى. بالنصب على أن ليس من أدوات
الاستثناء، والمراد بعموم شئى ما يجوز فيه القراءة من الأحوال، وإلا حالة البول والغائط مثل الجنابة، لكن خروجها
عقلا أغنى عن الاستثناء - انتهى. وقال التوربشتى ((ليس، بمعنى إلا تقول: جاءنى القوم ليس زيدا، الضمير فيها اسمها
وينصب خبرها، كأنك: قلت: ليس الجائى زيدا. والحديث قد استدل به الجمهور على منع قراءة القرآن للجنب، وكذا
الحائض لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، لكن قيل فى الاستدلال به نظر لأنه فعل مجرد، غايته أن النبى مؤتم ترك
القراءة حالة الجنابة ، ومثله لا يصلح متمسكا للكراهة فكيف يستدل به على المنع والتحريم. إلا أنه أخرج أبو يعلى من
حديث على قال: رأيت رسول الله ◌َّه توضأ، ثم قرأ شيئا من القرآن، ثم قال: هكذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا
ولا آية. قال الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١، ص ٢٧٦) رجاله موثقون. قلت: وأخرجه أحمد أيضا بسند رجاله
ثقات كما سيأتى. وهو يدل على التحريم لأنه هى وأصله ذلك ويعاضد ما سلف. فإن قيل: حديث عائشة المتقدم
- بلفظ ((كان يذكر الله على كل أحيانه)) يخالف حديث على هذا، فإنه بعمومه يدل على جواز قراءة القرآن للجنب. لأن
قولها «على كل أحيانه) يشمل حالة الجنابة أيضا والذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة
١٥٣
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
رواه أبو داود، والنسائى. وروى ابن ماجه نحوه.
٤٦٥ - (١١) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّهَ مَ للَّه: لا تقرأ.
بالعرف. يقال: إن حديث عائشة يخصص بحديث على هذا فيراد بذكر الله غير تلاوة القرآن. قال العينى:
حديث عائشة لا يعارض حديث على لأنها أرادت الذكر الذى غير القرآن انتهى. وقال الأمير اليمانى: حديث
عائشة قد خصصه حديث على وأحاديث أخرى (رواه أبو داود) أى بهذا اللفظ وسكت عنه (والنسائى وروى ابن
ماجه نحوه) وأخرجه الترمذى مختصرا بلفظ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا ، وقال: حديث حسن محميح،
وأخرجه أيضا أحمد وابن خزيمة وابن حبان والبزار والدار قطنى والبيهقى وابن الجارود وصححه أيضا ابن حبان وابن
السكن وعبد الحق والبغوى فى شرح السنة والحاكم ووافقه الذهبي. وقال الحافظ فى الفتح: وضعف بعضهم بعض رواته،
والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة. وقال ابن الجارود بعد أن رواه من طريق يحى بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن
مرة: قال يحمى: وكان شعبة يقول فى هذا الحديث: نعرف وتنكر، يعنى أن عبد الله بن سلمة المرادى كان كبر حيث أدركه
عمرو ، وقال المنذرى: ذكر أبو بكر البزار أنه لا يروى عن على إلا من حديث عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة.
وحکی البخاری عن عمرو بن مرة كان عبد الله یعنی ابن سلمة يحدثنا فتعرف وننکر ، وكان قد کبر، لا يتابع فى حديثه ،!
وذكر الشافعى هذا الحديث وقال: لم يكن أهل الحديث يثبتونه، قال البيهقى: وإنما توقف الشافعى فى ثبوت هذا الحديث
لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفى، وقد كان كبر، وأنكر من حديثه وعقله بعض الفكرة، وإنما روى هذا
الحديث بعد ما كبر ، قاله شعبة. وذكر الخطابى أن أحمد كان يوهن حديث على هذا ويضعف أمر عبد الله بن سلمة.
قلت: عبد الله بن سلمة هذا صدوق وقد توبع فى معنى حديثه هذا عن على بحديث قولى فارتفعت شبهة الخطأ عن روايته إذا
كان ستى الحفظ فى كبره كما قالوا. فقد روى أحمد فى المسند (ج ١: ص ١١٠) حدثنا عائذ بن حبيب، حدثى عامر
بن السمط ، عن أبى الغريف ، قال: أتى على بوضوء فمضمض واستنشق ثلاثا ، وغسل وجهه ثلاثا وغسل يديه وذراعيه
ثلاثا ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللّه مَ ◌ّه توضأ، ثم قرأ شيئا من القرآن
ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية. وهذا إسناد حسن جيد، عائذ بن حبيب أبو أحمد العبسى شيخ
الا مام أحمد صدوق ، ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال الأثرم: سمعت أحمد ذكره فاحسن الثناء عليه، وقال: كان
شيخا جليلا عاقلا. ورماه ابن معين بالزندقة. ورد عليه أبو زرعة بأنه صدوق فى الحديث، وعامر بن السمط ثقة
وثقه يحى بن سعيد، والنسائى وغيرهما. وأبو الغريف اسمه عبيد الله بن خليفة الهمداني المرادى. قال الحافظ:
صدوق. وذكره ابن حبان فى الثقات وكان على شرطة على. وأقل أحواله أن يكون حسن الحديث، تقبل
متابعته لغيره.
٤٦٥ - قوله (لا تقرأ) بالرفع على أنه نفى بمعنى النهى، وقيل: بالجزم على صيغة النهى فيقرأ بكسر الهمزة وصلا
١٥٤
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن. رواه الترمذى.
٤٦٦ - (١٢) وعن عائشة، قالت: قال رسول اللّه مَللّه: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإنى
لا أحل المسجد لحائض ولا جنب.
لالتقاء الساكنين (الحائض) وكذا النفساء (ولا الجنب) زيادة لا للتأكيد (شيئا من القرآن) أى لا القليل ولا الكثير.
وفيه دليل على تحريم القراءة على الجنب والحائض. والحديث وإن كان ضعيفا لكن له متابعات، منها ما تقدم ، ومنها
ما سيأتى، فينجبر بها ضعفه، ويكون مع هذه المتابعات حجة للجمهور على من ذهب إلى جواز القراءة للجنب والحائض،
· كابن المنذر والطبرى وداود والبخارى أو الحائض فقط كما لك فى رواية عنه (رواه الترمذى) وأخرجه أيضا ابن ماجه
والدار قطنى والبيهقى كلهم من طريق إسماعيل بن عياش ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع عن ابن عمر، ورواية إسماعيل
ابن عياش عن الحجازيين ضعيفة، وهذا منها. قال الخزرجى فى الخلاصة: إسماعيل بن عياش وثقه أحمد ، وابن معين ،
ودحيم والبخارى وابن عدى فى أهل الشام ، وضعفوه فى الحجازيين ، ورواه الدار قطنى أيضا من طريق عبد الملك بن
مسلمة حدثنى المغيرة بن عبد الرحمن ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا. قال الحافظ فى التلخيص
(ص ٥١): صححه ابن سيد الناس ، وأخطأ فى ذلك فإن عبد الملك بن مسلمة ضعيف لو سلم عنه لصح اسناده. وقال
فى الفتح: حديث ابن عمر مرفوعا ضعيف من جميع طرقه. وقال ابن أبى حاتم: حديث إسماعيل بن عياش هذا خطأ،
وإنما هو عن ابن عمر قوله، يعنى أن الصواب وقفه على عمر. وله شاهد من حديث جابر رواه الدار قطنى مرفوعا، وفيه
محمد بن الفضل وهو متروك. وموقوفا، وفيه يحيى بن أنيسة وهو كذاب. وقال البيهقى: وهذا الأثر ليس بقوى.
وصح عن عمر أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب. وساقه فى الخلافيات بإسناد صحيح.
٤٦٦ - قوله (وجهوا هذه البيوت عن المسجد) أى اصرفوا وحولوا أبوابها إلى جانب آخر من المسجد ، وقد
كانت أبواب بعض البيوت حول مسجده مَّمِ مفتوحة إليه، يدخلون منها فى المسجد ، يمرون فيه ، فأمروا أن يصرفوها
إلى جانب آخر من المسجد (فإنى لا أحل المسجد) تعليل وبيان للوصف الذى هو علة الحكم (لحائض ولا جنب)
الحديث يدل على عدم حل اللبث فى المسجد والعبور فيه للحائض والجنب سواء كان لحاجة أو لغيرها، قائما أو جالسا أو
مترددا على أى حال ، متوضأ كان أو غير متوضى ، وبه قال أبو حنيفة لإطلاق هذا الحديث ، وهو محمول عندى على
المكث والبث طويلا كان أو كثيرا، فلا يمنعان من المرور والعبور من غير مكث إلا إذا خافت الحائض وكذا النفساء
التلوث فى حال المرور. وإليه ذهب مالك والشافعى، لقوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى
فعلوا ما تقولون، ولا جنبا إلا عابرى سييل-٤: ٤٣) قال الشوكانى: والعبور إنما يكون فى محل الصلاة. وهو المسجد
١٥٥
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
رواه أبو داود .
لا فى الصلاة. وتقييد جواز ذلك بالسفر لا دليل عليه، بل الظاهر أن المراد مطلق المار، لأن المسافر ذكر بعد ذلك
فيكون تكرارا يصان القرآن عن مثله - انتهى. وقال ابن عباس فى قوله: ((ولا جنبا إلا عابرى سيل)»: لا تدخلوا
المسجد وأنتم جنب إلا عابرى سيل، قال: تمر به مرا ولا تجلس. ذكره ابن كثير فى تفسيره نقلا عن ابن أبى حاتم.
والحاصل أن المراد بالصلاة فى الآية مواضعها، فهو مجاز من ذكر الحال وإرادة المحل بقرينة قوله: ((إلا عابرى سييل))
فإنه يدل عليه بحسب الظاهر كما تقدم ، فالمراد منه هو المجتاز فى المسجد لا المسافر. والمعنى: لا تقربوا مواضع الصلاة
وهى المساجد فى حال الجنابة إلا أن تكونوا مجتازين فيها من جانب إلى جانب. وقيل: المراد من الصلاة معناها الحقيقى،
وبقربها القيام إليها والتلبس بها إلا أنه نهى عن القرب مبالغة، والمعنى: لا تصلوا فى حالة السكر حتى تعدوا، ولا حال
كونكم جنبا إلا أن تكونوا عابرى سيل، والمراد به هنا السفر، أى فيجوز لكم أن تصلوا بالتيمم. ولا يخفى ما فيه من
التكلف. ويمكن أن يقال: إن بعض قيود النهى أعنى ((لا تقربوا)) وهو قوله: وأنتم سكارى، يدل على أن المراد
بالصلاة معناها الحقيقى، وبعض قيود النهى وهو قوله: إلا عابرى سيل، يدل على أن المراد مواضع الصلاة ، ولا مانع
من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه، ويكون ذلك بمنزلة نهين مقيد كل واحد منهما بقيد، وهما لا تقربوا
الصلاة التى هى ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى، ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم
المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما يقال فى هذا: أنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز بتاويل مشهور، وقال
بعض الحنفية: والذى تبين لى أن الآية سيقت لبيان أحكام الصلاة ثم انسحبت على ذكر مواضعها أيضا ، فالحكم فى القطعة
الأولى للعبادة وفى الثانية لمواضع العبادة، فإن شئت سميته صنعة الاستخدام أو غيرها - انتهى بقدر الضرورة. وقال
ابن جرير بعد حكايته للقولين: والأولى قول من قال: ولا جنبا إلا عابرى سيل إلا مجتازى طريق فيه، ثم بين وجه
ذلك. وحاصله الصون من التكرار الذى يحصل فى صورة حمل العبور على السفر. قال: فتأويل الآية: يا أيها الذين
آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا إلا
عابرى سبيل. قال ، وعابر السبيل المجتاز مرا وقطعا. قال ابن كثير: وهذا الذى نصره يعنى ابن جرير هو قول
الجمهور، وهو الظاهر من الآية (رواه أبو داود) من طريق أفلت بن خليفة، عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة.
والحديث قد ضعفه ابن حزم فقال، أفلت مجهول الحال ، ورد عليه بأن أفلت وثقه ابن حبان. وقال أبو حاتم ، هو
شیخ. وقال أحمد، لا بأس به. وروى عنه سفيان الثوری وعبد الواحد بن زياد. وقال فى الكاشف ، صدوق. وقال
فى البدر المنير، هو مشهور ثقة. وقال العجلى ، جسرة تابعية ثقة. وذكرها ابن حبان فى الثقات. وقد حسن ابن القطان
حديث جسرة هذا عن عائشة. وصححه ابن خزيمة. قال ابن سيد الناس ، ولعمرى أن التحسين لأقل مراتبه لثقة رواته،
ووجود الشواهد له من خارج، فلا حجة لأبى محمد یعنی ابن حزم فى رده. قلت: وقد سکت عنه أبو داود ، وله شاهد
١٥٦
ــ
1
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
٤٦٧ - (١٣) عن على، قال: قال رسول اللّه مَليل: لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة، ولا كلب،
ولا جنب. رواه أبو داود والنسائى.
من حديث أم سلمة عند ابن ماجه والطبرانى ، لكن قال أبو زرعة : الصحيح حديث عائشة .
٤٦٧ - قوله (لا تدخل الملائكة) اللام للعهد الذهنى أى الذين ينزلون بالبركة والرحمة والزيارة، واستماع الذكر
دون الكتبة الحفظة، فإنهم لا يفارقون المكلفين طرفة عين فى أحوالهم الحسنة والسيئة لقوله تعالى (ما يلفظ من قول إلا
لديه رقيب عيد ٥٠: ١٨) وقوله منز له: فإن معكم من لا يفارقكم، فاتقوا اللّه واستحيوا منهم (بيتا فيه صورة) أى من
ذوات الأرواح، كانت لها أشخاص منتصبة ، أو كانت منقوشة فى سقف أو جدار ، أو منسوجة فى ثوب ، يدوية كانت
أو مطبوعة، مخطوطة كانت أو فوتوغرافية، تامة كانت أو ناقصة، قطع منها النصف الأسفل. قيل: إن وجه امتناع
الملائكة من البيت الذى فيه صورة حرمة الصورة ومشابهة ذلك البيت بيوت الأصنام. وهذا اللفظ عام لكن خص منه ما
هو منبوذ يوطأ ويداس. قيل: ويخص منه أيضا ما فى الدراهم والدنانير من الصورة وبنات اللعب لمن لم تبلغ من البنات
(ولا کلب) لأنه نحس خبیث کماروی، والملائكة أطهار، و بينهما تضاد کما بين النور والظلمة ، ومن سوى نفسه بالكلاب
فتقيق أن ينفر عن بيته الملائكة، واستثنى من عمومه كلب الماشية والزرع والصيد لمسيس الحاجة (ولا جنب) لأنه منوع
من معظم العبادات. والمراد بالجنب الذى يتهاون فى الغسل ويؤخره من غير عذر حتى يمر عليه وقت الصلاة المفروضة،
ويجعل ذلك دأبا وعادة، فإنه مستخف بالشرع، متساهل فى الدين، لا من يؤخره ليفعله لما ثبت من تأخيره مَ ◌ّ غسل
الجنابة عن موجبه زمانا. ويحتمل أن يكون المراد بالجنب من لم يرتفع حدثه كله ولا بعضه، وإذا توضأ ارتفع بعض
حدثه على الصحيح، وعليه تبويب البخارى فى صحيحه حيث قال: باب كينونة الجنب فى البيت إذا توضأ. وأورد فيه
حديث عائشة: أنه تمَّ كان يرقد وهو جنب إذا توضأ. وبنى عليه الكلام النسائى حيث أورد حديث على هذا فى «باب
الجنب إذا لم يتوضأ، فأشار بالترجمة إلى أن المراد بالجنب فى الحديث عنده من لم يتوضأ (رواه أبو داود والنسائى)
وأخرجه أيضا ابن ماجه وليس فى حديثه دولا جنب)» والحديث عند الثلاثة من طريق عبد الله بن نجى عن أبيه، عن على
قال البخارى: عبد الله بن نجى فيه نظر، ووثقه النسائى، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال الحافظ: صدوق، ونجى
ذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال العجلى: كوفى تابعى ثقة، وقال الحافظ: مقبول ، فالحديث حسن أو صحيح. وقد
سكت عنه أبو داود، وقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي طلحة قال: سمعت رسول الله عَ لَّم يقول: لا تدخل
الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة.
١٥٧
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما یباح له
٤٦٨ - (١٤) وعن عمار بن ياسر، قال: قال رسول اللّه عليه: ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة
الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ. رواه أبو داود.
٤٦٩ - (١٥) وعن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن فى الكتاب الذى كتبه
رسول اللّه عَّ لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر.
٤٦٨ - قوله (ثلاثة) أى أشخاص (جيفة الكافر) أى جسد من مات كافرا، فالمراد بالجيفة الميت، لأن استعمالها
فى الميت أغلب، وفى رواية عطاء الخراسانى، عن يحيى بن معمر عن عمار عند أبى داود: إن الملائكة لا تحضر جنازة
الكافر بخير (والمتضمخ) أى الرجل المتلطخ (بالخلوق) بفتح الخاء المعجمة طيب مركب من الزعفران وغيره. وفى الرواية
المذكورة («ولا المتضمخ بالزعفران، وذلك لأنه متلبس بمعصية حتى يقلع عنها فقد نهى رسول اللّه منز لته عن التزعفر للرجال
(والجنب حتى يتوضأ) أى الوضوء المتعارف وهو الوضوء الشرعى. وفى الرواية المتقدمة (ولا الجنب)» ورخص للجنب
إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ (رواه أبو داود) من طريق الحسن بن أبى الحسن عن عمار، وقد سكت عنه
أبو داود. وقال المنذرى: الحسن لم يسمع عن عمار فهو منقطع.
٤٦٩ - قوله (وعن عبد الله بن أبى بكربن محمد بن عمرو بن حزم) الأنصارى المدنى القاضى يكنى أبا محمد ، ثقة
ثبت تابعى، روى عن أنس وأبيه، وسالم بن عبد اللّه، وغيرهم، وروى عنه الزهرى ومالك وسفيانان وغيرهم. قال
ابن عبد البر: كان من أهل العلم، ثقة فقيها محدثا مأمونا حافظا، وهو حجة فيما نقل وحمل. وقال مالك: كان كثير الحديث
وكان رجل صدق ، ومن أهل العلم والبصيرة. وقال أحمد: حديثه شفاء. مات سنة (١٣٥) ويقال (١٣٠) وهو ابن
(٧٠) سنة وليس له عقب. وأما عمرو بن حزم (بفتح الحاء المهملة وسكون الزاى) فهو عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان
الأنصارى الخزرجى أبو الضحاك المدنى، صحابى مشهور، شهد الخندق وهو ابن (١٥) سنة، واستعمله الذينرفضهم على أهل
نجران وهو ابن (١٧) سنة ليفقههم فى الدين، ويعلم القرآن ويأخذ صدقاتهم وذلك سنة (١٠). روى عنه ابنه محمد،
وامرأته سودة بنت حارثة، وابن ابنه أبو بكر بن محمد - ولم يدركه - وغيرهم. مات بعد الخمسين، قيل: سنة (٥١)
أو (٥٢)، أو (٥٣)، أو (٥٤) (أن فى الكتاب الذى كتبه رسول اللّه مؤ لّ) فى الفرائض، والسنن، والديات والصدقات
وغير ذلك (لعمرو بن حزم) قال الباجى: هذا أصل فى كتابة العلم وتحصينه فى الكتب، وفى صحة الرواية على وجه المناولة،
لأنه يَّ دفعه إليه وأمره بالعمل بما فيه (أن لا يمس القرآن) بفتح السين على أنه نهى، وبالضم على أنه نفى بمعنى النهى أحد
(إلا) وهو (طاهر) فيه دليل على أنه لا يجوز مس القرآن إلا لمن كان ظاهرا، لكن الطاهر يطلق بالاشتراك على الطاهر
من الحدث الأكبر والطاهر من الحدث الأصغر، وعلى من ليس على بدنه نجاسة ، وعلى المؤمن ، ولا بد حمله على معين
١٥٨
٠٠.
1
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
رواه مالك والدار قطنى.
من قرينة. وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز للحدث حدثا أكبر أن يمس المصحف ، وخالف فى ذلك داود. وأما
المحدث حدثا أصغر فذهب ابن عباس والشعبى والضحاك إلى أنه يجوز له مس المصحف. وقال القاسم وأكثر الفقهاء
منهم الأئمة الأربعة: لا يجوز. قلت: القول الراجح عندنا هو قول أكثر الفقهاء، وهو الذى يقتضيه تعظيم القرآن
وإكرامه. والمتبادر من لفظ الطاهر فى هذا الحديث هو الطاهر من الحدث الأصغر. أى المتوضى، وهو الفرد الكامل
الطاهر. واختلف فى تفسير آية ( لا يمسه إلا المطهرون -٥٦: ٧٩﴾ فقيل: إنها خبر عن اللوح المحفوظ أنه لا يمسه إلا
الملائكة المطهرون ، فالضمير فى ((لا يمسه) للكتاب المكنون الذى سبق ذكره فى صدر الآية، والمطهرون هم الملائكة،
وعلى هذا فلا حبة فيها لمن منع مس المصحف على غير طهارة . وقيل معنى الآية النهى للكلفين من بنى آدم عن مس
القرآن على غير طهارة. والمراد ((بالكتاب المكنون)) المصاحف التى بأيدى الناس. وقوله تعالى: ((لا يمسه)) وإن كان
لفظه لفظ الخبر، فإن معناه النهى. لأن خبر البارى لا يكون بخلاف مخبره، ونحن نرى اليوم من يمس القرآن غير طاهر
فثبت أن المراد به النهى ، فيكون حجة على المنع من مس المصحف على غير طهارة. وقيل الآية حجة فى وجوب الوضوء
لمس المصحف على القول الأول أيضا ، وذلك أن الله تعالى وصف القرآن بأنه كريم ، وأنه فى الكتاب المكنون الذى
لا يمسه إلا المطهرون، فوصفه بهذا تعظيما له، والقرآن المكنون فى اللوح المحفوظ هو المكتوب فى المصاحف، فوجب
أن تمتثل فى ذلك ما وصف الله تعالى به القرآن (رواه مالك) عن عبد الله بن أبى بكر مرسلا (والدار قطنى) بسنده عن
عبد الله بن أبى بكر، عن أبيه مرسلا، وأخرجه الدار قطنى أيضا عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن
جده موصولا، فقول المصنف والدار قطنى محل تأمل. قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك فى إرسال هذا الحديث، "
وقد روى مسندا من وجه صالح، وهو كتاب مشهور عند أهل السير ، معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها فى
شهرتها عن الإسناد لأنه أشبه المتواتر فى مجيئه لتلقى الناس له بالقبول، ولا يصح عليهم تلقى ما لا يصح - انتهى. وقال
يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتابا، أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله مؤتمر والتابعين يرجعون إليه ،
ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهرى بالصحة لهذا الكتاب. وقال ابن
قدامة: هو كتاب مشهور، رواه أبو عبيد فى فضائل القرآن، والأثرم ـ انتهى. والحديث أخرجه أيضا أبو داود فى
المراسيل ، والنسائى فى الديات ، وابن حبان فى صحيحه، والحاكم فى المستدرك (ج ١: ص ٣٩٧) فى حديث طويل،
والطبرانى فى معجمه، والبيهقى فى سننه، وفى الخلافيات، وأحمد فى مسنده ، وإبن راهويه، والدارمى. وقد بسط الزيلعى
الكلام على طرقه فى نصب الراية (ج ١: ص ١٩٧، ١٩٨) وله شواهد من حديث ابن عمر ، أخرجه الطبرانى،
والدار قطنى، والبيهقى ، قال الحافظ: إسناده لا بأس به لكن فيه سليمان الأشدق، وهو مختلف فيه، رواه عن سالم عن
أيه. قال الحافظ: ذكر الأثرم أن أحمد احتج به. ومن حديث حكيم بن حزام أخرجه الحاكم (ج ٣: ص ٤٨٥)
١٥٩
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له
٤٧٠ - (١٦) وعن نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر فى حاجة، فقضى ابن عمر حاجته، وكان من
حديثه يومئذ أن قال: مر رجل فى سكه من السكك، فلقى رسول اللّه مَ فلم وقد خرج من غائط
أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى فى السكة، ضرب رسول الله
مؤثّ يديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح ذراعيه، ثم رد على
الرجل السلام، وقال: إنه
والطبرانى والدارقطنى. ومن حديث عثمان بن أبي العاص ، أخرجه الطبرانى وابن أبى داود فى المصاحف، وفى إسناده
انقطاع وفى رواية الطبرانى من لا يعرف. ومن حديث ثوبان أورده على بن عبد العزيز فى منتخب مسنده ، وسنده
ضعيف جدا. وقد ذكر طرق هذه الأحاديث الزياسى فى نصب الراية (ج ١: ص ١٩٨ و١٩٩) مع الكلام عليها ، وكذا
تكلم عليها الشوکانی فی النيل (ج ١: ص ٢٠٠) والهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١: ص ٢٧٦ ، ٢٧٧).
٤٧٠ - قوله (وعن نافع) أى مولى ابن عمر (انطلقت مع ابن عمر فى حاجة) أى فى شأن حاجة له إلى ابن
عباس (وكان من حديثه) أى من جملة حديثه الذى حدثه (أن قال) أى ابن عمر (فى سكة) بكسر السين وتشديد الكاف
أى طريق (من السكك) أى الطرق (فلقى) أى الرجل (رسول اللّه ◌َّم وقد خرج) أى رسول الله (من غائط أو بول)
أى فرغ لأن الخروج بعد الفراغ، أو خرج من محلهما (فسلم) أى الرجل (عليه) مَّ (فلم يرد) أى النبي (عليه) أى
على الرجل (أن يتوارى) أى يختفى ويغيب شخصه عن نظره مَّه (ضرب رسول الله عزٍّ) جواب إذا (يديه على
الحائط ومسح بهما وجه) أى التيمم. قد أخذ بعض الحنفية من أمثال هذا الحديث التيمم مع القدرة على الماء فى
الوضوء المندوب دون الواجب، صرح به ابن نجيم فى البحر. وقال النووى هو محمول على أنه پے کان عادما الماء حال
التيمم، فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادر على استعماله، سواء كان لفرض أو لنفل، قلت: وهو مقتضى صنيع
البخارى حيث بوب على حديث أبى جهيم بن الحارث فى التيمم لرد السلام: باب التيمم فى الحضر إذا لم يجد الماء وخاف
فوات الصلاة. قال النووى: ولا فرق بين أن يضيق وقت الصلاة وبين أن يتسع ، ولا فرق بين صلاة الجنازة والعيد
إذا خاف فوتهما. وإليه ذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يتيمم مع وجود الماء لصلاة الجنازة والعيد إذا خاف
فوتهما. واحتج له الطحاوى بهذا الحديث بأنه إذا جاز التيمم فى الحضر الخوف فوت رد السلام جازالتيمم لخوف ما يفوت
لا إلى خلف. وفى الاستدلال به على ذلك نظر لأن الكلام فى الوضوء الواجب دون المندوب ، وأيضا ليس فيه دليل على
أنه تمَّ كان واجداً الماء حال التيمم (ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه) احتج به الحنفية على أن التيمم ضربتان، ضربة
الوجه وضربة للذراعين، قالوا: والذراع من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، لكن الاستدلال به على ذلك
١٦٠