النص المفهرس

صفحات 81-100

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٣ - باب السواك
وحلق العانة ، وانتقاص الماء - يعنى الاستنجاء - قال الراوى: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
رواه مسلم. وفى رواية: ((الختان)) بدل ((إعفاء اللحية)). لم أجد هذه الرواية فى الصحيحين، ولا
فی کتاب الحمیدی.
بالتف أنه محل الرائحة الكريهة باحتباس الأبخرة عند المسام، والنتف يضعف أصول الشعر، والحلق يقويها ، وقد جوز
الحلق لمن لا يقدر على التف (وحلق العانة) هو الشعر الذى فوق القبل من ذكر أو أنثى، أو منبته، وقيل: هو الشعر
النابت حول حلقة الدبر، فتحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وما حولهما، وقيل يستحب
المرأة التف. وروى ابن ماجه عن أم سلمة: أنه مريم كان إذا اطلى بدأ بعورته، فطلاها بالنورة وسائر جسده أهله))
رجاله ثقات، وهو منقطع، حبيب بن أبى ثابت لم يسمع من أم سلمة، قاله أبو زرعة (وانتقاص الماء) بالقاف والصاد
المهملة على المشهور (يعنى الاستنجاء) بالماء، هذا التفسير من وكيع أحد رواة الحديث كما بينه قتية فى رواية مسلم، وقيل:
معناه انتقاص البول بالماء، وهو أن يغسل ذكره بالماء ثيرتد البول يردع الماء، ولو لم يغسل نزل منه شئى فشئى فيعسر
الاستبراء منه، فالماء على تفسير وكيع المستنجى به، وعلى القول الثانى البول، فالمصدر مضاف إلى المفعول، وإن أريد
به الماء المستجى به أى المغسول به فالإضافة إلى الفاعل، أى وانتقاص الماء البول، وانتقص لازم ومتعد وقيل: معناه
انتفاض الماء بالفاء والضاد المعجمة والمهملة أيضا وهو الانتضاح بالماء على الذكر بعد الوضوء لنفى الوسواس، وهذا
أقرب، لأن فى حديث عمار عند أبي داود وابن ماجه بدله ((والاتضاح)) (قال الراوى) هو مصعب بن شية
(إلا أن تكون المضمضة) قال ابن الملك: لأن المضمضة والاستنشاق يذكران معا، وهو استثناء مفرغ، قال ابن حجر
ضمن ((سى) معنى النفي، لأن الترك موجود فى ضمن كل، أى لم أتذكر فيما أظن شيئا يتم الخصال به عشرة إلا أن يكون
مضمضة، انتهى. وقال السندهى: أى نسيت العاشرة كل وقت إلا وقت كونها المضمضة، أو على كل تقدير إلا على تقدير
أن تكون المضمضة، يريد أنه يظن أن العاشرة هى المضمضة، فإن كانت هى المضمضة فى الواقع فهو غير ناس العاشرة، وإلا
فهو ناس لها، فهذا استثناء مفرغ من أعم الأوقات أو التقديرات كما قدرنا، انتهى. قال عياض: هذا شك من مصعب
فيها، ولعلها الختان المذكور مع الخمس فى حديث أبى هريرة ، أى الآتى فى الترجل، وتبعه النووى والقرطبي
(رواه مسلم) فى الطهارة ، وأخرجه أيضا أحمد والترمذي فى الأدب وحسنه ، وأبو داود فى الطهارة والنسائى فى الزينة،
وابن ماجه فى الطهارة، وفى سندهم جميعا مصعب بن شيبة، قال الحافظ: وثقه ابن معين، والعجلى ، وغيرهما ، ولينه
أحمد وأبو حاتم وغيرهما، حديثه حسن ، وله شواهد فى حديث أبى هريرة وغيره ، فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ
انتهى (وفى رواية الحتان) هو قطع الجادة التى تغطى الحشفة (بدل) بالنصب (إعفاء اللحية) يرفع «إعفاء، على الحكاية،
وقيل بالجر على الإضافة (لم أجد هذه الرواية) أى رواية الختان التى ذكرها البغوى فى المصابيح.
٨١

مرعاة المفاتيح ج٢
٣- كتاب الطهارة
٣ - باب السواك
٣٨٣ - (٥) ولكن ذكرها صاحب ((الجامع، وكذا الخطابى فى «معالم السنن، عن أبى داود برواية
عمار بن ياسر .
﴿ الفصل الثانى )
٣٨٤ - (٦) عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه مؤلم: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب.
٣٨٣ - قوله (ولكن ذكرها) أى هذه الرواية (صاحب الجامع) أى للأصول وهو ابن الأثير (وكذا) أى:
ذكرها (الخطابى فى معالم السنن) الذى شرح به سنن أبي داود (عن أبى داود) متعلق بذكرها المذكور (برواية عمار
ابن ياسر) أى لا برواية عائشة كأنه اعتراض على البغوى حيث ذكر رواية الختان فى الصحاح مع أنها ليست فى الصحيحين،
ولا فى أحدهما ، وهو مخالف لما وعد فى أول كتابه. والجواب أن ذلك فى مقاصد الباب، والأصول، دون ما ذكر
من اختلاف ألفاظ الحديث ونحوها مما يشمل الفائدة، ورواية عمار هذه أخرجها أيضا ابن ماجه، وصححها ابن السكن،
وهى معلولة، لأنها إما مرسلة، أو منقطعة. وعمار بن ياسر، هو عمار بن ياسر بن مالك العنسى، أبو اليقظان مولى بنى
مخزوم وحليفهم، وذلك أن ياسرا والد عمار قدم من اليمن مكة مع أخوين له يقال لهما: الحارث ومالك فى طلب أخ
لهم رابع فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة خالف أبا حذيفة بن المغيرة ، فزوجه أبو حذيفة أمة له يقال
لها : سمية فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة، فعمار مولى وأبوه حليف، أسلم عمار وأبوه قديما، وكانا من المستضعفين
الذين عذبوا بمكة ليرجعوا عن الاسلام. وقتل أبو جهل سمية، فهى أول شهيدة فى الاسلام، وأحرق المشركونعمارا بالنار،
وكان رسول اللّه مَّه يمر به فيمر يده عليه ويقول: يا نار كونى بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم، وهو من
المهاجرين الأولين، شهد بدرا والمشاهد كلها، وأبلى فيها، وسماه النبي ◌َّه الطيب المطيب. قتل بصفين وكان مع على بن
أبى طالب سنة (٣٧) وهو ابن (٩٣) سنة ودفن هناك بصفين، وتواترت الروايات عن التى مَثم أنه قال لعمار تقتلك
الفئة الباغية ، ومناقبه وفضائله كثيرة جدا ، روى له اثنان وستون حديثا، اتفقا على حديثين ، وانفرد البخارى بثلاثةٍ،
ومسلم بحديث ، روى عنه جماعة منهم على وابن عباس.
٣٨٤ - (السواك مطهرة للفم) بفتح الميم وكسرها لفتان، والفتح أفصح، والكسر أشهر، وهو كل آلا تظهر بها
والسواك بمعنى العود الذى يدلك به الأسنان، لا شك فى كونه آلة لطهارة القسم بمعنى نظافته (مرضاة الرب) بفتح ميم
وسكون راء، والمراد أنه آلة لرضا الله تعالى، باعتبار أن استعماله سبب لذلك، وقيل: مطهرة ومرشاة بفتح ميم كل منها
مصدر بمعنى اسم الفاعل، أى مطهر للفم، ومرض الرب، أوهما باقيان على المصدرية، أن سبب الطهارة والرخاموجاز
٨٢

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٣ - باب السواك
رواه الشافعى وأحمد والدارمى والنسائى ورواه البخاری فی «صحيحه» بلا إسناد .
٣٨٥ - (٧) وعن أبى أيوب قال: قال رسول اللّه مَّى: أربع من سنن المرسلين، الحياء - ويروى
الختان - والتعطر، والسواك، والنكاح. رواه الترمذى.
أن يكون مرضاة بمعنى المفعول أى مرضى للرب قال السندهى: والمناسب بهذا المعنى أن يراد بالسواك: استعمال العود لا
نفس العود ، إما على ما قيل: إن اسم السواك قد يستعمل بمعنى استعمال العود أيضا، أو على تقدير المضاف ، ثم لا يخفى
أن المصدر إذا كان بمعنى اسم الفاعل يكون بمعنى اسم الفاعل من ذلك المصدر لا من غيره، فينبغى أن يكون ههنا مطهرة ومرضاة
بمعنى طاهر وراض لا بمعنى مطهر ومرض ، ولا معنى لذلك فليتأمل، ثم المقصود من الحديث ، الترغيب فى استعمال
السواك وهذا ظاهر (رواه الشافعى) وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقى، وقد طول الحافظ الكلام
فيه فى التلخيص (ص ٢١) فارجع إليه (ورواه البخارى فى صحيحه) فى كتاب الصيام. (بلا إسناد) أى تعليقا بصيغة جزم،
فقال: وقالت عائشة عن النبي مؤتم السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، وتعليقات البخارى المجزومة صحيحة قاله المنذرى،
والصواب أن يقول المصنف: ذكره البخارى تعليقا، أو يقول: علقه البخارى فإنه لا يقال فى مثل هذا «رواه
البخاى تعليقا،
٣٨٥ - قوله (أربع من المرسلين) يعنى من طريقتهم، والمراد الرسل من البشر ، قال المناوى: والمراد أن
الأربع من سنن غالب الرسل فنوح لم يختتن وعيسى لم يتزوج (الحياء) بفتح المهملة بعدها تحتية ، يعنى به ما يقتضى الحياء
من الدين كستر العورة، والتنزه عما تأباه المروءة، ويذمه الشرع من الفواحش وغيرها، لا الحياء الجبلى نفسه، فإنه مشترك
بين الناس وإنه خلق غزيرى لا يدخل فى جملة السنن، قاله التور بشتى (ويروى الختان) أى بخاء معجمة ومثناة فوقية.
ونون، وهو من سنة الأنياء من لدن إبراهيم عليه السلام إلى زمن نينا محمد مرَّ، وهذه الرواية أنسب لحديث عمار
التقدم، وحديث أبى هريرة الآتى فى الترجل ، فإنه ذكر فيهما ((الختان من خصال الفطرة)، ويروى الحناء بمهملة ونون
مشددة، وهذه الرواية غير صحيحة ، ولعلها تصحيف، لأنه يحرم على الرجال خضاب اليد والرجل تشبها بالنساء، وأما
خضاب الشعر به. ظم يكن قبل نينا مؤثر فلا يصح إسناده إلى المرسلين (والتعطر) أى استعمال العطر وهو الطيب فى البدن
والثياب (رواه الترمذى) فى أول النكاح وحسنه. قال شيخنا فى شرح الترمذى: فى تحسين الترمذى هذا الحديث نظر،
فإنه تفرد به أبو الشمال بن ضباب، وهو مجهول، إلا أن يقال: إن الترمذى عرفه، ولم يكن عنده مجهولا، أو يقال:
إنه حه افراهده، فروى نحوه عن غير أبی أیوب، قال الحافظ فىالتلخیض بعد ذكر حديث أبى أيوب هذا: رواه
٨٣

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٣ - باب السواك
٣٨٦ - (٨) وعن عائشة رضى الله عنها، قالت: كان النبى مؤتم لا يرقد من ليل ولا نهار
فيستيقظ ، إلا يتسوك قبل أن يتوضأ. رواه أحمد وأبو داود.
٣٨٧ - (٩) وعنها، قالت: كان النبى مؤتم يستاك، فيعطينى السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك، ثم
أغسله وأدفعه إليه ، رواه أبو داود.
( الفصل الثالث )
٣٨٨ - (١٠) عن ابن عمر أن النبى مَ ◌ّم قال: أرانى فى المنام
أحمد والترمذى ورواه ابن أبي خيثمة من حديث مليح بن عبد الله عن أبيه عن جده نحوه ، ورواه الطبرانى من حديث
ابن عباس انتهى.
٣٨٦ - قوله (لا يرقد) بضم القاف أى لا ينام (من ليل) أى بعض ليل أو فى اليل (فيستيقظ) يجوز فيه الرفع
للعطف، ويكون النفى منصبا عليهما معا، والنصب جوابا للنفى، لأن الاستيقاظ مسبوق بالنوم لأنه مسبب عنه، قاله الطيبي
(إلا يتسوك) لأن النوم يغير الفم فيتأكد السواك عند الاستيقاظ منه إزالة لذلك التغير (رواه أحمد وأبو داود)
وسكت عنه، وفى سنده على بن زيد بن جدعان ، قال الترمذى: صدوق. إلا أنه ربما يرفع الشئى الذى يوقفه غيره ، وقال
الحافظ فى التلخيص بعد ذكر هذا الحديث: وعلى ضعيف. وفى استحباب السواك عند الاستيقاظ من النوم أحاديث
متعددة ، ذكرها الحافظ فى التلخيص مع الكلام عليها .
٣٨٧ قوله - (لأغسله) للتليين، أو للتطيب والتنظيف. قال ابن حجر: يؤخذ منه أن غسل السواك فى أثناء
التسوك به وبعده قبل وضعه سنة (فأبدأ به) أى باستعماله قبل الغسل لنيل البركة ، ولا أرضى أن يذهب بالماء ما صحبه
السواك من ماء أسنانه (فأستاك) أى قبل الغسل أستاك به تبركا، وهذا دال على عظيم أدبها، وكبير فطنتها، لأنها لم تغسله
ابتداء حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه، ثم غسلته تأدبا وامتثالاً، وفيه التبرك بآثار الصالحين، والتلذذ بها وفيه أن استعمال
سواك الغير برضاه جائز (رواه أبو داود) وسكت عنه هو، والمنذرى .
٣٨٨ - قوله (أرانى) بفتح الهمزة من الرؤية أى أرى نفسى، فالفاعل والمفعول التكلم، وهذا من خصائص
أفعال القلوب، وأصله رأيت نفسى، وعدل إلى المضارع لحكاية الحال الماضية (فى المنام) هذا لفظ مسلم، وهو صريح
فى أن القضية كانت فى المنام، وأخرجه أحمد والبيهقى بلفظ: رأيت رسول اللّه تَّم يستن فأعطاه أكبر القوم، ثم قال:
إن جبرئيل أمرنى أن أ کبر وهذا يقتضى أن تكون القضية وقعت فى القظة ، ويشهد لرواية أحمد والبيهقى ، ما رواه أبو
داود بإسناد حسن عن عائشة أعنى الذى ذكره المصنف بعد حديثين ، ويجمع بين الروايتين أن ذلك لما وقع فى اليقظة
٨٤

منعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٣٠ - باب السواك
أتسوك بسواك، نجاءفى رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل
لى : كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما. متفق عليه.
٣٨٩ - (١١) وعن أبى أمامة، أن رسول اللّه مؤتمر قال: ما جاءفى جبرئيل عليه السلام قط إلا
أمرنى بالسواك ، لقد خشيت أن أحفى مقدم فى. رواه أحمد.
٣٩٠ - (١٢) وعن أنس، قال: قال رسول اللّه مؤلتم: لقد أكثرت عليكم فى السواك. رواه البخارى.
أخبرهم ◌َّ بما رآه فى المنام، تفيها على أن أمره بذلك بوحى متقدم، حفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض
(أحدهما أكبر من الآخر) أى سنا (فناولت السواك) أى أردت إعطاء السواك (الأصغر منهما) لعله لقربه، أو لأنه مرَّة
عدا السواك شيئا حقيرا (كبر) أى قدم الكبير على الصغير فى مناولة السواك، أى ادفع إلى الأكبر، والظاهر أنهما
كانا فى أحد جانبيه، أو فى يساره، قال القارى: وهو الأنسب، فأراد تقديم الأقرب، فأمر بتقديم الأكبر ، فلا ينافى
حديث ابن عباس أو الأعرابى فى إيثاره بسؤره مَاللّه من اللبن لكونه على اليمين، على الأشياخ من أبى بكر ، وعمر ،
وغيرهما لكونهم على اليسار ـ انتهى. وفيه ما يدل على فضيلة السواك (متفق عليه) أخرجه البخارى بلا رواية فى آخر
الوضوء، ولم يذكر فى المنام، وأخرجه مسلم رواية فى الرؤيا ، وأخرجه أيضا أحمد وأبو عوانة والبيهقى وغيرهم.
٣٨٩ - قوله (أحفى) من الإحفاء وهو الاستيصال (مقدم فى) بكسر الفاء وتشديد الياء، أى فى، والمراد من
مقدم الفم هى اللثة ، بكسر اللام وتخفيف المثلثة ، ما حول الأسنان من اللحم ، يعنى خفت أن استأصل لتى من كثرة
مداومتى على السواك بسبب إكثار جبرئيل فى الوصية (رواه أحمد) (ج ٥: ص ٢٦٣) وفى سنده على بن يزيد
الألمانى، وهو ضعيف، أخرجه ابن ماجه مطولا ، وفيه عثمان بن أبى العاتكة عن على بن يزيد الأهانى ، وعثمان متروك،
قال الحافظ فى التقريب: ضعفوه فى روايته عن على بن يزيد الألهانى، وروى نحوه عن ابن عباس وأنس وسهل بن سعد
وعائشة، ذكر أحاديثهم الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٢: ص ٩٨، ٩٩) مع الكلام عليها .
٣٩٠ - قوله (لقد أكثرت عليكم) بصيغة المعلوم، أى أكثرت عليكم الأمر والوصية فى حق السواك. وقال
الحافظ: أى بالغت فى تكرير طلبه منكم، أو فى إيراد الأخبار فى الترغيب فيه. وقال ابن التين: معناه أكثرت عليكم،
وحقيق أن أفعل، وحقيق أن تطيعوا. وحكى الكرمانى أنه روى ((أكثرت)) بصيغة الماضى المجهول أى بو لغت من
عند الله بطلبه منكم (فى السواك) أى فى أمره وشأنه. وفائدة هذا الكلام مع كونهم عالمين به إظهار الاهتمام بشأنه.
وقال السندهى: هذا بمنزلة التأكيد لما سبق من التكرير لمن علم به سابقا، وبمنزلة التكرير والتأكيد جميعا لمن لم يعلم به
(رواه البخاری) فی الجمعة ، وأخرجه أيضا أحمد والنسائى فى أول سنه.
٨٥

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٣ - باب السواك
٣٩١ - (١٣) وعن عائشة، رضى الله عنها، قالت: كان رسول الله {الل يستن وعنده رجلان،
أحدهما أكبر من الآخر، فأوحى إليه فى فضل السواك أن كبر، أعط السواك أكبرهما. رواه أبوداود.
٣٩٢ - (١٤) وعنها، قالت: قال رسول اللّه مَّى: تفضل الصلاة التى يستاك لها على الصلاة التى
لا يستاك لها سبعين ضعفا، رواه البيهقي فى شعب الإيمان.
٣٩٣-(١٥) وعن أبى سلمة،
٣٩١ - قوله (يستن) بفتح الياء وسكون المهملة وفتح التاء وتشديد النون من الاستنان، وهو استعمال السواك،
من السن بالكسر، لأن السواك يمر على الأسنان ، وقيل: من السن بالفتح لأن السواك يسن الأسنان أى يحددها، يقال:
سنت الحديد أى حككته على الحجر حتى يتحدد، والمسن بكسر الميم، الحجر الذى يحد به السكين (أحدهما أكبر من الآخر)
أى منا (فأوحى) بصيغة المجهول (إليه) أى من غير أن يميل إلى الآخر، فيكون تأكيدا للوحى المنامى (أن كبر)
بصيغة الأمر نائب فاعل أوحى، أى أوحى إليه أن فضل السواك وحقه أن يقدم من هو أ کبر ، وفيه تقديم ذی السن
فى السواك، ويلتحق به الطعام، والشراب، والمشى، والكلام، والركوب، وهذا ما لم يترتب القوم فى الجلوس ، فإذا
ترتبوا فالسنة حينئذ تقديم الأيمن، كما أشرنا إليه فى شرح حديث ابن عمر (أعط السواك أكبر هما) الظاهر أن هذا
تفسير من أحد الرواة، ويحتمل أن يكون من قول النبي مُؤية. (رواه أبو داود) بسند حسن كما قال الحافظ فى الفتح
والتلخيص. وقال المنذرى: وأخرج مسلم معناه من حديث ابن عمر مسندا، وأخرجه البخارى تعليقا ، انتهى. كانه
يشير إلى أن حديث عائشة هذا محمول على حال حكاية المنام ، وأن القضية واحدة ، وفيه نظر فتأمل.
٣٩٢ - قوله (تفضل الصلاة) أى تزيد فى الفضيلة وزيادة المثوبة (سبعين) مفعول مطلق أو ظرف، أى تفضل
مقدار سبعین و قوله (ضعفا) بکسر الضاد تمیزأريد به مثل العدد المذکور، ومی کنایة عن الکثرة، أو أريد به خصوص
هذا العدد، والله تعالى أعلم (رواه البيهقى فى شعب الإيمان) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦: ص ٢٧٢)، والبزار،
وأبو يعلى، وابن خزيمة ، والدار قطنى، وابن عدى، وأبو نعيم ، ومداره عندهم على محمد بن إسحاق، ومعاوية بن يحيى
الصدفى، كلاهما عن الزهري عن عروة. ورواه الحاكم (ج ١: ١٤٦)، وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ، كذا
ال. ومحمد بن إسحاق إنما أخرج ه مسلم فى المتابعات ، قال المنذری وروی: أبو نعيم نحوه عن ابن عمر بإسناد جيد ،
وعن ابن عباس بإسناد صحيح - انتهى. وقد أطال الحانظ الكلام على حديث عائشة فى التلخيص، وقال: رواه أبو نعيم
من حديث ابن عمرو من حديث ابن عباس ومن حديث جابر ، وأسانيده معلولة.
٣٩٣ - قوله (وعن أبى سلمة) بفتح اللام، هو أبو سلبة بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى القرشى المدنى ، قيل:
٨٦
١

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٣ - باب السواك
عن زيد بن خالد الجهنى، قال: سمعت رسول اللّه مَيّ يقول: لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم
بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل. قال: فكان زيد بن خالد يشهد
الصلوات فى المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا
استن، ثم رده إلى موضعه. رواه الترمذى وأبو داود، إلا أنه لم يذكر. «ولأخرت صلاة العشاء
إلى ثلث الليل)). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
اسمه عبد الله وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه وكنيته واحد، قال ابن سعد: كان ثقة، فقيها، كثير الحديث. وقال
المصنف: هو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه فى المدينة فى قول ، ومن مشاهير التابعين وأعلامهم ، وهو كثير
الحديث، روى عن خلق كثير من الصحابة والتابعين، وروى عنه خلائق. مات سنة (٩٤) وقيل سنة (١٠٤) وهو
ابن (٧٤) سنة (عن زيد بن خالد الجهنى) بضم الجيم وفتح الهاء نسبة إلى جهينة، وهو زيد بن خالد الجهنى أبو عبد الرحمن،
ويقال: أبو طلحة المدنى من مشاهير الصحابة. قال ابن عبد البر: كان صاحب لواء جهينة يوم الفتح ، له أحد وثمانون
حديثا، اتفقا على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة، روى عنه ابنه خالد، وابن المسيب، وغيرهما. توفى بالكوفة سنة (٦٨)
أو (٧٨) وهو ابن (٨٥) سنة (ولأخرت صلاة العشاء) أى حكمت بتأخيرها وجوبا (قال) أى أبو سلمة (فكان زيد بن
خالد يشهد الصلوات) أى الخمس (فى المسجد) أى يحضرها للجماعة (وسواكه على أذنه) يضم الذال ويسكن والجملة حال
(موضع القلم من أذن الكاتب) أى والحال أن سواكه كان موضوعا على أذنه موضع القلم الكائن من أذن الكاتب
(لا يقوم إلى الصلاة إلا استن) أى استاك للصلاة أخذا بظاهر الحديث ، قال القارى: قد انفرد زيد بن خالد به فلا
يصلح حجة، أو استاك لطهارتها، انتهى. قلت: فيه أنه لم يتفرد به زيد بن خالد، فقد تقدم عن أبى هريرة أنه قال:
کان أصحاب النبي ◌ُٹے سو کهم على آذانهم، یستنون بها لكل صلاة، وإن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله څے كانوا
يروحون والسواك على آذانهم، ثم صنيع زيد بن خالد هذا يدل عليه ظاهر الحديث الذى رواه ، وليس ينفيه شئ من
الأحاديث المرفوعة فكيف لا يكون حجة، وبهذا ظهر بطلان تأويل القارى بقوله: استاك لطهارتها (ثم رده إلى موضعه)
أى من الأذن. قال ابن حجر: وحكمته أن وضعه فى ذلك المحل يسهل تناوله ، ويذكر صاحبه به فيستاك من غير ذهول
(رواه الترمذى وأبو داود) وسكت عنه، ونقل المنذرى تصحيح الترمذى وأقره، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤:
ص ١١٦ وج ٥: ص ١٩٣) وأخرجه أصحاب السنن من حديث أبى هريرة كما تقدم.
٨٧
!

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
(٤) باب سنن الوضوء
٤ ( الفصل الأول )
٣٩٤ - (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَللَّه: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس
یده فى الإناء حتی یغسلها ثلاثا، فانه لا يدرى أين باتت يده.
(باب سنن الوضوء) لم يرد بالسنن، سنن الوضوء فقط، أى ما يقابل الفرض بل أراد بالسنن، أفعال النبى مؤ لّه
وأقواله، أعم من أن تكون سنة أو فرضا ، يقال: جاء فى السنة كذا أى فى الحديث.
٣٩٤ - قوله (من نومه) هذا يدل على عموم الحكم عقب كل نوم ليلا أو نهارا ، لكن جاء عند الترمذى، وأبى
داود وابن ماجه مني الليل، مكان قوله من نومه، والمطلق محمول على المقيد، فيدل على خصوصه بنوم الليل، ويؤيده قوله فى .
آخر الحديث ((باتت يده)، فإن حقيقة المبيت تكون بالليل، إلا أن التعليل المنصوص الآتى يقتضى إحاق نوم النهار بنوم الليل،
وإنماخص نوم الليل بالذكر للغلبة، بل قيل: ليس حكم الغسل قبل الغمس فى الإناء مخصوصاً بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك
فى نجاسة اليد ، فإن الظاهر أن المقصود من الحديث إذا شك أحدكم فى يديه مطلقا، سواء كان لأجل الاستيقاظ من النوم
أو لأمر آخر، إلا أنه فرض الكلام فى جزئى واقع بينهم على كثرة، ليكون بيان الحكم فيه بيانا فى الكلى بدلالة العقل ،
فالتقيد بالاستيقاظ لأن توهم نجاسة اليد فى الغالب يكون من المستيقظ فلا مفهوم له (فلا يغمس) بتخفيف الميم من باب
ضرب، هو المشهور ، ويحتمل أن يكون بالتشديد من باب التفعيل (فى الإناء) أى فى الظرف الذى فيه الماء وغيره من
المائعات، وخرج بذكر الإناء البرك والحياض التى لا تفسد بغمس اليدفيها على تقدير نجاستها (حتى يغسلها) إلى رسفها
(ثلاثا) كذا فى جميع طبعات الهند المشكاة وفى نسخة القارى وسقط هذا اللفظ فى نسخة الألبانى طبعة دمشق وهو من
إفراد مسلم (فانه لا یدری این باتتیدہ) یعنی لا یدری تعیین الموضع الذى باتت، أی صارت یده منه، یعنی هل لاقت مكانا
طاهرا أو نجسا، وفيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بغسل اليد احتمال النجاسة لأن الشرع إذا ذكر حكما وعقبه بعلة دل
على أن ثبوت الحكم لأجلها. قال الشافعى وغيره من العلماء: سبب الحديث أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة ،
وبلادهم حارة ، فإذا ناموا عرفوا فلا يومن أن تطوف يده على موضع النجاسة، أو على قذر غير ذلك، فعلم بهذا أن حكم
الغسل الشك فى نجاسة اليد، فمتى شك فى نجاستها كره له غمسها فى الإناء قبل غسلها، سواء قام من نوم الليل أو النهار، أو شك
فی نجاستها من غیر نوم. وقال التور بشتى: هذا فى حق من بات مستنجيا بالأحجار معروريا، ومن بات على خلاف ذلك
ففى أمره سعة ويستحب له أيضا غسلها، لأن السنة إذا وردت لمعنى لم تكن لتزول بزوال ذلك المعنى. وقال الباجى: الأظهر
فی سبب الحدیث أن النائم لا يكاد أن يسلم من حك جسده ، وموضع بثرة فى بدنه، ومس رفته وابطه ، وغير ذلك من
٨٨
1

مرعاة المفاتيح ج٢
٣- كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
متفق عليه .
٣٩٥ - (٢) وعنه، قال: قال رسول اللّه ◌َل؛ إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستثر ثلاثا،
فإن الشيطان يبيت على خيشومه.
مغابن جسده ، ومواضع عرقه، فاستحب له غسل اليد تنظفا وتنزها ، قال: وتعليقه بنوم الليل لا يدل على الاختصاص
لأن المستيقظ لا يمكنه التحرز من مس رفضه وإبطه، وقتل ما يخرج من أنفه، وقتل برغوث ، وحك موضع عرق ،
فإذا كان المعنى الذى شرع له غسل اليد موجودا فى المستيقظ لزمه ذلك الحكم، ولا يسقط عنه بأن الشرع علقه على
النائم ـ اتهى مختصرا منقطا. وعلى هذا يكون الحكم عاما لكل متوضئى، ولا يختص بالنائم، وأما على ما قال الشافعى
وغيره فى سبب الحديث فيكون استحباب الغسل للتوضى المستيقظ من النوم خاصة ، وهذا القدر يكفى لمناسبة الحديث
بالباب. وأما من يريد الوضوء من غير نوم فيستحب له، لما سيأتى فى صفة الوضوء من أضعاله منز له. ثم النهى عن الغمس
قبل الغسل للننزيه، والأمر فى رواية «فليغسل)) للندب عند الجمهور، فلو خالف، وغمس قبل الغسل فقد أساء، ولا يفسد الماء
والقرينة الصارفة التقيد بالثلاث فى غير النجاسة العينية ، فإنه يدل على ندية الغسل، ولأنه علل بأمر يقتضى الشك فى نجاسة
اليدين ، والوجوب لا يبنى على الشك. وحمله أحمد على كراهة التحريم ، وقال: بوجوب الغسل فى نوم الليل ، ولا يبعد
من الشارع الايجاب لرفع الشك، ومن قال: بأن الأمر بالغسل للتعبد كمالك، لا يفرق بين الشاك والمتيقن، والراجح عندى
ما ذهب إليه الجمهور، والله اعلم. والحديث فيه مسائل كثيرة، منها استحباب غسل النجاسة ثلثا، لأنه إذا أمر به فى
المتوهمة ففى المحققة أولى. ومنها استحباب الأخذ بالاحتياط فى العبادات وغيرها ما لم يخرج عن حد الاحتياط إلى حد
الوسوسة (متفق عليه) واللفظ لمسلم وأخرجه أيضا مالك والشافعى وأحمد والترمذى وأبو داود والنسائي وابن ماجة
وغيرهم ، وفى الباب عن ابن عمر وجابر عند الدار قطنى وابن ماجه.
٣٩٥ - قوله (فتوضأ) أى أراد الوضوء وسقط هذا اللفظ من نسخة الألبانى (فليستثر) أى فليخرج ماء الاستنشاق
والقذر اليابس المجتمع من المخاط، يعنى فليستثر بعد الاستنشاق، فإن الاستئثار هو إخراج الماء الذى جذبه بريح الأنف
إلى أقصاه ، فهو من تمام الاستنشاق، والأمر للندب عند الجمهور ، وللوجوب عند الظاهرية (فان الشيطان) الفاء السببية
(يبيت على خيشومه) بفتح الخاء قيل: أعلى الأنف، وقيل: كله وقيل: هو أقصى الأنف المتصل بالبطن المقدم من الدماغ
وقيل: غير ذلك. قال عياض وغيره: يدتوتة الشيطان إما حقيقة، فإن الأنف أحد المنافذ التى يتوصل منها إلى القلب،
والمقصود من الاستفثار ازالة آثاره، وليس عليه ولا على الأذن غلق، وفى الحديث ((إن الشيطان لا يفتح غلقاء وجاء
الأمر بكظم الفم فى الثاؤب من أجل دخول الشيطان فى التم، وإما مجاز، فإن ما ينعقد فيه من الغبار والرطوبة قدرات
توافق الشيطان، فالمراد أن الخيصوم محل قذر يصلح ليتوتة الشيطان، فينبغى للإنسان تنظيفه، والراجح أنه محمول على
٨٩

مرعاة المفاتيح ج٢
٣- دكتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
متفق عليه.
٣٩٦ - (٣) وقيل لعبد الله بن زيد بن عاصم: كيف كان رسول الله تزي يتوضأ؟ فدعا بوضوء
فأفرغ على يدية فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستثر
الحقيقة، وموكول معرفته وعلمه إلى الشارع، فإن الله تعالى خص نيه وَيثي بأسرار يقصر عن دركها العقول والأنهام
فالصواب فى أمثال هذه الأحاديث أن يؤمن بظواهرها، ويحترز عن بيان كيفياتها، وظاهر الحديث يقتضى أن يحصل
لكل نائم. ويحتمل أن يكون مخصوصا بمن لم يحترز من الشيطان بشتى من الذكر، كما فى حديث آية الكرسى: ولا
يقربك شيطان (متفق عليه) أخرجه البخارى فى بدء الخلق، ومسلم فى الطهارة، واللفظ المذكور البخارى، وأخرجه
أيضا النسائى .
٣٩٦ - قوله (وقيل) القاتل هو عمرو بن أبى الحسن الأنصارى، أخر عمارة بن أبى الحسن، جد عمرو بن یحی بن
عمارة، فنی رواية للبخاری من طريق وهیب ، قال : شهدت عمرو بن أبى حسن سأل عبد الله بن زيد ، وفى رواية أبى
نعيم فى المستخرج عن عمرو بن أبى حسن قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد) الحديث. فهاتان الروايتان
صريحتان فى أن القائل والسائل هو عمرو بن أبى الحسن (لعبد الله بن زيد بن عاصم) بن كعب الأنصارى المازنى المدفى
صحابى شهير ، له هذا الحديث ، وأحاديث أخرى، قيل: شارك وحشيافى قتل مسيلمة الكذاب. مختلف فى شهوده بدرا ،
استشهد بالحرة، وكان فى آخر ذى الحجةسنة (٦٣) وهو ابن(٧٠) سنة، وهو غیر عبدالله بنزید بن عبدربهالذی اری النداء
فى المنام، وليس لابن عبد ربه إلا حديث الأذان فقط (فدعا بوضوء) بفتح الواو ما يتوضأ به والبا للتعدية أى طلبه (فأفرغ)
أى صب الماء (على يديه) بالتثنية أى إحدى يديه، وفى المصابيح: على يده اليمنى، وكذا فى رواية النسائى، ويؤيدرواية الافراد
الاظهار فى موضع الإضمار فى قوله (فغسل يديه) أى إلى الرسغين، وفيه غسل اليد قبل إدخالها فى الإناء ولو كان من
غير نوم (مرتين مرتين) وفى المصابيح بدون التكرار، قال ابن حجر: وجه الاحتياج إلى التكرير أن الاقتصار على الأول
يوهم التوزيع - انتهى. قال الحافظ: كذا لمالك بلفظ مرتين، ووقع فى رواية وهيب عند البخارى، وخالد عند مسلم،
والدراوردى عند أبى نعيم بلفظ «ثلاثا، وهؤلاء حفاظ قد اجتمعوا، فروايتهم مقدمة على رواية الحافظ الواحد، ولم
يحمل على وقعتين ، لأن المخرج واحد، والأصل عدم التعدد - انتهى. وقال ابن حجر: اقتصر على مرتين فى بعض
الأحيان لبيان الجواز، وإلا فقد صح عنه مَّم: أنه فعل الثلاث - انتهى. ثم غسلهما فى أول الوضوء سنة باتفاق العلماء
كما قاله النووى. قال الأمير اليمانى: وليس هو غسلهما عند الاستيقاظ، أى الذى تقدم حديثه، بل هذا سنة الوضوء،
فلو استيقظ وأراد الوضوء فظاهر الحديثين أنه يغسلهما للاستيقاظ ثلاث مرات، ثم للوضوء كذلك، ويحتمل
تداخلهما - انتهى. قلت هذا الأخير هو الراجح عندى (ثم مضمض) المضمضة لغة تحريك الماء فى الفم (واستثر) أى
٩٠
:

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين. إلى المرفقين،
استنشق الماء، ثم استخرج ذلك بنفس الأنف بإعانة اليد اليسرى ، فلم يذكر الاستنشاق، لأن ذكر الاستئثار دليل عليه ،
فإنه لا يكون إلا بعد الاستنشاق. ثم إنهم اختلفوا فى وجوب المضمضة والاستنشاق والاستئثار، فذهب أحمد إلى
وجوب الثلاثة فى الوضوء، وغسل الجنابة، وهو الراجح، واستدل له بأدلة. منها مواظبة النبى معرؤية عليها بالفعل فى
جميع وضوءه. ومنها حديث عائشة عند البيهقى بلفظ: إن رسول ◌َالله قال: المضمضة والاستنشاق مِن الوضوء الذى
لا بد منه. ومنها أنه من تمام غسل الوجه ، فالأمر بغسله أمر بها ، ولا موجب لتخصيصه بظاهره دون باطنه، فإن
الجميع فى لغة العرب يسمى وجها. ومنها حديث أبى هريرة المتفق عليه: إذا توضأ أحدكم فليجعل فى أنفه ماء ثم لينثر.
ومنها حديث سلمة بن قيس عند الترمذى والنسائى: بلفظ إذا توضأت فاتثر. ومنها حديث لقيط بن صبرة الآتى فى
الفصل الثانى، وفيه «وبالغ فى الاستنشاق إلا أن تكون صائما) وفى رواية من هذا الحديث ((إذا توضأت فضمض، أخرجها
أبو داود وغيره. ومنها حديث أبى هريرة عند الدار قطنى: بلفظ أمر رسول اللّه مَ القيم بالمضمضة والاستنشاق. واستدل من قال:
بالسنية فى الوضوء بقوله عليه السلام للأعرابى (توضأ كما أمرك الله)) فأحال على الآية، وليس فيها ذكر المضمضة والاستنشاق
والاستئثار. وأجيب عنه بأنه قد صح أمر رسول اللّه مَ ◌ّه بها، والواجب الأخذ بما صح عنه، ولا يكون الاقتصار
على البعض فى مبادى التعليم ونحوها موجبا لصرف ما ورد بعده وإخراجه عن الوجوب ، وبأن الأمر بغسل الوجه أمر
بها كما تقدم ، وارجع لمزيد التفصيل إلى النيل للشوكانى، والهدى لابن القيم، والمغنى لابن قدامة (ثلاثا) أى بثلاث غرفات
وهذا ظاهر فى الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة، والرواية الآتية المتفق عليها أظهر فى ذلك ، واختلفوا فى
الأفضل بعد ما اتفقوا على جواز الوصل والفصل كليهما ، فذهب أحمد والشافعى إلى أفضلية الوصل والجمع ، وهو المذهب
الصحيح المختار عندى، لأن روايات الجمع أكثر وأصرح وأصح، وأما ما جاء فى بعض الأحاديث من الفصل فهو محمول
على الجواز، وقد ذكر شيخنا فى شرح الترمذى أحاديث الوصل مع الجواب عن دلائل الحنفية والمالكية القائلين بأفضلية
الفصل فارجع إليه (ثم غسل) أى يديه لحديث على عند أبى داود وغيره (وجهه) هو من منابت شعر الرأس إلى أسفل الذقن
طولا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضا (ثم غسل يديه مرتين مرتين) وفى رواية لمسلم: غسل يده اليمنى ثلاثا، ثم
الأخرى ثلاثا، فيحمل على أنه وضوء آخر لكون مخرج الحديث غير متحد (إلى المرفقين)، أى مع المرفقين، فهما داخلان فى
غسل اليدين. والدليل على ذلك فعله مريض، ففى الدارة طنى بإسناد حسن من حديث عثمان فى صفة الوضوء: فغسل يديه إلى
المرفقين، حتى مس أطراف العضدين، وفيه عن جابر، قال: كان رسول اللّه ◌َبّ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه، لكن
إسناده ضعيف. وفى البزار والطبرانى من حديث وائل بن حجر فى صفة الوضوء: وغسل ذراعيه حتى جاوز المرافق.
وفى الطحاوى من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعاً: ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه. فهذه الأحاديث
يترى بتها بعنا. قال الحق بن راهويه (إلى، فى الآية يحتمل أن تكون بمعنى التأية وأن تكون بمعنى مع فبينت السنة
٩١

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى
رجع إلى المكان الذى بدأ منه، ثم غسل رجليه. رواه مالك، والنسائى. ولأبى داود نحوه ذكره
صاحب ((الجامع،
وفى المتفق عليه: قيل لعبد الله بن زيد بن عاصم: توضأ لنا وضوء رسول اللّه مؤثر، فدعا بإناء،
فأكفأ منه على يديه، فغسلهما ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فضمض واستنشق من كف
أنها بمعنى مع (ثم مسح رأسه) أى كله، كما فى رواية، واختلفوا فى مقدار المفروض، فذهب مالك إلى وجوب الاستيعاب،
وهو الراجح، لأن لفظ الآية مجمل، لأنه يحتمل أن يراد منها مسح الكل على أن الباء زائدة، أو مسح البعض على أنها
تبعيضية، فتبين بفعل النبي ◌َّ أن المراد الأول، ولم ينقل أنه مسح بعض رأسه إلا فى حديث المغيرة، لكن فيه ((أنه
مسح على ناصيته وعمامته، فلا حجة فيه على الاكتفاء ببعض الرأس. قال ابن القيم: لم يصح عنه تَّم فى حديث واحد
أنه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة، لكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة كما فى حديث المغيرة ، ولم يذكر العدد
فى مسح الرأس كغيره، فاقتضى الاقتصار على مرة واحدة (فأقبل بهما وأدبر) الادبار هو الذهاب إلى جهة القفاء
والإقبال عكسه ، والواو لمطلق الجمع لا تقتضى الترتيب ، فكأن الأصل فأدبر بهما وأقبل، وقد وقع كذلك فى رواية
للبخارى. والتفسير الآتى يؤيد بل يعين ذلك وقيل: إنه من تسمية الفعل بايتدامه، أى بدأ بقبل الرأس وذهب إلى جهة
قفاه ، وأدبر أى بدء بدبر الرأس، وقيل غير ذلك (بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب) إلخ هذا عطف بيان لقوله: فأقبل بهم)
وأدبر. ومن ثم لم تدخل الواو على بدأ، أى وضع كفيه وأصابعه عند مقدم رأسه، ثم أمر هما حتى وصل إلى قفاه أى
مؤخر رأسه (ثم ردهما) أى على جنبى الرأس (حتى رجع إلى المكان الذى بدأ منه) وهو مقدم الرأس، أى مبتدأ شعره
(ثم غسل رجليه) أى إلى الكعبين كما فى رواية للبخارى (رواه مالك والنسائى) أى بهذا اللفظ (ولأبى داود نحوه) أى
بمعناه (ذكره صاحب الجامع) أى جامع الأصول وهو ابن الأثير، وأصل الحديث أخرجه أيضا أحمد والشيخان والترمذى
وابن ماجه بألفاظ متقاربة مختصرا ومطولا .
قوله (وفى المتفق عليه) هذا من زيادات المصنف على المصابيح، واللفظ المذكور هنا لمسلم، والبخارى معناه
(توضأ) بصيغة الأمر (وضوء رسول اللّه يَ ◌ّه) أى نحو وضوئه (فدعا بإناء) فيه ماء (فأكفأ) يقال كفأ الإناء إذا
كبه، وأ كفأه أماله (منه) قال الأبهرى: ضمن أكفأ معنى أفرغ وصب فعداه بمن (ثم أدخل يده) اليمنى فى الإباء
(فاستخرجها) أى اليد من الإناء مع الماء (فمضمض واستنشق) أى واستثر وقد ذكر فى رواية الثلاثة كما سيأتي (من كف
٩٢

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
واحدة، ففعل ذلك ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها.
فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر.
ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله {لتر
وفى رواية: فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى
المكان الذى بدأ منه، ثم غسل رجليه.
وفى رواية: فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات من ماء.
واحدة) بأن جعل ماء الكف بعضه فى فمه وبعضه فى أنفه، والكف يذكر ويؤنث (ففعل ذلك) أى المذكور من المضمضة
والاستنشاق (ثلثا) أى ثلاث مرات بأن تمضمض واستنشق من غرفة ثم تمضمض واستنشق من غرفة ثم تمضمض واستنشق
من غرفة، وهو صريح فى الجمع، وحجة واضحة للشافعى فى الوصل، صرح به ابن الملك وغيره من الأئمة الحنفية، والقول بأن قيد
الوحدة احتراز من التثنية سخيف جدا، فإن الظاهر على هذا أن يقال بكف واحدة لا من كف واحدة (ثم أدخل يده) أى فى الإناء
والظاهر أن المراد بها الجنس، قاله القارى (ثلاثا) قيد للأفعال الثلاثة لا للاً خير فقط (مرتين مرتين) قيد للأفعال
(فمسح برأسه) هو موافق للآية فى الإتيان بالباء، ومسح يتعدى بها وبنفسه ، قال القرطبي: إن الباء ههنا للتعدية يجوز
حذفها وإثباتها. وقيل: دخلت الباء ههنا لمعنى تفيده، وهو أن الغسل لغة يقتضى مغسولا به، والمسح لا يقتضى مسوحا
به، فلو قال: امسحوا رؤسكم، لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسجوا برؤسكم الماء، وهو من باب القلب
والأصل فيه اسحو رؤسكم بالماء (فأقبل بيديه وأدبر) يعنى استوعب المسح (ثم غسل رجليه) ظاهره الاكتفاء بمرة،
ويحتمل مرتين بقرينة ما قبله، ويحتمل التثليث على ما هو المعروف من دأبه مؤتم قاله القارى (إلى الكعبين) أى مع
الكعبين، والكعب هو العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم (هكذا كان وضوء رسول الله مؤلّ) أى غالبا، وقيل: أى
فى بعض الأوقات .
قوله (وفى رواية) أى لمسلم (ثم ردهما) أى على أطراف الرأس .
قوله (وفى رواية) أى البخارى، وقد ذكرها فى باب مسح الرأس مرة (فضمض واستنشق واستنثر) فيه حجة
واضحة لمن فرق بين الاستنشاق والاستئثار إلا أن الاستئثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس (ثلاثا بثلاث غرفات) بفتح
الغين والراء وقيل : بضمها جمع غرفة. قيل: الغرفة بالفتح فى الأصل المرة من الاغتراف، وبالضم الماء المغروف فى اليد.
وقيل هى ملاً الكف من الماء يعنى أخذ غرفة ، ومضمض واستنثر بها ، وكذا فى الثانية والثالثة ، وهذا أيضا نص صريح
فى الجمع والوصل.
٣

مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
وفى أخرى: فمضمض واستنشق من كفة واحدة، ففعل ذلك ثلاثا.
وفى رواية للبخارى: فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين.
وفى أخرى له: فضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة.
قوله (وفى أخرى) أى للشيخين لكن وقع فى مسلم من كف واحدة، وهذه الرواية أوردها البخارى فى باب من
مضمض واستنشق من غرفة واحدة (فضمض واستنشق من كفة واحدة) المراد بالكفة الغرفة والحفنة فاشتق لذلك من اسم
الكف، وجعل عبارة عن ذلك المعنى وسمى الشئى باسم ما كان فيه ، وليست تأنيث الكف. وقيل: قوله ((من كفة) هى
بالضم والفتح كغرفة وغُرفة، أى مما ملأ كفه من الماء (ففعل ذلك) أى ما ذكر من المضمضة والاستنشاق (ثلاثا) أى
ثلاث مرات، فيه أيضا دليل صريح على ما تقدم من أن السنة فى المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات يتمضمض
ويستنشق من كل واحدة منها .
قوله (وفى رواية للبخارى) ذكرها فى باب غسل الرجلين إلى الكعبين (مرة واحدة) نص صريح فى عدم تكرار
مسح الرأس، وحجة واضحة للجمهور فى عدم تثليث مسح الرأس خلافا للشافعى ، ومن أقوى الأدلة على ذلك أيضا
الحديث المشهور الذى صححه ابن خزيمة وغيره من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص فى صفة الوضوء، حيث قال
النبي ◌َّم بعد أن فرغ: من زاد على هذا فقد أساء وظلم، فإن رواية سعيد بن منصور فيها تصريح بأنه مسح رأسه مرة
واحدة، فدل على أن الزيادة فى مسح الرأس على المرة غير مستحبة، ويحمل ما ورد من الأحاديث فى تثليث المسح كحديث
على عند الدار قطنى، وحديث عثمان عند أبي داود فى بعض طرقه إن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات
مستقلة لجميع الرأس جمعاً بين الأدلة.
قوله (وفى أخرى له) أى البخارى ذكرها فى باب الوضوء من التور (من غرفة واحدة) يتعلق بقوله: فضمض
واستنثر، والمعنى أنه جمع بينهما ثلاث مرات، كل مرة من غرفة. ويحتمل أن يتعلق بقوله: ثلاث مرات، والمعنى أنه
جمع بينهما ثلاث مرات من غرفة واحدة ، والأول موافق لباقى الروايات، فهو أولى كذا فى الفتح. قال المؤلف:
وإنما أطنبنا الكلام فى الحديث لأن ما ذكر فى المصابيح بلفظه لم يوجد إلا فى رواية مالك والنسائى. فأما معناه فا ذكرته
فى المتفق عليه عقبه. وبقية الروايات إنما أوردتها تفيها على أن مافى المصابيح منها، ذكره الطبي. قال السيد جمال الدين:
كأنه اعتراض على الشيخ محى السنة حيث أورد حديث عبد الله بن زيد بهذا اللفظ فى الصحاح مع أنه غير مذكور فى أحد
الصحیحین انتهى.
٩٤

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
٣٩٧ - (٤) وعن عبد الله بن عباس، قال: توضأ رسول اللّه ◌ُفى مرة مرة، لم يزد على هذا.
رواه البخارى.
٣٩٨ - (٥) وعن عبد الله بن زيد، أن النبى مؤلّة" توضأ مرتين مرتين. رواه البخارى.
٣٩٩ - (٦) وعن عثمان رضى الله عنه، أنه توضأ بالمقاعد، فقال: ألا أريكم وضوء رسول اللّه ◌َفّ؟
فتوضأ ثلاثا ثلاثا
٣٩٧ - قوله (مرة مرة) نصب على المصدر يعنى غسل كل عضومرة واحدة ومسح برأسه مرة (لم يزد على هذا)
أى فى هذا الوضوء، أو فى ذلك الوقت، أو باعثبار علمه، وإلا فقد صحت الزيادة فى روايات كثيرة، وإنما فعل ذلك
لبيان الجواز، أو لمراعاة الحال فى الاستعجال ، أو قلة الماء، وبيان الجواز يكفى فيه إطلاق القرآن. وفيه دليل على أن
الواجب من الوضوء مرة مرة، ولهذا اقتصر عليه النبي مؤ لّه، ولو كان الواجب مرتين مرتين أو ثلاثا ثلاثا لما اقتصر على
مرة مرة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرتين مرتين وثلاثا ثلاثا، وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين.
قال الترمذى: وقد ذكر فى غير حديث أن النبى مؤهل توضأ بعض وضوئه مرة وبعضه ثلاثا. والاختلاف دليل على
جواز ذلك كله ، وأن الثلاث هى الكمال. والواحدة تجزئى (رواه البخارى) أى فى باب الوضوء مرة مرة ، والحديث
مجمل ، وقد رواه البخارى فى باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة مطولا ومفصلا ، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى
والنسائي وابن ماجه مختصرا ، وأبو داود مطولا ومختصرا. وفى الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة ، ذكرها
الشوكانى فى النيل مع الكلام عليها .
٣٩٨ - قوله (توضأ مرتين مرتين) أى لكل عضو من أعضاء الوضوء لبيان الجواز أيضا، والنصب فى مرتين
على المفعول المطلق المين الكمية (رواه البخارى) فى باب الوضوء مرتين مرتين ، والظاهر أن حديث عبد الله بن زيد
هذا غير حديثه المفصل المتقدم ، فإنه ليس فيه الغسل مرتين إلا فى اليدين إلى المرفقين ، نعم روى النسائى من طريق
سفيان بن عيينة فى حديث عبد الله بن زيد التثنية فى اليدين والرجلين، ومسح الرأس، وتثليث غسل الوجه، لكن فى
الرواية المذكورة نظر ، قاله الحافظ ، والحديث أخرجه أيضا أحمد. وفى الباب عن أبى هريرة أخرجه أبو داود
والترمذى وصححه وابن حبان: أن النبى مَُّ توضأ مرتين مرتين.
٣٩٩ - قوله (توضأ بالمقاعد) بفتح ميم جمع مقعد، والمراد بهادكاكين عنددار عثمان، وقيل: درج، وقيل: موضع
بقرب المسجد اتخذ للقعود فيه الجوانج والوضوء (ألا) للتنبيه أو الهمزة للابتكار (أريكم وضوء رسول الله عز فه) أى كيفية
وضوئه (فتوضأ ثلاثا ثلاثا) هذا هو الأكمل، وقد استدل به الشافعى على سنية تثليث مسح الرأس.، وأجيب عنه بأنه
٩٥

مرعاة المفاتيح ج٢
٣-كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
.رواه مسلم.
٤٠٠ - (٧) وعن عبد الله بن عمرو، قال: وجعنا مع رسول اللّه مَفع من مكة إلى المدينة، حتى
إذا كنا بما بالطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضأوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم
يمسها الماء، فقال رسول الله. على: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء.
مجمل تبين فى الروايات الصحيحة التى فصلت فيها أعضاء الوضوء أن المسح لم يتكرر فيحمل على الغالب، أو يختص بالمغسول
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وفى الباب عن جماعة من الصحابة ، ذكر أحاديثهم العينى فى شرح البخارى.
:
٤٠٠ - قوله (حتى إذا كنا) أى صرنا (بماء بالطريق) قال الطبى: الظرف الأول خبر كان والثانى صفة، أى
إذا كنا نازلين بماء كائن فى طريق مكة (فعجل) بتشديد الجيم (قوم عند العصر فتوضأوا وهم مجال) بضم العين وتشديد
الجيم جمع عاجل كجمال جمع جاهل. وقيل: بكسر العين وتخفيف الجيم كقيام جمع قائم، وقيل: جمع عجلان بمعنى المستعجل،
كغضاب جمع غضبان. قال الطيبي: تعجل بمعنى استعجل، يعنى تطلبوا تعجيل الوضوء عند العصر فتوضوا عاجلين.
وقيل: الأظهر أن معناه استعجلوا فى السير، وتقدم وا علينا عند دخول العصر مبادرة إلى الوضوء، فتوضوا على العجلة
بحكم ضيق الوقت فى السفر (وأعقابهم) عقب بكسر القاف مؤخر القدم، وهى مؤنثة (تلوح) أى يظهر للناظر فيها
ياض لم يصبها الماء الذى أخذوه لغسل الأرجل مع إصابته سائر القدم، وذلك لعجلتهم فى الوضوء بسبب ضيق الوقت،
فكان مقصودهم الغسل ، إلا أنهم كانوا يتعجلون فيه لثلا تفوتهم الصلاة، فلم يحصل لذلك إسباغ الأرجل. وفى رواية
ذكرها العينى: رأى قوما توضؤا وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئا، وفى حديث أبى هريرة عند مسلم: أن النبى محمد ◌ّ رأى
رجلا لم يغسل عقبه فقال ذلك الوعيد (لم يمسبها الماء). جملة حالية مبينة لتلوح (ويل) قيل: الويل الخزى والهلاك
والمثقة من العذاب. قال الأبهرى: جاز الابتداء بالنكرة لأنه دعاء، وأصح الأقوال فى معناه ما رواه ابن حبان فى
صحيحه من حديث أبى سعيد: واد فى جهنم (للأعقاب) أى المرئية إذ ذاك، فاللام للعهد، ويلتحق بها ما يشاركها فى
ذلك، ففى حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزيدى عند ابن خزيمة والطبرانى «ويل للاعقاب وبطون الأقدام من
النار)) قيل: معناه دويل لأصحاب الأعقاب المقصرين فى غسلها، نحو ( واسأل القرية - ١٢: ٨٢) والأعقاب تختص
بالعقاب إذا قصر فى غسلها (من النار) بيان للويل كما فى قوله: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان ٢٢: ٣٠) ويجوز أن
تكون بمعنى ((فى)، كما فى قوله تعالى: ﴿من يوم الجمعة - ٦٢: ٩ ) أى فى يوم الجمعة. وفى الوعيد والإنكار دليل على أن
وظيفة الرجلين الغسل الوافى لا المسح ولا الغسل الخفيف المقع المشابه للسح، لأن الوعيد لا يكون إلا على ترك الواجب
(أسبغوا الوضوء) أى أنموه وأكملوه، والوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، فالأمر بإسباغ الوضوء أمر
٩٦

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
بتكميل الغسل وإبلاغ الماء كل ظاهر أعضائه، فقوله ((أسبغوا)) تاكيد للوعيد المذكور عام، يشمل الرجلين وغيرهما من
أعضاء الوضوء، لأنه لم يقل أسبغوا الرجلين، بل قال: أسبغوا الوضوء، ومطلوبة الاسباغ غير مختصة بالرجلين فكما
أنه مطلوب فيهما كذلك مطلوب فى غيرهما. وتخصيص الوعيد بلفظ الأعقاب إنما هو لأجل تقصيرهم فى وظيفة الرجلين .
والحديث يدل على وجوب غسل الرجلين فى الوضوء، وهو مذهب جمهور المحدثين والمفسرين من أهل السنة. قال
الحافظ : قد تواترت الأخبار عن التی ے فى صفة وضوئه أنه غسل رجليه ، وهو المبین لأمر الله ، وقد قال فى حديث
عمرو بن عبسة الذى رواه ابن خزيمة وغيره مطولا فى فضل الوضوء: ثم يغسل قدميه كما أمره الله، ولم يثبت عن أحد
من الصحابة خلاف ذلك إلا من على ، وابن عباس ، وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. قال عبد الرحمن بن
أبى ليلى أجمع أصحاب رسول اللّه مزي على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور وقال الطبى: ذهب الشيعة إلى أنه يمسح
على الرجلين ، لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤسكم وأرجلكم - ٦:٥) على قراءة الجر، فإنه تعالى عطف الرجل على
الرأس والرأس يمسح فكذا الرجل. قلنا: وقد قرئ بالنصب عطفا على قوله: {وأيديكم) وإذا ذهب إلى المسح يقى
مقتضى النص غير معمول به، بخلاف العكس فإن المسح مغمور بالغسل على أن الأحاديث الصحيحة تواترت
معاضدة لقراءة النصب فوجب تأويل القراءة بالكسر ، وفيه وجوه: أحدها العطف على الجوار كقوله تعالى: (عذاب
يوم أليم - ١١: ٢٦) والأليم صفة العذاب فأخذ إعراب «اليوم، المجاورة، وقوله تعالى: (عذاب يوم محيط - ١١:
٨٤﴾ ﴿وحور عين) بالجر بعد قوله: ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق - ٥٦: ١٧، ١٨) لأن
جور لا يصلح عطفها على أكواب، لأن الحور لا يطاف بها. والثانى الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر، والعرب إذا.
اجتمع فعلان متقاربان فى المعنى ، ولكل واحد منهما متعلق جوزت ذكر أحد الفعلين وعطف متعلق المحذوف على متعلق
المذكور على حسب ما يقتضيه لفظه، حتى كأنه شريكه فى أصل الفعل كما قال الشاعر:
متقلدا سيفاو رمحا
يا ليت بعلك قد غدا
علفتها تبنا وماء باردا
وكقول الآخر:
=
تقديره علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا ومتقلدا سيفا، وحاملا رمحا. والثالث قول الزجاج: يجوز (أرجلكم) بالخفض على
معنى فاغسلوا، لأن قوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾ قد دل عليه، لأن التحديد يفيد الغسل كما فى قوله تعالى: ﴿إلى المرافق)
ولو أريد المسح لم يحتج إلى التحديد كما فى قوله: ﴿وامسحوا برؤسكم﴾ من غير تحديد، ويطلق المسح على الغسل - انتهى.
قال العلامة السيد محمود الآلوسى البغدادى المتوفى سنة ١٢٧٠ هـ فى تفسيره روح المعانى (ج ٦: ص ٧٣): وفى الأرجل
ثلاث قراءات ، واحدة شاذة، واثنتان متواترتان، أما الشاذة فالرفع وهى قراءة الحسن، وأما المتواترتان فالنصب
وهى قراءة نافع، وابن عامر، وحفص، والكسائى، ويعقوب. والجر وهى قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم،
وفى رواية أبى بكر عنه. ومن هنا اختلف الناس فى غسل الرجلين ومسحهما، قال الإمام الرازى: فنقل القفال فى تفسيره
عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وعكرمة، والشعبى، وأبى جعفر محمد بن على الباقر: أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب
٩٧

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
الإمامية ، وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل. وقال داود: يجب الجمع بينهما ، وهو قول الناصر للحق من
الزيدية. وقال الحسن البصرى، ومحمد بن جرير الطبرى: المكلف مخير بين المسح والغسل. وحجة القائلين بالمسح
قراءة الجر، فإنها تقتضى كون الأرجل معطوفة على الرؤس ، فكما وجب المسح فيها وجب فيها والقول أنه جر بالجوار
كما فی قولهم: هذا جحر ضب خرب ، وقوله:
کبیر أناس فی بجاد مزمل
كان ثبيراً فى عرانين وبله
باطل من وجوه: أولها أن الكسر على الجوار معدود فى اللحن الذى قد يتحمل لأجل الضرورة فى الشعر، وكلام الله
تعالى يجب تنزيهه عنه. وثانيها أن الكسر إنما يصار إليه حيث حصل الأمن من الالتباس كما فى ما استشهدوا به، وفى
الآية الأمن من الالتباس غير حاصل. وثالثها أن الجر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف العطف
فلم تتكلم به العرب، وردوا قراءة النصب إلى قراءة الجر فقالوا: إنها تقتضى المسح أيضا لأن العطف حينئذ على محل
الرؤس لقربه فيتشاركان فى الحكم، وهذا مذهب مشهور النحاة. ثم قالوا: أو لا يجوز رفع ذلك بالأخبار، لأنها
بأسرها من باب الآحاد ، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز، ثم قال الإمام: واعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا إلا
من وجهين الأول أن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس ، فكان الغسل
أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه، وعلى هذا يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحهما والثانى أن فرض
الأرجل محدود إلى الكعبين، والتحديد إنما جاء فى الغسل لا المسح، والقوم أجابوامنه بوجهين: الأول أن الكعب
عبارة عن العظمين الناتئين من جانبى الساق إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين،
وحينئذ لا يبقى هذا السوال ـ انتهى ولا يخفى أن بحت الغسل والمسح مما كثر فيه الخصام، وطالما زلت فيه
الأقدام ، وما ذكره الإمام يدل على أنه راجل فى هذا الميدان، وضالح لا يطيق العروج إلى شاوى ضليح وتحقيق تبتهج به
الخواطر والأذهان، فلنبسط الكلام فى تحقيق ذلك رغمالأنوف الشيعة السالكين من السبل كل سبيل مالك فنقول وبالله
تعالى التوفيق: إن القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين بل بإطباق أهل الإسلام كلهم، ومن القواعد الأصولية عند
الطائفتين أن القراءتين المواترتين إذا تعارضنا فى آية واحدة فلهما حكم آيتين ، فلا بدلنا أن نسعى ونجتهد فى تطبيقهما أولا
مهما أمكن، لأن الأصل فى الدلائل الإعمال دون الإهمال كما تقرر عند أهل الأصول، ثم نطلب بعد ذلك الترجيح بيهما،
ثم إذا لم يتيسر لنا الترجيح بينهما نتركهما وتوجه إلى الدلائل الآخر من السنة، وقد ذكر الأصوليون أن الآيات إذا
تعارضت بحيث لا يمكن التوفيق ثم الترجيح بينهما يرجع إلى السنة ، فإنها لما لم يمكن لنا العمل بها صارت معدومة فى
حقنا من حيث العمل ، وإن تعارضت السنة كذلك نرجع إلى أقوال الصحابة وأهل البيت ، أو نرجع إلى القياس عند
القائلين بأن قياس المجتهد يعمل به عند التعارض ، فلما تأملنا فى هاتين القراءتين فى الآية وجدنا التطبيق بينهما على قواعدنا
من وجهين : الأول أن يحمل المسح على الغسل كما صرح به أبو زيد الأنصارى وغيره من أهل اللغة، فيقال الرجل إذا
توضأ: تمسح. ويقال: مسح اللّه تعالى ما بك، أى أزال عنك المرض. ومسح الأرض المطر إذا غسلها، فإذا عطفت
الأرجل على الرؤس فى قراءة الجر لا يتعين كونها مسوحة بالمعنى الذى يدعيه الشيعة ، واعترض ذلك من وجوه: أولها
٩٨
-
....

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
أن فائدة اللفظين فى اللغة والشرع مختلفة، وقد فرق اللّه تعالى بين الأعضاء المغسولة والممسوحة فكيف يكون معنى الغسل
والمسح واحدا. وثانيها أن الأرجل إذا كانت معطوفة على الرؤس وكان الفرض فى الرؤس المسح الذى ليس بغسل
بلا خلاف وجب أن يكون حكم الأرجل كذلك، والالزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وثالثها أنه لوكان المسح بمعنى
الغسل يسقط الاستدلال على الغسل بخبر أنه مَّ غسل رجليه، لأنه على هذا يمكن أن يكون مسحهما ، فسمى المسح
غسلا ، ورابعها أن استشهاد أبى زيد بقولهم: تمسحت للصلاة ، لا يجدى نفعا ، لاحتمال أنهم لما أرادوا أن يخبروا عن
الطهور بلفظ موجز، ولم يجز أن يقولوا تغسلت للصلاة ، لأن ذلك يوهم الغسل، قالوا بدله: تمسحت ، لأن المغسول
من الأعضاء ممسوح أيضا، فتجوزوا بذلك تعويلا على فهم المراد، وذلك لا يقتضى أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء
الغسل. وأجيب عن الأول بأنا لا ننكر اختلاف فائدة اللفظين لغة وشرعا، ولا تفرقة الله تعالى بين المغسول والممسوح
من الأعضاء، لكنا ندعى أن حمل المسح على الغسل فى بعض المواضع جائز ، وليس فى اللغة والشرع ما يأباه على أنه قد
ورد ذلك فى كلامهم. وعن الثانى بأنا. نقدر لفظ ((امسحوا، قبل ﴿أرجلكم)) أيضا وإذا تعدد اللفظ فلا بأس بأن يتعدد
المعنى، ولا محذور فيه، فقد نقل شارح زبدة الأصول من الإمامية أن هذا القسم من الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز
بحيث يكون ذلك اللفظ فى المعطوف عليه بالمعنى الحقيقى، وفى المعطوف بالمعنى المجازى، وقالوا فى الآية ﴿ لا تقربوا
الصلاة وأنتم سكارى حتى تعدوا ما تقولون ، ولا جنبا إلا عابرى سبيل - ٤: ٤٣): أن الصلاة فى المعطوف عليه
بالمعنى الحقيقى الشرعى، وهو الأركان المخصوصة، وفى المعطوف بالمعنى المجازى، وهو المسجد ، فإنه محل الصلاة،
وادعى ذلك الشارح أن هذا نوع من الاستخدام ، وبذلك فسر جمع من مفسرى الإمامية وفقهاءهم. وعليه فيكون هذا
العطف من عطف الجمل فى التحقيق، ويكون المسح المتعلق بالرؤس بالمعنى الحقيقى، والمسح المتعلق بالأرجل بالمعنى
المجازى، على أن من أصول الإمامية كالشافعية جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكذا استعمال المشترك فى معنيه.
ويحتمل هنا إضمار الجار تبعا للفعل فتدبر. ولا يشكل أن فى الآية حينئذ إبهاما، ويبعد وقوع ذلك فى التهزيل، لأنا نقول:
إن الآية نزلت بعد ما فرض الوضوء، وعلمه عليه الصلاة والسلام روح القدس إياه فى ابتداء البعثة بسنين ، فلا بأس أن
يستعمل فيها هذا القسم من الابهام ، فإن المخاطبين كانوا عارفين بكيفية الوضوء، ولم تتوقف معرفتهم بها على الاستنباط من
الآية و لم تنزل الآية لتعليمهم بل سوقه الابدال التيمم من الوضوء والغسل فى الظاهر، وذكر الوضوء فوق التيمم للتمهيد، والغالب
فيما يذكر لذلك عدم البيان المشبع. وعن الثالث بأن جمل المسح على الغسل لداع لا يستلزم حمل الغسل على المسح بغير داع،
فكيف يسقط الاستدلال؟ سبحان الله تعالى هذا هو العجب العجاب. وعن الرابع بأنا لا نسلم أن العدول عن ((تغسات))
لإيهامه الغسل، فإن ((تمسحت)) يوهم ذلك أيضا، بناء على ما قاله من أن المغسول من الأعضاء مسوح أيضا، سلنا ذلك،
لكنا لم تقتصر فى الاستشهاد على ذلك، ويكفى مسح الأرض المطر فى الفرض. والوجه الثانى أن يقى المسح على الظاهر،
وتجعل الأرجل على تلك القراءة معطوفة على المغسولات كما فى قراءة النصب والجر المجاورة ، واعترض أيضا من وجوه،
الأول والثانى والثالث ما ذكره الإمام من عد الجر بالجوار لحنا ، وأنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس، ولا أمن فيما
٩٩

مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
٤ - باب سنن الوضوء
نحن فيه، وكونه إنما يكون بدون حرف العطف. والرابع أن فى العطف على المغسولات سواء كان المعطوف منصوب
اللفظ أو مجروره، الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنية ليست اعتراضية ، وهو غير جائز عند النحاة ، على
. أن الكلام حينئذ من قبيل («ضربت زيدا وأكرمت خالدا وبكراء بجعل بكر عطفا على زيد، أو إرادة أنه مضروب لا
مكرم، وهو مستهجن جدا تنفر عنه الطباع، ولا تقبله الأسماع فكيف يجنح إليه أو يحمل كلام الله تعالى عليه وأجيب
عن الأول بأن إمام النحاة الأخفش وأبا البقاء وسائر مهرة العربية وأتمتها جوزوا جر الجوار ، وقالوا بوقوعه فى الفصيح
كما ستسمعه إنشاء الله تعالى ولم ينكره إلا الزجاج، وإنكاره مع ثبوته يدل على قصور تتبعه، ومن هنا قالوا: المثبت
مقدم على النافى. وعن الثانى بأنا لا نسلم أنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس، ولا نقل فى ذلك عن النحاة فى الكتب
المعتمدة ، نعم: قال بعضهم: شرط حسنه عدم الالتباس مع تضمن نكتة وهو هنا كذلك، لأن الغاية دلت على أن هذا
المجرور ليس بممسوح، إذ المسح لم يوجد مغيا فى كلامهم، ولذا لم يغى فى آية التيمم، وإنما يغي الغسل، ولذا غى فى الآية
حين احتيج إليه، فلا يرد أنه لم يغنى غسل الوجه لظهور الأمر فيه، ولا قول المرتضى أنه لا مانع من تغيه. والنكتة فيه
الإشارة إلى تخفيف الغسل حتى كأنه مسح. وعن الثالث بأنهم صرحوا بوقوعه فى النعت كما سبق من الأمثلة ، وقوله
تعالى: {عذاب يوم محيط - ١١: ٨٤) بجر {محيط﴾ مع أنه نعت للعذاب. وفى التوكيد كقوله:
أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب
الأبلغ ذوى الزوجات (كلهم)
يجر ((كلهم، على ما حكاه الفراء. وفى العطف كقوله تعالى: ﴿وحور عين، كامثال اللؤلؤ المكنون - ٥٦: ٢٣،٢٢)
على قراءة حمزة، والكسائى ، وفى رواية المفضل عن عاصم فإنه مجرور بجر (أكواب وأباريق) ومعطوف على
﴿ولدان مخلدون﴾. وقول النابغة :
لم يبق إلا أسير غير منفلت
و(موثق) فى حال القد مجوب
بجر (موثق)، مع أن العطف على ((أسير، وقد عقد النحاة لذلك بابا عليحدة لكثرته، ولما فيه من المشاكلة، وقد كثر فى
الفصيح حتى تعدوا عن اعتباره فى الإعراب إلى التشفية والتأنيث وغير ذلك ، وكلام ابن الحاجب فى هذا المقام لا يعبأ
به. وعن الرابع بأن لزوم الفصل بالجملة إنما يخل إذا لم تكن جملة ﴿ وامسحوا برؤسكم﴾ متعلقة بجملة المغسولات، فإن
كان معناها وامسحوا الأيدى بعد الغسل برؤسكم فلا إخلال كما هو مذهب كثير من أهل السنة من جواز المسح ببقية
ماء الغسل واليد المبلولة مرن المغسولات، ومع ذلك لم يذهب أحد من أئمة العربية إلى امتناع الفصل بين الجملتين
المتعاطفتين، أو معطوف ومعطوف عليه ، بل صرح الأئمة بالجواز ، بل نقل أبو البقاء إجماع النحو بين على ذلك ، نعم!
توسط الأجنبى فى كلام البلغاء يكون لنكتة وهى هنا ما أشرنا إليه. أو الإيماء إلى الترتيب، وكون الآية من قبيل ما
ذكر من المثال فى حيز المنع ، وربما تكون كذلك لوكان النظم (وامسحوا رؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين، والواقع ليس
كذلك وقد ذكر بعض أهل السنة أيضا وجها آخر فى التطبيق، وهو أن قراءة الجر محمولة على حالة التخفف ، وقراءة
النصب على حال دونه واعترض بأن الماسح على الخف ليس ما سما على الرجل حقيقة ولا حكما ، لأن الخف اعتبر