النص المفهرس
صفحات 21-40
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
رواه مسلم.
٣٠٣ - (٣) وعن على، قال: كنت رجلا مذاء، فكنت أستحيى أن أسأل النبى مؤلّم لمكان ابنته،
فأمرت المقداد، فسأله، فقال: يغسل ذكره
عدم القبول واستحقاق العقاب، كالصلاة بغير طهور فى ذلك، انتهى. فكما أن الطهارة شرط للصلاة المقبولة، كذلك
كون المال طيا، شرط للصدقة المقبولة. ولعل وجه تخصيص الغلول بالذكر، وإن كان الحكم عاما لجميع الأموال
المحرمة - كثمن الخمر وأجرة المزنية والربا والسرقة ونحوها - أن الغنيمة فيها حق لجميع المسلمين، فإذا كان التصدق من
المال الذى فيها حق غير مقبولة، فأولى أن لا تقبل من المال الذى ليس فيه حق (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد،
والترمذى وابن ماجه، وأخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجه، عن أبى المليح عن أبيه، وابن ماجه عن أنس وأبى بكرة.
٣٠٣ - قوله (مذاء) صيغة مبالغة، أى كثير المذى ، وفيه لغات أفصحها بفتح الميم وسكون الذال وتخفيف الياء
ثم بكسر الذال وتشديد الياء، وهو ماء، أيض، رقيق، لزج، يخرج عند الملاعبة والتقبيل، أو تذكر الجماع، أو
إرادته عادة، وقد لا يحس بخروجه (أن أسأل النبي ◌َّ) أى عن حكم المذى، هل هو نجس موجب للغسل أم لا؟
(لمكان ابنته) أى فاطمة، لكونها تحته. والمذى كثيرا ما يخرج عند ملاعبة الزوجة (فأمرت المقداد فسأله) أى منهما
بأن قال مثلا : رجل خرج من ذكره مذى، ما الحكم فيه؟ لا لعلى خاصة بالتعيين، وقد وقع الاختلاف فى السائل هل
المقداد؟ كما فى هذه الرواية، أو عمار ؟ كما فى رواية للنسائى أو على؟ كما فى رواية لابن حبان، والاسماعيلى، والترمذى،
وجمع ابن حبان بين ذلك، بأن عليا أمر عمارا أن يسأل ثم أمر المقداد بذلك، ثم سأل بنفسه ، إلا أنه تعقب بأن قوله:
فكنت أستحيى إلخ. دال على أنه لم يباشر السؤال، فنسبة السؤال إليه فى رواية من قال: إن عليا سأل، مجاز، لكونه
الآمر بالسؤال، أو يقال: أنه سأل هو بنفسه بعد سؤالهما للاحتياط، أو يقال: إنه لما أبطأا فى السؤال، سأل بنفسه
لشدة احتياجه إليه، وسألا أيضا فى أوقات مختلفة، وأخبراه بذلك، وقد يجمع بأنه سألهما معا أن يسألاه مزبلة ، كما فى
رواية لعبد الرزاق: فسأله المقداد بحضرة عمار وعلى ، فنسبة عمار إلى أنه سأل عن ذلك محمولة على المجاز لكونه قصده ،
ولكون المقداد سأله بحضرته ، كما أن نسبة السؤال إلى على محمولة على المجاز لكونه الآمر ولكون المقداد سأله بحضرته
(يغسل ذكره) لنجاسته، وإطلاق لفظ «ذكره)) ظاهر فى غسل الذكر كله، وليس كذلك إذ الواجب غسل محل الخارج
وموضع النجاسة فقط، وإنما هو من إطلاق لفظ الكل على البعض، والقرينة أن الموجب لغسله إنما هو خروج الخارج،
فلا تجب المجاوزة إلى غير محله ، ويؤيده ما عند الإسماعيلى فى رواية فقال: توضأ واغسله)) فأعاد الضمير إلى المذى ،
وهذا مذهب الجمهور ، وذهب بعض المالكية إلى أنه يغسله كله ، عملا بلفظ الحديث ، وذهب بعض الحنابلة إلى أنه يغسله
كله مع الأثيين. واستدل لذلك برواية أبى داود: يغسل ذكره وأنثيه، وفى رواية أخرى له: فتغسل من ذلك فرجك
٢١
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
ويتوضأ. متفق عليه.
٣٠٤ - (٤) وعن أبى هريرة، قال: سمعت رسول اللّه مريم يقول: توضؤا مما مست النار. رواه مسلم.
وأشييك، وتوضأ للصلاة)). وأجيب بأن رواية غسل الأثيين قد طعن فيها بأنها من رواية عروة عن على، وعروة لم يسمع من
على، وأيضاً أكثر الروايات فى الصحيحين وغيرهما خالية عن ذكر الأنثيين، إلا أنه رواه أبو عوانة فى صحيحه، من طريق عبيدة
عن على بالزيادة ، وإسناده لا مطعن فيه كما قال الحافظ فى التلخيص. وأجيب عنه بأنه محمول على الاستحباب ، أو أمر
فغسل الأثنين لزيادة التطهير، لأن المذى ربما انتشر فأصاب الأنثيين. ويقال: إن الماء البارد إذا أصاب الأنثيين رد
المذى ، فلذلك أمره بغسلها، قاله الخطابى. واستدل به على تعين الماء فيه دون الأحجار ونحوها أخذا بالظاهر. وقالت
الحنفية: يجوز الاقتصار بالأحجار الحاقا الذى بالبول، وحملا للأمر بالغسل على الاستحباب، أو على أنه خرج مخرج
الغالب، وهذا هو المعروف فى مذهب الشافعى. (ويتوضأ) فيه أن المذى ينقض الوضوء، ولا يوجب الغسل، وهو
إجماع (متفق عليه) أخرجه البخارى فى العلم ، وفى الطهارة ، ومسلم فى الطهارة، وأخرجه أيضا النسائى فيها، وقد روى
حديث على هذا من طرق مختلفة عند أحمد، ومسلم، والترمذى، والنسائى وأبى داود، وابن ماجه، وغيرهم.
٣٠٤- قوله (توضؤامما مست النار) أى من أكل ما مسته النار، وهو الذى أثرت فيه النار بطبخ أو قلى أو
شئ. والمراد بالوضوء الوضوء الشرعى، أى وضوء الصلاة. وهو دليل على أن أكل ما أثرت فيه النار من أسباب وجوب
الوضوء. واختلف العلماء فى هذه المسئلة، فذهب الأكثر من السلف والخلف إلى عدم انتقاض الوضوء به. وذهبت
طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعى به، واستدلت بحديث أبى هريرة هذا وما فى معناه. وأجاب الأولون عنه بوجوه:
منها أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين، ورد بأن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها. ومنها أنه محمول على
الاستحباب لا على الوجوب، وهذا اختيار الخطابى، وابن تيمية صاحب المنتقى، ورد بأن الأصل فى الأمر الوجوب.
ومنها أنه لما اختلف أحاديث الباب، ولم يتبين الراجح منها، نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون بعد التى مربى ،
فرجحنا به أحد الجانبين، وارتضى بهذا النووى فى شرح المهذب، وبهذا يظهر حكمة تصدير البخارى حديث ابن عباس
الآتى بالأثر المنقول عن الخلفاء الثلاثة، قال النووى: كان الخلاف فيه معروفاً بين الصحابة والتابعين، ثم استقر الاجماع على
أنه لا وضوء مما مست النار، إلا ما تقدم استثناءه من لحوم الايل. ومنها أنه منسوخ بحديث ابن عباس الذى يتلوه،
وبحديث أم سلمة، وحديث ابن عباس الآتيين فى آخر الفصل الثانى، وما فى معنا هما من الأحاديث الدالة على ترك الوضوء مما مست
النار، والحكمة فى الأمر بالوضوء من ذلك فى أول الاسلام، ما كانوا عليه من قلة التنظيف فى الجاهلية، فلما تقررت النظافة
وشاعت فى الإسلام، نسخ الوضوء تيسيرا على المؤمنين. وأبدى الشاه ولى الله الدهلوى حكمة أخرى، وارجع إلى
نسبة الله. قلت: أقوى الأجوبة عندى هو الثالث فهو أولى من دعوى النسخ (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد ،
والنسائى ، وغيرهما.
٢٢
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١- باب ما يوجب الوضوء
٣٠٥ - (٥) قال الشيخ الإمام الأجل محى السنة، رحمه الله: هذا منسوخ بحديث ابن عباس: قال:
إن رسول اللّه ومريم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. متفق عليه.
٣٠٦ - (٦) وعن جابر بن سمرة، أن رجلا سأل رسول اللّه ◌َبّم: أنتوضأ من لحوم الثم؟ قال: إن
٣٠٥- قوله (قال الشيخ الإمام الأجل محى السنة) البغوى فى شرح السنة (هذا) أى وجوب الوضوء الشرعى
بأكل ما مسته النار (منسوخ بحديث ابن عباس) إلخ واعترض عليه بأنه إنما يتم ذلك لوعلم تاريخها، وتقدم الأول على
الثانى ، وأجيب بأن صحبة ابن عباس متأخرة ، فإنه إنما صحبه بعد الفتح، قاله الشافعى فيما نقله البيهقى، ويدل على تأخر.
حديث ابن عباس ، ما رواه أحمد فى مسنده عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه عن ابن إسحاق: حدثنا محمد بن
عمرو بن عطاء قال: دخلت على ابن عباس بيت ميمونة زوج النبي ◌َّ لغد يوم الجمعة، الحديث. وفيه: فأكل وأكلوا
معه، قال: ثم نهض رسول اللّه ◌ُوفّ بمن معه إلى الصلاة، وما مس ولا أحد من كان معه ماء، قال: ثم صلى بهم،
وكان ابن عباس إنما عقل من أمر رسول الله مَيتم آخره، وهذا مع دلالته على تأخره ، فيه رد على زعم الخصوصية.
قيل: وأصرح من هذا فى النسخ حديث جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله ميه ترك الوضوء مما مست النار))
رواه أبوداود، والنسائى، وابن الجارود، والبيهقى، وغيرهم، وهو حديث صحيح ليس فى إسناده مطعن، وليست له علة،
وقد أعله بعض الحفاظ بما لا يصلح تعليلا، وتأوله أبو داود بما هو بعيد جدا، يرده ما رواه أحمد عن جابر مطولا من
طريق محمد بن إسحاق عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبى طالب، فإن فيه: أن النبى يرفت أكل هو ومن معه، ثم بال،
ثم توضأ للظهر، وأنه أكل بعد ذلك هو ومن معه، ثم صلوا العصر، ولم يتوضوءا (هذا معنى الحديث) فهذا يدل على
أن الوضوء الأول كان الحدث، وليس من أكل ما مست النار، حتى يصح أن يسمى الفعل الثانى بأكله ثم صلاته من
غير أن يتوضأ، آخر الأمرين، لأنهما فعلان ليسا من نوع واحد، وقال ابن حزم فى المحلى (ج ١: ص ٢٤٣): القطع
بأن ذلك الحديث مختصر من هذا، قول بالظن، والظن أكذب الحديث ، بل هما حديثان كما وردا. انتهى
(أكل كتف شاة) أى أكل لحم كتف الشاة (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الطهارة، وفى الأطعمة، ومسلم فى
الطهارة ، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود.
٣٠٦ - قوله (وعن جابر بن سمرة) بن جنادة السواقى، صحابى مشهور، ولايه أيضا صعبة ، نزل الكوفة ، ومات
بها سنة (٧٤) فى خلافة عبد الملك بن مروان، فى ولاية بشربن مروان، له مائة وستة وأربعون حديثا، اتفقا على حديثين،
وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين، روى عنه جماعة (أنتوضأ) بالنون، وفى بعض النسخ بالياء، وفى بعضها ((أتوضأ) بالمتكلم
المفرد، مع حذف همزة الاستفهام، وهى الصحيحة الموافقة لما فى صحيح مسلم (من لحوم الغنم) أى من أكلها
٢٣
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ من لحوم الابل؟ قال: نعم! فتوضأ من لحوم
الايل. قال: أصلى فى مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلى فى مبارك الايل؟ قال: لا.
(قال نعم فتوضأ من لحوم الإبل) المراد به الوضوء الشرعى، أى وضوء الصلاة، لأن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها.
والحديث نص على أن الأكل من لحم الأبل ناقض للوضوء على كل حال، نيئا كان أو مطبوخا، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق
ابن راهويه، وغيرهما، واختاره البيهقى، وحكى عن أصحاب الحديث مطلقا، وحكى عن جماعة من الصحابة، ورجحه
النووى وغيره من الشافعية ، وابن العربى من المالكية، والشيخ عبد الحى اللكنوى من الحنفية، وهذا القول هو
المعول عليه، الصحيح عندنا، وإن كان الجمهور على خلافه. ويدل عليه أيضا حديث البراء بن عازب، عند أحمد والترمذى
وأبى داودوابن ماجه والطيالسى، وابن الجارودوابن حبان، وابن خزيمة وغيرهم، قال ابن خزيمة: لم أر خلافا بين علماء الحديث
أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه، انتهى. وفى الباب عن أسيد بن حضير، وذى الغرة، وعبد الله بن عمر،
ولكن أحاديثهم قد تكلم فيها من جهة السند، وذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء، وأجابوا عن حديثى جابر والبراء
بوجوه كلها مخدوشة، قد رد عليها ابن قدامة فى المغنى (ج ١: ١٨٣، ١٨٨) ردا حسنا، وقد نقل كلامه شيخنا فى شرح
الترمذى، مع الرد على تقريرات صاحب بذل المجهود من الحنفية فارجع إليه. وأما السؤال عن الحكمة لوجوب
الوضوء من لحم الايل فواقع فى غير محله، لأن هذا الحكم تعبد غير معقول المعنى، فلا تحاول أن تتلبس حكمة له (أصلى)
بحذف حرف الاستفهام (فى مرابض الغنم) جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء، وهو موضع ربوض النم، أى مأوى
الغنم (قال: نعم) فيه دليل على جواز الصلاة فى مرابض الغنم مطلقا، خلافا لمن قال: إن الإذن بالصلاة فيها كان قبل
أن يبنى المسجد. واستدل بالحديث على طهارة أبوال الغنم وأبعارها لأن مرابض الغنم لا تخلو عن ذلك، والإذن
بالصلاة فيها مطلق، ليس فيه تخصيص موضع دون موضع، ولا تقيد بحائل بقى من الأبوال وهذا هو الحق
خلافا لأبى حنيفة والشافعى (أصلى فى مبارك الايل) جمع مبرك بفتح الميم وكسر الراء، وهو موضع بروك الايل
(قال: لا) فيه دليل على تحريم الصلاة فى مبارك الايل، وإليه ذهب أحمد، ومالك وابن حزم وهو الحق. وذهب
الجمهور إلى حمل النهى على الكرامة مع عدم النجاسة، وعلى التحريم مع وجودها، وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهى
هى النجاسة ، وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها ، وستعرف أن الحق طهارة أبوال مأكول اللحم وأزباله،
ولو سلمنا النجاسة فيه، لم يصح جعلها علة، لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم ،
إذ لا قائل بالفرق. وقيل علة النهى ما فيها من النفور، وبهذا علل أصحاب الشافعى، وأصحاب مالك، وعلى هذا فيفرق
بين كون الإيل فى مباركها ، وبين غيبتها عنها. وفيه أن النهى عن الصلاة فيها مطلق، سواء كانت الابل فيها أو لم تكن،
وقيل: علة النهى أن يجاء بها إلى مباركها بعد شروعه فى الصلاة فيقطعها أو يستمر فيها مع شغل خاطره ، وفيه أيضا ما
تقدم. وقيل: لأن الراعى يول بينها ، وفيه أن هذا غظن وتخمين لم يقم عليه دليل ، فلا يلتفت إليه. وقيل: علة النهى
٢٤
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣- كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
رواه مسلم.
٣٠٧ - (٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَليل: إذا وجد أحدكم فى بطنه شيئا، فأشكل
عليه أخرج منه شئى أم لا. فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا.
شدة تنها. وقيل: الحكمة فى النهى كونها خلقت من الشياطين ، ويدل عليه حديث ابن مغفل عند أحمد، والنسائى ،
وحديث البراء عند أبى داود، وحديث أبي هريرة عند ابن ماجه، قال الإمام الشوكانى بعد يان اختلافهم فى تعليل النهى
بنحوما ذكرنا: إذا عرفت هذا الاختلاف فى العلة، تبين لك أن الحق الوقوف على مقتضى الهی، وهو التحريم، کما ذهب
إليه أحمد ، والظاهرية، إنتهى. ولا يعارضه حديث الصلاة إلى الراحلة بجعلها سترة فى الصلاة، لأن ذلك كان فى السفر
حالة الضرورة ، ولأن النهى مقصور على موضع بروكها وعطنها ، وفرق بين الصلاة فى العطن وبين جعلها سترة فى
الصلاة فى حال شد الرحل عليها (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود الطيالسى وابن ماجه وابن حبان.
٣٠٧ - قوله (إذا وجد أحدكم فى بطنه شيئا) أى كالقرقرة بأن تردد فى بطنه ريح فى الصلاة أو خارج الصلاة
(فأشكل عليه) بفتح الهمزة أى التبس (أخرج) الهمزة للاستفهام (فلا يخرجن) أى التوضؤ، لأن المتيقن لا يبطله
الشك (من المسجد) يوهم أن حكم غير المسجد بخلاف المسجد، لكن أشير به إلى أن الأصل أن يصلى فى المسجد، لأنهمكانها، فعلى
المؤمن ملازمته، والمواظبة على إقامة الصلوات مع الجماعات (حتى يسمع صوتا) أى صوت ريخ يخرج منه (أو يجد ريحا)
أى رائحة ريح خرجت منه ، ومعناه حتى يتيقن الحدث بطريق الكتابة، أعم من أن يكون بسماع صوت ، أو وجدان
رائحة، أو يكون بشتى آخر لا أن سماع الصوت أو وجدان الريح شرط، إذ قد يكون أصم فلا يسمع الصوت، وقد
يكون أخثم فلا يجد الريح، وينتقض طهره إذا تيقن الحدث. وفيه دليل على أن الربح الخارجة من قبل المرأة وذكر .
الرجل توجب الوضوء، وبه قال الشافعى، وإليه ذهب بعض الحنفية، ورجحه الشيخ عبد الحى اللكنوى، لكونه موافقا
للأحاديث، وقال بعض الحنفية: لا توجب. وإليه مال صاحب الهداية، وعلل بأنها لا تنبعث عن محل النجاسة، وهو
مبنى على أن عين الربح ليست بنجسة وإنما يتنجس بمرورها على محل النجاسة، وهذا لا يتمشى على قول من قال من مشائخ
الحنفية بتنجس عين الريح، وعلل بعضهم، بأنها اختلاج لا ريح، وليس بشتى خارج، لكن هذا أيضا قاصر، فإنه لا يتمشى
فيما إذا وجد التن، أو سمع الصوت من القيل أو الذكر، فإن هناك لاشك فى خروج شى. وفيه دليل على أن اليقين لا
يزول بالشك الطارئ فى شئى من أمر الشرع، وهو قول عامة أهل العلم، فمن حصل له شيك أو ظن بأنه أحدث وهو على
يقين من طهارته، لم يضره ذلك حتى يحصل له اليقين ؛ بها أفاده قوله: حتى يسمع، إلخ، فإنه علقه بحصول ما يحسه،
وذكرهما تمثيل، وإلا فكذلك سائر التواقضى، كالمذي، والودى. والحديث عام لمن كان فى الصلاة أو خارجها، وهو
٢٥
....
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء.
رواه مسلم.
٣٠٨ - (٨) وعن عبد الله بن عباس، قال: إن رسول اللّه مَل شرب لبنا فضمض، وقال: إن له
دسما. متفق عليه.
٣٠٩ - (٩) وعن بريدة، أن النبي ◌َّ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه،
فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه! فقال: عمداً صنعته يا عبر!
قول الجماهير ، والمالكية تفاصيل وفروق بين من كان داخل الصلاة أو خارجها ، لا ينتهض عليها دليل (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا الترمذى ، وأبو داود. وروى الجماعة إلا الترمذى عن عباد بن تميم عن عمه بنحوه.
٣٠٨ - قوله (فضمض) أى غسل فمه (إن له دسما) منصوب على أنه اسم إن، وقدم عليه خبره. ((والدسم،
بفتحتين الشئ الذى يظهر على اللبن من الدهن، وهى بيان لعلة المضمضة من اللبن، فيدل على استحبابها من كل شئ دسم،
ثلا يشغل ما بقى من دسومته فى الفم قلب المصلى عن صلاته، ولينقطع لزوجته ودسمه ويتطهر فمه. ويستنبط منه استحباب
غسل اليدين للتنظيف، قال القارى: مناسبة الحديث للباب، أن المضمضة المذكورة من متمات الوضوء أو مكلاته، انتهى.
أو يقال: أورد الحديث فى هذا الباب لبيان أن شرب اللبن ونحوه مما فيه دسم ليس من نواقض الوضوء، ولا من
موجبات المضمضة التى هى من أركان الوضوء عند أحمد ، ومن سفنه عند غيره (متفق عليه) وأخرجه أيضا الترمذى
وأبو داود والنسائى وابن ماجه، وروى ابن ما جه نحوه عن سهل بن سعد، وأم سلمة وأنس.
٣٠٩ - قوله (وعن بريدة) بضم الموحدة، وفتح الراء، وسكون الياء، وهو بريدة بن الحصيب ، بمهملتين
مصغرا، ابن عبد الله بن الحارث الأسلى، أبو عبد الله، وقيل: أبو سهل، وقيل: غير ذلك. أسلم قبل بدر ولم يشهدها. وبابع بيعة
الرضوان. وشهد خيبر، وفتح مكة. واستعمله النبى معَثيم على صدقات قومه، وسكن المدينة، ثم انتقل إلى البصرة،
ثم إلى مرو، فمات بها سنة (٩٣) فى خلافة يزيد بن معاوية. له مائة وأربعة وستون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد
البخارى بحديثين ، ومسلم بأحد عشر، روى عنه جماعة. وهو آخر من مات بخراسان من الصحابة (صلى الصلوات)
أى الخمس المعهودة (يوم الفتح) أى يوم فتح مكة (لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه) أى لم تكن تعتاده، وإلا فقد ثبت
أنه كان يفعله قبل ذلك أحيانا، فقد فعله بالصهباء أيام خيبر، حين طلب الأزواد فلم يؤت إلا بالسويق ، كما سيأتى فى
حديث سويد. وفى حديث بريدة هذا تصريح بأن الفى مَو كان عادته الوضوء لكل صلاة عملا بالأفضل، ولما كان
وقوع غیر المعتاد يحتمل أن یکون عن سهو ، دفع ذلك الاحتمال ، لعلم أنه جائز له ولغيره (فقال: عمدا صنعته) يعنى بيانا
للجواز، والضمير راجع إلى المذكور، وهو جمع الصلوات الخمس بوضوء واخيد، ((وعمداء تمييز أو. حال من الفاعل»
٦
مرعاة المفاتيح ج٢
٢ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
رواه مسلم.
٣١٠ - (١٠) وعن سويد بن النعمان: أنه خرج مع رسول الله فى عام خيبر حتى إذا كانوا
بالصھبآ۔ ۔ وهی من أدنی خبر۔
قدم اهتماما لشرعية المسئلة فى الدين. وفيه دليل على أن من قدر أن يصلى صلوات كثيرة من الفرائض والنوافل بوضوء واحد
لا تكره صلوته، إلا أن يغلب عليه الأخبثان. وبه قال عامة أهل العلم، وأما قوله تعالى ﴿ إذا قتم إلى الصلاة فاغسلوا
وجوهكم - ٥: ٦) الآية. فالمراد به إذا قتم إلى الصلاة محدثين، قال الألوسى فى روح المعانى (ج ٦: ص ٦٩): ظاهر
الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا، نظرا إلى عموم ﴿الذين آمنوا) من غير اختصاص
بالمحدثين، وإن لم يكن فى الكلام دلالة على تكوبار الفعل ، وإنما ذلك من خارج على الصحيح ، لكن الإجماع على خلاف
ذلك، ثم ذكر حديث بريدة هذا، وقال: فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى إذا قتم إلى الصلاة محدثين ، بقرينة
دلالة الحال، ولأنه اشترط الحدث فى البدل، وهو التيمم، فلو لم يكن له مدخل فى الوضوء مع المدخلية فى التيمم ، لم يكن
البدل بدلا ، وقوله ﴿ظم تجدوا ماء﴾ صريح فى البدلية. وقال بعض المتاخرين: إن فى الكلام شرطا مقدرا، أى إذا
قتم إلى الصلاة فاغسلوا إلخ، إن كنتم محدثين، لأنه يلائمه كل الملائمة عطف ﴿وإن كنتم جنيا فاطهروا) عليه.
وقيل: الأمر الندب، ويعلم الوجوب للحدث بالسنة، واستبعد لإجماعهم على أن وجوب الوضوء مستفاد من هذه الآية
مع الاحتياج إلى التخصيص بغير المحدثين من غير دليل، وأبعد منه أنه ندب بالنسبة إلى البعض ووجوب بالنسبة
إلى آخرين. وقيل: هو الوجوب، وكان الوضوء واجبا على كل قائم أول الأمر ثم نسخ، فقد أخرج أحمد، وأبو داود
وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقى، عن عبد الله بن حنظلة الغسيل: أن رسول الله مزقيم أمر بالوضوء لكل صلاة،
طاهرا كان أو غير طاهر ، فما شق ذلك عليه، أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث، ولا
يعارض ذلك خبر ((أن المائدة آخر القرآن نزولا، إلخ، لأنه ليس فى القوة مثله، حتى قال العراقى: لم أجده مرفوعا،
فهم: الاستدلال على الوجوب على كل الأمة أولا ، ثم نسخ الوجوب عنهم آخرا، بما يدل على الوجوب عليه، عليه
الصلاة والسلام، أولا ونسخه عنه آخرا، لا يخلو عن شئى كما لا يخفى. وأخرج مالك والشافعى وغيرهما ، عن زيد
ابن أسلم: أن تفسير الآية إذا قتم من المضاجع يعنى النوم إلى الصلاة، والأمر عليه ظاهر، انتهى كلام الآلوسى.
ومناسبة الحديث للباب أنه يدل على أن كل ما أريد القيام إلى الصلاة لا يجب الوضوء على ما يتوهم من رواية الآية
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه.
٣١٠ - قوله (وعن سويد) مصغرا (بن النعمان) بضم النون، ابن مالك بن عامر الأنصارى الأوسی المدنى، صحابى،
شهد أحدا وما بعدها ، قال الخزرجى: له سبعة أحاديث ، انفرد له البخارى بحديث المضمضة من السويق ، ما روى عنه
سوى بشير بن ي ار (أنه خرج) فى المحرم سنة سبع (مع رسول الله مَ في عام خيبر) أى عام غزوة خيبر، وهى بلدة معروفة،
غير منصرف للعلمية والتأنيث (حتى إذا كانوا) أى النبي ◌َّ وأصحابه (وهى من أدنى خيبر) أى الصهياء - بفتح المهملة والمد -
٢٧
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
صلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به ثری، فأکل رسول الله {ێے
وأكلنا، ثم قام إلى المغرب، فضمط ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ. رواه البخارى.
( الفصل الثانى )
٣١١- (١١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله: لا وضوء إلا من صوت أوريح. رواه
أحمد، والترمذى.
٣١٢ - (١٢) وعن على، قال: سألت النى وَبِيّ من المذى، فقال: من المذى الوضوء، ومن المنى
الغسل. رواه الترمذى
موضع قريب من خيبر، قيل على بريد منها (ثم دعا بالأزواد) ليصيب من الأزواد من لازاد عنده، والأزواد جمع زاد.
فيه أن حمل الزاد فى السفر لا يقدح فى التوكل. وأخذ المهلب من الحديث أنه يجوز للإمام أن يأخذ المحتكرين بإخراج
الطعام عند قلته ليبيعوه من أهل الحاجة (فلم يؤت إلا بالسويق) وهو ما يحرش من الشعير والخطة وغيرهما (فأمر به)
أى بالسويق (فثرى) أى بل بالماء، بضم الثاء وتشديد الراء، ويجوز تخفيفها (فضمض) فيه أنه يستحب المضمضة وإن لم
يكن له دسومة لاحتباس بقاياه بين الأسنان (ثم صلى ولم يتوضأ) أى من أكل السويق وإن كان مما مسته النار، فقيه دليل
على أن أكل ما مسته النار ليس بناقض للوضوء، وأنه لا يجب الوضوء لكل صلاة مالم يحدث (رواه البخارى) فى الطهارة،
وفى الجهاد، وفى المغازى، وفى الأطعمة، وأخرجه أيضا مالك فى المؤطا فى ترك الوضوء مما مست النار، والنسائى
وابن ماجه فى الطهارة .
٣١١ - قوله (لاوضوء إلا من صوت) إلخ أى لا وضوء واجب إلا من سماع صوت، أو وجدان رائحة ريح
خرجت منه، يعنى من حدث متيقن لا مشكوك، فلا إشكال فى الحصر، لأن المقصود نفى جنس الشك وإثبات اليقين
(رواه أحمد والترمذى) وقال حسن صحيح، وأخرجه أيضا ابن ماجه.
٣١٢ - قوله (من المذى) وفى بعض الفسخ عن المذى، أى سألته عن حكم المذى (من المذى الوضوء) أى واجب
وفيه دليل على أن خروج المذى لا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء (ومن المنى الغسل) هذا من زيادة الإفادة،
ونوع من جواب أسلوب الحكيم، على حد «أتوضأ من ماء البحر، فقال هو الطهور ماء، والحل ميتته)) (رواه الترمذى)
وقال حسن صحيح، وأخرجه أيضا أحمد، وابن ماجه کاهم من طریق یزید بن أبی زیاد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن
على، میزید هذا وثقه أحمد بن صالح المصری، ويعقوب بن سفيان، وقال شعبة : ما أبالی إذا کتبت عن یزید بن أبي زياد
٢٨
١
منعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
٣١٣ - (١٣) وعنه قال: قال رسول اللّه وَّة: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها
التسليم. رواه أبو داود، والترمذى، والدارمى.
أن لا أكتب عن أحد ، وضعفه الأكثرون من قبل أنه لما كبر ساء حفظه، وتغير واختلط ، وصار يتلقن ، فوقعت
المناكير فى حديثه، وجاء بالعجائب، فسماع من سمع منه قبل التغير صحيح، والظاهر أن الترمذى إنما صح حديث يزيد هذا
لأنه لم يخالف فيه أحدا ، بل روى غيره كروايته، فقد روى أحمد وأبو داود والنسائى، والطيالسى من طريق ركين بن
الربيع عن حصين بن قبيصة ، وأحمد أيضا من طريق جواب التيمى عن يزيد بن شريك التيمى ، ومن طريق إسرائيل عن
أبى إسحق، عن هانئ بن هانئى، كلهم عن على بنحوه. وقد صحيح الترمذى حديث يزيد هذا فى مواضع أخرى أيضا، ولعل
ذلك بمشاركة الأمور الخارجة عن نفس السند من اشتهار المتون ونحو ذلك.
٣١٣ - قوله: (مفتاح الصلاة الطهور) بضم الطاء، أى التطهر بالماء أو التراب، وهذا القادر على الطهورين ،
وأما فاقدهما فسيأتى حكمه (وتحريمها التكبير) إلخ أى تحريم ما حرم الله فيها من الكلام والأفعال، وتحليل ما حل خارجها
من الكلام والأفعال، فالإضافة لأدنى ملابسة، وليست إضافة إلى القبول (١) لفساد المعنى، والمراد بالتحريم والتحليل،
المحرم والمحلل، على إطلاق المصدر بمعنى الفاعل مجازا، ثم اعتبار التكبير والتسليم محرما ومحالا مجاز، وإلا فالمحرم والمحلل هو
الله تعالى. ويمكن أن يكون التحريم بمعنى الإحرام، أى الدخول فى حرمتها ولا بد من تقدير مضاف أى آلة الدخول
فى حرمتها التكبير، وكذا التحليل بمعنى الخروج عن حرمتها، والمعنى أن آلة الخروج عن حرمتها التسليم. والحديث
كما يدل على أن باب الصلاة مسدود ليس للعبد فتحه إلا بطهور، كذلك يدل على أن الدخول فى حرمتها لا
يكون إلا بالتكبير، والخروج لا يكون إلا بالتسليم، وهو مذهب الجمهور. وارجع لتفصيل الاختلاف فى مسئلتى التكبير
والتسليم مع الدلائل إلى شرح الترمذى لشيخنا العلامة المباركفورى، والمغنى لابن قدامة المقدسى (رواه أبو داود
والترمذى) إلخ. وأخرجه أيضا الشافعى وأحمد والبزار وابن ماجه، وصححه الحاكم وابن السكن، كلهم من حديث
عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن ابن الحنفية عن على. وابن عقيل هذا قد تكلم فيه بعضهم ، والراجح أن حديثه فى مرتبة
الحسن، كما صرح به الذهبى فى الميزان، لحديث على هذا من طريق ابن عقيل، حسن صالح للاحتجاج، وقد سكت عنه
أبو داود. وقال الترمذى: هذا أصح شتى فى هذا الباب وأحسن ، ونقل المذری قول الترمذى وأقره. وقال النووى فى
الخلاصة: هو حديث حسن انتهى. وفى الباب عن جابر، وهو أول أحاديث الفصل الثالث من كتاب الطهارة. وعن
أبى سعيد أخرجه الترمذى فى الصلاة، وابن ماجه فى الطهارة ، وفيه أبو سفيان طريف السعدى، وهو ضعيف.
وفى الباب أيضا عن عبد الله بن زيد، وابن عباس، وغيرهما، ذكر أحاديثهم الحافظ فى التلخيص، والزيلمى فى
نصب الراية.
(١) كذا فى حاشية ابن ماجه السندهى من الطبعتين العلمية والتازية وليحرر.
٢٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
٣١٤ - (١٤) ورواه ابن ماجه عنه، وعن أبى سعيد.
٣١٥ - (١٥) وعن على بن طلق، قال: قال رسول اللّه مَ بقى: إذا فسا أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا
النساء فی أعجازهن. رواه الترمذى، وأبو داود.
٣١٦ - (١٦) وعن معاوية بن أبى سفيان، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
٣١٥ - قوله (وعن على:، طلق) بفتح الطاء وسكون اللام وبالقاف، هو على بن طلق بن المنذر بن قيس الحنفى
السحيمى اليمامى، صحابى، له ثلاثة أحاديث، قاله الخزرجى. وقال الحافظ فى التهذيب: روى عن النبى مَّم فى الوضوء
من الريح وغير ذلك، وعلى بن طلق هذا، هو والد طلق بن على (إذا فسا أحدكم) أى خرج من دبره الريح بلا صوت
يسمع، سواء تعمد خروجه أو لم يتعمد (فليتوضأً) هذا لفظ الترمذى، ورواه أبو داود بلفظ «إذا فسا أحدكم فى الصلاة
فلينصرف، فليتوضأ، وليعد الصلاة)) وقد ذكره المصنف بهذا اللفظ من حديث طلق بن على فى باب ما لا يجوز من
العمل فى الصلاة. ويأتى هناك بسط الكلام فى معناه. واللفظ المذكور هنا يدل على أن خروج الريح من الدبر ناقض
الوضوء (ولا تأتوا النساء) أى لا تجامعوهن (فى أعجازهن) جمع عجز بفتح العين وضم الجيم، أى أدبارهن، ووجه
المناسبة بين الجملتين أنه لما ذكر الفساء الذى يخرج من الدبر ويزيل الطهارة والتقرب إلى الله، ذكر ما هو أغلظ منه فى
رفع الطهارة زجرا وتشديدا (رواه الترمذى) فى الرضاع من أبواب النكاح من طريقين، حسن إحداهما ولم يحكم على
الطريق الأخرى بشتى (وأبو داود) فى الطهارة والصلاة، وسكت عنه، ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره ، وأخرجه
أيضا أحمد (ج ١، ص ٨٦) والنسائى فى السنن الكبرى، والدار قطنى. واعلم أنهم اختلفوا فى أن هذا الحديث من رواية
على بن طلق، أو طلق بن على، أو على بن أبى طالب ، أو طلق بن يزيد؟ وأن على بن طلق ، وطلق بن على رجلان من
أصحاب النبي ◌ٍَّ أو اسم لذات واحدة؟ والظاهر أن على بن طلق وطلق بن على رجلان ، وأن هذا الحديث من رواية على
ابن طلق، وليس من رواية طلق بن على ، ولا على بن أبى طالب، ولا طلق بن يزيد ، ونبسط الكلام فى ذلك إن شاء
اللّه فى باب ما لا يجوز من العمل فى الصلاة.
٣١٦ - قوله (وعن معاوية بن أبى سفيان) قد تقدم ترجمة معاوية، وأما والده أبو سفيان فهو صخر بن حرب
ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموى القرشى، صحابى شهير، ولد قبل الفيل بعشر سنين، كان من أشراف قريش فى
الجاهلية، وكان رئيس المشركين يوم أحد، ورئيس الأحزاب يوم الخندق، أسلم زمن الفتح، ولقى النبى مَثّهم بالطريق
قبل دخول مكة ، وشهد حنينا والطائف، وأعطاه النبي ◌َّه من غنائم حنين مائة بعير وأربعين أوقية فيمن أعطاه من
المؤلفة قلوبهم. وفقئت عينه يوم الطائف، فلم يزل أعور إلى يوم اليرموك، فأصاب عينه حجر فعميت. له أحاديث،
٣٠
-
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
إنما العينان وكاء السه، فإذا نامت العين استطلق الوكاء. رواه الدارمى.
٣١٧ - (١٧) وعن على، قال: قال رسول اللّه مَّ: وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ. رواه أبوداود.
٣١٨ - (١٨) وقال الشيخ الإمام محى السنة، رحمه الله: هذا فى غير القاعد، لما صح عن أنس،
وعند البخارى ومسلم وأبي داود والترمذى والنسائى حديث هرقل، توفى سنة (٣٢) وقيل (٣٤) (إنما العينان) أى اليقظة ،
وكنى بالعين عن اليقظة، لأن النائم لاعين له تبصر (وكاء السه) بفتح السين وتخفيف الهاء، حلقة الدبر، أو هو من أسماء الدبر،
وهو من الإست، وأصله سته كفرس، وجمعه أستاه، حذفت الهاء وعوضت الهمزة، فإذا ردت ماء، وحذفت تاء.
حذفت الهمزة نحوسه، والوكاء بكسر الواو والمد: ما يشد به رأس القربة ونحوها، جعل اليقظة للإست كالوكاء القربة ،
كما أن القربة ما دامت مربوطة بالوكاء باختيار صاحبها كذلك الاست ما دام محفوظا بالعين أى اليقظة باختيار الصاحب،
والمعنى أن اليقظة وكاء الدبر، أى الحافظة لما فيه من الخروج، لأنه ما دام مستيقظا أحس بما يخرج منه، فإذا نام زال
الضبط. فإن قيل: النوم ليس بحدث وأنتم أو جبتم الوضوء باحتمال خروج ريح، والأصل عدمه، فلا يجب الوضوء
بالشك. قلنا: النائم غير متمكن يخرج منه الريح غالبا، فأقام الشارع منها مقام اليقين ، كما أقام شهادة الشاهدين التى تفيد
الظن مقام اليقين فى شغل الذمة (فإذا نامت العين) أى جنسها (استطلق الوكاء) أى انحل (رواه الدارمى) وأخرجه.
أيضا أحمد وأبو يعلى والطبرانى فى الكبير، والدارقطنى والبيهقى كلهم من حديث أبى بكر بن أبي مريم ، عن عطية بن
قیس، عن معاوية. وأعل بوجهين، أحدهما الكلام فى أبى بكر بن أبي مريم، فقد ضعفه أحمد وأبو حاتم وأبو زرعة، وقال
الهيشمى: هو ضعيف لاختلاطه. وقال الحافظ: ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط. والثانى أن مروان بن جناح
رواه عن عطية بن قيس، عن معاوية موقوفا. هكذا رواه ابن عدى، وقال: مروان أثبت من أبى بكر بن أبي مريم.
٣١٧ - قوله (وكاء السه العينان) يعنى إذا تيقظ الإنسان أمسك ما فى بطنه، فإذا نام زال اختياره،
واسترخت مفاصله ، فلعله يخرج منه ما ينقض طهره. وحديث على هذا ، وحديث معاوية المتقدم ، يدلان على أن
نقض الطهارة بالنوم ليس لنفسه، بل لأنه مظنة خروج ما ينتقض الطهر به، ولذلك خص عنه نوم ممكن المقعد من الأرض
(رواه أبو داود) وسكت عنه، وأخرجه أيضا ابن ماجه، والدار قطنى، وهو عند الجميع من رواية بقية بن الوليد عن
الوضين بن عطاء. وبقية، صدوق، كثير التدليس. والوضين، قال الجوزجاني: واه، وأنكر عليه هذا الحديث، وقال
الحافظ: صدوق، سعى الحفظ، ووثقه عبد الرحمن بن إبراهيم وابن معين وأحمد ، وقال ابن عدى: لم أربحديثه بأسا.
وقد حسن حديث على هذا، المنذرى وابن الصلاح والنووى. وقال أحمد: حديث على أثبت من حديث معاوية. وقد
ضعف الحديثين أبو حاتم ، وقال الحافظ فى بلوغ المرام : فى كلا الاسنادين ضعف.
٣١٨ - قوله (هذا) أى هذا الحكم (فى غير القائد) من النائمين يعنى هذا فيمن نام مضطحعا أو مستلقيا على قفاه،
٣١
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
قال: كان أصحاب رسول اللّه مَّ ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤسهم، ثم يصلون ولا يتوضون.
رواه أبو داود والترمذى، إلا أنه ذكر فيه ((ينامون)) بدل ((ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤسهم)).
٣١٩ - (١٩) وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول اللّه مَ له: إن الوضوء على من
نام مضطجعا ، فإنه إذا اضطجع استرخت
فأما من نام قاعدا ممكنا مقعده من الأرض ثم استيقظ ومقعده ممکن کما كان ، فلا يبطل وضوء، وهو قول الشافعی فی
الجديد (ينتظرون العشاء) أى صلاتها بالجماعة فينامون جالسين (حتى تخفق) أى تميل وتتحرك (رؤسهم) من النوم
من الخفوق وهو الاضطراب، وقيل المعنى: حتى تسقط أذقانهم على صدورهم. وتخفق بفتح التاء وكسر الفاء من ضرب
(ثم يصلون) بذلك الوضوء (ولا يتوضون) وضوء اجديدا (رواه أبو داود والترمذى) وقال حديث حسن صحيح. وأخرجه
أيضا الشافعى فى الأم، وأحمد، وصحه الدارقطنى والنووى، وأصله فى مسلم كما سيأتى (إلا أنه) أى الترمذى (ذكر فيه)
أَىُّ في حديثه (ينامون) أى قاعدين، ورواية الترمذى هذه موافقة لرواية مسلم، وكأن المصنف ذهل عن رواية مسلم
حيث لم يتعرض لها. وحديث أنس هذا قد نزله أكثر الناس كالبغوى على نوم الجالس. ودفع هذا التأويل بأن فى
رواية أنس عند البزاروایی یعلی «يضعون جنوبهم). قال الهيشمى: رجالهما رجال الصحيح، لگن رواه أحمد بن حنبل عن
يحيى القطان بسنده، والترمذى عن بندار عنه بدون هذه الزيادة ، وقيل يحمل على النوم الخفيف، فإن وضع الجنب
لا يستلزم النوم الكثير المستغرق، وكذا الغطيط والإيقاظ، فإنه قد يغط من هو فى مبادى نومه قبل استغراقه، وكذا
الايقاظ قد يكون لمن هو فى مبادى النوم، فينبه ثثلا يستغرقه. وبالجملة حديث أنس هذا يدل على أن يسير النوم لا
ينقض الوضوء.
٣١٩ - قوله (إن الوضوء) أى وجوبه (على من نام مضطجعا) كذا فى جميع النسخ المشكاة بلفظ «إن الوضوء»
الخ. وكذا وقع فى المصابيح، ورواه الترمذى بلفظ «إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطبعا)، وأبو داود بلفظ.
((إنما الوضوء على من نام مضطجعا)، وفى كلتا الروايتين القصر على أنه لا ينقض الوضوء إلا نوم المضطجع لا غير ولو
استغرقه النوم، بخلاف اللفظ الذى ذكره المصنف عن المصالح، فإنه لا يدل على القصر، فالجمع بين حديث ابن عباس
هذا على ما رواه الترمذى وأبو داود، وبين حديث أنس عند البزاروأبي يعلى وغيرهما بلفظ ((يضعون جنوبهم، إن ثبتت
هذه الزيادة: أن حديث ابن عباس خرج على الأغلب، فإن الأغلب على من أراد النوم الاضطجاع، فلا معارضة. وقال
الزرقانى: هذا ونحوه محمول عند مالك على ما إذا كان النوم ثقيلا - انتهى (فإنه إذا اضطجع استرخت) أى فترت
٣٢
٢
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
مفاصله. رواه الترمذى وأبو داود.
وضعقت ولانت (مفاصله) جمع مفصل، وهو رؤس العظام والعروق، يعنى أن الاضطجاع سبب لاسترخاء المفاصل فلا
يخلو عن خروج شئ من الريح عادة، أى هو من عادة النائم المضطجع، والثابت بالعادة كالمتيقن به. واعلم أنه اختلف
الناس فى انتقاض الوضوء بالنوم على أقوال ثمانية، ذكرها النووى فى شرح مسلم، وتبعه غيره، وهذه الأقوال ترجع إلى
ثلاثة: الأول أن النوم ينقض الوضوء مطلقا على كل حال قليله وكثيره. والثانى أنه لا ينقض مطلقا. والثالث الفرق بين
قليل النوم وكثيره، وهو قول فقهاء الأمصار، والصحابة الكبار، والتابعين، وهو قول الأئمة الأربعة، وهذا هو الحق،
فالنوم ليس بحدث أى ليس بناقض للوضوء بنفسه، بل لأنه سبب لاسترخاء المفاصل الداعى للخروج عادة. ثم اختلف
هؤلاء فى بيان قدر القليل والكثير، وتحديد النوم المعتبر فى نقض الوضوء، وتعيين المقدار الذى يكون سيا لاسترخاء
المفاصل ولا يبقى فيه الشعور والإحساس ويغلب فيه العقل، على أقوال كثيرة ليس هذا محل بسطها ، إن شئت
الوقوف عليها فارجع إلى شرح مسلم النووى، وشرح التر مذى لابن العربى، والمغنى لابن قدامة المقدسى. والراجح عندى:
أن النوم المستغرق الذى لا يبقى معه إدراك ناقض سواء كان من المضطجع والمستلق، أو غيرهما، فالاستغراق والغلبة
على العقل هو الملاك عندى، فإذا حصل ذلك انتقض الوضوء على أى هيئة كان النائم، ولا يقصر الحكم على هيئة
الاضطجاع كما يدل عليه حديث ابن عباس، فإنه ضعيف، ولا ينقض الوضوء بنوم المضطجع إن كان النوم غير مستغرق
(رواه الترمذى وأبو داود) كلاهما من طریق یزید بن عبد الرحمن أبى خالد الدالانی، عن قتادة، عن أبى العالية ، عن ابن
عباس، ولم يحكم الترمذى علیه بشئ من الصحة والضعف إلا قوله «إن سعيد بن أبىعروبة رواه عن قتادة، عن ابن عباس
قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولم يرفعه، وهو حديث ضعيف، ضعفه الترمذى فى العل المفرد، والبخارى وأحمد بن
حبل والدار قطنى والمنذرى والبيهقى وأبو داود والبغوى وغيرهم. قال أبو داود: قوله «الوضوء على من نام مضطجعا))
هو حديث منكر ، لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالانى عن قتادة. وروى أوله جماعة عن ابن عباس ، لم يذكروا شيئا من
هذا، وقال يعنى ابن عباس، أو الراوى عنه: وكان النبي ◌َّم محفوظا. وقالت عائشة: قال النبي ◌َّ: تنام عيناى
ولا ينام قلبى. وقال شعبة: إنما سمع قنادة عن أبى العالية أربعة أحاديث ، يعنى وليس منها حديث يزيد أبى خالد الدالافى
فيكون منقطعا. قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالانى لأحمد بن حنبل فانتهرنى استعظاما له ، فقال: ما ليزيد
الدالانى يدخل على أصحاب قنادة ولم يعبأ بالحديث؟. وقال البيهقى: تفرد بهذا الحديث على هذا الوجه يزيد بن عبد الرحمن
أبو خالد الدالانى. قال الترمذى يعنى فى العلل المفرد: سألت البخارى عن هذا الحديث فقال: هذا لا شئ. ورواه
ابن أبى عروبة، عن قنادة، عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولا أعرف لأبى خالد الدالانى سماعا من قتادة ، وقال
المنذرى: قال أبو التاسم البغوى: يقال إن قنادة لم يسمع هذا الحديث من أبى العالية. وقال الدار قطنى : تفرد به یزید
الدالانى عن قتادة ولا يصح. وذكر ابن حبان أن يزيد الدالانى كان كثير الخطأ ، فاحش الوهم ، يخالف الثقات فى
٣٣
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء.
٣٢٠ - (٢٠) وعن بسرة، قالت: قال رسول اللّه مح لل: إذا مس أحدكم ذكره، فليتوضأ. رواه
مالك وأحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه والدارمى .
الرواية حتى إذا سمعها المبتدئى فى هذه الصناعة على أنها معلولة أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج بها إذا وافق الثقات فكيف إذا انفردعنهم
بالمعضلات. وذكر أبو أحمد الكراسى، الدالافى هذا فقال: لا يتابع فى بعض أحاديثه. وسئل أبو حاتم الرازى عن الدالافى هذا
فقال: صدوق ثقة. وقال أحمد بن حنبل: يزيد لا بأس به. وقال ابن معين والنسائى: ليس به بأس. وقال البيهقى:
فأما هذا الحديث فإنه قد أنكره على أبى خالد الدالانى جميع الحفاظ ، وأنكر سماعه من قنادة أحمد بن حنبل، والخارى
وغيرهما. ولعل الشافعى وقف على علة هذا الأثر حتى رجع عنه فى الجديد، هذا آخر كلامه. ولو فرض استقامة
حال الدالانى، كان فيما تقدم من الانقطاع فى إسناده ومخالفة الثقات ما يعضد قول من ضعفه من الأئمة - انتهى كلام
المنذرى. والحديث الذى أشار إليه أبو داود فى كلامه أنه رواه جماعة عن ابن عباس ولم يذكروا فيه شيئا ما انفرد به
الدالانى، هوما رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن عباس، قال: بت عند خالتى ميمونة فقام النبي ◌َّم من الليل، وفيه
,ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة فقام فصلى ولم يتوضأ ، وهذا هو الصحيح، وكون حديث
يزيد أبى خالد الدالانى ضعيفا هو الراجح عندى، ولا ينجبر ضعفه بماله من الطرق والشواهد، وإن جنح إليه العلامة
الشوكانى، وعليك أن ترجع للوقوف على تفصيل الكلام فى حديث بن عباس هذا إلى عون المعبود (ج ١: ص ٨٠)
والتلخيص الجير .
٣٢٠ - قوله (وعن بسرة) بضم الموحدة وسكون المهملة، ابنة صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى القرشية
الأسدية صحابية، لها سابقة وهجرة قديمة ، عاشت إلى ولاية معاوية، لها أحد عشر حديثا، روى عنها عبد الله بن عمرو بن
العاص، وعروة، وأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ولها صحبة، ومروان، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن
المسيب ، قال مصعب: كانت من المبايعات، وكانت أخت عقبة بن أبي معيط لأمه (إذا مس أحدكم) أى بيده من غير
حائل لما سيأتى من حديث أبى هريرة (فليتوضأ) أى وضوءه للصلاة كما فى حديث ابن عمر عند الدار قطنى، وحديث
بسرة عند ابن حبان. والحديث فيه، أن مس الرجل ذكره بيده ناقض للوضوء، والمراد مسه من غير حائل بيطن
الكف كان أو بظهره، وهو أى انتقاض الوضوء بمس الذكر قول جماعة من الصحابة والتابعين، ومن أئمة المذاهب أحمد
والشافعى، وهو المشهور من مذهب مالك، وكذلك مس المرأة فرجها، لما روى أحمد والبيهقى من حديث عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده مرفوعا ((أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فتوضأ، قال الترمذى فى العلل عن
البخارى: هو عندى صحيح. وهو صريح فى عدم الفرق بين الرجل والمرأة (رواه مالك) إلخ. وأخرجه أيضا الشافعى
فى الأم ، وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والبيهقى، وصححه أحمد والبخارى وابن معين والترمذى،
٣٤
مرعاة المفاتيح ج٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
٣٢١ :- (٢١) وعن طلق بن على، قال: سئل رسول اللّه مؤ تم عن مس الرجل ذكره بعد ما
يتوضأ. قال: وهل هو إلا بضعة منه.
وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره، وصححه أيضا الدار قطنى وابن خزيمة وابن حبان وابن
السكن والحاكم والبيهقى وابن عبد البر وأبو حامد بن الشرقى والحازمى والنووى والحافظ وآخرون، وضعفه الطحاوى
وحده، وهو مندفع كما سيأتى، ولم يثبت عن ابن معين تضعيفه، قاله ابن الجوزى .
٣٢١ - قوله (وعن طلق بن على) بن طلق بن عمرو، ويقال: ابن على بن المنذر بن قيس بن عمرو الحنفى السحيمى
الپامی، یکنی أباعلی. وفد على النی (ێے، و عمل معه فى بناء المسجد، وروىعنه، وله أربعةعشر حديثا،روى عنه ابنه قیس،
وابنته خالدة، وعبد الله بن بدر، وعبد الرحمن بن على بن شيبان (هل هو إلا بضعة) بفتح الموحدة، أى قطعة لحم، وقد تكسر الباء
أيضا فىهذاالمعنی كمافى النهاية واللسان (منه) أیمن الرجل، وفىبعض النسخ («منك، و کذا وقع فىروايةالنسائى،یعنی فهو کمس
بقية أعضاء، فلا ينتقض الوضوء بمسه. والحديث دليل على ما هو الأصل من عدم نقض مس الذكر للوضوء، وإليه
ذهبت الخفية ، وأجابوا عن حديث بسرة بأجوبة تزيد على عشرة، كلها واهية مردودة، ذكر خمسة منها شيخنا فى شرح
الترمذى مع الرد عليها وهاك بقيتها قالواحديث بسرة من رواية عروة، عن مروان، وهو مطعون فى عدالته لفسقه،
أو عن حرسه، وهو مجهول واجيبعنه بما قال عروة : کان مروان لا یتهم فى الحديث ، وقد روى عنه سهل بن سعد
الصحابى، واعتمد مالك على حديثه، واحتج به البخارى فى صحيحه ، فهو من رجال المؤطا والبخارى ، وقد أخذ عروة
منه هذا الحديث قبل أن يبدو منه ما بدا من الفسق والخلاف على ابن الزبير، قال ابن حزم: لا نعلم لمروان شيئا يجرح
به قبل خروجه على ابن الزبير، وعروة لم يلقه إلا قبل خروجه على أخيه، وأيضا قد ثبت أن عروة سمعه من بسرةمن غير واسطة،
كما جزم به ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم من أئمة الحديث، وارجع للتفصيل إلى التلخيص (ج ١: ص ٤٥)
والمستدرك الحاكم (ج ١: ص ١٣٧) وتعليق الترمذى للشيخ أحمد محمد شاكر. وعدم إخراج الشيخين حديث بسرة
فى صحيحيهما لا يدل على أنه لم يثبت عندهما سماع عروة من بسرة، فكم من حديث صحيح متصل على شرطهما لم يخرجاه فى
صحيحيهما ولم يرد ابن المدينى على يحيى بن معين قوله فى مناظرته «ثم لم يقنع ذلك عروة حتى أتى بسرة فسألها وشافهته
بالحديث، وأقره عليه أحمد وصوبه ، فدل ذلك على أن سماع عروة من بسرة ثابت عند هؤلاء الأئمة الثلاثة ولذا صرح
أحمد وابن معين حديث بسرة. وقالوا: حديث بسرة مضطرب الإسناد، فرواه بعضهم عن عروة عن مروان عن
بسرة ، وبعضهم عن عروة عن بسزة ، من غير واسطة مروان وفيه أن هذا الاختلاف ليست علة يضعف بها الحديث
لأن الحديث سمعه عروة أولا من مروان عن بسرة، ثم أتى بسرة فشافهته بالحديث وسمعه منها من غير واسطة وكان الرواة
يسمعونه منه ويرويه عنهم غيرهم، فتارة يجعلونه عن عروة عن مرؤان عن بسرة، وتارة يجعلونه عن عروة عن بسرة، وهذا كما
٣٥
١
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
ترى ليس باختلاف يقدح فى صحة الحديث وقالوا: إن هشام بن عروة الراوى له عن أبيه لم يسمعه من أبيه كما تدل عليه رواية
الطبرانى وفيه أن رواية أحمد والترمذى والحاكم صريحة فى أن هشاما سمعه من أبيه، ثم لو صحت هذه العلة ما أثرت، لأن غير هشام
من الثقات رواه سماعا من عروة، وهو عبد الله بن أبى بكر بن محمدبن عمرو بن حزم، وأبوه أبوبكر، كما تدل عليه رواية مالك
وأحمد وابن الجارود. وقالوا: الحديث يروى عن امرأة، والحكم متعلق بالرجال فكيف تختص بروايته النساء وفيه
أنه لم يختص النساء بروايته كما سيأتى. وقالوا: المسلة التى تعم بها البلوى لا يعتبر فيها خبر واحد لا سيما مثل هذا الخبر.
وفيه أن هذه القاعدة التى اخترعها الحنفية لرد الأحاديث الصحيحة باطلة، قد أبطلها الشوكانى فى إرشاد الفحول (ص ٤٩)
وابن حزم فى الاحكام فى أصول الأحكام (ج ٢: ص ١٢، ٢٠) وابن قدامة فى جنة المناظر (ج ١: ص ٣٢٧) فارجع
إلى تلك الكتب. ولو سلمت هذه القاعدة ، فالحديث ليس من أخبار الأحاد، بل هو أشهر من حديث الوضوء بالنيذ،
رواه سبعة عشر من الصحابة. وقالوا: على تسليم صحته لا حبة فيه، لأنه متروك الظاهر عند الكل إجماعا فإن المس
لغة مطلق فما قيدوه من القيود بالشهوة، أو يباطن اليد، أو بعدم الحائل، أو نحو ذلك، تقييدات لإطلاق الحديث،
وصريح فى أنهم أيضا لا يقولون بالحديث. وفيه أن المراد بالمس، المس باليد، سواء كان باطنها أو بظهرها، لكن من
غير حائل ، يدل على ذلك حديث أبى هريرة الآتى ، والروايات يفسر بعضها بعضا ، فقد قلنا بأحاديث الباب، وعملنا بها
وأما القيود الأخرى مما ذكرها فقهاء الشافعية وغيرهم ، فلا نلتفت إليها، لأنها لا أثر لها فى الأحاديث وقالوا: اضطرب
القائلون بانتقاض الوضوء فی مصداق حديث بسرة على أقوال کثیرة،وفروع مختلفة، تبلغ إلی قریب من أربعین، بسطها
ابن العربى فى شرح الترمذى، واختلافهم فى مصداق الرواية الواحدة يورث الشبهة فى الاحتجاج بها ، فإنه يدل على أنه
لم يتحقق عندهم ، ولم يتعين محمل الحديث ، فلو صح الحديث وثبت ترجحه على حديث طلق فجمل أيضا ، لم يظهر مراد.
عند القائلين به، ولا خلاف بين القائلين بعدم النقض و فيه أن معنى الحديث بين، ومصداقه ظاهر ، و محله متعین، لكن
عند المنصف الذى يحب السنة وصاحبها، وأما المتعسف الذى يتحيل لود الأحاديث الصحيحة والسنن الثابتة فهو يتشبث
بمثل هذه الأعذار الواهية الباطلة أبدا ، ولا عبرة عندنا باختلاف الشافعية والمالكية وغيرهم فى بيان معنى الحديث،
والتفريع عليه بآرائهم وعقولهم، وبالجملة، الحديث ليس بمجمل بل هو بين المعنى. وقالوا: يحتمل أن يكون مس الذكر
كناية عن الاستطابة بعد البول ، لأنه غالبا يرادف خروج الحدث، فعبر به عنه ، ومثل هذا من الكنايات کثیر فیا
يستقبح التصريح بذكره. وفيه أن هذا الاحتمال بعيد جدا ، بل هو باطل، يرده حديث أبى هريرة الذى ذكره المصنف،
وأيضا لم يخطر هذا الاحتمال بيال أحد من الصحابة والتابعين وغيرهم من السلف ، ولم يقل به أحد منهم ، بل حمله جميعهم
على ظاهر معناه الذى يتبادر إليه الذهن. وقالوا: هو مفيد بما إذا خرج منه شئ وفيه أنه لا دليل على هذا التقييد فهو
مردود على قائله وقالوا: مفعول المس محذوف، تركه استهجانا بذكره، والمعنى ((من مس ذكره بفرج امرأته فليتوضأ،
إقامة للداعى والسبب مقام المدعو والمسبب، فإن النقاء الختانين داع إلى خروج شئى، ونفسه يتغيب عن البصر، فأدير
الأمر على المس احتياطا وتيسيرا. وفيه أنه تحريف معنوى للحديث، يرده حديث أبى هريرة الآتى بلفظ ((أفضى يده»
٣٦
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
رواه أبو داود والترمذى والنسائى، وروى ابن ماجه نحوه.
٣٢٢ - (٢٢) وقال الشيخ الإمام محى السنة: هذا منسوخ، لأن أبا هريرة أسلم بعد قدوم طلق،
وقد روى أبو هريرة عن رسول الله ێے، قال : إذا أفضی أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينها شئی
قال بعضهم: هو رواية بالمعنى على ما فهم الراوى من معنى حديث بسرة. وفيه أن دعوى كون رواية أبى هريرة هذه
بالمعنى تمشية الذهب يمجها العقل والسمع ، فإنه يرتفع بذلك الأمان والوثوق بالروايات ، قال هذا البعض: ويمكن أن
يأول حديث أبى هريرة بأن المعنى أوصل ذكره يده إلى فرج امرأته، فإن الإنضاء يستدعى مفعولا، واليد ليست إلا آلة.
وهذا كما ترى أضحوكة لا حاجة إلى ردها لأنها أظهر فى تحريف الحديث من كل ما قالوا فى تأويل حديث بسرة.
وقالواالأمر فى حديث بسرة محمول على الاستحباب، قال بعضهم: هذا يغنينا عن ارتكاب تكلف. وفيه أن الأصل فى
الأمر الوجوب ، وأیضا یرده حديث أبى هريرة عند أحمد بلفظ «من أنضی یدہ إلی ذکره ليس دونه ستر فقد وجب
عليه الوضوء، ويرده أيضا حديث عائشة عند الدار قطنى «ويل للذين يمسون فروجهم ولا يتوضؤن، فإن دعاء الشر لا
يكون إلا بترك واجب (رواه أبو داود والترمذى والنسائى) أى بهذا اللفظ المذكور، وأخرجه أيضا أحمد ،
والدار قطنى وابن الجارود والبيهقى وصححه عمرو بن على الفلاس وعلى بن المدين والطحاوى وابن حبان والطبرانى
وابن حزم، وضعفه الشافعى وأبو حاتم وأبو زرعة والدار قطنى والبيهقى وابن الجوزى. والراجح أن حديث طلق هذا
لا ينحط عن مرتبة الحسن، وحديث بسرة أصح وأثبت وأرجح من حديثه، لأن حديث طلق لم يحتج الشيخان بأحد من
رواته، وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته، وأرجح أيضا لكثرة طرقه وصحتها ، ولكثرة منن صححه من
الأئمة كما تقدم ، ولكثرة شواهده، فقد روى نحوه ثمانية عشر صحابيا، ومنهم طلق بن على راوى حديث عدم النقض ،
ذكر تخريج أحاديثهم الحافظ فى التلخيص (ج ١: ص ٤٥، ٤٦) ولأن بسرة حدثت به فى دار المهاجرين والأنصار
وهم متوافرون، ولم يدفعه أحد، بل علينا أن بعضهم صار إليه، ولرجحانه على حديث طلق وجوه أخرى لا تخفى على
من له خبرة بوجوه الترجيح، واطلاع على طرق حديث بسرة وحديث طلق (وروى ابن ماجه نحوه) أى بمعناه وهو
((أنه سئل رسول مَّل عن مس الذكر، فقال: ليس فيه وضوء إنما هو منك)).
٣٢٢ - قوله (هذا) أى ما رواه طلق بن على (منسوخ) وكذا ادعى النسخ ابن حبان، والطبرانى، وابن
العربى، والحازمى، وآخرون (لأن أبا هريرة أسلم) عام خيبر فى السنة السابعة (بعد قدوم طلق) من اليمن، وذلك فى
السنة الأولى من الهجرة حينما كان النبي تَّم بنى المسجد، فكان خبر أبى هريرة بعد خبر طلق لسبع سنين (إذا أفضى)
أى أوصل (أحدكم يده) الباء للتعدية (ليس بينه وبينها) أى بين ذكره وبين يده (شئى) أى حائل من الثياب أو غيرها
٣٧
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
فليتوضأ. رواه الشافعى والدار قطنى.
٣٢٣ - (٢٣) ورواه النسائى عن بسرة، إلا أنه لم يذكر ((ليس بينه وبينها شى)).
٣٢٤ - (٢٤) وعن عائشة، قالت: كان النبي ◌ُّ يقبل بعض أزواجه ثم يصلى ولا يتوضأ.
(فليتوضأ) أى وضوءه للصلاة (رواه الشافعى والدار قطنى) وأخرجه أيضا البزار كلهم من طريق يزيد بن عبد الملك،
وقد ضعفه أكثر الناس ، ووثقه ابن سعد ، وابن معين فى رواية ، وأخرجه أحمد وابن حبان فى صحيحه والحاكم والبيهقى
والطبرانى فى الصغير من طريق نافع بن أبى نعيم، وفيه (فقد وجب عليه الوضوء، بدل قوله ((فليتوضأ)) قال ابن حبان:
هذا حديث صحيح سنده ، عدول نقلته، وصححه الحاكم وابن عبد البر، وقال ابن السكن: هو أجود ما روى فى هذا الباب.
٣٢٣ - قوله (ورواه النسائي عن بسرة) أى وهى متأخرة الإسلام وفيه أن الأمر بالعكس فإنها قديم هجرتها
وصحبتها، كما قال الحازمى وغيره، ولو سلم ذلك لم یکن دليلا کتأخر إسلام أبى هريرة و صحته على نسخ حديث طلق. قال
الشوكانى فى النيل: وأيدت دعوى النسخ بتأخر إسلام بسرة وتقدم إسلام طلق، ولكن هذا غير دليل على النسخ عند المحققين
من أئمة الأصول - انتهى. وقال ابن حزم فى المحلى (ج ١: ص ٢٣٩): هذا أى حديث طلق خبر صحيح إلا أنهم لا حجة لهم
فيه لوجوه: أحدها أن هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء من مس الفرج، هذا لا شك فيه ،
فإذ هو كذلك لحكمه منسوخ يقينا حين أمررسول الله عزته بالوضوء من مس الفرج، ولا يحل ترك ما تيقن أنه ناسخ،
والأخذ بما تيقن منه أنه منسوخ. وثانيها أن كلامه عليه السلام ((هل هو إلا بضعة منك)) دليل بين على أنه كان قبل
الأمر بالوضوء منه، لأنه لو كان بعده لم يقل عليه السلام هذا الكلام ، بل كان يبين أن الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا
يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلا، وأنه كسائر الأعضاء - انتهى. وعندنا: القول بترجيح حديث بسرة أحسن
من القول بالنسخ والتضعيف ، وقد تقدمت وجوه ترجيح حديثها على حديث طلق.
٣٢٤ - قوله (ولا يتوضأ) فيه دليل على أن القبلة وهى أقوى من المس المجرد ولا تخلوعادة من مس بشهوة،
لا تنقض الوضوء، وهذا هو الأصل، والحديث مقرر للأصل، وهو القول المعول عليه، الراجح عندنا، وبدل عليه
أیضا ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: کنت أنام بین یدی رسول الله ړٹے ورجلای فی قبلته ، فإذا سجد
خزنی، فقبضت رجلی ۔ الحديث. واعتذار الحافظ فى الفتح عن حديثها هذا ، بأنه يحتمل أنه بحاثل ، أو أنه خاص به ،
تكلف ومخالفة للظاهر، لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، واحتمال الحائل لا يفكر فيه إلا مقلد متعصب لإمامه. وما
رواه النسائى عنها قالت: إن كان رسول اللّه مَّ ليصلى. وإنى لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن
يؤتر مسنى برجله. قال الحافظ فى التلخيص: إسناده صحيح. وقال الزيلعى فى نصب الراية: إسناده على شرط الصحيح.
وما رواه مسلم والترمذى عنها، قالت: فقدت رسول الله تر فيه ليلة من الفراش فالتمسته، فوضعت يدى على باطن قدميه
٣٨
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
رواه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه. وقال الترمذى: لا يصح عند أصحابنا بحال إسناد
عروة عن عائشة (رض)،
وهو فى المسجد وهما منصوبتان - الحديث. وفى الباب أحاديث أخرى، ذكرها الزيلعى فى نصب الراية ، وهذه
الأحاديث تدل على أن المراد بالملامسة من قوله تعالى فى سورة المائدة: ﴿أولا مستم النساء فلم تجدوا ما٠ - ٦:٥)
الجماع دون غيره من معانی الس ، وبه فسر ابن عباس وعلى رضی الله عنهما ، ورجحه ابن جرير فى تفسيره حيث قال:
هو أولى القولين فى ذلك بالصواب، لصحة الخبر عن رسول الله مَيقن أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ. وارجع
لتفصيل الكلام فى الآية إلى أحكام القرآن لأبى بكر الرازى الجصاص (رواه أبو داود) إلخ. وأخرجه أيضا أحمد
(ج ٢: ص ٢١، ٢٢) والدار قطنى (ص ٥١،٥٠) والطبرى فى التفسير (ج ٥: ص ٦٧) وضعفه الثورى ويحمى
القطان وابن معين والبخارى والبيهتى والدار قطنى، ومال أبو داود، وابن عبد البر إلى تصحيحه كما سيأتى (وقال الترمذى)
بعد إخراجه من طريق وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبى ثابت، عن عروة، عن عائشة (لا يصح عند أصحابنا) أى من
أهل الحديث، قاله أبو الطيب السندى، والشيخ سراج أحمد السرهندى فى شرحيهما لجامع الترمذى (بحال) بالتنوين،
وقوله ((إسناد عروة)) بالرفع على أنه فاعل لقوله ((لا يصح)، وقوله ((وإسناد إبراهيم)) عطف على قوله ((إسناد عروة)) يعنى
لا يصح سند حديث عروة عن عائشة هذا، لأنه من رواية حبيب بن أبى ثابت عن عروة، وحبيب لم يسمع من عروة
فهو منقطع. وكذا لا يصح سند حديث إبراهيم التيمى عن عائشة، لأنه أيضا منقطع، إبراهيم لم يسمع عن عائشة بالاتفاق،
وقيل بترك التنوين فى ((حال) على أنه مضاف إلى ((إسناد عروة) والباء للسبية، وفاعل ((لا يصح)) هو الضمير فيه، يرجع إلى
ما يعود عليه الضمير المنصوب فى قوله ((رواه، وهو حديث عائشة، والمعنى: لا يصح حديث عائشة هذا لحال إسناده،
فإنه روى من طريقين: الأول طريق حبيب، عن عروة ، عن عائشة. والثانى طريق أبى روق ، عن إبراهيم التيمى،
عن عائشة، وكلاهما منقطع، وهذا على أن يكون المراد بعروة ، عروة بن الزبير ، وإن كان المراد به عروة المزنی فسبب .
عدم صحته هى جهالة عروة المزنى. قال الترمذى فى جامعه بعد إخراجه حديث عائشة، من طريق حبيب، عن عروة، عن
عائشة، ما نصه: وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبى معَّة فى هذا لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد، قال وسمعت محمد
ابن إسماعيل يضعف هذا الحديث ، وقال: حبيب بن أبى ثابت لم يسمع من عروة، وقد روى عن إبراهيم التيمى، عن
عائشة: أن النبي ◌َّ قبلها ولم يتوضأ. وهذا لا يصح أيضا، ولا نعرف لا براهيم التيمى سماعا من عائشة - انتهى.
(إسناد عروة عن عائشة) لم ينسب الترمذى عروة فى حديثه، ونسبه أحمد وابن ماجه فى روايتهما ، فقالا: عن حبيب بن
أبى ثابت ، عن عروة بن الزبير. وجزم الثورى أنه عروة المزنى، وهو مجهول ، وبذلك ضعف الحديث، وتبعه وقلده
فى ذلك يحى بن سعيد القطان وابن معين والدار قطنى والبيهقى وآخرون. ويظهر من كلام الترمذى أنه مال إلى كونه
عروة بن الزبير، وهو الصحيح عندنا ، لرواية أحمد وابن ماجه هذه. ولأن المطلق يحمل على ما هو المشهور المتعارف،
٣٩
مرعاة المفاتيح ج ٢
٣ - كتاب الطهارة
١ - باب ما يوجب الوضوء
وأيضا إسناد إبراهيم التيمى عنها. وقال أبو داود: هذا مرسل، وإبراهيم التيمى لم يسمع من عائشة.
وليس هو إلا عروة بن الزبير. ولأن قول عروة ((من هى ألا أنت)) فى رواية أبى داود والترمذى ظاهر فى أنه ابن الزبير
لأن المزنى لا يحسر أن يقول ذلك الكلام لعائشة. ولأن هشاما وافق حبيب بن أبي ثابت، فرواه عن أيه عروة بن
الزبير عن عائشة، عند الدار قطنى ، وهذه قرينة ظاهرة على أنه ابن الزبير فى رواية حبيب. وأما سند أبى داود الذى قال
فيه: عن عروة المزنى. فإنه من رواية عبد الرحمن بن مغراء عن ناس مجاهيل، وابن مغراء ليس بشئى فى روايته عن
الأعمش. وأما ماحكاه أبو داود عن الثورى أنه قال: ما حدثنا حبيب بن أبى ثابت إلا عن عروة المزنى، يعنى لم يحدثهم
عن عروة بن الزبير بشئى، فلم يسنده أبو داود، وأيضا قال الثورى هذا القول من غير دليل يؤيده، وقد خالفه أبو داود،
وأثبت صحة رواية حبيب عن عروة ، حيث قال عقبه: وقد روى حمزة الزيات ، عن حبيب ، عن عروة بن الزبير حديثا
صحيحا. يشير بذلك إلى ما رواه الترمذى فى الدعوات (ج ٢: ص ٢٠٥) وقال: هذا حديث حسن غريب، وسمعت
محمد بن إسماعيل يقول: حبيب بن أبى ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير تشيئا - انتهى. وهذا يدل أولا على أن عروة
فى هذا الاستاد، هو عروة بن الزبير كما صرح بذلك فى رواية أحمد وابن ماجه، خلافا لمن زعم أنه عروة المزنى ، وثانيا
على أنه يرى صحة رواية حبيب عن عروة وأماقول البخارى: إن حبيا لم يسمع من عروة، فبنى على شرطه المعروف فى الرواية،
وهو شرط شديد، خالفه فيه أكثر أهل العلم، وقال ابن عبد البر: صحح هذا الحديث الكوفيون، وثبتوه لرواية الثقات من أئمة
الحديث له، وحبيب لا ينكر لقاء، عروة، ولروايته عمن هو أكبر من عروة وأقدم موتا. وقال فى موضع آخر: لاشك أنه أدرك
عروة، كذا فى نصب الراية (ج ١: ص ٧٢) ومن هذا كله ظهر أن أبا داود وابن عبد البر قد صحا سماع حبيب من
عروة بن الزبير ، ولم يلتفتا إلى كون حبيب مدل. وحاصل ما علل به المضعفون طريق حبيب عن عروة عن عائشة:
أن عروة المذكور هنا إن كان هو المزنى ، كما قاله البيهقى وغيره ، فهو مجهول ، وإن كان هو ابن الزبير ، وهو ما يدل عليه
کلام الترمذى ، وبه صرح أحمد وابن ما جه فى روایتهما، فالحديث منقطع ، لكون حبيب بن أبى ثابت لم يدركه، فيكون
ضعيفا لانقطاعه، وقد عرفت ما فيه. ومع كل هذا، فإن حبيا لم ينفرد برواية هذا الحديث ، وقد تابعه عليه هشام بن
عروة عن أبيه عروة بن الزبير، عند الدار قطنى (ج ١: ص ٥٠) وتكلم الدار قطنى فيه بلا حجة بينة ودليل ظاهر.
وقد جاء الحديث بأسانيد أخرى عند أحمد وابن ماجه والبزار والدار قطنى والطبرى، بعضها حسن جيد ، وبعضها يقارب
الحسن، ينجبر بها ضعف الانقطاع فى حديث حبيب، عن عروة ، عن عائشة، لو سلم. وانظر هذه الروايات فى نصب
الراية (ج ١: ص ٧٢، ٧٥) (وأيضا إسناد إبراهيم التيمى عنها) بين الترمذى سبه بقوله: ولا نعرف لا براهيم التيمى
سماعاً من عائشة - انتهى. وحديث إبراهيم التيمى هذا، رواه أحمد وأبو داود والنسائى والدار قطنى، كلهم من طريق الثورى،
عن أبى روق، عن إبراهيم التيمى، عن عائشة (قال أبو داود هذا مرسل) أى منقطع (وإبراهيم التيمى لم يسمع من عائشة)
٤٠