النص المفهرس

صفحات 341-360

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
رواه أبو داود.
٢٥٠ - (٥٣) وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العذرى، قال: قال رسول اللّه عَلى: يحمل هذا العلم
من كل خلف عدوله،
الدين ، فيأتى الله من الخلق بعوض من السلف إما واحدا أو متعددا، كذا فى مجالس الأبرار. ولا يلزم أن يكون على
رأس كل مائة سنة مجدد واحد فقط، بل يمكن أن يكون أكثر من واحد، لأن قوله ((من يحدد)، يصاح الواحد وما فوقه.
قال الحافظ فى الفتح: وهو أى حمل الحديث على أكثر من واحد متجه، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها
لا ينحصر فی نوع من أنواع الخیر ، ولا يلزم أن جمیع خصال الخير کلھا فی شخص واحد إلا أن يدعى ذلك فى عمر
ابن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها. وأما من جا
بعده فالشافعى وإن كان متصفا بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد، والحكم بالعدل، فعلى هذا كل من كار
متصفا بشئى من ذلك عند رأس المائة هو المراد سواء تعدد أم لا - انتهى. وارجع للتفصيل إلى عون المعبود شرح أبى
داود (رواه أبو داود) فى أول الملاحم من طريقين متصل ومعضل، وسكت عنه المنذرى، وأخرجه أيضا الحاكم،
والبيهقى فى المعرفة ، وابن عدى فى مقدمة الكامل، واتفق الحفاظ على تصحيحه، ومن نص على صحته من المتأخرين الحافظ
أبو الفضل العراقى ، والحافظ ابن حجر ، ومن المتقدمين الحاكم فى المستدرك والبيهقى فى المدخل.
٢٥٠ - قوله (إبراهيم بن عبد الرحمن العذرى) بضم العين وسكون الذال المعجمة ، منسوب إلى عذرة بن سعد
أبى قبيلة من خزاعة. قال فى كنز العمال: هو مختلف فى صحته. قال ابن مندة: ذكر فى الصحابة ولا يصح - انتهى.
وذكره الحافظ فى الإصابة (ج ١: ص ١١٧) فى القسم الرابع من الألف، فقال: إبراهيم بن عبد الرحمن العذرى،
تابعى ، أرسل حديثا فذكره ابن مندة وغيره فى الصحابة. وقال الذهبي فى الميزان: تابعى مقل ما علته، واهيا، أرسل
((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) رواه غير واحد عن معان بن رفاعة عنه، ومعان ليس بعمدة ، ولا سيما أتى
بواحد ليس يدرى من هو - انتهى. وقال الحافظ فى لسان الميزان (ج ١: ص ٧٧) بعد ذكر كلام الذهبى هذا: وذكره
ابن حبان فى الثقات، وقال: يروى المراسيل ، وروى حديثه من طريق حماد بن زيد عن بقية، عن معان عنه (يحمل)
أى يحفظ (هذا العلم) أى علم الكتاب والسنة، يعنى يأخذه ويقوم بإحيائه (من كل خلف) أى من كل قرن يخلف
السلف بفتح اللام، وهو الجماعة الماضية ، والخلف كل من يحثى بعد من مضى، إلا أنه بالتحريك فى الخير، وبالتسكين.
فى الشر، يقال: خلف صدق وخلف سوء، ومعناهما القرن من الناس، وهو هنا بالفتح، قاله الجزرى (عدوله) بضم
العين جمع العدل، فى ثقاته، يعنى من كان صاحب الديانة والتقوى. قال الطبى: و«من، إما تبعيضية مرفوعا على أنه فاعل
((يحمل) و((عدوله)) بدل منه، وإما بيانية على طريقة ((لقينى منك أسد)) جرد من الخلف الصالح والعدول الثقات وهم هم،
٣٤١

مرعاة المفاتيح ج١
٢ - كتاب العلم
ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. رواه البيهقى فى كتاب المدخل
مرسلا، وسنذكر حديث جابر «فإنما شفاء العى
كقوله تعالى ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ٣: ١٠٤) وعلى التقديرين فيه تفخيم لشأنهم (ينفون) جملة حالية أو استئنافية
(عنه) أى عن هذا العلم (تحريف الغالين) أى المبتدعين الذين يتجاوزون فى كتاب الله وسنة رسوله عن المعنى المراد
فيحرفونه عن جهته، من غلا يغلو إذا جاوز الحد (وانتحال المبطلين) الانتحال ادعاء الشئى لنفسه ، كادعاء شعر غيره أو
قوله لنفسه، يعنى أن المبطل إذا اتخذ قولا من علمنا يستدل به على باطله أو اعتزى إليه ما لم يكن منه، نفوا عن هذا العلم
قوله، ونزهوه عما ينتحله (وتأويل الجاهلين) أى معنى القرآن والحديث إلى ما ليس بصواب. والحديث كأنه تفسير
لحديده، أبى هريرة المتقدم فى بعث المجدد. قيل: فى قوله ((تحريف الغالين)) إشارة إلى التشدد والتعمق، وفى ((انتحال
المبطلين) إلى الاستحسان وخلط ملة بملة. وفى ((تأويل الجاهلين)) إلى التهاون وترك المأمور به بتأويل ضعيف. وقال
الطبى فى معنى الحديث : أى يحمون الشريعة ومتون الروايات من تحريف غلاة الدين، والأسانيد من القلب والانتحال ،
والمتشابه من تأويل الزائغين. والنحلة هو التشبه بالباطل - انتهى. وهذا معنى ما ورد من قوله مؤ لّه: لا يزال طائفة
من أمتى ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى أمر الله. رواه الشيخان (رواه) بعده بياض بالأصل،
وألحق ((البيهقى فى كتاب المدخل، كما ترى، وأخرجه أيضا الحاكم فى المستدرك، وابن عدى فى الكامل، وأبو نصر السجزى
فى الايانة، وأبو نعيم فى الحلية، وابن عساكر فى تاريخه كلهم، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذرى مرسلا. قال أبو نعيم:
وروى عن أسامة بن زيد وأبى هريرة كلها مضطربة غير مستقيمة ، وأخرجه ابن عدى ، والبيهقى ، وابن عساكر عن
إبراهيم : ثنا الثقة من أشياخنا . وأخرجه الخطيب وابن عساكر عن أسامة بن زيد ، وابن عساكر أيضا عن أنس.
والديلى عن ابن عمر ، والعقيلى فى الضعفاء عن أبى أمامة، والبزار والعقلى أيضا عن ابن عمر ، وأبى هريرة معا. قال
الخطيب: سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، وقيل له: إنه كلام موضوع. قال: لا هو صحيح سمعته من غير واحد.
كذا فى كنز العمال (ج ٥: ص ٢١٠) وقال الحافظ فى الإصابة (ج ١: ص ١١٧، ١١٨): أورد الحديث أبو نعيم
ثم قال: هكذا أى مرسلا رواه الوليد عن معان. ورواه محمد بن سليمان بن أبى كريمة ، عن معان ، عن أبى عثمان، عن
أسامة، ولا يثبت. قلت: ووصل هذا الطريق الخطيب فى شرف أصحاب الحديث. وقد أورد ابن عدى هذا الحديث
من طرق كثيرة كلها ضعيفة. وقال فى بعض المواضع: رواه الثقات عن الوليد ، عن معان ، عن إبراهيم ، قال: حدثنا
الثقة من أصحابنا أن رسول الله مز قتى، فذكر - انتهى. وقال الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١: ص ١٤٠) بعد ذكر حديث
ابن عمر وأبى هريرة من رواية البزار: فيه عمرو بن خالد القرشى، كذبه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ونسبه إلى الوضع
هذا، ومن أحب البسط فليرجع إلى التقيد والإيضاح (ص ١١٦) العراقى، والتدريب (ص ١١٠) السيوطى،
وشرح الألفية (ص ١٢٥) السخاوى (وسنذكر حديث جابر: فإنما شفاء العى) بكسر العين وتشديد الياء، أى العجز
٣٤٢

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
السوال، فى باب التيمم إن شاء الله تعالى.
الفصل الثالث
٢٥١ - (٥٤) عن الحسن مرسلا، قال: قال رسول اللّه مؤلّ: من جاءه الموت وهو يطلب العلم
ليحي به الإسلام، فبينه وبين النبيين درجة واحدة فى الجنة. رواه الدارمى.
٢٥٢ - (٥٥) وعنه مرسلا، قال: سئل رسول اللّه مؤهل عن رجلين كانا فى بنى إسرائيل: أحدهما
كان عالماً يصلى المكتوبة، ثم يجلس فيعلم الناس الخير، والآخر يصوم النهار ويقوم الليل، أيهما
أفضل؟ قال رسول الله
فى العلم والجهل (السوال) أى عن أهل العلم (فى باب التيمم) لأنه أنسب بهذا الباب.
٢٥١ - قوله (عن الحسن) هو إذا أطلق فى علم الحديث فالمراد البصرى، أى الحسن بن أبى الحسن البصرى:
واسم أبيه يسار، بالتحتية والمهملة. الأنصارى مولاهم، أحد أئمة الهدى. قال الحافظ: ثقة، فقيه، فاضل، مشهور، وكان
يرسل كثيرا ويدلس. قال البزار: كان يروى عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول: حدثنا وخطبنا يعنى قومه
الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة، وهو رأس أهل الطبقة الثالثة يعنى أوساط التابعين. مات فى رجب سنة (١١٠) وقد
قارب التسعين - انتهى. وولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، ورأى عثمان وعليا بالمدينة ، ولم يسمع منهما حديثا. وقد
أرسل عن كثير من الصحابة. قال ابن المدينى: مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها. وقال
محمد بن سعد: كان الحسن جامعا، عالما ، رفيعا ، فقيها ، ثقة، مأمونا، عابدا، ناسكا، كثير العلم، فصيحا ، جميلا ، وسيما
ما أرسله فليس بحجة. وقد بسط ترجمته فى تهذيب التهذيب (ج ٢: ص ٢٦٣ - ٢٧٠) (وهو يطلب العلم) الجملة حال
من المفعول فى «جاء)» (ليحيى به الإسلام) لا لغرض فاسد من المال والجاه (درجة) وهى درجة النبوة (واحدة)
أكد الدرجة بواحدة لأنها تدل على الجنسية وعلى العدد ، والذى سيق له الكلام هو العدد، والحاصل أن العلماء المخلصين
لم تفتهم إلا درجة الوحى (رواه الدارى) وكذا ابن عساكر أى عن الحسن مرسلا، وأخرجه ابن النجار عنه عن
أنس ، والطبرانى فى الأوسط عن ابن عباس، وفيه محمد بن الجعد، وهو متروك. والخطيب عن سعيد بن المسيب، عن
ابن عباس ، وابن النجار عن أبى الدرداء.
٢٥٢ - قوله (سئل رسول اللّه ◌َلّ عن رجلين) عن شأنهما وحكمهما (أحدهما كان عالما) أى غلب عليه على
عبادته (يصلى المكتوبة) أى يكتفى بالعبادة المفروضة (الخير) أى العلم والعبادة وأمثال ذلك تدريسا، أو تأليفا، أو
غيرهما (يصوم النهار) أى دائما أو غالبا (ويقوم الليل) كله أو بعضه، وقد تعلم فرض عليه (أيهما أفضل) أى أكثر
٣٤٣

مرعاة المفاتيح ج ١
٢- كتاب العلم
فضل هذا العالم الذى يصلى المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على العابد الذي يصوم النهار ويقوم
الليل كفضلى على أدناكم. رواه الدارمى.
(٥٦) وعن على، رضى الله عنه، قال: قال رسول اللّه مَ ◌ّ: نعم الرجل الفقيه فى الدين،
إن احتيج إليه نفع، وإن استغنى عنه أغنى نفسه. رواه رزين.
٥٧٠) وعن عكرمة، أن ابن عباس قال: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين
ثوابا (فضل هذا العالم الذى) إلخ. أطنب فى الجواب حيث لم يقل الأول أو العالم، لتعظيم شأنه وتقريره فى ذهن السامع
( كفضلى على أدناكم) وسبيه أن العلم نفعه متعد، والعبادة نفعها قاصر ، والعلم إما فرض عين أو كفاية، والعبادة الزائدة
نافلة ، وثواب الغرض أكثر من ثواب النفل (رواه الدارمى) وأخرج الترمذى نحوه عن أبى أمامة، وقد تقدم فى
الفصل الثانى .
٢٥٣ - قوله (نعم الرجل الفقيه فى الدين) «الفقيه)) هو المخصوص بالمدح، والجار متعلق به، أى الذى فقه فى
الدين وعلم من العلوم الشرعية ما ينتفع به وينفع الناس ، وليس المراد من يعلم الفروع فقط كما توهم بعضهم (إن احتيج)
بكسر النون وضمها، شرطة مستأنفة لبيان استحقاق المدح أى إنن احتاج الناس (إليه) أى إلى فقهه (نفع) أى غيره
(وإن استغنى) على البناء للمفعول (أغنى نفسه) قال الطيبي: قوبل («نفع» بأغنى ليعم الفائدة، أى نفع الناس وأغنام بما
يحتاجون إليه، ونفع نفسه وأغناها بما يحتاج إليه من قيام الليل، وتلاوة كتاب الله، وغيرها من العبادات. وقال
الشيخ عبد الحق الدلوى فى اللعات: معنى الحديث أن من شأن العالم وما يليق بحاله أن لا يحوج نفسه إلى الخلق طمعا
فى صحبتهم واختلاطهم ومنافعهم، ولا ينقطع عنهم مطلقا بأن لا يفيدهم بالعلم ويحرمهم عنه، بل إن احتاج الناس
إليه بأن اضطروا إليه، ولم يكن هناك عالم سواه فيسألوه عن العلم ليفيدهم ويعلمهم ، دخل فيهم للإفادة ونفعهم بالعلم
ثلا يضلوا، وإن استغنى عنه بأن لا يلجئوا ويضطروا إليه، وكان هناك من يكفيهم فى التعليم أغنى نفسه ولم يداخلهم
ولا يتذلل لهم بل يستغنى عنهم، ويشتغل بالعبادة وبالعلم أيضا بمطالعة الكتاب والسنة والتصنيف ونحوهما (رواه رزين)
أخرجه ابن عسا کر فی تاريخ دمشق من طريق عیسی بن عبد الله بن محمد بن عمر بن على ، حدثی أبی عن أبيه عن جده عن
على رفعه، وعيسى هذا، قال الدار قطنى: إنه متروك. وقال ابن حبان: يروى عن آبائه أشياء موضوعة. ثم ساق له
من موضوعاته أحاديث. وقال أبو نعيم: روى عن آبائه أحاديث منا کیر لا یکتب ، حديثه لا شئ.
٢٥٤ - قوله (حدث الناس) أى بالآية والحديث والوعظ (كل جمعة) أى فى كل أسبوع (مرة) أى فى يوم
من أيامها ، وهذا إرشاد، وقد بين حكمته (فإن أبيت) أى التحديث مرة وأردت الزيادة (فمرتين) أى تحدث مرتين
٣٤٤

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
فإن أكثرت فثلاث مرات، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتى القوم وهم فى حديث
من حديثهم فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك تحدثهم وهم
يشتهونه، وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإنى عهدت رسول اللّه مؤلتم وأصحابه لا يفعلون ذلك.
رواه البخارى ..
(فإن أكثرت) أى أردت الإكثار (ولا تمل الناس هذا القرآن) من الإملال، والملل والسآمة بمعنى واحد. قال
الطبي : إشارة إلى تعظيمه، فرتب وصف التعظيم على الحكم للإشعار بالعلية ، أى لا تحقر هذا العظيم الشأن الذى جبلت
القلوب على محبته وعدم الشبع منه، أى وإذا كان ذلك الاكثار يوجب الملل عما هذه أوصافه فما بالك بغيره من العلوم
التى جبلت النفوس على النفرة من مشاقها ومتاعبها. وقد تقدم حديث ابن مسعود: كان رسول الله لتے يتحولنا
بالموعظة كرامة السآمة علينا (ولا ألفيك) بضم الهمزة وكسر الفاء، أى لا أجدنك. قال الطيبي: هو من ياب لا
أرينك، أى لا تكن بحيث ألفينك على هذه، وهى أنك (تأتى القوم) حال من المفعول (وهم فى حديث من حديثهم) حال
من «القوم، أى والحال أنهم مشغولون عنك (فتقص) أى قصصا من وعظ أو علم (فتقطع عليهم حديثهم) أى كلامهم
الذى هم فيه، والفعلان معطوفان على ((تأتى)) وهو الظاهر، وقيل: منصوبان على جواب النهى (فتملهم) منصوب جوابا
للنهى، وقيل: مرفوع (ولكن أنصت، فإذا أمروك) وفى البخارى ((فإن أمروك)) أى طلبوا منك التحديث
(حدثهم وهم يشتهونه) حال مقيدة، وفيه كراهة التحديث عند من لا يقبل عليه، والنهى عن قطع حديث غيره، وأنه
لا ينبغى نشر العلم عند من لا يحرص عليه، ويحدث من يشتهى بسماعه لأنه أجدر أن ينتفع به (وانظر السجع من الدعاء
فاجتنبه) («السجع)) بفتح السين وسكون الجيم موالاة الكلام على روى واحد، وقيل: هو الكلام المقفى من غير مراعاة
وزن، ولا يرد عليه ما وقع فى الأحاديث الصحيحة من الأدعية، لأن المراد فى قوله («انظر السجع)» المعهود وهو سجمع
الكهان والمتشدقين المتكلفين فى محاوراتهم ، لا الذى يقع فى فصيح الكلام بلا كلفة ، فإن الفواصل القرآنية واردة على
هذا ، ويؤيده ما قال ◌َّ فى قصة المرأة من هذيل: أسجع كسجع الكهان؟ والمعنى تأمل السجع المتكلف المانع من
الخشوع والضراعة المطلوبة فى الدعاء، أو المستكره منه، وهو سجع الكهان فاجتنبه ولا تشغل فكرك به لما ذكر
(فانى عهدت) أى عرفت وعلمت (لا يفعلون ذلك) أى تكلف السجع (رواه البخارى) فى الدعوات، وأخرجه أيضا
البزار فى مسنده، والطبرانى عن البزار، كذا فى الفتح. وفى الباب عن عائشة أخرجه أحمد. قال الهيثمى
(ج ١: ص ١٩١): رجاله رجال الصحيح. ورواه أبو يعلى بنحوه.
٣٤٥

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
٢٥٥ - (٥٨) وعن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول اللّه مَّ: من طلب العلم فأدركه، كان
له كفلان من الأجر، فإن لم يدركه كان له كفل من الأجر. رواه الدارمى.
٢٥٦ - (٥٩) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَلَّه: إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته
بعد موته: علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن
السبيل بناء، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله فى صحته وحياته، تلحقه من بعد موته.
رواه ابن ماجه، والبيهقى فى
٢٥٥ - قوله (وعن واثلة بن الأسقع) بالقاف بعد السين المهملة، الليثى صحابى مشهور، أسلم قبل تبوك وشهدها،
كان من أهل الصفة، فلما قبض النبي مَ ◌ّ خرج إلى الشام، وكان يشهد المغازى بدمشق وحمص. مات سنة (٨٥) وقيل:
سنة (٨٣) وهو ابن مائة وخمس سنين. له ستة وخمسون حديثا، انفرد له البخارى بحديث، ومسلم بآخر، روى عنه
جماعة (فأدركه) أى حصله. وقيل ((أدركه)) أبلغ من ((حصله)) لأن الادراك بلوغ أقصى الشئى (كان له كفلان) أى
حظان ونصيبان (من الأجر) أجر مشقة الطلب، وأجر إدراك العلم كالمجتهد المصيب ( كان له كفل من الأجر) أى
أجر مشقة الطلب كالمجتهد المخطئى (رواه الدارمى) وسنده ضعيف جدا، فيه يزيد بن ربيعة الرحبي الدمشقى الصنعانى، قال
البخارى: أحاديثه منا كير. وقال النسائى والدار قطنى والعقلى: متروك. وضعفه ابن أبى حاتم وغيره. والحديث أخرجه
أيضا الطبرانى فى الكبير. ورواته ثقات، قاله الهيثمى والمنذرى. وأخرجه أيضا أبو يعلى، والحاكم فى الكنى ، والبيهقى
فى السنن ، وابن عساكر .
٢٥٦ - قوله (إن مما يلحق المؤمن) الجار والمجرور خبر (إن)) مقدم على الاسم، أى كائن مما يلحقه، واسمها
((عليا)) وما عطف عليه (من عمله) بيان لما (وحسناته) عطف تفسير (بعد موته) ظرف ((يلحق)) (علمه) بالتخفيف
ويجوز التشديد (ونشره) هو أعم من التعليم فإنه يشمل التأليف ووقف الكتب (تركه) أى خلفه بعد موته
(أو مصحفا ورثه) من التوريث ، أى تركه للورثة ولو ملكا. قيل: وفى معناه الكتب الدينية ، فيكون له ثواب التسبب،
هذا وما بعده من قبيل الصدقة الجارية حقيقة أو حكما ، فهذا الحديث كالتفصيل لحديث ((انقطع عمله إلا من ثلاث))
و((أو) فى هذه الجملة وما بعدها للتفصيل والتنويع (أو مسجدا بناه) وفى معناه المدارس والمعاهد الدينية (أو نهرا) بفتح
الماء ويسكن (فى صحته وحياته) أى أخرجها فى زمان كمال حاله، ووفور افتقاره إلى ماله، وتمكنه من الانتفاع به.
وفيه ترغيب إلى ذلك ليكون أفضل صدقته، كما يدل عليه جوابه بَّ لمن قال: أى الصدقة أعظم أجرا؟ فقال: أن تصدق
وأنت صحيح شحيح. وإلا فكون الصدقة جارية لا يتوقف على ذلك (رواه ابن ماجه) فى السنة بإسناد حسن (والبيهقى فى
٣٤٦

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
شعب الإيمان.
٢٥٧ - (٦٠) وعن عائشة، أنها قالت: سمعت رسول اللّه مَلّم يقول: إن اللّه عز وجل أوحى إلى
أنه من سلك مسلكا فى طلب العلم، سهلت له طريق الجنة، ومن سلبت كريمتيه، أثبته عليهما الجنة .
وفضل فى علم خير من فضل فى عبادة. وملاك الدين الورع. رواه البيهقى فى شعب الإيمان.
٢٥٨ - (٦١) وعن ابن عباس، قال: تدارس العلم ساعة من الليل خير من إحيائها.
شعب الإيمان) وأخرجه أيضا ابن خزيمة فى صحيحه مثله إلا أنه قال: أو نهرا كراه، وقال يعنى حفره.
ولم يذكر المصحف.
٢٥٧ - قوله (يقول) حال، والأصل سمعت قوله، فأخر القول وجعل حالا ليفيد الابهام والتيين (أوحى إلى)
أى وحياخفيا غير متلو (ومن سلبت) أى أخذت (كريمتيه) أى عينيه الكريمتين عليه، وكل شئ يكرم عليك فهو
كريمك وكريمتك. والمعنى أعميته، فالأكمه بطريق الأولى (أثبته) أى أعطيته من الإثابة (عليهما) أى على الكريمتين
يعنى جازيته على فقدهما والصبر عليهما (الجنة) مفعول ثان (وفضل) أى زيادة (فى علم خير من فضل فى عبادة) قال
الطبي: يناسب أن يقال التكير فيه أى فى «فضل» الأول للتقليل، وفى الثانى للتكثير (وملاك الدين) أى أصله وصلاحه.
قال الجزرى: الملاك بالكسر والفتح ، قوام الشئى ونظامه، وما يعتمد عليه فيه ، ومنه ملاك الدين. وقال الطبي:
الملاك بالكسر ما به إحكام الشئى وتقويته وإكماله، قال: وكان من حق الظاهر أن يقال: ملاك العلم والعمل ،
فوضع الدين موضعهما تنبيها على أنهما توأمان لا يستقيم مفارقتهما وأنهما لا يكلان بدون الورع (الورع)
بفتحتين، والمراد به التقوى عن المحرمات والشبهات (رواه البيهقى فى شعب الإيمان) صدر الحديث تقدم من حديث
أبى هريرة فى الفصل الأول، ومن حديث أبى الدرداء فى الفصل الثانى. وقوله (من سلبت كريمتيه أثبته عليهما الجنة)
روى معناه عن جماعة من الصحابة، أنس، وأبى هريرة ، وزيد بن أرقم، وعرباض بن سارية. وقوله ((فضل فى علم)
إلخ. أخرجه البزار والطبرانى فى الأوسط، والحاكم عن حذيفة، والطبرانى فى الكبير عن ابن عباس بنحوه، وفيه سوار
این مصعب ، ضعيف جدا .
٢٥٨ - قوله (تدارس العلم) التدارس أن يقرأ بعض القوم مع بعض شيئا، أو يعلمهم بعضهم بعضا، أو يبحثون فى مسئلة
لتحقيق الحق أويتذاكرون لتفهم المقصود (ساعة من الليل) الأبلغ أن يراد بالساعة اللغوية لا العرفية (خير من إحياءها) أى
من إحياء الليل بالعبادة. قال الطيبي: شبه الليل بالميت، وأثبت له الإحياء على طريق الاستعارة التخيلية، ثم كنى عنه
بصلاة التهجد، لأن فى قيام الليل كل نفع للقائم فيه، ومن نام فقد فقد نفعا عظيما، قال تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع)
٣٤٧

مرعاة المفاتيح ج ١
٢- كتاب العلم
رواه الدارمى.
٢٥٩ - (٦٢) وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول اللّه مع مر بمجلسين فى مسجده فقال: كلاهما
على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم،
وإن شاء منعهم. وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه أو العلم ويعلمون الجاهل، فهم أفضل، وإنما بعثت معلما.
ثم جلس فيهم. رواه الدارمى.
٢٦٠ - (٦٣) وعن أبى الدرداء، قال: سئل رسول اللّه مؤمّى: ما حد العلم الذى إذا بلغه الرجل
إلى قوله: ﴿جراء بما كانوا يعملون - ٣٢: ١٦، ١٧ ) فإذا كان ثواب التهجد ما ذكر فى هذه الآية، فما ظنك بثواب
التدارس الذى الساعة منه أفضل من إحيائها - انتهى مختصرا (رواه الدارمى) فى باب مذاكرة العلم.
٢٥٩ - قوله (أن رسول اللّه مَ لع مر بمجلسين فى مسجده) وفى رواية ابن ماجه: خرج رسول اللّه ◌ُوالله ذات
يوم من بعض حجره فدخل المسجد، فإذا هو بحلقتين، إحداهما يقرؤون القرآن ويدعون الله، والأخرى يتعلمون ويعلون
فقال النبى معَّ: كل على خير، إلخ (كلاهما) أى كلا المجلسين يعنى أهلهما، أو المراد به المبالغة (على خير) أى ثابتان
على عمل خير (أفضل من صاحبه) أى أكثر ثوابا (أما هؤلاء) قال الطبى: تقسيم الجلسين إما باعتبار القوم أو الجماعة بعد
التفريق بينهما باعتبار النظر إلى المجلسين فى إفراد الضمير (ويرغبون إليه) أى يرغبون فيما عند الله من الثواب
(فإن شاء أعطاهم) أى مطلوبهم فضلا (وإن شاء منعهم) أى إياه عدلا، إذ لا وجوب عليه تعالى، لكن فى ترك هذا
فيما بعد تنبيه على أن إعطاء أولئك مطلوبهم كالمتحقق، ففيه إشارة إلى بون بعيد ينهما (وأما هؤلاء) أى وأمثالهم
(فيتعلمون) أولا (الفقه أو العلم) شك من الراوى (ويعلمون الجاهل) ثانيا (فهم أفضل) لكونهم جامعين بين العبادتين
وهو الكمال والتكميل فيستحقون الفضل (وإنما بعثت معلما) أى بتعليم اللّه لا بالتعلم من الخلق، ولذا اكتفى به، وفيه
إشعار بأنهم منه وهو منهم، ومن ثم جلس فيهم (رواه الدارمى) عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن
ابن رافع التنوخى ، وقد تقدم الكلام فيهما. وأخرجه أيضا ابن ماجه فى السنة من طريق داود بن الزبرقان ، عن بكر بن
خنيس، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم. وداود، متروك، وكذبه الأزدى. وبكر بن خنيس ، قال الدار قطنى: متروك
وقال أبو حاتم: صالح ، ليس بالقوى. وقال الحافظ: صدوق، له أغلاط. وأخرجه أيضا الطبرانى فى الكبير كما فى
الكز (ج ٥ : ص ٢٠٨).
٢٦٠ - قوله (ما حد العلم) المراد بالحد المقدار لا المعنى المصطلح الحادث، ولذا قال (الذى إذا بلغه الرجل
٣٤٨

مرعاة المفاتيح ج ١
٢- كتاب العلم
كان فقيها؟ فقال رسول اللّه عَّة: من حفظ على أمتى أربعين حديثاً فى أمر دينها، بعثه الله فقيها،
وكنت له يوم القيامة شافعاً وشهيدا .
٢٦١ - (٦٤) وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه عليه: هل تدرون من أجود جودا؟
قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: اللّه أجود جودا، ثم أنا أجود بنى آدم، وأجودهم من بعدى رجل
علم على فنشره، يأتى يوم القيامة أميرا وحده. أو قال: أمة واحدة.
كان فقيها) يعنى عالما فى الآخرة، ومعدودا فى زمرة العلماء فيها، ومستحقا لما وعدوا من الثواب (من حفظ على أمتى
أربعين حديثا) قال المناوى: أى نقلها إليهم بطريق التخريج والإسناد - انتهى. وقال النووى: معنى ((حفظها)، أن ينقلها إلى
المسلمين وإن لم يحفظها ولا عرف معناها. هذا حقيقة معناه ، وبه يحصل انتفاع المسلمين لا بحفظها ما لم ينقل إليهم
انتهى (فى أمر دينها) صحاحا أو حسانا. قيل: أو ضعافا يعمل بها فى الفضائل. قال القارى: هو احتراز عن الأحاديث
الأخبارية التى لا تعلق لها بالدين اعتقادا أو عليا أو عملا، من نوع واحد أو أنواع (بعثه الله فقيها) أى فى زمرة العلماء
(شافعا) بنوع من أنواع الشفاعات الخاصة (وشهيدا) أى حاضرا لأحواله، ومزكيا لأعماله، ومثفيا على أقواله.
وحاصل الجواب: أن مقدار العلم الذى إذا بلغه الرجل كان معدودا فى زمرة العلماء. هى معرفة أربعين حديثا ونقلها إلى
المسلمين، وبالنظر إلى هذا الحديث صنف العلماء من السلف والخلف فى هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات، واختلف
مقاصدهم فى تأليفها وجمعها وترتيبها، وسمى كل واحد منهم كتابه بالأربعين، ذكر فى كشف الظنون كتبا كثيرة من
الأربعينات مع شروحها، من شاء الوقوف عليها فليرجع إليه. وسيأتى الكلام على الحديث عند ذكر قول الإمام أحمد.
٢٦١ - قوله (من أجود) من الجودة أى أحسن (جودا) أى أكثر كرما ، أو من الجود أى من الذى جوده
أجود، على حده نهاره صائم، والجود قال الراغب: هو بذل المقتنيات مالا كان أو علما. قيل: «من) الاستفهامية مبتدأ
و((أجود، خبره و((جودا، تميز (قال) أى التى تَّة (الله أجود جودا) هو مجرد المبالغة فإنه المتفضل بالايجاد والامداد على
جميع البلاد (ثم أنا أجود بنى آدم) الظاهر أنه على الإطلاق، أى أفضلهم وأكرمهم (وأجودهم) أى زمانه (من بعدى)
يحتمل البعدية بحسب المرتبة، ويحسب الزمان، والأول أظهر، قاله الطبي (رجل على) بالتخفيف (عما) أى عظيما نافعا
فى الدين (فنشره) بالتدريس، والتصنيف، والترغيب فيه (أميرا وحده) يعنى يجئى يوم القيامة وحده كالأمير الذى
معه أتباعه وخدمه فى العزة والعظمة (أو قال أمة واحدة) ((أو)) للشك من الراوى، والأمة الرجل الجامع للخير،
والصنف من الناس، يعنى يأتى وحده كالجماعة فى العزة والعظمة والشرف، وهو نظير قوله تعالى: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ..
١٦: ١٢٠) حيث أطلق الأمة على من جمع من صفات الفضل، وسمات الخير، والأخلاق الحميدة ما لا يوجد إلا فى
٣٤٩

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
٢٦٢ - (٦٥) وعنه، أن النبى ◌َلّم قال: منهومان لا يشبعان: منهوم فى العلم لا يشبع منه،
ومنهوم فى الدنيا لا يشبع منها. روى البيهقى الأحاديث الثلاثة فى شعب الإيمان، وقال: قال
الإمام أحمد فى حديث أبى الدرداء: هذا متن مشهور فيما بين الناس، وليس له إسناد صحيح.
جماعة، ومنه قول الشاعر :
ليس من الله بمستنكر
أن يجمع العالم فى واحد
٢٦٢ - قوله (منهومان) تثنية منهوم من النهم بفتحتين ، الولوع بالشتى وإفراط الشهوة فى الطعام ، والمنهوم
شديد الشهوة ، المنكب على الشئى لحيازته ، المولع به ، يعنى حريصان على تحصيل أقصى غايات مطلوبيهما (لا يشبعان)
أى لا يقنعان (منهوم فى العلم لا يشبع منه) لأنه فى طلب الزيادة دائما وليس له نهاية (ومنهوم فى الدنيا) أى فى تحصيل
مالها وجاهها (لا يشيع منها) فإنه كالمريض المستسقى. قال بعضهم: ما استكثر أحد من شئ إلا مله، وتقل عليه، إلا
العلم والمال فإنه كلما زاد اشتهى (روى البيهقى الأحاديث الثلاثة فى شعب الإيمان) أما حديث أبى الدرداء فأخرجه أيضا
الشيرازى فى الألقاب ، وابن حبان فى الضعفاء، وأبو بكر فى الغيلانيات ، والسلفى ، وابن النجار. وقد روى هذا
الحديث عن جماعة من الصحابة: معاذ بن جبل ، وابن عباس، وأبى هريرة ، وأنس، وأبى سعيد ، وعلى ، وأبى مسعود ،
وأبى أمامة ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وجابر بن سمرة بروايات متنوعة، ذكر أحاديثهم على المنقى فى كنز العمال (ج ٥:
ص ٢٢١) وأما حديث أنس: هل تدرون من أجود جودا؟ فأخرجه أيضا أبو يعلى ، وفيه سويد بن عبد العزيز ، وهو
متروك الحديث. وأخرجه أيضا ابن حبان بنحوه ، وقال منكر باطل. وأما حديثه الثانى: منهومان لا يشبعان.
فأخرجه أيضا الحاكم فى المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه، ولم أجد له علة. وأقره الذهبي،
وأخرج أبو خيثمة فى العلم ، والطبرانى فى الأوسط والكبير، والبزار عن ابن عباس بنحوه، وفيه ليث بن سليم، وهو
ضعيف (وقال) أى البيهقى (قال الإمام أحمد فى حديث أبى الدرداء) وهو (من حفظ على أمتى، يعنى فى شأنه
(فيما بين الناس) أى المحدثين وغيرهم (وليس له إسناد صحيح) وقال النووى : اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن
كثرت طرقه. وقال الحافظ فى التلخيص (ص ٢٦٩): حديث «من حفظ على أمتى أربعين حديثا، روى عن ثلاثة عشر
من الصحابة، أخرجها ابن الجوزى فى العلل المتناهية ، وبين ضعفها كلها ، وأفرد المنذرى الكلام عليه فى جزء مفرد، وقد
لخصت القول فيه فى المجلس السادس عشر من الإملاء، ثم جمعت طرقه فى جزء ليس فيها طريق تسلم من علة قادحة -
انتهى. قال بعضهم: الحكم عليه بالضعف إنما هو بالنظر لكل طريق على حدته، وأما بالنظر إلى مجموع طرقه حسن لغيره
فيرتقى عن درجة الضعف إلى درجة الحسن ، وأيضا قد اتفقوا على جواز العمل بالضعيف فى فضائل الأعمال، فتأمل.
٣٥٠

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
٢٦٣ - (٦٦) وعن عون، قال: قال عبد الله بن مسعود، منهومان لا يشبعان: صاحب العلم،
وصاحب الدنيا، ولا يستويان، أما صاحب العلم فيزداد رضى للرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى
فى الطغيان. ثم قرأ عبد الله: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) قال: وقال: الآخر
﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء) رواه الدارمى.
٢٦٤ - (٦٧) وعن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه مٍَّ: إن أناسا من أمتى سيتفقهون فى الدين
ويقرؤن القرآن، يقولون: نأتى الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بدينا. ولا يكون ذلك، كما
لا يحتنى من القتاد إلا الشوك،
٢٦٣ - قوله (وعن عون) هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلى أبو عبد الله الكوفى، الزاهد من ثقات
التابعين، كان من عباد أهل الكوفة وقراهم. وذكر الدار قطنى أن روايته عن ابن مسعود مرسلة، ذكره البخارى فيمن مات
بين عشر ومائة إلى عشرين (ولا يستويان) أى فى المآل والعاقبة (وأما صاحب الدنيا فيتمادى فى الطغيان) أى يستمر
فيه. وقيل: يزداد ويتوسع (ثم قرأ عبد الله) استشهادا لذم الثانى (ليطغى أن رآه) لأجل أن رآى نفسه (استغنى)
عن الناس لكثرة ما عنده من المال (قال) أى عون (وقال) أى ابن مسعود بعد قراءته ما سبق وهو قوله: إن
الإنسان ليطغى (الآخر) بالرفع أى الاستشهاد الآخر، وقيل: بالنصب، أى ذكر الاستشهاد الآخر (إنما يخشى الله
من عباده العلماء) تقدم معناه، وحاصل الاستشهاد بالآيتين أن الأول موجب لزيادة الطغيان المقتضى ترك الطاعة
والعبادة، والثانى سبب لزيادة الخشية المورثة للعمل، فشتان ما بينهما، فإن طالب الدنيا يزداد بعدا من اللّه لسوء أدبه
وجرأته على الله تعالى، وصاحب العلم يزداد قربا لخشيته ومراعاته أدب الحضرة القدسية (رواه الدارمى) أى موقوفا
على ابن مسعود من قوله ، وقد تقدم أن رواية عون عن ابن مسعود مرسلة فهو منقطع موقوف ، وأخرجه الطبرانى فى
الكبير عنه مرفوعا ، وفيه أبو بكر الداهرى ، وهو ضعيف.
٢٦٤ - قوله (إن أناسا) أى جماعة (سيتفقهون فى الدين) أى سيدعون الفقه فى الدين، كذا قاله الطبي. أو
يطالبون الفقه ويحصلونه (ويقرؤن القرآن) أى بالقراءات أو بتفسير الآيات ، ويأتون الأمراء لا لحاجة ضرورية بل
لا ظهار الفضيلة والطمع لما فى أيديهم من المال والجاه (يقولون) أى لدفع الاعتراض (فنصيب) أى نأخذ (ونعتزلهم)
أى نبعدعنهم (بديننا) بأن لا نشاركهم فى إثم يرتكبونه (ولا يكون ذلك) أى قال مَ ◌ّ: لا يتحقق ذلك. وهو الإصابة
من الدنيا والاعتزال عن الناس بالدين أى حصول الدنيا لهم وسلامة دينهم مع مخالطتهم إياهم ، لأن المتقرب إليهم لا
يأمن المداهنة، وطلب مرضاتهم، وتحسين حالهم القبيح (كما لا يحتنى) على بناء المفعول، أى لا يؤخذ من «جنى الثمرة
٣٥١

مرعاة المقاتح ج ١
٢ - كتاب العلم
كذلك لا يجتنى من قربهم إلا. قال محمد بن الصباح كأنه يعنى الخطايا. رواه ابن ماجه.
٢٦٥ - (٦٨) وعن عبد الله بن مسعود، قال: لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله،
لسادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا
واجتناها)، و((القتاد)» شجرذو شوك لا يكون له ثمر سوى الشوك، ينبت بنجد وتهامة، وفى المثل ((دون ذلك خرط القتاد))
فنبه بهذا التمثيل على أن قرب الأمراء لا يفيد سوى المضرة الدينية أصلا، وهذا إما مبنى على أن ما قدر له من الدنيا
فهوآت لا محالة سواء أتى باب الأمراء أم لا، خيتئذ ما يقى فى إتيان أبوابهم فائدة إلا المضرة المحضة، أو على أن النفع
الدنيوى الحاصل بصحبتهم بالنظر إلى الضرر الدينى كلا شئى، فما بقى إلا الضرر (كذلك لا يحتنى) أى لا يحصل
(من قربهم إلا) وقع كلامه مَّ بلا ذكر المستثنى لكمال ظهوره (قال محمد بن الصباح) شيخ ابن ماجه صاحب السنن فى
رواية هذا الحديث (كانه) أى النبى ◌َّ (يعنى) أى يريد النبى مَّم بالمستنى المقدر بعد ((إلا)، (الخطايا) وهى مضرة
الدارين. ومحمد بن الصباح هذا، هو ابن سفيان بن أبى سفيان الجرجرانى أبو جعفر التاجر، شيخ أبى داود، وابن ماجه.
قال الحافظ: صدوق. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. مات سنة (٢٤٠) وليس هو محمد بن الصباح الدولابى أبا جعفر
الحافظ البغدادى البزاز صاحب السنن، وشيخ البخارى ومسلم وأبى داود (رواه ابن ماجه) فى السنة. قال: حدثنا
محمد بن الصباح: أنبانا الوليد بن مسلم، عن يحيى بن عبد الرحمن الكندى، عن عبيد الله بن أبي بردة، عن ابن عباس. قال
فى الزوائد: إسناده ضعيف، وعبيد الله بن أبى بردة، لا يعرف - انتهى. قلت: عبيد اللّه هذا هو ابن المغيرة بن أبى
بردة الكنانى، وقد ينسب إلى جده كما وقع فى سند ابن ماجه. قال الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ٧: ص ٤٩): التى
فى عدة نسخ من سنن ابن ماجه فى الوجه الذى أخرجه منه ابن ماجه، عبد الله بن أبي بردة ، وقد رواه الطبراني من
الوجه الذى أخرجه منه ابن ماجه فقال: عن عبد الله بن المغيرة بن أبى بردة، به أخرجه الضياء فى المختارة. ومقتضاه أن
يكون عبيد الله عنده ثقة - انتهى. وقال فى التقريب: إنه مقبول. وقال المنذرى فى الترغيب بعد ذكر هذا الحديث:
رواته ثقات - اتهى. والحديث أخرجه أيضا ابن عساكر بنحوه كما فى الكنز (ج ٥: ص ٢١٣).
٢٦٥ - قوله (أو أن أهل العلم) أى الشرعى (صانوا العلم) أى حفظوه من المهانة بحفظ أنفسهم عن المذلة،
ومصاحبة أهل الدنيا طمعا لما لهم من المال والجاه (ووضعوه عند أهله) أى أهل العلم الذين يعرفون قدر العلم
(لسادوا به) أى فاقوا بالسيادة بسبب الصيانة والوضع عند أهله (أهل زمانهم) وذلك لأن العلم رفيع القدر، يرفع
قدر من يرفعه، ويصونه عن الابتذال فى غير المحال. قال الزهرى: العلم ذكر لا يجبه إلا ذكور الرجال، أى الذين
يحبون معالى الأمور، ويتنزهون عن سفسافها (ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا) بأن خصوهم به، أو ترددوا إليهم به
٣٥٢

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
لينالوا به من دنياهم، فهانوا عليهم. سمعت نبيكم مَّق يقول: من جعل الهموم هما واحدا هم آخرته،
كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم أحوال الدنيا، لم يبال الله فى أى أوديتها هلك.
رواه ابن ماجه .
٢٦٦ - (٦٩) ورواه البيهقى فى شعب الإيمان، عن ابن عمر من قوله ((من جعل الهموم)) إلى آخره.
٢٦٧ - (٧٠) وعن الأعمش، قال: قال رسول اللّهمَّى: آنه العلم النسيان، وإضاعته أن تحدث به
غير أهله. رواه الدارمی مرسلا .
(لينالوا به دنياهم) لا لأجل الدين بالنصيحة والشفاعة وغيرهما (فهانوا) أى أهل العلم ذلوا قدرا، فإنهم أمانوا رفيعا
فأهانهم الله (عليهم) أى ذلوا مستقلين على أهل الدنيا (نيكم) هذا الخطاب توبيخ الخاطبين ، حيث خالفوا أمر نيهم،
خولف بين العبارتين اقتنانا (من جعل الهموم هما واحدا) أى من جعل همه واحدا موضع الهموم التى للناس، أو من كان
له هموم متعددة فتركها، وجعل موضعها الهم الواحد (هم آخرته) بدل من هما ، وهو هم الدين. ( كفاه الله هم دنياه)
المشتمل على الهموم، يعنى كفاههم دنياه أيضا. (ومن تشعبت به الهموم) أى تفرق فيه الهموم، أو فرقته الهموم، والباء على الأول بمعنى
فى، وعلى الثانى للتعدية، وإن جعلت المصاحبة - أى مصحوبة معه - كان صحيحا (أحوال الدنيا) بدل من الهموم قلت قوله ((أحوال
الدنيا، كذا وقع فى جميع نسخ المشكاة والذى عند ابن ماجه («فى أحوال الدنيا، (لم يبال الله) كناية عن عدم الكفاية
والعون، مثل ما يحصل للأول. (فى أى أوديتها) أى أودية الدنيا ، أو أودية الهموم (ملك) يعنى لا يكفى هم دنياه ولا
هم أخراه (رواه ابن ماجه) فى السنة عن ابن مسعود الحديث بتمامه، وأخرجه أيضا ابن عساكر كما فى الكنز (ج ٥:
ص ٢٤٣). قال فى الزوائد إسناد الحديث ضعيف، فيه نهشل بن سعيد، قيل: إنه يروى المناكير، وقيل بل الموضوعات،
وله شاهد من حديث ابن عمر ، صححه الحاكم، انتهى.
٢٦٦ قوله (ورواه البيهقى فى شعب الإيمان عن ابن عمر من قوله) أى مبتدأ من قوله (من جعل الهموم) يعنى
روى المرفوع لا الموقوف. وأخرجه الحاكم أيضا (ج ٤: ص ٣٢٨ - ٣٢٩) وقال: حديث صحيح الإسناد، وتعقبه
الذهبي فقال : أبو عقيل يحى بن المتوكل ضعفوه.
٢٦٧ - قوله ( آنه العلم النسيان) أى بعد حصوله ، فيه تنبيه على الاجتناب عن مباشرة الأسباب التى توجب
النسيان، من اقتراف الذنوب، وارتكاب الخطايا، وتشعب الهموم، ومشاغل النفس والدنيا، والإعراض عن
استحضاره (وإضاعته أن تحدث به غير أهله) بأن لايفهمه، أو لا يعمل به من أرباب الدنيا (رواه الدارمى مرسلا)
أى معضلا. وكذا أخرجه عنه ابن أبى شيبة، أى مرفوعا معضلا، وأخرج صدره فقط عن ابن مسعود موقوفا ، قال
٣٥٣

مرعاة المفاتيح ج ١
٢- كتاب العلم
٢٦٨ = (٧١) وعن سفيان، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لكعب: من أرباب العلم؟
قال: الذين يعملون بما يعلمون، قال: فما أخرج العلم من قلوب العلماء؟ قال: الطمع. رواه الدارمى.
السيد: المراد بالإرسال المعنى اللغوى الذى هو الانقطاع، لأن الأعمش لم يسمع من أحد من الصحابة .
٢٦٨ - قوله (عن سفيان) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى الكوفى، أبو عبد الله من كبار أتباع
التابعين ، وإمام المسلمين، وحجة الله على خلقه، جمع فى زمنه بين الفقه والاجتهاد فيه، والحديث، والزهد، والعبادة،
والورع ، والثقة، وإليه المنتهى فى علم الحديث وغيره من العلوم. أجمع الناس على دينه ، وزهده ، وورعه، وثقته، وهو
أحد الأئمة المجتهدين، وأحد أقطاب الاسلام وأركان الدين. سمع خلقا كثيرا، وروى عنه الأوزاعى ، ومالك، وابن
جريج، وخلق كثير سواهم، حتى قيل: روى عنه عشرون ألفا، يلغ حديثه ثلاثين ألفا. وقال فى التقريب: إنه ثقة،
حافظ ، فقيه، عابد، إمام، حجة. ولد سنة (٩٧) ومات بالبصرة سنة (١٦١) وله أربع وستون. (قال لكعب)
هو كعب بن ماتع الحميرى، أبو إسحق المعروف بكعب الأحبار، جمع الحبر - بكسر الحاء وفتحها - بمعنى العالم والصالح،
ويضاف إليه إما لكثرة كتابته ، أو معناه ملجأ العلماء. وقال الطبي: الإضافة كما فى زيد الخيل. وهو من آل ذى
رعين وقيل: من ذى الكلاع. أدرك الجاهلية، ولم يره مَّ وأسلم فى زمن عمر ، وكان من أهل الكتاب. قال الحافظ:
ثقة، من كبار التابعين ، مخضرم ، كان من أهل اليمن فسكن الشام ، ومات فى حمص، فى خلافة عثمان سنة (٣٢) وقد
بلغ مائة وأربع سنين. وخص عمر كعبا بذلك السوال لأنه كان من علم التوراة وغيرها ، وأحاط بالعلم الأول.
(من أرباب العلم) أى من هم أصحابه عندكم أو فى كتابكم؟ قال الطيبي: أى من ملك العلم ورسخ فيه ، واستحق أن يسمى
بهذا الاسم (الذين يعملون بما يعلمون) قال الطبى: وهم الذين سماهم الله الحكماء فى قوله ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتى
خيرا كثيرا - ٢: ٢٦٩) لأن الحكيم من علم دقائق الأشياء وأتقنها برصانة العلم، فعلم منه أن العالم ما لم يعمل، لم يكن
من أرباب العلم، بل كان كمثل الحمار يحمل أسفارا (فما أخرج العلم) أى نوره وهيبته وبركته، (من قلوب العلماء) أى
العاملين، لما تقدم أن غير العاملين ليسوا بعلماء (قال: الطمع) أى فى الدنيا لأنه يؤدى إلى الرياء والسمعة، والعلم والعمل
بدون الا خلاص لا يوصلان السالك إلى مقام الاختصاص، فمفهومه أن الورع يدخل العلم فى قلوب العلماء. وقال الطبي:
الفاء أى فى قوله: فما أخرج، جزاء شرط محذوف، والتعريف فى العلم للعهد الخارجى، وهو ما يعلم من قوله «أرباب
العلم، أى إذا كان أرباب العلم من جمع بين العلم والعمل، فلم ترك العالم العمل ، وما الذى دعاه إلى ترك العمل لينعزل
عن هذا الاسم؟ قال : الطمع فى الدنيا والرغبة فيها (رواه الدارمى) أى موقوفا من قول كعب وهو معضل أيضا فإن
سفيان الثوری بينه وبين عمر مفاوز .
٣٥٤
0

مرعاة المفاتيح ج ١
٢- كتاب العلم
٢٦٩ - (٧٢) وعن الأحوص بن حكيم، عن أبيه، قال: سأل رجل النبى معَّم عن الشر. فقال لا
تسألونى عن الشر، وسلونى عن الخير، يقولها ثلاثاً، ثم قال: ألا إن شر الشر شرار العلماء، وإن
خير الخير خيار العلماء. رواه الدارمى.
٢٧٠ - (٧٣) وعن أبى الدرداء قال: إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع
بعلمه. رواه الدارمى.
٢٦٩ - قوله (عن الأحوص بن حكيم) بن عمير العنسى الحمصى، رأى أنسا وعبد الله بن بسر، ضعيف الحفظ ،
من صغار التابعين، قاله الحافظ وضعفه أيضا النسائى، وابن معين، وابن المدينى، (عن أبيه) حكيم بن عمير بن الأحوص، قال
أبو حاتم : لا بأس به. وقال الحافظ: صدوق يهم ، من الثالثة، أى من أوساط التابعين (عن الشر) أى فقط يعنى عن
أشر الناس، كما يدل عليه الجواب (لا تسألونى) بتخفيف النون، فإن لا ناهية (عن الشر) أى حسب ، قال ابن حجر:
لأنى رؤوف رحيم ، نبي الرحمة. فالمراد النهى عن لازم ذلك من إيهام غلبة مظاهر الجلال فيه على مظاهر الجمال ، وإلا
فالسؤال عن الشر ليجتنب واجب كفاية أو عينا، فكيف ينهى عنه (وسلونى عن الخير) إما منفردا أو منضما بالسؤال
عن الشر (يقولها ثلثا) قال الطبى: حال من فاعل قال، والضمير المؤنث راجع إلى الجملة، أعنى لا تسألونى إلخ، أو إلى
الجملة القريبة (ألا) بالتخفيف للتنبيه (إن شر الشر) أى أعظمه (شرار العلماء) إلخ. المراد بشرار العلماء من لا يعملون
بعلهم ولا ينتفع به غيرهم ، كما يدل عليه أثر أبى الدرداء. قال الطبى: وإنما كانوا شر الشر وخير الخير لأنهم سبب
الصلاح العالم وفساده ، وإليهم تنتمى أمور الدين والدنيا، وبهم الحل والعقد (رواه الدارمى) أى مرسلا من طريق بقية
عن الأحوص عن أبيه، وبقية مدلس، رواه عن الأحوص بالعنعنة، والأحوص ضعيف كما تقدم. وأخرج البزار وأبو
فعيم فى الحلية نحوه عن معاذ بن جبل، وفيه الخليل بن مرة وهو ضعيف.
٢٧٠ - قوله (إن من أشر الناس) قال الطبي: من زائدة وعالم خبر إن وقيل: من تبعيضية، والتقدير: إن بعض
أشرارهم (لا ينتفع) بصيغة المعلوم، أى هو (بعلمه) بأن تعلم علما شرعيا وما عمل به، فإنه شر من الجاهل ، وعذابه أشد
من عقابه، روى الطبرانى وابن عساكر، والبيهقى عن أبى هريرة: ((أشد الناس عذابا يوم القيمة عالم لم ينفعه الله بعلمه))
وقيل بصيغة المجهول، أى لا ينتفع الناس بعلمه لأجل كتمه عنهم، وعدم نشره بالتعليم والتدريس ، أو التصنيف، أو
بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ويؤيد هذا الاحتمال حديث أبى هريرة الآتى (مثل علم لا ينتفع به)) إلخ.
(رواه الدارمى) أى موقوفا قال الالبانى وإسناده ضعيف. رجاله ثقات غير ابن القاسم بن قيس فلم اعرفه ورواه
الطبرانى فى الصغير وابن عبد البر فى الجامع عن أبى هريرة مرفوعا نحوه وسنده ضعيف جدا .
٣٥٥

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
٢٧١ - (٧٤) وعن زياد بن حدير، قال: قال لى عمر: هل تعرف ما يهدم الاسلام؟ قال: قلت:
لا! قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. رواه الدارمى.
٢٧٢ - (٧٥) وعن الحسن، قال: العلم علمان، فعلم فى القلب فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان،
فذاك حجة الله عز وجل على ابن آدم. رواه الدارمى.
٢٧١ - قوله (عن زياد بن حدير) بضم الحاء وفتح الدال المهملتين، بعدها تحتية ساكنة ، بعدها راء، ابو مغيرة
الأسدى، روى عن عمر، وعلى، وابن مسعود، والعلاء الحضرمى، قال فى التقريب: ثقة ، عابد من كبار التابعين
وثقه أبو حاتم، والدار قطنى، وابن حبان (ما يهدم الإسلام) أى يزيل عزته (زلة العالم) أى عثرته بتقصير منه
(وجدال المنافق) الذى يظهر السنة ويبطن البدعة (بالكتاب) أى القرآن، وإنما خص لأن الجدال به أقبح يؤدى إلى
الكفر، وذلك لإفساده الدين (وحكم الأئمة المضلين) أى على وفق أهوائهم وإكراههم الناس عليه، فالعلماء الزائغون
عن الحق، والمنافقون المجادلون المبتدعون، وأمراء الجور هم الذين يضعفون أركان الا سلام ويعطلونها بأعمالهم . قال
الطبى: المراد بهدم الإسلام تعطيل أركانه الخمسة فى قوله عليه السلام: بنى الاسلام على خمس، الحديث. وتعطيله إنما
يحصل من زلة العالم ، وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر باتباع الهوى ، ومن جدال المبتدعة وغلوهم فى إقامة البدع
بالتمسك بتأويلاتهم الزائغة، ومن ظهور ظلم الأئمة المصلين، وإنما قدمت زلة العالم لأنها هى السبب فى الخصلتين الأخيرتين،
كما جاء «زلة العالم زلة العالم، (رواه الدارمى) أى موقوفا، وأخرجه أيضا ابن المبارك، وجعفر الفريابي فى صفة المنافق،
ونصر المقدسى فى الحجة ، وابن النجار وآدم بن أبى إياس وابن عبد البر فى العلم، وروى فى «الخوف على الأمة من زلة
العالم وجدال المنافق، وغير ذلك أحاديث عن جماعة من الصحابة،ذكرها الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج١ ص ١٨٧،١٨٦)
الكلام عليها، وعلى المتقى فى كنز العمال (ج ٥: ص ٢١٢، ٢٣٣،٢٣٢).
٢٧٢ - ة. له (العلم) أى الشرعى (علمان) أى نوعان (فعلم) الفاء تفصيلية أى فنوع منه (فى القلب) المراد بعلم
فى القلب. ما ظهر أثره ونوره فى التاب، بأن يعمل به ويجرى على مقتضاه، ويظهر السنة ويبطل البدعة (فذاك العلم النافع)
المذكور المطلوب فى الأدعية المأثورة (وعلم على اللسان) أى ونوع آخر من العلم جار على اللسان، ظاهر عليه فقط ، لم
يظهر أثره ونوره فى القلب ، ولا أورث العمل، (فذاك حجة الله عز وجل على ابن آدم) فيقول له يوم القيامة: ماذا
عملت فيما تعلمت؟ وهو الذى استعاذ منه مَّم بقوله: أعوذ بك من علم لا ينفع (رواه الدارمى) أى موقوفا،
وأخرجه الخطيب فى تاريخه، عن الحسن، عن جابر مرفوعا بإسناد حسن، وأبو نعيم فى الحلية ، والديلى فى مسند
الفردوس عن أنس مرفوعا، وأخرجه ابن أبى شيبة، والحكيم الترمذى فى نوادر الأصول، وابن عبد البر فى كتاب
٣٥٦

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
٢٧٣ - (٧٦) وعن أبى هريرة، قال: حفظت من رسول اللّه مَّم وعائين، فأما أحد هما فبثته
فيكم، وأما الآخر فلو بثئته قطع هذا البلعوم - يعنى مجرى الطعام - رواه البخارى.
٢٧٤ - (٧٧) وعن عبد الله، قال: يا أيها الناس! من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم،
العلم عن الحسن مرسلا بإسناد صحيح، وأخرجه البيهقى عن الفضيل بن عياض من قوله غير مرفوع.
٢٧٣ - قوله (وعائين) بكسر الواو والمد، تثنية وعاء أى ظرفين ، أطلق المحل وأراد الحال ، أى نوعين من
العلم ، ومراده أن محفوظه من الحديث لو كتب لملاً وعائين (فأما أحدهما) أى أحد ما فى الوعائين من نوعى العلم
(فثئته) أى أظهرته ونشرته (فيكم) ليس هذا اللفظ فى البخارى، قال الحافظ: زاد الاسماعيلى وقال القسطلانى: زاد
الأصيلى ((فى الناس)) (قطع هذا البلعوم) بضم الباء، كنى بذلك عن القتل، وفى رواية الاسماعيلى ((القطع هذا، يعنى رأسه
(يعنى مجرى الطعام) أى فى الحاق، وهو المرى، وأراد بالوعاء الذى لم يبثه، ما كتبه من أخبار الفتن والملاحم، وتغير
الأحوال فى آخر الزمان ، وما أخبر به الرسول اللّه مَالتي ، من فساد الدين على يدى أغلمة من سفها. قریش، وقد كان
أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم، أو المراد الأحاديث التى فيها تبين أسماء أمراء الجور، وأحوالهم،
وزمنهم ، وقد كان أبو هريرة يكنى عن بعض ذلك ولا يصرح خوفا على نفسه منهم ، كقوله أعوذ بالله من رأس الستين
وإمارة الصيان ، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبى هريرة
فات قبلها بسنة قال ابن المنير: جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم ، حيث اعتقدوا أن الشريعة ظاهرا
وباطنا ، وذلك الباطل إنما حاصله الانحلال من الدين، قال: وإنما أراد أبو هريرة بقوله: ((قطع)» أى قطع أهل الجور
رأسه إذا سمعوا عيه بفعلهم وتضليله لسعيهم. ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ما
وسعه كتمانها لما ذكر هو من الآية الدالة على ذم من كتم العلم. وقال غيره قد نفى أبو هريرة بثه على العموم من غير
تخصيص ، فكيف يستدل به لذلك؟ وأبو هريرة لم يكشف مستوره فيما نعلم ، فمن أين علم الذى كتمه؟ فمن ادعى ذلك
فعليه البيان (رواه البخارى) فى العلم، قال القسطلانى زاد فى رواية ابن عسا كر، والأصیلی، وأبى الوقت ، وأبى ذر ،
والمستعلى قال أبو عبد الله: يعنى البخارى ((البلعوم)، مجرى الطعام، وعلى هذا لا يخفى ما فى المشكاة، إذ يفهم منه أن قوله:
يعنى مجرى الطعام، من أحد رواة الحديث ، ولا يفهم منه أنه للبخارى .
٢٧٤- قوله (وعن عبد الله) إذا أطلق فهو ابن مسعود (قال يا أيها الناس) إلخ تعريضا بالرجل القائل: يحتى دخان
يوم القيامة، وإنكارا عليه، يعنى لا تتكلفوا فيما لا تعلمون (من علم شيئا) من علوم الدين فسأله عنه من هو متأهل لفهم
جوابه (فليقل به) أى بذلك الشئى المعلوم (ومن لم يعلم فليقل) أى فى الجواب (الله أعلم) أى أكثر علما. وقال ابن
٣٥٧
٥

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: اللّه أعلم. قال الله تعالى لنبيه: ﴿قل: ما أسألكم عليه من.
أجر وما أنا من المتكلفين). متفق عليه.
٢٧٥ - (٧٨) وعن ابن سيرين، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. رواه مسلم.
٢٧٦ - (٧٩) وعن حذيفة، قال: يا معشر القراء!
حجر: ((أعلم، بمعنى عالم لاستحالة المشاركة ، قال القارى: المشاركة الاستقلالية هى المستحيلة (فإن من العلم) أى من
آدابه الواجب رعايتها على من نسب للعلم، أو التقدير («فإن من جملة العلم، وهو خبر إن واسمه قوله ((أن تقول، إلخ قاله
القارى، والثانى هو الظاهر، والمعنى أن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا مناسب لما اشتهر من أن ((لا أدرى»
نصف العلم، ولأن القول فيما لا يعلم قسم من التكلف (أن تقول لما لا تعلم) أى لأجله أو عنه (قال الله تعالى لنبيه) وهو
أعلم الخلق (قل ما أسألكم عليه) أى على التبليغ (من أجر) أى آخذه منكم (وما أنا من المتكلفين) أى من الذين يتصنعون
ويتحلون بما ليسوا من أهله (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الاستسقاء، وفى تفسير الروم، والدخان ، ومسلم فى
التوبة ، وأخرجه أيضا أحمد ، والترمذى، والنسائى فى التفسير.
٢٧٥ - قوله (وعن ابن سيرين) هو محمد بن سيرين ،يكنى أبا بكر، مولى أنس بن مالك ، من أكابر التابعين ،
قال المصنف: كان فقيها عالما، زاهدا، عابدا ، ورعا ، محدثا ، من مشاهير التابعين وجلتهم ، وقال الحافظ: إنه ثقة ،
ثبت ، عابد ، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى. مات سنة (١١٠) وهو ابن سبع وسبعين سنة. قال القارى:
وهو غير منصرف للعلمية والمزيدتين على مذهب أبى على فى اعتبار مجرد الزائدتين (إن هذا العلم دين) اللام للعهد ،
يعنى أن علم الإسناد من الدين، وقيل: المراد به، علم الكتاب والسنة، وهما أصول الدين ، ويؤيد المعنى الأول ما
رواه مسلم فى مقدمة صحيحه عقب ذلك عن ابن سيرين أيضا ، قال: لم يكن يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا :
سموالنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (فانظروا) أى فاعلموا
وتحققوا (عمن تأخذون دينكم) تنبيه وحث على رعاية الوثوق والديانة، والحفظ، والورع، والسنة، حتى لا يؤخذ
من كل من يروى و ((عن)، متعلق بتأخذون على تضمين معنى تروون (رواه مسلم) فى مقدمة صحيحه موقوفاً من قول ابن
سيرين، وكذا الدارمى، وأخرجه الحاكم فى تاريخه ، وابن عدى فى الكامل مرفوعا عن أنس، وكذا أخرجه
مرفوعا أبو نصر السجزى فى الإيانة ، والديلمى فى مسند الفردوس من حديث أبى هريرة ، لكن المرفوع ضعيف ،
والصحيح أنه قول ابن سيرين .
٢٧٦ - قوله (يا معشر القراء) أى الذين يحفظون القرآن قاله الطبي. وقال الحافظ: المراد بهم العلماء بالقرآن
٣٥٨

مرعاة المفاتيح ج ١
٣ - كتاب العلم
استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيدا، وإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا. رواه البخارى . ..
٢٧٧ - (٨٠) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّم: تعوذوا بالله من جب الحزن، قالوا:
يا رسول الله وما جب الحزن؟ قال: واد فى جهنم يتعوذ منه جهنم كل يوم أربع مائة مرة. قيل:
يا رسول اللّه! ومن يدخلها؟ قال: القراء
والسنة العباد (استقيموا) أى على جادة الشريعة، أى اسلكوا طريق الاستقامة بأن تتمسكوا بأمر الله فعلا وتركا
(فقد سبقتم) بفتح السين والموحدة ، قال الحافظ: هو المعتمد، وحكى بضم السين وكسر الباء مبنيا للفعول ، والمعنى على
الأول: اسلكوا طريق الاستقامة لأنكم أدركتم أوائل الاسلام، فإن تمسكوا بالكتاب والسنة، تسبقوا إلى كل
خير، لأن من جاء بعدكم إن عمل بعملكم لم يصل إليكم، لسبقكم إلى الإسلام ، ومرتبة المتبوع فوق مرتبة التابع ، وإلا
فهو أبعد منه حبا وحكما . وعلى الثانى أى سبقكم المتصفون بتلك الاستقامة إلى الله فكيف ترضون لنفوسكم هذا التخلف
المؤدى إلى الانحراف عن سنن الاستقامة يمينا وشمالا ، الموجب للهلاك الأبدى (سبقا بعيدا) أى ظاهر التفاوت
(وإن أخذتم يمينا وشمالا) أى خالفتم المذكور بالإعراض عن الجادة والانحراف عن طريق الاستقامة (فقد ضللتم
ضلالا بعيدا) أى عن الحق بحيث يبعد رجوعكم عنه إليه، وكلام حذيفة منتزع من قوله تعالى: ﴿ وأن هذا صراطى
مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله - ٦: ١٥٣) ) والذى له حكم الرفع من حديث حذيفة هذا ،
الإشارة إلى فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين مضوا على طريق الاستقامة (رواه البخارى) فى
الاعتصام وأخرجه أيضا أبو نعيم فى المستخرج ، وابن أبى شيبة ، وابن عساكر بنحوه.
٢٧٧ - قوله (من جب الحزن) ((الجب) بضم الجيم وتشديد الموحدة، البئر التى لم تطو ((والحزن ، بفتحتين أو
بضم فسكون ضد الفرح أى من بئر فيها الحزن لا غير، قال الطيبي: جب الحزن علم والإضافة كما فى دار الإسلام أى
دار فيها السلامة من كل حزن وآفة (قال واد) أى هو واد عميق يشبه البئر من كمال عمقه (يتعوذ منه) أى من شدة عذابه
(جهنم) أى سائر أودية جهنم. قيل ينبغى أن يراد بجهنم ما أعد فيها لتعذيب العصاة من المسلمين، لا الكفرة والمنافقين،
قال الطبى: التعوذ من جهنم هنا كالنطق منها فى قوله تعالى: ﴿وتقول هل من مزيد - ٣٠:٥٠) وكالتميز والتغيظ
﴿تكاد تميز من الغيظ - ٦٧: ٨) والظاهر أن يجرى ذلك على المتعارف، لأنه تعالى قادر على كل شئى (كل يوم)
يحتمل النهار والوقت (أربع مائة مرة) هذا لفظ ابن ماجه، وفى رواية الترمذى مائة مرة ، ولا منافاة لأن القليل لا
ينافى الكثير، وهو يحتمل التحديد والتكثير (ومن يدخلها) أى تلك البقعة المسماة يجب الحزن، وهو عطف على
محذوف ، أى ذلك شئ عظيم هائل، فمن الذى يستحقها؟ ومن الذى يدخل فيها؟ (القراء) جمع قارئ، والمراد العلماء
٣٥٩

مرعاة المفاتيح ج١
٢ - كتاب العلم
المراون بأعمالهم. رواه الترمذى، وكذا ابن ماجه، وزاد فيه: وإن من أبغض القراء إلى الله تعالى،
الذين يزورون الأمراء. قال المحاربى: يعنى الجورة.
٢٧٨ - (٨١) وعن على، قال: قال رسول ◌َّهِ: يوشك أن يأتى على الناس زمان لا يبقى من
الاسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهى خراب من الهدى،
بالكتاب والسنة ، العباد النساك (المراؤون) من الرياء (بأعمالهم) السماءون بأقوالهم (رواه الترمذى) فى الزهد ، وقال
((غريب)) انتهى. وفيه سيف بن عمار، وهو ضعيف الحديث، وفيه أيضا أبو معان البصرى ، وهو مجهول (وكذا)
رواه (ابن ماجة) فى السنة، وفى سنده أيضا ما فى سند الترمذى (وإن من أبغض القراء) قيل: أى من القراءين
المذكورين، وهم المراؤون، قراءين مخصوصين، وهم (الذين يزورون الأمراء) طمعا فى مالهم وجاههم، لا لحاجة دينية ،
كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، أو لضرورة دنيوية تلجئهم بهم، كدفع شرهم وإيذائهم ، ونحو ذلك (قال المحاربى)
أحد رواة الحديث، وهو بضم الميم وبالحاء المهملة، وبالراء المكسورة، وبالباء الموحدة، نسبة إلى محارب وهو
عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربی، أبو محمد الکوفی ، روى عن الأعمش، ویحی بن سعيد ، وعنه أحمد بن حنبل ،
وثقه النسائى وابن معين والبزار والدارقطنى ، وقال الحافظ: لا بأس به وكان يدلس قاله أحمد. مات سنة (١٩٥)
(يعنى الجورة) كالظلمة لفظا ومعنا، جمع جائر، لأنه لا حرج فى زيارة الأمير العادل، المتمسك بالكتاب والسنة.
والحديث أخرجه أيضا الطبرانى بنحوه إلا أنه قال: يلقى فيه الغرارون، قيل: يا رسول الله! وما الغرارون؟ قال:
المراؤون بأعمالهم فى الدنيا. وأخرجه العقيلى فى الضعفاء، والعسكرى فى المواعظ، عن على ، وفيه عبد الله بن حكيم
أبو بكر الداهری لیس بشئى .
٢٧٨ - قوله (يوشك أن يأتى على الناس زمان) أى فاسد لفساد أهله، قال الطبى: أتى متعد إلى مفعول واحد
بلا واسطة، فعدى بعلى ليشعر بأن الزمان عليهم حينئذ بعد أن كان لهم (لا يبقى من الاسلام) أى من شعائره (إلا اسمه)
أى إلا ما يصح إطلاق اسم الإسلام عليه كلفظ الصلاة والزكاة والحج، أو إلا العلم به ، وأما العمل به فلا (ولا يبقى
من القرآن) أى من آدابه وعلومه (إلا رسمه) أى أثره الظاهر من قرأة لفظه، وكتابة خطه ، بطريق الرسم والعادة
لاعلى جهة تحصيل العلم والعبادة، وقيل: المراد برسم القرآن تجويد الحروف وإتقان الألفاظ، وتحسين الألحان فيه من
غير التفكر فى معانيه ، والامتثال بأوامره والانتهاء عن نواهيه (مساجدهم عامرة) أى بالأبنية المرتفعة، والجدران
المنقشة ، والقناديل ، والبسط (وهى خراب من الهدى) المراد بكون مساجدهم عامرة، عمارة بناءها الظاهر ، وبكونها
٣٦٠
٠