النص المفهرس

صفحات 301-320

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
(٢) كتاب العلم
الفصل الأول ).
١٩٨ - (١) عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول اللّه مَ له: بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن
بنى إسرائيل ولا حرج،
(كتاب العلم) أى بيان ما يتعلق بالعلم من فضله وفضل تعلمه وتعليمه، وبيان ما هو علم شرعا، وبيان فرضه ونفله ،
وغير ذلك من متعلقات العلم ، لا بيان ماهيته وحقيقته ، لأن النظر فى الماهيات ليس من فن الكتاب، وقدمه على سائر
الكتب التى بعده لأن مدار تلك الكتب كلها على العلم، وإنما لم يقدم على كتاب الايمان ومتعلقاته من القدر وعذاب البرزخ
والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله، وضده من الكفر وغيره من الكبائر المخلة بالإيمان، لأن الايمان أول واجب
على المكلف ، أو لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها، وينبغى للطالب أن يطالع «تذكرة السامع والمتعلم، لابن
جماعة ، المتوفى سنة (٧٣٣) و((جامع بيان العلم) لابن عبد البر، المتوفى سنة (٤٦٢) و(«إحياء العلوم) للغزالى، المتوفى
سنة (٥٠٥) وغير ذلك من كتب هذا الفن .
١٩٨ - قوله (بلغوا عنى ولو آية) أى ولو كانت آية قصيرة من القرآن، والقرآن مبلغ عن رسول اللّه مزيٍّ ،
لأنه الجائى به من عند الله، ويفهم منه تبليغ الحديث بالطريق الأولى، فإن القرآن مع انتشاره وكثرة حملته وتكفل
الله بحفظه لما أمرنا بتبليغه فالحديث أولى. وقيل: المراد بالآية هنا الكلام المفيد، نحو من سكت نجا ، أى بلغوا عنى
أحاديث ولو قليلة ، وحرض على تبليغ الأحاديث دون القرآن لأنه تعالى تكفل بحفظه، ولأن الطبائع مائلة إلى تعلمه ،
أو هو داخل فيه لأنه مَّ بلغهما. وقوله (بلغوا» مشعر باتصال سنده، لأن البلوغ انتهاء الشئى إلى غايته، وبأداء.
من غير تغيير (وحدثوا عن بنى إسرائيل) بما وقع لهم من الأعاجيب وإن استحال مثلها فى هذه الأمة ، کنزول النار من
السماء لأكل القربان مما لا تعلمون كذبه، أى مما لا يخالف القرآن والحديث ولا يعارضهما (ولا حرج) أى لا ضيق
عليكم بالتحديث بقصصهم كحكاية قتل أنفسهم فى توبتهم من عبادة العجل ، أو تفصيل القصص المذكورة فى القرآن ما فيه
عبرة. وأما النهى عن اشتغال بما جاء منهم ، فمحمول على كتب التوراة والعمل بالأحكام لنسخها ، أو النهى كان فى
صدر الإسلام لعدم تقرر الأحكام حينئذ فربما يعمل بما حدث عنهم من الأحكام ، فلما تقررت الأحكام الإسلامية
لم يحصل ذلك المحذور. أو أن قوله ((حدثوا)) أولا صيغة أمر تقتضى الوجوب، فأشار إلى عدمه وأن الأمر للإباحة
بقوله ((ولا حرج)، أى فى ترك التحديث عنهم، فأباح لهم الحديث عنهم للاتعاظ ، ورفع الحرج عنهم فى تركه بخلاف
التحديث عنه مؤتم، فانهم مأمورون بالتبليغ عنه. فلهذا قال: بلغوا عنى. وقيل: معنى قوله ((لا حرج، أى لا تضيق
٣٠١

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. رواه البخارى.
٢٠٠،١٩٩ - (٣،٢) وعن سمرة بن جندب،
صدوركم بما تسمعونه منهم من الأعاجيب، فإن ذلك وقع لهم كثيرا. وقيل: المراد جواز التحديث عنهم بأى صيغة
وقعت من انقطاع أو بلاغ، أى ليس المقصود من قوله ((لا حرج)) إباحة الكذب فى أخبارهم، ورفع الإثم عن نقل
الكذب عنهم، بل ترخيص فى الحديث عنهم على البلاغ وإن لم يتحقق ذلك بنقل الإسناد ، لتعذره بطول المدة بخلاف
الأحكام المحمدية ، فإن الأصل فيها التحديث بالاتصال (ومن كذب على) أى نسب الكلام كاذبا إليه سواء كان عليه
أو له وهو عام فى كل كذب مطلق فى كل نوع منه من الأحكام وغيرها كالترغيب والترهيب ولا مفهوم لقوله ((على)) لأنه
لا يتصور أن يكذب له لأنه عليه السلام نهى عن مطلق الكذب فلا حجة فيه لمن جوز وضع الأحاديث فى الترغيب
والترهيب (متعمدا) نصب على الحال وليس حالا مؤكدة لأن الكذب قد يكون من غير تعمد وفيه تنبيه على عدم دخول
النار فيه (فليتبوأ مقعده من النار) أى فليتخذ لنفسه منزلا فى النار، يقال: تبوأ الدار إذا اتخذها مسكنا. والأمر بمعنى
الخبر لما فى حديث على عند مسلم: من يكذب على يلج النار. وعند ابن ماجه: الكذب على يوبج النار. وفى حديث
ابن عمر عند أحمد: بنى له بيت فى النار. وتعبيره بصيغة الأمر للإهانة، ولذا قيل: الأمر فيه للتهكم والتهديد إذ هو أبلغ فى
التشديد. والمعنى: هذا جزاءه، وقد يعفى وقد يتوب. والفرق بين الكذب عليه مر ◌ّ والكذب على غيره أن الأول كبيرة بالاتفاق
بخلاف الثانى ولا يلزم من استواء الوعيد فى حق من كذب عليه أو كذب على غيره أن يكون مقرهما واحدا ، أو طول
إقامتهما سواء، فقد دل هذا الحديث على طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا يخرج منها لأنه لم يجعل له منزلا غيره إلا أن
الأدلة القطعية قامت على أن خلود التأبيد مختص بالكافرين (رواه البخارى) أى مجموع الحديث فى أخبار بنى إسرائيل ،
وكذا أخرجه أحمد ، والترمذى، والنسائى، وأما قوله: من كذب على متعمدا، إلخ. فقد روى عن مائة من الصحابة
على ما قال الحافظ: أنه ورد عن ثلاثين نفسا منهم بأسانيد صحاح وحسان، وعن نحو من خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة ،
وعن نحو من عشرين آخرين بأسانيد ساقطة ، مع أن فيها ما هو مطاق فى ذم الكذب عليه منن غير تقييد بهذا الوعيد
الخاص. ونقل النووى أنه جاء عن مائتين من الصحابة ، ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه أنه متواتر لفظا ومعنى.
١٩٩، ٢٠٠ - قوله (وعن سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم (بن جندب) بضم الجسيم والدال ويفتح ، ابن
هلال الفزارى، حليف الأنصار، صحابى مشهور، كان من الحفاظ المكثرين عن رسول الله مرتفع، سكن البصرة ، وكان.
زياد يستخلفه عليها ستة أشهر وعلى الكوفة ستة أشهر، فلما مات زياد استخلفه على البصرة فأقره معاوية عليها عاما أو
نحوه ، ثم عزله ، وكان شديدا على الحرورية فهم ومن قاربهم يطعنون عليه، وكان الحسن ، وابن سيرين، وفضلاء أهل
البصرة يثنون عليه، وقال ابن سيرين: فى رسالة سمره إلى بنيه علم كثير. وقال أيضا: كان عظيم الأمانة ، صدوق
الحديث، يحب الإسلام وأهله، وكان رسول اللّه مَ فلم يستعرض غلمان الأنصار فى كل عام، فمر به غلام، فأجازه
٣٠٢

مرعاة المفاتيح ج ١
٢- كتاب العلم
والمغيرة بن شعبة، قالا: قال رسول اللّه ◌ُلَّ: من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد
الكاذبين. رواه مسلم .
٢٠١ - (٤) وعن معاوية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيرا
فى البعث ، وعرض عليه سمرة من بعده فرده ، فقال سمرة: قد أجزت هذا ورددتنى، ولو صارعته لصرعته. قال:
فدونكه ، فصارعه فصرعه سمرة فأجازه فى البعث. قال ابن عبد البر: مات بالبصرة فى خلافة معاوية سنة (٥٨) سقط
فى قدر مملوءة ماء حارا كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد أصابه فسقط فى القدر الحارة فات ، فكان ذلك تصديقا
لقول رسول اللّه ◌َفّ له ولأبى هريرة وثالث معها يعنى أبا محذورة: آخركم موتا فى النار. وقد جاء فى سبب موته غير
ما ذكر. وقيل مات سنة (٥٩) أو أول سنة (٦٠) بالكوفة، وقيل بالبصرة ، له مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثا ،
اتفقا على حديثين ، وانفرد البخارى بحديثين ، ومسلم بأربعة، روى عنه جماعة (والمغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتب
الثقفى أبو عيسى أو أبو محمد ، أسلم زمن الخندق ، وشهد الحديبية وما بعدها ، كان يقال له مغيرة الرأى ، وشهد اليمامة ،
وفتوح الشام، والقادسية. قال الشعبى والزهرى: كان من دهاة العرب ، وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة فلو أن
مدينة لها سبعة أبواب لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج من أبوابها كلها، كان عاقلا، أديبا ، فطنا ، لبيبا ، داهيا.
قال ابن عبد البر: ولاه عمر البصرة فلما شهد عليه عند عمر ، عزله ثم ولاه الكوفة، وأقره عثمان عليها ، ثم عزله ، ثم
اعتزل الفتة، ثم حضر الحكمين، ولاه معاوية الكوفة. مات سنة (٥٠) على الصحيح. له مائة وستة وثلاثون حديثا
اتفقا على تسعة ، وانفرد البخارى بحديث، ومسلم بحديثين، روى عنه جماعة (من حدث عنى بحديث) أى ولو بواحد
(يرى) بضم أوله من الابراءة أشهر من فتحه من الرأى، وكلاهما بمعنى يظن، أو الثانى بمعنى يعلم، والمراد العلم بالمعنى الأعم
يقينيا أو ظنيا، وقيد بذلك لأنه لا يأثم إلا برواية ما يعلمه أو يظنه كذبا، وأما ما لا يعلمه أو لا يظنه كذلك فلا إثم عليه
فى روايته وإن ظنه غيره كذبا أو علمه. وقيل: الأقرب أن الحديث يدل مفهوما على أن غير الظان لا يعد من جملة الكاذبين
عليه مَّةٍ، وأما أنه لا يأثم فلا ، فليتأمل (فهو أحد الكاذبين) المشهور روايته بصيغة الجمع باعتبار كثرة النقلة ، أى فهو
واحد من جملة الواضعين الحديث، والمقصود أن الرواية مع العلم بوضع الحديث كوضعه. قالوا: وهذا إذا لم يبين وضعه،
وقد جاء بصيغة الثنية باعتبار المفترى والناقل عنه، والمراد أن الراوى له يشارك الواضع فى الاثم لأنه يعينه ويشاركه
بسبب إشاعته ، فهو كمن أعان ظالما على ظلمه. قال الطبى: فهو كقولهم: القلم أحد اللسانين ، والجد أحد الأبوين. كأنه
يشير إلى ترجيح التثنية بكثرة وقوعها فى أمثاله، فهو المتبادر إلى الأفهام (رواه مسلم) فى أول صحيحه، وأخرجه أيضا أحمد،
وابن ماجه فى السنة، وأخرجه الترمذى عن المغيرة بن شعبة وحده ، وفى الباب عن على أخرج حديثه ابن ماجه فى السنة .
٢٠١ - قوله (وعن معاوية) أى ابن أبى سفيان، وقد تقدم ترجمته (من يرد الله به خيرا) تنكيره للتكثير والتعظيم
٣٠٣

مرعاة المفاتيح ج ١
٢- كتاب العلم
يفقهه فى الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطى. متفق عليه.
٢٠٢ - (٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَّة: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة،
أى خيرا كثيرا عظيما (يفقهه فى الدين) بتشديد القاف وسكون الهاء لأن الموصول متضمن معنى الشرط ، أى يجعله عالما
بالشريعة. والفقه فى الأصل الفهم ، يقال: فقه الرجل بالكسر ، إذا فهم وعلم ، وفقه بالضم ، إذا صار فقيها عالما،
وجعله العرف خاصا بعلم الأحكام الشرعية العملية ، وحمله على أصل اللغة أولى ليشمل فهم كل علم من علوم الدين ،
ويلاثم تنكير «خيرا، والفقه فى الدين الذى أريد بمن يعطه الخير، هو العلم الذى يورث الخشية فى القلب، ويظهر أثره فى
الجوارح، ويترتب عليه الإنذار، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة - ٩: ١٢٢) الآية
(وإنما أنا قاسم) أى للعلم (والله يعطى) أى الفهم فى العلم ، هو من باب قصر القلب إن اعتقد السامع أنه معط لا قاسم،
أى ما أنا إلا قاسم لا معط ، ومن قصر الافراد إن اعتقد أنه قاسم ومعط أيضا، أى لا شركة فى الوصفين أى بل أنا
قاسم فقط. ولما كان فقه الصحابة متفاوتا لتفاوت الأفهام أعلم بقوله: إنما أنا قاسم ، إلخ. أن هذا التفاوت ليس منى،
وإنما الذى هو منى هو القسمة بينكم ، يعنى تبليغ الوحى إليكم من غير تخصيص بأحد ، والتفاوت فى أفهامهم من الله تعالى
لأنه هو المعطى ، يعطى الناس على قدر ما تعلقت به إرادته فى الأزل، لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء - ٦٢: ٤)
وقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلى، ويسمع آخر منهم أو من أتى بعدهم فيستنبط منه
مسائل كثيرة ، وقيل: أراد به قسمة المال ، لكن سياق الكلام يدل على الأول ، وظاهره يدل على الثانى، لأن القسمة
حقيقة تكون فى الأموال، ولذا أخرجه مسلم فى قسم الصدقات، والبخارى فى الخمس أيضا، ووجه المناسبة بما قبله
أنه مرّ خص بعضهم بزيادة مال لمقتض، فتعرض بعض من خفى عليه المقتضى بأن هذه قسمة فيها تخصيص لناس ،
فعرض مّ بأنه من أريد به الخير يفهم فى أمور الدين، لا يخفى عليه المقتضى ، ولا يتعرض لما ليس على وفق خاطره، إذ
الأمر كله لله، وهو الذى يعطى ويمنع، وهو الذى يزيد وينقص، والنبى معَّن قاسم وليس بمعط، حتى ينسب إليه الزيادة
والنقصان. والحصر إضافى رد لمن توهم أنه المعطى، والأظهر أنه لا منع من الجمع بين الوجهين (متفق عليه) وأخرجه
أيضا أحمد ، وروى نحوه عن ابن عباس عند أحمد والترمذى. وعن أبى هريرة عند ابن ماجه ، وأبي يعلى، والطبرانى،
وعن ابن مسعود عند البزار، والطبرانى فى الكبير ، وعن ابن عمر عند ابن أبي عاصم فى كتاب العلم .
٢٠٢ - قوله (الناس معادن) المعدن المستقر، من عدنت البلد إذا توطنته ، ومنه معدن لمستقر الجواهر،
و ((معادن)) خبر المبتداء، ولا يصح حمله إلا بأحد وجهين: إما على التشبيه كقولك زيد أسد. وحينئذ يكون (كمعادن
الذهب والفضة) بدلا منه أى الناس كمعادن الذهب والفضة، وإما على أن المعادن مجاز عن التفاوت ، فالمعنى : أن الناس
متفاوتون فى النسب بالشرف والضعة مثل تفاوت المعادن فى الذهب والفضة وما دونهما ، يدل عليه قوله عليه الصلاة
والسلام فى حديث آخر: فعن معادن العرب تسألونى. أى أصولها التى ينسبون إليها ويتفاخرون بها، وإنما جعلت معادن
٣٠٤
1

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب
خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا. رواه مسلم .
٢٠٣ - (٦) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول اللّه مؤلم: لا حسد إلا فى اثنين: رجل آتاه الله
مالا فسلطه
....
لما فيها من الاستعدادات المتفاوتة، فمنها قابلة لفيض الله تعالى على مراتب المعادن، ومنها غير قابلة له. أو شبههم بالمعادن
لأنهم أوعية للشرف والعلوم والحكم ، كما أن المعادن أوعية للجواهر النفيسة والغازات المتفع بها (خيارهم) جمع خير
أو أريد به أفعل التفضيل تقول فى الواحد خير وأخير (فى الجاهلية خيارهم فى الاسلام) جملة مبينة ، أى من كان من
خيار القبائل فى الجاهلية وكان يستعد لقبول المآثر وجميل الصفات والتفوق فى الأقران لكنه كان فى ظلمة الكفر
والجهل مغمورا مستورا كما يكون الذهب والفضة فى المعدن ممزوجا مخلوطا بالتراب، كان فى الإسلام كذلك، وفاق
بتلك الاستعدادات والمآثر والصفات، على أقرانه فى الدين ، وتنور بنور العلم والايمان ، وخلص فى سبكة المجاهدة فى
العبادة كما يعبك الذهب والفضة (إذا فقهوا) بكسر القاف أمى فهموا ، وبالضم أى صاروا فقهاء علماء بعلم الشريعة.
والرواية بالضم وهو المناسب هنا، وهذا القيد يفيد أن الإسلام يرفع اعتبار التفاوت المعتبر فى الجاهلية ، فإن التفاوت
فى الإسلام بحسب الأحساب أى مكارم الأخلاق و محاسن الصفات، وفى الجاهلية بحسب الأنساب. ولا يعتبر هذا
الثانى إلا بالأول، فإذا تحلى الرجل بالعلم والحكمة استجاب شرف النسب الأصلى، فيجتمع شرف النسب والحسب. نفيه
دليل على أن الوضيع العالم أرفع من الشريف الجاهل ، فالعلم والحكمة يرفع كل من لم يرفع (رواه مسلم) فى الفضائل،
لكن ليس فيه «كمعادن الذهب والفضة)) والظاهر من كلام المصنف أن حديث أبى هريرة هذا من إفراد مسلم، وليس
كذلك فإنه متفق عليه، أخرجه البخارى فى ترجمة يوسف من كتاب الأنبياء، وليس فيه أيضا «كمعادن الذهب والفضة».
فعم أخرجه أحمد بهذا اللفظ وزاد «والأرواح جنود بجدة، فما تعارف منها ايتلف، وما تناكر منها اختلف».
٢٠٣ - قوله (لا حسد) هو تمنى زوال نعمة الغير سواء حصل له أم لا. والمراد به الغبطة وهى: تمنى الرجل
حصول مثلها له من غير أن يتمنى زوالها عن الغير، وأطلق الحد عليها مجازا ، والدليل على ذلك ما زاد أبو هريرة فى
هذا الحديث عند البخارى «فقال رجل: ليتنى أوتيت مثل ما أوتى فلان فعملت مثل ما يعمل، فکا نه قال فی حديث ابن
مسعود هذا: لا غبطة أعظم أو أفضل أو محمودة إلا فى هذين الأمرين. وقال التور بشتى: الظاهر أن المراد بالحسد
صدق الرغبة وشدة الحرص ، ولما كان هذان السيان هما الداعين إلى الحسد كنى عنهما بالحسد - انتهى. والمقصود
أنه لا تبغى الغبطة فى الأمور الخسيسة، وإنما تنبغى فى الأمور الجليلة الدقيقة كالجود والعلم مع العمل (إلا فى اثنين) أى
فى شأن اثنين، وفى بعض النسخ ((اثنتين)) بالتأنيث، أى خصلتين اثنتين (رجل) روى مجرورا على البدل من ((اثنين)) وهو
أوثق الروايات، وعلى نسخة ((اثنتين)) بالتأنيث، يقدر ((خصلة رجل)) وروى أيضا «رجل)) مرفوعاعلى أنه مبتدأ (آتاه الله)
بالمد أى أعطاه (مالا) أى مالا كثيرا (فسلطه) عبر بالتسليط لدلالته على الغلبة وقهر النفس المجبولة على الشح البائع
٣٠٥

مرعاة المفاتيح ج ١
٢- كتاب العلم
على هلكته فى الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها. متفق عليه .
٢٠٤ - (٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّى: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا
من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
(على هلكته) بفتحتين أى إهلا كه يعنى إنفاقه، وعبر بذلك ليدل على أنه لا يبقى منه شيئا، وكمله بقوله (فى الحق)
أى فى الطاعات ليزيل عنه إيهام الاسراف المذموم كما يقال: لا سرف فى الخير (الحكمة) اختلفوا فى تفسيرها، فقيل:
القرآن لأن اللام للعهد ، وقيل: المراد بها كل ما منع الجهل والقبيح، وقيل: الإتقان فى الأمور ، وقيل: حكمة أحكام
الشرع، وقيل: السنة، وقيل: الإصابة من غير النبوة (يقضى بها) أى يعمل بها ويحكم، والمراد أنه لا ينبغى أن يتمنى
كونه كذى نعمة إلا أن تكون تلك النعمة مقربة إلى الله (ويعلها) أى غيره (متفق عليه) وأخرجه أيضا النسائى، وابن
ماجه ، وفى الباب عن ابن عمر عند الشيخين ، وعن أبى هريرة عند البخارى والنسائى.
٢٠٤ - قوله (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله) أى أعماله بدليل الاستثناء، والمراد فائدة عمله لانقطاع عمله،
يعنى لا يصل إليه أجر وثواب من شئ من عمله (إلا من ثلاثة) أى ثلاثة أشياء، فإن فائدتها لا تنقطع، قال السندهى:
قوله((انقطع عنه عمله)) أى ثواب عمله، ولما كان هذا بمنزلة ((انقطع الثواب من كل أعماله، تعلق به قوله ((إلا من ثلاثة)) أى ثلاثة
أعمال. وقيل: بل الاستثناء متعلق بالمفهوم، أى ينقطع ابن آدم من كل عمل إلا من ثلاثة أعمال. والحاصل: أن الاستثناء
فى الظاهر مشكل، وبأحد الوجهين المذكورين يندفع الإشكال ـ انتهى. وقال الأبهرى: ((من، زائدة، والتنوين عوض
عن الأعمال، وقيل: بل الضمير فى ((عنه)) زائد ومعناه: إذا مات الإنسان انقطع عن أعماله إلا من ثلاثة أعمال. وقال
الطبى: الاستثناء متصل تقديره: ينقطع عنه ثواب أعماله من كل شئ كالصلاة والزكاة ولا ينقطع ثواب أعماله من هذه
الثلاثة، يعنى أن الإنسان إذا مات لا يكتب له بعده ثواب أعماله لأنه جزاء العمل وهو ينقطع بموته إلا فعلا دائم
الخير مستمر النفع، مثل وقف أو تصنيف أو تعليم أو ولد صالح، وجعل الولد الصالح من جنس العمل لأنه هو السبب
فى وجوده وسبب صلاحه بإرشاده إلى الهدى. وفائدة التقيد بالولد مع أن غيره لو دعا لنفعه ، تحريض للولد على
الدعاء وأنه كالواجب عليه - انتهى مختصرا (إلا من صدقة) إلخ. بدل من قوله ((إلا من ثلاثة) وفى التكرير مزيد تقرير
واعتناء بشأنه، وفى رواية أبى داود والنسائى ((من صدقة)) أى بدون لفظ ((إلا)، وفى رواية الترمذى ((إلا من ثلاث صدقة))
أى بغير لفظ ((إلا)، و«من» الجارة، فصدقة بالجر بدل من ثلاث (جارية) أى غير منقطعة كالوقف أو ما يديم للولى إجراء ها
عنه، وإليه يميل ترجمة النسائى وأبى داود بلفظ «باب الصدقة عن الميت، وفى الأزهار: قال أكثرهم هى الوقف وشبهه ما
يدوم نفعه (أو علم ينتفع به) هو ما خلفه من تعليم أو تصنيف ورواية، وقال بعضهم: حمله على التأليف أقوى لأ، أطول
مدة وأبقى على مر الزمان، المراد به العلم الشرعى (أو ولد صالح يدعوله) قال ابن الملك: قيد الولد بالصالح لأن الأجر
٣٠٦

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
رواه مسلم .
٢٠٥ - (٨) وعنه، قال: قال رسول اللّه مَّ: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس
الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر
لا يحصل من غيره، وإنما ذكر دعاءه تحريضا للولد على الدعاء لأبيه حتى قيل: للوالد ثواب من عمل الولد الصالح سواء
دعا لأبيه أم لا. قال الشيخ ولى الدين: إنما أجرى على هؤلاء الثلاثة الثواب بعد موتهم لوجود ثمرة أعمالهم بعد موتهم
كما كانت موجودة فى حياتهم. وقال عياض: معنى الحديث أن عمل الميت منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لما كان هو
سببها من اكتسابه الولد وبثه العلم عند من حمله عنه، أو إيداعه تأليفا بقى بعده، وإيقافه هذه الصدقة ، بقيت له أجورها
ما بقيت ووجدت، ولا تنافى بين هذا الحصر وبين قوله مَلّم: من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. لأنه
داخل فى باب «علم ينتفع به)) فإن وضع السنن وتأسيسها من باب التعليم المنتفع به، وكذا لا تنافى بينه وبين قوله ((كل
ميت يختم على عمله إلا المرابط فى سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، لأن الحصر فى حديث أبى هريرة يدل على
أن الثواب بانضمام الغير يجرى، كأنه قيل: ينقطع عمله المنضم إلى عمل الغير إلا عن ثلاث، والمرابطة ليست بداخلة فيها
فلا يخل بالحصر. وقيل: المرابطة داخلة فى الصدقة الجارية، لأن القصد فى المرابطة نصرة المسلمين ودفع أعداء الدين .
أو المجاهدة مع الكفار ودعوتهم إلى الإسلام لينتفعوا به فى الدارين، ونية المؤمن خير من عمله ، فلا يبعد أن يدخل
تحت جنس («الصدقة الجارية)) كحفر البئر وبناء الرباط (رواه مسلم) فى الوصايا، وأخرجه أيضا البخارى فى الأدب
المفرد ، والترمذى فى الأحكام ، وأبو داود والنسائى كلاهما فى الوصايا، وأخرج ابن ماجه معناه عن أبى قتادة وأبى
هريرة فى السنة .
٢٠٥ - قوله (كربة) ولو حقيرة، وهى بضم الكاف، الشدة العظيمة التى توقع صاحبها فى الكرب ، وهو غم
يأخذ بالنفس، وتنفيس الكربة أن يخفف عنه منها ويلطفها، والتفريج أعظم من ذلك، وهو أن يزيل عنه الكربة ففرج
عنه كربته ويزول همه وغمه، يدل على هذا الفرق حديث كعب بن عجرة عند الطبرانى، فإنه جمع فيه بينهما ، جزاء
التنفيس التنفيس، وجزاء التفريخ التفريج، وقيل: ((نفس)) ههنا بمعنى فرج، أى رفع وأزال. قال الطبى: كانه فتح
مداخل الأنفاس، فهو مأخوذ من ((أنت فى نفس)) أى سعة، كأن من كان فى كربة سد عنه مداخل الأنفاس ، فإذا
فرج عنه فتحت ، وهذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرت النصوص بهذا المعنى (من كرب الدنيا)
الفانية المنقضية، و((من)) تبعيضية أو ابتدائية (نفس الله عنه كربة) أى عظيمة (من كرب يوم القيامة) أى الباقية الدائمة،
فلا يرد أنه تعالى قال: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - ٦: ١٦٠ ) فإنه أعم من أن يكون فى الكمية أو الكيفية
(ومن يسر على معسر) أى سهل على فقير ، يعنى من كان له دين على فقير فسهل عليه بإمهال ، أو بترك بعضه أو كام
١٠٠
٣٠٧

مرعاة المفاتيح ج !
٢ - كتاب العلم
يسر الله عليه فى الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلما ستره الله فى الدنيا والآخرة. والله فى عون العبد
ما كان العبد فى عون أخيه. ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقاً إلى الجنة.
وما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم
السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بطأبه عمله
(يمر اللّه عليه فى الدنيا والآخرة) أى فى الدارين أو فى أمورهما (ومن ستر مسلما) أى بثوب، أو يترك التعرض لكشف
حاله بعد أن رآه يرتكب ذنبا. لكن الستر المندوب هو الستر على ذوى الهيئات من لا يعرف بالأذى والفساد، وأما
المعروف به، أو المتلبس بالمعصية بعد فيجب إنكارها ورفع الأمر إلى الولاة إن لم يقدر على منعه. وأما جرح الرواة
والشهود وأمناء الصدقات فواجب (ستره الله) أى عورته أو عيوبه، ويجوز إرادة ظاهره وإرادة ستر ذنبه جميعا
(والآخرة) يعنى ستره عن أهل الموقف، أو ترك المحاسبة عليه وترك ذكرها (والله في عون العبد) الواو للاستيناف،
وهو تذييل للكلام السابق (ما كان العبد) أى ما دام العبد مشغولا (فى عون أخيه) أى المسلم بأى وجه كان بجلب نفع
أو دفع ضر (ومن سلك طريقا) حقيقيا حسيا وهو المشى بالأقدام إلى مجالس العلماء، أو معنويا مثل حفظ العلم ،
ومدارسته، و«ذاكرته، ومطالعته، وكتابته، والتفهم له، ونحو ذلك من الطرق المعنوية التى يتوصل بها إلى العلم
(يلتمس) حال أو صفة (سهل الله له به) أى بذلك السلوك، والباء للسبة (طريقا إلى الجنة) أى يسهل له العلم الذى طلبه
وسلك طريقه وييسره عليه، فإن العلم طريق يوصل إلى الجنة، أو ييسر الله إذا قصد بطلبه وجه الله، الانتفاع به والعمل
بمقتضاه، فيكون سببا لهدايته ولدخول الجنة بذلك، وقد ييسر الله لطالب العلم علوما أخر ينتفع بها، وتكون موصلة له إلى
الجنة، أو يهل له طريق الجنة الحسى يوم القيامة وهو الصراط وما قبله وما بعده من الأحوال فيسر ذلك على
طالب العلم للانتفاع به (فى بيت من بيوت الله) هو شامل لجميع ما يبنى لله تقربا إليه من المساجد والمدارس والربط
(ويتدارسونه) قيل: شامل جميع ما يتعلق بالقرآن من التعلم والتعليم والتفسير والاستكشاف عن دقائق معانيه (السكينة)
قيل فى معنى السكينة أشياء، المختار منها أنها شئ من مخلوقات الله تعالى فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة ، قاله النووى
(وغنيتهم الرحمة) أى علّهم وغطتهم وسترتهم (وحفتهم الملائكة) أى ملائكة الرحمة والبركة أحدقوا وأحاطوا بهم
تعظيما الصنيعهم، أو طافوا بهم وداروا حولهم إلى سماء الدنيا يستمعون القرآن ودراستهم (وذكرهم الله فيمن عنده) أى
الملأ الأعلى والطبقة الأولى من الملائكة، وذكره تعالى المباهاة بهم (ومن بطأ به عمله) بتشديد الطاء، من التبطئة ضد
التبجيل كالا بطاء، والباء للتعدية أى من أخره عن بلوغ درجة السعادة عمله السعى فى الآخرة ، أو تفريطه فى العمل الصالح
٣٠٨

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
لم يسرع به نسبه. رواه مسلم.
٢٠٦ - (٩) وعنه، قال: قال رسول اللّه مؤهله: إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل
استشهد، فأتى به فعرفه نعمته فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال
كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جرئى، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى فى
النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟
قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن.
فى الدنيا (لم يسرع به نسبه) من الإسراع، أى لم يقدمه نسبه، أى لم ينفعه فى الآخرة شرف نسبه، فإن العمل الصالح هو
الذى يبلغ بالعبد درجات الآخرة، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله لم يسرع به نسبه فيلغه تلك
الدرجات، فإن الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب (رواه مسلم) فى الذكر والتوبة. وأخرجه أيضا
الترمذى فى الحدود، وفى البر والصلة، وفى العلم، وفى أواخر القراءة مختصرا ومطولا، وأبو داود فى الأدب والعلم،
والنسائى وابن ماجه فى السنة، وابن حبان فى صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما .
٢٠٦ - قوله (يقضى عليه) قيل: هو صفة للناس لأنه نكرة فى المعنى، أى يحاسب ويسئل من أضعاله، قيل:
ويستفاد منه أنه أول المقضى عليهم لا مطلقا (يوم القيامة) أى ثلاثة (رجل استشهد) على بناء المفعول أى قتل فى سبيل
اللّه (فأتى به) أى بالرجل للحساب (فعرفه) بالتشديد، أى ذكره تعالى (نعمته) على صيغة المفرد ههنا والباقيتان على صيغة
الجمع، ولعل الفرق اعتبار الافراد فى الأولى، والكثرة فى الأخيرتين، كذا ذكره الطبى. ولعل المراد بالكثرة
أصناف العلوم والأموال، وهذا التعريف للتبكيت وإلزام المنعم عليه ولذلك أتبعه بقوله (فعرفها) بالتخفيف أى فاعترف
بها وتذكرها فكانه من الهول والشدة نسيها وذهل عنها (فما عملت فيها) أى فى مقابلتها شكرا لها (قال) أى الرجل
(قاتلت فيك) أى جاهدت فى جهتك خالصة لك، كذا ذكره الطبي. أى حاربت لأجلك، ففى تعليلية (كذبت) أى فى
دعوى الإخلاص (لأن يقال جرئ) أى لأن يقال فى حقك أنك أو هو جرئى أى شجاع (فقد قيل) أى ذلك القول
فى شأنك، حصل مقصودك وغرضك (ثم أمر به) أى قيل لخزنة جهنم: ألقوه فى النار (فسحب) أى جر (ورجل تعلم
العلم) الشرعى (وعلمه) الناس (وقرأ القرآن) تخصيص بعد تعميم، أو المراد به مجرد تلاوة القرآن، يعنى التعلم والتعليم لم
يمنعاه عن الاشتغال بالقرآن (فأتى به) إلى محضر الحساب (فما عملت فيها) أى هل صرفتها فى مرضاتى أم فى غيرها
(تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن) أى صرفت نعمتى التى أنعمت بها على فى الاشتغال بالعلم والعمل والقراءة
٣٠٩

مرعاة المفاتيح ج١
٢ - كتاب العلم
قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل.
ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى فى النار. ورجل وسع اللّه عليه وأعطاه من أصناف المال
كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها
إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل. ثم أمر به فسحب
به على وجهه ثم ألقى فى النار. رواه مسلم.
٢٠٧ - (١٠) وعن عد اللّه بن عمرو، قال: قال رسول الله من له: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً
ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساً
ابتغاء لوجهك، وشكرا لنعمتك (تعلمت العلم ليقال: إنك عالم) ولعله لم يقل «وعلمت العلم يقال إنك معلمه الاختصار،
واتكفاء بالمقايسة (فقد قيل) لك عالم وقارئ، فما لك عندنا أجر (ورجل وسع الله عليه) أى كثر ماله (وأعطاه)
عطف بيان (من أصناف المال كله) كالنقود، والمناع، والعقار، والمواشى (فما عملت فيها) أى فى مقابلة النعم ، أو فى
الأموال (ما تركت من سبيل) ((من) زائدة تأكيدا لاستغراق النفى (قال: كذبت) أى فى قولك «لك، (هو جواد) أى
سفى كريم. والحديث دليل على وجوب الإخلاص فى الأعمال، وهو كما قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين
له الدين - ٩٨: ٥) وأن العمومات الواردة فى فضل الجهاد ، وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين فى وجوه
الخيرات ، كل ذلك محمول على من فعل ذلك لله تعالى مخلصا (رواه مسلم) فى الجهاد، وأخرجه أيضا النسائى. قال
المنذرى: ورواه الترمذى، وحسنه ابن حبان فى صحيحه كلاهما بلفظ واحد .
٢٠٧ - قوله (قال رسول مؤلّه) أى فى حجة الوداع (إن الله لا يقبض العلم) أى علم الكتاب والسنة
(انتزاعا) مفعول مطلق عن معنى يقبض، نحو قعد جلوسا. وقوله (ينتزعه من العباد) جملة مستأنفة ليان القبض انتزاعا،
أى يرفعه عن قلوبهم. وقيل: صفة لانتزاعا. والظاهر أن ضميره للعلم لا للانتزاع، فلا يصلح أن يكون صفة الانتزاع
لعدم العائد، فليتأمل. أو هو مفعول مطلق مقدم، والمجملة حالية، أى لا يقبض العلم حال كون العلم ينتزعه انتزاعا من العباد،
أو حال من العلم بمعنى منتزعا أى لا يقبض العلم حال كونه منتزعا ينتزعه من العباد (ولكن يقبض العلم) أى يرضه (بقبض
العلماء) أى بموتهم وقبض أرواحهم (حتى) ابتدائية دخلت على الجملة (إذا لم يبق) الله (عالما) وفى رواية «لم يترك عالما»
ولفظة («حتى، تدل على أن ذلك واقع بالتدريج كما أن ((إذا، تدل على أنه واقع لا محالة (رؤسا) ضبط فى مسلم بوجهين:
أحدهما بضم الهمزة والتنوين جمع رأس، أى سادة كبراء عظماء، والثانى رؤساء جمع رئيس، وكلاهما صحيح والأول
٣١٠
١

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. متفق عليه.
٢٠٨ - (١١) وعن شقيق، قال: كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس فى كل خميس. فقال له
رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك ذكرتنا فى كل يوم. قال: أما إنه يمنعنى من ذلك أنى أكره
أن أملكم، وإنى أتخولكم بالموعظة كما كان رسول اللّه مريم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا.
أشهر (جهالا) جمع جاهل، وهو صفة ((رؤسا)) وهذا يكون عند انقراض العالم مطلقا (فأفتوا) أى أجابوا وحكموا.
قال العينى: لا يختص هذا بالمفتين ، بل عام للقضاة الجاهلين، إذ الحكم بالشى مستلزم للفتوى به (بغير علم) وفى رواية
(برائهم)). وفى الحديث الحث على العلم والتحذير عن ترئيس الجهلة وذم من يقدم على الإفتاء بغير علم (فضلوا) أى
صاروا ضالين بالفتوى بغير علم (وأضلوا) أى صاروا مضلين لغيرهم (متفق عليه) أخرجه البخارى فى العلم، وفى الاعتصام،
ومسلم فى العلم ، وأخرجه أيضا أحمد، والترمذى، والنسائى فى العلم ، وابن ماجه فى السنة.
٢٠٨ - قوله (وعن شقيق) هو ابن سلمة يكنى أبا وائل الأسدى ، ثقة حجة ، مخضرم ، روى عن خلق من
الصحابة ، منهم عمر بن الخطاب ، وابن مسعود، وكان خصيصا به من أكابر أصحابه، وهو كثير الحديث. مات فى
خلافة عمر بن عبد العزيز (يذكر الناس) بالتشديد، أى يعظهم (فى كل خميس) احتمل عمل ابن مسعود مع استدلاله
أن يكون اقتدى بفعل النبى مر قم حتى فى اليوم الذى عينه. واحتمل أن يكون اقتدى بمجرد التخلل بين العمل والترك
الذى عبر عنه بالتخول (فقال له رجل) قال الحافظ: هذا المبهم يشبه أن يكون هو يزيد بن معاوية النخعى ، وفی سیاق
البخارى فى أواخر الدعوات ما يرشد إليه (يا أبا عبد الرحمن) هو كنية ابن مسعود (لوددت) أى أحبت أو تمنيت
(أنك ذكرتنا فى كل يوم) قاله استحلاء للذكر لما وجد من بركته ونوره (قال) أى ابن مسعود (أما) بمعنى ((ألا، التنبيه
(إنه) بكسر الهمزة والضمير للثأن (بمنعنى من ذلك) أى من التذكير كل يوم (أنى أكره) بفتح الهمزة فاعل (يمنعنى)) أى
كراهتى (أن أملكم) بضم الهمزة وكسر الميم وتشديد اللام المفتوحة، أى أكره إملالكم يعنى إيقاعكم فى الملالة والضجر،
(وإنى) بكسر الهمزة عطف على «إنه)) أو حال (أتخولكم) من التخول وهو التعهد وحسن الرعاية (كما كان) إلخ.
الكاف للتشبيه و«ماء مصدرية (تخولنا) أى يتعهدنا. والمعنى: كان يراعى الأوقات فی تذكيرنا ، ويتحرى منها ما كان
مظنة القبول ، ولا يفعل ذلك فى كل يوم لئلا نمل ونسأم (مخافة السآمة) بالنصب مفعول له ، أى لأجل مخافة السآمة من
الموعظة (علينا) متعلق بالسآمة على تضمين معنى المشقة، أى مخافة المشقة علينا، أو بتقدير الصفة ، أى مخافة السآمة
الطارئة علينا، أو الحال أى مخافة السآمة حال كونها طارئة علينا، أو بمحذوف فى مخاضة السآمة شفقة علينا. وفى
الحديث الاقتصاد فى الموعظة لثلا تملها القلوب فيفوت المقصود. واستبط البخارى منه التعهد والتخول بالعلم
٣١١

مرعاة المفاتيح ج ١
٣- كتاب العلم
متفق عليه .
٢٠٩ - (١٢) وعن أنس، قال: كان النبى مؤ تم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، وإذا
أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا. رواه البخارى . .
٢١٠ - (١٣) وعن أبى مسعود الأنصارى، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه
والاقتصاد فيه كيلا يفر الطلبة، وأخذ من صنيع ابن مسعود فى تذكيره كل خميس أو من استنباطه ذلك من
الحديث الذى رواه، جواز أن يجعل الشيخ لأهل العلم يوما معلوما أو أياما معلومة (متفق عليه) أخرجه البخارى فى
العلم، وفى الدعوات، ومسلم فى التوبة. وأخرجه أيضا الترمذى فى أواخر الاستئذان.
٢٠٩ - قوله (إذا تكلم بكلمة) المراد بها ما يشمل الجملة والجمل. وجزاء الجمة (أعادها ثلاثا) أى ثلاث مرات.
قال البدر الدمامينى: لا يصح أن يكون (أعاد، مع بقائه على ظاهره عاملا فى ((ثلاثا، ضرورة أنه يستلزم قول تلك الكلمة
أربع مرات فإن الإعادة ثلاثا إنما تتحقق بها، إذ المرة الأولى لا إعادة فيها ، فإما أن آضمن معنى ((قال)) ويصح عملها فى
(ثلاثا) بالمعنى المضمن، أو يقى (أعاد)) على معناه ويجعل العامل محذوفا أى أعادها فقالها ثلاثا، فلم تقع الإعادة إلا مرتين-انتهى.
والمراد أنه كان يكرر الكلام ثلاثا إذا اقتضى المقام ذلك لصعوبة المعنى، أو غرابته أو كثرة السامعين لا دائما، فإن تكرير الكلام
من غير حاجة لتكريره ليس من البلاغة ، فيحمل الحديث على المواضع المحتاجة إلى الإعادة لا على العادة ، وإلا لما كان
لذكر عدد الثلاث فى بعض المواضع كثير فائدة، مع أنهم يذكرون فى الأمور المهمة أنه قالها ثلاثا كما لا يخفى. فإن
قلت: عنوان هذا الكلام يفيد الاعتياد . قلت: لوسلم يمكن أن يقال: كان عادته الإعادة فى كل كلمة مهمة لا فى كل كلمة،
على أن تنكير «كلمة)) للتنظيم. وفيه دليل على أنه ينبغى للعلم أن يكرر الكلام فى المواضع المهمة المحتاجة إلى الاهتمام،
وكذا إذا كان المستفيد لا يحفظ من مرة (حتى تفهم) أى لكى تعقل تلك الكلمة (عنه) أى فهما قويا راسخا فى النفس
(وإذا أنى على قوم فسلم عليهم) أى فأراد السلام عليهم (سلم عليهم ثلاثًا) أحدها الاستيذان ، والثانى عند الدخول ،
والثالث عند الوداع، وكل سنة. وقيل: المعنى أن القوم إذا كانوا كثيرين بحيث لا يبلغهم سلام واحد، فإذا دخل عليهم
سلم ثلاثا أى فى الجوانب الثلاث. وقيل: هديه فى التسليم الثانى والثالث إن ظن أن الأول لم يحصل به الإسماع، كما سلم
لما انتهى إلى منزل سعد بن عبادة ثلاثا فلما لم يجبه أحد رجع (رواه البخارى) فى العلم، وفى الاستذان، وأخرجه
أيضا أحمد والترمذى فى الاستذان، وفى الماقب، والحاكم فى المستدرك (ج ٤: ص ٢٧٣) ووهم فى استدراكه.
٢١٠ - قوله (وعن أبى مسعود الأنصارى) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة، أبو مسعود الأنصارى البدرى، الصحابى
الجليل ، مشهور بكنيته، اتفقوا على أنه شهد العقبة وأحدا وما بعدها، ونزل الكوفة، وكان من أصحاب على، واختلفوا
٣١٢

مرعاة المفاتيح ج ١
٢- كتاب العلم
أبدع بى فاحملنى. فقال: ما عندى. فقال رجل: يا رسول الله! أنا أدله على من يحمله. فقال
رسول اللّه مَّى: من دل على خير فله مثل أجر فاعله. رواه مسلم.
٢١١ - (١٤) وعن جرير، قال:
فى شهوده بدرا فقال الأكثر: نزل ماء بدر فنسب إليه، وجزم البخارى بأنه شهد غزوة بدر، واستدل بأحاديث
أخرجها فى صحيحه. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام ومسلم فى الكنى: شهد بدرا. وقال ابن البرقى: لم يذكره ابن
اسحق فى البدريين. وورد فى عدة أحاديث أنه شهدها. قات: القول ما قال البخارى، لما يدل عليه الأحاديث
الصحيحة. وروى له مائة وحد ثان ، اتفقا على تسعة، وانفرد البخارى بحديث ، ومسلم بسبعة. روى عنه ابنه بشير
وخلق سواه. مات بعد الأربعين بالكوفة، وقيل بالمدينة (أبدع بى) على بناء المفعول ، يقال: أبدعت الراحلة إذا
انقطعت عن البير كلال. جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه إبداعا عنها، أى إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها .
ويقال: أبدع بلرجل إذا كلت ركابه أو عطبت وبقى منقطعا به. ولما حول للمفعول صار الظرف نائبه كسير بعمرو
(فاحملنى) بهمزة الوصل أى أركبى واجعلنى محمولا على دابة غيرها (فقال) مت في (ما عندى) أى لا أجد ما أحملك عليه "
(من دل) أى بالقول أو الفعل أو الإشارة أو الكتابة (على خير) أى علم أو عمل مما فيه أجر وثواب (فله) أى فللدال
(مثل أجر فاعله) أى من غير أن ينقص من أجره شئى، قاله القارى. وقال المناوى: فله مثل أجر فاعله أى لاعانته
عليه. وهذا إذا حصل ذلك الخير وإلا فله ثواب دلالته. قال النووى: المراد أن له ثوابا بذلك كما أن لفاعدله ثوابا .
ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء -اتهى. وذهب بعض الأئمة إلى أن المثل المذكور فى هذا الحديث ونحوه إنما هو
بغير تضعيف. وقال القرطبى: إنه مثله سواء فى القدر والتضعيف لأن الثواب على الأعمال إنما هو تفضل من الله يهبه
لمن يشاء وعلى أى شئ صدر منه خصوصا إذا صحت النية التى هى أصل الأعمال فى طاعة عجز عن فعلها لما نع منع منها.
فلا بعد فى مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر والفاعل أو يزيد عليه، قال: وهذا جار فى كل ماورد مما يشبه ذلك
الحديث، كذا فى السراج المنير (رواه مسلم) فى الجهاد، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى فى العلم، وأبو داود فى
الأدب، وورد معناه عن ابن مسعود عند ابن حبان فى صحيحه والبزار، وعن أنس عند الترمذى والبزار وابن أبى
الدنيا، وعن بريدة بن الحصيب عند أحمد والضياء وعن سهل بن سعد عند الطبرانى فى الكبير والأوسط .
٢١١ - قوله (وعن جرير) بن عبد الله بن جابر البجلى القسرى أبو عمرو، أو أبو عبد اللّه اليمانى، أسلم سنة
عشر، وبسط له النبيِ مَ ◌ّ ثوبا، ووجهه إلى ذى الخاصة فهدمها. روى الشيخان وغيرهما عنه ، قال: ما حجبنى رسول
اللّه ◌َوَّل منذ أسلمت، ولارآنى إلا تبسم. وشهد فتح المدائن، وكان على ميمنة الناس يوم القادسية، ويلقب بيوسف
هذه الأمة. وقال عبد الملك بن عمير: رأيت جرير بن عبد الله وكان وجهه شقة قمر. له مائة حديث، اتفقا على ثمانية،
٣١٣
.

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
كنا فى صدر النهار عند رسول الله مريض، جاءه قوم عراة مجتابى المار أو العباء، متقلدى السيوف،
عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول اللّه مؤلّ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل
ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم
من نفس واحدة) إلى آخر الآية {إن الله كان عليكم رقيباً) والآية التى فى الحشر (اتقوا الله
ولتنظر نفس ما قدمت لغد) تصدق رجل من ديناره،
وانفرد البخارى بحديث، ومسلم بستة. مات سنة (٥١) وقيل: بعدها. روى عنه خلق كثير (كنا فى صدر النهار)
أى أوله (عراة) جمع عار، أى يغلب عليهم العرى حال كونهم (مجتابى) بالجيم الساكنة وبعد الألف باء موحدة، من الاجتياب
(النمار) بكسر النون جمع نمرة بالفتح، وهى كساء مخطط من صوف، أى لابسى النمار قد خرقوها فى رؤسهم وقوروا
وسطها، والجوب القطع (أو العباء) بفتح العين كساء معروف و(أو)) للشك من الراوى (عامتهم) أى أكثرهم أو غالبهم
(بل كلهم من مضر) قال السندهى: إضراب إلى التحقيق ، ففيه أن قوله ((عامتهم، كان عن عدم التحقيق واحتمال أن
يكون البعض من غير مضر أول الوهلة (فتمعر) أى تغير (وجه رسول اللّه مؤيّ) أى وظهر عليه آثار الحزن (من الفاقة)
أى الفقر الشديد، و«من» بيان «لما)، (فدخل) أى بيته، لعله لاحتمال أن يجد فى البيت ما يدفع به فاقتهم ، فلعله ما وجد
تخرج، أو دخل لتجديد الطهارة، والله أعلم (فأمر بلالا) أى بالأذان (فصلى) أى إحدى الصلوات المكتوبة بدليل الأذان
والإقامة، والظاهر أنها الظهر لقوله ((فى صدر النهار)) (فقال يا أيها الناس اتقوا ربكم) إلخ. سبب قراءة هذه الآية
وهى أول النساء، أنها أبلغ فى الحث على الصدقة عليهم ، ولما فيها من تأكد الحق لكونهم إخوة (إلى آخر الآية) وتمامها
. وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام - ٤: ١) (إن الله كان
عليكم رقيا) بيان لآخر الآية (والآية التى فى الحشر) بالنصب عطفا من حيث المعنى على قوله: ﴿ يا أيها الناس اتقوا)
على تأويل ((قال) بقرأ. أى قرأ هذه الآية والآية التى فى سورة الحشر، قاله الطبي. وأولها ﴿يا أيها الذين آمنوا) وبعده
(اتقوا الله ولتنظر نفس) نكرة تفيد العموم، أى كل نفس، كقوله تعالى: ﴿علمت نفس - ٥:٨٢) أى لتفكر وتتأمل
النفوس (ما قدمت) أى أى شئى من العبادات والخيرات أرسلته إلى الآخرة (لغد) أى لنفع غد من الزمان ، وهو يوم
القيامة، وتمامها ﴿واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون - ٥٩: ١٨﴾ (تصدق رجل من ديناره) بفتح القاف صيغة
ماض بمعنى الأمر ذكر بصيغة الاخبار مبالغة فكأنه أمره وامثل به فأخبر عنه به ، وبه اندفع قول الطبى: لو حمل
(تصدق)) على الماضى لم يساعده قوله ((ولو بشق تمرة)) لأن ذلك لو كان إخبارا معنى، وأما إذا كان أمرا معنى فلا.
قلت: قال الطبى : لعل الظاهر «ليتصدق رجل، ولام الأمر للغائب محذوف والقاف ساكنة ، وجوزه ابن الأنبارى،
٣١٤

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة. قال: جاء رجل
من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها ، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من
طعام وثياب. حتى رأيت وجه رسول اللّه مَ لّم يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله عزّ: من سن
فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم
شئ، ومن سن فى الإسلام
وفقل عن بعض أهل اللغة أن ((نبك)) فى ((قفا نبك، مجزوم على تأويل الأمر، أى فلنبك واحتج بقوله تعالى: ﴿ذرهم
يأكلوا - ٣:١٥)} أى فليأكلوا، ولو حمل («تصدق)) على الفعل الماضى لم يساعده قوله: ولو بشق تمرة، إذ المعنى ليتصدق
رجل ولو بشق تمرة، وكذا قوله ((جاء رجل، إلخ. لأنه بيان لامتثال أمره عليه السلام عقيب الحث على الصدقة، ولمن
يجريه على الاخبار وجه لكن فيه تعسف غير خافـانتهى. قال الأبهرى: ويأبى عن الحمل على حذف اللام عدم حرف
المضارعة - انتهى، فيتعين حمله على أنه خبر لفظا وأمر معنى، وإتيان الاخبار بمعنى الإنشاء كثير فى الكلام ليس فيه تكلف
فضلا عن تعسف. قال الطيب، و((رجل)) نكرة وضعت موضع الجمع المعرف لإفادة الاستغراق فى الافراد وإن لم تكن
فى سياق النفى كشجرة فى قوله: ﴿ ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام - ٣١: ٢٧) فإن ((شجرة، وقعت موضع
الأشجار. ومن ثم كرر فى الحديث مرارا بلا عطف، أى ليتصدق رجل من ديناره ، ورجل من درهمه، وهلم جرا،
و ((من، فى (من دينار)) إما تبعيضية أى ليتصدق ما عنده من هذا الجنس، وإما ابتدائية متعلقة بالفعل فالإضافة بمعنى الام،
أى ليتصدق بما هو مخص به وهو مفتقر إليه (حتى قال) أى النبى مؤثّم ليتصدق كل رجل منكم (ولو بشق تمرة. قال) أى
الراوى وهو جرير (بصرة) بالضم أى ربطة من الدراهم لا من الدنانير على الظاهر (تعجز عنها) أى عن حمل الصرة
لثقلها لكثرة ما فيها (ثم تتابع الناس) أى توالوا فى إعطاء الصدقات (كومين) الكوم بالضم العظيم من كل شئى ،
والكوم بالفتح المكان المرتفع كالرابية. قال القاضى: الفتح ها أولى لأن مقصوده الكثرة والتشبيه بالرابية (من طعام)
الظاهر أنه هنا حبوب ، ولعل الاقتصار عليه من غير ذكر النقود لغلبته (يتهلل) أى يستنير فرحا وسرورا (مذهبة) بضم
الميم وسكون الذال المعجمة وفتح الهاء بعده موحدة أى فضة مذهبة أى موهة بالذهب، ومعناه ظهور البشر فى وجهه مرتفع
حتى استنار وأشرق من السرور، والمذهبة أيضا صحيفة منقشة بالذهب، أو ورقة من القرطاس مطلية بالذهب، يصف
حسنه وتلألؤه (من سن فى الإسلام سنة حسنة) أى أتى بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين ، أو صار
باعثا وسيا لترويج أمر ثابت فى الشرع (فله أجرها) أى أجر السنة أى ثواب العمل بها والإضافة لأدنى ملابسة فإن
السنة سبب ثبوت الأجر جازت الإضافة (من بعده) أى من بعد ما سن (من غير أن ينقص) على البناء للمفعول ، وجوز
٣١٥

مرعاة المفاتيح ج ١
٢- كتاب العلم
سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شى.
رواه مسلم .
٢١٢ - (١٥) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول اللّه مَ ◌ّه: لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن
آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل. متفق عليه. وسنذكر حديث معاوية ((لا يزال
من أمتى، فى باب ثواب هذه الأمة إن شاء الله تعالى.
( الفصل الثانى )
٢١٣ - (١٦) عن كثير بن قيس، قال: كنت جالساً مع أبى الدرداء
أن يكون معلوما لأنه متعد ولازم (سنة سيئة) أى طريقة غير مرضية لا يشهد لها أصل من أصول الدين يعنى بدعة
شرعية (من أوزارهم) جمع فى الموضعين باعتبار معنى ((من)، كما أفرد فى ((ينقص)) باعتبار لفظه. وفى الحديث الحث على
البداءة بالخير ليستن به، والتحذير من البداءة بالشر خوف أن يستن به، ووجه المناسبة بالعلم أن استنان السنن المرضية من
باب العلم المنتفع به (رواه مسلم) فى الزكاة و فى العلم، وأخرجه أيضا النسائى فى الزكاة مطولا، والترمذى فى العلم ، وابن
ماجه فى السنة مختصرا أى بدون القصة.
٢١٢ - قوله (ظلما) نصب على التمييز (إلا كان على ابن آدم الأول) صفة لابن، والمراد الأول من القتلة
أى الذى هو قاتل أولا، لا أول الأولاد. قيل هو قايل قتل أخاه هابيل ﴿إِذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل
من الآخر - ٥: ٢٧ ﴾ وارجع للتفصيل إلى كتب التفسير ( كفل) أى نصيب (من دمها) أى دم النفس (لأنه أول
من سن القتل) فهو متبوع فى هذا الفعل ، والتبوع نصيب من فعل تابعه وإن لم يقصد التابع اتباعه فى الفعل (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى خلق آدم، وفى الديات، وفى الاعتصام. ومسلم فى الحدود، وأخرجه أيضا الترمذى فى العلم،
والنسائى فى المحاربة، وابن ما جه فى الحدود .
٢١٣ - قوله (عن كثير بن قيس) الشامى، ويقال: قيس بن كثير. والأول أصح، ضعيف من أوساط
التابعين. قال فى تهذيب التهذيب: روى عن أبى الدرداء فى فضل العلم، وعنه داود بن جميل، جاء فى أكثر الروايات
أنه كثير بن قيس على اختلاف فى الإسناد إليه ، وتفرد محمد بن يزيد الواسطى فى إحدى الروايتين عنه بتسمية قيس بن
کثیر ، وهو وهم. وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال ابن سميع: أمره ضعيف لم يثبته أبو سعيد یعنی دحيما. وقال
الدار قطنى: ضعيف. ووقع لابن قانع وهم بحت عجيب فى معجم الصحابة فإن الحديث وقع له بدون ذكر أبى الدرداء
٣١٦

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
فى مسجد دمشق، نجاءه رجل فقال: يا بالدرداء إنى جئتك من مدينة الرسول على الحديث
بلغنى أنك تحدثه عن رسول اللّه ملقم ما جئت لحاجة. قال: فإني سمعت رسول اللّه مؤ تم يقول:
من سلك طريقاً يطلب فيه علما سلك اللّه به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها
رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من فى السموات ومن فى الأرض والحيتان فى جوف الماء،
فيه، فذكر كثيرا بسبب ذلك فى الصحابة فأخطأ ــ انتهى (فى مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح الميم ويكسر، أى الشام
(يا با الدرداء) يقرأ الهمزة بعد حرف النداء ولا يكتب رسما (الحديث) أى لأجل تحصيل حديث (بلغنى أنك تحدثه)
أى ذلك الحديث (عن رسول اللّه وَّل) يحتمل أن يكون سمعه إجمالا، أو أراد أن يسمعه بلا واسطة لإ فادة العلم وزيادة
الطمانينة، أو لعلو الإسناد فإنه من الدين (ما جئت) إلى الشام (لحاجة) أخرى غير أن أسمعك الحديث (قال) أى أبو
الدرداء (فإني سمعت رسول اللّه ◌َ بٍ) يحتمل أن هذا الحديث هو الحديث المطلوب للرجل أو غيره. ذكره تبشيرا له وترغيا
فى مثل ما فعل (من سلك طريقا يطلب فيه) أى فى ذلك الطريق (علما) قال الطيبي: إنما أطلق الطريق والعلم ليشملا فى
جنسهما أى طريق كان من مفارقة الأوطان والضرب فى البلدان إلى غير ذلك وأى علم كان من علوم الدين قليلا كان أو
كثيرا (سلك اللّه به طريقا) الضمير المجرور عائد إلى ((من)) والباء للتعدية أى جعله سالكا ووفقه أن يسلك طريق الجنة.
وقيل: عائد إلى العلم والباء للسبية و(«سلك)) بمعنى سهل والعائد إلى من محذوف، والمعنى سهل الله له بسبب العلم طريقا، فعلى
الأول ((سلك)) من السلوك، وعلى الثانى من السلك، والمفعول محذوف كقوله تعالى: ﴿يسلكه عذابا صعدا -٧٣: ١٧)
وعلى التقديرين نسبة ((سلك)) إلى الله تعالى على سبيل المشاكلة، كذا قاله الطبى. وهو إما كناية عن التوفيق للخيرات فى
الدنيا أو عن إدخال الجنة بلا تعب فى الآخرة (وإن الملائكة لتضع أجنحتها) جمع جناح بالفتح، وهو محمول على الحقيقة
وإن لم يشاهد، أى تفرشها لتكون وطاء له إذا مشى، أو تكفها عن الطبران وتنزل عند مجالس العلم لسماعه، أو تبسطها له
وتحمله عليها وتبلغه حيث يريد من البلاد، ومعناه المعونة فى طلب العلم، أو هو مجاز عن التواضع توقيرا لعلمه وتعظيما
لحقه ومحبة للعلم (رضا) حال أو مفعول له على معنى إرادة رضا ليكون فعلا لفاعل الفعل المعلل به (لطالب العلم) متعلق
برضا (ليستغفر له) إذا لحقه ذنب، ومجازاة على حسن صنيعه بالهام من الله تعالى إياهم ذلك، وذلك لعموم نفع العلم
فإن مصالح كل شئ ومنافعه منوطة به، وهو محمول على الحقيقة (والحيتان) جمع الحوت ، قال الطبي: ذكر الحيتان
بعد ذكر الملائكة والثقلين تميم لاستيعاب جميع الحيوانات على طريق «الرحمن الرحيم، كما بيناه فى فتوح الغيب ، وأما
تخصيص الحيتان فللدلالة على أن إنزال المطر يبر كتهم حتى أن الحيتان تعيش بسبهم كما ورد: بهم تمطرون وبهم ترزقو.
٣١٧

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء،
وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر. رواه أحمد،
والترمذى، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمى. وسماه الترمذى قيس بن كثير.
٢١٤ - (١٧) وعن أبى أمامة الباهلى، قال: ذكر لرسول اللّه عليه رجلان: أحدهما عابد والآخر
عالم، فقال رسول اللّه مؤقّى: فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم. ثم قال رسول اللّه من فقه:
(وإن فضل العالم) والمراد به من غلب عليه الاشتغال بالعلم على عبادته النافلة (على العابد) المراد به من غلب عبادته على
الاشتغال بالعلم ( كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) شبه العابد بالكواكب لأن كمال العبادة ونورها لا
يتعدى منه على غيره. وشبه العالم بالقمر الذى يتعدى نوره ويستضئى به وجه الأرض لأن كمال العلم ونوره يتعدى إلى
غيره فيستضئى بنوره المتلقى عن النى ◌ّم الذى هو شمس العلم والدين، وإنما قيده بليلة البدر لكمال إضاءة القمر فيها
وانمحاء الكواكب فى شعاعها (ورتة الأنبياء) لم يقل ورثة الرسل ليشمل الكل (وإن الأنبياء لم يورثوا) بالتشديد
(ديناراولادرهما) أى شيئًا من الدنيا. وخصا لأنهما أغلب أنواعها. والمراد أنهم ما ورثوا أولادهم وأزواجهم شيئا من
ذلك، بل بقى بعدهم إن بقى شئ معدالنوائب المسلمين (وإنما ورثوا) من التوريث (فمن أخذه) أى العلم (أخذ بحظ وافر)
أى أخذ حظا وافرا يعنى نصيبا تاما، والباء زائدة للتأكيد (رواه أحمد) (ج ٥: ص ١٩٦) (والترمذى وأبو داود)
فى العلم (وابن ماجه) فى السنة (والدارمى) فى العلم (وسماه) أى سمى الراوى عن أبى الدرداء (الترمذى) فى روايته ،
وكذا أحمد فى طريق له (قيس بن كثير) وهو وهم من أحد الرواة، والصحيح كثير بن قيس. قال المذرى فى الترغيب:
. وقد اختلف فى هذا الحديث اختلافا كثيرا ذكرت بعضه فى مختصر السنن وبسطته فى غيره - انتهى، فمن شاء الوقوف على
ذلك فليرجع إلى مختصر السين. وسند الترمذى منقطع بين عاصم بن رجاء وقيس بن كثير لعدم ذكر واسطة داود بن
جميل بينهما. ورواه أبو داود، وابن ماجه، والدارمى، وابن حبان فى صحيحه، والبيهقى فى الشعب، وكذا أحمد فى
طريق له متصلا بذكر الواسطة وهذا أرجح .
٢١٤ - قوله (وعن أبى أمامة) بضم الهمزة (الباهلى) نسبة إلى باهلة بكسر الهاء، قوم وأبو أمامة كان سيدهم.
(ذكر) على البناء للمفعول (لرسول الله مرتفع رجلان) أى بوصف الكمال، وهو يحتمل أن يكون تمثيلا، وأن يكونا
موجودين فى الخارج قبل زمانه أو فى أوانه ، ويؤيد الثانى ما ذكر فى الفصل الثالث من رواية الحسن مرسلا قال: سئل
رسول الله مؤلّ عن رجلين كانا فى بنى إسرائيل أحدهما كان عالما، إلخ (فضل العالم) بالعلم الشرعى مع القيام بفائض
العبودية (على العابد) أى على المتجرد للعبادة بعد تحصيل قدر الفرض من العلوم ( كفضلى على أدناكم) أى نسبة مرقه
٣١٨

مرعاة المفاتيح ج ١
٢ - كتاب العلم
إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة فى جحرها وحتى الحوت، ليصلون على معلم
الناس الخير. رواه الترمذى .
٢١٥ - (١٨) ورواه الدارمى عن مكحول مرسلا، ولم يذكر: رجلان، وقال: فضل العالم على العابد
كفضلى على أدناكم، ثم تلا هذه الآية ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء) وسرد الحديث إلى آخره.
العالم إلى شرف العابد كنسبة شرف الرسول إلى شرف أدنى الصحابة. وفيه مبالغة لا تخفى (وأهل السماوات) تعميم بعد
تخصيص (والأرض) أى أهل الأرض من الانس والجن وجميع الحيوانات (حتى النملة) بالنصب على أن ((حتى، عاطفة،
وبالجر على أنها جارة ، وبالرفع على أنها ابتدائية. قال القارى: والأول أصح (فى جحرها) بضم الجيم وسكون الهاء،
أى ثقبها (وحتى الحوت) كما تقدم ، وهما غايتان مستوعبتان لدواب البر والبحر، وخصت النملة من دواب البر لأنها
أكثر الحيوانات ادخارا للقوت فى جحرها فهى أحوج إلى بركتهم من غيرها (ليصلون) أى يدعون بالخير. وفيه
تغليب للعقلاء على غيرهم (على معلم الناس الخير) قيل: أراد بالخير هنا علم الدين وما به نجاة الرجل. وفيه إشارة إلى
وجه الأفضلية بأن نفع العلم متعد، ونفع العيادة قاصر (رواه الترمذى) فى العلم، وقال: حديث حسن غريب صحيح.
وأخرجه أيضا الطبرانى، والضياء، وأخرج البزار من حديث عائشة مختصرا قال: معلم الخير يستغفر له كل شئ حتى
الحيتان فى البحر .
٢١٥ - قوله (ورواه الدارمى عن مكحول) كنيته أبو عبد الله أو أبو مسلم أو أبو أيوب الشامى الدمشقى. قيل:
كان من سبي كابل، وكان معلم الأوزاعى، ثقة فقيه كثير الإرسال من الطبقة الصغرى من التابعين، وروى عنه قال:
عنقت بمصر فلم أدع فيها علىما إلا احتويت عليه فيما أدرى ، ثم أتيت العراق، والمدينة، والشام فذكر كذلك. قال
الخزرجى: روى عن كثير من الصحابة مرسلا. مات سنة بضع عشرة ومائة (مرسلا) أى حذف الصحابى (ولم يذكر)
أى مكحول (رجلان) مرفوع على الحكاية، والمراد: هو وما بعده من قوله ((أحدهما عابد والآخر عالم، ولذا قال
(وقال) أى مكحول رواية عن رسول اللّه مد فيلم وحكاية (إنما يخشى الله) بالنصب (من عباده العلماء) بالرفع. والخشبة
الخوف مع التعظيم ، وقرى فى الشواذ برفع الجلالة ونصب العلماء، أى يعظمهم على التجريد. قيل: هو استشهاد لبيان
علة الفضل وحاصله: أن العلم يورث الخصية لكون صاحبه أكثر معرفة بالله وبجلاله وكبرياءه، والخشية تنتج
التقوى وهو موجب الأكرمية والأفضلية، قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم - ٤٩: ١٣) وفيه إشارة إلى أن
من لم يكن عليه كذلك فهو كالجاهل بل هو الجاهل (وسرد) أى ذكرٌ وأورد مكحول (الحديث) أى بقية الحديث السابق
إلى آخره.
٣١٩
٠

مرعاة المفاتيح ج ١
٢- كتاب العلم
٢١٦ - (١٩) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول اللّه مَ لَّى: إن الناس لكم تبع، وإن
رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون فى الدين، فإذا أتوكم فاستوصوابهم خيرا. رواه الترمذى.
٢١٧ - (٢٠) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَّى: الكلمة الحكمة ضالة الحكيم، حيث
وجدها فهو أحق بها .
٢١٦ - قوله (لكم تبع) بفتحتين جمع تابع كخدم و خادم، والخطاب لعلماء الصحابة ، يعنى يتبعونكم فى أفعالكم
وأقوالكم لأنكم أخذتم عنى مكارم الأخلاق (من أقطار الأرض) جمع قطر بالضم أى من أطراف الأرض وجوانبها
(يتفقهون فى الدين) أى يطلبون علم الدين، والجملة استئنافية لبيان علة الاتيان، أو حال من الضمير المرفوع فى «يأتونكم،
وهو أقرب إلى الذوق، كذا قاله الطبى (فاستوصوا بهم خيرا) أى فى تعليمهم علوم الدين وأخلاق المهتدين، وتحقيقه:
- اطلبوا الوصية والنصيحة بهم من أنفسكم، فالسين الطلب، والكلام من باب التجريد، وفيه مبالغة حيث أمروا أن يجردوا
عن أنفسهم أشخاصا أخر يطلبون منهم التوصية فى حق طلبة العلم ومراعاة أحوالهم. وقيل الاستيصاء قبول الوصية، أى
أو صيكم بهم خيرا ذاقلوا الوصية منى فيهم، وافعلوا بهم خيرا، ولهذا كان جمع من أكابر السلف إذا دخل على أحدهم
غريب طالب العلم يقول مرحبا بوصية رسول اللّه مؤقّع (رواه الترمذى) فى العلم، وأخرجه أيضا ابن ماجه فى السنة،
وهو حديث ضعيف لأن فى سنده أبا هارون العبدى وهو متروك، ومنهم من كذبه .
٢١٧ - قوله (الكلمة الحكمة) أى ذات الحكمة المشتملة عليها جعلت الكلمة نفس الحكمة مبالغة فهو من باب رجل عدل،
وروى ((كلمة الحكمة)) بالإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة، وروى ((الكلمة الحكيمة))على طريق الإسناد المجازى فإن
الحكيم قائلها، والمراد بها الجملة المفيدة معنى دقيقا (ضالة الحكيم) أى مطلوبه، والضالة فى الأصل الضائعة من الحيوان
وغيره، و((الحكيم، هو المقن للأمور الذى له فيها غور (فهو أحق بها) أى بقبولها ، يعنى أن الحكيم يطلب الحكمة فإذا
وجدها فهو أحق باتباعها والعمل بها ، أو المعنى: أن الناس متفاوتون فى فهم المعانى واستنباط الحقائق المحتجبة فينبغى أن
لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك دقائق الآيات والأحاديث على من رزقه، ولا ينازعه كما لا ينازع صاحب الضالة فى
ضالته إذا وجدها، أو كما أن صاحب الضالة آخذ ضالته من وجدها لا يحل له منعها، كذا العالم لا يحل له المنع عن
السائل إذا رأى فيه استعدادا لفهمه، فقيه أنه لا يجوز منح غير الحكيم فإنها ليست ضالته، أو المراد أن كلمة الحكمة ربما
يتكلم بها من ليس لها بأهل ثم وقعت إلى أهلها فهو أحق بها من الذى قالها من غير النفات إلى خساسة من تكلم بها ،
كالضالة إذا وجد صاحبها أخذها من واجدها وإن كان خسيسا ولا ينظر إلى خسامته. ووقع فى الترمذى وابن
ماجه ((ضالة المؤمن، بدل قوله ((ضالة الحكيم، قال السندهى: أى مطلوبة له بأشد ما يتصور فى الطلب كما يطلب المؤمن
٣٢٠
مـ