النص المفهرس

صفحات 281-300

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الإيمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧٥ - (٣٦) وعن أنس، قال: قال لى رسول الله { لتر: يا بنى! إن قدرت أن تصبح وتمسى وليس
فى قلبك غش لأحد فافعل. ثم قال: يا بنى! وذلك من سنتى، ومن أحب سنتى فقد أحبنى، ومن
أحینی کان معی فی الجنة. رواه الترمذى.
١٧٦ - (٣٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مَّ: من تمسك بسنتى عند فساد أمتى، فله
أجر مائة شهيد. رواه .....
١٧٥ - قوله (يا بنى) تصغير ابن لطفاو مرحمة وشفقة (أن تصبح وتمبى) أى تدخل فى وقت الصباح والمساء،
والمراد جميع الليل والنهار (وليس فى قلبك) الجملة حال من الفاعل، تنازع فيه الفعلان أى وليس كائنا فى قلبك (غش)
يكسر الغين ، ضد النصح الذى هو إرادة الخير النصوح له (الأحد) هو عام المؤمن والكافر ، فإن نصيحة الكافر أن يجتهد
فى إيمانه، ويسعى فى خلاصه من ورطة الهلاك باليد واللسان، وبالتألف بما يقدر عليه من المال، قاله الطبي.
(فافعل) أى نصيحتك (وذلك) أى خلو القلب من الغش (من سنتى) أى طريقتى. قال الطبى: قوله «فافعل))
جزاء كتابة عما سبق فى الشرط من المعنى إن فعلت ما نصحتك به فقد أتيت بأمر عظيم، ولهذا أشار بقوله ((وذلك))
للإشعار بأنه رفيع المنزلة، بعيد التناول (ومن أحب سنتى) إلخ. كذا وقع فى المشكاة من الاحباب فى المواضع الثلاثة،
وكذا فى المصابيح، و وقع فى نسخ الترمذى الموجودة عندنا «و من أحيا سنتى فقد أحيانى، ومن أحيانى كان معى فى
الجنة، من الإحياء فى المواضع الثلاثة، وهذا يدل على اختلاف نسخ الترمذى فى هذا اللفظ، ويؤيد كونه من
الاحباب ما ذكره فى الكنز عزوا إلى السجزى فى الايانة بلفظ: من أحيا سنتى فقد أحبنى، ومن أحبنى كان معى
فى الجنة. ومن أحب سنتى أى فعمل بها (فقد أحبنى) أى حيا كاملا، لأن محبة الآثار علامة محبة مصدرها (ومن أحبنى
كان معى) أى معية متقاربة لا معية متحدة فى الدرجة (فى الجنة) فإن المرأ مع من أحب (رواه الترمذى) فى
العلم ، وقال: فى الحديث قصة طويلة، هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أيضا السجزى كما فى الكنز (ج ١: ص ٤٧).
١٧٦ - قوله (عند فساد أمتى) أى عند غلبة البدعة والجهل والفسق فيهم (فله أجر مائة شهيد) لما يلحقه من
المشقة بالعمل بها وبإحياءها وتركهم لها، كالشهيد المقاتل مع الكفار لاحياء الدين بل أكثر. قال الطيبي: لم يقل
إفسادهم ، لأنه أبلغ، كأن ذواتهم قد فسدت فلا يصدر منهم صلاح، ولا ينجع الوعظ فيهم، لا سيما إذا ظهر
ذلك فى العلماء منهم والمقتفين آثارهم ، فإذن المجاهدة معهم أصعب وأشق من المجاهدة مع الكفار، ولذلك ضوعف
أجر من جاهدهم على من جاهد الكفار أضعافا كثيرة (رواه) بعده ياض فى الأصل، والحديث أخرجه البيهقى فى
الزهد، وابن عدى فى الكامل عن ابن عباس من رواية الحسن بن قتيبة الخزاعى المدائى. قال ابن عدى: أرجو أنه
٢٨١

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧٧ - (٣٨) وعن جابر، عن النبى معَ ◌ّ حين أتاه عمر فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا،
أقترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء
نقية، ولوكان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى. رواه أحمد، والبيهقى فى شعب الإيمان.
لا بأس به. قال الحافظ: بل هو هالك. قال الدار قطنى فى رواية البرقانى: متروك الحديث. وقال أبو حاتم:
ضعيف. وقال الأزدى: واهى الحديث. وقال العقيلى: كثير الوهم. كذا فى لسان الميزان (ج ٢: ص ٢٤٦)
قال المنذرى: ورواه الطبرانى من حديث أبى هريرة بإسناد لا بأس به إلا أنه قال ((فله أجر شهيد)) ومن طريق
الطبرانى رواه أبو نعيم فى الحلية (ج ٨: ص ٢٠٠) وفيه عبد العزيز بن رواد، وفيه ضعف، ومحمود بن صالح العذرى
قال الهيشمى (ج ١، ص ١٧٢) ولم أجد من ترجمه.
١٧٧ - قوله (إنا نسمع أحاديث) أى حكايات ومواعظ (من يهود) قال الأبهرى: غير منصرف للعلمية
والتأنيث، لأنه يجرى مجرى القبيلة. وقيل: الأولى أن يقال: العلمية ووزن الفعل، لأن أسماء القبائل التى ليست
فيها تأنيث لفظى ، يجوز صرفها حملا على الحى، وعدم صرفها حملا على القبيلة ، ويهود لا يجوز فيها إلا عدم الصرف
(تعجبنا) بضم التاء وكسر الجيم أى تحسن عندنا، وتميل قلوبنا إليها (أفترى) أى أتحسن لنا استماعها ((فترى)) يعنى فتأذن
(أمتهو کون) أی متحیرون فى الاسلام ، لا تعرفون دینکم حتی تأخذوه من غیر کتابكم ونیكم (أنتم) للتأكيد
(كما تهوكت اليهود والنصارى) أى كتحيرهم حيث نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا أهوائهم ورهبانهم وأحبارهم
(لقد جئتكم بها) أى بالملة الحنيفية بقرينة الكلام (بيضاء) أى واضحة، حال من ضمير ((بها)) (نقية) صفة ((بيضاء))
أى ظاهرة، صافية، خالصة، خالية عن الشرك والشبهة. وقيل: المراد بها أنها مصونة عن التبديل ، والتحريف،
والإصر والأغلال، خالية عن التكاليف الشاقة، وأشار بذلك إلى أنه أتى بالأعلى والأفضل، واستبدال الأدنى بالأعلى
مظنة التحير. وقال الطبى (بيضاء نقية، حالان مترادفان من الضمير المفسر بالملة - انتهى. وإنما أنكر عليهم لأن طلبهم
يشعر بأنهم اعتقدوا نقصان ما أتى به النبي مَ ثّه (ولو كان موسى حيا) إلخ. أى إذا كانت هذه حالة موسى فكيف بكم؟
وأنتم تطلبون من هؤلاء المحرفين ما تنتفعون به (ما وسعه) أى ما جاز له (إلا اتباعى) فى الأقوال والأفعال فكيف
يجوز لكم أن تطلبوا فائدة من قومه مع وجودى (رواه أحمد) (ج ٣: ص ٣٨٧) (والبيهقى فى شعب الإيمان) وفى
سنده مجالد بن سعيد الهمدانى، وفيه مقال. قال الحافظ: ليس بالقوى، وقد تغير فى آخر عمره، إلا أن الحديث قد
جاء عن غیر مجالد، فتأيد به ، فقد روی نحوه عن ابن عباس عند أحمد ، و ابن ماجه ، و عن جابر عند ابن حبان، وعن
عبد الله بن ثابت عند أحمد، وابن سعد، والحاكم فى الكنى، والطبرانى فى الكبير، والبيهقى فى شعب الإيمان.
٢٨٢

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧٨ - (٣٩) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول اللّه مَّى: من أكل طيبا، وعمل فى سنة،
وأمن الناس بوائقه، دخل الجنة. فقال رجل: يا رسول الله! إن هذا اليوم لكثير فى الناس.
قال: وسیکون فی قرون بعدی. رواه الترمذى.
١٧٩ - (٤٠) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه مؤلّ: إنكم فى زمان من ترك منكم
عشر ما أمر به
١٧٨ - قوله (من أكل طيا) أى حلالا يعنى من كان قوته حلالا (وعمل فى سنة) أى فى موافقة سنة ،
يعنى يكون متمسكا فى كل عمل بسنة، أى بحديث جاء فى ذلك العمل. قال الطبى: ((سنة)) نكرة وضعت موضع المعرفة
لارادة استغراق الجنس بحسب افراده كما فى قوله تعالى: ﴿ ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام - ٣١: ٢٧) وقدم
أكل الحلال لأنه مورث للعمل الصالح كما قال تعالى: ﴿ كلوا من الطيبات واعملوا صالحا - ٢٣: ٥١﴾ (وأمن الناس
بوائقه) البائقة الداهية، وهى المحنة العظيمة، والمراد هنا الشرور كالظلم، والغش، والإيذاء (دخل الجنة) أى استحق
دخولها دخولا أوليا أى مع السابقين، أو بغير عذاب، وإلا فمن لم يعمل بالسنة ومات مسلما يدخلها وإن عذب (إن
هذا) أى الرجل الموصوف المذكور (اليوم) ظرف مقدم لخبر ((إن)) (لكثير فى الناس) بحمد الله، فما حال المستقبل؟
(وسيكون) أى هم كثيرون اليوم، وسيوجد من يكون بهذه الصفة (فى قرون بعدى) قال النور بشتى: يحتمل أن الرجل
قال ذلك حمدا لله تعالى وتحديثا بنعمته، أى لا استفهاما عن المستقبل، فقال ((سيكون فى قرون بعدى)) ليوقفه على أن
ذلك غير مختص بالقرن الأول أى بهذا القرن. ويحتمل أنه فهم من قوله ((من أكل طياء إلخ. التحريض على الخصال
المذكورة، والزجر عن أضدادها، ووجد الناس يتدينون بذلك، ويحرضون عليه، تخاف أن النبي مُؤَّ اطلع على خلاف
ذلك فى مستقبل الأمر منهم، فأحب أن يستكشف عنه، فقال هذا القول، فعرف بمَّم منه ذلك، فأجابه مرّم بقوله
((وسيكون فى قرون بعدى، فاختصر الكلام اعتمادا على فهم السامع، وتهويلا للأمر المحذور عنه - انتهى. وقال صاحب
اللغات: معناه لا ينقطع الخير عن أمتى قطعا وإن تفاوتت الحال قلة وكثرة، فتكير ((قرون، للتقليل، ويحتمل التكثير
لكثرته فى نفسه، ويشبه أن يكون المراد القرون الموسومة بخير القرون، ولكن هذه الصفات ليست مخصوصة بهم - انتهى
(رواه الترمذى) فى آخر الزهد، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، أى ابن موسى، عن هلال بن مقلاص،
عن أبى بشر، عن أبى وائل، عن أبى سعيد - انتهى. وأبو بشر هذا مجهول، قاله الحافظ فى التقريب. والحديث
أخرجه أيضا ابن أبى الدنيا فى كتاب الصمت وغيره، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد .
١٧٩ - قوله (إنكم) أيها الصحابة (فى زمان) أى متصف بعزة الإسلام وأمن أهله (من ترك منكم) أى فيه،
وهو الرابط لجملة الشرط بموصوفها وهو ((زمان)) (عشر ما أمر به) أى من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إذ
٢٨٣

مرعاة المفاتيح ج ١
١٠- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
هلك، ثم يأتى زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا. رواه الترمذى.
١٨٠ - (٤١) وعن أبى أمامة، قال: قال رسول اللّه مَبيع: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا
أوتوا الجدل، ثم قرأ رسول اللّه مؤفى هذه الآية: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا
لا يجوز صرف هذا القول إلى عموم المأمورات، لأنه عرف من أصل الشرع أن أحدا من المسلمين لا يعذر فيما يهمل من
الفرض الذى تعلق بخاصة نفسه، وإن كثر أهل الظلم وقل أهل الحق، هكذا قال التور بشتى وغيره. قيل: لعل هذا غير
مناسب لباب التمسك بالكتاب والسنة، فالأنسب أن يحمل على أمور الندب من السنن والنوافل، وفيه بحث لأن الأمر
بالمعروف لا يعرف إلا منهما، وأيضا الهلاك لا يترتب على ترك الندب مطلقا فضلا عن عشره، قاله القارى (ملك)
أى وقع فى الهلاك لظهور الحق، ومشاهدة المعجزات، ومظاهرة النبى مؤقت، وعزة الإسلام، وكثرة أنصاره بحيث
لو تكلم شخص بالحق نصروه، وخذلوا من نازع، فالترك يكون تقصيرا منكم ، فلا يعذر أحد منكم فى التهاون، والأمر
على ذلك (ثم يأتى زمان) يضعف فيه الإسلام، ويكثر الظلمة والفساق، وتشيع الفتن، ويتوارى الحق، ويقل أنصاره
فيعذر المسلمون فيما أهملوه من هذا الباب لعدم القدرة (من عمل منهم) أى من أهل ذلك الزمان (بعشر ما أمر به نجا)
لأنه المقدور، ﴿ ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها - ٢: ٢٨٥) (رواه الترمذى) فى أواخر الفتن، وقال: هذا حديث
غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد عن ابن عينة ۔ انتهى. ونعيم بن حماد هذا، صدوق يخطئ کثیرا ، كما فى
التقريب. وفى معنى الحديث روی عن أبى ذر أخرج حديثه أحمد.
١٨٠ - قوله (إلا أوتوا الجدل) أى أعطوه، وهو حال «وقد، مقدرة، والمستثنى منه أعم الأحوال، وذو الحال
فاعل («ما ضل)) لا الضمير المستتر الذى فى خبر كان كما توهمه الطبي، فإنه فاسد معنى، وإن كان الضمير المذكور راجعا إلى
فاعل «ما ضل، فليفهم، قاله السندى. والمعنى: ما كان وقوعهم فى الضلالة إلا بسبب الجدال، وهو الخصام بالباطل ،
وضرب الحق به، وضرب الحق بعضه ببعض بإيداء التعارض والتدافع والتنافى بينهما ، لا المناظرة لطلب الصواب مع
التفويض إلى اللّه عند العجز عن معرفة الكنه (ثم قرأ) أى توضيحا لما ذكر بذكر مثال له، لا للاستدلال به على الخصم
المذكور، فإنه لا يدل عليه (ما ضربوه) أى هذا المثل (لك إلا جدلا) أى إلا لخاصمتك، ولا يذائك بالباطل، لا
لطلب الحق، فإن قلت: قريش ما كانوا على الهدى، فلا يصلح ذكرهم مثالا. قلت: نزل تمكنهم منه بواسطة البراهين
الساطعة منزلة كونهم عليه ، حيث دفعوا بعد ذلك الحق بالباطل ، وقرروا الباطل بقولهم : آلهتنا خير أم هو ؟ يريدون
أنهم يعبدون الملائكة وهم خير من عيسى، وقد عبدوه النصارى ، بحيث صح لهم عبادته صح لنا عبادتهم بالأولى،
فصاروا مثالا لما فيه الكلام. وقيل: الأصح فى معنى الآية أن عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه جادل رسول اللّه مؤفيه
فى قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم - ٢١: ٩٨) آلهتنا أى الأصنام خير عندك أم عيى؟
٢٨٤

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
بل هم قوم خصمون) رواه أحمد، والترمذى، وابن ماجه .
١٨١ - (٤٢) وعن أنس، أن رسول ◌َّفيم كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم،
فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم فى الصوامع والديار (رهبانية
ابتدعوها ما كتبناها عليهم)
فإن كان فى النار فلتكن آلهتنا معه، والجواب عن هذه الشبهة بوجهين: الأول أن ((ما)) لغير ذوى العقول فالا شكال
نشأ عن الجهل بالعربية. والثانى أن عيسى والملائكة خصوا عن هذا بقوله تعالى: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى
أولئك عنها مبعدون - ٢١: ١٠١﴾ (بل هم) أى الكفار (قوم خصمون) أى كثير الخصومة (رواه أحمد)
(ج ٥: ص ٢٥٢، ٢٥٦) (والترمذى) فى تفسير سورة الزخرف، وقال: حديث حسن صحيح (وابن ماجه) فى السنة،
وأخرجه أيضا الحاكم (ج ٢: ص ٢٤٨) وصححه، ووافقه الذهبي ، وابن جرير ، والطبرانى، والبيهقى وغيرهم .
١٨١ - قوله (لا تشددوا على أنفسكم) أى بالأعمال الشاقة كصوم الدهر ، وإحياء الليل كله ، واعتزال النساء
ثلا تضعفوا عن العبادة، وأداء الحقوق والفرائض (فيشدد الله عليكم) بالنصب جواب النهى، أى يفرضها عليهم فنقعوا
فى الشدة، أو بأن يفوت عليكم بعض ما وجب عليكم بسبب ضعفكم من تحمل المشاق، وقيل: المعنى لا تشددوا على أنفسكم
با يجاب العبادات الشاقة على سبيل النذر أو اليمين فيشدد الله عليكم، فيوجب عليكم بإيجابكم على أنفسكم ، فتضعفوا
عن القيام بحقه ، وتملوا وتكسلوا، وتتركوا العمل فتقعوا فى عذاب الله (فإن قوما) أى من بنى إسرائيل (شددوا
على أنفسهم) بالعبادات الشاقة، والرياضات الصعبة، والمجاهدات التامة (فشدد اللّه عليهم) بإتمامها والقيام بحقوقها
(فتلك) إشارة إلى ما فى الذهن من تصور جماعة باقية من ذلك المشددين (بقاياهم) أى بقايا قوم شددوا على أنفسهم
(فى الصوامع) جمع صومعة بفتح الصاد والميم ، وهى موضع عبادة الرهبان من النصارى (والديار) جمع الدير
بفتح الدال، وهو الكنيسة وهى معبد اليهود (رهبانية) منصوب بفعل يفسره ما بعده، أى ابتدعوا رهبانية (ابتدعوما)
أى أحدثوها من عند أنفسهم من غير أن تفرض عليهم أو تسن ، والرهبانية بفتح الراء، وهى المبالغة فى العبادة
والرياضة، والانقطاع عن الناس، منسوبة إلى الرهبان، وهو المبالغ فى الخوف من رهب، كالخشان من خشى،
وقرمت بالضم كأنها منسوبة إلى الرهبان جميع راهب، كركبان وراكب، وذلك لأنهم غلوا فى العبادة، وحملوا على
أنفسهم المثقات فى الامتناع من المطعم، والمشرب والمنكح، والملبس، وتعلقوا بالكهوف، والصوامع ، والغيران،
والديرة، لأن ملوكهم غيروا وبدلوا، وبقى منهم نفر قليل فترهبوا وتبتلوا (ما كتبناها عليهم) أى ما فرضنا تلك
الرهبانية عليهم وهى صفة ثانية الرهبانية، أو مستأنفة مقررة لكونها مبتدعة من عند أنفسهم، والاقتصار على هذا يدل على
٢٨٥

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
رواه أبو داود.
١٨٣ - (٤٣) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّهَ مَّى: نزل القرآن على خمسة أوجه: حلال،
وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال:
أن الاستثناء فيما بعده، وهو قوله: ﴿إلا إبتغاء رضوان الله﴾ استثناء منقطع، أى ما شرعناها لهم أصلا، ولكنهم
التزموها من تلقاء أنفسهم ابتغاء رضوان الله ﴿فارعوها حق رعايتها) أى فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم
من وجهين: أحدهما الابتداع فى دين الله ما لم يأمر به الله، والثانى عدم قيامهم بما التزموه ما زعموا أنه قربة يقربهم إلى
ألله تعالى، فكأن تركه وعدم رعايته حق الرعاية يدل على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه دينا. وقيل: «فما رعزها حق
رعايتها، أى ظم يرعوا هذه الرهبانية التى ابتدعوها من عند أنفسهم ، وما قاموا حق القيام بها بل ضيعوها ، وكفروا بدين
عيسى، وضموا إليها التثليث، ودخلوا فى دين الملوك الذين غيروا، وبدلوا، وتركوا الترهب، ولم يبق على دين عيسى إلا
قليل منهم، حتى أدركوا محمداً مَّ فآمنوا به، وهم المرادون بقوله ( فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) أى الذى يستحقونه
بالايمان بعيسى وبمحمد ﴿وكثير منهم فاسقون - ٥٧: ٢٧﴾ أى خارجون عن الايمان بما أمروا به، وهم الذين كفروا،
عيسى، وكذبوا محمدا، وعالفوه. وقيل: الاستثناء متصل أى ما شرعناها لهم بشتى من الأشياء إلا لقصد رضوان الله،
فما رعوها حق رعايتها حين لم يؤمنوا برسول الله مؤلم، فشرع لهم الترهب على شرط أنه إذا نسخ بغيره رجعوا إلى ما
أحكم، وتركوا ما نسخ، وهو معنى ابتغاء الرضوان على الحقيقة، فإذا لم يفعلوا وأصروا على الأول كان ذلك اتباعا
للهوى لا اتباعا للشروع، ولذلك سمى ابتداءا لأنهم أخلوا بشرط المشروع إذ شرط عليهم فلم يقوموا به، وإذا كانت
العبادة مشروعة بشرط، فيعمل بها دون شرطها لم تكن عبادة على وجهها ، وصارت بدعة ، فيكون ترهب النصارى
صحيحا قبل بعث محمد مرَّ، فلما بعث وجب الرجوع عن ذلك كله إلى ملته، فالبقاء عليه مع نسخه بقاء على ما هو باطل
بالشرع، وهو عين البدعة، كذا حققه الشاطبى، وقد بسط الكلام فى تفسير هذه الآية، من أحب الوقوف عليه رجع إلى
كتابه الاعتصام (رواه أبو داود) مطولا فى باب الحسد من كتاب الأدب، وسكت عليه هو والمنذرى، وفيه سعيد
ابن عبد الرحمن بن أبى العمياء، قال ابن القيم فى كتاب الصلاة (ص ٤٧٥): هو شبه المجهول، وذكره ابن حبان فى
الثقات، وقال الحافظ فى التقريب: هو مقبول. والحديث أخرجه أيضا أبو يعلى فى مسنده، وفيه أيضا سعيد بن
عبد الرحمن المذكور .
١٨٢ - قوله (نزل القرآن) أى بطريق الإجمال (على خمسة أوجه) من وجوه الكلام (حلال) بالجر، وهو
بدل بعد العطف قبل الربط (ومتشابه) كالحروف المقطعة وأمثالها (وأمثال) يعنى قصص الأمم الماضية كقوم نوح ،
وصالح، وغيرهما. وقيل: الأظهر أن الأمثال مثل قوله تعالى: ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت
٢٨٦٠

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فأحلوا الحلال، وحرموا الحرام، واعملوا بالحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال. هذا لفظ
المصابيح. وروى البيهقى فى ((شعب الإيمان)) ولفظه: فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم.
١٨٣ - (٤٤) وعن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه ◌َّ: الأمر ثلاثة: أمر بين رشده فاتبعه،
وأمر بين غيه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فكله إلى الله عز وجل. رواه أحمد.
- ٢٩ :٤١) ولذلك عقبه تعالى بقوله: ﴿وتلك الأمثال نضر بها الناس - ٤٣:٢٩﴾ (فأحلوا) بكسر الحاء أمر من
الإحلال (الحلال) أى اعتقدوا حليته (وحرموا الحرام) أى اعتقدوا حرمته واجتنبوه (واعملوا بالمحكم) من الأمر
والنهى (وآمنوا بالمتشا به) من غير أن تتبعوه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ومن غير اشتغال بكيفيته (هذا) أى المذكور
من الحديث المروى (لفظ المصابيح، وروى البيهقى) أى معناه ، وحذف هذا العلم به (فى شعب الإيمان ولفظه) أى
لفظ البيهقى (فاعملوا بالحلال) إلخ. فيه نوع اعتراض من المصنف على صاحب المصابيح. وأخرج الحاكم (ج ٢ :.
ص ٢٩٠،٢٨٩) عن ابن مسعود مرفوعا بسند منقطع: كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على حرف واحد،
ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام ، ومحكم، ومتشا به، وأمثال،
فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه،
وآمنوا بمتشابهه ، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا .
١٨٣ - قوله (الأمر) واحد الأمور، أى الشأن والحال فى الأعمال التكليفية (ثلاثة) أى ثلاثة أنواع (أمر)
أى منها أمر، أو أحدها أمر (بين رشده) أى ظاهر صوابه، كأصول العبادات مثل وجوب الصلاة والزكاة ،
وكأصول العقائد من التوحيد والنبوة والمعاد (وأمر بين غيه) أى ضلالته كقتل النفس والزنا (وأمر اختلف فيه)
بصيغة المجهول ، أى اختلف الناس فيه من تلقاء أنفسهم من غير أن يين الله ورسوله حكمه (فكله) أمر من وكل يكل
(إلى الله عز وجل) أى فوض أمره إلى الله تعالى يعنى ما علمت كونه حقا وصوابا بالنص فاعمل به، وما علمت بطلانه
بالنص فاجتنبه ، وما لم يثبت حكمه بالشرع فلا تقل فيه شيئا، وفوض أمره إلى الله، مثل متشابهات القرآن ، وأمور
القيامة. قال الطیی : قوله «اختلف فيه» يحتمل أن يكون معناه اشتبه وخفى حكمه، ويحتمل أن يراد به اختلاف العلماء،
أى والأدلة. وقيل: الأولى أن يفسر هذا الحديث بما ورد فى آخر الفصل الثالث من حديث أبي ثعلبة الخشنى
(رواه أحمد) قال العلامة الألبانى: لم أجد أحدا عزاه إليه، وما أظنه فى مسنده، وقد عزاه السيوطى فى الجامع الكبر
(ج ٢/٣٢٣/١) لابن منيع، واسمه أحمد أيضا بهذا اللفظ، والطبرانى فى الكبير بلفظ ((فكله إلى عالمه)) قلت: وفى
أوله عنده (ج ٢/٩٧/٣) أن عيسى بن مريم عليه السلام قال ((إنما الأمور ثلاثة ... ، وكذا أورده الهيشمى
٢٨٧

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
الفصل الثالث )
١٨٤ - (٤٥) عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول اللّه مؤفتى: إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب
الغنم، يأخذ الشاذة والقاصية والناحية، وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة. رواه أحمد.
١٨٥ - (٤٦) وعن أبى ذر، قال: قال رسول اللّه مَله: من فارق الجماعة شبرا فقد خلع
فى المجمع (١٥٨/١) من رواية الطبرانى فقط، وقال «ورجاله موثقون)) وفيه نظر فإنه من رواية أبى المقدام، واسمه
هشام بن زياد، وهو متروك، كما قال الحافظ فى التقريب. ومن طريقه رواه الهروى فى ذم الكلام (ق ٢/٦٠).
١٨٤ - قوله (ذئب الإنسان) الذئب مستعار الفسد والمهلك (كذتب الغنم) أى فى العداوة والاهلاك
(يأخذ الشاذة) قال الطبي: صفة للذئب لأنه بمنزلة النكرة ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفارا - ٥٠٦٢) ويجوز أن يكون حالا
منه والعامل معنى التشبيه -انتهى. وقيل: إنه استئناف مبين، والمعنى: يأخذ غالبا أو بالسهولة من غير تدارك، وهو تمثيل
مثل حال مفارقة الجماعة والسواد الأعظم، وانقطاعه عنهم، واعتزاله عن صحبتهم، ثم تسلط الشيطان عليه، وإغوائه ،
بحالة شاة قاصية شاذة مرن قطيع الغنم، ثم افتراس الذئب إياها بسبب انقطاعها. والشاذة بتشديد الذال المعجمة ، هى
النافرة التى لم تؤنس بأخواتها ولم تختلط بهن (والقاصية) أى التى قصدت البعد عنهن لأجل المرعى مثلا لا للتنفر (والناحية)
أى التى غفل عنها ، وبقيت فى جانب منها ، فإن الناحية هى التى صارت فى ناحية من الأرض عن أخواتها لغفلتها (وإياكم
والشعاب) بكسر الشين، جمع الشعب بالكسر أيضا، وهو الوادى ما اجتمع منه طرف وتفرق طرف منه، ولذلك قيل:
شعبت الشئى إذا جمعته، وشعبته إذا فرقته، فهو من الأضداد ، والمراد المنعطفات فى الأودية لأنها محمل السباع
والهوام، وقطاع الطريق، وأماكن الجن، ولما فرغ من التمثيل أكده بقوله «وإياكم، وعقبه بقوله: (وعليكم بالجماعة
والعامة) تقريرا، بعد تقرير، وقد تقدم معنى الجماعة، والمرادمنها فى شرح حديث ابن عمر فى الفصل الثانى، وقيل فى معنى
هذه الجملة: وعليكم بمخالطة عامة المسلمين، وإياكم ومفارقتهم، والعزلة عنهم، واختيار الجبال والشعاب البعيدة عن العمران
(رواه أحمد) (ج ٥: ص ٢٣٣، ٢٤٣) وفيه: يأخذ الشاة القاصية والناحية. وزاد فى رواية: والمسجد. بعد قوله:
والعامة. وأخرجه أيضا الطبرانى فى الكبير، وابن السجزى فى الايانة، كما فى الكنز (ج ١: ص ٥٢) وفى آخره:
فعليكم بالجماعة، والألفة، والعامة ، والمساجد، وإياكم والشعاب.
١٨٥ - قوله (من فارق الجماعة) المراد بالجماعة الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، وتابعى التابعين من السلف الصالحين،
المتمسكين بعرى الاسلام (شبرا) بكسر الشين، ما بين طرف الابهام وطرف الخنصر همتدين، والمعنى: من فارق ما عليه الجماعة
بترك السنة، واتباع البدعة، ونوع اليد عن الطاعة، ولو كان بشعى يسير بقدر فى الشاهد بقدر شبر (فقد خلع). أى نزع
٢٨٨
٠

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
ربقة الإسلام من عنقه. رواه أحمد، وأبو داود.
١٨٦ - (٤٧) وعن مالك بن أنس، مرسلا قال: قال رسول اللّه مَوِّى: تركت فيكم أمرين لن تضلوا
ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله.
(ربقة الإسلام) الربقة بالكسر فى الأصل عروة فى حبل تجعل فى عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها للإسلام،
يعنى ما يشد المسلم به نفسه من عرى الإسلام، أى حدوده وأحكامه، وأوامره، ونواهيه. وقال الطبى: استعيرت
الربقة لانقياد الرجل واستسلامه لأحكام الشرع، وخلعها ارتداده، وخروجه عن طاعة الله وطاعة رسوله. وقال
الخطابي: يقول من خرج عن طاعة إمام الجماعة أو فارقهم فى الأمر المجتمع عليه فقد ضل وهلك ، وكان كالدابة إذا
خلعت الربقة التى هى محفوظة بها ، فإنها لا يؤمن عليها عند ذلك الهلاك والضياع - انتهى. وقيل: المعنى فقد نبذ عهد
الله وأخفر ذمته التى لزمت أعناق العباد لزوم الربقة. قلت: الحديث قد استدل به على حجية الإجماع، وفيه نظر فإنه
ليس فيه إلا المنع من مفارقة الجماعة، فأين هذا من محل النزاع، وهو كون ما أجمعوا عليه حجة ثابتة شرعية ، فتأمل
(رواه أحمد) (ج ٥: ص ١٨٠) (وأبو داود) فى السنة، وسكت عليه هو والمنذرى، وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١.
ص ١٢٧) وفى معنى الحديث عن حذيفة أخرج حديثه النسائى، وعن الحارث بن الحارث الأشعرى أخرج حديثه
الترمذى وصححه، وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما، والحاكم (ج ١: ص ١٢٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين ،
وعن أبى هريرة أخرج حديثه مسلم فى صحيحه ، والنسائى فى المجتبى بلفظ : من خرج من الطاعة ، وفارق الجماعة، مات
مينة جاهلية. وعن ابن عباس عند الشيخين ، وعن ابن عمر ومعاوية عند الحاكم.
١٨٦ - قوله (عن مالك بن أنس) إمام دار الهجرة صاحب المذهب (مرسلا) المرسل على ما هو المشهور عند
أهل الحديث هو: قول التابعى قال رسول اللّه مؤقّم كذا، أو فعله. لكن المشهور فى الفقه وأصوله أن قول من دون
التابعى أيضاً يسمى مرسلا سواء كان منقطعا أو معضلا. وبه قطع الخطيب، قال: إلا أن أكثر ما يوصف بالارسال
من حيث الاستعمال ما رواه التابعى عن النبي مَ ◌ّ. فهذا محمول على قول الخطيب، فإن الامام مالكا من أتباع
التابعين، والأولى أن يقول معلقا أو معضلا مكان قوله ((مرسلا، فإن الحديث فى المؤطا هكذا: مالك
أنه بلغه أن رسول بَّه قال: تركت فيكم أمرين، إلخ. قال الزرقانى: مر أن بلاغه صحيح كما قال ابن عينة، وقد أخرجه
ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده (تركت فيكم) أى إنى تارك فيكم بعدى
(أمرين) أى شيئين كما فى حديث أبى هريرة عند الحاكم (ما تمسكتم) أى مدة تمسككم، وفى نسخة الزرقانى لزطا ((ما
مسكتم، بفتح الميم والسين الخفيفة من المسك، أى أخذتم وتعلقتم واعتصمتم (بها) أى بالأمرين معا ( كتاب الله
وسنة رسوله) أى حديث رسوله، وهما منصوبان على البدلية، أو بتقدير أعنى، وقيل: بالرفع على الخبرية
٢٨٩

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
رواه فى المؤطأ .
١٨٧ - (٤٨) وعن غضيف بن الحارث الشمالى، قال: قال رسول اللّه مؤلتم: ما أحدث قوم بدعة
إلا رفع مثلها من السنة، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة.
بتقدير ((هما)) وفى المؤطا ((سنة نبيه)) قال الزرقانى: فإنهما الأصلان اللذان لا عدول عنهما، ولا هدى إلا منهما، والعصمة
والنجاة لمن مسك بهما، واعتصم بحباهما، وهما العرفان الواضح، والبرهان اللائح بين المحق إذا اقتفاهما، والمبطل إذا
خلاهما ، فوجوب الرجوع إليهما معلوم من الدين ضرورة، لكن القرآن يحصل العلم القطعى. وفى السنة تفصيل
معروف - انتهى. ثم فى العدول عن ((سنتى» مبالغة فى زيادة شرفه، والحث على التمسك بسنته بذكره السبب فى ذلك ،
وهو خلافته عن اللّه وقيامه برسالته، وأن ما جاء به ليس إلا من تلك الرسالة لا من تلقاء نفسه (رواه) أى مالك، وفيه أنه
يصير التقدير: رواه مالك عن مالك (فى المؤطأ) فكان حق المصنف أن يقول هكذا فى الموطأ. والحديث ذكره مالك
بلاغا فى باب النهى عن القول فى القدر من كتاب الجامع ، وهو من بلاغات الامام كما عرفت وقد تقدم يان حكمها فى
كلام سفيان، وابن عبد البر، وابن فرحون ، والسيوطى. ثم الموطأ بالهمز فى آخره، وقيل بالألف، بمعنى المهد،
المنقح، المهل، المهيأ لغة. وهذا الحديث أخرجه الحاكم (ج ١: ص ٩٣) عن أبى هريرة مرفوعا: تركت فيكم شيئين
لن تضلوا بعدهما، كتاب الله وسنتى، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض. وأخرج الحاكم أيضا (ج ١: ص ٩٣)
والبيهقى عن ابن عباس أن رسول اللّه مَ لّم خطب الناس فى حجة الوداع فقال: يا أيها الناس! إنى قد تركت فيكم ما
إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا ، كتاب الله وسنة نبيه.
١٨٧ - قوله (وعن غضيف) بالضاد المعجمة مصغرا ، ويقال: غطيف بالطاء المهملة بدل الضاد المعجمة،
والأول أثبت وأصح (بن الحارث الثمالى) بضم الثاء المثلثة، وتخفيف الميم ، نسبة إلى ثمالة بطن من الأزد ، ويكنى أبا
أسماء، حمص، مختلف فى صحته، فذكره الحافظ فى القسم الأول من حرف الغين من الإصابة، والمصنف والسكونى فى
الصحابة، وكذا البخارى ، وابن أبى حاتم، ونترمذى، والخليفة، وابن أبى خيئمة، والطبرانى، وآخرون، وذكره
جماعة كابن سعد، والدار قطنى ، والعجلى، وغيرهم فى ثقات التابعين، ومنهم منن فرق بين غضيف بن الحرث فأثبت
صحبته، وغطيف بن الحارث فقال: إنه تابعى. قال الحافظ فى التقريب: وهو أشبه، مات سنة بضع وستين
(ما أحدث قوم بثقة) شرعية (إلا رفع مثلها) أى مقدارها فى الكمية، أو الكيفية والمرتبة. سمى أحد الضدين مثلا
للآخر لأن كل واحد منهما أقرب خطورا بالبال عند ذكر الآخر، وأسرع ثبوتا عند ارتفاع الآخر، فكأن ينهما تناسب
ما ، وإذا كان إحداث البدعة راضعا للسنة ومغيرا لها كانت إقامة السنة قامعة للبدعة وماحية لها (فتمسك) جواب شرط
محذوف، أى إذا عرفت ذلك فتمسك (بسنة) أى صغيرة أو قليلة (خير من إحداث بدعة) شرعية وإن كانت مستحسنة
٢٩٠

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
رواه أحمد .
١٨ - (٤٩) وعن حسان، قال: ما ابتدع قوم بدعة فى دينهم إلا نزع اللّه من سنتهم مثلها، ثم
لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة.
عند الناس، فبالأول يزيد النور ويحصل الأجر ، وبالثانى تشيع الظلمة ويحصل الوزر ، ومن المعلوم أن الشئى الذى
يورث الأجر خير من الشئ الذى يورث الوزر، وهو من قبيل «العسل أحلى من المرء وعلى حد ((أى الفريقين خير مقاماً
وأحسن نديا، فالتقدير: التمسك بسنة فيه خير عظيم ويبدعة لا خير فيه أصلا. وقيل : معنى قوله «إلا رفع مثلها من
السنة)) أنه بحدوث البدعة يبطل العمل بسنة، ففيه التحذير عن ارتكاب البدع (رواه أحمد) (ج ٤: ص ١٠٥) من.
طريق أبى بكر بن عبد الله، عن حبيب بن عبد الله الرحبى، عن غضيف، قال: بعث إلى عبد الملك بن مروان ، فقال:
يا أبا أسماء! إنا قد جمعنا الناس على أمرين. قال: ما هما؟ قال: رفع الأيدى على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد
الصبح والعصر. فقال :: إنهما أمثل بدعتكم عندى، ولست بمجيبكم إلى شئ منهما. قال: لم؟ قال: لأن النبي مد ◌َّ
قال: ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة ، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة - انتهى. ولعل قوله: فتمسك
بسنة، إلخ. من قول غضيف موقوف عليه، مدرج فى الحديث. وقد أخرجه أيضا البزار، والطبرانى فى الكبير، وفى
سندهما أبو بكر بن عبد الله، أى ابن أبى مريم الغسانى، قال الحافظ أبو عبد الله، وابن معين، وأبو حاتم ، وأبو زرعة،
وغيرهم: ضعيف. وقال الهيشمى (ج ١: ص ١٨٨): منكر الحديث. وقال الحافظ فى التقريب: ضعيف ، وكان قد
سرق بيته فاختلط. وصدر المنذرى حديث غضيف هذا بلفظة ((روى)) وهو دليل لكونه ضعيفا بحيث لا يتطرق إليه
احتمال التحسين كما صرح بذلك فى مقدمة ترغبه. وقال العزيزى : إسناده ضعيف ، وفى الباب عن أبى هريرة عند
الرافعى ، وابن مسعود عند الديلى ، وابن عباس عند الطبرانى فى الكبير.
١٨٨ - قوله (وعن حسان) غير منصرف على أنه فعلان، وقد ينصرف على أنه فعال ، وهو ابن
عطية كما صرح بذلك ابن بطة (ق ٢/١١٤) والهروى (ق ٢/٩٨) فى روايتهما، والشاطى فى الاعتصام (١/٨٥)
وليس هو حسان بن ثابت الصحابى الشاعر كما وهم القارى وابن عطية ، هذا هو حسان بن عطية المحاربى مولا هم أبو بكر
الشامى الدمشقى من ثقات التابعين ، قال الحافظ فى التقريب: ثقة فقيه عابد، من الرابعة، مات بعد العشرين ومأة.
وقال فى تهذيب التهذيب فى ترجمته: ذكره البخارى فى الأوسط فى فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة، وقال:
كان من أفاضل أهل زمانه (قال) أى حسان (ما ابتدع قوم بدعة) شرعية (مثلها) أى فى العدد أو القدر (ثم لا يعيدها)
أى الله تلك السنة (إليهم إلى يوم القيامة) وذلك أن السنة كانت متأصلة مستقرة فى مكانها، فلما أزيلت عنه لم يمكن إعادتها
٢٩١

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
رواه الدارمى.
١٨٩ - (٥٠) وعن إبراهيم بن ميسرة، قال: قال رسول اللّه مَفي: من وقر صاحب بدعة فقد أعان
على هدم الإسلام. رواه البيهقى فى شعب الإيمان مرسلا .
١٩٠ (٥١) وعن ابن عباس، قال: من تعلم كتاب الله ثم اتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة فى
الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب. وفى رواية، قال: من اقتدى بكتاب الله
كما كانت أبدا، فثلها كمثل شجرة ضربت عروقها فى تخوم الأرض فإذا قلعت لم يمكن إعادتها كما كانت (رواه الدارمى)
أى من قول حسان فى باب اتباع السنة، قال: أخبرنا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعى عن حسان ، قال: ما ابتدع، إلخ. وهذا
سند صحيح ، قال الشيخ الألبانى: وقد روى من قول أبى هريرة، أخرجه أبو العباس الأصم فى حديثه .
١٨٩ - قوله (وعن إبراهيم بن ميسرة) بميم مفتوحة وياء ساكنة وسين مهملة مفتوحة وبراء، الطائفى، نزيل مكة،
ثبت ، حافظ، من صغار التابعين. قال ابن المدينى: له نحو ستين حديثا أو أكثر. قال البخارى: مات قريبا من سنة
اثنتين وثلاثين ومائة (من وقر) بالتشديد أى عظم أو نصر (صاحب بدعة) سواء كان داعيا لها أم لا (فقد أعان على
هدم الإسلام) لأن المبتدع مخالف للسنة، ومعاون مخالف الشئى معاون لهدمه، وكان من حق الظاهر أن يقال: من
وقر المبتدع فقد استخف السنة. فوضع موضعه (فقد أعان على هدم الإسلام)، ليؤذن بأن مستخف السنة مستخف
للإسلام، ومستخفه هادم لبنيانه، وهو من باب التغليظ ، فإذا كان حال الموقر هكذا فما حال المبتدع، وفيه أن من
وقر صاحب سنة كان الحكم بخلافه (رواه البيهقى) إلخ. واعتضد هذا المرسل بما روى الطبرانى فى الكبير، وأبو نعيم فى
الحلية عن معاذ بن جبل مرفوعا نحوه ، وفيه بقية، وهو ضعيف، قاله الهيشمى (ج ١: ص ١٨٨) وبما روى الطبرانى فى
الکبیر عن عبد الله بن بسر، قال العزیزی: هو حديث ضعيف.
١٩٠ - قوله (وعن ابن عباس قال) أى موقوفا (من تعلم كتاب الله) نظرا أو حفظا أو علما بمعناه (ثم اتبع ما فيه)
من الأمر والنهى (هداه الله من الضلالة) ضمن( هدى) معنى أمن فعداه بمن إلى المفعول الثانى، أى أمنه الله من
ارتكاب المعاصى، والانحراف عن الطريق المستقيم، قال الفارى كذا قاله الطيبى، والأظهر أن معناه من اتبع
القرآن ثبته الله على الهداية، ووقاه من الوقوع فى الضلالة مادام يعيش، (ووقاه) أى حفظه (سوء الحساب) أى مناقشته
المؤدية إلى السوء، قال الطبي: هو عبارة عن كونه من أصحاب اليمين ، فكما أنه أمن فى الدنيا من الضلال كذلك يأمن
فى الآخرة من العذاب. وفيه أن سعادة الدارين منوطة بمتابعة كتاب الله، ومتابعته موقوفة على معرفة سنة رسوله
ومتابعته ، فهما متلازمتان شرعا لا ينفك أحدهما عن الآخر (وفى رواية قال) أى ابن عباس (من اقتدى بكتاب الله)
٢٩٢

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
لا يضل فى الدنيا ولا يشقى فى الآخرة، ثم تلا هذه الآية (فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى)
رواه رزین .
١٩١ - (٥٢) وعن ابن مسعود، أن رسول اللّه مؤتمر قال: ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعن
جنبتى الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعند رأس الصراط
داع يقول: استقيموا على الصراط ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعو، كلما هم عبد أن يفتح شيئا
من تلك الأبواب قال: ويحك
فى جميع أموره، وشئونه، وأحواله (لا يضل) أى لا يقع فى الضلالة (ولا يشقى) أى لا يتعب ولا يعذب (ثم تلا هذه
الآية) أى استشهادا لما قاله (فمن اتبع هداى) أى ما يهدى به، أو أريد به المصدر مبالغة، وهو القرآن بقرينة الإضافة،
أى الهداية المخصوصة بى، المنسوبة إلى، وفى معناه الهداية النبوية، والسنة المصطفوية ، ولذا قال فى المعالم: أى الكتاب
والسنة (رواه رزين) وأخرجه أيضا الحاكم فى المستدرك (ج ٢: ص ٣٨١) قال: من قرأ القرآن، واتبع ما فيه، هداه الله
من الضلالة ، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأن الله عز وجل قال: (من اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى -
٢٠: ١٢٣﴾ قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي فى التلخيص، وأخرجه أيضا الطبرانى فى
الكبير والأوسط، وفيه أبو شية، وهو ضعيف جدا، قاله الهيثمى (ج ١: ص١٦٩).
١٩١ - قوله (ضرب الله مثلا) أى بين مثلا، وذلك لإخراج المعقول فى صورة المحسوس تقريبا للعقول
(صراطا مستقيما) بيان المثل، قال القارى: هو بدل من «مثلا، لا على اهدام المبدل كما فى قولك: زيد رأيت غلامه رجلا
صالحا (وعن جنبتى الصراط) بفتح الجيم وسكون النون، أى جانبيه وطرفيه (سوران) بالضم تثنية سور، أى جداران
وأصله حائط يطوف بالمدينة، والجملة حال عن «صراطا)) (فيهما أبواب) الجملة صفة ((سوران)) (مفتحة) من التفتيح (ستور)
جمع الستر بالكسر (مرخاة) أى مرسلة ومسبلة (وعندرأس الصراط) أى عليه (ولا تعوجوا) بتشديد الجيم من
الاعوجاج، وفى بعض النسخ بتشديد الواو على حذف إحدى التائين فهو تأكيد لما قبله أى لا تميلوا إلى الأطراف،
قال الطبي: عطف على (استقيموا، على الطرد والعكس، لأن مفهوم كل منهما يقرر منطوق الآخر، وبالعكس
(وفوق ذلك) عطف على ((وعند رأس الصراط)) والمشار إليه بذلك الصراط أو الداعى (كلا هم عبد) أى قصد وأراد
(أن يفتح شيئًا) أى قدرا يسيرا (من تلك الأبواب) أى ستورها (قال) أى الداعى، وهو جواب ((كلما)) (ويحك) زجر
له عن تلك الهمة ، وهى كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع فى هلكة لا يستحقها ، ثم استعمل هنا لمجرد الزجر عما هم به من
٢٩٣

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه. ثم فسره فأخبر: أن الصراط هو الإسلام، وأن الأبواب المفتحة
محارم الله، وأن الستور المرخاة حدود الله، وأن الداعى على رأس الصراط هو القرآن، وأن
الداعى من فوقه هو واعظ الله فى قلب كل مؤمن. رواه رزين.
١٩٢ - (٥٣) ورواه أحمد، والبيهقى فى شعب الإيمان عن النواس بن سمعان، وكذا الترمذى عنه
إلا أنه ذكر أخصر منه .
١٩٣ - (٥٤) وعن ابن مسعود، قال: من كان مستنا، فليستن بمرن قد مات، فإن الحى
الفتح (لا تفتحه) أى شيئا من تلك الأبواب أى ستورها (تلجه) أى تدخله من الولوج ، يعنى لا تقدر أن تملك نفسك
وتمسكها عن الدخول بعد الفتح (ثم فسره) أى رسول اللّه مَّ} (أن الصراط هو الإسلام) وهو طريق مستقيم،
والمطلوب من العبد الاستقامة عليه أى امتثال جميع أحكامه (وأن الأبواب المفتحة محارم الله) أى المعاصى التى حرمها
الله على الناس ، فإنها أواب للخروج من كمال الإسلام والاستقامة، والدخول فى العذاب والملامة (وأن الستور
المرخاة حدود الله) قيل: الحد الفاصل بين العبد ومحارم الله والمانع له من ارتكابها، كما قال الله تعالى: ﴿تلك حدود الله
فلا تعتدوها - ٢: ٢٢٩)) وهى عبارة عن أحكامه وقيل: المراد من الستور الأمور المستورة الغير المبينة من الدين
المسماة بالشبهة المعبر عنها بحول الحمى (وأن الداعى من فوقه) أى من فوق الداعى الأول (هو واعظ الله فى قلب
كلٍ مؤمن) هو لمة الملك فى قلب المؤمن، والهم لمة الشيطان (رواه رزين) أى عن ابن مسعود.
١٩٢ - قوله (ورواه أحمد) إلخ .. (ج ٤ ص ١٨٢، ١٨٣) من طريقين فى أحدهما بقية بن الوليد، وهو صدوق
كثير التدليس، لكن صرح بسماعه من بحير بن سعد ، وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١: ص ٧٣) وقال: صحيح على شرط
مسلم، ولا أعرف له علة. ووافقه الذهبي (عن النواس) بفتح النون وتشديد الواو (بن سمعان) بفتح السين المهملة ،
وقيل بكسرها وسكون الميم، وبالعين المهملة ، العامرى الكلابى ، سكن الشام، صحابى، ولأبيه أيضا صحبة. روى له سبعة
عشر حديثا، انفرد له مسلم بثلاثة (وكذا الترمذى عنه) أى روى عن النواس فى الأمثال، وحسنه (إلا أنه) أى الترمذى
(ذكر أخصر منه) أى من هذا الحديث، أو أخصر مما ذكر غيره .
١٩٣ - قوله (مستنا) بتشديد النون، أى مقتديا بسنة أحد وطريقته (فليستن بمن قد مات) أى على الاسلام، أو
العلم والعمل، وعلم حاله وكاله على وجه الاستقامة. أخرج الكلام مخرج الشرط والجزاء تنبيها به على الاجتهاد ،
وتحرى طريق الصواب بنفسه بالاستنباط من معانى نصوص الكتاب والسنة، فإن لم يتمكن منه فليقتد بأصحاب النبى مر ◌ّة،
لأنهم اتبعوا أثر النبي ◌َّ على ما شاهدوا من أقواله وأفعاله وأحواله وتقريره، فالاستنان بهم متعين. وكان ابن
٢٩٤

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد مؤتم كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما،
وأقلها تكلفا، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم،
وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. رواه رزين.
١٩٤ - (٥٥) وعن جابر، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أتى رسول الله مؤلفه. بنسخة من
التوراة، فقال: يا رسول اللّه! هده نسخة من التوراة،
مسعود يوصى القرون الآتية بعد قرون الصحابة باقتفاء آثارهم، والاهتداء بهديهم، قال القارى: خض أمواتهم لأنه علم
استقامتهم على الدين واستدامتهم على اليقين بخلاف من بقى منهم حيا ، فإنه يمكن منهم الافتنان ووقوع المعصية ، بل
الردة والكفر، لأن العبرة بالخاتمة، وهذا تواضع منه فى حقه لكمال خوفه على نفسه، وإلا فهو من يقتدى به حيا وميتا .
انتهى. وقال صاحب العات: أراد «بمز مات)) الصحابة جميعا، وبالحى أهل زمانه غير الصحابة (لا تؤمن عليه الفتنة) أى
الابتلاء فى الدين (أولئك) إشارة إلى من مات، أفرد الضمير فى ((مات)) نظرا إلى اللفظ وقال ((أولئك)) نظرا إلى المعنى ( كانوا
أفضل هذه الأمة) أى أمة الاجابة، وهم خير أمة، فكانوا أفضل الأمم، و«هذه، إشارة إلى ما فى الذهن من أمة محمد م
إلى انقراض العالم (أبرها قلوبا) أى أطوعها وأحسنها وأخلصها (وأعمقها علما) أى أكثرها غورا من جهة العلم، وأدقها
فهما (وأقلها تكلفا) أى تصنعا فى العمل، وكذا فى العلم والقراءة والطعام واللباس وغير ذلك (اختارهم الله لصحبة نبيه
ولإقامة دينه) فانهم نقلة أقواله وحملة أحواله إلى من بعدهم، وأيضا جاهدوا فى اللّه حق الجهاد، وأظهروا الدين، يعنى لما
جعلهم الله تعالى أصحاب النبي ◌ُّ واصطفاهم واختصهم من بين الخلائق بهذه الفضيلة، علم أنهم أفضل الناس وخيار الخلق
من بعدهم تلميحا إلى قوله تعالى: ﴿ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها - ٤٨: ٢٦) (فاعرفوا لهم فضلهم) أى على
غيرهم (واتبعوهم) بتشديد التاء، أى كونوا متبعين لهم حال كونكم ماشين (على أثرهم) بفتحتين وبكسر الهمزة وسكون المثلثة،
أى عقبهم فى العمل والعلم (وتمسكوا) أى خذوا واعملوا (بما استطعتم) فيه إشارة إلى عجز المتأخرين عن المتابعة الكاملة لكن
ما لا يدرك كله لا يترك كله (وسيرهم) بكسر السين وفتح الياء جمع السيرة (فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) لأنهم اتبعوا
أثر النبى مُّ على ما شاهدوا من الأقوال والأحوال والأفعال. قال الطبي: فى قوله «فاعرفوا لهم، قد أجمل ههنا ثم
فصل بقوله ((فضلهم، كما فى قوله تعالى: (رب اشرح لى صدرى - ٢٠: ٢٥) والمراد من العرفان ما يلازمه من
متابعتهم ومحبتهم والتخلق بأخلاقهم، فإن قوله ((واتبعوهم)) عطف على ((اعرفوا، على سبيل البيان، وقوله ((على أثرهم.
حال مؤكدة من فاعل ((اتبعوا)) نحو قوله: ﴿ ثم وليتم مدبرين - ٩: ٢٥) (رواه رزين) وأخرج الطبرانى فى الكبير
عن ابن مسعود: اتبعوا ولا تنتدعوا فقد كفيتم. قال الهيشمى: رجاله رجال الصحيح.
١٩٤ - قوله (بنسخة من التوراة) أى بشئى نسخ ونقل إمنها (هذه نسخة من التوراة) أى فهل تأذن لنا أن
٢٩٥

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فسكت، فجعل يقرأ ووجه رسول اللّه مَّفتم يتغير. فقال أبو بكر: ثكلتك التواكل، ما ترى ما بوجه
رسول اللّه مؤلّ؟ فنظر عمر إلى وجه رسول اللّه مؤتم فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب.
رسوله، رضينا بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً. فقال رسول اللّه مطر: والذي نفس محمد
بيده، لوبداً لكم موسى فاتبعتموه وتركتمونى لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حيا وأدرك نبوتى
لاتبنى. رواه الدارمى.
١٩٥ - (٥٦) وعنه، قال: قال رسول اللّه مؤل ◌ّى: كلامى لا ينسخ كلام الله، وكلام اللّه ينسخ كلامى،
وكلام اللّه ينسخ بعضه بعضاً.
فطالع فيها لنطلع على ما فيها من أخبار الأمم وشرائع موسى؟ (فسكت) من كمال حله (بجعل يقرأ) أى شرع عمر يقرأ
النسخة ظنا منه أن السكوت علامة الرضا والإذن (يتغير) أى من أثّر الغضب (تكلك) أى فقدتك (التواكل) جمع
ناكل وناكلة، أى من الأمهات، والبنات، والأخوات، وأصله دعاء للوت لكنه ما يجرى على ألسنتهم ولا يراد بها
الدعاء، كتربت يمينه (ما ترى) ((ما) نافية بتقدير الاستفهام (ما يوجه رسول اللّه ◌َ يَّةٍ) ((ما)) هذا موصولة أو موصوفة
(أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله) غضب الله توطئة لذكر غضب رسوله إيذانا بأن غضبه غضبه، وإيماء إلى أني
-التعوذ إنما هو من غضب الله حقيقة، وإنما يتعوذ من غضب رسوله لأنه سبب الغضبه تعالى (رضينا بالله ربا) إلخ. قاله
: اعتذارا عما صدر عنه، وجمع الضمير إرشادا للسامعين، أو إيماء إلى أنه مع الحاضرين مقام الرضا طلبا للرضا اجتنابا عن
الغضب (لو بدأ) بالألف دون الهمزة أى ظهر (لكم موسى) على سبيل الفرض والتقدير (فاتبعتموه وتر كتمونى) لم
يقتصر على الاتباع لأنه بمجرده لا محذور فيه، إنما المحذور فى اتباع يؤدى إلى الترك (لضللتم) بفتح اللام وكسرها من
ضرب وسمع (عن سواء السبيل) فكيف مع وجودى وعدم ظهور موسى تتبعون كتابه المنسوخ (ولو كان) أى موسى
(حيا) أى فى الدنيا (وأدرك نبوتى) أى زمانها (لا تبعنى) لأن دينه صار منسوخا فى زمانى، ولأخذ الميثاق منه ومن
سائر الأنبياء على ذلك ، وفى الحديث نهى بليغ عن العدول من الكتاب والسنة إلى غيرهما (رواه الدارمى) وأخرجه
أيضا ابن حبان فى صحيحه ، وفى الباب عن ابن عباس أخرجه أحمد ، وعن عبد الله بن ثابت الأنصارى أخرجه ابن سعد ،
وأحمد، والحاكم فى الكنى ، والطبرانى فى الكبير، والبيهقى فى شعب الإيمان، وعن أبى الدرداء أخرجه الطبرانى فى
الكبير ، وعن عبد الله بن الحارث أخرجه البيهقى فى الشعب.
١٩٥ - قوله ( كلامى لا ينسخ كلام الله) النسخ فى اللغة الرفع والازالة، ومنه نسخت الشمس الظل، ونسخت
٢٩٦

مرعاة المفاتيح ج ١
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١- كتاب الايمان
الربح الأثر. وقد يطلق لإرادة ما يشبه النقل كقولهم: نسخت الكتاب. فأما النسخ فى الشرع فهو بمعنى الرفع والإزالة
لا غير، وحده: أن يرفع بخطاب متراخ حكم ثبت بخطاب متقدم. وهو فى الحقيقة بيان لانتهاء الحكم الشرعى المطلق،
وهذا عند المتأخرين، وأما السلف فمرادهم بالنسخ رفع الحكم بحملته تارة كما هو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام ،
والمطلق، والظاهر، وغيرها تارة ، إما بتخصيص أو تقييد، أو حمل مطلق على مقيد ، وتفسيره ، وتبينه ، حتى أنهم
ليسمون الاستثناء، والشرط ، والصفة نسخا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفى لسانهم
بيان المراد بغير ذلك اللفظ ، بل بأمر خارج عنه، ولذلك كثر إطلاق النسخ فى كلامهم. ثم ههنا خمس صور: الأولى
نسخ القرآن بالقرآن ، والثانية نسخ السنة المتواترة بمثلها ، والآحاد بالآحاد ، ولا اختلاف فيهما لأن ذلك متماثل ، فجاز
أن يرفع بعضه بعضا ، والثالثة نسخ السنة بالقرآن كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس، وتحريم المباشرة ليالى رمضان ،
وجواز تأخير الصلاة حالة الخوف بالقرآن ، وهو كان ثابتا بالسنة ، وفيها خلاف ، والجواز هو ما عليه الجمهور ،
وللشافعى فى ذلك قولان، وصحح عامة الشافية الجواز، وهو الأصح عندنا ، لأنه لا وجه لمنع قط ، ولم يأت فى ذلك
ما يتشبث به المانع لا من عقل ولا من شرع ، بل ورد فى الشرع نسخ السنة بالقرآن فى غير موضع، فمن ذلك قوله تعالى:
﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء - ٢: ١٤٤) الآية. فنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالقرآن ، وكان ذلك ثابتا بالسنة ،
ونسخ تحريم المباشرة فى ليالى رمضان بقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن - ١٨٧:٢ ) ونسخ صوم عاشوراء بقوله تعالى:
﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه - ٢: ١٨٥) ونسخ تحليل الخمر بقوله تعالى ﴿إنما الخمر والميسر -٥: ٩٠ ) الآية.
ونسخ جواز تأخير الصلاة إلى انجلاء القتال بما ورد فى القرآن من صلاة الخوف ، ونحو ذلك مما يكثر تعداده. والرابعة
نسخ القرآن بالسنة المتواترة ، وفيها أيضا خلاف، فالمشهور عن أحمد منعه ، واختاره أبو يعلى من الحنابلة ، وبه قال
الشافعى وأكثر أصحابه، والظاهرية، وغيرهم. واحتجوا بقوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو نفسها نأت بخير منها أو
مثلها - ٢: ١٠٦) قالوا : فى الآية حصر الناسخ فى كونه خيرا من المنسوخ أو مثله، والسنة لا تساوى القرآن فضلا
عن أن تكون خيرا منه، فلا تكون ناسخة له. وقيل: يجوز ذلك وهو رواية عن أحمد ، واختيار أبى الخطاب ، وابن
عقيل، وأكثر الحنفية، والمالكية، وغيرهم، وهو الذى نصره ابن الحاجب، وحكاه عن الجمهور، وهو الأرجح عندنا ،
لأن السنة شرع من الله عز وجل، كما أن الكتاب شرع منه سبحانه، وقد قال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما
نها كم عنه فانتهوا -٧:٥٩ ) وأمر سبحانه باتباع رسوله فى غير موضع فى القرآن فهذا بمجرده يدل على أن السنة الثابتة عنه
ثبوتا على حد ثبوت الكتاب العزيز، حكمها حكم القرآن فى النسخ وغيره ، وليس فى العقل ما يمنع من ذلك، فإن الناسخ
فى الحقيقة هو الله تعالى على لسان رسوله مَّ بوحى غير نظم القرآن، وقد نسخت الوصية للوالدين والأقربين بقوله:
ولا وصية لوارث. وهذا يدل على وقوع نسخ القرآن بالسنة شرعا. وأما قوله: (ما ننسخ من آية) إلخ. فليس فيه
إلا أن ما يجعله الله منسوخا من الآيات القرآنية سيدله بما هو خير منه، أو بما هو مثله المكلفين، وما آتانا على لسان
رسوله فهو كما آتانا منه، كما قال سبحانه: ﴿إِن هو إلا وحي يوحى - ٥٣: ٤) وكما قال: ﴿قل ما يكون لى أن أدله
٢٩٧

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٩٦ - (٥٧) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه مؤلم: إن أحاديثنا ينسخ بعضها بعضاً
كنسخ القرآن.
من تلقاء نفسى - ١٠: ١٥) وقيل المراد نأت بخير منها فى الحكم ومصلحته. والسنة تساوى القرآن فى ذلك، إذ
المصلحة الثابتة بالسنة قد تكون أضعاف المصلحة الثابتة بالقرآن إما فى عظم الأجر بناء على نسخ الأخف بالأثقل أو فى
تخفيف التكليف بناء على نسخ الأثقل بالأخف، وأيضا فإن الآية على التقديم والتأخير، والتقدير: ما ننسخ من آية
نأت منها بخير، فلا يكون فيه دلالة على محل النزاع أصلا . وقال فى المستصفى: ليس المراد من قوله تعالى: ﴿نأت
بخير منها) نأت بقرآن آخر خيرا منها، لأن القرآن لا يوصف بكون بعضه خيرا من بعض ، قال: بل معناه أن يأتى
بعمل خير من ذلك العمل ، لكونه أخف منه، أو أجزل ثوابا، هذا كلامه. وعليه فلا دليل لمنع فى هذه الآية. واستدل
المانعون أيضا بحديث جابر هذا ، قالوا: هو أص فى المسئلة ، وأجيب عنه بعدة وجوه: الأول أنه ضعيف جدا بل
موضوع ، فإن فى سنده محمد بن داود القنطرى ، روى عن جبرون بن واقد الافريقى ، عن ابن عيينة ، عن أبى الزبير.
قال الذهبي فى الميزان فى ترجمة محمد بنداود: وحدث بحديثین باطاین، ذکرهما ابن عدی فی ترجمة جبرون، وقال تفرد بهما
محمد. وقال الذهبي فى ترجمة جبرون: متهم ، فإنه روى بقلة حياء عن سفيان ، عن أبى الزبير ، عن جابر مرفوعا: كلام
الله - الحديث، وعنه محمد بن داود أن مخلد بن حسين حدثه عن هشام بن حسان ، عن محمد ، عن أبى هريرة مرفوعا:
أبو بكر وعمر خير الأولين - الحديث، تفرد بهما القنطرى، وهما موضوعان - انتهى. والثانى على تسليم صحته أنه ليس
فصا فى محل النزاع ، بل هو ظاهر، لأن لفظه عام ، ودلالة العام ظاهرة لا قاطعة ، فيحمل على أن خبر الواحد لا ينسخ
القرآن فيقى التواتر لا دليل على المنع فيه من ذلك. والثالث أن المراد بكلامى ههنا ما أقوله اجتهادا ورأيا. والرابع أن
المراد نسخ تلاوة الكتاب وألفاظه لا حكمه. وقيل إنه منسوخ. قال صاحب اللغات: ولو حمل قوله ((كنسخ
القرآن)) فى الحديث الآتى على معنى نسخ الأحاديث القرآن بإضافة المصدر إلى المفعول لكان ناسخا لهذا الحديث -انتهى.
والصورة الخامسة للنسخ هو نسخ القرآن والسنة المتواترة بأخبار الآحاد، وفيه أيضا اختلاف فالأكثر على أنه غير
جائز شرعا، وحكى غير واحد الإجماع على ذلك، واحتجوا بأن الثابت قطعا لا ينسخه مظنون ، وقال قوم من أهل
الظاهر ومنهم ابن حزم: بجواز ذلك، وقالت طائفة يجوز فى زمن النبي مَ ◌ّم، ولا يجوز بعده. ودليل القائلين بالجواز
أن الناسخ فى الحقيقة إنما جاء رافعا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه، وذلك ظنى وإن كان دليله قطعيا، فالمنسوخ إنما
هو الظنى لا ذلك القطعى: ذكر هذا الطوفى وأطال فى بيانه، ومال إلى جواز نسخ الكتاب ومتواتر السنة بخبر الواحد.
وتفاصيل مذاهب الكل مع دلائلها مذكورة فى كتب أصول الفقه ، فارجع إليها خصوصا إلى إرشاد الفحول للشوكانى ،
وروضة الناظر للقدسى ، والاحكام لأصول الأحكام لابن حزم ، والمستصفى للغزالى.
١٩٦ - قوله (إن أحاديثنا) أى بشرط صحتها (ينسخ بعضها بعضا) أى بشرط معرفة التاريخ (كنسخ القرآن)
٢٩٨

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٩٧ - (٥٨) وعن أبى ثعلبة الخشنى، قال: قال رسول اللّه مؤلّ: إن الله فرض فرائض فلا
تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودا فلا تعتدوها،
أى كما ينسخ بعض آياته بعضا، وهذا ما لا اختلاف فيه، وارجع للتفصيل إلى كتاب الاعتبار للحازمى. والحديث
أخرجه أیضا الدیلمی ، وهو حديث ضعيف جدا، لأن فی سنده محمد بن الحارث بن زياد بن الربيع ، عن محمد بن
عبد الرحمن بن البيلمانى ، عن أبيه. ومحمد بن الحارث هذا، قال ابن معين: ليس بشئى. وقال الفلاس: يروى عن ابن
البيلمانى أحاديث منكرة، متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف. ومحمد بن عبد الرحمن بن البيلمانى، ضعفوه. قال
النسائى وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال الدار قطنى وغيره: ضعيف. وقال ابن حبان: حدث عن أبيه بنسخة شبيها
بمأتى حديث كلها موضوعة. وأبوه عبد الرحمن بن البيثمانى ، لينه أبو حاتم. وقال الدار قطنى: ضعيف لا تقوم به حجة.
وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال الحافظ فى التقريب: ضعيف.
١٩٧ - قوله (وعن أبي ثعلبة الخشنى) بضم المعجمة الأولى وفتح الثانية بعدها نون، نسبة إلى خشين بطن من قضاعة،
صحابى مشهور، معروف بكنيته، اختلف فى اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا ، ذكره الحافظ فى الإصابة ، وفى التهذيب،
والتقريب، وهو من بايع تحت الشجرة، ولم يقاتل مع على ولا مع معاوية، وأرسله النبي معرفته إلى قومه فأسلموا، ونزل
بالشام. له أربعون حديثا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد مسلم بواحد. مات وهو ساجد سنة (٧٥) وقيل : قبل ذلك بكثير
فى أول خلافة معاوية بعد الأربعين (إن الله فرض فرائض) جمع فريضة بمعنى مفروضة، والتاء للنقل من الوصفية إلى
الاسمية، أى أوجب أحكامها مقدرة مقطوعة ، سواء كان مما أوجب الله فى كتابه أو لسان رسوله (فلا تضيعوها)
بتركها رأسا، أو بترك شروطها وأركانها (وحرم حرمات) أى محرمات من المعاصى (فلا تنتهكوها) أى لا تقربوها
فضلا عن أن تتناولوها. وقال فى الصحاح: انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل. وقيل: الانتهاك خرق محارم الشرع
(وحد حدودا فلا تعتدوها) أصل الحد المنع والفصل بين الشيئين ، فكان حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام.
والمعروف فى اصطلاح الفقهاء من أسماء الحدود ثلاثة أشياء: أحدها المحارم والمعاصى، ومنه قوله تعالى: ﴿ تلك حدود
الله فلا تقربوها - ٢: ١٨٧﴾ والثانى العقوبات المقدرة الرادعة عن المحارم المغلظة، كما يقال: حد الزنا، وحد السرقة،
وحد شرب الخمر. والثالث جملة ما أذن فى فعله سواء كان على طريق الوجوب ، أو الندب أو الإباحة ، ومنه قوله
تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها - ٢: ٢٢٩) واعتداء الحدود هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه، لأنه
ليس ما وراء ما حد اللّه من المأذون فيه إلا ما نهى عنه، ولهذا مدح الله الحافظين لحدود الله، وذم من لا يعرف حد
الحلال من الحرام. واختلفوا فى معنى قوله منز له ((وحد حدودا فلا تعتدوها، لحمله بعضهم على العقوبات الزاجرة عن
المحرمات المقدرة، وقال فى معناه: حد أى بين وعين حدودا فى المعاصى من القتل والزنا والسرقة ، فلا تعتدوها أى
لا تجاوزوا عن الحد لا بالزيادة، ولا بالنقصان، ولا بالترك رأسا. وحمله ابن رجب على المعنى الثالث، قال: الوقوف
٢٩٩

مرعاة المفاتيح ج ١
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١- كتاب الايمان
وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها. روى الأحاديث الثلاثة الدار قطنى .
عند الحدود يقتضى أنه لا يخرج عنما أذن فيه إلى ما نهى عنه، وذلك أعم من كون المأذون فيه فرضا أو ندبا أو مباحا.
وحينئذ فلا تكرار فى هذا الحديث. وقال القارى: هذه الجملة كالتقرير والتأكيد للقسمين المتقدمين (وسكت عن أشياء)
أى ترك ذكر أشياء أى حكمها من الحرمة، والحل، والوجوب ، وهو محمول على ما انتفى فيه دلالة النص على الحكم بجميع
وجوهها المعتبرة ، فيستدل حينئذ بعدم ذكره بإيجاب أو تحريم أو تحليل، على أنه معفو عنه لا حرج على فاعله ولا على
تاركه (فلا تبحثوا عنها) هذا يحتمل اختصاص النهى بزمن النبى من، لأن كثرة البحث والسوال عما لم يذكر قد
يكون سيا لنزول التشديد فيه بإيجاب أو تحريم، ويحتمل أن يكون النهى عاما، فإن كثرة البحث والسوال عن حكم ما
لم يذكر فى الواجبات ولا فى المحرمات قد يوجب اعتقاد تحريمه، أو إيجابه لمشابهته لبعض الواجبات أو المحرمات ، فقبول
العافية وترك البحث عنه والسوال خير ، وهذا هو الراجح. وليس المراد من البحث المنهى عنه ما يفعله المجتهدون فى
معرفة الأحكام الشرعية من البحث عن دخول الشئى فى دلالات النصوص الصحيحة من الفحوى ، والمفهوم ، والقياس
الظاهر الصحيح، فإنه حق يتعين فعله على المجتهد، وبالجملة فالحديث يقتضى أن الأصل في الأشياء الإباحة والحل. وقد
حكى بعضهم الاجماع على ذلك. وهذا الحديث من رواية مكحول عن أبى ثعلبة، قال ابن رجب: وله علتان أحدهما
أن مكحولا لم يصح له السماع عن أبي ثعلبة كذلك قال أبو شهر الدمشقى، وأبو نعيم الحافظ، وغيرهما . والثانية أنه
اختلف فى رفعه ووقفه، ورواه بعضهم عن مكحول عن قوله ، لكن قال الدار قطنى: الأشبه بالصواب المرفوع ، قال :
وهو أشهر، وقد حسنه النووى أى فى أربعينه، وكذلك حسن قبله أبو بكر السمعانى فى أماليه - انتهى. وأخرجه أيضا
إسحق بن راهويه ، والطبرانى فى الكبير ، وأبو نعيم فى الحلية ، والبيهقى فى السنن ، وروى معناه مرفوعا من حديث أبى
الدرداء، أخرجه البزار فى مسنده، والحاكم. قال البزار: إسناده صالح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ومن حديث
سلمان الفارسى ، أخرجه الترمذى فى اللباس ، وابن ماجه فى الأطعمة، وسنده ضعيف، وأيضا اختلف فى رفعه،
ووقفه، وإرساله، ووصله، والراجح وقفه. ومن حديث أبن عمر، أخرجه ابن عدى، وضعف إسناده. ومن
حديث ابن عباس ، أخرجه أبو داود فى الأطعمة لكنه موقوف .
٣٠٠