النص المفهرس

صفحات 221-240

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
فيقال له: ما كنت تقول فى هذا الرجل؟ فيقول: لا أدرى، كنت أقول ما يقول الناس
بواو العطف ، وهى رواية البخارى فى باب عذاب القبر من الجنائز، ووقع عنده فى باب خفق النعال فى هذا الحديث:
وأما الكافرأ والمنافق، بالشك، واختلفوا فى أن السوال فى القبر هل هو عام فى حق المسلمين ، والمنافقين،
والكفار، أو يختص بالمسلم والمنافق؟ فقيل يختص بمن يدعى الايمان إن محقا أو مبطلا، مال إليه ابن عبد البر
والسيوطى ، ولا دليل لها على هذا القول، لا من كتاب الله ولا من سنة صحيحة. والحق أن الكافر غير المنافق أيضا
يسئل فى القبر، لما ورد فى ذلك من الأحاديث المرفوعة الصحيحة الكثيرة الطرق ، ذكرها الحافظ فى الفتح فى باب
عذاب القبر، وبه جزم الترمذى الحكيم ، والقرطبي ، ورواية الكتاب صريحة فى ذلك حيث جمع بين المنافق والكافر
بواو العطف ، والأصل فى العطف المغايرة، فيدل على أن كلا من المنافق والكافر الذى لم ينطق بالكلمة وقد بلغته الدعوة
يسئل، ويؤيده قوله: ﴿ويضل الله الظالمين) حيث ذكر الظالمين فى مقابلة ((الذين آمنوا، والظالم يعم الكافر والمنافق،
وتخصيص الكافر الشامل المنافق وغيره بأهل الشك من أهل القبلة لا موجب له. وأما الرواية الأخرى أى بلفظ «وأما
الكافر أو المنافق، فلا تنافى رواية الواو، لأن الترديد إما للشك أو لمنع الخلو، فإن كان الأول فالمحفوظ إما ((الكافر))
فهو صريح فى المقصود، أو ((المنافق)، فلا دلالة فى الحديث على الانحصار فيه، إذغايته إفراد المنافق بالذكر، وهو لا ينافى
أن يسئل غيره من الكفار، وإن كان الثانى جاز الجمع بينهما بالسوال تحقيقا لمنع الخلو ، وعلى التقديرين لا منافاة بين
الروايتين، وأما رواية أسماء بلفظ ((أما المنافق أو المرتاب)) فلا دليل فيها على حمل الكافر على المنافق، إذ ليس فيها إلا
الترديد بين المنافق والمرتاب، فإن قلنا: إن الترديد للشك، وإن المنافق والمرتاب متساويان لغة ، فغايته أن يكون
كرواية الترمذى فى إفراد المنافق بالذكر ، ولا دليل فى ذلك على انحصار السؤال فيه لما مر. وإن قلنا بأن المرتاب أعم
لجواز أن من بلغته دعوة الاسلام ولم ينطق بالكلمة لا يكون جازما بالتكذيب. وإن قلنا: إن الترديد لمنع الخلو فالأمر
واضح، إذ غاية ما فيه الترديد بين المنافق وبين الكافر المرتاب، وقد تبين أن إفراد المنافق بالذكر لا يدل على انحصار السؤال
فيه فكيف إذا ذكر معه بعض الكفار؟ كذا حققه بعض العلماء فى شرحه على العقائد ، وقال الإمام ابن القيم فى كتاب
الروح بعد ذكر قول ابن عبد البر ما لفظه: والقرآن والسنة تدل على خلاف هذا القول أن السوال للكافر والمسلم ، قال
تعالى: ﴿ ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل اللّه الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾
وقد ثبت فى الصحيح أنها نزلت فى عذاب القبر، ثم ذكر حديث أنس هذا وغيره من الأحاديث الدالة على عموم السؤال
لكل أحد مسلما كان ، أو منافقا، أو كافرا خالصا ، وقال الحافظ: الأحاديث الناصة على أن الكافر يسئل مرفوعة ، مع
كثرة طرقها الصحيحة، فهى أولى بالقبول - انتهى. والحكمة فى سوال الكافر فى القبر إظهار شرف التى عَلَّع،
وخصوصيته، ومزيته على سائر الأنبياء، فإن سوال القبر إنما جعل تعظيما له وخصوصية شرف بأن الميت يسأل عنه فى قبره،
وارجع للتفصيل إلى كتاب الروح (لا أدرى) أى حقيقة أنه فى أم لا ( كنت أقول) أى فى الدنيا (ما يقول الناس)
٢٢١

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
فيقال له: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه
غير الثقلين. متفق عليه. ولفظه للبخارى.
١٢٧ - (٣) وعن عبد الله بن عمر قال قال رسول اللّه عَلّى: إن أحدكم إذا مات عرض عليه
مقعده بالغداة والعشی،
أى المسلمون، يجيب بذلك المنافق والكافر كلاهما، أما المنافق فلأنه كان يقول فى الدنيا الشهادتين تقية من غير
اعتقاد، وأما الكافر فيقول ذلك فى القبر كذبا، ودفعا لعذاب القبر عن نفسه (لا دريت) أى لا علمت ما هو الحق
والصواب (ولا تليت) أصله تلوت، بالواو، والمحدثون إنما يروونه بالياء للازدواج، أى لا علمت بالنظر والاستدلال
العقلى، ولا قرأت القرآن لتعلمه منه بالدليل النقلى، ويؤيده ما فى حديث البراء فى الفصل الثانى. وقيل: معناه ولا اتبعت من
يدرى (ويضرب بمطارق) من الطرق ، وهو الضرب، والمطرقة آلة الضرب (ضربة) أى بين أذنيه ، أفرد الضربة مع
جمع المطارق للإشارة إلى أنها تجتمع عليه فى وقت واحد فصارت كالضربة الواحدة صورة (يسمعها) أى تلك الصيحة
(من يليه) من الدواب والملائكة ، وعبر بمن تغليا للملائكة لشرفهم، ولا يذهب فيه إلى المفهوم من أن من بعد لا يسمع ،
لما فى حديث البراء الآتى فى الفصل الثانى من أنه يسمعها ما بين المشرق والمغرب، والمفهوم لا يعارض المنطوق (غير
الثقلين) أى الجن والانس، ونصب ((غير) على الاستثناء، وقيل بالرفع على البدلية، واستثنيا لأنهما بمعزل عن سماع ذلك
الثلا يفوت الايمان بالغيب، وقيل: لو سمعوه لأعرضوا عن التدابير والصنائع ونحوهما ، فينقطع المعاش، ويختل نظام
العالم. قال ابن القيم: فإذا شاء اللّه سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبده أطلعه، وغيه عن غيره، إذ لو اطلع العباد
كلهم لزالت كلمة التكليف والايمان بالغيب، ولما تدافن الناس كما فى الصحيحين عنه مر فوع: لولا أن لا تدافنوا لدعوت
الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع. ولما كانت هذه الحكمة منتفية فى حق البهائم سمعت ذلك وأدركته، كما
حادت برسول اللّه مَّ بغلته، وكادت تلقيه لما مر بمن يعذب فى قبره (متفق عليه) أى على أصل الحديث أو أكثر،
وإلا فرواية مسلم انتهت إلى قوله: فيراهما جميعا (ولفظه البخارى) فى باب عذاب القبر من الجنائز ، وأخرجه أيضا
أبوداود ، والنسائى، وعبد بن حميد.
١٢٧ - قوله (عرض عليه) بأن تعاد الروح إلى بدنه ليدرك ذلك وتصح مخاطبته، وهل العرض مرة واحدة
بالغداة ومرة أخرى بالعشى فقط ، أو كل غداة وكل عشى؟ والأول موافق لحديث أنس المتقدم، والأحاديث
الواردة فى سياق المسألة، والله أعلم. ويكون عرض المقعدين على كل واحد من المؤمن المخلص والكافر والمؤمن المخلط،
لأنه يدخل الجنة فى الجملة ، فيرى مقعده فى الجنة ، فيقال له: هذا مقعدك وستصير إليه بعد مجازاتك بالعقوبة على ما
تستحق (مقعده) أى أظهر له مكانه الخاص من الجنة أو النار (بالغداة والعشى) أى طرفى النهار، أو المراد الدوام، قاله
٢٢٢

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك
حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة . متفق عليه.
١٢٨ - (٤) وعن عائشة رضى الله عنها، أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت
لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله مفق عن عذاب القبر. فقال: نعم
عذاب القبر حق .
القارى. وقيل: أى وقتهما يعنى أول النهار وآخره بالنسبة إلى أهل الدنيا، وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء (إن كان)
أى الميت (فمن أهل الجنة) أى فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة، حذف المبتدأ والمضاف المجرور، وأقيم المضاف
إليه مقامه، أو فقعد من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه، وهذا أكثر حذفا (فيقال) أى لكل واحد منهما (هذا) أى
المقعد المعروض عليك (مقعدك حتى يبعثك اللّه إليه) الضمير يرجع إلى المقعد المعروض، أى المقعد المعروض مقعدك
بعد، ولا تدخله الآن ولا تصل إليه حتى يبعثك اللّه إليه. وقيل: حتى غاية للعرض أى يعرض عليك إلى البعث، ويحتمل
أن يكون الا شارة إلى القبر، والضمير فى ((إليه)) يرجع إلى المقعد المعروض. والمعنى القبر مقعدك إلى أن يبعثك اللّه إلى
المقعد المعروض ، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله، أى لقاء الله، أو إلى يوم الحشر أى هذا الآن مقعدك إلى يوم
الحشر فترى عند ذلك هوانا أو كرامة تنسى عنده هذا المقعد، وفى عرض المقعد تنعيم المؤمن وتعذيب الكافر والمنافق،
ففيه إثبات عذاب القبر، وأن الروح لا تغنى بفناء الجسد، لأن العرض لا يقع إلا على حى (متفق عليه) وأخرجه أيضا
مالك، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه، وأبو داود دون قوله «فيقال)) إلى آخره.
١٢٨ - قوله (فقالت) أى اليهودية، وهو يحتمل أن يكون تفسيرا أو تفريعا (أعاذك الله) أى حفظك وأجارك
(عن عذاب القبر) أى أحق هو؟ (نعم عذاب القبر حق) أى ثابت ومتحقق وكائن ، وصدق. فيه أنه أقر اليهودية على
أن عذاب القبر حق ، وهذا مخالف لما فى رواية لمسلم: إنما تفتن يهود. ولما فى رواية لأحمد بإسناد على شرط البخارى:
كذبت يهود لا عذاب دون يوم القيامة. والجمع بين هذه الروايات أنه أنكر النبي مَقوم قول اليهودية أو لا أى قبل أن
ينزل شئى عليه فى عذاب القبر، ثم أعلم بذلك فى آخر الأمر فأقرها وأمر الناس بالتعوذ كما فى رواية أحمد التى أشرنا
إليها : ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث ، فخر.ذات يوم نصف النهار وهو ينادى بأعلى صوته أيها الناس استعيذوا
بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حتى. ويوضح ذلك ما فى رواية لمسلم: إنما يفتن يهود فلثنا ليالى، ثم قال رسول
اللّه مَبقى: هل شعرت أنه أوحى إلى أنكم تفتنون فى القبور؟ قالت عائشة: فسمعت رسول اللّه مؤلم يستعيذ من
عذاب القبر. وقال الحافظ: وقد استشكل ذلك أى ما تقدم من أنه أعلم بحكم عذاب القبر إذ هو بالمدينة فى آخر الأمر
٢٢٣

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
قالت عائشة: فما رأيت رسول اللّه مؤتم بعد صلى صلاة إلا تعوذ بالله من عذاب القبر. متفق عليه.
١٢٩ - (٥) وعن زيد بن ثابت قال: بينا رسول اللّه مؤتم فى حائط لبنى النجار على بغلة له ونحن
معه، إذ حادت به فكادت تلقيه. وإذا أقبر ستة أو خمسة، فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟
قال رجل: أنا. قال: فمتى ماتوا؟ قال: فى الشرك. فقال: إن هذه الأمة تبتلى فى قبورها، فلولا
أن لا تدافنوا
بأن الآية المقدمة مكية، وهى قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا) وكذا قوله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوا
وعشيا - ٤٦:٤٠- والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم فى حق من لم يتصف بالايمان، وبالمنطوق
فى حق الظالمين أى الكافرين ، وكذلك بالمنطوق فى الأخرى فى حق آل فرعون ، وأن التحق بهم من كان له حكمهم من
الكفار، فالذى أنكره النبي ◌َّ إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين. ثم أعلم مرّر أن ذلك قد يقع على من
يشاء الله منهم تجزم به، وحذر منه، وبالغ فى الاستعاذة منه تعليما لأمته، وإرشادا، فانتفى التعارض - انتهى (بعد)
مبنى على الضم أى بعد سوالى ذلك (إلا تعوذ بالله من عذاب القبر) داخل الصلاة وخارجها. قال القارى: والأول .
أظهر، ومن ثم أوجب ذلك بعض العلماء (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الجنائز، ومسلم فى الصلاة ، وأخرجه أيضا
أحمد والنسائى.
١٢٩ - قوله (فى حائط) متعلق بخبر محذوف أى كائن فى بستان (على بغلة له) حال من المستتر فى الخبر.
(ونحن معه) حال متداخلة لأنه حال من الضمير فى الحال (إذ حادت) بالحاء المهملة، أى مالت ونفرت لأنها سمعت
صوت المعذبين فى القبور، فقد ثبت أن البهائم تسمع أصوات المعذبين فى القبر، كما فى حديث أبى سعيد عند أحمد : يسمعه
كل دابة إلا الثقلين، وفى حديث أم مبشر عند أحمد أيضا: يسمعه البهائم ، وفى حديث ابن مسعود عند الطبرانى فى
الكبير: إن البهاتم تسمع أصواتهم (به) أى متلبسة به فـ ((به)) حال و«إذه بسكون الذال المفاجأة بعد بينا (وإذا أقبر)
بفتح، فيكون، فضم، وإذا بالألف المفاجأة، والواو للحال، أى نحن على ذلك مع رسول اللّه مَلَّم وإذا أقبر، أى
ظهرت لنا قبور معدودة فاجأناها (قال) رسول اللّه مَّم: إذا كنت تعرفهم (فتى ماتوا) أى فى الجاهلية أو بعدها ،
مشركين أو مؤمنين؟ (قال) أى الرجل (فى الشرك) أى فى زمنه، أو صفته (إن هذه الأمة) أى جنس الإنسان ،
فهذه إشارة لما فى الذهن، وخبره بيان له، كهذا أخوك. وأصل الأمة كل جماعة يجمعهم أمر واحد ، إما دين ، أو
زمان، أو مكان (تبتلى) بصيغة المجهول ، أى تمتحن ثم تنعم أو تعذب (فلو لا أن لا تدافنوا) بحذف إحد التائين، أى
تتدافوا، أى لو سمعتم ذلك تركتم التدافن من خوف الفضيحة فى القرائب لثلا يطلع على أحوالهم. وقال ابن حجر:
٢٢٤

مرعاة المفاتيح ج١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذى أسمع منه. ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله
من عذاب النار. قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر. قالوا:
فعوذ بالله من عذاب القبر. قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قالوا: نعوذ بالله
من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال. قالوا: نعوذ بالله من فتنة
الدجال. رواه مسلم.
الفصل الثانى )
١٣٠ - (٦) عن أبى هريرة قال قال رسول اللّه مؤلّ: إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان
يقال لأحدهما: المنكر،
وجه هذا التلازم أن الكشف عن ذلك العذاب يؤدى جهلة العامة إلى ترك التدافن خوفا عليهم منه، ويؤدى الخاصة إلى
اختلاط عقولهم، وانخلاع قلوبهم من قصور ذلك الهول العظيم ، فلا يقربون جيفة ميت ، أى لفقدان العقول ، وانخلاع
القلوب. وبهذا التفصيل الذى ذكرته يندفع ما قيل: كيف يليق بمؤمن أن يترك الدفن المأمور به حذرا من عذاب القبر؟
بل يلزمه أن يعتقد أن الله إذا أراد تعذيب أحد عذبه ولو فى بطن الحيتان وحواصل الطيور- انتهى (أن يسمعكم) من
الإسماع مفعول ثان على تضمين سألته (من عذاب القبر) من تبعيضية أو زائدة (الذى أسمع منه) أى الذى أسمعه من
القبر. وقيل: أى مثل الذى أسمعه، مفعول ثان ليسمع (من عذاب النار) قدم عذاب النار فى الذكر مع أن عذاب
القبر مقدم فى الوجود، لكونه أشد وأبقى وأعظم وأقوى (من الفتن) جمع فتنة وهى الامتحان، وتستعمل فى المكر والبلاء
وهو تعميم بعد تخصيص (ما ظهر منها وما بطن) بدل من الفتن، وهو عبارة عن شمولها لأن الفتنة لا تخلو منهما ، أى ما
جهر وما أسر. وقيل: ما يجرى على ظاهر الإنسان وما يكون فى القلب من الشرك، والرياء ، والحسد ، وغير ذلك من
مذمومات الخواطر التى تجر إلى عذاب القبر، أو إلى عذاب النار (من فتنة الدجال) خص فإنه أكبر الفتن حيث يجر
إلى الكفر المفضى إلى العذاب المخلد (رواه مسلم) فى صفة النار، وأخرجه أيضا أحمد.
١٣٠ - قوله (إذا قبر الميت) أى دفن وهو قيد غالى، وإلا فالسوال يشمل الأموات جميعها (أزرقان)
أعينهما. زاد الطبرانى: أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصى البقر، وأصواتهما مثل الرعد. ونحوه
لعبد الرزاق من مرسل عمرو بن دينار، وزاد: يحفران بأنيابهما ، ويطأان فى أشعارهما ، معهما مرزبة لو اجتمع أهل منى
لم يقلوها. وإنما يعنهما اللّه على هذه الصفة لما فى هذه الأوصاف من الهول والوحشة، ويكون خوفهما على الكفار أشد
فيتحيروا فى الجواب، وأما المؤمنون فلهم فى ذلك ابتلاء فيثبتهم الله (المنكر) مفعول من أنكر بمعنى نكر إذا لم يعرف أحدا
٢٢٥

مرعاة
١- كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول فى هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد اللّه ورسوله، أشهد أن
لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له فى
قبره سبعون ذراعا فى سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلى فأخبرهم.
فيقولان: نم كنومة العروس الذى لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.
وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون قولا فقلت مثله، لا أدرى. فيقولان: قد كنا نعلم أنك
تقول ذلك، فيقال للأرض: التشمى عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه ،
(النكير) فعيل بمعنى مفعول من نكر بالكسر إذا لم يعرفه أحد، فكلاهما ضد المعروف، سميا بهما لأن الميت لم يعرفهما"
ولم ير صورة مثل صورتهما. قال بعض الفقهاء: إن اسم السائلين الذنب منكر ونكير، واسم السائلين للطيع مبشر وبشير
(فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا) أى الإقرار بالوحدانية والرسالة، وعليهما بذلك إما بإخبار اللّه إياهما بذلك،
أو بمشاهدتهما فى جنبيه أثر السعادة، وشعار نور الإيمان والعبادة، كما يدل عليه رواية ابن حبان: فإذا كان مؤمنا كانت
الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له: اجلس فيجلس -
الحديث (يفسح) مجهول مخفف، وقيل: مشدد أى يوسع (ذراعا) أى بذراع الدنيا المعروف عند المخاطين. قال
الطيبي: أصله يفسح قبره مقدار سبعين ذراعا ، جعل القبر ظرفا للسبعين وأسند الفعل إلى السبعين مبالغة (فى سبعين) أى
فى عرض سبعين ذراعا ، يعنى طوله وعرضه كذلك. قيل: المراد به الكثرة، ولذا ورد فى بعض الروايات «مد بصره))
ويمكن أن يختلف باختلاف الأشخاص فى الأعمال (ثم ینور له فيه) أى فى قبره ، وفى رواية ابن حبان : وینور له كالقمر
ليلة البدر (فيقول) أى الميت (أرجع) أى أريد الرجوع كذا قيل. والأظهر أن الاستفهام مقدر (فأخبرهم) أى بأن
حالى طيب ليفرحوا بذلك ( كنومة العروس) بفتح العين، وهو يطلق على الذكر والأنثى فى أول اجتماعهما، وقد يقال
للذكر: العريس (الذى لا يوقظه) صفة العروس (إلا أحب أهله إليه) وهو الزوج. قال المظهر: عبارة عن عزته
وتعظيمه عند أهله يأتيه غداة ليلة زفافه من هو أحب وأعطف فيوقظه على الرفق واللطف (حتى يبعثه الله) ليس هذا من
مقول الملكين بل من كلامه مَ له، و((حتى)) متعلق بمحذوف أى ينام طيب العيش حتى يبعثه الله. وقيل: يحتمل أن يتعلق
حتى بنم على سبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة (يقولون قولا) هو أن محمدا رسول الله (فقلت مثله) أى مثل قولهم
(لا أدرى) أى أنه نبى فى الحقيقة أم لا. وهو استئناف، وقيل: فى محل النصب على الحال (فيقال للأرض) أى أرض القبر
(التشمى) أى انضمى واجتمعى، يعنى ضيق عليه، وهو على حقيقة الخطابالا أنه تخييل لتعذيبه وعصره (فتختلف أضلاعه)
بفتح الهمزة جمع ضلع وهو عظم الجنب أى تزول عن الهيئة المستوية التى كانت عليها من شدة التيامها عليه، وشدة
٢٢٦

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤- باب اثبات عذاب القبر
فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. رواه الترمذى.
١٣١ - (٧) وعن البراء بن عازب، عن رسول اللّه مَّم قالى: يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له:
من ربك؟ فيقول: ربى الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: دينى الإسلام. فيقولان: ما هذا الرجل
الذى بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول اللّه عَ لى. فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله
فآمنت به وصدقت. فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) الآية. قال: فينادى مناد من
السماء أن صدق عبدى فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيفتح. قال:
فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له فيها مد بصره. وأما الكافر فذكر موته قال: ويعاد روحه فى
جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدرى. فيقولان له: ما دينك؟
الضغطة، وانعصار أعضاءه، وتجاوز جنبيه من كل جنب إلى جنب آخر (فلا يزال فيها) أى فى الأرض، أو فى تلك الحالة
(رواه الترمذى) وقال: حسن غريب، وأخرجه ابن حبان فى صحيحه، والطبرانى فى الأوسط باختلاف فى اللفظ .
١٣١ - قوله (يأتيه) أى المؤمن (ما هذا الرجل) أى ما وصف هذا الرجل أرسول هو أو ما اعتقادك فيه؟
أو (ما)) بمعنى ((من)) (وما يدريك) أى أى شئى أعلمك وأخبرك بما تقول من الربوبية والاسلام والرسالة؟ ( كتاب الله)
أى القرآن (فآمنت به) أى بالقرآن أو بالنبى أنه حق (وصدقت) أى وصدقته بما قال، أو صدقت بما فى القرآن فوجدت فيه
آيات دالة على أن ربى ورب المخلوقات واحد وهو الله، وأن لا دين مرضيا عند اللّه غير الإسلام وأن محمدا رسول الله
(فذلك) أى جريان لسانه بالجواب المذكور هو التثبيت الذى تضمنه قوله تعالى: ﴿يثبت الله - ٢٧:١٤) الخ (أن صدق)
(أن)) مفسرة للنداء لأنه فى معنى القول (فأفرشوه) بهمزة القطع أى أبسطوا له فراشا (وألبسوه) بهمزة القطع أى أعطوه
لباسا (من الجنة) أى من حللها (وافتحوا له بابا) أى حقيقة (فيفتح) قال الشيخ الألباني: لم أجد هذه اللفظة فى المسند،
وأبى داود، وإن كان السياق يدل عليها (من روحها) أى بعض روحهاً و (الروح)) بالفتح الراحة ونسيم الريح والمراد
شتى منها، ولم يؤت بهذا التعبير إلا ليفيد أنه مما لا يقادر قدره، ولا يوصف كنهه. وقيل: ((من)) زائدة على مذهب
الأخفش (ويفسح له فيها) أى فى تربته وهى قبره (مد بصره) المعنى أنه يرفع عنه الحجاب فيرى ما يمكنه أن يراه. قيل
قصب («مد) على الظرف أى مداه وهى الغاية التى ينتهى إليها البصر. قال القارى: والأصوب أن نصبه على المصدر، أى
ـحا قدر مد بصره (فذكر موته) أى حال موت الكافر وشدته (ماه ماء) بسكون الهاء فيهما بعد الألف، كلمة يقولها
المتحير الذى لا يقدر من حيرته للخوف أو لعدم الفصاحة أن يستعمل لسانه فى فيه (لا أدرى) هذا كانه بيان وتفسير
٢٢٧

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
فيقول: هاه هاه لا أدرى. فيقولان: ما هذا الرجل الذى بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدرى ..
فينادى مناد من السماء أن كذب فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار ،
قال: فيأتيه من حرها وسمومها. قال: ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ثم يقيض له أعمى
أصم معه مرزبة من حديد لوضرب بها جبل لصار تراباً، فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق
والمغرب إلا الثقلين، فيصير ترابا ثم يعاد فيه الروح. رواه أحمد وأبو داود.
١٣٢ - (٨) وعن عثمان، أنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة
والنار فلا تبكى،
لقوله: هاه هاه ، فالمعنى لا أدرى شيئا ما، أولا أدرى ما أجيب به (ما هذا الرجل) يعنى ما تقول فى حقه أنبى أم لا؟
(أن كذب) أى هذا الكافر فى قوله: لا أدرى، لأن دين الله تعالى ونبوة محمد مواقع كان ظاهرا فى مشارق الأرض
ومغاربها، بل جحد نبوته بالقول أو بالاعتقاد بناء على أن كفره جهل أو عناد، قاله القارى (من حرها) أى من حر النار
وهو تأثيرها (وسمومها) بفتح السين، وهى الريح الحارة (ثم يقيض) أى يسلط ويوكل (أعمى) أى زبانية لا عين له كيلا
يرحم عليه، وهو يحتمل أن يكون لاعين له لأجله، أو كناية عن عدم نظره إليه (أصم) أى لا يسمع صوت بكائه
واستغاثته فيرق له (مرزبة) بكسر الميم، قال القارى: المسموع فى الحديث تشديد الباء، وأهل اللغة يخففونها، وهى المطرقة
الكبيرة التى تكون للحداد. وقال فى القاموس: الارزبة والمرزبة مشددتان، أو الأولى فقط، عصية من حديد (فيضربه
بها) أى بالمرزبة (يسمعها) أى صوتها وحسها (ثم يعاد فيه الروح) قال ابن حجر: معلوم استمرار العذاب عليه فى قبره،
فيحتمل أنها إذا أعيدت تضرب أخرى فيصير ترابا، ثم يعاد فيه الروح، وهكذا. ويحتمل أن تلك الإعادة لا تتكرر،
وأن عذابه يكون بغير ذلك ، وهو ظاهر الحديث. وقال ابن الملك: يعنى لا ينقطع عنه العذاب بموته بل تعاد فيه الروح
بعد موته ليزداد عذابا. والحديث نص فى أن الكافر غير المنافق أيضا يسئل فى القبر ، خلافا لابن عبد البر، والسيوطى،
ومن وافقهما (رواه أحمد وأبو داود) فى السنة، وأخرجه أيضا النسائى، وابن ماجه مختصرا. والبيهقى، وقال: هذا
حديث صحيح الإسناد. والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين . قال المنذرى فى الترغيب بعد ذكر الحديث من رواية
الا مام أحمد: هذا حديث حسن ، رواته محتج بهم فى الصحيح ، وهو مشهور بالمنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء، كذا
قال أبو موسى الأصبهانى. والمنهال وثقه ابن معين والعجلى، روى له البخارى حديثا واحدا ، ولزاذان فى كتاب مسلم حديثان.
١٣٢ - قوله (على قبر) أى على رأس قبر، أو عنده (حتى ييل) بضم الياء الموحدة، أی بکاء، يعنى دموعه.
(لحيته) بالنصب على المفعولية، أى يجعلها مبلولة من الدموع (فلا تبكى) أى من خوف النار ، واشتياق الجنة
٢٢٨
مـ

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
وتبكى من هذا؟ فقال: إن رسول اللّه مَّ قال: إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه
فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه. قال: وقال رسول اللّه مدير ما رأيت منظرا
قط إلا والقبر أفظع منه. رواه الترمذى، وابن ماجه. وقال الترمذى: هذا حديث غريب.
١٣٣ - (٩) وعنه قال: كان النبي مَّ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: استغفروا لأخيكم
ثم سلوا له بالتثبيت ،
(وتبكى من هذا) أى من القبر ، أى من أجل خوفه. قيل: إنما كان يبكى عثمان وإن كان من جملة المشهود لهم بالجنة،
لأنه لا يلزم من التبشير بالجنة عدم عذاب القبر، بل ولا عدم عذاب النار مطلقا مع احتمال أن يكون التبشير مقيدا بقيد
معلوم أو مبهم، ويمكن أن ينسى البشارة حينئذ لشدة الفظاعة، ويمكن أن يكون خوفا من ضغطة القبر كما يدل عليه حديث
سعد الدال على أنه لم يخلص منه كل سعيد إلا الأنبياء، ذكره القارى (إن القبر أول منزل) أى فهو أقرب شتى إلى
الإنسان ، وأيضا شدته أمارة للشدائد كلها (من منازل الآخرة) ومنها عرصة القيامة عند العرض ، ومنها الوقوف عند
الميزان ، ومنها المرور على الصراط، ومنها الجنة أو النار (فإن نجا منه) أى من عذاب القبر (فما بعده) أى من المنازل
(أيسر منه) أى أسهل وأهون لأنه يفسح الناجى من عذاب القبر فى قبره مد بصره ، وينور له، ويفرش له من بسط
الجنة ، ويلبس من حللها ، ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيها، وكل هذه الأمور مقدمة لتيسير بقية منازل
الآخرة (وإن لم ينج منه) أى لم يخلص من عذاب القبر ، ولم يكفر ذنوبه ، وبقى عليه شئى ما يستحق العذاب به (فما بعده
أشد منه) لأن النار أشد العذاب، فما يحصل اليت فى القبر عنوان ما سيصير إليه (قال) أى عثمان (وقال رسول الله مح بيه
مارأيت) أى فى الدنيا (منظرا) أى موضعا ينظر إليه (إلا والقبر أفظع منه) من فظع بالضم ككرم، أى أشد وأشنع
وأنكر من ذلك المنظر. قيل: المستثنى جملة حالية من منظر، وهو موصوف حذفت صفته، أى ما رأيت منظرا نظيما على
حالة من أحوال الفظاعة قط إلا فى حالة كون القبر أقبح منه، فالاستثناء مفرغ. قال السندهى: وحيث خص بمنظر
الدنيا اندفع ما يتوهم أن هذا ينافى قوله: فما بعده أشد منه. على أنه يمكن الجواب إذا عم بأنه أفظع من جهة الوحشة
والوحدة، وغيره أشد عذابا منه، فلا إشكال. (رواه الترمذى) فى أوائل الزهد (وابن ماجه) فى الزهد (وقال
الترمذى هذا حديث غريب) وفى نسخ الترمذى الموجودة عندنا ((حديث حسن غريب)) قال المنذرى فى الترغيب: زاد
وزين فيه مما لم أره فى شئ من نسخ الترمذى. قال الهانئى (مولى عثمان راوى الحديث عنه): وسمعت عثمان ينشد على قبر:
وإلا فانی لا إخالك ناچيا
فإن تنج منها تنتج من ذى عظيمة
والحديث أخرجه الحاكم أيضا وقال: صحيح الإسناد .
١٣٣ - قوله (وقف عليه) أى وقف هو وأصحابه عند قبره (استغفروا لأخيكم) أى فى الإسلام (ثم سلواله بالتثبيت)
٢٢٩

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
فإنه الآن يسئل. رواه أبو داود.
١٣٤ - (١٠) وعن أبى سعيد قال قال رسول الله مؤتمر: ليسلط على الكافر فى قبره تسعة وتسعون
تنينا، تنهسه وتلدغه حتى تقوم الساعة، لو أن تنينا منها نفخ فى الأرض ما أنبنت خضرا. رواه
الدارمى، وروى الترمذى نحوه، وقال: سبعون بدل تسعة وتسعون.
أى اطلبوا له منه أن يثبت لسانه وجنانه لجواب الملكين. وعدى بالباء لأنه ضمن السوال معنى الدعاء، أى ادعوا له
بدعاء التثبيت، يعنى قولوا: ثبته اللّه بالقول الثابت، أو اللهم ثبته بالقول الثابت. وهو كلمة الشهادة عند منكر ونكير
(فإنه الآن يسئل) أى يسأله الملكان منكر ونكير، فهو أحوج إلى الدعاء. وفى الحديث دليل على مشروعية الاستغفار
اليت عند الفراغ من دفنه، وسؤال الثيت له، وأن دعاء الأحياء ينفع الأموات، وليس فيه دلالة على التلقين عند الدفن
كما هو المعتاد فى الشافعية، وليس فيه حديث مرفوع صحيح، وأما ما روى فى ذلك من حديث أبى أمامة فهو ضعيف لا يقوم
به حجة، عزاه الهيشمى للطبرانى، وقال: فيه جماعة لم أعرفهم. وأما قوله مَّ: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فالمراد
عند الموت لاعند دفن الميت (رواه أبو داود) فى الجنائز وسكت عليه هو والمنذرى، وقال العزيزى: إسناده حسن.
وأخرجه أيضا الحاكم، وقال: صحيح. وأقره الذهبي.
١٣٤ - قوله (تسعة وتسعون) الوقوف على فائدة تخصيص العدد إنما يحصل بالوحى ، ويتلقى من قبل
الرسول مَلقّ ، ولا مجال فيه للعقل (تنينا) بكسر التاء والنون المشددة، وهى حية عظيمة كثيرة السم، وهذا محمول على
الحقيقة، واستحالة ذلك بطريق العقول سبيل من لا خلاق له فى الدين ، عصمنا الله من عثرة العقل، وفتنة الصدر.
(نهسه) بفتح السين المهملة (وتلدغه) بفتح الدال كلاهما من باب فتح. قيل: النهس والدغ بمعنى واحد جمع بينهما
تأكيدا (لو أن تنينا منها نفخ فى الأرض) أى لو وصل ريح فمه وحرارته إلى الأرض (ما أنبتت) الأرض (خضراً)
بفتح الخاء وكسر الضاد، أى نباتا أخضر (رواه الدارمى) أى بهذا اللفظ فى الرقاق من طريق دراج أبى السمح عن
أبى الهيثم عن أبى سعيد الخدرى ، وأخرجه أيضا أحمد ، وأبو يعلى، والطبرانى فى الکیر ، وعبد بن حميد ، و ابن حبان
فى صحيحه، وسعيد بن منصور فى سننه (وروى الترمذى نحوه) أى بالمعنى من حديث طويل فى صفة القيامة من أبواب
الزهد ، وقال: غريب. قال المنذرى: رواه الترمذى والبيهقى كلاهما من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافى وهو واه
(وقال سبعون) تنينا (بدل) بالنصب ظرف (تسعة وتسعون) بالرفع على الحكاية. قبل فى وجه الجمع بين العددين:
أن الأول للتبوعين من الكفار، والثانى التابعين، أو أن سبعين عند العرب للعدد الكثير جدا ، أى البالغة لا للتحديد
حينئذ لا تنافى الأولى، لأنها محملة وتلك مبينة لها. وقيل: يحتمل أن يكون باختلاف أحوالهم. قلت: رواية الترمذى
ضعيفة جدا كما عرفت ، فلا حاجة إلى تكلف الجمع .
٢٣٠

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب إثبات عذاب القبر
الفصل الثالث )
١٣٥ - (١١) عن جابر قال: خرجنا مع رسول اللّه مَّه إلى سعد بن معاذ حين توفى، فلما صلى عليه
رسول اللّه مَيّ ووضع فى قبره وسوى عليه، سبح رسول اللّه ◌َيفهم فسبحنا طويلا، ثم كبر، فكبرنا،
فقيل: يا رسول اللّه لم سبحت ثم كبرت؟ قال: لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرجه
الله عنه. رواه أحمد.
١٣٦ - (١٢) وعن ابن عمر قال قال رسول اللّه معه: هذا الذى تحرك له العرش .
١٣٥ - قوله (إلى سعد بن معاذ) أى إلى جنازته، وهو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصارى الأشهلى، أبو عمرو،
سيد الأوس ، أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية ، وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، ودارهم أول دار أسلمت من
الأنصار، وسماه رسول اللّه ◌َو ◌َّل سيد الأنصار، وكان مقدما مطاعا شريفا فى قومه ، من أجلة الصحابة وأكابرهم، شهد
بدرا وأحدا، وثبت مع النبي مَ ◌ّه يومئذ، ورمى يوم الخندق فى أكحله فلم يرق الدم حتى مات بعد شهر، وذلك فى
ذى القعدة سنة (٥) وهو ابن سبع وثلاثين سنة، ودفن فى البقيع. له فى البخارى حديثان ، روى عنه نفر من الصحابة
(وسوى عليه) أى التراب، والفعل مجهول (سبح رسول اللّه مَ ليه) لعل التسبيح عند مشاهدة التضييق عليه كان للتعجب
أو التنزيه لإرادة تنزيهه تعالى أن يظلم أحدا (فسبحنا طويلا) قيد للفعلين، أى زمانا طويلا، أو تسبيحا طويلا، أى كثيراً
(على هذا العبد الصالح) هذا إشارة إلى كمال تميزه ورفع منزلته، ثم وصفه بالعبد ونعته بالصلاح لمزيد التخويف ،
والحث على الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى من هذا المنزل الفظيع، أى إذا كان حال هذا العبد هذا فما بال غيره ؟
(حتى فرجه اللّه عنه) أى كشفه وأزاله. قال الطيبي: و((حتى) متعلقة بمحذوف أى ما زلت أسبح وأكبر، وتسبحون
وتكبرون حتى فرجه اللّه عنه (رواه أحمد) (ج ٣: ص ٣٦٠، ٣٧٧) ذكر انهشى هذا الحديث فى مجمع الزوائد
(ج ٣: ص ٤٦) وعزاه لأحمد. والطبرانى فى الكبير ثم قال: وفيه محمود بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح،
قال الحسينى: فيه نظر. قال الهيشمى: ولم أجد من ذكره غيره. وقال الألباني: سنده ضعيف، محمود بن عبد الرحمن بن
عمرو بن الجموح ترجمه ابن حجر فى التعجيل بما يتلخص منه أنه لا يعرف.
١٣٦ - قوله (هذا الذى) إشارة إلى سعد المذكور، وهو للتعظيم كما فى الحديث الأول (تحرك له العرش)
وفى رواية ((اهتز)) أى ارتاح بصعوده، واستبشر لكرامته على ربه، لأن العرش وإن كان جمادا فغير بعيد أن يجعل الله
فيه إدراكا يميز به بين الأرواح وكالاتها، وهذا أمر ممكن، ذكره الشارع بيانا لمزيد فضل سعد، وترهيبا للناس من ضغطة
القبر، فتعين الحمل على ظاهره حتى يرد ما يصرفه عنه. والمراد عرش الرحمن ، لا السرير الذى حمل عليه، لحديث جابر
٢٣١

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه. رواه النسائى.
١٣٧ - (١٣) وعن أسماء بنت أبى بكر قالت: قام رسول اللّه ◌َبت خطيبا،
عند البخارى فى المناقب مرفوعا: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ (وفتحت له أبواب السماء) لايزال الرحمة،
ونزول الملائكة، أو عرضا للأبواب بأن يدخل من أى باب شاء لعظم كماله كفتح أبواب الجنة الثمانية لبعض المؤمنين
(وشهده) أى حضر جنازته (لقد ضم) بالضم، أى عصر سعد فى قبره (ضمة) أى واحدة (ثم فرج عنه) زاد البيهقى
فى كتاب عذاب القبر: يعنى سعد بن معاذ، وزاد فى دلائل النبوة: قال الحسن: تحرك له العرش فرحا بروحه. قال
أبو القاسم السعدى فى كتاب الروح له: لا ينجو من ضغطة القبر لا صالح ولا طالح ، غير أن الفرق بين المسلم والكافر
فيها، دوام الضغط للكافر، وحصول هذه الحالة للمؤمن فى أول نزوله إلى قبره، ثم يعود إلى الانفساح له. قال: والمراد
بضغط القبر التقاء جانبيه على جسد الميت. وقال الحكيم الترمذى: سبب هذا الضغط أنه ما من أحد إلا وقد ألم بذنب ما
فتدركه هذه الضغطة جزاء لها، ثم تدركه الرحمة. وكذلك ضغطة سعد بن معاذ فى التقصير من البول ، قلت: يشير إلى
ما أخرجه البيهقى من طريق ابن إسحاق: حدثنى أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد ما بلغكم من قول رسول الله
مَلِّ فى هذا؟ فقالوا: ذكر لنا أن رسول عَّ سئل عن ذلك، فقال: كان يقصر فى بعض الطهور من البول. وقال
ابن سعد فى طبقاته: أخبر شبابة بن سوار أخبرنى أبو معشر عن سعيد المقبرى ، قال: لما دفن رسول اللّه سعدا قال:
لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضم ضمة اختلفت منها أضلاعه من أثر البول. وأخرج البيهقى عن الحسن ،
أن النبي ◌َّ قال حين دفن سعد بن معاذ: إنه ضم فى القبر ضمة حتى صار مثل الشعرة،، فدعوت الله أن يرفعه عنه،
وذلك بأنه كان لا يستبرئ من البول. ثم قال الحكيم: وأما الأنبياء فلا يعلم أن لهم فى القبور ضمة ولا سوالا لعصمتهم.
وقال النسفى فى بحر الكلام : المؤمن المطيع لا يكون له عذاب القبر، ويكون له ضغطة القبر، فيجد هول ذلك وخوفه ،
لما أنه تنعم بنعمة الله ولم يشكر النعمة. وروى ابن أبى الدنيا عن محمد التيمى قال: كان يقال: إن ضمة القبر إنما أصلها
أنها أمهم ، ومنها خلقوا فغابوا عنها الغيبة الطويلة ، فلما رد إليها أولادها ضمتهم ضمة الوالدة غاب عنها ولدها ثم قدم
عليها، فمن كان لله مطيعا ضمته برأفة ورفق، ومن كان عاصيا ضمته بعنف سخطا منها عليه لعصيانه ربها. ذكره السيوطى
فى زهر الربى (رواه النسائى) فى الجنائز، وأخرجه أيضا البيهقى، والحاكم، وفى ضغطة القبر أحاديث عن جماعة من
الصحابة. منها حديث ابن عباس، أخرجه الطبرانى فى الكبير وغيره. ومنها حديث جابر، أخرجه ابن سعد،
والحكيم الترمذى. ومنها حديث عائشة، أخرجه أحمد. ومنها حديث أنس أخرجه أبو يعلى والضياء. ومنها حديث
حذيفة أخرجه أحمد ، والحكيم الترمذى.
١٣٧ - قوله (وعن أسماء) غير منصرف بالعلمية والتأنيث المعنوى (بنت أبى بكر) الصديق زوج الزبير بن
العوام، وأم عبد الله بن الزبير، تسمى ذات النطاقين لأنها شقت نطاقها ليلة خرج النبي مؤلّ مهاجرا، جعلت واحدة
٢٣٢

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
فذكر فتنة القبر التى يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك، ضج المسلمون ضجة. رواه البخارى هكذا،
وزاد النسائى: حالت بينى وبين أن أفهم كلام رسول اللّه مٍَّ، فلما سكنت ضجتهم، قلت الرجل
قريب منى: أى بارك الله فيك، ماذا قال رسول اللّه مؤلته فى آخر قوله؟ قال قال: قد أوحى إلى
أنكم تفتنون فى القبور قريبا من فتنة الدجال.
١٣٨ - (١٤) وعن جابر رضى الله عنه، عن النبى مؤلّم قال: إذا أدخل الميت القبر مثلت له
الشمس عند غروبها، فيجلس
شدادا لسفرته والآخر عصاما لقربته، وقيل: جعلت النصف الثانى نطاقا لها أسلمت بمكة بعد
إسلام سبعة عشر إنسانا، وهاجرت إلى المدينة وهى حامل بابنها عبد الله. وماتت بعد قتل ابنها عبد الله
بعشرة أيام ، وقيل: بعشرين يوما بعد ما أنزل ابنها من الخشبة ، ولها مائة سنة، ولم يقع لها سن، ولم ينكر من عقلها شئى،
وذلك فى جمادى الأولى سنة (٧٣) بمكة. لها ستة وخمسون حديثا، اتفقا على أربعة عشر، وانفرد البخارى بأربعة ،
ومسلم بمثلها. روى عنها خلق كثير (فذكرفتنة القبر) أى وعذابه، أو ابتلاءه والامتحان فيه (التى يفتن فيها المرء) صفة لفتنة،
يعنى ذكر الفتنة بتفاصيلها كما يجرى على المرء فى قبره (فلما ذكر ذلك) أى ما ذكر، أو الفتنة بمعنى الافتتان (ضج المسلمون)
أى صاحوا وجزعوا (ضجة) التنوين للتعظيم (رواه البخارى هكذا) أى مختصرا من طريق عروة عن أسماء فى باب عذاب
القبر من الجنائز، وأخرجه فى العلم، والكسوف، والجمعة من طريق فاطمة بنت المنذر عن أسماء مطولا (وزاد النسائى)
أى بعد ((ضجة)) (حالت) صفة ضجة (بينى وبين أن أفهم كلام رسول اللّه مَّه) أى بعد هذا (قلت لرجل) قال الحافظ
فى الفتح: لم أقف على اسم الرجل الذى استفهمت منه عن ذلك إلى الآن (قريب منى) أى مكانا (أى) المنادى محذوف ،
أى فلان (فى آخر قوله) أى بعد الصياح (قريبا) صفة مصدر محذوف، أى افتانا قريبا (من فتنة الدجال) وقال
الطبي: أى فتنة قريبة، وذكر كما فى قوله تعالى: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين - ٧: ٥٦ ) أى فتنة عظيمة، إذ
ليس فى الفتن أعظم من فتنة الدجال. وقد روى أحمد عن عائشة مرفوعا: أنكم تفتنون فى القبور كفتنة الدجال. قال
الكرمانى: وجه الشبه بين الفتقتين الشدة ، والهول ، والعموم.
١٣٨ - قوله (مثلت) أى صورت (عند غروبها) حال من الشمس، أى حال كونها قريبة الغروب. وقال
ابن حجر: أى حال كونها غاربة، لا ظرف لمثلت لاقتضاء، أن التمثيل لا يكون إلا ذلك الوقت ، وليس كذلك، فإنه
يكون عند نزول الملكين، وهذا لا يقيد بذلك الوقت، بل هو عام فى سائر أجزاء الليل والنهار ، فتعين أن التمثيل بها
حالة كونها غاربة عام فى سائر الأزمنة أيضا ، وذلك لا يكون إلا فى حق المؤمن (فيجلس) معروف ، وقيل: مجهول
٢٣٣

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر.
يمسح عينيه ويقول: دعونى أصلى. رواه ابن ماجه.
١٣٩ - (١٥) وعن أبى هريرة، عن النبى ◌َّم قال: إن الميت يصير إلى القبر، فيجلس الرجل فى
قبره غير فزع ولا مشغوب، ثم يقال: فيم كنت؟ فيقول: كنت فى الاسلام. فيقال: ما هذا الرجل؟
فيقول: محمد رسول اللّه جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه. فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما
ينبغى لأحد أن يرى الله.
(يمسح) حال من ضمير يجلس (عينيه) على هيئة المستيقظ لأن النوم أخو الموت (دعونى) أى اتركوا كلامى والسوال
منى (أصلى) جواب للأمرَ ، والياء للإشباع، أو أعطى المعتل حكم الصحيح. وقيل: استئناف، أى أنا أريد أن أصلى،
والمعنى: أن من كان راسخا فى أداء الصلاة، مواظبا عليها فى الدنيا ، يظن أنه بعد فى الدنيا ، ويؤدى ما عليه من الفرائض،
ويشغله من قيامه بعض أصحابه ، فيقول: دعونى أنا أريد الصلاة ، ولضيق الوقت يفزع، ويخاف فوت الوقت ،
ويستعجل بالصلاة ، وذكر الغروب يناسب الغريب فإنه أول منزل ينزله عند الغروب (رواه ابن ماجه) فى الزهد ،
قال فى الزوائد : إسناده حسن إن كان أبو سفيان، واسمه طلحة بن نافع ، سمع من جابر بن عبد الله، وإسماعيل بن
حفص مختلف فيه - انتهى. هذا، وقد ورد ذكر تمثيل الشمس إليت حال كونها قريبة الغروب فى حديث أبى هريرة
الطويل عند ابن حبان فى صحيحه ، والطبرانى فى الأوسط .
١٣٩ - قوله (إن الميت) اللام للجنس (فيجلس) على بناء المفعول من أجلس، أو على بناء الفاعل من جلس
(الرجل) أى الصالح، كما فى بعض النسخ، وكذا وقع فى ابن ماجه (غير فرع) بكسر الزاى ونصب («غير، على الحالية،
وقوله (ولا مشغوب) تأكيد من الشغب، وهو تهيج الشر والفتنة، كذا وقع فى جميع النسخ (مشغوب)) بالغين
المعجمة والباء، والظاهر أنه خطأ من النساخ، والصواب ((مشعوف) أى بالعين المهملة والفاء، من الشعف، وكذا
وقع فى ابن ماجه. قال المنذرى: الشعف ، بشين معجمة وعين مهملة ، شدة الفزع حتى يذهب بالقلب (ثم يقال)
أى له كما فى بعض النسخ موافقا لما فى ابن ماجه (فيم كنت) أى فى أى دين عشت؟ (ما هذا الرجل) أى الرجل
المشهور بين أظهركم، ولا يلزم منه الحضور. وترك ما يشعر بالتعظيم لئلا يصير تلقينا، وهو لا يناسب موضع
الاختبار. و«ما، استفهام مبتدأ و«هذا الرجل، خبره، أى ما وصفه ونعته؟ أو ما اعتقادك فيه؟ (محمد رسول الله)
قوله ((رسول الله)) يحتمل أن يكون خبرالمبتدأ محذوف، أو خبرا بعد خبر، والأظهر أنه خبر محمد، والجملة مقول،
وهو متضمن للجواب عن وصفه وقوله (جاءنا بالبنات) جملة استئنافية مبينة للجملة الأولى (فصدقناه) أى بجميع
ما جاء من عند الله (ما ينبغى) أى لا يصح (أن يرى الله) أى يبصره ببصره فى الدنيا، أو يحيط بكنهه مطلقا
٢٣٤

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٤ - باب اثبات عذاب القبر
فيفرج له فرجة قبل النار، فينظر إليه يحطم بعضها بعضا، فيقال له: أنظر إلى ما وقاك الله، ثم يفرج
له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك، على اليقين كنت، وعليه
مت، وعليه تبعث إن شاء اللّه تعالى. ويجلس الرجل السوء فى قبره فزعا مشغوباً، فيقال له: فيم
كنت؟ فيقول: لا أدرى. فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولا فقلته ،
فيفرج له قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: أنظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يفرج
له فرجة إلى النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضا، فيقال له: هذا مقعدك، على الشك كنت، وعليه
مت، وعليه تبعث إن شاء اللّه تعالى. رواه ابن ماجه.
(فيفرج له) بالتشديد، وقيل: بالتخفيف، وكلاهما على بناء المفعول، أى يكشف ويفتح له (فرجة) بضم الفاء، وقيل
بفتحها وهو مرفوع على نيابة الفاعل (قبل النار) بكسر القاف، أى جهتها ، منصوب على الظرف (ينظر إليه) ذكر ضمير
النار بتأويل العذاب، وأنث فى قوله (يحطم بعضها بعضا) نظرا إلى اللفظ. والحطم الكسر أى يكسر ويغلب ويأكل بعضها
بعضا لشدة تلهبها وكثرة وقودها (أنظر إلى ما وقاك الله) أى أنظر إلى هذا العذاب الذى حفظك الله بحفظه إياك من
الكفر والمعاصى التى تجره إليه (إلى زهرتها) بفتح الزاى أى حسنها وبهجتها (وما فيها) من الحور، والقصور، وغيرها
من الخير الكثير (هذا مقعدك) أى فى العقبى (على اليقين كنت) جملة مستانفة متضمنة للتعليل، أى هذا مقعدك لأنك
كنت فى الدنيا على اليقين فى أمر الدين. وتقديم الخبر للاهتمام والاختصاص التام (وعليه مت) بضم الميم وكسرها،
وهذا يدل على أن من كان على اليقين فى الدنيا يموت عليه عادة، وكذا فى جانب الشك، قاله السندهى (وعليه تبعث) يعنى
كما تعيش تموت، وكما تموت تحشر (إن شاء الله تعالى) للتبرك، أو للتحقيق لا الشك (الرجل السوء) بفتح السين وتضم،
ضد الصالح (مشغوبا) وفى ابن ماجه (مشعوفا)) أى مرعوبا (لا أدرى) ما الدين؟ أو الهيبة نسى دينه (سمعت الناس) إلخ
يريد أنه كان مقلدا فى دينه للناس، ولم يكن منفردا عنهم بمذهب ، فلا اعتراض عليه حقا كان ما عليه أو باطلا (رواه
ابن ماجه) فى الزهد. قال فى الزوائد: إسناده صحيح، وأخرج أحمد نحوه مطولا عن عائشة بإسناد صحيح، ذكره
المنذری فی ترغیه.
٢٣٥

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
الفصل الأول )
١٤٠ - (١) عن عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول اللّه ثم: من أحدث فى أمرنا هذا ما
ليس منه فهو رد. متفق عليه.
١٤١ - (٢) وعن جابر رضى اللّه عنه قال قال رسول اللّه مَ: أما بعد،
(باب الاعتصام بالكتاب والسنة) الاعتصام افتعال من العصمة وهى المنع ، والعاصم المانع الحامى، والاعتصام
الاستمساك بالشئى، والمراد بالكتاب القرآن المتعبد بتلاوته، وبالسنة ما جاء عن النبي مؤتم من أقواله، وأفعاله،
وأحواله ، وتقريره، وما هم بفعله، والسنة فى أصل اللغة الطريقة. قيل: هذه الترجمة منتزعة من قوله تعالى:
﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً - ٣: ١٠٣) لأن المراد بحبل الله الكتاب والسنة على سبيل الاستعارة.
١٤٠ - قوله (من أحدث فى أمرنا هذا) أى فى شأننا وطريقنا، فالأمر واحد الأمور ، أطلق على الدين من
حيث أنه طريقه وشأنه الذى يتعلق به، أو فى ما أمرنا به بالوحى المتعبد بتلاوته، أو بالوحى الذى ليس بقرآن ، فالأمر
واحد الأوامر ، أطلق على المأمور به ، والمراد الشرع والدين كما وقع فى بعض الروايات: من أحدث فى دينا. قيل
عبر عن الدين بالأمر تنبيها على أن هذا الدين هو أمرنا الذی نهتم له ونشتغل به ، بحيث لا يخلو عنه شئ من أقوالنا
وأفعالنا وأحوالنا (فهو رد) أى مردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول، مثل خلق ومخلوق، ونسخ ومنسوخ.
وكأنه قال: فهو باطل غير معتد به. ومعنى الحديث: أن من أحدث فى الإسلام رأيا لم يكن له من الكتاب والسنة
سند ظاهر أو خفى، ملفوظ أو مستنبط ، فهو مردود عليه، والمراد أن ذلك الأمر واجب الرد ، يجب على الناس رده،
ولا يجوز لأحد اتباعه، والتقليد فيه. وقيل: يحتمل أن ضمير ((فهو)) لمن، أى فذلك الشخص مردود مطرود. والحديث
أصل عظيم من أصول الإسلام، وقاعدة مهمة من قواعده، وهو من جوامع كله ێے ، فإنه صريح فى رد كل البدع
والمخترعات. قال النووى: هذا الحديث مما ينبغى أن يعتنى بحفظه واستعماله فى إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به.
وفى رواية لمسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. أى ليس هو فى ديننا وشرعنا، ولم يأذن به الله ورسوله، يعنى من
عمل عملا خارجا عن الشرع ليس متقيدا بالشرع فهو مردود. قال الحافظ: قوله ((من عمل)) أعم من قوله (من أحدث))
فيحتج به فى إبطال جميع العقود المنهية، وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها، وفى أن النهى يقتضى الفساد، لأن المنهيات
كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها. وارجع للتفصيل إلى شرح الأربعين النووية لابن رجب (متفق عليه) أخرجه
البخارى فى الصلح، ومسلم فى الأقضية، وأخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه فى السنة.
١٤١ - قوله (أما بعد) هاتان الكلمتان يقال لهما فصل الخطاب، وأكثر استعمالهما بعد تقدم قصة، أو حمد لله وصلاة
٢٣٦

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فإن خير الحديث كتاب اللّه، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
رواه مسلم.
١٤٢ - (٣) وعن ابن عباس قال قال رسول اللّه مَله: أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد
فى الحرم، ومبتغ فى الإسلام
على النبى مَِّ، فقوله ((بعد) مبنى على الضم بحذف المضاف إليه، أى بعد ما تقدم من الحمد والصلاة، والمفهوم منهما أنه
مَّ قال ذلك فى أثناء خطبته أو موعظته (فإن خير الحديث) الفاء لما فى ((أما) من معنى الشرط، أى مهما يكن من شئ بعدما
ذكر فإن خير الحديث أى الكلام (وخير الهدى) بالنصب، عطفا على اسم إن، وروى بالرفع عطفا على محل ((إن)) واسمه.
و((الهدى) بفتح الهاء وسكون الدال، السيرة، ولا يكاد يطلق إلا على طريقة حسنة، ولذلك حسن إضافة الخير إليه،
والشر إلى الأمور، واللام فى ((الهدى، للاستغراق، لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلا إلى متعدد، ولأنه لو لم يكن للاستغراق
لم يفد المعنى المقصود، وهو تفضيل دينه وسنته على سائر الأديان والسنن. وروى («الهدى، بضم الهاء وفتح الدال،
ومعناه الدلالة والإرشاد، أى أحسن الدلالة دلالة محمد عَّ وإرشاده (وشر الأمور) بالنصب، وقيل بالرفع
(محدثاتها) بفتح الدال، جمع محدثة، والمرادبها ما أحدث من الاعتقاد، والقول ، والفعل ، وليس له أصل فى الشرع،
ويسمى فى عرف الشرع بدعة. وما كان له أصل فى الشرع فليس ببدعة شرعا كتفسير القرآن ، وكتابة الحديث ، فالبدعة
فى عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة، فإن كل شئ أحدث على غير مثال سبق يسمى بدعة لغة ، سواء كان محمودا أو
مذموما ، وكذا القول فى المحدثة ، ولذا قال (وكل بدعة) بالرفع، وقيل بالنصب (ضلالة) أى كل بدعة شرعية ضلالة،
أى توصف بذلك لإضلالها. وعند النسائى من حديث جابر: إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى
محمد مرَّ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار. ويأتى مزيد الكلام فى
شرح حديث العرباض بن سارية فى الفصل الثانى (رواه مسلم) فى حديث طويل فى خطبة الجمعة ، وأخرجه أيضا أحمد ،
وابن ماجه فى السنة.
١٤٢ - قوله (أبغض الناس) هو أفعل التفضيل من المفعول على الشذوذ، واللام فى ((الناس)) للعهد، والمراد منه
عصاة المسلمين (ثلاثة) أى أشخاص، أحدهم، أو منهم (ملحد فى الحرم) أى ظالم أو عاص فيه، والإلحاد الميل عن
الصواب، والعدول عن القصد. قال الحافظ: وظاهر سياق الحديث أن فعل الصغيرة فى الخرم أشد من فعل الكبيرة فى
غيره، فإن مرتكب الصغيرة مائل عن الحق والقصد، وهو مشكل ، فتعين أن المراد بالإلحاد فعل الكبيرة. وقال
القسطلانى: أجيب بأن الالحاد فى العرف مستعمل فى الخارج عن الدين ، فإذا وصف به من ارتكب معصية كان فى ذلك
إشارة إلى عظمها (ومبتغ) أى طالب (فى الإسلام) يعنى أن ما محاه الاسلام وأمر بتركه من أمور الجاهلية يريد هو
٢٣٧

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئى بغير حق ليهريق دمه. رواه البخارى.
١٤٣ - (٤) وعن أبى هريرة قال قال رسول اللّه مَّه: كل أمتى يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل:
ومن أبى؟ قال: من أطاعنى دخل الجنة، ومن عصانى فقد أبى. رواه البخارى.
إحداثه وإشاعته، فيدخل فيه إحداث البدعة ، وبهذا المعنى أورده البغوى فى الاعتصام بالكتاب والسنة (سنة الجاهلية)
اسم جنس يعم جميع ما كان عليه أهل الجاهلية من النياحة، والميسر، والطيرة ، والكهانة، وقتل الأولاد ، وجزاء
شخص بجناية من هو من قيلته. وإطلاق السنة على فعل الجاهلية على أصل اللغة (مطلب) بالتنوين (دم امرئى) بالنصب،
وقيل بإضافة ((مطلب)) إلى ((دم)) وهو بتشديد الطاء من الاطلاب أصله مطتلب على مفتعل، فأبدلت التاء طاء، وأدغمت،
أى متكلف فى الطلب، مبالغ ومجتهد فيه (ليهريق دمه) بضم الياء وفتح الهاء ويجوز إسكانها من هراق الماء إذا صبه،
والأصل أراق ، قلبت الهمزة ماء وفيه لغة أخرى، وهى أهراق، بفتح الهمزة وسكون الهاء، وخص الإحراق أى الصب
لأنه الغالب فى القتل ، وإلا فالمدار على إزهاق الروح ولو بخنق ونحوه وخص هؤلاء الثلاثة لأنهم جمعوا بين الذنب
وما يزيد به قبحا من الإلحاد، وكونه فى الحرم، وإحداث البدعة فى الإسلام، وكونها من أمر الجاهلية، وقتل النفس
لا لغرض من الأغراض، بل لمطلق كونه قتلا، وإليه الإشارة بقوله «ليهريق دمه)، ويزيد القبح فى الأول باعتبار المحل،
وفى الثانى باعتبار الفاعل ، وفى الثالث باعتبار الفعل، وفى كل من لفظى المطلب والمبتغى مبالغة، وذلك أن هذا الوعيد.
إذا ترتب على الطالب والمتمنى فكيف المباشر (رواه البخارى) فى الديات، والحديث من إفراده.
١٤٣ - قوله ( كل أمتى يدخلون الجنة) يحتمل أن يراد بالأمة أمة الدعوة، أى كلهم يدخلون الجنة على التفصيل
السابق فى باب الايمان ، فالآبى هو الكافر، ويحتمل أن يراد بها أمة الاجابة ، فالآبى هو العاصى، استثناء تغليظا وزجرا
عن المعاصى (إلا من أبى) أى امتنع عن قبول ما جئت به (قيل ومن أبى) وفى البخارى: قالو ومن يأبى؟ أى بلفظ
المضارع، وهذه عطف على محذوف، عطف جملة على جملة ، أى عرفنا الذين يدخلون الجنة. ومن الذى يأبى؟ أى والذى
أبى لا نعرفه، وحق الجواب اختصارا أن يقول ((من عصانى)) فقط، فعدل إلى ما ذكره تنبيها به على أنهم ما عرفوا ذاك
ولا هذا، أو التقدير: من أطاعنى، وتمسك بالكتاب والسنة ، دخل الجنة ، ومن اتبع هواه ، وضل عن الطريق المستقيم ،
وزل عن الصواب ، فقد دخل النار. فوضع ((أبى)) موضعه وضعا للسبب موضع المسبب، ويعضد هذا التأويل إيراد
البغوى هذا الحديث فى الاعتصام بالكتاب والسنة، والتصريح بذكر الطاعة ، فإن المطيع هو الذى يعتصم بالكتاب
والسنة، ويجتنب عن الأهواء والبدع (رواه البخارى) فى الاعتصام، وأخرجه أيضا الحاكم، وقال: هذا حديث صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهذا وهم منه، لأنه أخرجه البخارى فى صحيحه، وهو من إفراده، وروى أحمد والحاكم
عن أبى هريرة رفعه: لتدخلن الجنة إلا من أبى، وشرد على اللّه شراد البعير. وسنده على شرط الشيخين ، وله شاهد عن
٢٣٨

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٤٤ - (٥) وعن جابر قال: جاءت ملائكة إلى النبى معَوِّ وهو نائم، فقالوا: إن لصاحبكم هذا
مثلا، فاضربوا له مثلا، قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا:
مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا، فمن أجاب الداعى دخل الدار وأكل من
المأدبة، ومن لم يجب الداعى لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أولوها له يفقهها. قال
بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: الدار الجنة،
أبى أمامة عند الحاكم والطبرانى، وسنده جيد .
١٤٤ - قوله (وعن جابر قال جاءت ملائكة) أى جماعة منهم، وهذه حكاية سمعها جابر عن النبى مؤلّ فكاما
حديث جابر هذا مرفوع لما فى رواية الترمذى عن جابر، قال: خرج علينا رسول اللّه ◌َ ◌ّه يوما فقال. إنى رأيت فى
المنام كأن جبريل عند رأسى ، وميكائيل عند رجلى، إلخ. ولا يستشكل اقتصاره على ذكر اثنين من الملائكة جبريل
وميكائيل فى رواية الترمذى هذه. لأنه يحتمل أنه كان مع كل منهما غيره ، واقتصر فى رواية الترمذى على من باشر
الكلام منهم ابتداء وجوابا (إن لصاحبكم هذا) أى لمحمد، والمخاطب بعض الملائكة (مثلا) أى صفة عجيبة الشأن (فاضربوا له)
أى بينوا له (إنه نائم) أى فلا يسمع، فلا يفيد ضرب المثل شيئا (إن العين نائمة والقلب يقظان) غير منصرف ، وقيل
منصرف لمجتى فعلانة. أى فلا يفوته شئ مما تقولون ، فإن المدار على المدارك الباطنية دون الحواس الظاهرية. وقيل:
هذا تمثيل يراد به حياة القلب وصحة خواطره، يقال ((رجل يقظ)) إذا كان ذكى القلب. قال البيضاوى: هذه مناظرة
جرت بينهم بيانا وتحقيقا لما أن النفوس القدسية الكاملة لا يضعف إدراكها بضعف الحواس الظاهرة، واستراحة
الأبدان ، بل ربما يقوى إدراكها عند ضعفها (مثله كمثل رجل بنى دارا) قال القارى: يعنى قصته كهذه القصة عن
آخرها ، لا أن حاله كحال هذا الرجل، فإنه فى مقابلة الداعى لا البانى ، اللهم إلا أن يقدر مضاف ، ويقال : كمثل داعى
رجل بنى دارا - انتهى. وقال الكرمانى: ليس المقصود من هذا التمثيل تشبيه المفرد بالمفرد، بل تشبيه المركب بالمركب
مع قطع النظر عن مطابقة المفردات عن الطرفين - انتهى. وقد وقع فى رواية الترمذى، وكذا فى حديث ابن مسعود عند
الترمذى ، وأحمد ، وابن خزيمة ما يدل على المطابقة المذكورة (مأدبة) بفتح الميم وسكون الهمزة وضم الدال وتفتح،
وبعدها موحدة، طعام عام يدعى الناس إليه كالوليمة (وبعث داعيا) يدعو الناس إليها (أولوها) بكسر الواو المشددة ،
أى فسرواهذه الحكاية التمثيلية لمحمد مؤلفى، من أول تأويلا، إذا فسر بما يؤل إليه الشئى (يفقهها) بالجزم جواب الأمر،
أى يفهمها (وقال بعضهم إن العين) أى عينه (نائمة والقلب) أى قلبه (يقظان) أى فيدرك البيان ، وكرروا هذا لتنبيه
السامعين إلى هذه المنقبة العظيمة، وهى نوم العين ويقظة القلب (فقالوا الدار) أى الممثل بها (الجنة) وفى رواية الترمذى:
٢٣٩

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الإيمان
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
والداعى محمد، فمن أطاع محمدا فقد أطاع اللّه، ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس.
رواه البخارى.
١٤٥ - (٦) وعن أنس قال: جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ◌َّم يسألون عن عبادة النبي مؤَّه،
فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبى مؤلَّم؟ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه
وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا
فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول. وفى حديث ابن مسعود عند أحمد: أما السيد
فهو رب العالمين، وأما البنيان فهو الاسلام، والطعام الجنة، ومحمد الداعى، فمن اتبعه كان فى الجنة (فمن أطاع) الفاء
للسبية أى لما كان هو الداعى فمن أطاع (محمدا فقد أطاع الله) أى لأنه رسول صاحب المأدبة، فمن أجابه ودخل فى
دعوته أكل من المأدبة. وهو كناية عن دخول الجنة ، وفى رواية الترمذى: وأنت يا محمد رسول الله، فمن أجابك
دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها (ومحمد فرق بين الناس) روى مشددا على
صيغة الفعل الماضى ، ومخففا أى بسكون الراء والتنوين على المصدر ، وصف به للمبالغة كالعدل، أى هو الفارق بين المؤمن
والكافر، والصالح، والطالح، إذ به تميزت الأعمال والعمال، وهذا كالتذييل للكلام السابق، لأنه مشتمل على معناه
ومؤكد له، وفى تمثيل الملائكة إيقاظ السامعين من رقدة الغفلة، وسنة الجهالة ، وحث لهم على الاعتصام بالكتاب
والسنة، والإعراض عما يخالفهما من البدعة والضلالة (رواه البخارى) فى الاعتصام، وأخرجه أيضا الترمذى فى الأمثال
من غير طريق البخارى ، وفى الباب عن ابن مسعود عند أحمد، والترمذى وصححه ، وابن خزيمة، وعن ربيعة الجرشى عند
الدارمى ، والطبرانى بسند جيد ، وسيأتى فى الفصل الثانى.
١٤٥ - قوله (ثلاثة رهط) بسكون الهاء، وهى العصابة دون العشرة، وقيل: دون الأربعين. اسم جمع لا
واحد له من لفظه، والمراد ثلاثة أنفس ، وهم على، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعثمان بن مظعون ، کما فى مرسل
سعيد بن المسيب عند عبد الرزاق. وقيل: المقداد بدل عبد الله بن عمرو (يسألون عن عبادة النبي محمد له) أى فى البيت،
وفى السر، والمراد معرفة قدر عادة وظائفه فى كل يوم وليلة حتى يفعلوا ذلك (فلما أخبروا) على صيغة المجهول أى
أخبرتها (بها) أى بعبادته (كأنهم تقالوها) بتشديد اللام المضمومة، تفاعل من القلة أى عدوها قليلة لما فى نفوسهم أنها
أكثر مما أخبروا به بكثير (أين نحن من النبى مَ طّ) أى بيننا وبينه بون بعيد، فإنا على صدد التفريط وسوء العاقبة، وهو
معصوم مأمون الخاتمة، واثق بقوله تعالى: ﴿ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر - ٤٨: ٢﴾ (وقد غفر الله له)
أى فمن لم يعلم بحصول ذلك له يحتاج إلى المبالغة فى العبادة عسى أن يحصل بخلاف من حصل له، لكن بين النبى مؤلّ أن
ذلك ليس بلازم ، فأشار إلى هذا بأنه أشد خشية ، وذلك بالنسبة لمقام العبودية فى جانب الربوبية (فقال أحدهم أما أنا)
٢٤٠