النص المفهرس

صفحات 181-200

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
متفق عليه
& ( الفصل الثانى )
٩٤ - (١٦) عن عبادة
الصامت قال قال رسول الله عرض: إن أول ما خلق الله القلم،
فى الجنة ، والشهيد فى الجنة، والمولود فى الجنة. قال الحافظ إسناده حسن. ومنها ما رواه عبد الرزاق من طريق أبي
معاذ عن الزهرى عن عروة عن عائشة قالت: سألت خديجة التى مؤتمر عن أولاد المشركين، فقال هم مع آباء هم، ثم.
سأله بعد ذلك فقال الله أعلى بما كانوا عاملين، ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزل (ولا تزر وازرة وزر أخرى)
قال هم على الفطرة أو قال هم فى الجنة. قال الحافظ: وأبو معاذهو سليمان بن أرقم وهو ضعيف، ولو صح هذا لكان
قاطعا للنزاع ورائعا لكثير من الإشكال - انتهى. وقد اختار هذا القول الإمام البخارى والأشعرى والنووى
والحافظ ابن حجر والإمام ابن القيم وشيخه الإمام ابن تيمية، وهذا الحديث وما فى معناه محمول عندهم على أنه كان
قبل أن ينزل فيهم شتى فكان ◌َ ◌ّ عند حدوث هذا السؤال ما أخبر عن حقيقة أمرهم فتوق فيهم (متفق عليه) وأخرجه
أيضا النسائى.
٩٤ - قوله (إن أول ما خلق الله القلم) بالرفع على أنه خبر إن، قال القارى: وروى بالنصب، قال بعض
المغاربة: رفع القلم هو الرواية، فإن صح النصب كان على لغة من ينصب خبر إن ، وقال المالكى: يجوز نصبه بتقدير
((كان)) على مذهب الكائى، كقوله:
يا ليت أيام الصيارواجعا
وقال المغربي: لا يجوز أن يكون العلم مفعول خلق لأن المراد أن القلم أول مخلوق، وإذا جعل مفعولا لخلق
أوجب أن يقال اسم إن ضمير الشأن و((أول)) ظرف فينبغى أن تسقط الفاء من قوله «فقال)) إذ يرجع المعنى إلى أنه قال له
اكتب حين خلقه فلا إخبار بكونه أول مخلوق - انتهى. وإنما أوجب ما ذكر لأنه بدونه يفسد أصل المعنى إذ يصير
التقدير أن أول شفى خلق الله القلم، وهو غير صحيح. وقيل لو صحت الرواية بالنصب لم تمنع الفاء ذلك إذ يقدر قبل
فقال ((أمره)) وهو العامل فى الظرف، كذا حققه الطبى، وفيه أنه حينئذ لا يكون تنصيص على أولية خلق القلم الذى
يدل عليه رواية الرفع الصحيحة، وفى الأزهار: أول ما خلق الله القلم. يعنى بعد العرش والماء والريح لقوله عليه الصلاة
والسلام: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء، رواه مسلم.
وعن ابن عباس سئل عن قوله تعالى ﴿وكان عرشه على الماء) على أى شئى كان الماء؟ قال: على متن الرمح، رواه البيهقى
ذكره الأبهرى، فالأولية إضافية - انتهى كلام القارى. قال الحافظ فى الفتح (ج ١٣: ص ١٨٦) بعد ذكر حديث
أبى رزين العقيلى مرفوعا أن الماء خلق قبل العرش أخرجه أحمد والترمذى، وروى السدى فى تفسيره بأسانيد متعددة أن
ألقه لم يخلق شيئا ما خلق قبل الماء، وأما ما رواه أحمد والترمذى وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: أن أول ما
١٨١

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
فقال له اكتب، قال ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، فكتب ما كان وما هو كائن إلى الأبد ،
رواه الترمذى وقال : هذا حديث غريب إسنادا.
٩٥ - (١٧) وعن مسلم بن يسار قال سئل عمر بن الخطاب عن هذه الآية
خلق الله الظلم، ثم قال اكتب نجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة. فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا
الماء والعرش أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة أى أنه قيل لها كتب أول ما خلق، وأما حديث أول ما خلق الله العقل فليس
له طريق ثبت، وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الأخير هو تأويله، واختف فى أيهما خلق أولا ، العرش أو القلم؟ والأكثر على سبق
خلق العرش واختار ابن جرير ومن تبعه الثانى - انتهى مختصرا (قال ما أكتب) ما استفهامية مفعول مقدم على الفعل
(قال ا كتب القدر) بفتحتين أى المقدر المقضى، وفى جامع الترمذى: قال اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد.
أى بغير زيادة لفظ ((فكتب» قبل قوله ((ما كان، وفى المصايح: قال القدر ما كان إلخ. قال شراحه أى ا كتب القدر، فنصبه
بفعل مقدر، و«ما كان)) بدل من القدر أو عطف بيان (فكتب ما كان) المضى بالنسبة إليه مرَّةٍ ، قال الطيبي: ليس حكاية
عما أمر به القلم وإلا لقيل فكتب ما يكون، وإنما هو إخبار باعتبار حاله عليه الصلاة والسلام أى قبل تكلم النبى معَّه
بذلك لا قبل القلم لأن الغرض أنه أول مخلوق، نعم إذا كانت الأولية نسبية صح أن يراد ما كان قبل القلم ، وقيل ما كان
يعنى العرش والماء والريح (إلى الأبد) قيل الأبد هو الزمان المستمر غير المنقطع لكن المراد منه ههنا الزمان الطويل، يدل
عليه رواية ابن عباس عند البيهقى والحاكم ففيها إلى أن تقوم الساعة (رواه الترمذى) فى أواخر القدر مع قصة فى الحديث
وفى تفسير سورة نون والقلم بغير القصة باللفظ الذى ذكره الحافظ (وقال هذا حديث غريب إسنادا) أى لامتنا والمراد
به حدیث یعرف متنه عن جماعة من الصحابة وانفرد واحد بروايته عن صحابى آخر، ومنه قول الترمذى غريب من هذا
الوجه ، لکن وقع فی نسخ جامع الترمذى عندنا فى القدر (حديث غريب، وفى التفسير ((حديث حسن صحيح غريب» بغير
ذكر لفظ ((إسناداء أو لفظ ((من هذا الوجه)) ولعل المصنف ذكر كلام الترمذى بالمعنى، فإن قوله: غريب إسنادا. فى معنى
قوله: غريب من هذا الوجه. قيل وفى تحسينه نظر لأن فى سنده عبد الواحد بن سليم المكى البصرى ، وهو ضعيف لكن
أخرجه أبو داود من غير طريق الترمذى مع اختلاف فى اللفظ وسكت عليه هو والمنذرى، وأخرجه أيضا أحمد
(ج ٥: ص ٣١٧) من طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه، وفى معنى الحديث عن ابن عباس عند الطبرانى فى الكبير
وابن جرير وأبي يعلى وغيرهم ، وعن أبى هريرة عند ابن عسا كر، وعن معاوية بن قرة عن أبيه عند ابن جرير ، فالظاهر
أن الترمذى حسنه لتعدد طرقه وشواهده.
٩٥ - قوله (وعن مسلم بن يسار) الجهن من أوساط التابعين، وثقه ابن حبان، وقال العجلى تابعى ثقة إلا أنه
لم يسمع من عمر، وبينهما نعيم بن ريعة كذلك رواه أبو داود (عن هذه الآية) أى عن كيفية أخذ اللّه ذرية بنى آدم
١٨٢

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣- باب الإيمان بالقدر
(وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم - الآية) قال عمر: سمعت رسول الله وزي}
يسئل عنها فقال: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء
من ظهورهم المذكور فى الآية (وإذ أخذ) أى أخرج (من ظهورهم) بدل اشتمال ما قبله بإعادة الجار ، وقيل بدل بعض
(الآية) بالحركات الثلاث (يسئل) بصيغة المجهول (عنها) أى عن هذه الآية (ثم مسح ظهره) أى ظهر آدم (يميته)
يمر على ظاهره من غير تأويل وتكييف، قيل شق ظهره واستخرجهم منه، والأقرب أنه أخرجهم من مسام شعرات
ظهره إذ تحت كل شعرة ثقبة دقيقة يقال لها سم مثل سم الخياط وجمعه مسام، ويمكن خروج الذرية من هذه الثقبة كما
يخرج منها العرق (فاستخرج منه) ببطن نعمان وهو موضع بقرب عرفة كما سيأتى فى الفصل الثالث من حديث ابن عباس
(ذرية) إلخ حمل البيضاوى فى تفسيره وفى شرحه للصابيح، وغيره من أهل التأويل والاعتزال الآية على التصوير والتمثيل
والتخييل وقالوا: إنه لا قول ثم ولا شهادة حقيقة. قال الفخر الرازى: أطبقت المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير هذه
الآية بهذا الحديث لأن قوله ((من ظهورم)) بدل من مبنى آدم) فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بنى آدم،
ظم يذكر أنه أخذ من ظهر آدم شيئا، ولو كان المراد الأخذ من ظهر آدم لقيل من ظهره. وأجاب بأن ظاهر
الآية يدل على أن الله تعالى أخرج الذرية من ظهور بنى آدم، وأما أنه أخرج تلك الذرية من ظهر آدم فلا تدل
الآية على إثباته ونفيه، والخبر قد دل على ثبوته فوجب القول بهما معا بأن بعض الذر من ظهر بعض الذر
والكل من ظهر آدم صونا للآية والحديث عن الاختلاف - انتهى. وقال الشاه ولى الله الدهلوى فى حجة".
الله: إن الآية لا تخالف الحديث لأن آدم أخذت عنه ذريته ومن ذريته ذريتهم إلى يوم القيامة على الترتيب الذى
يوجدون عليه، فذكر فى القرآن بعض القصة وبين الحديث تتمتها. وقال العلامة الشعرانى فى الجواب عن إشكال
المخالفة: إن هذا شئى يتعلق بالنظم، وذلك أنه لم يقل من ظهر آدم وإن أخرجوا من ظهره لأن الله تعالى أخرج ذرية
آدم بعضهم من ظهر بعض على طريق ما يتناسل الأبناء من الآباء ، فاستغنى به عن ذكر آدم استغناء بظهور ذريته إذ
ذريته خرجوا من ظهره. ويحتمل أن يقال إنه أخرج ذرية آدم بعضهم من بعض فى ظهر آدم ثم أخرجهم جميعا فيصح
القولان جميعاً، فإذا قال أخرجهم من ظهورهم صح، وإذا قال أخرجهم من ظهره صبح أيضا ، ومثال ذلك من أودع
جوهرة فى صدقة ثم أودع الصدقة فى خرقة وأودع الخرقة مع الجوهرة فى حقة وأودع الحقة فى درج وأودع الدرج
فى صندوق ثم أدخل يده فى الصندوق فأخرج منه تلك الأشياء بعضها من بعض ثم أخرج الجميع من الصندوق فهذا لا
تناقض فيه. قال وإن جوابهم أى جواب الذرية بلفظ «على شهدناء المذكور فى الآية كان بالنطق وهم أحياء إذ لا
يستحيل فى العقل أن يؤتيهم الله الحياة والعقل والنطق مع صغرهم فإن بحار قدرته واسعة، وغاية وسعنا فى كل مسئلة
أن ثبت الجواز ونكل كيفيتها إلى الله تعالى. فإن قيل إذا قال الجميع ((على)، ظم قبل قوم ورد قوم؟ فالجواب كما قال
١٨٣

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣- باب الايمان بالقدر
للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء النار،
وبعمل أهل النار يعملون. فقال رجل: فقيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله مربع: إن الله
إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به
الجنة ، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار
فيدخله به النار، رواه مالك والترمذى وأبو داود
الحكيم الترمذى: أنه تعالى تجلى للكفار بالهيبة نقالوا بلى مخافة ، فظميك ينفعهم إيمانهم كايمان المنافقين، وتجلى المؤمنين
بالرحمة فقالوا بلى طوعا فنفعهم إيمانهم. قال وإنما لا نذكر العهد السابق والميثاق الأزلى لأن تلك البنية قد انقضت
وتداولت الإنسان الغير بمرور الدهور عليها فى أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ثم زاد الله تعالى فى تلك البنية أجزاء
كثيرة ، ثم استحالت بتصريفها فى الأطوار الواردة عليها من العلقة والمضغة واللحم والعظم، وهذا كله ما يوجب الوقوع فى
النسيان - انتهى. ويذكر عن على رضى الله عنه وسهل بن عبد الله التسترى وذى النون المصرى وغيرهم ما يدل على
أنهم كانوا يذكرون ذلك العهد، والله تعالى أعلم. هذا، ونذكر مزيد الكلام فى شرح حديث ابن عباس الآتى فى
الفصل الثالث فانتظر (وبعمل أهل الجنة) أى من الطاعات (يعملون) إما فى جميع عمرهم أو فى خامة أمرهم
(ثم مسح ظهره) قال القارى: أى يده كما فى نسخة - انتهى. وكذا وقع هذا اللفظ فى المصابيح، وليس هو فى مسد
أحمد وجامع الترمذى وسنن أبي داود (ويعمل أهل النار) أى من السيئات (يعملون) كما سبق (ففيم العمل) الفاء
أدخل جواب الشرط المقدر أى إذا كان كما ذكرت يا رسول الله من سبق القدر ففى أى شئى يفيد العمل، أو بأى شئ
يتعلق العمل ، أو فلاى شئ أمرنا بالعمل، يعنى أنه حيث خلق له ولا يتصور تغييره وتبديله يستوى عمله وتركه
(استعمله) أى جعله علملا ووفقه للعمل (حتى يموت) إلخ فيه إشارة إلى أن المدار على عمل مقارن للموت. والحديث
يدل على سبق القضاء والتقدير قبل خلق العالم بحسب عليه الأزلى بما يقع بعد الخلق ، وذلك كنتيجة الخلق فى علمه تعالى
بعد الخلق وعطاء الاختيار للعباد (رواه مالك) فى الجامع من المؤطا (والترمذى) فى تفسير الأعراف وقال: حديث
حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر إلخ. وإنما حسنه مع كونه منقطعا لأن معنى الحديث قد صح عن النبي تزيّة
من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر وغيره. والترمذى قد يحسن الحديث المنقطع والمرسل لشواهده (وأبو داود)
فى السنة من طريق مسلم بن يسار عن عمر، ومن طريق مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة عن عمر وسكت عليه، ونعيم هذا
وثقه ابن حبان ، وقال الحافظ هو مقبول، وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٤٤) والنسائى فى تفسيره ، والبخارى فى
١٨٤

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
٩٦ - (١٨) وعن عبد الله بن عمرو قال خرج رسول اللّه موقع وفى يديه كتابان فقال: أتدرون ما
هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا. فقال للذى فى يده اليمنى: هذا كتاب
من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم
تاريخه، وابن جرير فى قغيره، وابن حبان فى صحيحه وغيرهم، وفى الباب عن ابن عباس وسيأتى حديثه، وعبد الله
ابن عمرو وأبى هريرة وهشام بن حكيم وأبى أمامة ذكر أحاديثهم ابن كثير فى تفسيره.
٩٦ - قوله (وفى يديه) وفى بعض النسخ (وفى يده، بالافراد كما فى أكثر نسخ المصايح وكما فى مسند أحمد
وجامع الترمذى، فيراد بها الجنس والواو الحال (كتابان) هو محمول على الحقيقة من دون شاتبة المجاز والتأويل
فوجود الكتاب حق ثابت فإن الله تعالى قادر على كل شئى، والتى مؤتم مستعد لإ دراك المعانى الغيبية فلا نستبعد وقوعه
بل ثق بما نشاهده ونراه بل أزيد منه، قال الغزالى فى كيمياء السعادة: امتياز الخواص من العوام بشيئين: الأول ما
يحمل العوام من العلوم بالكسب والتعلم، فهو يحصل لهم من عند الله تعالى من غير تكسب وتعلم، ويقال له العلم اللدنى
كما قال تعالى: ﴿وعلمناه من لد نا علما) والثانى أن كل ما يراه العامة فى المنام يراه الخواص فى اليقظة، وحكايات المشائخ
فى هذا الباب كثيرة جدا، وإذا كانت هذه الحالة وتلك الرتبة حاصلة لخواص عباد الله ولا نستبعد وقوعها لكل أمة
رسول اللّه ◌ُبّ فكيف بمن هو سيد المرسلين وأعلاهم رتبة وأغزرهم علما وأوفرهم حظا ربيّة، بل ظاهر الحديث أنه
رفع أرى هذين الكتابين للصحابة أيضا، ولكن لم يعلموا بما فيها من المطالب بالتفصيل. وقال المشائخ من لا يتقد
ذلك فهو ليس بمؤمن بحقيقة النبوة - انتهى. وقيل ذلك تمثيل وتصوير وتغير عن المعنى بالصورة ومبالغة فى تحقيقه
والتيقن به ، والمتكلم إذا أراد أن يحقق قوله ويفهمه غيره ويظهر المعنى الدقيق الخفى لمشاهدة السامع يصور بالصورة
الظاهرة ويشير إليه كالإشارة الحسية إلى المحسوس المشاهد وإن لم يكن فى الخارج وعالم الحس، فلا كوشف له مؤلفه
بحقيقة هذا الأمر وأطلعه الله عليه إطلاعا ولم يبق معه خفاء وشك وشبهة، مثل وصور المعنى الحاصل فى قلبه بالشئى
الحاصل فى يديه مع أنه ليس فى الخارج كتاب ولا مكتوب. قلت: لا حاجة إلى حمل الكتاب والإشارة فى الحديث
على المجاز ولا موجب لذلك فحمله على الحقيقة هو المعتمد (فقال للذى فى يده اليمنى) أى لأجله أو فى شأنه أو عنه أو
قال بمعنى أشار فاللام بمعنى إلى (هذا كتاب من رب العالمين) خصه بالذكر دلالة على أنه تعالى مالكهم وهم مملوكون
يتصرف فيهم كيف يشاء فيسعد من يشاء ويشق من يشاء، وكل ذلك عدل وصواب فلا اعتراض لأحد عليه (ثم أجمل)
بالبناء الجهول (على آخرهم) من قولهم أجمل الحساب: إذا تم ورد التفصيل إلى الإجمال وأثبت فى آخر الورقة مجموع
ذلك وجملته، كما هو عادة المحاسبين أن يكتبوا الأشياء مفصلة ثم يوقعوا فى آخرها فذلكة ترد التفصيل إلى الإجمال،
١٨٥

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال للذى فى شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه
أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا.
فقال أصحابه: فنيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: سددوا وقاربوا فإن صاحب
الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أى عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن
عمل. أى عمل. ثم قال رسول اللّه تَفّ بيديه فنبذهما ثم قال: فرغ ربكم من العباد، فريق فى الجنة
وفريق فى السعير، رواه الترمذى.
وضمن أجمل معنى أوقع فعدى بعلى أى أوقع الاجمال على من انتهى إليه التفصيل ، ويجوز أن يكون حالا أى أجمل فى
ححال انتهاء التفصيل إلى آخرهم فعلى بمعنى إلى (فلا يزاد فيهم) جزاء شرط أى إذا كان الأمر على ما تقرر من التفصيل
والتعين والإجمال بعد التفصيل فى الصك فلا يزاد فيهم (ولا ينقص منهم أبدا) لأن حكم الله لا يتغير، وأما قوله تعالى:
﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب-١٣: ٣٩) فمعناه لكل انتهاء مدة وقت مضروب، فمن انتهى أجله يمحوه
ومن بقى من أجله يبقيه على ما هو مثبت فيه، وكل ذلك مثبت عند الله فى أم الكتاب وهو القدر كما أن يمحو و يثبت هو القضاء،
فيكون ذلك عين ما قدروجرى فى الأزل كذلك فلا يكون تغييرا، وقيل فى معنى الآية غير ذلك (إن كان أمر قد فرغ منه)
بصيغة المجهول، يعنى إذا كان المدار على كتابة الأزل فأى فائدة فى اكتساب العمل؟ فقال (سددوا) أى اطلبوا بأعمالكم
السداد والاستقامة فى الأمر والعدل فيه (وقاربوا) أى اقتصدوا فى الأمور كلها واتركوا الغلو فيها والتقصير، يقال
قارب فلان فى أموره: إذا اقتصد ، كذا فى النهاية. قال الطبي: الجواب من أسلوب الحكيم أى فيم أنتم من ذكر
القدر والاحتجاج به، وإنما خلقتم للعبادة فاعملوا وسددوا - انتهى (يختم له) بصيغة المجهول (بعمل أهل الجنة وإن عمل)
أى ولو عمل قبل ذلك (أى عمل) من أعمال أهل النار (بعمل أهل النار) أعم من الكفر والمعاصى (وإن عمل أى عمل)
أى قبل ذلك من أعمال أهل الجنة (ثم قال رسول اللّه مؤثيم بيديه) أى أشار بهما، والعرب تجعل القول عبارة عن
جميع الأفعال فتطلقه على غير الكلام واللسان فتقول ((قال بيده)) أى أخذ، و((قال برجله)) أى مشى، و«قال بالماء على يده))
أى صب، و«قال بثوبه، أى رفعه (فنبذهما) أى طرح ما فيهما من الكتابين لا بطريق الإهانة بل نبذهما إلى عالم
الغيب، هذا إذا كان هناك كتاب حقيقى، وأما على التمثيل فيكون المعنى نبذهما أى اليدين (فرغ ربكم من العباد) أى
من أمر العباد، والمراد بالأمر الشأن أى قدر أمرهم لما قسمهم قسمين وقدر لكل قسم على التعيين كونه من أهل الجنة
أو النار بحيث لا يقبل التغيير فكانه فرغ من أمرهم، وإلا فالفراغ لا يجوز عليه تعالى (رواه الترمذى) فى القدر وقال:
١٨٦
٠

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
٩٧ - (١٩) وعن أبى خزامة عن أبيه قال قلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء تتداوى
به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال هى من قدر الله، رواه أحمد والترمذى
وابن ماجه.
هذا حديث حسن صحيح غريب. وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ١,٦٧) والنسائى، وفى الباب عن ابن عمر عند البزار
وابن جرير ، وابن عباس عند ابن جرير والدار قطنى فى الافراد، وعلى عند الطبرانى فى الأوسط.
٩٧ - قوله (عن أبی خزامة) بكسر الخاء وتخفيف الزاى (عن أبيه) اختلف فيه فروی هكذا ، وروى عن ابن
أبى خزامة عن أبيه، والأول أصح. وأبو خزامة هذا تابعى مجهول ، واسم والده يعمر، أحد بنى الحارث بن سعد
ابن هذيم ، صحابى له حديث فى الرقى ، قال فى الإصابة (ج ٣ : ص ٦٦٩) : سماه بعضهم فى رواية، وأكثر ما يحتى
مبهما (أرأيت رقى) بضم وقصر، جمع رقية وهى ما يقرأ من الدعاء لطلب الشفاء، والاسترقاء طلب الرقية (ودواء)
بالنصب (نتداوى به) أى نستعمله (وققاة) بضم أوله (نتقيها) أى نلتجئى بها أو نحذر بسبها، وأصل تقاة وقاة،
قلبت الواو تاه من وقى بقى أى حفظ ، وهى اسم ما يلتجنى به الناس من خوف الأعداء كالترس. قيل وهذه المنصوبات
أعنى رقى وما عطف عليها موصوفات بالأفعال الواقعة بعدها ومتعلقة بمعنى أرأيت أى أخبرنى عن رقى نسترقيها،
فقصبت على نزع الخافض، ويجوز أن يتعلق بلفظ أرأيت ، والمفعول الأول الموصوف مع الصفة، والثانى الاستفهام
بتأويل مقولا فيها (هل ترد) أى هذه الأسباب (قال هى) أى المذكورات الثلاث (من قدر الله) أيضا يعنى كما أن الله
قدر الداء قدر زواله بالدواء، ومن استعمله ولم ينفعه فظيعلم أن الله ما قدره له. والحاصل أن الله قدر الأسباب
والمسببات وربط الأسباب بالمسببات، لحصول المسببات عند وجود الأسباب من جملة القدر. قال التوربشتى:
عرف الرجل أن من واجب حق الإيمان أن نعتقد أن المقدر كائن لا محالة ، ووجد الشرع يرخص فى الاسترقاء ويأمر
بالتداوى والانقاء عن مواطن المهلكات فأشكل عليه الأمر كما أشكل على الصحابة حين أخبروا أن الكتاب يسبق على
الرجل فقالوا نقيم العمل، فبين الرسول أن جميع ذلك من قدر الله وأن المسترق، والمتداوى والمتقي لا يستطيعون أن
يفعلوا شيئا من ذلك إلا ما قدر لهم، وكما أن نفس هذا الفعل بقدر الله فكذلك نفعه وضره بقدر الله وكما أن التمسك
بأعمال البر مأمور به مع ما سبق من القضاء المبرم فكذلك التعرض الأسباب الجالبة النافع الدافعة للضار مأمور به أو .
مأذون فيه إن لم يمنع عها مانع شرعى مع جريان القدر المحتوم - انتهى (رواه أحمد) (ج ٣: ص ٤٤١) (والترمذى)
فى الطب وقال «حديث حسن)) وفى القدر وقال «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الزهرى، أى الراوى عن أبى
خرامة (وابن ماجه) فى السنة وأخرجه الحاكم وصححه، وفى الباب عن كعب بن مالك أخرجه ابن جان.
١٨٧

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
٩٨ - (٢٠) وعن أبى هريرة قال خرج علينا رسول اللّه مه ونحن تتنازع فى القدر، فغضب حتى
احمر وجهه حتى كأنما فقفى فى وجنتيه حب الرمان فقال: أبهذا أمرتم، أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما
هلك من كان قبلكم حين تنازعوا فى هذا الأمر، عزمت عليكم، عزمت عليكم أن لا تنازعوا فيه
رواه الترمذى.
٩٨ - قوله (ونحن تتنازع فى القدر) أى حال كوننا نتباحث فى القدر بالإثبات والنفى. وقال القارى: أى فى
شأنه فيقول بعضنا إذا كان الكل بالقدر ظم الثواب والعقاب ، كما قالت المعتزلة، والآخر يقول فما الحكمة فى تقدير بعض
للجنة وبعض النار، فيقول الآخر لأن لهم نوع اختيار كسى، فيقول الآخر فن أوجد ذلك الاختيار والكسب وأقدرهم
عليه، وما أشبه ذلك (حتى كأنما فترى) بصيغة المجهول أى شق أو عصر فى وجنتيه أى خديه (حب الرمان) وفى
جامع الترمذى ((فى وجنتيه الرمان)) أى بغير لفظ ((حب)» والمعنى حتى صار من شدة حمرته يشبه فشأحب الرمان فى خديه
أى يشبه الاحمرار الحاصل به، فهو كناية عن مزيد حمرة وجه المنبئة عن مزيد غضبه، وإنما غضب لأن القدر سر من
أسرار الله تعالى وطلب سر الله منهى عنه، ولأن من يبحث فيه لا يأمن من أن يصير قدريا أو جبريا، والعباد
مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير أن يطلبوا سر ما لا يجوز طلب سره (أبهذا أمرتم) أى أبالتازع فى القدر
أمرتم؟ وهمزة الاستفهام للإنكار وتقديم المجرور لمزيد الاهتمام (أم بهذا أرسلت إليكم) أم منقطعة بمعنى بل والهمزة،
وهى للإنكار أيضا ترقيا من الأهون إلى الأغلظ وإنكارا غب إنكار (إنما هلك من كان قبلكم) أى من الأمم ، جملة
مستأنفة جوابا عمى اتجه لهم أن يقولوا: لم تنكر هذا الإنكار البليغ؟ فأجيب بقوله ((إنما هلك)) إلخ يعنى ذلك الإنكار البليغ.
بسبب هذا العذاب البليغ الذى لا إمهال فيه (عزمت عليكم) أى أقسمت وأوجيت (أن لا تنازعوا فيه) أى لا تبحثوا فى
القدر بعد هذا. قال ابن الملك ((أن)) هذا يمتنع كونها مصدرية وزائدة لأن جواب القسم لا يكون إلا جملة و((أن، لا
تزاد مع ((لا)، فهى إذا مفسرة كاقسمت أن لا نغمربت، و((تنازعوا)) جزم بلا الناهية، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة
لأنها مع اسمها وخبرها سدت مسد الجملة، كذا قاله زين العرب (رواه الترمذى) وقال: غريب لا نعرفه إلا من
حديث صالح المرى، وله غرائب ينفرد بها - انتهى. قلت: صالح المرى هذا ضعيف ضعفه ابن معين والدار قطتى وابن
المدينى والبخارى والنسائى وغيرهم فالحديث ضعيف لكن يؤيده الحديث الذى بعده وحديث ابن مسعود مرفوعا عند
الطبرانى بإسناد حسن بلفظ ((إذا ذكر القدر فأمسكوا)، وحديث ثوبان عند الطبرانى فى الكبير بلفظ «اجتمع أربعون
من الصحابة ينظرون فى القدر)) الحديث، وحديث ابن عباس عند ابن جرير بلفظ «خرج النبى مَ فسمع ناسا من
أصحابه ينظرون فى القدر)) الحديث، وحديث أبى الدرداء وواثلة وأبي أمامة وأنس عند الطبرانى فى الكبير بلفظ «قالوا
١٨٨

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
٩٩ - (٢١) وروى ابن ماجه نحوه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
١٠٠ - (٢٢) وعن أبى موسى قال سمعت رسول اللّه مؤ لّ يقول: إن الله خلق آدم من قبضة قبضها
من جميع الأرض بجه بنوآدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل
خرج علينا رسول اللّه مع ونحن نتذاكر القدر)) الحديث
٩٩ - قوله (وروى ابن ماجه) فى باب القدر من السنة وسنده حسن (نحوه) أى بالمعنى، ورواه أيضا أحمد
فى مسنده (ج ٢: ص ١٩٥، ١٩٦) (عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمى، يكنى
أبا إبراهيم المدنى نزيل الطائف، وثقه النسائى وغيره. مات سنة (١١٨) (عن أبيه) أى شعيب بن محمد السهمى الحجازى
من ثقات التابعين وثقه ابن حبان (عن جده) أى جد شعيب والد عمرو، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص، فالضمير فى
جده يرجع إلى شعيب بن محمد. هذا هو الصحيح عند المحققين كعلى بن المدينى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبى عبيد
والبخارى وغيرهم، وقد صح وثبت سماع شعيب من جده عبد الله، وهو الذى ربى حفيده شعيبا حتى قيل: إن محمدا مات
فى حيات أبيه عبد الله، وكفل شعببا جده عبد الله. يدل على ذلك ما رواه الدار قطنى والحاكم والبيهقى عنه فى إفساد الحج
فقالوا: عن عمرو بن شعيب عن أيه أن رجلا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته فأشار إلى عبد الله بن عمر
فقال اذهب إلى ذلك فاسأله، قال شعيب: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه فسأل ابن عمر. فقال: بطل حجك فذكر
الحديث، وذكر فيه سؤاله لابن عباس أيضا وذهاب شعيب معه إليه وأنه قال مثل قول ابن عمر، ففيه التصريح بأن
شعيبا سمع من جده عبد اللّه ومن ابن عباس ومن ابن عمر، وعلى هذا فرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ليست
بمرسلة ولا بمنقطعة كما توهم ابن حبان ومن وافقه، بل هى متصلة ولا تنحط عن درجة الحسن إذا كان الإسناد إلى عمرو
صحيحا. قال الذهبي: حديثه من قبيل الحسن. قال الحافظ: ترجمة عمرو قوية على المختار حيث لا تعارض - انتهى.
وقال النووى: إن الاحتجاج به هو الصحيح المختار الذى عليه المحققون من أهل الحديث وهم أهل هذا الفن وعنهم
يؤخذ ـ انتهى. وسيأتى مزيد الكلام فى هذا فى باب المساجد فانتظر.
١٠٠ - قوله (خلق آدم من قبضة) بالضم ملا الكف وربما جاء بفتح القاف، و «من، ابتدائية متعلقة بخلق أى
ابتداء خلقه من قبضة، أو بيانية حال من آدم (قبضها) أى أمر الملك بقبضها. قال فى النهاية: القبض الأخذ بجميع الكف،
والقبضة المرة منه، وبالضم الاسم منه (من جميع الأرض) يعنى وجهها (على قدر الأرض) أى مبلغها من الألوان والطباع
(منهم الأحمر والأبيض والأسود) أى بحسب ترابها، وهذه الثلاثة هى أصول الألوان وما عداها مركب منها، وهو المراد
بقوله (وبين ذلك) أى بين الأحمر والأبيض والأسود باعتبار أجزاء أرضه (والسهل) أى ومنهم السهل أى اللين المنقاد،
..
١٨٩

مرعاة المفاتيح ج ١.
١- كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
والحزن والخبيث والطيب، رواه أحمد والترمذى وأبو داود.
١٠١ - (٢٣) وعن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول اللّه مَفيمل يقول: إن الله خلق خلقه فى
ظلمة فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى،
(والحزن) بفتح الحاء وسكون الزاى أى الغليظ الطبع الخشن من حزن الأرض وهو الغليظ الخشن (والخبيث) أى خيث
الخصال (والطيب) على طبع أرضهم، وكل ذلك بتقدير اللّه تعالى لونا وطبعا وخلقا. قال الطيبي: لما كانت الأوصاف
الأربعة ظاهرة فى الإنسان والأرض أجريت على حقيقتها وأولت الأربعة الأخيرة لأنها من الأخلاق الباطنة فإن المعنى
بالسهل الرفق واللين، وبالحزن الخرق والعنف، وبالطيب الذى يعنى به الأرض العذبة المؤمن الذى هو نفع كله، وبالخبيث
الذى يراد به الأرض السبخة الكافر الذى هو ضركله - انتهى. وفيه إشارة إلى أن هذه الأوصاف والآثار بمنزلة هذه
الألوان فى كونها تحت الأقدار، غايته أن الأوصاف قابلة للزيادة والنقصان بحسب الطاعة والا مكان لجاهدة الإنسان
بخلاف الألوان، وإن نظرت إلى الحقيقة فلا تبديل ولا تغيير لخلق الله، وهذا معنى قوله ((جف القلم على علم الله) قاله
القارى (رواه أحمد) (ج ٤: ص ٤٠٠، ٤٠٦) (والترمذى) فى أول تفسير البقرة وقال ((حديث حسن صحيح)) وكذا
صححه أبو الفرج الثقفى فى الفوائد (ق ١/٩٧) (وأبو داود) فى السنة وأخرجه أيضا الحاكم والبيهقى.
١٠١ - قوله (خلقه) أى الثقلين من الجن والإنس أو الإنس فقط لا الملائكة فإنهم ما خلقوا إلا من نور
(فى ظلمة) أى كائنين فى ظلمة النفس الأمارة بالسوء المجبولة بالشهوات المردية والأهواء المضلة (فألق) أى فرش كما
فى رواية (من نوره) أى نوره الذى خلقه الله تعالى، فمن زائدة فى الإثبات أو بيانية أى شيئا هو نوره، فيكون ((من
نوره)) صفة محذوف، أو تبعيضية أى بعض نوره، وإضافة النور إلى اللّه تعالى إضافة إبداع واختراع على سبيل التكريم،
كما فى قوله ﴿ ونفخت فيه من روحى﴾ (فمن أصابه من ذلك النور) أى شئ من ذلك النور أو بعض ذلك النور. قيل
المراد بالنور الملقى عليهم نور الايمان والطاعة والإحسان والمعرفة. وقيل المراد به ما نصب لهم من الشواهد والحجج
وما أنزل إليهم من الآيات والنذر إذ لولا ذلك لبقوا فى ظلمات الضلالة والجهالة، والمراد بإصابة النور الاعتبار بالحجج
والانتفاع بالشواهد والاستدلال بالآيات على ذاته تعالى وصفاته وعلى دين الإسلام بتوفيق الله، فمن شاء الله بهدايته
فشاهد حججه واعتبر بآياته واستدل بشواهده بالنظر الصحيح فهو الذى أصابه ذلك النور خاص من تلك الظلمة واهتدى،
ومن لم يشأهدايته فعمى عن آياته فهو الذى حرم من ذلك النور ويق فى ظلمات الطبيعة متحيرا وارتدى وإليه يشير قوله تعالى:
﴿أو من كان ميتا فأحییناه وجعلنا له نورا-١٢٢:٦) وقوله: {أفن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه -
٣٩: ٢٢) فعلم أن الهداية والضلالة بمشيئة الله وتقديره فى الأزل. قال فى اللعات : الحق أن المراد من خلقه هو وقت
الولادة، ومن إلقاء النور هو زمان إظهار الشرائع وإعطاء التوفيق للاهتداء، وبالجملة فى الحديث دلالة على أن الإنسان
١٩٠
١

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الإيمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم اللّه، رواه أحمد والترمذى.
١٠٢ - (٢٤) وعن أنس قال كان رسول اللّه مؤثم يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي
على دينك، فقلت يا نبى الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين
إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء، رواه الترمذى وابن ماجه.
خلق على حالة لا ينفك عن الظلمة إلا من أصابه النور الملقى عليه، لكن يتوهم الإشكال فى تطبيقه بحديث الفطرة الذى
يدل على أن المولود عند الولادة يكون على نور الفطرة ، ولا إشكال لأن حديث الفطرة كما حقق إنما يدل على كون
الإنسان متهاً متمكنا من إصابة الهدى إن تفكر بالنظر الصحيح وتأمل فى الآيات والشواهد، ومع ذلك خلق فى ظلمات
النفس والطبيعة، وهذا الحديث إنما يدل على أن إصابة الهدى إنما هو مشيئة الله وتوفيقه وإلقاء نور الهداية فى قلبه،
وليس مستقلاً مستبدا بإصابة الهدى، فمن شاء وفقه للنظر الصحيح وألقى نور الهداية كما هو مقتضى الفطرة والروحانية،
ومن لم يشأ لم يوفقه وأوقعه فى ظلمة الضلال والغواية، كما هو مقتضى النفس والطبيعة والجسمانية، وبالجملة هذا الحديث
تفيه على سابقة التقدير وعلم الله ومشيئته تعالى، والفطرة كما نبهنا هنالك غير سابقة التقدير فلا تنافى بين الحديثين -
انتهى (ومن أخطأه) أى ذلك النور يعنى جاوزه ولم يصل إليه (ضل) أى خرج عن طريق الحق (فلذلك) أى
فلأجل عدم تغير ما جرى فى الأزل تقديره من الإيمان والكفر والطاعةوالمعصية (أقول جف القلم) أى فرغت الكتابة
إشارة إلى أن الذى كتب وقدر لا يتغير حكمه، فهو كتابة عن الفراغ من الكتابة لأن الصحيفة حال كتابتها تكون
رطبة أو بعضها وكذلك القلم، فإذا انتهت الكتابة جف الكتابة والقلم (على علم الله) أى على حكمه ، لأن معلومه لا بد
أن يقع فعله بمعلوم يستلزم الحكم بوقوعه. وقال القارى: أى على ما علم الله وحكم به فى الأزل لا يتغير ولا يتبدل
وجفاف القلم عبارة عنه (رواه أحمد) (ج ٢: ص ١٧٦، ١٩٧) (والترمذى) فى أواخر الايمان، وقال «حديث
حسن، وأخرجه أيضا ابن حبان وصححه والحاكم مطولا وقال «صحيح على شرط الشيخين، وابن جرير والبيهقى.
١٠٢ - قوله (كان رسول اللّه مَّ يكثر) من الإكثار (يا مقلب القلوب) أى مصرفها تارة إلى الطاعة وتارة
إلى المعصية وتارة إلى الحضرة وتارة إلى الغفلة (فهل تخاف علينا) يعنى أن قولك هذا ليس لنفسك لأنك فى عصمة من
الخطأ والزلة خصوصا من تقلب القلب عن الدين، وإنما المراد تعليم الأمة فهل تخاف علينا من زوال نعمة الإيمان أو
الانتقال من الكمال إلى النقصان (قال نعم) أى أخاف عليكم (إن القلوب بين إصبعين) إلخ تقدم الكلام فيه (يقلبها كيف
يشاء) مفعول مطلق أى تقليا يريده أو حال من الضمير المنصوب أى يقلبها على أى صفة شاءها أى بقضاءه وقدره
(رواه الترمذى) فى القدر وقال: حديث حسن صحيح (وابن ماجه) فى الدعاء.
١٩١

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
١٠٣ - (٢٥) وعن أبى موسى قال قال رسول الله مواتير: مثل العلب كريشة بأرض فلاة يقلبها
الرياح ظهراً لبطن ، رواه أحمد.
١٠٤ - (٢٦) وعن على قال قال رسول اللّه مَتى: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع يشهد أن لا إله
إلا الله وأنى رسول الله بعثنى بالحق، ويؤمن بالموت، والبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر، رواه الترمذى،
١٠٣ - قوله (مثل القلب) أى صفة القلب العجيبة الشأن وورود ما يرد عليه من عالم الغيب من الدواعى وسرعة
ققلبه بسببها (كريشة) أى كصفة ريشة (بأرض) بالتنوين، وقيل بالإضافة (فلاة) أى مفازة خالية من النبات، وهى صفة،
قيل ذكر الأرض مقحم لأن الفلاة تدل عليها فالمقصود التأكيد لدفع التجوز كما فى ((أبصرتها بعينى)، وتخصيص الفلاة لأن
الرياح أشد تأثيرا فيها من العمران (يقلبها الرياح) صفة أخرى لريشة، وجمع الرياح للدلالة على ظهور التقليب إذ لو
استمر الريح على جانب واحد لم يظهر التقلب (ظهرا لبطن) أى وبطنا لظهر، يعنى كل ساعة يقابها على صفة فكذا القلب
ينقلب ساعة من الخير إلى الشر وبالعكس، وقوله (ظهرا)) بدل البعض من الضمير فى يقلبها، واللام فى ((لبطن)) بمعنى إلى،
ويجوز أن يكون («ظهرا لبطن)) مفعولا مطلقا أى تقليا مختلفا وأن يكون حالا يعنى مقدرة أى يقابها مختلفة كذا فى المرقاة
(رواه أحمد) (ج ٤: ص ٤٠٨) بسند حسن، لكن بغير هذا اللفظ، وإنما رواه به صاحب الأصل (البغوى) فى
شرح السنة (١٤) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٤١٩) وابن ماجه فى السنة ، وفى سنده عندهما يزيد الرقاشى وهو
ضعيف ، وأخرج البزار نحوه عن أنس .
١٠٤ - قوله (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع) هذا نفى لأصل الايمان لا نفى لكماله فمن لم يؤمن بواحد من هذه
الأمور الأربعة لم يكن مؤمنا ، ويلزم منه أن يكون القدرى كافرا، وهو خلاف ما عليه الجمهور، وسيأتي الكلام فى هذا
(يشهد) منصوب على البدل من قوله ((يؤمن)) وقيل مرفوع تفصيل لما سبقه أى يعلم ويتقن (بعثنى بالحق) استئناف
كانه قيل ((لم يشهد، فقال ((بعثنى بالحق)) أى إلى كافه الجن والإنس، ويجوز أن يكون حالا مؤكدة أو خبرا بعد خبر
فيدخل على هذا فى حيز الشهادة (ويؤمن بالموت) بالوجهين، وهو الثانى من الأمور الأربعة. قال المظهر: أى يعتقد بفناء
الدنيا ، وهو احتراز عن مذهب الدهرية القائلين بقدم العالم وبقائه أبدا. قال القارى: وفى معناه التناسخى، ويحتمل أن
يراد اعتقاد أن الموت يحصل بأمر الله لا بفساد المزاج، كما يقوله الطبيعى (والبعث) أى ويؤمن بوقوع البعث بعد
الموت ، هذا هو الثالث وتكرير الموت إيذان للاهتمام بشأنه (ويؤمن) بالوجهين (بالقدر) يعنى أن جميع ما يجرى فى
العالم بقضاء الله وقدره، وفيه دليل على أن الإيمان بالقدرر کن من أركان الدين (رواه الترمذى) فى القدر ورجاله رجال
١٩٢

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
وابن ماجه .
١٠٥ - (٢٧) وعن ابن عباس قال قال رسول اللّه مؤلّة: صنفان من أمتى ليس لهما فى الإسلام
نصيب: المرجئة، والقدرية.
الصحيح (وابن ماجه) فى السنة، وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٩٧) والحاكم وصححه على شرطهما ووافقه الذهبي .
١٠٥ - قوله (صنفان) أى نوعان، وهو مبتدأ خبره قوله: ليس لهما إلخ (من أمثى) صفة أى أمة الإجابة
(ليس لهما فى الاسلام نصيب) أى حفظ (المرجئة) خبر مبتدأ محذوف أى ((هما) وقيل بدل من صنفان، ويجوز الجر
على أنه بدل من ضمير لهما ، والنصب بتقدير ((أعنى)) مشهور فى مثله، والمرجئة اسم فاعل من أرجأت الأمر بالهمزة
وأرجيت بالياء أى أخرت، وهم فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الايمان معصية كما لا ينفع مع الكفر
طاعة، سموا بذلك لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصى أى أخره عنهم وبعده ، وقيل هم الجبرية القائلون بأن
إضافة الفعل إلى العبد كإضافته إلى الجمادات ، سموا بذلك لأنهم يؤخرون أمر الله ونهيه عن الاعتداد بهما ويرتكبون
الكبائر، وقيل هم الذين يقولون: الإيمان قول وتصديق بلا عمل ، فيؤخرون العمل عن القول والتصديق. وقال
الشهر ستانى: الإرجاء على معنين: أحدهما التأخير، قالوا أرجه أى أمهله وأخره. والثانى إعطاء الرجاء. أما إطلاق
اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والقصد، وأما بالمعنى الثانى فظاهر فانهم
كانوا يقولون: لا تضر مع الايمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وقيل الإبرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى
القيامة فلا يقضى عليه بحكم ما فى الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار ، قال: والمرجئة أصناف أربعة: مرجئة
الخوارج ، ومرجئة القدرية ، ومرجئة الجبرية ، ومرجئة الخالصة ، ثم ذكر مقالات المرجئة الخالصة ، من شاء الوقوف
عليها وجمع إلى الملل والنحل، والظاهر أن المراد فى الحديث مرجئة الجبرية (والقدرية) بفتحتين أو سكون الدال، هم الذين
يقولون إن العبد خالق لأفعاله والأمر أنف من غير سبق قضاء وتقدير، واشتهر بهذا الاسم من لا يقول بالقدر لأجل
أنهم تكلموا فى القدر وأقاموا الأدلة بزعمهم على نفيه وتوغلوا فى هذه المسئلة حتى اشتهروا بهذا الاسم، وبسبب توغلهم
وكثرة اشتغالهم صاروا هم أحق بهذه النسبة من غيرهم، فلا يرد أن المثبت أحق بهذه النسبة من النافى على أن الأحاديث
صريحة فى أن المراد ههنا النافى، فاندفع توهم القدرية أن المراد فى هذا الحديث المثبت للقدر لا النافى. هذا ، وربما
يتمسك بالحديث من يكفر الفريقين، قال ابن حجر المكى الهيشمى الشافعى: من أطلق تكفير الفريقين أخذا بظاهر
الحديث فقد استروح، بل الصواب عند الأكثرين من علماء السلف والخلف أنا لا تكفر أهل البدع والأهواء إلا أن أتوار.
بكفر صريح لا استلزامى لأن الأصح أن لازم المذهب ليس بلازم ، ومن ثم لم يزل العلماء يعاملونهم معاملة المسلمين فى
نكاحهم وإنكاحهم والصلاة على موتاهم ودفنهم فى مقابرهم لأنهم وإن كانوا مخطئين غير معذورين حقت عليهم كلمة الفسق
١٩٣
٠

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
رواه الترمذى وقال: هذا حديث غريب.
والضلال إلا أنهم لم يقصدوا بما قالوه اختيار الكفر، وإنما بذلوا وسعهم فى إصابة الحق فلم يحصل لهم لكن لتقصيرهم
بتحكيم عقولهم وأهويتهم وإعراضهم عن صريح السنة والآيات من غير تأويل سائغ، وبهذا فارقوا مجتهدى الفروع فإن
خطأهم إنما هو لعذرهم بقيام دليل آخر عندهم مقاوم لدليل غيرهم من جنسه فلم يقصروا ، ومن ثم أثيوا على اجتهادهم -
انتهى. قال التوربشتى: وهذا أى عدم تكفيرهم. قول المحققين من علماء الأمة احتياطا فيجرى قوله ((ليس لهما فى الإسلام.
نصيب)) مجرى الاتساع فى بيان سوء حظهم وقلة نصيبهم من الإسلام نحو قولك: ليس للبخيل من ماله نصيب-انتهى . قال
السندهى: فى صلاحية هذا الحديث للاستدلال به فى الفروع نظر كما ستعرف فضلا عن الأصول والمطلوب فيها القطع ،
فكيف يصح التمسك به فى التكفير؟ انتهى. قلت : أحاديث الباب من بين الصحاح والحسان والضعاف غير الساقطات
تدل بمجموعها على أن الإيمان بالقدر من غير بحث ومنازعة من ضروريات الدين وركن من أركان الاسلام، فالظاهر
أن إنكار القدر وتكذيبه من البدع المكفرة، والله أعلم (رواه الترمذى) من طريقين فى أحدهما على بن نزار وأبوه
نزار بن حیان و هما ضعيفان، وفى الثانى سلام بن أبى عمرة وهو أيضا ضعيف (وقال غريب) وفى نسخ الترمذى عندنا
(حسن غريب)) وكذا نقله الحافظ عن الترمذى فى أجوبته عن أحاديث المصابيح التى رماها الحافظ سراج الدين القزويني.
بالوضع، وكذا نقله البوصيرى فى الزوائد. ولعله حسنه لشواهده، وأخرجه أيضا البخارى فى تاريخه ، وابن ماجه فى
السنة، وفى سنده أيضا على بن نزار وأبوه نزار. وأخرجه ابن ماجه أيضا عن جابر وفيه نزار المذكور، والخطيب عن
ابن عمر وقال: هذا حديث منكر من هذا الوجه جدا كالموضوع، وإنما يرويه على بن نزار، شيخ ضعيف واهى الحديث،
والطبرانى فى الأوسط عن أبى سعيد. قال السندهى: زعم الحافظ سراج الدين بعده وبين أنه موضوع، ورد عليه الحافظ
صلاح الدين ثم الحافظ ابن حجر بما يبعده عن الوضع ويقربه إلى الحسن ، ومحل نظرهما هو تعدد الطرق ، والحديث
تجاه عن أبى بكر الصديق ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وجابر بطريق معاذ، وكثرة الطرق تفيد بأن له أصلا، وبالجملة
فلا ينفع فى الاستدلال بالأصول - انتهى. قلت: قال الحافظ ابن حجر فى أجوبته بعد عزوه إلى الترمذى وابن
ماجه: ومداره على نزار بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس وقال الترمذى هذا حديث حسن غريب، ونزار هذا ضعيف
عندهم، ورواه عنه ابنه على بن نزار وهو ضعيف لكن تابعه القاسم بن حبيب، وإذا جاء الخبر من طريقين كل منهما
ضعيف قوى أحد الطريقين بالآخر ، ومن ثم حسنه الترمذى ، ووجدنا له شاهدا من حديث جابر ومن طريق ابن عمر
ومن طريق معاذ وغيرهم، وأسانيدها ضعيفة، ولكن لم يوجد فيه علامة الوضع إذ لا يلزم من نفى الإسلام عن الطائفتين
اثبات كفر من قال بهذا الرأى لأنه يحمل على نفى الايمان الكامل ، أو المعنى أنه اعتقد اعتقاد الكافر لإرادة المبالغة فى
التغير من ذلك لا حقيقة الكفر، وينصره أنه وضفهم بأنهم من أمته - انتهى. وقال العلائى: والحق أنه
ضعيف لا موضوع.
١٩٤

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
١٠٦ - (٢٨) وعن ابن عمر قال سمعت رسول اللّه مَفتم يقول: يكون فى أمتى خسف ومسخ وذلك
فى المكذبين بالقدر، رواه أبو داود، وروى الترمذى نحوه.
١٠٧ - (٢٩) وعنه قال قال رسول اللّه مؤلّى: القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم،
وإن ماتوا فلا تشهدوهم،
١٠٦ - قوله (يكون فى أمتى) أى أمة الإجابة (خسف) يقال: خسف الله به أى غاب به فى الأرض
(ومسخ) هو تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها، وقيل المراد مسخ القلوب، وفيه نظر (وذلك) أى ما ذكر من الخف
والمسخ واقع (فى المكذبين بالقدر) تبين بهذا الحديث أن القدرية المذمومة إنما هم المكذبة بالقدر لا المؤمنة به كما
زعمت المعتزلة ونسبوا أهل السنة والجماعة إلى القدرية، وقوله («ذلك)) فى الحديث يدل على استحقاق ما سبق من الخسف
والمسخ لأجل ما بعده من التكذيب، فيكونان فى هذه الأمة كما فى سائر الأمم ، خلاف قول من زعم أن ذلك لا يكون
مطلقاً إنما مسخها بقلوبها ، وأما ما روى من رفع الخف والمسخ عن هذه الأمة فالمراد به رفع الخسف والمسخ
العامين ، فافهم (رواه أبو داود) أى بهذا اللفظ، قاله القارى ، وفيه نظر (وروى الترمذى نحوه) أى بالمعنى ، وقد
ذكره المصنف فى الفصل الثالث. قال الشيخ الألبانى: قوله «رواه أبو داود وروى الترمذى نحوه)) كذا فى جميع النسخ
وهو خطأ، والصواب العكس (رواه الترمذى وروى أبو داود نحوه)) فإن الترمذى أخرجه (٢٢/٢) بهذا اللفظ
بالحرف الواحد ، وأما أبو داود فأخرجه فى السنة (رقم ٤٦١٣) بنحوه -انتهى. قلت: لم أجد حديث ابن عمر باللفظ
الذى ذكره المصنف لا فى جامع الترمذى ولا فى سنن أبي داود ، والظاهر أن المصنف قلد فى ذلك الجزرى إذ ذكره فى
جامع الأصول (ج ١٠: ص ٥٢٧) بهذا اللفظ وأثبت فى أوله علامة (ت، د) ولا أدرى من أين أخذ الجزرى اللفظ
المذكور مع أنه ذكر بعد ذلك رواية أبى داود ثم رواية الترمذى مفصلة ، ويمكن أن يعون هذا الحديث عند أبى داود
فى رواية غير اللؤلؤى، والله أعلم. والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ١٠٨) بلفظ: سيكون فى هذه الأمة مسخ
ألا وذاك فى المكذبين بالقدر . وفى سنده رشدين بن سعد وهو ضعيف.
١٠٧ - قوله (القدرية مجوس هذه الأمة) أى أمة الاجابة لأن قولهم أفعال العباد مخلوقة بقدرهم لا بقدر الله وإرادته.
يشبه قول المجوس القائلين بأن للعالم إلهين: خالق الخير وهو يزدان أى اللّه، وخالق الشر وهو اهر من أى الشيطان، وقيل
المجوس يقولون الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثنوية كذلك القدرية يقولون الخير من الله والشر من
غيره أى النفس (وإن ماتوا فلا تشهدوم) أى لا تشهدوا جنائزهم ولا تصلوا عليهم لاستلزام ذلك الدعاء لهم بالصحة والمغفرة،
قيل هو محمول على الزجر والتغير عن اعتقادهم على قول من لم يحكم بكفرهم، وعلى الحقيقة على قول من حكم بكفرهم إذ الفاسق
١٩٥

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
رواه أحمد، وأبو داود .
لا منع ولا كراهة فى شهود جنازته، وخص هاتين الخصلتين أى العيادة وشهود الجنازة لأنهما أولى وألزم من سائر
الحقوق فإنهما حالتان مفتقرتان إلى الدعاء بالصحة والمغفرة فيكون النهى عنهما أبلغ فى المقصود (رواه أحمد) باختلاف
فى اللفظ من طريقين (ج ٢: ص ٨٦، ١٢٥) الأولى منقطعة، عمر بن عبد الله مولى غفرة لم يسمع من عبد الله
ابن عمر، والثانية موصولة لكن فيها رجل ضعيف. وله طريق ثالث عند أبى بكر الآجرى فى كتاب الشريعة (ص ١٩٠)
وفيه ضعف أيضا ، وله طريق رابع عند أبى داود فالحديث هذه الطرق حسن كما قال العلائى والحافظ ابن حجر
(وأبو داود) فى السنة من طريق عبد العزيز بن أبى حازم عن أبيه عن ابن عمر، ورجاله ثقات لكنه منقطع كما سيأتى.
قال السيوطى فى مرقاة الصعود: هذا أحد الأحاديث التى انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح، وزعم أنه
موضوع. قال الحافظ ابن حجر فيما تعقبه عليه: هذا الحديث حسنه١ الترمذى وصححه الحاكم ورجاله من رجال الصحيح
إلا أن له علتين : الأولى الاختلاف فى بعض رواته عن عبد العزيز بن أبى حازم ، وهو زكريا بن منظور. فرواه عن
عبد العزيز بن أبى حازم فقال عن نافع عن ابن عمر. والأخرى ما ذكره المنذرى وغيره من أن سنده منقطع لأن
أبا حازم لم يسمع من ابن عمر. فالجواب عن الثانية أن أبا الحسن بن القطان الفاسى الحافظ صحيح سنده فقال: إن أبا
حازم عاصر ابن عمر فكان معه بالمدينة، ومسلم يكتفى بالمعاصرة فى الاتصال ، فهو صحيح على شرطه. وعن الأول بأن
زكريا وصف بالوهم ، فلعله وهم فأبدل راويا بآخر ، وعلى تقدير أن لا يكون وهم فيكون لعبد العزيز فيه شيخان، وإذا
تقرر هذا لا يسوغ الحكم بأنه موضوع، ولعل مستند من أطلق عليه الوضع تسميتهم المجوس وهم مسلمون، وجوابه
أن المراد أنهم كالمجوس فى إثبات فاعلين لا فى جميع معتقد المجوس ، ومن ثم ساغت إضافتهم إلى هذه الأمة. قلت:
والحديث أخرجه أيضا الحاكم (٧١/٨٥) والبخارى فى تاريخه والطبرانى فى الأوسط وأخرجه أحمد (ج ٢: ص ٨٦)
من طريق أخرى لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من تلك الطريق بلفظ «لكل أمة مجوس ومجوس أمتى الذين يقولون
لا قدر إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم، ولأصل الحديث شواهد ذكرها السيوطى فى تعقباته (٥)
واستوفى طرقها وألفاظها فى اللآلى (ص ١٣٣ -١٣٥) وحقق نقلا عن الحافظ صلاح الدين العلائى أن للحديث أصلا بل
ينتهى إلى درجة الحسن المحتج به فلا وجه للحكم بوضعه. هذا، وقد تعقب الشيخ أحمد محمد شاكر فى شرح المسند (ج ٨:
ص٦) على جواب الحافظ فقال: أما إن المعاصرة كافية وتحمل على الاتصال فنعم ولكن إذا لم يكن هناك ما يدل صراحة
على عدم السماع، والدليل النقلى هنا على أن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر قائم، فقد قال ابنه ليحيى بن صالح: من حدثك
أن أبى سمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد فقد كذب. فهذا ابنه يقرر هذا على سبيل القطع ، ومثل هذا لا
نقضه إلا إسناد آخر صحيح صريح فى السماع، أما بكلمة «عن، فلا ، ولذلك نص فى التهذيب على أنه یروى عن ابن عمر
وابن عمرو بن العاص ولم يسمع منهما. وترجمه البخارى فى الكبير (٧٩/٢/٢) فذكر من سمع منهم فلم يذكر من الصحابة
١ - لم أجد هذا الحديث فى جامع الترمذى ولم أعلم فى أى كتاب أخرجه وحسنه.
١٩٦

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
١٠٨ - (٣٠) وعن عمر قال قال رسول اللّه عليه: لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم،
رواه أبو داود .
١٠٩ - (٣١) وعن عائشة قالت قال رسول الله مؤلفه: ستة لعنتهم ولعنهم الله وكل فى يجاب: الزائد
فى كتاب الله، والمكذب بقدر اللّه، والمتسلط بالجبروت ليعز من أذله الله
إلا سهل بن سعد. وأما الرواية الأخرى التى فيها زكريا بن منظور فإن زكريا هذا، ضعيف جدا ، لينه أحمد بن حنبل.
وقال أحمد بن صالح: ليس به بأس وترجمه البخارى فى الكبير (٣٨٨/١/٢) وقال ليس بذلك، وترجمه فى الصغير (٢١٣)
فقال: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: واهى الحديث، منكر الحديث، ونحو ذلك قال أبو حاتم. وقال ابن حبان منكر
الحديث جدا ، يروى عن أبى حازم ما لا أصل له من حديثه. وأما ما نقل السيوطى عن ابن حجر أن الترمذى حسنه
فأخشى أن يكون وهما من الحافظ فإن الترمذى لم يروه أصلا فيما تبين لى بعد البحث والتقبع - انتهى.
١٠٨ - قوله (لا تجالسوا أهل القدر) فإنه لا يؤمن أن يغمسوكم فى ضلالتهم (ولا تفاتحوهم) من الفتاحة
بضم الفاء وكسرها أى الحكومة أى لا تحاكموا إليهم يعنى لا ترفعوا أموركم إلى حكامهم ، وقيل لا تبدؤهم بالسلام أو
بالكلام ، قيل لا تبتدؤهم بالمناظرة والمجادلة فى الاعتقاديات لئلا يقع أحدكم فى شك (رواه أبو داود) فى السنة وسكت
عليه هو والمنذرى ، وفى سنده حكيم بن شريك الهذلى، وثقه ابن حبان وقواه، وقال أبو حاتم: مجهول. وأخرجه
أيضا أحمد (ج ١: ص ٣٠) والحاكم من طريق حكيم بن شريك هذا ولم يصححه، وإنما رواه شاهدا للحديث الذى قبله.
١٠٩ - قوله (ولعنهم الله) بالواو العاطفة وبدونها كما فى المصابيح والجامع الصغير والمستدرك. قال القارى:
وهو الأصح، ولم يعطفه على جملة قبله إما لأنه دعاء، وإما لكونه استئنافا كانه قيل: فماذا بعد؟ فأجيب لعنهم الله ،
والثانية منبئة عن الأول أو قيل لماذا فبالعكس، وعلى هذا قوله (وكل نبى يجاب) معترض بين البيان والمبين أى من شأن
كل نى أن يكون مستجاب الدعوات، و((كل نى، مبتدأ وخبره «يجاب، على بناء المفعول من المضارع أى يجاب دعوته،
وهو الرواية المشهورة، ويروى بالميم أى مجاب الدعوة، والجملة على الروايتين إما ابتدائية، وإما عطف على ((ستة لعنتهم))
أو حال من فاعل ((لعنتهم، وجملة ((لعنهم الله)) إنشائية للدعاء معترضة بين الحال وصاحبها. وقال التور بشتى: لا يصح
عطف ((وكل نى مجاب)) على فاعل لعنتهم ومجاب صفة، وصححه الأشرف لوجود الفاصل - انتهى (الزائد فى كتاب الله)
أى القرآن وسائر كتبه بأن يدخل فيه ما ليس فيه أو يأوله بما يأباه اللفظ ويخالف المحكم كما فعلت اليهود بالتوراة
من التبديل والتحريف، والزيادة فى كتاب الله فى نظمه وحكمه كفر، وتأويله بما يخالف الكتاب والسنة بدعة،
(والمتسلط بالجبروت) أى الإنسان المستولى المتقوى الغالب أو الحاكم بالتكبر والعظمة الناشئ عن الشركة والولاية،
و((الجبروت)) فعلوت من الجبر وهو القهر (ليعز من أذله الله) أى يرفع مرتبة من أذله الله لكفره أو لفسقه على المسلمين
١٩٧

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣- باب الايمان بالقدر
ويذل من أعزه الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عتربى ما حرم الله، والتارك لسنتى، رواه
البيهقى فى المدخل، ورزين فى كتابه.
١١٠ - (٣٢) وعن مطر بن عكامس قال قال رسول اللّه مؤ لم: إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض
جعل له إليها حاجة، رواه أحمد والترمذى.
أو يحكمه فيهم (ويذل من أعزه الله) بأن يخفض مراتب العلماء والصلحاء أو نحوهم (والمستحل لحرم الله) بفتح الحاء
والراء يريد حرم مكة بأن يفعل فيه ما لا يحل فيه من الاصطياد وقطع الشجر (والمستحل من عترتى ما حرم الله) أى من
إيذائهم وترك تعظيمهم، والعترة: الأقارب القريبة. وقال فى القاموس: العترة بالكسر نسل الرجل وذريته. وتخصيص
ذكر (الحرم)) و(«العترة)) وكل مستحل محرم ملعون، لشرفهما وأن أحدهما منسوب إلى الله والآخر إلى رسول الله فعلى هذا
من فى ((من عترقى)) ابتدائية. قال الطبى: ويحتمل أن كون بيانية بأن يكون المستحل من عبرة رسول الله مؤلم، ففيه
تعظيم الجرم الصادر عنهم (والتارك لسنتى) أى المعرض عنها بالكلية أو بعضها استخفافا بها وقلة مبالاة فهو كافروملعون،
وتاركها تهاونا وتكاسلا لا عن استخفاف فهو عاص ، واللعنة عليه من باب التغليظ (رواه البيهقى فى المدخل) بفتح الميم
والخاء (ورزين) أى ورواه رزين (فى كتابه) وأخرجه أيضا النسائى كما فى الجامع الصغير، والطبرانى فى الكبير، وابن
حبان فى صحيحه، والحاكم (ج ١: ص ٣٦) وقال: صحيح الإسناد ولا أعرف له علة - انتهى. ووافقه الذهبي ،وقال
الهيشمى (ج ٧ : ص ٢٠٥): رجاله ثقات. وقد صححه ابن حبان، ونسبه الشيخ ناصر الدين الألبانى فى تعليقه على المشكاة
الترمذى فقال: أخرجه الترمذى فى القدر (ج ٢: ص ٢٢، ٢٣) قال وأعله الترمذى بالإرسال وقال إنه أصح ـ انتهى.
وإنى لم أجده فى أبواب القدر فلينظر. وأخرجه الحاكم عن على أيضا .
١١٠ - قوله (وعن مطر) بفتحتين (بن عكامس) بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وكسر الميم بعدها سين
مهملة ، السلمى من بنى سليم بن منصور ، يعد فى الكوفيين ، له الحديث الآتى فقط ليس له غيره ، لم يرو عنه غير أبى
إسحاق السبيعى. اختلف فى صحته ، قال أبو أحمد العسكرى: قال بعضهم ليس له صحبة ، وبعضهم يدخله فى الصحابة . وقال
أيضا وأكثرهم يدخله فى المسند. قلت: ذكره الحافظ فى الاصابة (ج ٣: ص ٤٤٣) فى القسم الأول من حرف الميم،
وقال فى التقريب صحابى. وكذا قال الخزرجى فى الخلاصة ، وقال ابن حبان له صحبة (إذا قضى الله) أى أراد أو قدر أو
حكم فى الأزل (جعل) أى أظهر الله (له إليها حاجة) أى ليسافر إليها فيتوفاه الله بها وبدفن فيها إشارة إلى قوله تعالى:
{وماتدری نفس بأی أرض تموت- ٣٤:٣١} وفى الحديث دليل على سبق القضاء والقدر (رواه أحمد) (ج ٥ : ص ٢٢٧)
(والترمذى) فى القدر وقال: حسن غريب. وأخرجه أيضا أبو داود فى القدر، والحاكم (ج ١: ص ٤٢) وقال:
١٩٨
..

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
١١١ - (٣٣) وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قلت يا رسول اللّه ذرارى المؤمنين؟ قال: من
آبائهم، فقلت: يا رسول اللّه بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. قلت: فذرارى المشركين؟
قال: من آبائهم، قلت: بلا عمل؟ قال: اللّه أعلم بما كانوا عاملين، رواه أبو داود.
١١٢ - (٣٤) وعن ابن مسعود قال قال رسول اللّه مَ له: الوائدة والموؤدة فى النار،
صحيح على شرطهما. وأقره الذهبي، وأخرجه الترمذى وأحمد (ج ٣: ص ٤٢٩) والطبرانى فى الكبير، وأبو نعيم
فى الحلبة، والحاكم (ج ١: ص ٤٢) عن أبى عزة أيضا، وصححه الترمذى والحاكم ، وفى الباب أيضا عن ابن مسعود
أخرجه الحاكم (ج ١: ص ٤١، ٤٢) قال الذهبي: على شرط الشيخين .
١١١ - قوله (ذرارى المؤمنين) خبر مبتدأ محذوف، أى ما حكم ذراريهم، أهم فى الجنة أم النار؟ (قال من آبائهم)
من اتصالية كقوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض-٦٧:٩ ) فالمعنى أنهم متصلون بآباتهم ، فلهم حكمهم .
قال التوربشتى: أى معدودون من جملتهم لأن الشرع يحكم بالاسلام لا سلام أحد الأبوين ، ويأمر بالصلاة عليهم،
وبمراعاة أحكام المسلمين. وكذلك يحكم على ذرارى المشركين بالاسترقاق ومراعاة أحكامهم وبانتفاء التوارث بينهم
وبين المسلمين، فهم ملحقون فى ظاهر الأمر بآبائهم (قلت بلا عمل) هذا وارد منها على سبيل التعجب (قال الله أعلم بما
كانوا عاملين) أى لو بلغوا، ردا لتعجبها وإشارة إلى القدر ولهذا أورد الحديث فى باب القدر. قال التور بشتى: يعنى
أنهم تبع لآبائهم فى الدنيا، وأما فى الآخرة فو كول أمرهم إلى علم الله تعالى بهم - انتهى. وقال القاضى: الثواب
والعقاب ليسا بالأعمال وإلا لم يكن ذرارى المسلمين والكفار من أهل الجنة والنار، بل الموجب اللطف الإلهى
والخذلان المقدر لهم فى الأزل ، فالواجب فيهم التوقف وعدم الجزم فإن أعمالهم موكولة إلى على اللّه فيما يعود إلى أمر
الآخرة، والأعمال دلائل السعادة والشقاوة ولا يلزم من انتفاء الدليل انتفاء المدلول - انتهى. قلت: قد تقدم أن
أولاد المسلمين يدخلون الجنة بالاتفاق ، وأما أولاد المشركين فهم أيضا من أهل الجنة على القول المحقق الصحيح المؤيد
بالكتاب والسنة، وأما حديث عائشة هذا وأمثاله فمؤولة أو محمولة على أنه تمَّ قال ذلك قبل أن يخبر أنهم من أهل
الجنة (رواه أبو داود) فى السنة وسكت عليه هو والمنذرى، وأخرجه أيضا أحمد .
١١٢ - قوله (الوائدة) أى التى تدفن الولد حيا، وقيل هى القابلة، وخصها بالذكر لأن أكثر ما كان الواد
من النساء أو لخصوص السبب (والموؤدة فى النار) قال القارى: وأد بنته يشدها وأدا فهى موؤدة إذا دفنها فى القبر وهى
حية، وهذا كان من عادة بعض قبائل العرب فى الجاهلية خوفا من الفقر أو فرارا من العار ، قال القاضى: الوائدة فى
اثار لكفرها وفعلها ، والمؤؤدة فيها لكفرها تبعا لأبويها ، ففيه دليل على تعذيب أطفال المشركين، وأوله من نفاه بأن
١٩
٩

مرعاة المفاتيح ج ١
١٠ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
رواه أبو داود والترمذى.
الفصل الثالث )
١١٣ - (٣٥) عن أبى الدرداء قال قال رسول اللّه ◌َله: إن الله عز وجل فرغ إلى كل عبد
الوائدة: القابلة الدافئة لها، والمؤؤدة أمها الموؤدة لها يحذف الصلة -انتهى ملخصا مختصرا. قلت: لا بد من هذا التأويل
يصح كون الموؤدة فى النار ولئلا يلزم التعارض، وأجيب أيضا بأن الحديث ورد فى قضية خاصة، وهى أن ابنى مليكة
أتيا رسول الله ◌َّ فسألاه عن أم لهما كانت تمد فقال مؤلّه - الحديث. أخرجه أحمد والنسائى، فأما الوائدة أى الأم
فلأنها كافرة، وأما الموؤدة أى البنت المدفونة فلاحتمال كونها بالغة كافرة أو غير بالغة لكن النبى معَ ◌ّ أخبر بأنها من
أهل النار بقضاء الله وقدره فى الأزل إما يوحى أو غيره وحينئذ فـ (ال) فى ((الموؤدة) ليست للاستغراق بل للعهد فلا
يجوز الحكم على أطفال المشركين بأنهم من أهل النار يجديثٍ ابن مسعود هذا، لأن هذه واقعة عين فى شخص معين ، فلا.
يجوز إجراءه على عمومه فى جميع الموؤدين وحمله على العموم مع الاحتمال المذكور، والعبرة وإن كانت لعموم اللفظ
لا لخصوص السبب لكن يحمل ههنا على خصوص النقيب دفعا المعارضة بينه وبين الأحاديث الدالة على كون أولاد
المشركين من أهل الجنة، ولا يخفى على هذا وجه المناسبة بين الحديث والباب (رواه أبو داود) فى السنة وسكت عنه
هو والمنذرى، وقال العزيزى: إسناده صحيح. وأخرجه أيضا ابن أبى حاتم فى تفسيره، والطبرانى فى الكبير، والهيثم بن
كليب فى مسنده، وابن عدى ويحيى بن صاعد فى مسنده، وأخرجه أحمد (ج ٣: ص ٤٧٨) والنسائى عن سلمة بن يزيد
الجعفى مطولا بذكر السبب كما أشرنا إليه، وقد روى أحمد عن خنساء بنت معاوية الصريمية عن عمتها قالت قلت :
يا رسول الله من فى الجنة؟ قال: النبى فى الجنة، والشهيد فى الجنة، والمولود فى الجنة، والمؤؤدة فى الجنة، كذا ذكره
ابن كثير فى تفسيره (والترمذى) كذا فى نسخة وهى خطأ من النساخ جزما .
١١٣ - قوله (عن أبى الدرداء) هو عويمر بن زيد، وقيل ابن عامر بن قيس الأنصارى الخزرجى ، مشهور
بكنيته وباسمه جميعا، واختلف فى اسمه فقيل اسمه عامر ، وعويمر لقبه، أسلم يوم بدر وشهد أحدا وأبلى فيها ، قال رسول
الله ◌َّ يوم أحد: نعم الفارس عويمر. وقال: هو حكيم أمتى. كان عابدا فقيها عالما خكيما، سكن الشام ، ومات بدمشق
سنة (٣٢) وقال الخزرجى: له مائة وتسعة وسبعون حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخارى بثلاثة، ومسلم
ثمانية أحاديث. جمع القرآن، وولى قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب. وله فضائل جمة ومناقب كثيرة جدا (فرغ إلى
كل عبد) فرغ يستعمل باللام، واستعماله بإلى هنا لتضمين معنى الانتهاء أو يكون حالا بتقدير منتهيا، والمعنى انتهى
تقديره فى الأزل من تلك الأمور الخمسة إلى تدبير هذا العبد بايدانها، ويجوز أن يكون بمعنى اللام، فيقال «هداه إلى
٢٠٠