النص المفهرس
صفحات 141-160
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
الفصل الأول )
٦٣ - (١) عن أبى هريرة قال قال رسول اللّه عَفيه: إن الله تجاوز عن أمتى ما وسوست به
صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم،
إن كانت تدعو إلى الرذائل والمعاصى تسمى وسوسة ، وإن كانت تدعو إلى الخصائل المرضية والطاعات تسمى إلهاما ،
ولا تكون الوسوسة إلا مع التردد والتزلزل من غير أن يطمئن إليه أو يستقر عنده
٦٣ - قوله (إن الله تجاوز) أى عنا (عن أمتى) أى أمة الإجابة. وفى رواية «تجاوز لى عن أمتى، أى
لم يؤاخذهم بذلك لأجلى. وفيه إشارة إلى عظم قدر الأمة المحمدية لأجل نبيها مَّ فيه، فله المنة العظمى التى لا منتهى لها
علينا. وفيه إشعار باختصاصها بذلك، بل صرح بعضهم بأنه من خصائص هذه الأمة (ما وسوست به صدورها)
الجملة فى محل النصب على المفعولية، و((ما)، موصول، و((وسوست)، صلته، و«به)) عائد إلى الموصول، و((صدورها))
بالرفع فاعل وسوست، أى ما خطر فى قلوبهم من الخواطر الردية. وروى بالنصب على الظرفية. وقيل على أنه
مفعول به بناء على أن وسوست بمعنى حدثت، ووقع فيه التجريد بأن يجرد شخصا من نفسه ويحدثها (ما لم تعمل) أى
ما دام لم يتعلق به العمل فى العمليات بالجوارح (أو تتكلم) أى ما لم تتكلم به فى القوليات باللسان على وفق ذلك. قال
الطبي : الوسوسة ضرورية واختيارية ، فالضرورية: ما يجرى فى الصدر من الخواطر ابتداء ولا يقدر الانسان على
دفعه، فهو معفو عنه عن جميع الأمم، قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها - ٢: ٢٨٦ ) والاختيارية: هى التى
تجرى فى القلب وتستمر وهو يقصد أن يعمل به ويتلذذ منه، كما يجرى فى القلب حب امرءة ويدوم إليه ويقصد الوصول
إليه، وما أشبه ذلك من المعاصى، فهذا النوع عفا الله عن هذه الأمة تشريفا وتكريما لنبينا مَ تُ وأمته، وإليه ينظر
قوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا اصراكما حملته على الذين من قبلنا - ٢: ٢٨٦ ). وأما العقائد الفاسدة ومساوى
الأخلاق وما ينضم إلى ذلك فإنها بمعزل عن الدخول فى جملة ما وسوست به الصدور - انتهى. قال القارى: هو كلام
حسن، ولذا قيده النبي مَثّ بقوله ((ما لم تعمل به أو تكلم) إشارة إلى أن وسوسة الأعمال والأقوال معفوة قبل ارتكابها.
وأما الوسوسة التى لا تعلق لها بالعمل والكلام من الأخلاق والعقائد فهى ذنوب بالاستقرار - انتهى. وقال الحافظ
فى الفتح فى شرح باب من هم بحسنة أو سيئة من الرقاق: قسم بعضهم ما يقع فى النفس أقساما، أضعفها أن يخطر له ثم
يذهب فى الحال ، وهذا من الوسوسة، وهو معفو عنها، وهو دون التردد. وفوقه أن يتردد فيه فيهم به ثم ينفر عنه
فيتركه ثم يهم به ثم يترك كذلك ولا يستمر على قصده ، وهذا هو التردد، فيعنى عنه أيضا. وفوقه أن يميل إليه و
لا يفرعنه لكن لا يصمم على فعله، وهذا هوالهم، فيعنى عنه أيضا. وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر منه بل يصمم على فعله،
فهذا هو العزم، وهو منتهى الهم، وهو على قسمين: الأول أن يكون من أعمال القلوب صرفا كالشك فى الوحدانية أو
النبوة، فهذا كفر، ويعاقب عليه جزما، ودونه المعصبة التى لا تصل إلى الكفر كمن يحب ما يبغضه الله، ويبغض (*)
١
مرعاة المفاتيح ج.١
١- كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
متفق عليه.
٦٤ - (٢) وعنه قال جاء ناس من أصحاب رسول اللّه تَّم إلى النبى معَّم فسألوه: إنا نجد فى أنفسنا
يحبه الله، فهذا يأثم به، ويلتحق بذلك الكبر والبغى ونحوهما. ولم يقع البحث والنزاع فى هذا القسم. والقسم الثانى
أن يكون من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة. وهو الذى وقع النزاع فيه، فذهب طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك
أصلا، وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم. قلت: وهو الراجح المعول عليه. قال الحافظ: واستدلوا
بقوله: ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم - ٢: ٢٢٥ ) وحملوا حديث أبى هريرة هذا على الخطرات، ثم افترق
هؤلاء فقالت طائفة: يعاقب عليه صاحبه فى الدنيا خاصة بنحو الهم والغم. وقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة لكن
بالعتاب لا بالعذاب - انتهى كلام الحافظ ملخصا. وقال الحفنى ملخصا لكلام السبكى الكبير فى الحليات: إن
المراتب خمسة: هاجس وخاطر وحديث نفس وهم وعزم، فالشئى إذا وقع فى القلب ابتداء ولم يجل فى النفس سمى ماجا،
فإذا كان موفقا ودفعه من أول الأمر لم يحتج إلى المراتب التى بعدها : فإذا جال أى تردد فى نفسه بعد وقوعه ابتداء
ولم يتحدث بفعل ولا عدمه سمى خاطرا ، فإذا حدثته نفسه بأن يفعل أولا يفعل على حد سواء من غير ترجيح لأحدهما
على الآخر سمى حديث نفس، فهذه الثلاثة لا عقاب عليها إن كانت فى الشر ، ولا ثواب عليها إن كانت فى الخير ، فإذا
فعل ذلك عوقب أو أثيب على الفعل لا على الهاجس والخاطر وحديث النفس، فإذا حدثته نفسه بالفعل وعدمه مع
ترجيح الفعل لكن ليس ترجيحا قويا بل هو مرجوح كالوهم سمى هما ، فهذا يثاب عليه إن كان فى الخير ، ولا يعاقب
عليه إن كان فى الشر ، فإذا قوى ترجح الفعل حتى صار جازما مصمما بحيث لا يقدر على الترك سمى عزما ، فهذا يثاب
عليه إن كان فى الخير، ويعاقب عليه إن كان فى الشر. وقوله ((ما لم تعمل به أو تكلم)) ظاهره أنه إذا فعل ذلك عوقب
على نفس حديث النفس بزيادة على عقاب الفعل، وليس مرادا ، بل المراد أنه إذا حصل الفعل عوقب على نفس الفعل
لا على ما قبله، فهو كالاستثناء المنقطع. وقال السبكى الكبير فى شرح المنهاج وولده فى منع الموانع ما حاصله :
أن عدم المؤاخذة بحديث النفس والهم إنما هو بشرط عدم التكلم والعمل، حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين همه وعمله
ولا يكون همه مغفورا وحديث نفسه إلا إذا لم يتعقبه العمل كما هو ظاهر الحديث. وارجع لمزيد البحث والتفصيل
إلى الإحياء للغزالى. وفى الحديث من الفقه أن حديث النفس وما یوسوس به قلب الانسان لا حكم له فى شئ من
الدين، فلا يقع الطلاق ولا يلزم الظهار ولا يكون قاذفا ولا يحكم بالعتاق إذا حدث نفسه بالطلاق والظهار والقذف
والعتاق ما لم يتكلم بذلك، ولا يؤمر بإعادة الصلاة إذا حدث نفسه فيها (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد وأصحاب
السنن.
٠٫
٦٤ - قوله (إنا نجد) واقع موقع الحال، أى سألوه مخبرين أنا نجد، أو قائلين على احتمال فتح الهمزة والكسر.
١٤٢
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: أوقد وجدتموه ؟ قالوا : نعم. قال: ذاك صريح الإيمان ،
رواه مسلم.
٦٥ - (٣) وعنه قال قال رسول اللّه مَّة: يأتى الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من
خلق كذا؟ حتى يقول : من خلق ربك؟ فإذا بلغه
وقيل على الفتح مفعول ثان لسألوه، ثم الكسر أوجه حتى يكون بيانا المسئول عنه (ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) أى نجد
فى قلوبنا أشياء قبيحة نحو من خلق الله، وكيف هو، ومن أى شئى هو، وما أشبه ذلك ما تتعاظم به لعلمنا أنه لا يليق
شئى منها أن نعتقده ونعلم أنه قديم خالق الأشياء كلها ليس بمخلوق، فما حكم جريان هذه الأشياء فى خواطرنا؟ وتعاظم
تفاعل بمعنى المبالغة، لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى أى نستعظم غاية الاستعظام، وقوله ((أحدنا، بالرفع ومعناه: يحد
أحدنا التكلم به عظيما لقبحه (أو قد وجدتموه) الهمزة للاستفهام، والواو العطف على مقدر أى أحصل ذلك وقد
وجد تموه؟ والضمير لما يتعاظم أى ذلك الخاطر فى أنفسكم تقريرا وتوكيدا، فالوجدان بمعنى المصادفة أو المعنى أحصل ذلك
الخاطر القبيح وعلمتم أن ذلك مذموم غير مرضى؟ فالوجدان بمعنى العلم (قال ذاك) وفى بعض النسخ ذلك ، وهو
إشارة إلى مصدر يتعاظم (صريح الإيمان) أى خالصه. قال النووى: معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان،
فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلا عن اعتقاده إنما يكون من استكمل الإيمان استكمالا محققا
وانتفت عنه الريبة والشكوك. وقيل معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه فينكد عليه بالوسوسة لعجزه
عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء ، ولا يقتصر فى حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا
معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيمان أو الوسوسة علامة محض الإيمان-انتهى. أى لأن اللص لا يدخل البيت
الخالى. قال محدث الهند الشاه ولى الله الدهلوى فى حجة الله البالغة (ج١: ص ١٣٢): اعلم أن تأثير وسوسة الشيطان
يكون مختلفا بحسب استعداد الموسوس إليه، فأعظم تأثيره الكفر والخروج من الملة ، فإذا عصم الله من ذلك بقوة
اليقين انقلب تأثيره فى صورة أخرى وهى المقاتلات وفساد تدبير المنزل والتحريش بين أهل البيت وأهل المدينة ، ثم
إذا عصم الله من ذلك أيضا صار خاطرا يجئى ويذهب ولا يبعث النفس إلى عمل لضعف أثره، وهذا لا يضر بل إذا
اقترن باعتقاد قبح ذلك كان ذلك دليلا على صراحة الإيمان، نعم أصحاب القوة القدسية لا يحدون شيئا من ذلك ، وهو
قوله مؤلفى: ألا إن الله أعانى عليه فأسلم فلا يأمرنى إلا بخير - انتهى (رواه مسلم) فى الايمان، وأخرجه أيضا أبوداود،
وفى الباب عن عائشة وأنس وابن عباس وابن مسعود ذكر أحاديثهم الهيشمى فى مجمع الزوائد فى باب الوسوسة من
كتاب الايمان .
٦٥ - قوله (يأتى الشيطان أحدكم) أى يوسوس فى صدره إبليس أو أحد أعوانه من شياطين الإنس والجن
(دفيقول من خلق كذا) يعنى السماء مثلا (من خلق كذا) أى الأرض، وغرضه أن يوقعه فى الغلط والكفر(فإذا بلغه)
١٤٣
مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
فليستعذ بالله ولينته، متفق عليه.
٦٦ - (٤) وعنه قال قال رسول اللّه عَ لَه: لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا: خلق الله
الخلق ، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا
ضمير الفاعل لأحدكم، وضمير المفعول راجع إلى مصدر يقول أى إذا بلغ أحدكم هذا القول یعنی من خلق ربك ، أو
التقدير: بلغ الشيطان هذ القول (فليستعذ بالله) طردا الشيطان الذى أوقعه فى هذا الخاطر الذى لا أقبح منه ، فيقول
بلسانه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه هو السميع
العليم - ٧: ١٩٩﴾ (ولينته) بسكون اللام وتكسر، أى عن الاسترسال معه فى ذلك بل يلجأ إلى الله فى دفعه، ويعلم أنه
يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة فينبغى أن يجتهد فى دفعها بالاشتغال بغيرها ، ويبادر إلى قطعها بالإعراض عنها
فإنه تندفع الوسوسة عنه بذلك لأن الأمر الطارئ بغير أصل يدفع بغير نظر فى دليل إذ لا أصل له ينظر فيه. قال
الخطابي: لو أذن مَّ فى محاجته لكان الجواب سهلا على كل موحد، ولكان الجواب مأخوذا من نحوى كلامه فإن أول
كلامه يناقض آخره لأن جميع المخلوقات من ملك وإنس وجن وحيوان وجماد داخل تحت اسم الخلق ، ولو فتح هذا
الباب الذى ذكره للزم منه أن يقال: ومن خلق ذلك الشئى؟ ويمتد القول فى ذلك إلى ما لا يتناهى، والقول بما
لا يتناهى فاسد ، فسقط السوال من أصله. وقال الطيبي: لينته أى ليترك التفكر فى هذا الخاطر وليستعذ بالله من
وسوسة الشيطان، فإن لم يزل التفكر بالاستعاذة فليقم وليشتغل بأمر آخر. وإنما امره بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر،
ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج لأن العلم باستغناء الله عز وجل عن الموجد أمر ضرورى لا يقبل المناظرة له وعليه، ولأن
الاسترسال فى الفكر فى ذلك لا يزيد المرأ إلا حيرة، ومن هذا حاله فلا علاج له إلا الملجأ إلى الله تعالى والاعتصام به
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى بدء الخلق، ومسلم فى الإيمان ، وأخرجه أيضا أبو داود فى السنة، والنسائى فى اليوم
والليلة، وفى روايتهما من الزيادة فقولوا اللّه أحد، الله الصمد إلى آخر السورة ثم يتفل عن يساره كما سيأتى فى
الفصل الثانى .
٦٦ - قوله (لا يزال الناس يتساءلون) أى يسأل بعضهم بعضا، والتساؤل جريان السوال بين الاثنين فصاعدا،
ويجوز أن يكون بين العبد والشيطان أو النفس أو إنسان آخر أى يجرى بينهما السوال فى كل نوع (حتى) يبلغ السوال
إلى أن (يقال هذا خلق الله الخلق فن خلق الله) قيل لفظ هذا مع عطف بيانه المحذوف وهو المقول مفعول يقال، أقيم مقام
الفاعل، وخلق اللّه تفسير لهذا أو بيان أو بدل. وقيل مبتدأ حذف خبره أى هذا القول أو قولك هذا خلق الله الخلق
معلوم مشهور، فى خلق الله؟ والجملة أقيمت مقام فاعل يقال (فمن وجد من ذلك شيئا) إشارة إلى القول المذكور و«من
ذلك، حالى من («شيئا» أى من صادف شيئا من ذلك القول والسوال أو وجد فى خاطره شيئا من جنس ذلك المقال
١٤٤
٠
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
فليقل آمنت بالله ورسله، متفق عليه .
٦٧ - (٥) وعن ابن مسعود قال قال رسول اللّه مؤلفى: ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من
الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك يا رسول اللّه. قال: وإياى، ولكن الله أعاننى عليه فأسلم
(فليقل آمنت بالله ورسله) أى آمنت بالذى قال الله ورسله من وصفه تعالى بالتوحيد والقدم، وقوله سبحانه وإجماع.
الرسل هو الصدق والحق ، فماذا بعد الحق إلا الضلال (متفق عليه) أى اتفق الشيخان على أصل الحديث فإن السياق
المذكور هنا إنما هو سياق مسلم ، وسياق الحديث عند البخارى قد ذكره المصنف قبل ذلك ، فكان الأولى بعد ذكر
حديث أبى هريرة الذى فيه الأمر بالاستعاذة وعزوه للشيخين أن يعزو حديثه الثانى لمسلم فقط كما لا يخفى، وأخرجه
أيضا أبو داود فى السنة، والنسائى فى اليوم والليلة، وفى الباب عن خزيمة بن ثابت وعائشة وعبد الله بن عمر ، وذكر
أحاديثهم الهیشی فى مجمع الزوائد .
٦٧ - قوله (ما منكم من أحد) ما نافية، ومن زائدة لاستغراق النفى لجميع الأفراد ، ومن فى منكم تبعيضية أى ما
أحد منكم (إلا وقد وكل) على بناء المجهول من التوكيل بمعنى التسليط (قرينه من الجن) أى صاحبه منهم ليأمره بالشر،
واسمه الوسواس (وقرينه من الملائكة) أى لأمره بالخير واسمه الملهم. وليس هذا فى المصايح وكذا ليس فى رواية
جرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن ابن مسعود عند مسلم، ووقع فى رواية سفيان عن منصور عن جرير
عنده: وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. فاختار صاحب المشكاة هذه الرواية الجامعة (قالوا وإياك )رسول
اللّه) أى لك قرين من الجن؟ والقياس وأنت يا رسول الله بالضمير المرفوع المنفصل وكذا فى الجواب يعنى (قال وإياى)
أى ولى ذلك، والقياس أن يقول وأنا، فأقام الضمير المنصوب مقام المرفوع المفصل وهو سائغ شائع، ويحتمل أن
يكون المعنى: وإياك نعنى فى هذا الخطاب. فقال نعم وإياى لأن الخطاب فى منكم عام لا يخص المخاطبين من الصحابة بل
كل من يصح أن يخاطب به داخل فيه كأنه قبل ما منكم يا بنى آدم من أحد. وهذا إن قلنا إن المتكلم لا يدخل فى
عموم الخطاب. وقيل عطف على محل الضمير المجرور المقدر، تقديره: قالوا وقد وكل به وإياك. قال وكل به
وإياى، كذا فى المرقاة (ولكن) بالتشديد ويخفف (أعانى عليه) أى بالعصمة أو بالخصوصية (فأسلم) برفع الميم على بناء
المضارع من السلامة، وفتحها على بناء الماضى من الإسلام، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال معناه أسلم أنا من شره
وفتته، لأن القرين من الجن إنما هو الشيطان ، والشيطان هو المصر على العتو والتمرد والمطبوع على الكفر فأنى يتصور
منه الإسلام. ومنن فتح قال إن القرين أسلم وصار مؤمنا. واختلفوا فى الأرجح منهما فقال الخطابي: الصحيح
١٤٥
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
فلا يأمرنى إلا بخير، رواه مسلم .
٦٨ - (٦) وعن أنس قال قال رسول اللّه مؤلّم: إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم،
المختار الرفع. ورجح القاضى عياض الفتح. قال النووي: هو المختار لقول النبي مَّة (فلا يأمرنى إلا بخير) وقال
التوربشتى : إذا صحت رواية الفتح فلا عبرة بهذا التعليل أى الذى ذكره أصحاب القول الأول فإن الله هو القادر على
كل شئى ولا يستبعد من فضله أن يخص نبيه مَّ بأمثال هذه الكرامة وبما هو فوقها - انتهى. واختلفوا على رواية
الفتح فقيل أسلم بمعنى استسلم وذل وانقاد، وقد جاء هكذا فى غير صحيح مسلم فاستسلم وقيل معناه صار مسلما مؤمنا . قال
النووى: وهذا هو الظاهر. قال القاضى: إن الأمة مجتمعة على عصمة النبى معَ ◌ّم من الشيطان فى جسمه وخاطره ولسانه.
وفى هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغواءه فأعلنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان
(رواه مسلم) فى صفة القيامة قبل صفة الجنة ، وأخرجه أيضا أحمد ، وفى الباب عن عائشة عند مسلم والنسائى.
٦٨ - قوله (إن الشيطان يجرى) أى يسرى (من الإنسان) أى فيه (مجرى الدم) أى فى عروقه. وقال
الطيبي : عدى «يجرى) بمن على تضمين معنى التمكن أى يتمكن من الانسان فى جريانه فى عروقه مجرى الدم، فالمجرى يجوز
أن يكون مصدراً ميميا وأن يكون اسم مكان، وعلى الأول تشبه شبه سريان كيد الشيطان وجريان وساوسه فى
الإنسان بجريان دمه فى عروقه وجميع أعضائه، والمعنى أن الشيطان يتمكن من إغواء الإنسان وإضلاله تمكنا تاما،
ويتصرف فيه تصرفا لا مزيد عليه، وعلى الثانى يجوز أن يكون حقيقة فإن الله تعالى قادر على أن يخلق أجساما لطيفة
تسرى فى بدن الإنسان سريان الدم فإن الشيطان مخلوقة من نار السموم، والإنسان من صلصال من حما مسنون،
والصلصال فيه نارية وبه يتمكن من الجريان فى أعضائه ، ويجوز أن يكون مجازا أى إن كيد الشيطان ووساوسه تجرى
فى الإنسان حيث يجرى فيه الدم ، فالشيطان إنما يستحوذ على النفوس وينفث وساوسه فى القلوب بواسطة النفس
الأمارة بالسوء، ومركبها الدم ومنشأ قواها منه، فعلاجه سد المجارى بالجوع والصوم لأنه يقمع الهوى والشهوات التى
هى من أسلحة الشيطان ، فالشبع مجلبة للآثام منقصة للايمان - انتهى. وفى الحديث الاستعداد للتحفظ من مكائد الشيطان
فإنه يجرى من الإنسان مجرى الدم ولا يفارقه كما لا يفارقه دمه فيتأهب الإنسان للاحتراز من وساوسه وشره. وسبب
الحديث أن النبى من أتته صفية وهو معتكف فى المسجد فلما رجعت انطلق معها فر به رجلان من الأنصار فدعاهما
فقال إنما هى صفية، قالا سبحان الله، فذكره وأشار بذلك إلى أنه ينبغى التباعد من محل التهم ، فما يفعله بعض من ادعى
التصوف من مخالطة النساء والحدثان، ويقولون لا بأس علينا ولا يظن بنا أحد سوء من الجهل إذا كان رسول اللّه مز في}.
أولى بذلك، وارجع لمزيد التفصيل إلى شرح البخارى للقسطلانى فى شرح حديث صفية بنت حيي فى صفة إبليس من
١٤٦
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسه
متفق عليه.
٦٩ - (٧) وعن أبى هريرة قال قال رسول اللّه مَ ◌ّى: ما من بنى آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين
يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان
بدء الخلق (متفق عليه) لم أجد حديث أنس هذا فى صحيح البخارى ، والظاهر أنه من إفراد مسلم أخرجه فى الاستذان ،
يدل على ذلك قول الحافظ فى شرح حديث صفية فى باب هل يخرج المعتكف لحواتجه إلى باب المسجد من كتاب
الصوم: نعم رواه مسلم من وجه آخر من حديث أنس إلخ، ويدل عليه أيضا أن الشيخ عبد الغنى النابلسى عزاه فى
ذخائر المواريث (ج ١: ص ٦١) لمسلم فقط ، ويدل عليه أيضا أن المنذرى سكت فى مختصره عن عزو حديث أنس هذا
إلى البخارى وقال أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث صفية بنت حيي عن رسول الله تع ، وقد
2.
تقدم فى كتاب الصيام - انتهى. وحديث أنس هذا أخرجه أيضا أحمد وأبو داود فى السنة.
٦٩ - قوله (ما من بنى آدم) أى ما من أولاده، والمراد هذا الجنس (مولود إلا يمسه الشيطان) رفع مولود
على أنه فاعل الظرف لاعتماده على حرف النفى، والمستثنى منه أعم عام الوصف فالاستثناء مفرغ ، يعنى ما وجد من بنى آدم
مولود متصف بشئى من الأوصاف حال ولادته إلا بهذا الوصف أى مس الشيطان له ، والمراد بالمس الحقيقى أى الحسى
لقوله مؤقتة فى رواية للبخارى: كل بنى آدم يطعن الشيطان فى جنبه بإصبعيه حين يولد غير عيسى بن مريم، ذهب يطعن
قطعن فى الحجاب. قال القرطبى: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط حفظ الله مريم وابنها ببركة دعوة أمها
(فيستهل) أى يصيح (صارخا) رافعا صوته بالبكاء، وهو حال مؤكدة أو مؤسسة أى مبالغة فى رفعه، أو المراد
بالاستهلال مجرد رفع الصوت وبالصراخ البكاء (من مس الشيطان) أى لأجله ، يعنى سبب صراخ الصبى أول ما يوله.
الألم من مس الشيطان إياه. قال الطبي: وفى التصريح بالصراخ إشارة إلى أن المس عبارة عن الإصابة بما يؤذيه لا
كما قالت المعتزلة من أن مس الشيطان تخييل، واستهلاله صارخا من مسه تصوير لطمعه فيه كأنه يمسه و يضرب بيده عليه
ويقول هذا من أغويه - انتهى. قال الحافظ: قد طعن صاحب الكشاف أى الزمخشرى فى معنى هذا الحديث وتوقف
فى صحته، فقال: إن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان فى إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين، وكذلك
كل من كان فى صفتهما لقوله تعالى: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين - ١٥: ٤٠} قال واستهلال الصبى صارخا من مس
الشيطان تخييل لطمعه فيه ، كأنه يمسه ويضرب يده عليه، ويقول هذا من أغويه. وأما صفة النخس كما يتوهمه أهل
الحشوفلا، ولو ملك إبليس على الناس تخسهم لامتلأت الدنيا صراخا - انتهى. وكلامه متعقب من وجوه ، والذى
يقتضيه لفظ الحديث لا إشكال فى معناه ، ولا مخالفة لما ثبت من عصمة الأنبياء، بل ظاهر الخبر أن إبليس ممكن من مس
كل مولود عند ولادته، لكن من كان من عباد الله المخلصين لم يضره ذلك المس أصلا، واستثنى من المخلصين مريم
١٤٧
٠٦٠٠٠
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
غير مريم وابنها، متفق عليه.
٧٠ - (٨) وعنه قال قال رسول اللّه ◌َبّم: صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان، متفق عليه.
وابنها فإنه ذهب يمس على عادته خيل بينه وبين ذلك ، فهذا وجه الاختصاص ، ولا يلزم منه تسلطه على غيرهما من
المخلصين. وأما قوله ((لو ملك إبليس، إلخ فلا يلزم من كونه جعل له ذلك عند ابتداء الوضع أن يستمر ذلك فى حق
كل أحد. قال الحافظ: والجواب عن إشكال الإغواء يعرف مما قدمنا أيضا، وحاصله أن ذلك جعل علامة فى
الابتداء على من يتمكن من إغوائه - انتهى. وقال المولى سعد الدين: طعن أى الزمخشرى أولا فى الحديث بمجرد أنه
لم يوافق هواه وإلا فأى امتناع من أن يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرخ كما ترى وتسمع، ولا يكون ذلك
فى جميع الأوقات حتى يلزم امتلاء الدنيا بالصراخ، ولا تلك المسة للإغواء، وكفى بصحة هذا الحديث رواية الثقات
وتصحيح الشيخين له من غير قدح من غيرهما - انتهى (غير مريم وابنها) حال من مفعول يمس، قاله ابن حجر.
واستثناءهما لاإجابة دعوة حنة، امرأة عمران، أم مريم العذراء البتول حيث قالت: ﴿وإنى أعيذها بك وذريتها من
الشيطان الرجيم - ٣: ٣٥)﴾ وتفرد عيسى وأمه بالعصمة عن المس لا يدل على فضلهما على نبينا مرّ إذ له فضائل
ومعجزات لم تكن لأحد من النبيين ، ولا يلزم أن يكون فى الفاضل جميع صفات المفضول ، قاله الطبي. وقال النووى:
ظاهر الحديث اختصاص هذه الفضيلة بعيسى وأمه، وأشار القاضى عياض أن جميع الأنبياء يشاركون فيها أى لعصمتهم
من الشيطان، وإنما نص على مريم وعيسى فقط لدعوة حنة، وغيرهما من بقية الأنبياء ملحق بهما. وقال صاحب اللعات:
الظاهر أن نبينا مَّ مستثنى من هذا العموم، وأنه يخبر عن أحوال عامة بنى آدم سوى نفسه الكريمة إذا شأنه أرفع
وأعلى من أن يدخل فى مثل هذا الحكم إذ هو الطاهر المطهر من كل دنس ، والمعصوم من آفات الشيطان وإفساده خصوصا
فى أول خلقه وحين ولادته. وقد قيل إن المتكلم لا يدخل فى عموم ما يخبر به الناس - انتهى (متفق عليه) أخرجه
البخارى فى صفة إبليس وجنوده من بدء الخلق وفى الأنباء وفى تفسير آل عمران ، ومسلم فى الأنياء واللفظ المذكور
للخاری فی الآنياء.
٧٠ - قوله (صياح المولود) أى سبب صيحته فى بكاءه (حين يقع) أى يسقط وينفصل عن أمه (نزغة من
.. الشيطان) بفتح النون وسكون الزاى، أى إصابة ما يوذيه أو نخسة وطعنة منه يريد بها إيذاءه وإفساد ما ولد عليه من
الفطرة الإسلامية فإن النزغ هو النخس بالعود والدخول فى أمر لا فساده (متفق عليه) اختلفت النسخ المطبوعة فى
الهند فى ذكر هذا اللفظ فلم يقع فى بعضها ، وكذا لم يقع فى النسخة التى على حاشية المرقاة، وهو موجود فى الأصل
الذى أخذه القارى فى شرحه. قال القارى: المذكور فى الجامع الصغير أنه من إفراد البخارى - انتهى. يعنى فقوله
((متفق عليه)) محل نظر. قلت: هذا الحديث من إفراد مسلم، رواه فى الأنياء ولم يروه البخارى فى صحيحه، وعزاه
١٤٨
١
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
٧١ - (٩) وعن جابر قال قال رسول اللّه مَ له: إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه
يفتنون الناس، فقدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجنى أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول:
ما صنعت شيئا. قال ثم يحتى أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته. قال فيدنيه منه
ويقول: نعم أنت. قال الأعمش
السيوطى فى الجامع الصغير لمسلم فقط ، وهو الصواب.
٧١ - قوله (إن إبليس يضع عرشه) أى سرير ملكه (على الماء) وفى رواية على البحر، ومعناه أن مركزه
البحر ، ومنه يبعث سراياه فى نواحى الأرض ، فالصحيح حمله على ظاهره ، ويكون من جملة تمرده وطغيانه وضع عرشه
على الماء ، يعنى جعله الله تعالى قادرا عليه استدراجا ليغتر بأن له عرشا كعرش الرحمن كما فى قوله تعالى: ﴿ وكان عرشه
على الماء - ١١: ٧) ويغر بعض السالكين الجاهلين بالله أنه الرحمن كما وقع لبعض الصوفية على ما ذكر فى النفحات
الإنسية، ويؤيده قصة ابن صياد حيث قال لرسول الله مر فوع: أرى عرشا على الماء. فقال له مح له : ترى عرش إبليس.
وقيل عبر عن استيلائه على إغوائه الخلق وتسلطه على إضلالهم بهذه العبارة، كذا فى المرقاة (ثم يبعث) أى يرسل
(سراياه) جمع سرية وهى قطعة من الجيش توجه نحو العدو لتنال منه، والمراد جنوده وأعوانه (يفتنون الناس) بفتح
الياء وكسر الثاء أى يضلونهم أو يمتحنونهم بتزيين المعاصى إليهم حتى يقعوا فيها (فأدناهم) أى أقربهم (منه) أى من إبليس
(منزلة) أى مرتبة (أعظمهم فتنة) أى أكبرهم إضلالا (فعلت كذا وكذا) أى أمرت بشرب الخمر والسرقة مثلا
(فيقول ما صنعت شيئا) أى عظيما أو معتدا به (ما تركته) أى فلانا (حتى فرقت بينه وبين امرأته) أى وسوسته
وأوقعت البغض والعداوة بينه وبين زوجته حتى فارقها (فيدنيه منه) أى فيقرب إبليس ذلك المغوى من نفسه، من الإدناً
(نعم أنت) بكسر النون وسكون العين المهملة أى نعم الولد أنت ، على أنه فعل مدح وفاعله مضمر على خلاف القياس،
يعنى يمدح إبليس صنيعه ويشكر فعله لا يحجابه بصنيعه وبلوغ الغاية التى أرادها. وقيل حرف إيجاب، وأنت مبتدأ
وخبره محذوف أى أنت صنعت شيئا عظيما (قال الأعمش) وهو أحد رواة الحديث، اسمه سليمان بن مهران، بكسر
الميم، الأسدى الكاهلى مولاهم أبو محمد الكوفى، أحد الأعلام الحفاظ والقراء. رأى أنسايول. وقيل رأه روية
بمكة يصلى خلف المقام. وروى عنه وعن عبد الله بن أبي أوفى ولم يسمع منهما. وذكر أبو نعيم الأصفهانى: أن الأعمش
رأى أنس بن مالك وابن أبى أو فى، وسمع منهما. والأول هو المشهور، وهو الصحيح. قال ابن المدينى: له نحو
ألف وثلاثمائة حديث. قال ابن عيينة: كان أقرأ أصحابه وأحفظهم وأعلمهم ، وكان يسمى المصحف لصدقه. قال الحافظ
فى التقريب فى ترجمته : ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس، من الخامسة ، وهم الطبقة الصغرى من التابعين الذين
١٤٩
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
أراه قال ((فيلتزمه)) رواه مسلم.
٧٢ - (١٠) وعنه قال قال رسول اللّه مَله: إن الشيطان قد أيس من أن يعبده المصلون فى
جزيرة العرب
رؤا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة. مات سنة (٤٧) أو (٤٨) وكان مولده
•أول سنة (٦١) (أراه) بضم أوله أى أظن أبا سفيان طلحة بن نافع الراوى عن جابر. وقيل ضمير المفعول لجابر
(قال فيلتزمه) أى فيعانقه ويضمه إلى نفسه من غاية حبه التفريق بين الزوجين ، وذلك لأن النكاح عقد شرعى يستحل به
الزوج ، وهو يريد حل ما عقده الشرع ، ليستبيح ما حرمه فيكثر الزنا وأولاد الزنا فيفسدوا فى الأرض ويهتكوا حدود
الشرع ويتعدوا جدود اللّه تعالى، قاله الطبي. والقصد بسياق الحديث التحذير من التسبب فى الفراق بين الزوجين لما
فيه من توقع وقوع الزنا وانقطاع النسل (رواه مسلم) فى صفة القيامة ، وأخرجه أيضا أحمد ، وفى الباب عن أبى موسى
الأشعرى وأبى ريحانة عند الطبرانى فى الكبير، وفى الأول عطاء بن السائب اختلط ، وبقية رجاله ثقات ، وفى الثانى
يحيى بن طلحة اليربوعى ضعفه النسائى، وذكره ابن حبان فى الثقات.
٧٢ - قوله (إن الشيطان) أى إبليس رئيس الشياطين (قد أيس) وفى رواية يئس (من أن يعبده المصلون)
قيل المراد بعبادة الشيطان عبادة الصنم لأنه الآمر به والداعى إليه بدليل قوله: ﴿ يا ابت لا تعبد الشيطان - ١٩: ٤٤)
إذ المراد الأصنام، والمراد بالمصلين المؤمنون كما فى قوله عليه الصلاة والسلام: نهيتكم عن قتل المصلين. سموا بذلك
لأنها أشهر الأعمال وأظهر الأفعال الدالة على الايمان، ولأن الصلاة هى الفارقة بين الكفر والإيمان (فى جزيرة العرب)
الجزيرة هى كل أرض حولها الماء، فعيلة بمعنى مفعولة من جزر عنها الماء أى ذهب ، وقد اكتنفت تلك الجزيرة البحار
والأنهار كبحر البصرة وعمان وعدن إلى بركة بنى اسرائيل التى أهلك الله فرعون بها وبحر الشام والنيل ، أضيفت إلى
العرب لأنها مسكنهم ، ونقل عن مالك أن جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن. قيل إنما خص جزيرة العرب لأنها
معدن العبادة ومهبط الوحى ، قاله القارى. وفى القاموس: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة
والفرات وما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولا ومن جدة إلى ريف العراق عرضا - انتهى. وعلى هذا هى شبه
الجزيرة لا الجزيرة، فتسميتها بالجزيرة مجاز ، ومعنى الحديث أن الشيطان قد أيس من أن يعود أحد من المؤمنين إلى
عبادة الصنم ، ويرتد إلى شركه فى جزيرة العرب، والمراد الاخبار بأنه تعالى حفظ هذا المكان عن وقوع عادة الصنم
فيه، ولا يرد على ذلك ارتداد أصحاب مسيلمة والعنسى وغيرهما من ارتد بعد النبي محر ◌ّم فى العرب لأنهم لم يعبدوا
الصنم. قال القارى: وفيه أن دعوة الشيطان عامة إلى أنواع الكفر غير مختص بعبادة الصنم، فالأولى أن
يقال إن المراد أن المصلين لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى - انتهى. وقال التوربشتى
١٥٠
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
ولكن فى التحريش بينهم، رواه مسلم .
( الفصل الثانى ).
٧٣ - (١١) عن ابن عباس أن النبى محدّ جاءه رجل فقال: إنى أحدث نفسى بالشئى لأن أكون
حممة أحب إلى من أن أتكلم به. قال: الحمد لله الذى رد أمره إلى الوسوسه،
فى الجواب: إن النبي مَّه لم يخبر عنهم أنهم لا يفعلون ذلك، وإنما أخبر عن اليأس الذى استشعر بالشيطان عنهم أن
يعودوا فى طاعته لما رآی من کثرتهم وعزتهم واجتماعهم وقوتهم ، لكنه وقع ذلك مع يأسه منه، فلا نضاد بين هذا
الحديث وبين القضية التى ذكرت، يعنى أن قصده مَّ بسياق هذا الحديث هو الإخبار عن بلوغ أمر المسلمين ودولتهم
حدا أيس الشيطان أن يقع الارتداد بعده، وليس غرضه عليه الصلاة والسلام الإخبار من عدم وقوع الارتداد ألبتة.
قال صاحب اللعات: وفيه بعد أيضا لأن الظاهر من يأسه هو عدم الوقوع، فهو كناية عنه. قال ويمكن أن يقال إن
معنى الحديث أن الشيطان أيس من أن يستبدل دين الإسلام وينهدم أساس الدين ويظهر الإشراك ويستمر ويصير
الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتد بل لو عبد الأصنام أيضا لم يضر فى المقصود (ولكن فى التحريش)
خبر لمبتدأ محذوف ، أى هو فى التحريش، أو ظرف لمقدر أى يسعى فى التحريش (بينهم) أى فى إغراء بعضه على
بعض، والتحريض بالشر بين الناس من قتل وخصومة، فهو لا يذاءهم بالمرصاد. قيل ولعله مَ ل أخبر عما جرى فيما
بعده من التحريش الذى وقع بين أصحابه أى لكن الشيطان غير آيس من إغراء المؤمنين الساكنين فيها وحملهم على
الفتن بل له مطمع فى ذلك، وكان كما أخبر فكان معجزة له مَّ (رواه مسلم) فى صفة القيامة، وأخرجه أيضا أحمد،
والترمذى فى أبواب البر والصلة.
٧٣ - قوله (إنى أحدث نفسى) أى أكلها بالسر أى توسوسنى (بالشئى) هو فى قوة النكرة معنى وإن كان
معرفة لفظا لأن ((ال)) فيه للجنس مثل قول الشاعر:
ولقد أمر على الثيم يسبنى
والجملة الاسمية بعده صفة له، وهى قوله (لأن أكون حممة) بضم تفتح أى فما (أحب إلى من أن أتكلم به) أى أحدث
نفسى بشئى لكونى حممة أحب إلى من التكلم بذلك الشئى من غاية قبحه لتعلقه بالخوض فى ذات الله تعالى وما لا يليق به
سبحانه من تجسيم وتشبيه وتعطيل ونحوها، واللام للقسم أو للابتداء (قال) مؤتة (الحمد لله) شكرا لما أنعم الله عليه
وعلى أمته (الذى رد أمره إلى الوسوسة) قال القارى: الضمير فيه يحتمل أن يكون للشيطان وإن لم يجر له ذكر لدلالة
السياق عليه، ويحتمل أن يكون للرجل، والأمر يحتمل أن يكون واحد الأوامر وأن يكون بمعنى الشأن، يعنى كان
١٥١
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
رواه أبو داود.
٧٤ - (١٢) وعن ابن مسعود قال قال رسول اللّه مؤ لي: إن للشيطان لمة بابن آدم، واللك لمة
فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق
فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله
الشيطان يأمر الناس بالكفر قبل هذا وأما الآن فلا سبيل له إليهم سوى الوسوسة ولا بأس بها مع العلم بأنها قبيحة
والتعوذ بالله منها أو المعنى الحمد لله الذي رد شأن هذا الرجل من الكفر إلى الوسوسة وهى معفوة - انتهى (رواه أبوداود)
فى الأدب، وأخرجه أيضا أحمد والنسائی و ابن أبى شيبة ، وصححه ابن حبان .
٧٤ - قوله (إن الشيطان) أى إبليس أو بعض جنده (لمة) أى قربا أى وساوس يوصلها إلى قلب العبد المكلف
بحيث يقر به إلى المعاصى ، واللة بفتح اللام وشدة الميم من الايام ومعناه النزول والقرب والإصابة ، والمراد بها ما
يقع فى القلب بواسطة الشيطان من خطرات الشر (بابن آدم) أى بهذا الجنس، فالمراد به الإنسان (واللك لمة) المراد
بها ما يقع فى القلب من خطرات الخير ولمة الشيطان تسمى وسوسة ولمة الملك إلهاما (فأما لمة الشيطان) أى وسوسته
(فإِيعاد) أى منه (بالشر) كالكفر والفسق والظلم (وتكذيب بالحق) أى فى حق الله أو حق الخلق أو بالأمر الثابت
كالتوحيد والنبوة والبعث والقيامة والجنة والنار. قال المناوى: كان القياس مقابلة الشر بالخير أو الحق بالباطل، لكنه
أتى بما يدل على أن كل ما جر إلى الشر باطل أو إلى الخير حق فأثبت كلا ضمنيا (فايعاد بالخير) كالصلاة والصوم
(وتصديق بالحق) ككتب الله ورسله، والايعاد فى التين من باب الافعال، والوعيد فى الاشتقاق كالوعد إلا أن
الايعاد اختص بالشر عرفا يقال أوعد إذا وعد بالشر، إلا أنه استعمله فى الخير للازدواج والأمن عن الاشتباه بذكر.
الخير بعده. قال القارى: إن هذا التفصيل عند الإطلاق كما قال الشاعر:
وإنى وإن أوعدته أو وعدته
لخلف إيعادى ومنجز موعدى
وأما عند التقييد فالأولى أن يقال بالتجريد فيهما أو بأصل اللغة، واختيار الزيادة لاختيار المبالغة - انتهى. وقال الشاه
ولى الله الدهلوى: الحاصل أن صورة تأثير الملائكة فى نشأة الخواطر الأنس والرغبة فى الخير، وتأثير الشياطين فيها
الوحشة وقلق النفس والرغبة فى الشر (فمن وجد) أى فى نفسه أو أدرك وعرف (ذلك) أى لمة الملك على تأويل الإلمام
أو المذكور (فليعلم أنه من الله) أى منة جسيمة ونعمة عظيمة واصلة إليه ونازلة عليه إذ أمر الملك بأن يلهمه أو فليعلم
أنه مما يحبه الله ويرضاه (فليحمد الله) أى على هذه النعمة الجليلة حيث أهله لهداية الملك ودلالته على ذلك الخير
(ومن وجد الأخرى) أى لمة الشيطان، ولم يصرح به كراهة لتوالى ذكره على اللسان، أو استهجانا لذكره (فليتعوذ بالله
١٥٢
١
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
من الشيطان الرجيم ثم قرأ: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، رواه الترمذى وقال هذا
حديث غريب.
من الشيطان الرجيم) وليخالفه، وفيه إيماء إلى أن الكل من الله وإنما الشيطان عبد مسخر أعطى له التسليط على بعض
أفراد الإنسان كما قال الله تعالى: ﴿إِن عبادى ليس لك عليهم سلطان - ١٥: ٤٢) وإنما لم يقل هنا فليعلم أنه من اللّه تأدبا
معه إذ لا يضاف إليه إلا الخير (ثم قرأ) أى النبي ◌ُّم استشهادا (الشيطان يعدكم الفقر) أى يخوفكم به (ويأمركم
بالفحشاء) أى البخل والحرص وسائر المعاصى، والمعنى الشيطان يعدكم الفقر ليمنعكم عن الإنفاق فى وجوه الخيرات
ويخوفكم الحاجة لكم أو لأولادكم فى ثانى الحال سيما فى كبر السن وكثرة العيال، ويأمركم بالفحشاء أى المعاصى، وهذا
الوعد والأمرهما المرادان فى الحديث (رواه الترمذى) فى تفسير البقرة، وأخرجه أيضا النسائى فى التفسير ، وابن حبان
فى صحيحه ، وابن أبى حاتم ، كلهم من طريق هناد بن السرى عن أبي الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة الهمدانى عن
ابن مسعود. قال العزيزى: قال الشيخ حديث صحيح (وقال هذا حديث غريب) وفى النسخ الموجودة للترمذى عندنا.
هذا حديث حسن غريب وكذلك نقله الحافظ ابن كثير فى تفسيره والمناوى فى الفيض عن الترمذى، فلعل نسخ السنن
مختلفة ويعنى الترمذى بقوله غريب أنه تفرد أبو الأحوص سلام بن سليم برفعه فى روايته عن عطاء بن السائب عن مرة
الهمدانى عن ابن مسعود ، لكن قال الحافظ ابن كثير بعد نقل قول الترمذى ((لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث أبى
الأحوص»: کذا قال الترمذى و قد رواه أبو بكر بن مردويه فى تفسیره عن محمد بن أحمد عن محمد بن عبد الله بن
مسعود مرفوعا نحوه لكن رواه مسعر عن عطاء بن السائب عن أبى الأحوص عوف بن مالك بن فضلة عن ابن مسعود
فعله من قوله - انتهى. قال الألباني: وسند الحديث عندى ضعيف لأن فيه عطاء بن السائب وقد اختاط ـ انتهى.
وتعريف الغرابة وتفصيل أنواعها بالنظر إلى السند والمتن مذكور فى أصول الحديث. وقد استشكلوا اجتماع الغرابة
والحسن بأن الترمذى اعتبر فى الحسن تعدد الطرق كما صرح به فى كتاب العلل فكيف يكون غريبا؟ وأجيب بأن
اعتبار تعدد الطرق فى الحسن ليس على الإطلاق بل فى قسم منه، وحيث حكم باجتماع الحسن والغرابة المراد قسم آخر.
وقال بعضهم : أشار بذلك إلى اختلاف الطرق بأن جاء فى بعض الطرق غريبا وفى بعضها حسنا. وقيل حذف منه حرف
أو فيشك الترمذى ويتردد فى أنه غريب أو حسن لعدم معرفته جزما. وقيل المراد بالحسن ههنا ليس معناه الاصطلاحى
بل اللغوى بمعنى ما يميل إليه الطبع، وهذا القول بعيد جدا، قاله الشيخ عبد الحق الدهلوى فى مقدمة شرحه المشكاة .
وقال الحافظ فى شرح النخبة: الجواب (أى عن هذا الإشكال) أن الترمذى لم يعرف الحسن مطلقا ، وإنما عرف بنوع
غاص منه وقع فى كتابه ، وهو ما يقول فيه حسن من غير صفة أخرى، وذلك أنه يقول فى بعض الأحاديث حسن وفى
بعضها صحیح وفی بعضها غریب وفی بعضها حسن غریب وفی بعضها صحیح غریب وفى بعضها حسن صحيح غريب، وتعريفه إنما
١٥٣
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
٧٥ - (١٣) وعن أبى هريرة عن رسول اللّه مؤقّم قال: لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال
هذا خلق الله الخلق فن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا اللّه أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد،
ولم يكن له كفوا أحد، ثم ليتفل عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم،
وقع على الأول فقط وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال فى آخر کنابه: وما قلنا فى كتابنا حديث حسن إنما أردنا به حسن
إسناده عندنا إذ كل حدیث یروی لا یکون راويه متهما بكذب، ویروی من غيره جه نحو ذلك ولا یکون شاذا فهوعندنا
حديث حسن. فعرف بهذا أنه إنما عرف الذى يقول فيه حسن فقط، أما ما يقول فيه حسن صحيح أوحسن غريب أوحسن
صحيح غريب فلم يعرج على تعريف ما يقول فيه صحيح فقط أو غريب فقط ، وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته عند أهل
الفن واقتصر على تعريف ما يقول فى كتابه حسن فقط إما لغموضه وإما لأنه اصطلاح جديد ولذلك قيده بقوله عندنا
ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابى - انتهى. وقال شيخ الاسلام تقى الدين ابن تيمية فى فتوى له: الذين طعنوا
، على الترمذى لم يفهموا مراده فى كثير مما قاله فإن أهل الحديث قد يقولون هذا الحديث غريب أى من هذا الوجه، وقد
يصرحون بذلك فيقولون غريب من هذا الوجه فيكون الحديث عندهم صحيحا معروفا من طريق واحد ، فإذا روى من
٧٠ طريق آخر كان غريبا من ذلك الوجه وإن كان المتن صحيحا معروفا، فالترمذى إذا قال حسن غريب قد يعنى به أنه
غريب من ذلك الطريق لكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن - انتهى.
٧٥ - قوله (لا يزال الناس يتساءلون) أى لا ينقطعون عن سوال بعضهم بعضا فى أشياء (حتى يقال هذا خلق
الله الخلق فمن خلق الله) تقدم الكلام فيه، وقيل المراد بالتساؤل حكاية النفس وحديثها ووسوستها، وهذا هو الظاهر
من التفل والاستعاذة ويؤيد الأول قوله (فإذا قالوا ذلك فقولوا الله أحد) يعنى قولوا فى رد هذه المقالة أو الوسوسة
اللّه تعالى ليس مخلوقا بل هو أحد والأحد هو الذى لا ثانى له ولا مثل له فى الذات والصفة (الله الصمد لم يلد ولم يولد
ولم يكن له كفوا أحد) تقدم شرحه. قال الطبى: الصفات الثلاث منبهة على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مخلوقا،
أما أحد فمعناه الذى لا ثانى له ولا مثل فإذا جعل مخلوقا لم يكن أحدا على الإطلاق لأن خالقه أولى بالأحدية، والصعد
هو السيد الذى يرجع الناس فى أمورهم وحوائجهم إليه فيكون ذلك الخالق أولى منه، ولم يولد تصريح فى النفى ، ولم يلد
ولم يكن له كفوا أحد يناديان بأنه إذا لم يكن له كفو وهو المساوى والولد الذى هو دونه فى الإلاهية فأحرى بأن لا
يكون فوقه أحد - انتهى (ثم ليتفل) بسكون اللام الأولى وتكسر وبضم الفاء وتكسر أى ليبصق أحدكم أو هذا الرجل
يعنى الموسوس (عن يساره) كرامة لليمين وقيل الله الشيطانية عن يسار القلب والرحمانية عن يمينه (ثلاثا) أى ليلق
البزاق من الفم ثلاث مرات ، وهو عبارة عن كراهة الشئ والنفور عنه مراغمة للشيطان وتبعيدا له (وليستعذ بالله من
الشيطان الرجيم) الاستعاذة طلب المعونة من الله تعالى فى دفع الشيطان. وفى الحديث استحباب التعوذ من الشيطان.
١٥٤
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
رواه أبو داود، وسنذكر حديث عمرو بن الأحوص فى باب خطبة يوم النحر إن شاء الله تعالى.
وحر الفصل الثالث ):
٧٦ - (١٤) عن أنس قال قال رسول اللّه ◌َلقه: لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا
.
عند وسوسته مع النفل عن اليسار ثلاثا (رواه أبو داود) فى السنة، وأخرجه أيضا النسائى فى اليوم والليلة. قال
المنذرى: وفى سند الحديث سلمة بن الفضل قاضى الرى ولا يحتج به .
قوله (وسنذكر حديث عمرو بن الأحوص) أى المذكور هنا فى المصابيح وهو ألا لا يجنى جان إلا على نفسه، ألا
لا يجنى جان على ولد، ولا مولود على والده، ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد فى بلادكم هذه أبدا ، ولكن ستكون له
طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به.
٧٦ - قوله (لن يبرح الناس) بالموحدة والحاء المهملة أى لن يزالوا ولن ينقطعوا (يتساءلون) أى متسائلين ،
يسأل بعضهم بعضا أو تحدثهم أنفسهم بالوسوسة ، ويؤيد الأول رواية مسلم الآتية ، ويجرى بينهم السوال فى كل نوع
(حتى يقولوا) أى حتى أن يقولوا (هذا اللّه خلق كل شئى) وفى أصل الحافظ والعينى والقسطلانى «هذا الله خالق كل
شهى) قيل إنه يحتمل أن يكون (هذا)) مفعولا، والمعنى حتى يقولوا هذا القول، ويكون «الله خلق كل شئى الخ، تفسيرا لهذا
أو بدلا أو يانا ، وأن يكون مبتدأ حذف خبره أى هذا مسلم وهو أن الله خلق كل شئى، وهو شئى، وكل شئى مخلوق ،
فمن خلقه؟ ويحتمل أن يكون ((هذا اللّه) مبتدأ وخبرا، و((خلق كل شئ) استئناف أو حال وقد مقدرة، والعامل معنى
اسم الإشارة، ويحتمل أن يكون هذا مبتدأ واللّه عطف بيان، وخلق كل شئى خبره (فمن خلق الله) قاسوا القديم على
الحادث فإنه يحتاج إلى محدث ويتسلسل إلى أن ينتهى إلى خالق قديم واجب الوجود لذاته، وفى الحديث إشارة إلى
ذم كثرة السوال لأنها تفضى إلى المحذور كالسوال المذكور فإنه لا ينشأ إلا عن جهل مفرط (رواه البخارى) أى فى
الاعتصام من طريق شبابة عن ورقاء عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أنس ، قال العينى: الحديث من إفراد البخارى من
هذا الوجه (ولمسلم) أى فى الايمان من طريق محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس (قال) أى التى مد ◌َّ
(قال الله عز وجل) فيكون من الأحاديث الربانية أى القدسية (إن أمتك) أى أمة الدعوة أو بعض أمة الإجابة
بطريق الجهالة والوسوسة (لا يزالون يقولون) أى بعضهم لبعض أو فى خواطرهم من غير اختيار، والأول هو الظاهر
(ما كذا ما كذا) كناية عن كثرة السوال وقيل وقال أى ما شأنه ومن خلقه (حتى يقولوا) أى حتى يتجاوزوا الحد
١٥٥
٠
مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
هذا اللّه خلق كل شئ، فمن خلق الله عز وجل؟ رواه البخارى، ولمسلم قال قال الله عز وجل: إن
أمتك لا يزالون يقولون ما كذا ماكذا حتى يقولوا هذا اللّه خلق الخلق، فمن خلق الله عز وجل؟
٧٧ - (١٥) وعن عثمان بن أبي العاص قال قلت: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بينى وبين
صلانى وبين قراءتى يلبسها على. فقال رسول اللّه ◌ُ له: ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا
أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثا، ففعلت ذلك فأذهبه الله عنى، رواه مسلم.
٧٨ - (١٦) وعن القاسم بن محمد أن رجلا سأله فقال:
ويفتهوا إلى أن يقولوا (هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله عز وجل) والمقصود من الحديث إعلامه تعالى لنبيه معرؤية بما
سيقع من أمته ليحذرهم منه .
٧٧ - قوله (وعن عثمان بن أبي العاص) هو أبو عبد الله عثمان بن أبي العاص الثقفى الطائفى نزيل البصرة الصحابى
الشهير، أسلم فى وفد ثقيف فاستعمله النبي ◌َ ◌ّم على الطائف وأقره أبو بكر ثم عمر ، ثم استعمله عمر على عمان وبحرين سنة
خمس عشرة ثم سكن البصرة حتى مات بها فى خلافة معاوية، قيل سنة (٥٥) وقيل سنة (٥١). وكان هو الذى منع ثقيفا
عن الردة خطبهم فقال: كنتم آخر الناس إسلاما فلا تكونوا أولهم ارتدادا. له تسعة وعشرون حديثا ، انفرد له مسلم
بثلاثة، روى عنه جماعة من التابعين (إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتى وبين قراءتى) أى نكدنى فيها ومنعنى لذتها
والفراغ للخشوع فيها بالوساوس الذميمة والخطرات الرديئة (يلبسها على) بالتشديد البالغة. قال القارى: وفى نسخة
صحيحة ظاهرة بفتح أوله وكسر ثالثه أى يخلطها ويشككنى فيها أى فى كل واحدة من الصلاة والقراءة، والجملة بيان لقوله
حال وما يتصل به (ذاك شيطان) أى الملبس أى خاص من الشياطين لا رئيسهم (يقال له خنزب) بخاء معجمة مكسورة ثم
نون ساكنة ثم زاى مكسورة ومفتوحة كذا فى النسخ المصححة، وهو من الأوزان الرباعية كزبرج ودرهم ، ويقال أيضا
بفتح الخاء والزاى حكاه القاضى عياض، ونظيره جعفر، ويقال أيضا بضم الخاء وفتح الزاى حكاه ابن الأثير فى النهاية وهو
غريب ، وهو فى اللغة الجرى على الفجور على ما يفهم من القاموس (واتفل) بضم الفاء ويكسر (على يسارك) أى عن
يسارك، إشارة إلى كراهة الوسوسة والتفر عنها (ثلاثا) أى ثلاث مرات لزيادة المبالغة فى التنفر والتباعد (ففعلت ذلك)
أى ما ذكر من التعوذ والتفل (فأذهبه الله) أى الوسواس. وفى الحديث أن التفل فى الصلاة للضرورة لا يفسدها. وفى
الباب أحاديث أخرى (رواه مسلم) فى الطب، وأخرجه أيضا أحمد فى مسنده (ج ٤: ص ٢١٦).
٧٨ - قوله (عن القاسم بن محمد) أى ابن أبى بكر الصديق التيمى أبى محمد المدنى أحد الفقهاء السبعة المشهورين
بالمدينة من أكابر التابعين، وكان أفضل أهل زمانه. قال أيوب: ما رأيت أفضل منه. وقال يحيى بن سعيد:
١٥٦
١
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
إنى أهم فى صلاتى فيكثر ذلك على. فقال له: أمض فى صلاتك فإنه لن يذهب ذلك عنك حتى
تنصرف وأنت تقول ما أتممت صلاتى ، رواه مالك.
ما أدركنا أحدا بالمدينة نفضله على القاسم بن محمد. روى عن جماعة من الصحابة منهم عائشة ومعاوية وأبو هريرة وابن
عباس وابن عمر ، وعنه خلق كثير. قال ابن المدينى: له مائتا حديث. مات سنة ست ومائة وقيل غير ذلك
(إنى أهم فى صلاتى) بكسر الهاء وتخفيف الميم، يقال وهمت فى الشئى بالفتح أهم وهما إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد
غيره ، ويقال وهمت فى الحساب أوهم وهما إذا غلطت فيه وسهوت (فيكثر) بالمثلثة معلوما ومجهولا من الكثرة أى
يقع كثيرا، وروى ((يكبر)) بالموحدة المضمومة أى يعظم (ذلك) أى الوهم (على) بتشديد الياء (أمض فى صلاتك) أى
لا تلتفت إلى هذا الوهم ولا تعمل به ولا تقطع صلاتك (فإنه لن يذهب ذلك عنك) الضمير للشأن ، والجملة تفسير له،
وذلك إشارة للوهم المعنى به الوسوسة ، والمعنى لا يذهب عنك تلك الخطرات الشيطانية (حتى تنصرف) أى تفرغ من
الصلاة وأنت تقول للوسواس أى الشيطان صدقت (ما أتممت صلاتى) لكن لا أقبل قولك ولا أتمها إرغاما لك
ونقضا لما أردته منى، وهذا أصل عظيم لدفع الوساوس وقمع هواجس الشيطان فى سائر الطاعات بأن لا يلتفت إليها
أصلا ، ومعنى الأثر أن من يكثر عليه السهو فى صلاته ويغلب على ظنه أنه قد أتمها لكن الشيطان يوسوس له فيبنى على
ظنه. وقال الباجى: هذا القول من القاسم للذى يستنكحه الوهم والسهو أى يغلبه ولا ينفك عنه فلا يكاد يثبت له يقين -
انتهى (رواه مالك) فى باب العمل فى السهو من موطأه ففيه عن مالك أنه بلغه أن رجلا سأل القاسم بن محمد فقال إنى
أهم إلخ فالأثر من بلاغات مالك. قال القارى عن سفيان: إذا قال مالك بلغنى فهو إسناد قوى. وحكى ابن فرجون
عن أبى داود أنه قال: مراسيل مالك أصح من مراسيل سعيد بن المسيب ومن مراسيل الحسن. ومالك أصح الناس
مرسلا. وصنف ابن عبد البر كتابا فى وصل ما فى المؤطا من المرسل والمنقطع والمعضل، قال: وجميع ما فيه من قوله
(بلغنى)) ومن قوله ((عن الثقة عنده)) مما لم يسنده أحد وستون حديثا، كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث
ثم ذكرها. قال السيوطى فى التدريب (٧٣): قيل إن قول الراوى (بلغنى، كقول مالك فى المؤطا بلغنى عن أبى هريرة
أن رسول الله موفّ قال الملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل إلا ما يطبق، يسمى معضلا عند أصحاب
الحديث، نقله ابن الصلاح عن الحافظ أبي نصر السجزى. قال العراقى: وقد استشكل لجواز أن يكون الساقط
واحدا، فقد سمع مالكٍ عن جماعة من أصحاب أبى هريرة كسعيد المقبرى ونعيم المجمر ومحمد بن المنكدر. والجواب
أن مالكا وصله خارج المؤطا عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة فعرفنا بذلك سقوط إثنين منه. قال السيوطى :
بل ذکر النسائى فى التمییز أن محمد بن عجلان لم يسمعه من أیہ بل رواه عن بکیر عن عجلان - انتهى .
١٥٧
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الايمان بالقدر
(٣) باب الإيمان بالقدر
(باب الإيمان بالقدر) هذا نوع تخصيص بعد تعميم ، أو ذكر جزئى بعد الكلى اهتماما لما وقع فيه من الاختلاف
الناشئى عن التحير فى هذا الأمر. والقدر بفتختين وهو المشهور، وقد تسكن داله. قال الراغب : القدر بوضعه يدل
على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم يتضمن الارادة عقلا والقول نقلا ، وحاصله وجود شئ فى وقت وعلى حال
بوفق العلم والإرادة والقول. وقدر الله الشئى بالتشديد قضاه، ويجوز بالتخفيف. وقال الجزرى: القدر ما قضاه
الله وحكم به من الأمور. وقال فى القاموس: القدر محركة القضاء والحكم - انتهى. وهذا يدل على أن القدر والقضاء
بمعنى واحد ، وقد يفرق بينهما فقيل القضاء الحكم بالكليات على سبيل الإجمال فى الأزل، والقدر الحكم بوقوع الجزئيات
التى لتلك الكليات على سبيل التفصيل فيما لا يزال. قال تعالى: { وإن من شئى إلا عندنا خزائنه، وما ننزل إلا
بقدر معلوم - ١٥: ٢١) وقيل القضاء الارادة الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك
الإرادة بالأشياء فى أوقاتها، وعلى هذا يكون القضاء سابقا على القدر. قال تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده
أم الكتاب - ١٣: ٣٩)﴾ فالمحو والإثبات عبارة عن القدر، وفى قوله تعالى ((وعنده أم الكتاب)) إشارة إلى القضاء،
وارجع لتوضيح الآية إلى حاشية الجلالين للشيخ سليمان الجمل ، فإنه أطال الكلام فيها وأجاد . وقال بعضهم : القدر هو
التقدير، والقضاء هو الخلق بوفق التقدير نحو: ﴿ فقضاً هن سبع سموات)) أى خلقهن، فيكون القدر سابقا على القضاء،
وعلى هذا المعنى جف القلم بما هو كائن عبارة عن التقدير. وفى قوله تعالى: ﴿ كل يوم هو فى شأن - ٥٥: ٢٩)﴾ إشارة
إلى القضاء. وقيل القضاء أخص من القدر لأنه الفصل من التقدير، والقدر هو التقدير والقضاء هو الفصل والقطع.
وذكر بعضهم أن القدر بمنزلة المعد للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل. وفى قول عمر لأبى عبيدة ((أفر من قضاء الله إلى
قدر الله)) تنبيه على أن القدر مالم يكن قضاء فرجو أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا مدفع له ، ويشهد لذلك قوله تعالى:
﴿ وكان أمرا مقضيا - ١٩: ٢١)﴾ (وكان على ربك حتما مقضيا - ١٩: ٧١ ) تنبيها على أنه صار بحيث لا يمكن
تلافيه. وقال الغزالى فى المقصد الأسنى فى شرح الأسماء الحسنى: ههنا ثلاثة أشياء، الحكم والقضاء والقدر، ثم بين
الفرق بينها بالتفصيل، فارجع إليه. والإيمان بالقدر هو أن يعتقد أن كل ما يوجد فى العالم من الخير والشر والضر
والنفع حتى إن أفعال العباد من الإيمان والكفر والطاعة والعصيان والغواية والرشد بقضاء الله وقدره وإرادته
ومشيئته وخلقه وتأثيره، غير أنه يرضى الايمان والطاعة و وعد عليهما الثواب ، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد
عليهما العقاب. قال أهل السنة: إن الله تعالى قدر الأشياء أى علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها
ما سبق فى علمه ، فلا محدث فى العالم العلوى والسفلى إلا وهو صادر عن علمه وقدرته وإرادته دون خاتمه ، وإن الخاقى:
ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة وإن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله وبقدرة الله وإلهامه."
١٥٨
مرعاة المفاتيح ج١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
الفصل الأول )
٧٩ - (١) عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول اللّه مَله: كتب اللّه مقادير الخلائق قبل أن
يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، قال وكان عرشه على الماء ، رواه مسلم.
٨٠ - (٢) وعن ابن عمر قال قال رسول اللّه مؤ لّر: كل شى بقدر حتى العجز والكيس،
لا إله إلا هو ولا خالق غيره كما نص عليه القرآن والسنة وقال ابن السمعانى: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من
الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل ، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه فى بحار الحيرة ، ولم يبلغ شفاء ولا ما
يطمئن به القلب لأن القدر سر من أسرار الله، اختص العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق
ومعارفهم لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب. قيل إن القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ، ولا
ينكشف قبل دخولها ، وارجع إلى كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، وخلق أفعال العباد للإمام البخارى ، ومدارج
السالكين للإمام ابن القيم ، وشرح الاحياء للعلامة الزبيدى، والجزء السادس من طبقات الشافعية الكبرى للعلامة
السبكى، وحجة اللّه للشيخ ولى الله الدهلوى وغيرها من الكتب الكلامية.
٧٩ - قوله ( كتب الله مقادير الخلائق) جمع مقدار، وهو الشئ الذى يعرف به قدر الشئى وكميته كالمكيال
والميزان، وقد يستعمل بمعنى القدر نفسه، وهو الكمية والكيفية أى أمر الله القلم أن يثبت فى اللوح المحفوظ ما سيوجد من
الخلائق ذاتا وصفة وفعلا وخيرا وشرا على ما تعلقت به إرادته الأزلية. قال النووى: قال العلماء المراد تحديد وقت الكتابة
فى اللوح المحفوظ أو غيره لا أصل التقدير فإن ذلك أزلى لا أول له - انتهى (قال) أى النبى مَّ (وعرشه على الماء)
وفى بعض النسخ وكان عرشه على الماء، أى بزيادة لفظ ((كان)) وكذا فى المصابيح، ووقع فى صحيح مسلم وعرشه على
الماء بغير لفظ كان ، وذكر الحافظ حديث عبد الله هذا نقلا عن مسلم بلفظ «وكان عرشه على الماء، فليحرر، والمعنى كان
عرشه قبل أن يخلق السموات والأرض على وجه الماء، وفيه إشارة إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم ، لكونهما
خلقا قبل خلق السماوات والأرض ، وقد روى أحمد والترمذى وصححه من حديث أبى رزين العقيلى مرفوعا: أن الماء
خلق قبل العرش. وروى السدى فى تفسيره بأسانيد متعددة: أن الله لم يخلق شيئا ما خلق قبل الماء. وأما حديث:
أول ما خلق الله القلم. فسيأتى الكلام عليه فى الفصل الثانى من هذا الباب (رواه مسلم) وأخرج أحمد والترمذى أول
الحديث أى بدون قوله وعرشة على الماء.
٨٠ - قوله (كل شئى بقدر) بفتح الدال أى كل شئ لا يقع فى الوجود إلا وقد سبق به علم الله ومشيئته
وتقديره (حتى العجز والكيس) بفتح الكاف روى برفعهما عطفا على ((كل، أو على أنه مبتدأ حذف خبره أى حتى العجز
١٥٩
مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٣ - باب الإيمان بالقدر
رواه مسلم.
٨١ - (٣) وعن أبى هريرة قال قال رسول اللّه مَ تّى: احتج آدم وموسى عند ربهما فج آدم
موسى ، قال موسى : أنت آدم الذى خلقك اللّه بيده، ونفخ فيك من روحه ،
والكيس كذلك أى كائنان بتقدير الله تعالى، وبحرهما عطفا على ((شئى). قيل والأوجه أن يكون حتى هنا جارة بمعنى
إلى لأن معنى الحديث يقتضى الغاية لأنه أراد بذلك أن اكتساب العباد وأفعالهم وإن كانت معلومة لهم ومرادة منهم
فلا تقع مع ذلك منهم إلا بمشيئة الله تعالى، فكلها بتقدير خالقهم حتى الكيس الذى يتوسل صاحبه به إلى البغية، والعجز
الذى يتأخر به عنها. قال عياض: يحتمل أن العجز «هنا على ظاهره، وهو عدم القدرة. وقيل هو ترك ما يجب فعله
والتسويف به وتأخيره عن وقته. قال ويحتمل العجز عن الطاعات، ويحتمل العموم فى أمور الدنيا والآخرة.
والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور، ومعناه أن العاجز قد قدر جزه، والكيس قد قدر كيسه ـ انتهى.
وفى الحديث إثبات للقدر، وأنه عام فى كل شى، وأن جميع ذلك مقدر فى الأزل معلوم لله تعالى مراد له (رواه مسلم)
فى القدر، وأخرجه أيضا مالك وأحمد (ج ٢: ص ١١٠) والبخارى فى خلق أفعال العباد.
٨١ - قوله (احتج آدم وموسى) أى تحاجا وتناظرا (عند ربهما) هذه العندية عندية اختصاص وتشريف، لا
عندية مكان فيحتمل وقوع ذلك فى كل من الدارين الدنيا والآخرة ، فقد اختلف فى وقت هذه المحاجة ، فقيل وقعت
فى زمان موسی فأحی الله له آدم معجزة له فكلمه أو کشف له عن قبره فتحدثا أو أراه الله روحه كما أرى النبى منبّم
ليلة المعراج أرواح الأنبياء أو أراه الله له فى المنام ورؤيا الأنبياء وحى. وقيل كانت تلك الحاجة بعد وفاة موسى
فالقيا فى البرزخ أول ما مات موسى فالتقت أرواحهما فى السماء، وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسى (لحمج آدم موسى)
أى غلب عليه بالحجة بأن ألزمه أن جملة ما صدر عنه لم يكن هو مستقلا بها متمكنا من تركها بل كان أمرا مقضيا، ومه.
كان كذلك لا يحسن اللوم عليه عقلا، وأما اللوم شرا فكان منفيا بالضرورة إذ ما شرع لموسى أن يلوم آدم فى تلك
الحال ، وأيضا هو فى عالم البرزخ وهو غير عالم التكليف ولا يتوجه فيه اللوم شرعا ، وأيضا لا لوم على تائب معفو عنه
(قال موسى) الخ جملة مبينة لمعنى لحج آدم وموسى ومفسرة للجملة، وقوله فى آخر الحديث (لحج آدم موسى، فذلكة
للتفصيل تقريرا وتثيتا الأنفس على توطين هذا الاعتقاد، ويحتمل أن يقال أن قوله ((لحج)) أولا تحرير للدعوى، وثانيا
إثبات لها ، فإلغاء فى الأولى للعطف، وفى الثانى للنتيجة، وهما متغايران فى المعنى (أنت آدم) استفهام تقرير (خلقك الله
بيده) هى محمولة على ظاهرها فنؤمن بها من غير تكيف وتشبيه وتعطيل ولا نتعرض لتأويلها مع اعتقاد أن الجارحة
غير مرادة (ونفخ فيك) خصه بالذكر إكراما وتشريفا له، وأنه خلق إبداعا من غير واسطة أب وأم (من روحه) من
زائدة على رأى، والنفخ بمعنى الخاق ، والإضافة للتشريف أى خاق فيك الروح أو نفخ فيك من الروح الذى هو مخلوق
١٦٠