النص المفهرس

صفحات 121-140

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
١٠ - باب الكبائر وعلامات النفاق
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
ز الفصل الأول
٤٩ - (١) عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال قال رجل: يا رسول اللّه أى الذنب
(باب الكبائر) جمع كبيرة، أعلم أنه ذهب الجمهور من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى أن من الذنوب
كبائر ومنها صغائر، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب كقوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه تكفر عنكم
سيئاتكم - ٣١:٤) وقوله تعالى: ﴿ والذين يحتنبون كبائر الإثم والفواحش لا اللهم -٣٢:٥٣° وغير ذلك من الآيات،
والسنة الصحيحة كالأحاديث التى دلت على انقسام المعاصى إلى ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة
أو الوضوء أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء أو فعل الحسنة أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة الثابتة، وإلى
ما لا يكفره ذلك كما ثبت فى الصحيح: ما لم يغش كبيرة. وشذت طائفة فقالت: ليس فى الذنوب صغيرة . بل كل ما
نهى الله عنه كبيرة. ثم اختلف الجمهور فى ضبط الكبيرة اختلافا كثيرا، فقيل كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة
أو عذاب، روى ذلك عن ابن عباس. وقيل ما وجبت فيه الحدود فى الدنيا أو توجه إليها الوعيد بالنار فى الآخرة ،
ومراد قائله: ضبط ما لم يرد فيه نص بكونه كبيرة. وقيل الأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعارا دون
الكبائر المنصوص عليها. والراجح أن كل ذنب نص على كبره أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب فى الآخرة أو ختم
بالغضب أو اللعنة أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه أو وصف فاعلها بالفسق فهو كبيرة. وذهب جماعة إلى أن
الذنوب التى لم ينص على كونها كبيرة مع كونها كبيرة لا ضابط لها. قال الواحدى: ما لم ينص الشارع على كونه
كبيرة فالحكمة فى إخفاءه أن يمتنع العبد من الوقوع فيه خشية أن يكون كبيرة كاإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة والاسم
الأعظم. هذا، وارجع للتفصيل إلى شرح مسلم للنووى فى باب الكبائر من كتاب الايمان، والفتح (ج ٥: ص ٥٢٦)
فى شرح باب عقوق الوالدين من الكبائر من أبواب الأدب ، وفى شرح باب رمى المحصنات من كتاب المحاربين
(ج ): ص ٣٨٣) والزواجر الهيتمى، والاحياء للغزالى (وعلامات النفاق) تخصيص بعد تعميم .
٤٩ - قوله (عن عبد الله بن مسعود) بن غافل بن حبيب الهذلى، يكنى أبا عبد الرحمن، أسلم قديما فى أول
الاستلام قبل دخول النبى موجه دار الأرقم وقبل عمر بزمان، وقيل كان سادسا فى الإسلام ثم ضمه إليه رسول الله
ج فكان من خواصه، وكان يعرف فى الصحابة بصاحب النعلين والسواك والسواد والطهور، هاجر الهجرتين وشهد
بدرا والمشاهد كلها، وصح عنه أنه قال: أخذت من فى رسول مَّم سبعين سورة. وكان يشبه بالنبى مؤتم فى سمته
ودله وهديه، وشهد له رسول اللّه ◌َوِّ بالجنة فيما ذكر فى حديث العشرة بإسناد حسن جيد. كان من كبار العلماء من
الصحابة، شهد فتوح الشام وولى القضاء بالكونة وبيت ما لها لعمر وصدرا من خلافة عثمان، ثم صار إلى المدينة فمات بها
١٢١

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله ندا وهو خلقك. قال: ثم أى؟ قال: أن تقتل ولدك خشية
أن يطعم معك. قال : ثم أى؟ قال : أن تزانى حليلة جارك.
سنة (٣٢) ودفن بالبقيع. وله بضع وستون سنة. مناقبه وفضائله كثيرة جدا، بسط ترجمته الحافظ فى الإصابة
(ج ٢: ص٣٦٨، ٣٧٠) وابن عبد البرفى الاستيعاب. روى ثمان مائة حديث وثمانية وأربعين حديثا، اتفقا على أربعة
وستين ، وانفرد البخارى بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين. روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين.
(أى الذنب أكبر) وفى رواية أعظم (أن تدعو) أى تجعل كما فى رواية وكقوله تعالى: ﴿ لا تجعلوا لله أندادا وأنتم
تعلون - ٢: ٢٢﴾ (ندا) بكسر النون أى شريكا ونظيرا، والند فى اللغة: المثل المناوى أى المائل المخالف المضاد
المعادى، من ند ندودا إذا نفر، وناددت الرجل أى خالفته، خص بالمخالف فى الأفعال والأحكام المائل فى الذات
والصفات كما خص المساوى للمائل فى القدر والشكل فيما يشارك فى القدر والمساحة ، والشبه فيما يشارك فى الكيفية ،
والمثل عام فى جميع ذلك، والضد أحد المتقابلين لا يمكن اجتماعهما (وهو خلقك) أى وغيره لا يستطيع خلق شئ،
فوجود الخلق يدل على الخالق، واستقامة الخلق تدل على توحيده إذ لو كان المدبر إثنين لم يكن على الاستقامة. والجملة
حال من اللّه أو من فاعل ((أن تدعو)) أى والحال أنه انفرد بخلقك ولم يخلقك غيره، ولم يقدر على أن يدفع السوء والمكاره منك
غيره بل لله عليك الانعام بما لا تقدر على عده. وفى الخطاب إشارة إلى أن الشرك من العالم بحقيقة التوحيد أقبح منه من
غيره (قال ثم أى) استفهام بالتنوين بدل من المضاف إليه لكن يحذف التنوين وقفا بمعنى: أى شئى من الذنوب أكبر
بعد الشرك، فثم لتراخى الرتبة (أن تقتل ولدك) أى الذى هو أحب الأشياء عند الإنسان عادة، ثم الحامل على قتله خوف
أن يأكل معك، وهو فى نفسه من أخس الأشياء، فإذا قارن القتل سيما قتل الولد سيما من العالم بحقيقة الأمر كما يدل عليه
الخطاب زاد قبحا على قبح (خشية) منصوب على أنه مفعول له (أن يطعم) بنصب أوله (معك) بخلا مع الوجدان أو إيثارا
لنفسه عليه عند الفقد ، ولا اعتبار بمفهومه لأنه خرج مخرج الغالب لأنهم كانوا يقتلونهم لأجل ذلك ، وهو معنى قوله :
﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق - ١٧: ٣١﴾ أى فقر (أن تزانى حليلة جارك) الحليلة بالحاء المهملة، وهى زوجته
من حل يحل بالكسر، لأنها تحل له ، فهى فعيلة بمعنى فاعلة، أو من حل يحل بالضم حلولا لأنها تحل معه فى فراش واحد.
قال النووى: ومعنى («تزانى)) أى تزنى بها برضاها، وذلك يتضمن الزنا وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزانى،
وذلك أخش ، وهو مع امرأة الجار أشد قبحا وأعظم جرما لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه ، ویأمن
بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه ، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منهما
على وجه لا يتمكن غيره منه كان فى غاية من القبح - انتهى. والحاصل أن هذه الذنوب أى الإشراك بالله والقتل
١٢٢

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
١- كتاب الايمان
فأنزل الله تصديقها: ﴿ والذين لا يدعون مع اللّه إلها آخرٍ، ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا
بالحق ، ولا يزنون - الآية) متفق عليه.
٥٠ - (٢) وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول اللّه مريم: الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق
الوالدين ،
والزنا فى ذاتها قبائح أى قبائح، وقد قارنها من الأحوال ما جعلها فى القبح بحيث لا يحيطها الوصف. وقال القارى:
حاصل القيود من الند والولد والجار كمال تقبيح هذه الأصناف من هذه الأنواع لا أنها قيود احترازية (فأنزل الله
قصديقها) أى تصديق هذه المسئلة أو الأحكام ، ونصبه على أنه مفعول له أى أنزل الله هذه الآية تصديقا لها
(والذين لا يدعون مع اللّه إلها آخر) هذا من جملة الأخبار عن المبتدأ المتقدم وهو ((عباد الرحمن)) (ولا يقتلون النفس
التى حرم الله) أى قتلها (إلا بالحق) كالرجم والردة والقصاص، والمعنى: لا يقتلون نفس غير الحربى بوجه من الوجوه
إلا بالحق فهو استثناء مفرغ (الآية) وهى بتمامها فى سورة الفرقان. فإن قلت: القتل والزنا فى الآية مطلقان، وفى
الحديث مقيدان. قلت: لأنهما بالقيد أعظم وأخش، ولا مانع من الاستدلال لذلك بالآية. وقال القارى: فى كون
هذه الآية مصدقة للحديث دليل واضح لما تقدم من أن المقصود من الحديث إنما هو بيان مطلق الزنا والقتل وأن ذكر
الولد والخشية وحليلة الجار ليان زيادة الفحش والتشنيع والتفضيح أو رعاية لحال السائل لا للتقيد وإلا لم تكن الآية
الدالة على أكبرية القتل والزنا لا بقيد مطابقة للحديث حتى تصدقه، بل كان الحديث مقيدا لها. والحديث أخرجه
البخارى فى تفسير سورة البقرة والفرقان وفى الأدب وفى المحاربة وفى التوحيد ، ومسلم فى الايمان ، والترمذى فى تفسير
سورة الفرقان ، والنسائى فى المحاربة. واعلم أنه لم يقع فى كثير من النسخ المطبوعة فى الهند، وفى النسخة التي طبعت
على حاشية المرقاة عزو الحديث لأحد من مخرجيه من أئمة الحديث. والظاهر أنه سقط لفظ ((متفق عليه) من تلك النسخ
أو لم يكن موجودا فى أصولها ، والصواب وجود هذه اللفظة لوقوعها فى النسخ المخطوطة التى ذكرها الشيخ أبو بكر زهير
شاويش فى مقدمته ، ولما أنها ضبطها القارى فى شرحه المشكاة ، وكانت عنده عدة نسخ مصححة مقروة مسموعة معتمدة ،
أخذ من مجموعها أصلا وصححه منها وضبطه فى شرحه على ما ذكره فى أول الشرح.
٥٠ - قوله (الكبائر) المراد به أكبر الكبائر لما فى رواية عند أحمد: من أكبر الكبائر، ولحديث عبد الله بن
أنيس عند الترمذى بسند حسن مرفوعا قال: من أكبر الكبائر فذكر منها اليمين الغموس، ولحديث ابن مسعود المتقدم
فإنه جعل فيه الشرك بالله أكبر الذنوب، ولحديث أنس عند البخارى فى الديات وفيه: أكبر الكبائر - الحديث.
(الإشراك بالله) أى اتخاذ إله غير الله، المراد به مطلق الكفر، وتخصيص الشرك بالذكر لغلبته فى الوجود لا سيما فى
بلاد العرب، فذكر تنبيها على غيره من أصناف الكفر (وعقوق الوالدين) بضم العين المهملة أى عصيان أمر هما وترك
١٢٣

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
١- كتاب الايمان
وقتل النفس ، واليمين الغموس ، رواه البخارى.
٥١- (٣) وفى رواية أنس ((وشهادة الزور)) بدل اليمين الغموس. متفق عليه.
٥٢ - (٤) وعن أبى هريرة قال قال رسول اللّه ◌َمّ: اجتنبوا السبع الموبقات.
خدمتهما ، مشتق من العق وهو الشق والقطع، والمراد به : صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلا فى
الشرك أو مغصية ما لم يتعنت الوالد. وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما فى المباحات فعلا وتركا ، واستحبابها فى
المندوبات وفروض الكفاية كذلك، ومنه تقديمهما عند تعارض الأمرين. ثم اقترانه بالإشراك لما بينهما من المناسبة
إذ فى كل قطع حقوق السبب فى الايجاد والإمداد وإن كان ذلك لله حقيقة وللوالدين صورة، ونظيره قوله تعالى:
﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا - ٤: ٣٦)} وقوله : . أن اشكرلى ولوالديك - ٣١: ١٤°)
(وقتل النفس) أى بغير حق (واليمين الغموس) أى الكاذبة بفتح الغين المعجمة وضم الميم الخفيفة، وهو الحلف على
ماض متعمدا للكذب بأن يقول: والله ما فعلت كذا أو فعلت كذا، وهو يعلم أنه ما فعله، أو أنه فعله أو أن يحلف
كاذبا متعمدا ليذهب مال غيره، سمى غموسا لأنه يغمس أى يدخل صاحبه فى الاثم ثم فى النار. وقيل فى الكفارة بناء
على مذهب الشافعية (رواه البخارى) فى الأيمان والنذور وفى الديات وفى استتابة المعاندين والمرتدين ، وأخرجه أيضا
أحمد ، والترمذى فى التفسير ، والنسائى فى المحاربة .
٥١ - قوله (وفى رواية أنس) خبر مقدم، والمبتدأ قوله (وشهادة الزور) بضم الزاى أى الكذب، وسمى
زورا لميلانه عن جهة الحق. قال الحافظ: ضابط الزور وصف الشئى على خلاف ما هو به ، وقد يضاف إلى القول
فيشمل الكذب والباطل ، وقد يضاف إلى الشهادة فيختص بها، وقد يضاف إلى الفعل ومنه ((لابس ثوبى زور))، ومنه
تسمية الشعر الموصول زورا (بدل اليمين الغموس) منصوب على الظرفية ، وعامله معنى الفعل الذى فى وفى رواية أنس،
(واليمين)) بالرفع حكاية. وبالجر عملا بالإضافة. قيل: ولعل اختلاف أنس لابن عمرو لاختلاف المجلس، أو
نسيان كل منهما، والله أعلم (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الشهادات والأدب والديات، ومسلم فى الايمان ،
وأخرجه أيضا الترمذى ، والنسائى.
٥٢ - قوله (اجتنبوا السبع) أى احذروا فعلها وابعدوا عنها (الموبقات) بموحدة مكسورة وقاف، أى . .
المهلكات جمع موبقة ، سميت بذلك لأنها سبب لإ هلاك مرتكبها فى الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات وفى الآخرة من
العذاب ، والمراد بها الكبائر. كما ثبت فى روايات وأحاديث أخرى، ذكرها الحافظ فى شرح باب رمى المحصنات ، وفى
أواخر المحاربين. والتنصيص على عدد لا ينفى غيره وإلا فهى إلى السبعين أقرب ، روى ذلك عن ابن عباس، وهو
محمول على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع. وقيل فى الجواب عن الحكمة فى الاقتصار على سبع أنه علم أو لا
١٢٤
C

مرعاة المفاتيح ج ١
٠ ١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
١- كتاب الايمان
قالوا: يا رسول اللّه وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق.
وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ، والتولى يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ،
متفق عليه .
٥٣ - (٥) وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن.
بالمذكورات ثم علم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة إلى السائل أو من
وقعت له واقعة، ونحو ذلك (الشرك بالله) أى جعل أحد شريكا لله تعالى. قال المناوى: أكبر الكبائرو أعظمها: الشرك
ثم القتل ظلما، وما عدا ذلك يحتمل أنه فى مرتبة واحدة فإن الواو لا تقتضى الترتيب، ويقال فى كل واحدة أنها من
أكبر الكبائر - انتهى بزيادة يسيرة (والسحر) بكسر السين وسكون الحاء المهملتين، وهو أمر خارق للعادة صادر عن
نفس شريرة، والذى عليه الجمهور أن له حقيقة تؤثر بحيث تغير المزاج. قال النووي: عمل السحر حرام ومنه ما يكون
كفرا ومنه ما لا يكون كفرا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضى الكفر فهو كفر وإلا فلا ، وأما تعلمه
وتعليمه حرام، وفى حكم السحر ومتعلقاته اختلاف كثير وتفاصيل ومباحث ارجع لها إلى تفسير الفخر الرازى، وأحكام القرآن
للجصاص الرازى ، والفتح للحافظ (إلا بالحق) أى بفعل موجب للقتل شرعا (وأكل الربا) أى تناوله بأى وجه كان
(وأكل مال اليتيم) أى بغير حق (والتولى) بكسر اللام أى الإدبار للفرار (يوم الزحف) أى يوم القتال فى الجهاد ،
و(الزحف) بفتح الزاى وسكون الحاء اسم للجماعة التى يزحفون إلى العدو أى يمشون إليهم بمشقة، من زحف الصبى
إذا دب على إسته. وقيل: سمى به لكثرته وثقل حركته كأنه يزحف. وقيل إسم لجيش الكفار سموا بذلك لكثرة
زحفهم على المسلمين، وسموا بالمصدر البالغة. وإنما يكون التولى كبيرة إذا لم يزد عدد الكفار على مثلى المسلمين إلا
متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة (وقذف المحصنات) أى الحرائر العفيفات، يعنّى رميهن بالزنا، جمع محصنة بفتح الصاد
أى التى أحصنها الله من الزنا، وبكسر الصاد أى التى حفظت فرجها من الزنا (المؤمنات) احتراز عن قذف الكافرات.
فإن قذفهن ليس من الكبائر ، فإن كانت ذمية فقذفها من الصغائر ولا يوجب الحد، وفى قذف الأمة المسلمة التعزير
دون الحد، وإذا كان المقذوف رجلا يكون القذف أيضا من الكبائر ويجب الحد أيضا، فتخصيصهن لمراعاة الآية والعادة.
(الغافلات) عن الفواحش وما قذفن به، كناية عن البريات لأن البرى غافل عما بهت به من الزنا ، وأما غير الغافلات.
عن الفواحش فلا يحرم قذفهن إن كن معلنات. قال القارى: والغافلات مؤخر عن المؤمنات فى الحديث عكس الآية
على ما فى النسخ المصححة، ووقع فى شرح ابن حجر بالعكس وفق الآية (متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود، والنسائى.
٥٣ - قوله (لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن) الواو للحال ، وظاهره دليل على أن صاحب الكبيرة ليس
بمؤمن كما قالت الخوارج والمعتزلة، خلافا لأهل السنة فأولوه بوجوه جمعا بينه وبين الدلائل من الكتاب والسنة
١٢٥

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا يتهب
نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين يتهبها وهو مؤمن ، ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن ،
فإيا كم إياكم ،
الصحيحة التى تدل على أن أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك ، بل هم المؤمنون ناقصوا الإيمان، إن تابوا
سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا فى المشيئة. فن الوجوه التى أول أهل الحق الحديث بها أن المراد
المؤمن الكامل فى إيمانه. ومنها أن معنى نفى الإيمان نفى الأمان من عذاب الله لأن الإيمان مشتق من الأمن. ومنها
أن المراد بالمؤمن المطبع لله، يقال: آمن له، إذا انقاد وأطاع. ومنها أنه محمول على الزجر والوعيد التغير عنه.
ومنها أنه محمول على الإنذار لمرتكب هذه الكبائر بسوء عاقبة الأمر، إذ مرتكبها لا يؤمن عليه أن يقع فى الكفر الذى
هو ضد الإيمان. ومنها أن المراد أن الإيمان إذا زنى الرجل خرج منه، وكان فوق رأسه مثل الظلمة ، فإذا انقلع
رجع إليه. ومنها أن معنى مؤمن مستحى من اللّه لأن الحياء شعبة من الإيمان، فلو استحى منه وأعتقد أنه ناظر
لم يرتكب هذا الفعل الشنيع، قاله الطبى. ومنها أن صيغ الأفعال وإن كانت واردة على طريق الإخبار فالمراد منها
النهى، ويشهد له أنه روى ((لا يزن، بحذف الياء، ((ولا يشرب)) بكسر الباء. ومنها أنه محمول على من فعله مستحلا مع
عليه بتحريمه. ومنها أن معنى نفى كونه مؤمنا: أنه شابه الكافر فى عمله، وموقع التشبيه أنه مثله فى جواز قتاله فى تلك
الحالة ليكف عن المعصية، ولو أدى إلى قتله، فإنه لو قتل فى تلك الحالة يكون دمه هدرا فانتفت فائدة الإيمان فى حقه
بالنسبة إلى زوال عصمته فى تلك الحالة. ومنها أن معناه ليس بمستحضر فى حالة تلبسه بالكبيرة جلال من آمن به ،
فهو كناية عن الغفلة التى جلبتها له غلبة الشهوة. ومنها أن معنى ((وهو مؤمن، أى مصدق بالعقاب عليه، إذ لو كان معه
تصديق بالعقاب ما وقع فى الذنب. وارجع لمزيد البسط والتوضيح إلى الفتح فى أول الحدود (ولا ينتهب) انتهب
ونهب إذا أغار على أحد وأخذ ماله قهرا (نهبة) بالضم. المال الذى ينهب جهرا قهرا ظلما لغيره، فهو مفعول به، وبالفتح
مصدر (يرفع الناس) صفة ((نهبة)) (إليه) أى إلى الناهب (فيها) أى لسببها ولأجلها أو فى حال فعلها أو أخذها (أبصارهم)
أى تعجبا من جرأته أو خوفا من سطوته أى يتضرعون لديه ولا يقدرون على دفعه، أو هو كناية عن عدم التستر بذلك
فيكون صفة لازمة للنهب بخلاف السرقة فإنه يكون خفية، والانتهاب أشد لما فيه من مزيد الجرأة وعدم المبالات،
ولم يذكر الفاعل فى الشرب وما بعده ففيه كما قال ابن مالك: حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه ، والتقدير: لا يشرب
الشارب - إلخ، كقوله تعالى: ﴿ ولا يحسبن الذين قتلوا - ٣: ١٦٨°) فى قراءة هشام أى حاسب - انتهى. ولا يرجع
الضمير إلى الزانى لثلا يختص به ، بل هو عام فى كل من شرب وكذا فى الباقى ، ويجوز أن يكون فى كل منهما ضمير
مستتر يعود إلى مؤمن (ولا يغل أحدكم) الغلول الخيانة أو الخيانة فى الغنيمة ، والغل الحقد، ومضارع الأول بالضم،
وهو المراد ، والثانى بالكسر (حين يغل) أبى يسرق شيئا من غنيمة أو يخون فى أمانة (فارياكم إياكم) نصبه على التحذير،
١٢٦
.

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
متفق عليه .
٥٤ - (٦) وفى رواية ابن عباس: ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن. قال عكرمة قلت لابن
عباس: كيف ينزع الايمان منه؟ قال: هكذا وشبك بين أصابعه ثم أخرجها، فإن تاب عاد إليه
هكذا وشبك بين أصابعه وقال أبو عبد الله: لا يكون هذا مؤمنا تاما، ولا يكون له نور الايمان،
هذا لفظ البخارى.
والتكرير للتوكيد والمبالغة أى أحذركم من فعل هذه الأشياء المذكورة (متفق عليه) إلا قوله ((ولا يغل)) فإنه من إفراد
مسلم ، والحديث أخرجه البخارى فى المطاعم والأشربة والحدود والمحاربين، ومسلم فى الايمان ، وأخرجه أيضا
الترمذى ، والنسائى، وابن ماجه ، وفى الباب عن جماعة من الصحابة ، ذكر أحاديثهم الهيشى فى مجمع الزوائد.
٥٤ - (وفى رواية ابن عباس) أى فى حديثه زيادة، وحديث ابن عباس هذا، أخرجه البخارى فى المحاربين
وفى الحدود (ولا يقتل) أى القاتل مؤمنا بغير حق (قال عكرمة) بكسر أوله وسكون الكاف وكسر الراء المهملة ، هو
عكرمة أبو عبد اللّه المدنى مولى ابن عباس، أصله بربرى، وهو أحد الأئمة الأعلام وأحد فقهاء مكة وتابعيها. قال
فى التقريب: ثقة، ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، من أوساط التابعين، مات بالمدينة
سنة (١٠٧) وقيل غير ذلك، وله ثمانون سنة، روى عنه خلق كثير. وبسط ترجمته الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ٧ :
ص ٢٦٣، ٢٧٣) من أحب البسط والتفصيل رجع إليه (كيف ينزع) بضم الياء وفتح الزاى المعجمة (الايمان منه) عند
ارتكابه هذه الكبائر (قال هكذا) أى تفسيره (وشبك) أو قال هكذا وفعل التشبيك، یعنی جمع بین قوله «هكذا، وفعل
التشيك (ثم أخرجها) تعبير للأمر المعنوى بالمدرك الحسى تقريبا للفهم (فإن تاب) أى رجع المرتكب عن ذلك وأقلع
(عاد إليه) الإيمان قيل أى كماله ونوره، وجاء مثل ما قاله ابن عباس مرفوعا فقد أخرج أبو داود، والحاكم بسند
صحيح عن أبى هريرة: إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان عليه كالظلة ، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان. وعند.
الحاكم عنه أيضا مرفوعا: من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الايمان كما يخلع الإنسان قيصه عن رأسه. وأخرج
الطبرى عن ابن عباس مرفوعا: من زنى نزع الله منه نور الايمان من قلبه، فإن شاء أن يرد إليه رده (وقال أبو عبد الله)
أى الإمام البخارى فى تأويل الحديث (لا يكون هذا مؤمنا تاما) أى كامل الإيمان (ولا يكون له نور الإيمان)
أى كماله، بل يقع فى إيمانه نقصان أى نقصان، والحاصل أن الإيمان: تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان.
ونوره أى كماله الأعمال الصالحة واجتناب المنهيات ، فإذا أخل بالعمل أو ارتكب معصية مثل الزنا وشرب الخمر
والسرقة ذهب نوره ، وزال كماله، وبقى صاحبه فى الظلمة (هذا لفظ البخارى) أى هذا التأويل الذى ذكرناه نقلا عن
البخارى هو عين لفظ البخارى لا معناه. لكن لم نجد هذا القول فى النسخ الموجودة الحاضرة عندنا من صحيحه، ولعله.
١٢٧

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
٥٥ - (٧) وعن أبى هريرة قال قال رسول مه: آية المنافق ثلاث،. زاد مسلم ((وإن صام وصلى
وزعم أنه مسلم)) ثم اتفقا، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان.
فى نسخة أخرى منه. أو فى تصنيف آخر له، والله أعلم. قال ميرك: فى قول المصنف ((وفى رواية)) وقوله ((وقال))
و كذا فى قوله ((وهذا لفظ البخارى، سماجة لا تخفى - انتهى فتأمل.
٥٥ - قوله ( آية المنافق) الآية العلامة، واللام للجنس. وكان القياس جمع المبتدأ الذى هو «آية)) ليطابق الخبر
الذى هو (ثلاث) أى خصال. وأجيب بأن الثلاث اسم جمع ، ولفظه مفرد على أن التقدير : آية المنافق معدودة
بالثلاث. وقال الحافظ: الإقراد على إرادة الجنس ، أى كل واحد منها آية. وقد روى أبو عوانة فى صحيحه بلفظ
اعلامات المنافق». وأجيب أيضا بأنه مفرد مضاف فعم، كأنه قال: آياته ثلاث. والنفاق لغة: مخالفة الباطن للظاهر،
فإن كان فى اعتقاد الايمان فهو نفاق الكفر ، ويقال النفاق الأكبر ، وإلا فهو نفاق العمل ، ويدخل فيه الفعل
والترك، وتفاوت مراتبه، ويقال له النفاق الأصغر، وهو ترك المحافظة على أمور الدين سرا، ومراعاتها علنا، وهو نفاق
دون نفاق (وإن صام وصلى) أى وإن عمل أعمال المسلمين من الصوم والصلاة وغيرهما من العبادات ، وهذا الشرط
اعتراض وارد البالغة لا يستدعى الجواب (وزعم) أى ادعى (أنه مسلم) أى كامل (ثم اتفقا) أى البخارى ومسلم
(إذا حدث) فى كل شئ ( كذب) بالتخفيف أى أخبر عنه بخلاف ما هو به قاصدا للكذب (وإذا وعد) أى بالخير
فى المستقبل، لأن الشر يستحب إخلافه بل قد يجب. وقال العلقمى: الوعد يستعمل فى الخير والشر، يقال: وعدته
خيرا ووعدته شرا. فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا فى الخير: الوعد والعدة، وفى الشر: الايعاد والوعيد. قال الشاعر:
لخلف إيعادى ومنجز موعدى
وإنى إذا أوعدته أو وعدته
(أخلف) أى لم يف بوعده، والاسم منه الخلف، ووجه المغايرة بين هذه وما قبلها : أن الا خلاف الذى هو لازم الوعد
قد يكون بالفعل، وهو غير لازم التحديث الذى هو الكذب الذى لا يكون فعلا. وخلف الوعد لا يقدح إلا إذا
كان العزم عليه مقارنا للوعد، أما لو كان عازما ثم عرض له مانع أو بدأ له رأى نهذا لم يوجد منه صورة النفاق، قاله
الغزالی. خلف الوعد إن كان مقصودا حال الوعد أتم فاعله، وإلا فإن کان بلا عذر کره له ذلك أو بعذر فلا
كراهة. وفى الطیرانی من حديث سلمان يشهد له حيث قال: إذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف ۔ و کذا قال فى
باقی الخصال. وإسناده لا بأس به، ليس فيهم من أجمع على تركه، وهو عندأبى داود، والترمذى من حديث زيد بن أرقم
بلفظ: إذا وعد الرجل أخاه ، ومن نيته أن يفى له فلم يف فلا إثم عليه (وإذا اؤ تمن) بصيغة المجهول أى جعل أمينا على
شى (خان) بأن تصرف فيه على خلاف الشرع. وإنما خص هذه الثلاث بالذكر لاشتمالها على المخالفة التى هى منى
النفاق من مخالفة السر العلن، فالكذب هو الاخبار عن الشئى على خلاف ما هو به، والأمانة حقها أن تؤدى إلى
١٢٨

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
٥٦ - (٨) وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول اللّه مثله: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا،
ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدث
کذب، وإذا عاهد غدر ،
أهلها ، فالخيانة مخالفة لها، والخلاف فى الوعد ظاهر، ولذا صرح بأخلف، قاله الطبي. فإن قلت إذا وجدت هذه
الخصال فى مسلم فهل يكون منافقا ؟ أجيب بأنها خصال نفاق ، لا نفاق فهو على سيل المجاز أى صاحب هذه الخصال
كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر. أو المراد الاعتياد، ولذا قيد هذا بإذا المقتضية للتكرار يعنى
أن المتصف بذلك هو من اجتمعت فيه هذه الخصال، واعتادها وصارت له ديدنا وعادة، واستمر عليها حتى رسخت
فيه ، بحيث لم يبق للصدق فيه مذهب ، ولا للأمانة ممكن، ومن كان كذلك فهو بالحرى أن يسمى منافقا، فإنه لا يوجد
على هذه الصفة إلا من طبع على قلبه وختم على سمعه وبصره ، فأما المؤمن المقترن بتلك الخصال فإنه إن فعلها مرة تركها
أخرى، وإن أصر عليها زمانا أقلع عنها زمانا آخر، وإن وجدت فيه خلة عدمت منه أخرى ، فمجموع الخصال الخمس
على وجه الاعتياد لا يوجد فى غير المنافق بنفاق الكفر. أو المراد الإنذار والتحذير من أن يعتاد هذه الخصال فتفضى
به إلى النفاق الحقيقى أى نفاق الاعتقاد والكفر، أو المراد بالنفاق هو النفاق العملى لا النفاق الايمانى أى الاعتقادى،
وهذا ارتضاه القرطبى ، وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن الام فى المنافق للجنس، وقيل إنها للعهد إما منافق زمن
رسول الله مَالله، وإما منافق خاص شخص بعينه. وكان ◌َّ لا يواجههم بصريح القول فيقول منافق، وإنما يشير
إشارة. قال الحافظ: تمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت فى ذلك لو ثبت شئ منها لتعين المصير إليه، وأحسن
الأجوبة ما ارتضاه القرطبى - انتهى. قال شيخنا فى شرح الترمذى: الأمر كما قال الحافظ من أن أحسن الأجوبة ما
ارتضاه القرطب، وقد نقل الترمذى هذا القول عن أهل العلم مطلقا - انتهى. والحديث أخرجه البخارى فى الايمان
والوصايا والشهادات والأدب ، ومسلم ، والترمذى، والنسائى فى الإيمان.
٥٦ - قوله (أربع) أى خصال أربع أو أربع من الخصال، مبتدأ خبره (من كن فيه كان منافقا خالصا) أى فى
هذه الخصال فقط لا فى غيرها ، أو شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال، أو المراد اجتمعن فيه على وجه الاعتياد
والاستمرار والرسوخ كما تقدم، وقيل وصفه بالخلوص يؤيد قول من قال: إن المراد النفاق العملى لا الايمانى،
أو النفاق العرفى لا الشرعى لأن الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملتقى فى الدرك الأسفل من النار (حتى يدعها)
أى يتركها (وإذا حدث كذب) قيل ومن حدث عن عيش له سلف فبالغ فهذا لا يضر، وإنما يضر من حدث عن
الأشياء بخلاف ما هى عليه قاصدا للكذب: (وإذا عاهد غدر) أى نقض العهد ابتداء وترك الوفاء لما عاهد عليه
1
١٢٩

مرعاة المفاتيح ج ١
١- كتاب الايمان
١ - باب الكبائر وعلامات التفاق.
وإذا خاصم جر، متفق عليه.
٥٧ - (٩) وعن ابن عمر قال قال رسول اللّه عنه: مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين تعير
إلى هذه مرة ، وإلى هذه مرة ، رواه مسلم.
(وإذا خاصم بجر) أى فى خصومته أى مال عن الحق وقال الباطل والكذب. قال أهل اللغة: أصل الفجور الميل عن
القصد. وقال القارى: أى شتم ورمى بالأشياء القبيحة. فإن قيل: ظاهر الحديث المتقدم يقتضى الحصر فى ثلاث ،
فكيف جاء فى هذا الحديث أربع؟ أجاب القرطبي باحتمال أنه استجد له مَ ◌ّه من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده .
وأجيب أيضا بأن فى رواية لمسلم ما يدل على عدم الحصر فإن لفظها ((من علامة المنافق ثلاث)) فيكون قد أخبر ببعض
العلامات فى وقت وبعضها فى وقت آخر. وقيل التخصيص بالعدد لا يدل على نفى الزائد ، وقد تحصل من الحديثين
خمس خصال ، الثلاثة السابقة فى الأول ، والغدر فى المعاهدة ، والفجور فى الخصومة، فهى متغايرة باعتبار تغاير
الأوصاف واللوازم. ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف ما فى الباطن إما فى الماليات وهو ما إذا اؤتمن ، وإما فى
غيرها ، وهو إما فى حالة الكدورة فهو إذا خاصم ، وإما فى حالة الصفاء، فهو إما مؤكد باليمين فهو إذا عاهد ، أولا
فهو إما بالنظر إلى المستقبل فهو إذا وعد، وإما بالنظر إلى الحال فهو إذا حدث ، لكن هذه الخمسة فى الحقيقة ترجع
إلى الثلاث لأن الغدر بالعهد منطو تحت الخيانة فى الأمانة ، والفجور فى الخصومة داخل تحت الكذب فى الحديث ،
كذا فى شرح القسطلانى (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد ، والترمذى، والنسائى، وأبو داود.
٥٧ - قوله (كالشاة العائرة) أى المترددة (بين الغنمين) أى قطيعين وثلتين من الغنم لا تدرى أيهما تتبع ، فإن
الغنم اسم جنس يقع على الواحد والجمع. وقال السندهى: الغتم جمع ففى الحديث تثنية الجمع بتأويله بالجماعة. نقل
السيوطى عن الزمخشرى أنه قال فى المفصل: قد يثنى الجمع على تأويل الجماعتين والفرقتين ، ومنه هذا الحديث - انتهى.
والعائرة هى التى تطلب الفحل فتردد بين قطيعين ولا تستقر مع إحداهما، والمنافق مع المؤمنين بظاهره ومع المشركين
باطنه، تبعا لهواه وغرضه الفاسد وميلا إلى ما يتبعه من شهواته ، فصار بمنزلة تلك الشاة ، وبذلك وصفهم الله تعالى
فى قوله: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء - ٤ ١٤٣٠﴾ قال الطبي: وخص الشاة العائرة بالذكر
إيماء بمعنى سلب الرجولية عن المنافقين من طلب الفحل للضراب (تعير) بفتح أوله ، أى تردد وتذهب، من عار
الفرس عيارا انفلت وذهب هنا وهنا من مرجه (إلى هذه) أى القطيعة (مرة وإلى هذه) أى القطيعة الأخرى (مرة)
أخرى ليضربها لحلها ، فلاثبات لها على حالة واحدة، وإنما هى أسير شهوتها (رواه مسلم) فى صفات المنافقين قبل
صفة القيامة من أواخر صحيحه، وأخرجه أيضا أحمد ، والنسائى ، وزاد لا تدرى أيهما تتبع.
١٣٠

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
الفصل الثانى )
٥٨ - (١٠) عن صفوان بن عسال قال قال يهودى لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبى. فقال له
صاحبه: لا تقل فى، إنه لو سمعك لكان له أربع أعين. فأتيا رسول الله عليه فسألاه عن تسع
آيات بينات.
٥٨ - قوله (صفوان) بفتح الصاد وسكون الفاء (بن عسال) بالمهملة وتشديد الثانية ، المرادى الجملى، غزا مع
التى تح ثتى عشرة غزوة، وسكن الكوفة. له عشرون حديثا ، روى عنه ابن مسعود مع جلالته وزر بن حبيش
وعبد الله بن سلمة المرادى وغيرهم (قال يهودى لصاحبه) أى من اليهود (اذهب بنا) الباء الصاحبة أو التعدية
(لا تقل فى) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هونى. وهو مقولة القول كما فى قوله تعالى {يقال له إبراهيم - ٦٠:٢١)
أى هو إبراهيم (إنه) بكسر الهمزة استئناف، فيه معنى التعليل أى لأنه (لو سمعك) أى سمع قولك ((إلى هذا النبي، (لكان له
أربع أعين) قال التوربشتى: أى يسربقولك «هذا النبىء سرورا يمد الباصرة فيزداد به نورا على نور، كذى عينين أصبح
يصر بأربع، فإن الفرح يمد الباصرة، كما أن الهم والحزن يخل بها، ولذا يقال لمن أحاطت به الهموم: أظلمت عليه
الدنيا. وبذلك شهد التنزيل {وابيضت عيناه من الحزن) - انتهى. قال السندى: هو كناية عن زيادة الفرح وفرط
السرور، إذ الفرح يوجب قوة الأعضاء وتضاعف القوى يشبه تضاعف الأعضاء الحاملة لها (فسالاه) أى امتحانا
(عن تسع آيات بينات) أى واضحات، والآية العلامة الظاهرة تستعمل فى المحسوسات كعلامة الطريق، والمعقولات
كالحكم الواضح والمسئلة الواضحة، والمراد فى الحديث إما المعجزات التسع كما هو المراد فى قوله تعالى: ﴿أدخل يدك
فى جيك تخرج بيضاء من غير سوء فى تسع آيات - ٢٧: ١١) وبقية التسع هى العصا والطوفان والجراد والقمل
والضفادع والدم والسنون ونقص من الثمرات. وعلى هذا فالجواب فى الحديث متروك ترك ذكره الراوى استغناء بما فى
القرآن أو بغيره، وقوله لا تشركوا إلخ كلام مستأنف ذكره عقب الجواب، وإما الأحكام العامة الشاملة لل كلها كما
جوز ذلك فى قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات - ١٧: ١٠١) الخ وعلى هذا فالمذكور فى الحديث هو
الجواب، لكن زيد فيه ذكر «وعليكم خاصة يهود)، استينافا لزيادة الافادة، ولذا غير السياق وذهب المظهر والتوربشتى
من شراح المصابيح إلى أن الآيات المذكورة فى قوله تعالى: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ هى الأحكام
التى تعبد بها قوم موسى، وهى التى سئل عنها رسول اللّه مريضتم فأجاب عنها لا المعجزات، وقالا: إن هذا الحديث من
أظهر الدلائل على ذلك، فإنه رواه الترمذى فى سننه وقال: وفى رواية فسألاه عن قول الله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى
تسع آيات بينات﴾ فعلم أن الحديث وإن كان فى جواب اليهوديين فإنه مشتمل على بيان الآية. وقال ابن كثير فى
تفسيره: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات الآية ، يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهى الدلائل القاطعة
١٣١

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
فقال رسول اللّه مَ الَى: لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله
إلا بالحق ولا تمشوا بيرئى إلى ذى سلطان ليقتله ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة
ولا تولوا للفرار يوم الزحف وعليكم خاصة اليهود
على صحة نبوته وصدقه فيما أخبره به عمن أرسله إلى فرعون، وهى العصا واليد والسنون والبحر والطوفان والجراد
والقمل والضفادع والدم ، آيات مفصلات. قال ابن عباس: فهذه الآيات التسع هى المرادة هنا، وهى المعنية فى قوله
تعالى: ﴿ وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يموسى لا تخف إلى قوله فى تسع آيات إلى فرعون
وقومه، إنهم كانوا قوما فاسقين - ٢٧: ١٠، ١٢) فذكرهاتين الآيتين العصا واليد وبين الآيات الباقية فى سورة
الأعراف وفصلها ، وقد أوتى موسى عليه السلام آيات أخر كثيرة منها ضربه الحجر بالعصا وخروج الماء منه ومنها
تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما أوتؤه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر مهنا التسع
الآيات التى شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر فكانت حجة عليهم نخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا ، وأما الحديث
الذى رواه أحمد وفيه: حتى نسأله عن هذه الآية ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات - الحديث، فهو حديث مشكل،
وعبد الله بن سلمة (يعنى راوى هذا الحديث عن صفوان) فى حفظه شتى، وقد تكلموا فيه ولعله اشتبه عليه التسع
الآيات بالعشر الكلمات فإنها وصايا فى التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على
فرعون وقومه، وأى مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟ وما جاء هذا الوهم إلا من قبل عبد الله بن سلمة
فإن له بعض ما ينكر - انتهى مختصرا (ولا تمشوا ببرى) بهمزة وإدغام، أى بمتبرئى من الإثم، والباء النعدية أى لا
تسعوا ولا تتكلموا بسوء فيمن ليس له ذنب (إلى ذى سلطان) أى صاحب سلطنة وقوة وحكم وغلبة وشوكة (ليقتله)
يعنى كيلايقتله مثلا (ولا تسحروا) بفتح الحاء المهملة، فإن بعض أنواعها كفر وبعضها فسق (ولا تأكلوا الربا) أى
لا تعاملوا بالربا ولا تأخذوه (ولا تقذفوا) بكسر الذال (محصنة) بفتح الصاد وكسرها أى لا ترموا بالزنا عفيفة.
قال ثعلب: كل امرأة عفيفة فهى محصنة ومحصنة، وكل امرأة متزوجة فهى محصنة بالفتح لا غير (ولا تولوا) بضم التاء
واللام، من ولى يولى تولية إذا أدبر أى ولا تولوا أدباركم ، ويجوز أن تكون بفتح التاء واللام من التولى وهو
الإعراض والإدبار، أصله تتولوا تحذف إحدى الثائين (للفرار) أى لأجله. وفى بعض النسخ القرار بلا لام العلة
منصوبا على أنه مفعول له ، قاله القارى (يوم الزحف) أى يوم لقاء العدو فى الحرب، والزحف الجيش يزحفون إلى
العدو أى يمشون (وعليكم) ظرف وقع خبرا مقدما (خاصة) منونا حال والمستتر فى الظرف عائد إلى المبتدأ أى
مخصوصين بهذه العاشرة، أو حال كون عدم الاعتداء مختصا بكم دون غيركم من الملل، أو تمييز، والخاصة ضد العامة
(اليهود) نصب على التخصيص والتفسير أى أعنى اليهود ، ويجوز أن تكون خاصة بمعنى خصوصا ،ويكون اليهود
١٣٢

مرعاة المفاتيح ج.١
١ - كتاب الايمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
أن لا تعتدوا فى السبت. قال فقبلا يديه ورجليه وقالا نشهد أنك فى. قال فما يمنعكم أن
تتبعونى؟ قالا إن داود عليه السلام دعا ربه أن لا يزال من ذريته فى، وإنا تخاف إن تبعناك
أن يقتلنا اليهود ، رواه الترمذى وأبو داود والنسائى.
٥٩ - (١١) وعن أنس قال قال رسول اللّه مَبفى: ثلاث من أصل الإيمان، الكف عمن قال
معمولا لفعله المحذوف أى أخص اليهود خصوصا (الا تعتدوا) بتأويل المصدر فى محل الرفع على أنه مبتدأ من الاعتداء
(فى السبت) أى لا تتجاوزوا أمر الله فى تعظيم السبت بأن لا تصيدوا السمك فيه، وقيل «عليكم، اسم فعل بمعنى
خذوا ، و((أن لا تعتدوا) مفعوله أى الزموا ترك الاعتداء (نشهد أنك نبى) إذ هذا العلم من الأمى معجزة، لكن نشهد
أنك في إلى العرب (أن تتبعونى) بتشديد التاء، وقيل بالتخفيف أى من أن تقبلوا نبوتى وتتبعونى فى الأحكام الشرعية
(دعا أن لا يزال من ذريته نى) أى فنحن ننتظر ذلك النبي لتتبعه. وهذا منهم تكذيب لقولهم نشهد أنك ني، وأنهم
ما قالوا عن صدق اعتقاد ضرورة أنه مّفتم كان يدعى ختم النبوة به مَنّ، فالقول بأنه نبى يستلزم صدقه فيه، وانتظارنى
آخر ينافيه، فانظر إلى تناقضهم وكذبهم ، قاله السندى. وقال الطبي: يعنى دعا داود عليه السلام أن لا ينقطع النبوة
عن ذريته إلى يوم القيامة ، فيكون دعاءه مستجابا ألبتة لأنه لا يرد الله تعالى دعاء فى ، فإذا كان كذلك فیکون نى فى
ذريته ويتبعه اليهود، وربما يكون لهم الغلبة والشوكة ، فإن تركنا دينهم واتبعناك لقتلنا اليهود إذا ظهر لهم في وقوة،
وهذا كذب منهم وافتراء على داود عليه السلام لأنه لم يدع بهذا الدعاء، ولا يجوز لأحد أن يعتقد فى داود عليه السلام
هذا الدعاء لأنه قرأ فى التوراة والزبور بعث محمد مرَّه وأنه خاتم النبيين وأنه ينسخ به جميع الأديان والكتب، فكيف
يدعو على خلاف ما أخبره الله تعالى به من شأن محمد مرّه - انتهى. ولئن سلم فعيسى من ذرية داود وهو في باق إلى
يوم الدين ظهرت المعجزات على يده أيضا فلم يصدقوه فعلم أن التكذيب عادة لهم ، وعذرم هذا كذب وافتراء.
والحديث يدل على جواز تقبيل اليد والرجل ، ويأتى الكلام عليه فى باب المصافة والمعانقة (رواه الترمذى) فى آخر
الاستيذان والأدب وفى تفسير سورة بنى اسرائيل وقال حديث حسن صحيح (وأبو داود) لم أجده فى سننه .. وقال
الحافظ فى الدراية: رواه الأربعة إلا أبا داود. وهذا يدل على أن أبا داود لم يخرجه فى سننه، ويدل عليه أيضا أنه
لم يعز هذا الحديث أحد لأبى داود (والنسائى) فى المحاربة، وأخرجه أيضا أحمد فى مسنده (ج : ص ٢٣٩، ٢٤٠)،
وابن ماجه فى الأدب مختصرا، والحاكم فى المستدرك، وقال: صحيح لا نعرف له علة بوجه من الوجوه. ووافقه
الذهبى، وأخرجه أيضا الطيالسى، وأبو نعيم ، والبيهقى ، والطبرانى، وابن جرير وغيرهم.
٥٩ - قوله (ثلاث) خصال (من أصل الإيمان) أى أساسه وقاعدته؛ إحداها أو منها (الكف عمن قال
١٣٣

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
لا إله إلا الله لا تكفره بذنب ولا تخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض مذ بعثنى اللّه إلى أن
يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار ،
رواه أبو داود.
لا إله إلا الله) أى وأن محمدا رسول الله، فمن قال كلتى الشهادة وجب الامتناع عن التعرض بنفسه وماله (لا تكفره)
بالتاء نهى وبالنون نفى، وكلاهما مروى وهو بان للكف ولذا قطعه عنه، والتكفير والإكفار نسبة أحد إلى الكفر
(بذنب) أى سوى الكفر ولو كبيرة، وفيه رد على الخوارج لأنهم يكفرون من يصدر منه ذنب (ولا تخرجه)
بوجهين (من الإسلام بعمل) ولو كبيرة سوى الكفر خلافا للعتزلة فى إخراج صاحب الكبيرة إلى منزلة بين المنزلتين
(والجهاد ماض) أى الخصلة الثانية اعتقاد كون الجهاد ماضيا أو ثانيتها الجهاد أو الجهاد من أصل الإيمان، وماض
خبر مبتدأ محذوف أى هو ماض ونافذ وجار ومستمر (مذ) وفى نسخة منذ (بعثنى الله) أى من ابتداء زمان بعثنى الله
إلى المدينة أو بالجهاد (إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة) أى عيسى أو المهدى (الدجال) مفعول له. قال القارى: وبعد
قتل الدجال لا يكون الجهاد باقيا أما على يأجوج ومأجوج فلعدم القدرة عليهم. وعند ذلك لا وجوب عليهم بنص
آية الأنفال، وأما بعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى عليه الصلاة والسلام حيا فى
الأرض، وأما على من كفر من المسلين بعد عيسى عليه الصلاة والسلام فلوت المسلمين كلهم عن قريب بريح طيبة
وبقاء الكفار إلى قيام الساعة. وتجئ هذه الحكاية فى ذكر الدجال (لا يبطله) بضم أوله (جور جائر ولا عدل عادل)
أى لا يسقط الجهاد كون الامام ظالما أو عادلا. وفيه رد على المنافقين وبعض الكفرة فإنهم زعموا أن دولة
الإسلام تنقرض بعد أيام قلائل ، كأنه قيل الجهاد ماض، أى أعلام دولته منشورة ، وأولياء أمته منصورة، وأعداء
ملته مقهورة إلى يوم الدين. وقال المظهر: يعنى لا يجوز ترك الجهاد بأن يكون الامام ظالما بل يجب عليهم موافقته،
ولا بأن يكون الامام عادلا بحيث يحصل سكون المسلمين وتقويتهم فلا يخافون من الكفار ولا يحتاجون إلى الغنائم ،
لأن القصد من الجهاد هو إعلاء كلمة الله، فاحتيج لهذا نفيا إلى هذا التوهم وإن كان من شان عدل العادل أنه لا يتوهم
فيه ابطال الجهاد بل تقويته. فعلى هذا يكون النفى بمعنى النهى قال الطيبي: ويمكن أن يجرى على ظاهر الاخبار كما هو
عليه، ويكون تأكيدا الجملة السابقة أى لا يبطله أحد إلى خروج الدجال (والايمان بالأقدار) أى الخصلة الثالثة،
أو الايمان بالأقدار من أصل الإيمان ، يعنى بأن جميع ما يجرى فى العالم هو من قضاء الله وقدره. وفيه رد على المعتزلة
لإثباتهم للعباد القدرة المستقلة (رواه أبو داود) فى الجهاد ، وسكت عليه هو والمنذرى، لكن فى سنده يزيد بن أبى نشبة
بضم النون وسكون الشين المعجمة ، وهو مجهول، كما فى التقريب، واعلم أن بعض العلماء قد أجاز العمل والاحتجاج
بكل ما سكت عنه أبو داود لما روى عنه أنه قال: ما كان فى كتابى هذا من حديث فيه وهن شديد بعته، وما لم أذكره
١٣٤

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض. قال: وذكرت فيه الصحيح وما يشبهه وما يقار به. قال النووى فى التقريب
وابن الصلاح فى مقدمته بعد نقل كلام أبى داود هذا : فعلى هذا ما وجدنا فى كتابه مذكورا مطلقا وليس فى واحد من
الصحيحين ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والضعيف والحسن ولا ضعفه عرفنا أنه من الحسن عند أبى
داود. زاد ابن الصلاح: وقد يكون فى ذلك ما ليس بحسن عند غيره ولا مندرج فى حد الحسن - انتهى. والحق
عندى أن لا يعتمد على مجرد سكوت أبى داود ، وأن لا يطلق القول بجواز الاحتجاج والعمل بما سكت عنه، لما يجرى
فى كلامه المتقدم من احتمالات تضعف بل تبطل المذهب المذكور (١) مثل أن يتكلم على وهن إسناد مثلا فى مقام فإذا عاد
لم يبينه اكتفاء بما تقدم ويكون كأنه قد بينه (٢) ومثل أن يكون سكوته هنا لوجود شاهد أو متابع أو يكون ذلك لكونه
من صحيح حديث المختلط أو المدلس أولكونه فى الفضائل. (٣) ومثل ما أشار إليه شيخ الاسلام زكريا الأنصارى من
أنه قد يقع البيان فى بعض النسخ دون بعض ، ولا سيما رواية أبى الحسن بن العبد، فإن فيها من كلام أبى داود شيئا
زائدا على رواية أبى على اللؤلؤى. قال السخاوى فى شرح ألفية العراقی (ص ٢٩) وسبقه ابن کثیر وقال: الروايات
عن أبى داود لكتابه كثيرة جدا ، ويوجد فى بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس فى الأخرى، قال: ولأبى عبيد
الآجرى عنه أسئلة فى الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها فى سننه. قال
السخاوى: فينبغى عدم المبادرة لنسبة السكوت إلا بعد جمع الروايات واعتماد ما اتفقت عليه لما تقدم - انتهى.
(٤) ومثل ما يشير إليه حصره التیین فی الوهن الشديد حيث قال : ما كان فى كتابى من حديث فيه وهن شدید فقد
بينته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح وبعضها أصح من بعض - انتهى. إذ مفهومه أن غير الشديد لا يبينه. (٥) ومثل
أن الصلاحية فى كلامه أعم من أن تكون للاحتجاج أو للاستشهاد فما ارتقى إلى درجة الصحة أو الحسن فهو بالمعنى
الأول، وما عداهما فهو بالمعنى الثانى ، وما قصر عن ذلك فهو الذى فيه وهن شديد وقد التزم بيانه. (٦) ومثل أن
تكون الصلاحية على ظاهرها فى الاحتجاج ، ولا ينافيه وجود الضعيف لأنه يخرج الضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره ،
وهو أقوى عنده من آراء الرجال. قال العراقى فى ألفيته:
کان أبو داود أقوى ما وجد
يرويه والضعيف' حيث لا يجد
من رأى أقوى قاله ابن منده
فى الباب غيره قذاك عنده
(٧) ومثل أن يكون استعمال ((أصح)) فى كلام أبى داود المتقدم بالمعنى اللغوى بل استعمله كذلك غير
واحد، منهم الترمذى، فانه يورد الحديث من جهة الضعيف ثم من جهة غيره. ويقول عقب الثانى إنه
أصح من حديث فلان الضعيف، وصنيع أبى داود يقتضيه لما فى المسكوت عليه من الضعيف بالاستقراء، كما فى
حديث ابن عباس قال قال رسول اللّه مَ التّه: من سمع المنادى فلم يمنع من اتباعه عذر - قالوا: وما العذر؟
قال: حزن أو مرض - لم تقبل منه الصلاة التى صلى. فان أبا داود رواه وسكت عليه. وقد قال المنذرى فى
مختصره: فى إسناده أبو جناب يحيى بن أبى حية الكلبى، وهو ضعيف. وقد يكون هو ضعيفا عند أبى داود نفسه
١ - أى من قبل سوء حفظ راويه ونحو ذلك كالمجهول عينا أو حالا لا مطلق الضعف الذى يشمل ما كان راويه منها بالكذب ، قاله الخاوى.
١٣٥

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
١ - كتاب الايمان
كما يوخذ من كلام العماد بن كثير. (٨) ومثل ما ذكره ابن الصلاح فى مقدمته (ص ١٨) بعد نقل كلام أبى داود الذى
قدمناه: فعلى هذا ما وجدنا فى كتابه مذكورا مطلقا وليس فى واحد من الصحيحين ولا نص على صحته أحد من يميز
بین الصحيح والحسن عرفناه بانه من الحسن عند أبى داود وقد یکون فى ذلك ما ليس بحسن عند غيره ولا مندرج فيا
حققنا ضبط الحسن به على ما سبق إلخ. قال العلامة الأمير اليمانى فى تلقيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار فى مصطلح الآثار.
بعد نقل كلام أبى داود المتقدم عن ابن الصلاح ما لفظه: فإن قلت: أجاز ابن الصلاح والنووى وغيرهما من الحفاظ
العمل بما سكت عنه أبو داود لأجل هذا الكلام المروى عنه وأمثاله قلت: قال الحافظ ابن حجر : إن قول أبى داود
((وما فيه وهن شديد بيته)، يفهم منه أن الذى يكون فيه وهن غير شديد لا يبينه، ومن هنا تبين لك أن جميع ما سكت عنه
أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحى بل هو على أقسام، منها: ما هو صحيح أو على شرط الصحة. ومنها:
ما هو من قبيل الحسن لذاته. ومنها: ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد، وهذان القسمان كثير فى كتابه جدا .
وفيه ما هو ضعيف لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالبا ، وكل من هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها كما
نقل ابن مندة عنه أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره وأنه أقوى عنده من رأى الرجال. وكذا قال
ابن عبد البر: كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده لا سيما إن كان لم يذكر فى الباب غيره ، ونحو هذا ما روينا
عن الإمام أحمد فيما نقله ابن المنذر وغيره أنه كان يحتج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم يكن فى الباب غيره.
ثم ذكر الحافظ قولا عن الإمام أحمد أصرح مما تقدم فى تقديم الحديث الضعيف على الرأى ، ثم قال : فهذا نحو مما
يحكى عن أبى داود ولا عجب فإنه من تلامذه الإمام أحمد فغير مستنكر أن يقول بقوله بل حكى النجم الطوخى عن
العلامة تفى الدين ابن تيمية أنه قال: اعتبرت مسند أحمد فوجدته موافقا لشرط أبى داود. ومن هنا يظهر لك طريق
من يحتج بكل ما سكت عنه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء فى الاحتجاج ويسكت عليها ، مثل ابن لهيعة
وصالح مولى التوعمة وعبد الله بن محمد بن عقيل وموسى بن وردان وسلمة بن الفضل ودلهم بن صالح وغيرهم، فلا ينبغى
للناقد أن يقلده فى السكوت على أحاديثهم، ويتابعه فى الاحتجاج بهم ، بل طريقه أن ينظرهل لذلك الحديث متابع يعتضد
به أو هو غريب فيتوقف فيه لا سيما إن كان مخالفا لرواية من هو أوثق منه فإنه ينحط إلى قيل المنكر، وقد يخرج
أحاديث من هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن وجيه وصدقة الدقيقى وعمرو بن واقد العمرى ومحمد بن
عبد الرحمن البيانى وأبي حيان الكلبي وسليمان بن أرقم وإسحاق بن عبد الله بن أبى فروة وأمثالهم فى المتروكين، وكذلك
ما فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين بالعنعنة، والأحاديث التى فيها أبهمت أسماءهم فلا يتجه الحكم بأحاديث
هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبى داود لأن سكوته تارة اكتفاء بما تقدم من الكلام فى ذلك الراوى فى نفس كتابه ،
وتارة یکون لذهول منه، وتارة یکون لظهور شدة ضعف ذلك الراوى أو اتفاق الأمة على طرح روايته کابی حدیر
١٣٦

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
٦٠ - (١٢) وعن أبى هريرة قال قال رسول اللّه عليه: إذا زنى العبد خرج منه الايمان
ويحيى بن العلاء وغيرهما ، وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه، وهو الأكثر، فإن فى رواية أبى الحسن بن العبد
عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس فى رواية اللؤلؤى وإن كانت روايته عنه أشهر. ثم عد أمثلة
من أحاديث السنن تؤيد ما قاله ثم قال: والصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا من أنه يحتج بالأحاديث
الضعيفة ويقدمها على القياس إن ثبت ذلك عنه. والمعتمد أن مجرد سكوته لا يدل على ذلك، فكيف يقلده فيه ، هذا
جميعه إن حملنا قوله (وما لم أقل فيه بشئى فهو صالح، على أن مراده صالحة للحجة، وهو الظاهر. وإن حملناه على ما هو
أعم من ذلك وهو الصلاحية للحجية وللاستشهاد والمتابعة فلا يلزم منه أنه يحتج بالضعيف. ويحتاج إلى تامل تلك
المواضيع التى سكت عليها وهى ضعيفة هل منها إفراد أولا، إن وجد فيها إفراد تعين الحمل على الأول ، وإلا حمل على
الثانى، وعلى كل تقدير فلا يصلح ما سكت عليه للاحتجاج مطلقا - انتهى. وقال النووى: إلا أن يظهر فى بعضها أمر
يقدح فى الصحة أو الحسن وجب ترك ذلك ، أو كما قال. ولفظ الحافظ ابن حجر نقلا عن النووى أنه قال: فى سنن
أبى داود أحاديث ظاهرها الضعف لم يبينها مع أنه متفق على ضعفها فلا بد من تأويل كلامه. قال: والحق أن ما وجدناه
فى سننه مما لم ينبه عليه ولم ينص على صحته أو حسنه من يعتمد عليه فهو حسن ، وإن نص على ضعفه من يعتمد عليه أو
رأی العارف فی سنده ما يقتضى الضعف ولا جابر له حكم بضعفه ولا يلتفت إلی سکوت أبى دادو. قال الأمير المانى:
وهو الحق، لكن خالف ذلك فى مواضع كثيرة فى شرح المهذب وفى غيره من تصانيفه فاحتج بأحاديث كثيرة من
أجل سكوت أبى داود عليها، فلا يغتر بذلك، انتهى كلام الامير اليمانى فى تلقيح الافكار. هذا وقد اعتنى الحافظ
المنذری فی محتصره بنقد الأحاديث المذكورة فى سنن أبي داود وبین ضعف کثیر مما سكت عنه، فيكون ذلك خارجا
عما يجوز العمل به، وما سكتا عليه جميعا فلا شك أنه صالح للاحتجاج إلا فى مواضع يسيرة قد نبهت على بعضها فى هذا
الشرح، ومنها حديث أنس هذا ، فقد سکتا عنه جمیعا مع أن فیه یزید بن أبى نشبة ، وهو مجهول .
٦٠ - قوله (إذا زنى) أى أخذ وشرع فى الزنا (العبد) أى المؤمن (خرج منه الايمان) حمله بعضهم على
ظاهره وقال: يسلب الإيمان حال تلبس الرجل بالزنا فإذا فارقه وتاب عاد إليه. وقيل: المراد نور الايمان وكماله.
وقد تقدم أن الإيمان اسم لمجموع الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح. وبور الإيمان وكماله هى
الأعمال الصالحة واجتناب المناهى ، فإذا زنى ذهب منه نوره وبقى صاحبه فى الظلمة. وقيل: معناه خرج منه أعظم شعب
الإيمان، وهو الحياء من الله تعالى. أو يصير كأنه خرج، إذ لا يمنع إيمانه عن ذلك كما لا يمنع من خرج منه الايمان.
وقال التوربشتى: هذا من باب الزجر والتهديد، وهو كقول القائل لمن اشتهر بالرجولية والمروءة ثم فعل ما ينافى
شيمته: عدم عنه الرجولية والمروءة، تعيرا وتتكيرا لينتهى عما صنع واعتبارا وزجرا للسامعين ولطفابهم وتفيها على أن
١٣٧

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الأيمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
وكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل رجع إليه الايمان ، رواه الترمذى وأبو داود.
الفصل الثالث )
٦١ - (١٣) عن معاذ قال أوصانى رسول اللّه مَلّى بعشر كلمات، قال: لا تشرك بالله شيئا وإن
قتلت وحرقت ، ولا تعقن والديك وإن امراك أن تخرج من أهلك ومالك ،
الزنا من شيم أهل الكفر وأعمالهم ، فالجمع بينه وبين الايمان كالجمع بين المتنافين (وكان) وفى بعض النسخ ((فكان)»
وهكذا وقع عند الترمذى (فوق رأسه كالظلة) بضم الظاء وتشديد اللام، هو أول سحابة تظلل. وفيه إشارة إلى أنه
وإن خالف حكم الايمان فإنه تحت ظله لا يزول عنه حكم الايمان ولا يرتفع عنه اسمه (فإذا خرج من ذلك العمل)
قيل: أى بالتوبة الصحيحة (رجع إليه الايمان) أى نوره وكماله، ويؤيده ما تقدم من حديث ابن عباس أخرجه
أبو جعفر الطبرى من طريق مجاهد عنه مرفوعا: من زنى نزع الله نور الايمان من قلبه، فإن شاء أن يرده إليه رده.
ولا يخفى مناسبة الحديث للباب على المتأمل (رواه الترمذى) لم يروه الترمذى بل ذكره معلقا فى الايمان من جامعه
(وأبو داود) فى السنة وسكت عليه هو والمنذرى واللفظ للترمذى وأخرجه أيضا البيهقى والحاكم ، وقال: صحيح على
شرطهما ، ووافقه الذهبي.
٦١ - قوله (أوصانى) أى أمرنى (بعشر كلمات) أى بعشرة أحكام من الأوامر والنواهى (لا تشرك بالله شيئا)
أى بقلك أو بلسانك أيضا فإنه أفضل عند الإكراه (وإن قتلت وحرقت) من التحريق، وكلاهما بالبناء للمفعول أى
وإن عرضت للقتل والتحريق. شرط جئى به البالغة فلا يطلب جوابا. قال ابن حجر المكى الهيتمى: شرط البالغة باعتبار
الأكمل من صبر المكره على الكفر على ما هدد به ، وهذا فيمن لم يحصل بموته وهن الاسلام، وإلا كعالم وشجاع
يحصل بموته ذلك فالأولى له أن يأتى بما أكره عليه ولا يصبر على ما هدد به رعاية لأخف المفسدتين. وأما باعتبار أصل
الجواز فيجوز له أن يتلفظ وأن يفعل ما يقتضى الكفر إذا هدد ولو بنحو ضرب شديد أو أخذ مال له وقع كما أفاد
ذلك قوله تعالى ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان الآية - ١٠٦:١٦) (ولا تعقن)
بضم العين وفتح القاف المشددة وتشديد النون، أى لا تخالفتهما أو أحدهما فى ما لم يكن معصية (من أهلك) أى امرأتك
أو جاريتك أو عبدك بالطلاق أو البيع أو العنق أو غيرهما (ومالك) بالتصرف فى مرضاتهما. قال ابن حجر: شرط
البالغة باعتبار الأكمل أيضا، أى لا تخالف واحدا منهما وإن غلا فى شتى أمرك به وإن كان فراق زوجة أو حبة مال.
أما باعتبار أصل الجواز فلا يلزمه طلاق زوجة أمره بفراقها وإن تاذیا ببقاءما إيذاء شديدا لأنه قد يحصل له ضرر بها
فلا یکلفہ لأجلها إذ من شان شفقتهما أنهما لو تحققا ذلك لم یامراه به، فالزامها له به مع ذلك حتى منهما ولا يلتفت إليه»
١٣٨

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الإيمان
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
ولا تتركز صلاة مكتوبة متعمدا، فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، ولا
تشرين خمرا، فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية ، فإن بالمعصية حل سخط الله، وإياك والفرار
من الزحف وإن هلك الناس ، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت ، وأنفق على عيالك من
طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا، وأخفهم فى اللّه ، رواه أحمد.
وكذا إخراج ماله (متعمدا) احتراز من السهو والنسيان والضرورة (فقد برئت منه ذمة الله) بكسر الراء أى لا يبقى
فى أمن من الله فى الدنيا والآخرة. قال ابن حجر: كناية عن سقوط احترامسه لأنه بذلك الترك عرض نفسه بالعقوبة
بالحبس عند جماعة من العلماء، ولقتله حدا لا كفرا بشرط إخراجها عن وقتها الضرورى وأمره بها فى الوقت عند أتمتنا
الشافعية، ولقتله كفرا فلا يصلى عليه ولا يدفن بمقابر المسلمين عند أحمد وآخرين (فإنه) أى شربها (رأس كل فاحشة)
أى قيحة لأن المانع من الفواحش هو العقل، ولذا سمى عقلا لأنه يعقل صاحبه عن القبائح، فبزواله عن الإنسان يقع
فى كل فاحشة عرضت له، ولذا سميت أم الخبائث. وورد فى رواية ((الخمر جماع الإثم، كما سميت الصلاة أم العبادات
لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر (وإياك والمعصية) تحذير وتعميم بعد تخصيص وإيذان بأن المعاصى السابقة أعظمها
ضررا (فإن بالمعصية حل سخط الله) أى نزل وثبت على فاعلها، واسم إن ضمير الثان المحذوف أى فإنه (وإياك
والفرار من الزحف) تخصيص بعد تعميم (وإن هلك الناس) أى بالفرار أو القتل، وإن وصلية. قال ابن حجر:
شرط البالغة باعتبار الأكمل أيضا وإلا فقد علم من قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم الآية - ٨: ٦٦) أن الكفار
حيث زادوا على المثلين جازالا نصراف (وإذا أصاب الناس موت) أى طاعون ووباء (وأنت فيهم) الجملة حالية
(فاثبت) لقوله مَّله ((إذا وقع الطاعون يلد وأنتم فيهم فلا تخرجوا منه، وإذا وقع ببلد ولستم فيه فلا تدخلوا إليه)).
ومحل الأمرين حيث لا ضرورة إلى الخروج أو الدخول، وإلا فلا إثم كما هو الظاهر (على عيالك) بكسر العين أى من
تجب عليك نفقته شرعا (من طولك) بفتح أوله أى فضل مالك ، وفى معناه الكسب بقدر الوسع والطاقة على طريق
الاقتصاد (ولا ترفع عنهم عضاك أدبا) مفعول له أى للتاديب لا للتعذيب. والمعنى إذا استحقوا الأدب بالضرب
فلاقسامهم (وأخفهم فى الله) أى أنذرهم فى مخالفة أوامر الله بالنصيحة والتعليم وبالحمل على مكارم الأخلاق (رواه أحمد)
(ج .: ص ٢٣٨) وأخرجه أيضا الطبرانى فى الكبير. قال المنذرى: وإسناد أحمد صحيح لو سلم من الانقطاع فإن
عبد الرحمن بن جبير بن فغير لم يسمع من معاذ - انتهى. وأخرجه الطبرانى فى الأوسط عنه قال: أتى رسول الله گلّم
وجل فقال: يا رسول الله على عملا إذا عملته دخل الجنة. فقال رسول الله رؤية: لا تشرك بالله وإن قتلت أو
حرقت - الحديث. وفيه عمرو بن واقد ضعفه البخارى وجماعة، وقال الثورى كان صدوقا. کذا فى مجمع الزوائد.
١٣٩

مرعاة المفاتيح ج ١
١ - كتاب الايمان
٢ - باب فى الوسوسة
٦٢ - (١٤) وعن حذيفة قال: إنما النفاق كان على عهد رسول اللّه مؤثر فأما اليوم فإنما هو
الكفر أو الايمان ، رواه البخارى.
(٢) باب فى الوسوسة
٦٢ - قوله (وعن حذيفة) أى موقوفا. وهو حذيفة بن اليمان واسم اليمان حسيل مصغرا ، ويقال: حسل بكسر
فكون ، ابن جابر العبسى أبو عبد الله الكوفى حليف بنى عبد الأشهل من الانصار، صحابي جليل من السابقين، أسهم
هو وأبوه وأرادا حضور بدر فأخذهما المشركون فاستحلفوهما خلفا لهم أن لا يشهدا فقال لهما النبي ◌َّم: ففى لهم بعهدم
ونستعين الله عليهم. وشهدا أحدا فقتل أباه اليمان يومئذ بعض المسلمين وهو يحسبه من المشركين، وشهد حذيفة
الخندق وله بها ذكر حسن وما بعدها ، وكان عمر يسأله عن المنافقين ، وهو معروف فى الصحابة بصاحب سر رسول الله
عَلثة، وأسر إليه بعض أسماء المنافقين، وكان عمر ينظر إليه عند موت من مات منهم فإن لم يشهد جنازته حذيفة
لم يشهدها عمر. وصح فى مسلم عنه أن رسول اللّه مَّ أعليه بما كان وما يكون حتى تقوم الساعة (يعنى من الفتن
والحوادث). ومناقبه كثيرة مشهورة استعمله عمر على المدائن فلم يزل بها حتى مات بعد قتل عثمان بأربعين يوما سنة
(٣٦) فى أول خلافة على. وكانت له فتوحات سنة (٢٢) فى الدينور وماسبذان وهمدان والرى وغيرها. له مائة
حديث وأحاديث ، اتفقا على اثنى عشر ، وانفرد البخارى بثمانية، ومسلم بسبعة عشر. روى عنه جماعة من الصحابة
والتابعين (إنما النفاق كان على عهد رسول اللّه ◌َفئه) أى حكم النفاق بعدم التعرض لأهله والستر عليهم كان على عهد
رسول الله مُوضّ لمصالح كانت مقتصرة على ذلك الزمان، منها أن المومنين إذا ستروا على المنافقين أحوالهم خفى على
المخالفين حالهم وحسبوا أنهم من جملة المسلمين فيجتنبوا عن مخاشتهم لكثرتهم بل أدى ذلك إلى أن يخافوا وتقل
شوكتهم. ومنها أن الكفار إذا سمعوا مخاشنة المسلمين مع من يصحبهم كان ذلك سيا لنفرتهم منه. ومنها أن من
شاهد حسن خلقه عليه السلام مع مخالفه رغب فى محبته ووافق معه سرا وعلانية ودخل فى دين الله بوفور ونشاط
(فأما اليوم) أى بعد وفاة النبى ◌ََّ (فإنما هو) أى الأمر والحكم. يدل عليه سياق الكلام. أى الثان الذى استقر
عليه الشرع (الكفر أو الايمان) والضمير المبهم يفسره ما بعده وأو التنويع يعنى فأما اليوم ثم تبق تلك المصالح شحن
إن علمنا أنه كافر سرا أجرينا عليه أحكام الكافرين وقتلناه. قال الحافظ فى الفتح: مراد حذيفة فى اتفاق الحكم لا نقى
الوقوع لأن النفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ووجود ذلك ممكن فى كل عصر، وإنما اختلف الحكم لأن التى عَليه
كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الإسلام ولو ظهر منهم احتمال خلافه، وأما بعده فمن أظهر شيئا فإنما يؤاخذ به و
لا يترك لمصلحة التألف لعدم الاحتياج إلى ذلك . انتهى. (رواه البخارى) فى الفتن.
(باب فى الوسوسة) الوسوسة الصوت الخفي، ومنه: وسواس الحلى لأصواتها ، وقيل: ما يظهر فى القلب من الخواطر
١٤٠