النص المفهرس

صفحات 81-100

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
فقلنا: وهم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات
عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من أحداكن. قلن وما نقصان ديننا وعقلنا
يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك
الدالة على كون الزوجتين من نساء الدنيا. وكثرة النساء فى الجنة دون النار لأنه يحتمل أن يكون ذلك فى أول الأمر
قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة. وقيل كانت الأكثرية عند مشاهدته إذ ذاك ولا تنسحب على مجموع الزمان
فتأمل (وبم) أصله بما حذفت ألف ما الاستفهامي بدخول حرف الجر عليها تخفيفا ، والباء للسبية متعلقة بمقدر بعدها،
والواو للعطف على مقدر قبله، والتقدير: كيف يكون ذلك وبأى شئ نكن أكثر أهل النار، أو ما ذنبنا وبم إلخ
(تكثرن اللعن) فى مقام التعليل، وكان المعنى لأ نكن تكثرن "لعن، وهو فى اللغة الطرد والابعاد، وفى الشرع الابعاد
من رحمة اللّه تعالى. قال القارى: لعل وجه التقييد بالا كثار أن اللعن يجرى على ألسنتهن لاعتيادهن من غير قصد
لمعناه السابق تخفف الشارع عنهن ولم يتوعده: بذلك إلا عند إكثاره. قال وقد يستعمل فى الشتم والكلام القبيح،
يعنى عاد تكن إكثار اللعن والشتم والإيذاء باللسان. انتهى (وتكفرن) بضم الفاء، قال الراغب : الكفر فى اللغة ستر
الشئى وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك أداء شكرها، والكفران فى جحود النعمة أكثر استعمالا والكفر فى الدين
أكثر والكفور فيهما (العشير) أى المعاشر وهو المخالط والمراد به الزوج أو أعم من ذلك، وكفران العشير جحد
نعمته وإحسانه واستقلال ما كان منه (ما رأيت من ناقصات عقل ودين) من مزيدة للاستغراق بمجيئها بعد النفى،
صفة لمفعوله المحذوف، أى ما رأيت أحدا من ناقصاتُ. والعقل: غزيرة فى الإنسان يدرك بها المعنى ويمنعه عن
القبائح وهو نور الله فى قلب المؤمن (أذهب) بالنصب وهو صفة أخرى للفعول المحذوف إن كان رأيت بمعنى أبصرت،
ومفعول ثان له إن كان بمعنى علمت ، والمفضل عليه مفروض مقدر، وهو أفعل التفضيل من الاذهاب لمكان اللام فى
قوله (للب الرجل) أى أكثر إذهابا للب، وهذا جائز على رأى سيبويه حيث جوزه من الثلاثى المزيد. واللب:
العقل الخالم من شوائب الهوى، وسمى بذلك لكونه خالص ما فى الإنسان من قواه كاللباب من الشئى. وقيل ما
ذكا من العقل ، فكل لب عقل ولا يعكس (الحازم) الضابط لأمره من الحزم وهو ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة،
وهذه مبالغة فى وصفهن بذلك لأن الضابط لأمره إذا كان ينقاد لهن فغير الضابط أولى (من إحدا كن) متعلق بأذهب
(وما نقصان ديننا وعقلنا) هذا استفسار منهن عن وجه نقصان دينهن ، وذلك لأنه خفى عليهن ذلك حتى استفسرن .
وما ألطف ما أجابهن به مَّم من غير تعنيف ولا لوم بل خاطبهن على قدر عقولهن وفهمهن (أليس شهادة المرأة مثل
نصف شهادة الرجل) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فان لم يكونا رجلين فرجل وامر أتان - ٢: ٢٨٢) لأن الاستظهار
بأخرى مؤذن بقلة ضبطها وهو مشعر بنقص عقلها (فذلك) بكسر الكاف خطابا للواحدة التى تولت الخطاب، ويجوز
٨١

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الإيمان
من نقصان عقلها ، قال أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن بلى. قال: فذلك من
نقصان دينها . متفق عليه .
فتحها على أنه للخطاب العام، والإشارة للحكم السابق (من نقصان عقلها) فيه دلالة على أن ملاك الشهادة العقل مع
اعتبار الأمانة والصدق، وعلى أن شهادة المغفل ضعيف وإن كان قويا فى الدين والأمانة (قال) هو موجود فى أكثر
النسخ. وأما فى أصل السيد جمال الدين ومتن صحيح البخارى فغير موجود . قاله القارى (فذلك من نقصان دينها) قال
النووى: قد يستشكل معنى وصفه صلى الله عليه وسلم النساء بنقصان الدين لتر كهن الصلاة والصوم فى زمن الحيض، وليس
بمشكل فإن الدين والإيمان والاسلام مشتركة فى معز واحد. وقد قدمنا أن الطاعات تسمى إيمانا ودينا وإذا ثبت
هذا علينا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادة نقص إيمانه ودينه - انتهى. قال الحافظ :
وليس المقصود بذكر النقص فى النساء لو مهن على ذلك لأنه من أصل الخلقة لكن التنبيه على ذلك تحذيرا من الاقتنان
بهن، ولذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين منحصرا فيما يحصل به الإثم
بل فى أعم من ذلك فإنه قد يكون على وجه لا إثم فيه كمن ترك الجمعة أو الغزو أو غير ذلك مما لا يجب عليه لعذر، وقد يكون
على وجه هو مكلف به كترك الحائض الصلاة والصوم ، قال فالنقص أمر نسبي ، فالكامل مثلا ناقص عن الأكمل
ومن ذلك الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض لكنها ناقصة عن المصلى. وفى الحديث دليل على أن جحد
النعم حرام ، وكذا كثرة استعمال الكلام القبيح كاللعن والشتم. واستدل النووى على أنهما من الكبائر بالتوعد عليهما
بالنار. وفيه ذم اللعن وهو الدعاء بالايعاد من رحمة اللّه، وهو محمول على ما إذا كان فى معين ، وفيه إطلاق الكفر
على الذنوب التى لا تخرج من الملة تغليظا على فاعلها، لقوله فى رواية أخرى ((بكفر هن)) ففيه دلالة على جواز إطلاق الكفر على غير
الكفر بالله ككفر العشير والإحسان والنعمة والحق، لكنه كفر دون كفر أى هو كفر أدون وأخف من الكفر
باللّه، فالكفر متنوع متفاوت زيادة ونقصانا بعضه أخف من بعض، فكما أن الإيمان ذو شعب كثيرة أعلاها لا إله إلا
اللّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وبينها مراتب كثيرة، كذلك فى الكفر مراتب بعضها أخف من بعض وبين
أعلاه وأدناه مراتب كثيرة، أو يقال أن الكفر نوعان: كفر بالله، وله أربعة أقسام، ڪفر إنكار ، وجحود ،
وعناد، ونفاق، على ما قاله الأزهرى. وكفر بغير الله وهو كفردون كفر أى مغاير للكفر بالله، فالأول مخرج
من الملة موجب الخلود ، والثانى موجب للفسوق فقط غير موجب للخلود مثلا الرجل يقر بالواحدانية والنبوة
بلسانه ويعتقد ذلك بقلبه لكنه يرتكب الكبائر من القتل والسعى فى الأرض بالفساد وكفران الحقوق والنعم ونحو ذلك.
ويوجد فى ذلك صحة تأويل الأحاديث التى أطلق فيه الكفر على الكبائر مثل قوله: وقتاله كفر. وقوله : من ترك
الصلاة متعمدا فقد كفر، وغير ذلك. فلا حجة فيها للخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة (متفق عليه) وأخرجه
٨٢
٠٤

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
٢٠ - (١٩) وعن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه مؤفى قال الله تعالى: كذبنى ابن
آدم ولم يكن له ذلك، وشتمنى ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياى فقوله لن يعيدنى كما
بدأنى، وليس أول الخلق بأهون على من إعادته،
أيضا النسائى وابن ماجه وأخرجه مسلم عن أبى هريرة وابن عمر أيضا وأخرجاه عن جابر أيضا .
٢٠ - قوله (قال الله تعالى) هذا من الأحاديث الإلهية وتسمى القدسية والربانية، وهى أكثر من مائة ، وقد
جمعها بعضهم فى جزء كبير، والفرق بين الحديث القدسى وبين القرآن أن الأول يكون بإلهام أو منام أو بواسطة ملك
بالمعنى فيعبره بلفظه وينسبه إلى ربه ، والثانى لا يكون إلا بانزال جبريل باللفظ المعين وهو أيضا متواتر بخلاف الأول
فلا يكون حكمه حكمه فى الفروع وبقية الأحاديث وإن كانت كلها بالوحى لقوله تعالى ( وما ينطق عن الهوى إن هو الا
وحى يوحى﴾ لكنها لم يضفها إلى اللّه تعالى ولم يروها عنه تعالى فهى فى الدرجة الثالثة وإن شئت التفصيل فارجع
إلى قواعد التحديث (٣٩ - ٤٤) (كذبنى) بتشديد الذال المعجمة من التكذيب وهو نسبة المتكلم إلى أن خبره خلاف
الواقع والمعنى نسب إلى الكذب حيث أخبرته أنى أعيده يوم القيمة ، وهو ينكر البعث ويكذبنى فى ذلك الاخبار
(ابن آدم) المراد به بعض بنى آدم وهم من أنكر البعث من العرب وغيرهم من عباد الأوثان والدهرية وغيرهم (ولم يكن)
أى ما صح وما استقام وما كان ينبغى له (ذلك) أى التكذيب (وشتمنى) ابن آدم أى بعضهم، وهم من ادعى أن بله
ولدا من اليهود والنصارى ، ومن مشركى العرب من قال إن الملائكة بنات الله. والشتم توصيف الشئى بما فيه ازدراء
ونقص وإثبات الولد له كذلك لأنه قول بماثلة الولد فى تمام حقيقته وهى مستلزمة للإمكان المتداعى إلى الحدوث وذلك
غاية النقص فى حق البارى تعالى، ولأن الحكمة فى التوالد استبقاء النوع فلو كان البارى تعالى متخذا ولدا لكان مستخلفا
خلفا يقوم بأمره بعد عصره فيلزم زواله وفنائه، سبحانه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (ولم يكن له ذلك) أى الشتم
(فقوله لن يعيدنى) إلا عادة هى الإيجاد بعد العدم المسبوق بالوجود، فالمعنى لن يحينى بعد موتى كما بدأنى أى أوجدنى
عن عدم وخلقتى ابتداء أى إعادة مثل بدءه إياى أو لن يعيدنى مماثلا لما بدأنى عليه (وليس أول الخلق) من قبيل إضافة
الصفة إلى الموصوف ، أى ليس الخلق الأول للخلوقات أو من قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أى ليس
أول خلق الخلق ، والخلق بمعنى المخلوق أو اللام عوض عن المضاف إليه أى أول خلق الشئى (بأهون) الباء زائدة
للتأكيد، من هان الأمر: إذا سهل (على من إعادته) أى المخلوق أو الشئى، بل هما يستويان فى قدرتى بل الإعادة أسهل
عادة لوجود أصل البنية وأثرها ، أو أهون على زعمكم وبالنسبة إليكم، ففيه إشارة إلى تحقيق المعاد وإمكان الاعادة ،
وهو أن ما يتوقف عليه تحقق البدن من أجزائه وصورته لو لم يكن وجوده ممكنا لما وجد أو لا وقد وجد وإذا أمكن
٨٣

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
وأما شتمه إياى فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد الذى لم ألد ولم أولد، ولم يكن
لى كفوا أحد.
لم يمتنع لذاته وجوده ثانيا وإلا لزم انقلاب الممكن لذاته ممتنعا لذاته وهو محال ، وتنبيه على مثال يرشد العامى وهو ما
يرى فى الشاهد أن من اخترع صنعة لم ير مثلها ولم يجد لها أصلا، صعب عليه ذلك وتعب فيها تعبا شديدا وافتقر فيها
إلى مكابدة أفعال ومعاونة أعوان ومرور أزمان، ومع ذلك فكثيرا لا يستتب له الأمر ولا يتم له المقصود، ومن أراد
إصلاح منكسر أو إعادة منهدم ، وكانت العدد حاصلة والأصول باقية هان عليه ذلك وسهل جدا ، فيا معشر الغواة !
تحيلون إعادة أبدانكم وأنتم تعترفون بجواز ما هو أصعب منها ، بل هو كالمتعذر بالنسبة إلى قدركم وقواكم، وأما
بالنسبة إلى قدرة الله تعالى فلا سهولة ولا صعوبة ، يستوى عنده تكوين بعوض طيار وتخليق فلك دوار كما قال:
﴿ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر - ٥٤: ٥٠} والحاصل أن إنكارهم الاعادة بعد أن أقروا بالبداية تكذيب منهم
له تعالى، والجملة حالية وعاملها قوله فى «فقوله، وصاحبها الضمير المضاف إليه فى قوله (اتخذ الله ولدا) أى اختاره
سبحانه ، وإنما كان ذلك شتما لما فيه من التنقيص لأن الولد إنما يكون أى عادة عن والدة تحمله ثم تضعه ويستلزم ذلك
سبق النكاح، والتناكح يستدعى باعثا له على ذلك، والله تعالى منزه عن جميع ذلك (وأنا الأحد) أى المنفرد المطلق
ذاتا وصفاتا. وقيل إن أحداً وواحدا بمعنى، وأصل أحد وحد بفتحتين. وقيل ليسا مترادفين بل بينهما فرق من حيث
اللفظ والمعنى جميعا من وجوه ، ذكره القسطلاف فى شرح البخارى نقلا عن شرح المشكوة. والجملة حالية كما مر
(الصمد) فعل بمعنى مفعول كالقنص، والنقص، وهو السيد المصمود أى المقصود إليه فى الحوائج، الغنى عن كل أحد
(لم ألد ولم أولد) لأنه لما كان الواجب الوجود لذاته قديما موجودا قبل وجود الأشياء وكان كل مولود محدثا انتفت
عنه الولدية ، ولما كان لا يشبهه أحد من خلقه ولا يجانسه حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالد انتفت عنه الوالدية .
ومن هذا قوله: ﴿أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة - ٦: ١٠٢﴾ (ولم يكن لى كفوا) بضم الكاف والفاء وسكونها
مع الهمزة وضمهما مع الواو، ثلاث لغات متواترات يعنى مثلا وهو خبر كان وقوله (أحد) اسمها أخر عن خبرها رعاية
الفاصلة، ولى متعلق بكفوا وقدم عليه لأنه محط القصد بالنفى ، ونفى الكفر يعم الوالدية والزوجية وغيرها. قال
الطيبي: ذكر الله تعالى تكذيب ابن آدم وشتمه وعظمتهما، ولعمرى أن أقل الخلق وأدناه إذا نسب ذلك إليه استنكف
وامتلأ غضبا وكاد يستأصل قائله، فسبحانه ما أحمله وما أرحمه: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا
العجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا - ١٨: ٥٧) ثم انظر إلى كل واحد من التكذيب والشتم وما
يؤديان إليه من التهويل والفظاعة ، أما الأول فإن منكر الحشر يجعل الله عز وجل كاذبا، والقرآن الذى هو مشحون
بإثباته مفترى ويجعل كلمة اللّه تعالى فى خلق السموات والأرض عبئا ولعبا، قال الله تعالى: ﴿إن ربكم الله الذى خلق
٨٤

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
٢١ - (٢٠) وفى رواية ابن عباس
السماوات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر) إلى قوله: ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات
بالقسط، والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون - ١٠: ٤،٣) علل الله خلق السماوات
والأرض والاستواء على العرش لتدبير العالم بالجزاء من ثواب المؤمن وعقاب الكافر، ولا يكون ذلك إلا فى القيامة
فيلزم منه أن لو لم يكن الحشر لكان ذلك عبثا ولهوا. وقال تعالى: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين -
٢١: ١٦) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. وأما الثانى فإن قائله يحاول إزالة المخلوقات بأسرها وتخريب
السماوات من أصلها قال تعالى: ﴿تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، أن دعوا للرحمن ولدا -
١٩ : ٩٠، ٩١﴾ ثم تأمل فى مفردات التركيب لفظة لفظة فإن قوله (لم يكن له ذلك، من باب ترتيب الحكم على
الوصف المناسب المشعر بالعلية ، لأن قوله لم يكن له ذلك ففى الكينونة التى بمعنى الانتفاء كقوله تعالى: ﴿ما كان لكم أن
تنبوا شجرها - ٢٧: ٦٠) أراد أن تأتى ذلك محال من غيره تعالى ومنه قوله تعالى: ﴿ما كان لنى أن يغل - ٣: ١٦١)
معناه : ما صح له ذلك، يعنى أن النبوة تنافى الغلول، فيفئذ يجب أن يحمل لفظ ابن آدم على الوصف الذى يعلل الحكم
به بحسب التلميح وإلا لم يكن لتخصيص لفظ ابن آدم دون الناس والبشر فائدة ، وذلك من وجوه. أحدها : أنه تليح
إلى قوله: ﴿ولقد خلقنا كم ثم صورنا كم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم - ٧: ١١) ﴾ من اللّه تعالى عليهم بها، المعنى أنا
أنعمنا عليكم بإيجادكم من العدم ، وصورناكم فى أحسن تقويم ثم أكرمنا الملائكة المقربين بالسجود لأيكم لتعرفوا قدر
الإنعام فشكروا فقلبتم الأمر فكفرتم ونستم المنعم المتفضل إلى الكذب ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وتجعلون
رزقكم أنكم تكذبون - ٥٦: ٨٢﴾ أى شكر رزقكم. وثانيها: تلميح إلى قوله تعالى: ﴿أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من
نطفة فإذا هو خصيم مبين ٣٦: ٧٧﴾ المعنى ألم تر أيها المكذب إلى أنا خلقناك من ماء مهين، خرجت من إحليل أبيك
واستقرت فى رحم أمك فصرت تخاصمنى بحججك وبرهانك فيما أخبرت به من الحشر والنشر بالبرهان فأنت خصيم لى
بين الخصومة، وما أحسن موقع المفاجأة التى يعطيها قوله تعالى: (فإذا هو خصيم مبين) وثالثها إلى قوله
تعالى: ﴿أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ٣٦: ٨١﴾ المعنى أو ليس الذى خلق هذه
الأجرام العظام بقادر على أن يخلق مثل هذا الجرم الصغير الذى خلق من تراب ثم من نطفة وكذلك قوله: أنا الأحد
الصمد الذى لم ألد ولم أولد، أوصاف مشعرة بعلية الحكم، أما قوله الأحد فإنه بنى لنفى ما يذكر معه من العدد ، فلو
فرض له ولد يكون مثله، فلا يكون أحدا ، والصمد هو الذى يصمد اليه فى الحوائج ، فلو كان له ولد لشركه فيه فيلزم
إذا فساد السماوات والأرض، وقوله كفوا أى صاحبة لا ينبغى له لأنه لو فرض له ذلك للزم منه الاحتياج إلى قضاء
الشهوة ، وكل ذلك وصف له بما فيه نقص وإزراء، وهذا معنى الشتم ، والله أعلم - انتهى كلام الطبي.
٢١ - قوله (وفى رواية ابن عباس) أى فى هذا الحديث قال الحافظ بعد ذكر الاختلاف بين روايتى أبى هريرة
٨٥

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
وأما شتمه إياى فقوله: لى ولد، وسبحانى أن أتخذ صاحبة أو ولدا. رواه البخارى.
٢٢ - (٢١) وعن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه ◌ُ لَّم: قال اللّه تعالى: يؤذينى ابن
آدم يسب الدهر
وابن عباس: وهو محمول على أن كلامن الصحابيين حفظ فى آخره ما لم يحفظ الآخر (لى ولد) اسم جنس يشمل
الذكر والأنثى (وسبحانى) وفى نسخة صحيحة بالقاء، وكذا فى الخارى وهو مضاف إلى ياء المتكلم ، أى نزهت ذاتى
(أن أتخذ) أى من أن أتخذ، وأن مصدرية (صاحبة) أى زوجة (أو ولدا) أو للتنويع لا للشك، ومناسبة الحديث
لكتاب الإيمان من حيث أن إنكار الحشر والنشر ونسبة الولد إلى الله تعالى ضد الإيمان باليوم الآخر، والإيمان
بالله المنعوت فى حديث جبريل (رواه البخارى) عن أبى هريرة فى بدء الخلق، وفى تفسير سورة الإخلاص، وعن
ابن عباس فى تفسير سورة البقرة، وأخرجه أحمد والنسائى أيضا عن أبى هريرة .
٢٢ - قوله (يؤذينى ابن آدم) أى يقول فى حقى ما أكره، وينسب إلى ما لا يليق لى أو ما يتأذى به من يجوز
فى حقه التأذى، وهذا من المتشابهات والله تعالى منزه عن أن يلحقه أذى إذ هو محال عليه فإما أن يفوض أو يؤول کما
تقدم ويقال هو من التوسع فى الكلام ، والمراد أن من وقع ذلك منه تعرض لسخط الله وغضبه. وقال الطبي:
الايذاء إيصال المكروه إلى الغير قولا أو فعلا أثر فيه أو لم يؤثر، وإيذاء الله تعالى عبارة عن فعل ما يكرهه ولا يرضى
به وكذا إيذاء رسول الله ◌َّه. وقال تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والآخرة - ٣٣:
٥٧﴾ (يسب الدهر) بصيغة المضارع استئناف بيان، يعنى يقول إذا أصابه مكروه من موت أو هرم أو تلف مال أو غير
ذلك: تبا الدهر وبؤساله وياخيبة الدهر ونحو ذلك. والدهر اسم لمدة العالم من مبدأ تكوينه إلى انقراض العالم. كانت
الجاهلية تضيف المصائب والنوائب إلى الدهر الذى هو من الليل والنهار، وهم فى ذلك فرقتان. فرقة لا تؤمن بالله
ولا تعرف إلا الدهر الليل والنهار اللذان هما محل للحوادث وظرف لساقط الأقدار فتنسب المكاره إليه على أنها من
فعله ، ولا ترى أن لها مدبرا غيره، وهذه الفرقة هى الدهرية من الكفار والفلاسفة الدورية المنكرين للصانع المعتقدين
أن فى كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شئ إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى فكابروا
المعقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر - ٤٥: ٢٤) أى مر الزمان وطول العمر واختلاف
الليل والنهار. وفرقة تعرف الخالق وتنزهه من أن تنسب إليه المكاره فتضيفها إلى الدهر والزمان ، وعلى هذين الوجهين
كانوا يسبون الدهر ويذمونه، وقد يقع من بعض عوام المؤمنين غفلة وجهالة. قال المحققون من نسب شيئا من الأضال
إلى الدهر حقيقة كفر ، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر لكنه يكره له ذلك لشبهه بأهل
٨٦
٠٠

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
وأنا الدهر بدى الأمر، أقلب الليل والنهار، متفق عليه.
٢٣ - (٢٢) وعن أبى موسى قال قال رسول مّ: ما أحد أصبر على أذى يسمعه
من الله، يدعون له
الكفر فى الإطلاق (وأنا الدهر) برفع الراء، قيل هو الصواب، ويؤيده الرواية التى فيها، فإن الله هو الدهر، وهو
مضاف إليه أقيم مقام المضاف، أى أنا خالق الدهر أو صاحب الدهر ، حذف اختصارا للفظ وتوسعا فى المعنى. وقيل
التقدير مقلب الدهر ولذا عقبه بقوله: يدى الأمر أقلب الليل والنهار. وقيل الدهر فى قوله وأنا الدهر غير الأول،
فإنه بمعنى زمان مدة العالم من مبدأ التكوين إلى أن ينقرض العالم. والثانى مصدر بمعنى الفاعل ومعناه أنا الداهر
المتصرف المدبر المفيض لما يحدث، واستضعف هذا القول لعدم الدليل عليه. وقيل الأظهر فى معناه أنا فاعل ما يضاف
إلى الدهر من الخير والشر والمسرة والمساءة فإذا سب ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلى لأنى
فاعلها وإنما الدهر زمان جعلته ظرفا لمواقع الأمور. قال عياض: زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله
تعالى، وهو غلط فإن الدهر مدة زمان الدنيا. وقال ابن كثير: قد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية فى عدهم
الدهر من الأسماء الحسنى أخذا من هذا الحديث انتهى. ويروى بنصب الدهر على الظرفية ، أى أنا المتصرف فى
الدهر، أو أنا مدة الدهر، أقلب ليله ونهاره، أو أنا باق مقيم أبدا لا أزول (بيدى الأمر) بالافراد وفتح الياء
: وتسكن ، وجوز التثنية وفتح الياء المشددة التاكيد والمبالغة، أى الأمور كلها خيرها وشرها حلوها ومرها مما تنسبونها
إلى الدهر تحت قصرفى (أقلب الليل والنهار) وعند أحمد (ج ٢: ص ٤٩٦) بسند صحيح عن أبى هريرة : لا تسبوا
الدهر فإن اللّه تعالى قال أنا الدهر، الأيام والليالى لى أجددها وأبليها، وآتى بملوك بعد ملوك. ولا تخفى مطابقة
الحديث لكتاب الإيمان على من تأمل فى معناه (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود.
٢٣ - قوله (ما أحد أصبر) أى ليس أحد أشد صبرا، وهو حبس النفس على المكروه، والله تعالى منزه عن
ذلك، فالمراد لازمه وهو حبس العقوبة عن مستحقها إلى زمن آخر وتأخيرها أى ترك المعاجلة بالعقوبة. وقال
الحافظ : أصبر: أفعل تفضيل من الصبر ومن أسماءه الحسنى الصبور، ومعناه: الذى لا يعاجل العصاة بالعقوبة، وهو
قريب من معنى الحليم والحليم، أبلغ فى السلامة من العقوبة (على أذى) قيل إنه اسم مصدر آذى يؤذى بمعنى المؤذى،
صفة محذوف أى كلام مؤذ قبيح صادر من الكفار (يسمعه) صفة أذى، وهو تتميم لأن المؤذى إذا كان بمسمع من
المؤذى كان تأثير الأذى أشد، وهذا بالنسبة إلينا وإلا فالمسموع وغيره معلوم عنده تعالى (من أبله) متعلق بقوله أصبر
لا يسمعه (يدعون له) بسكون الدال، وقيل بتشديدها أى ينسبون إليه، والجملة استئناف بيان للأذى، واستشكل
بأن الله تعالى منزه عن تعلق الأذى به لكونه صفة نقص وهو منزه عن كل نقص. وأجيب بأن المراد أذى يلحق
٨٧

مرعاة المفاتيح ج !
كتاب الايمان
الولد ثم يعافيهم ويرزقهم . متفق عليه.
- ٢٤ - (٢٣) وعن معاذ كنت ردف النبى مفع على حمار ليس بينى وبينه إلا مؤخرة
الرحل . فقال: يا معاذ هل تدرى
رسله وصالحى عباده، إذ فى إثبات الولد له إيذاء لهم لأنه تكذيب لهم فى نفى الصاحبة والولد عن الله وإنكاره لمقالتهم.
فأضيف الأذى لله تعالى البالغة فى الإنكار عليهم والاستعظام لمقالتهم (ثم يعافيهم) بدفع المكاره والبليات والمضرات
عنهم (ويرزقهم) السلامة وأصناف الأموال، ولا يعجل تعذيبهم، فهو أصبر على الأذى من الخلق لكن لا يؤخر
النقمة قهرا بل تفضلا مع القدرة على الانتقام. وفى الحديث إشارة إلى أن الصبر على احتمال الأذى محمود، وترك
الانتقام ممدوح، ولهذا كان جزاء كل عمل محصورا وجزاء الصبر غير محصور. قال تعالى: إنما يوفى الصابرون
أجرهم بغير حساب - ٣٩: ١٠. (متفق عليه) أخرجه البخارى فى التوحيد باللفظ الذى ذكره المصنف إلا أن فيه
سمعه بصيغة الماضى مكان قوله ((يسمعه)) وأخرجه أيضا فى الأدب، وأخرجه مسلم فى باب الكفار من كتاب صفة
القيامة ، وأخرجه النسائى فى النعوت .
٢٤ - قوله (عن معاذ) بضم الميم هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ من عدى الأنصارى الخزرجى،
أبو عبد الرحمن المدنى أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة وشهد بدرا وما بعدها، وكان إليه المنتهى فى العلم بالأحكام والقرآن.
روى الترمذى وغيره عن أبى قلابة عن أنس مرفوعا فى ذكر بعض الصحابة: وأعلهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل
ويروى عن النبى معَّه مرسلا ومتصلا: يأتى معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة. وقال ابن مسعود كنا نشبهه بابراهيم
عليه السلام، وكان أمة قانتا لله حنيفا، ولم يك من المشركين. وقال الأعمش عن أبى سفيان حدثنى أشياخ لنا فذكر
قصة فيها فقال عمر: عجزت النساء أن تلدن مثل معاذ، لو لا معاذ لهلك عمر، وبعثه النبى مَ ◌ّمه قاضيا ومعلما إلى اليمن.
وقال أبو نعيم فى الحلية: إمام الفقهاء وكنز العلماء، شهد العقبة وبدرا والمشاهد وكان من أفضل شباب الأنصار حلما
وحياء وسخاء وكان جميلا وسيما ، ومناقبه كثيرة جدا. روى عنه خلق من الصحابة والتابعين. له مائة وسبعة وخمسون
حديثا اتفقا على حديثين، وانفرد البخارى بثلاثة ومسلم بحديث. قدم اليمن فى خلافة أبى بكر وكانت وفاته بالطاعون
فى الشام سنة سبع عشرة أو التی بعدها ، وهو قول الآ کثر ، وعاش أربعا وثلاثين سنة ، وقيل غير ذلك ( کنت ردف
التى مَفِّ) الردف بكسر الراء وسكون الدال، والرديف: الرا كب خلف الراكب بإذنه، وردف كل شئ مؤخره،
وأصله من الركوب على الردف وهو العجز ، ولهذا قيل للراكب الأصلى: ركب صدر الدابة ، وردفت الرجل إذا
ركبت وراءه، وأردفته إذا أركبته وراءك (على حمار) اسمه عفير تصغير أعضر، أهداه المقوقس أو فروة بن عمرو
(ليس بينى وبينه إلا مؤخرة الرحل) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة وهو البعير كالسرج للفرس، والمراد قدر مؤخرة الرجل
٨٨

مرعاة المفاتيح ج ١
.كتاب الايمان
ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حق
الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من
لا يشرك به شيئا ..
قاله النووى. والمؤخرة: هى العود التى يجعل خلف الراكب يستند إليه، بضم الميم وسكون الهمزة بعدها خاء
مكسورة ، وقد تفتح وفيه لغة أخرى بفتح الهمزة والغاء المشددة المكسورة وقد تفتح، وفائدة ذكره المبالغة فى شدة
قربه ليكون أوقع فى نفس سامعه أنه ضبط ما رواه (ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله) قال الطيبي: الحق
نقيض الباطل لأنه ثابت والباطل زائل ، ويستعمل فى الواجب واللازم والجدير والنصيب والملك. وحق الله تعالى
بمعنى الواجب واللازم: وحق العباد بمعنى الجدير لأن الإحسان إلى من لم يتخذ ربا سواه جدير فى الحكمة أن يفعله ،
قال هذا هو الوجه. وقيل حق العباد على الله تعالى ما وعدهم به من الثواب والجزاء، ومن صفة وعده أن يكون
واجب الإنجاز فهو حق بوعده الصدق وقوله الحق الذى لا يجوز عليه الكذب فى الخبر ولا الخلف فى الوعد ، أو
المراد أنه كالواجب فى تحققه وتأكده، أو قال حقهم على اللّه على جهة المقابلة والمشاكلة لحقه عليهم، فالله تعالى لا يجب
عليه شتى بحكم الأمر إذ لا آمر فوقه، ولا حكم للعقل لأنه كاشف لا موجب. قال الحافظ: وتمسك بعض المعتزلة
بظاهره ولا متمسك لهم مع قيام الاحتمال (قال فإن) أى إذا فوضت فاعلم أن (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا
يشركوا به شيئا) المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصى، وعطف عليها عدم الإشراك لأنه تمام التوحيد،
والحكمة فى عطفه على العبادة أن بعض الكفرة كانوا يدعون أنهم يعبدون الله، ولكنهم يعبدون آلهة أخرى، فاشترط
نفى ذلك. والجملة حالية، والتقدير: يعبدونه فى حال عدم الإشراك به. قال ابن حبان: عبادة الله إقرار باللسان
وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ولهذا قال فى الجواب فما حق العباد إذا فعلوا ذلك. فعبر بالفعل ولم يعبر بالقول
كذا فى الفتح (وحق العباد) بالنصب ويجوز رفعه (أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا) من الأشياء أو الإشراك،
وفى رواية لمسلم: أتدرى ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟ والإشارة إلى ما تقدم من قوله يعبدوه ولا يشركوا به شيئا،
وفى رواية للبخارى إذا فعلوه. قال القارى: أى لا يعذبهم عذابا مخلدا ، فلا ينافى دخول جماعة النار من عصاة هذه
الأمة كما ثبت به الأحاديث الصحيحة - انتهى. قلت: لا حاجة إلى هذا التاويل فإن عدم التعذيب إنما هو لمن عبده
ولم يشرك به شيئا ، والمراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصى مع الإقرار باللسان والتصديق بالقلب كما علمت ،
ومن كان كذلك لا يعذب مطلقا ويدخل الجنة أولا معافى. ومن ههنا ظهر أن الوعد المذكور فى الحديث إنما هو بعد
ملاحظة جميع ما ورد فى الشرع من الأوامر والنواهى ومراعاة جميع الفرائض والواجبات الشرعية ثم الاتكال فيما
وراء ذلك من فضائل الأعمال وفواضلها أى السنن والنوافل، وهذا لأن الإنسان أرغب فى دفع المضرة من جلب المنفعة،
٨٩

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
قلت : يا رسول اللّه أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيكلوا، متفق عليه.
٢٥ - (٢٤) وعن أنس أن النبى معه، ومعاذ رديفه على الرحل، قال: يا معاذ! قال:
لبيك يا رسول الله
فإذا علم أن الإقرار والتصديق والعمل بالفرائض والاجتناب عن المعاصى يكفى لهفى نجاته من العذاب وتخليصه منه ذهب
يقنع ويتكاسل عن السنن والمستحبات ولا يجتهد فى تحصيل الدرجات العليا، وهذا أمر كأنه جبل عليه، ولا شك أن الاكتفاء
بالفرائض والواجبات والتقاعد عن السنن والنوافل نقيصة وحرمان عن المدارج العالية، فمنع النبى مَ ◌ّ معاذا أن يخبر به
لثلا يتكلوا وليجتهدوا فى معالى الأمور. والدليل على أن المراد من الاتكال الآتى فى الحديث الاتكال عن السنن والنوافل
ما رواه الترمذى فى صفة الجنة عن معاذ بن جبل أن رسول اللّه مَ الله قال من صام رمضان وصلى الصلاة وحج البيت،
لا أدری أذكر الزكاة أم لا ، إلا كان حقا على الله أن يغفر اه إن هاجر فى سبيل الله أو مکث بأرضه التى ولد بها. قال
معاذ ألا أخبربها الناس؟ فقال رسول ◌َّ ذر الناس يعملون فإن فى الجنة مائة درجة. والفردوس أعلا الجنة وأوسطها.
قال فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس. ففيه ذكر الفرائض أيضا والتحريض على الدرجة العلياء، ويدل عليه أيضاً ما
رواه أحمد عن معاذ ، وسيأتى فى آخر الفصل الثالث ، فظهر أنه لم يرد فى الحديث الجمل الاتكال عن الفرائض كيف
وترك الفرائض لا يرجى من عوام المؤمنين وشأن الصحابة أرفع (أفلا أبشر به الناس) الهمزة للاستفهام ، ومعطوف
الفاء محذوف ، تقديره: أقلت ذلك فلا أبشر. وبهذا يجاب عما قيل إن الهمزة تقضى الصدارة والفاء تقتضى عدم
الصدارة فما وجه جمعهما ، قاله العينى. وقال القارى: الفاء فى جواب الشرط المقدر أى إذا كان كذلك أفلا أبشرهم بما
ذكرت من حق العبادة. والبشارة إيصال خبر إلى أحد يظهر أثر السرور منه على بشرته. وأما قوله فبشرهم بعذاب
أليم، فمن الاستعارة التهكمية (لا تبشرهم) بذلك (فيتكلوا) منصوب فى جواب النهى بتقدير أن بعد الغاء، أى يعتمدوا
ويتركوا الاجتهاد فى حق الله تعالى، فالنهى منصب على السبب والمسبب معا أى لا يكن منك تبشير فاتكال منهم. قال
الطبي: وإنما رواه معاذ مع كونه منهيا لأنه على أن هذا الإخبار يتغير بتغير الأزمان والأحوال ، والقوم يومئذ كانوا
حديثى عهد بالاسلام ولم يعتادوا بتكاليفه فلما استقاموا وتثبتوا أخبرهم به بعد ورود الامر بالتبليغ والوعيد على الكتمان
والتضييع ، ثم إن معاذا مع جلالة قدره لم يخف عليه ثواب من نشر علما ، ووبال من كتمه صنا فرأى التحديث به
واجبا ، ويؤيده ما ورد فى الحديث الذى يتلوه فأخبر به معاذ عند موته تأتما. انتهى (متفق عليه) أخرجه البخارى فى
الجهاد وفى الاستيذان وفى الرقاق وفى التوحيد، وأخرجه مسلم والترمذى فى الايمان وأبو داود فى الجهاد مختصرا .
٢٥ - قوله (أن النبي ◌َّةٍ ومعاذ رديفه على الرحل) أى راكب خلفه مؤتم، والجملة حالية معترضة بين اسم أن
وخبرها. والرحل أكثر ما يستعمل فى البعير لكن معاذا كان فى تلك الحالة رديفه على حمار كما مر، فيأول بما تقدم فى كلام
النووى (قال يا معاذ) فى محل الرفع لأنه خبر أن المتقدمة (لبيك) بفتح اللام مثنى مضاف بنى للتكرير والتكثير من
٩٠
:

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
وسعديك. قال يا معاذ! قال: لبيك يا رسول اللّه وسعديك. قال يا معاذ !قال ليك يا
رسول اللّه وسعديك ثلاثا. قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار.
غير حصر ، من لب أى أجاب أو أقام ، أى أجبت لك إجابة بعد إجابة، أو أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة. وكان
حقه أن يقال لبالك فثنى على معنى التأكيد. وقال العينى: قال ابن الأنبارى: فى لبيك أربعة أقوال. أحدها: إجابتى
لك، مأخوذ من لب بالمكان وألب به: إذا أقام به ، وقالوا لبيك فتنوا لأنهم أرادوا إجابة بعد إجابة كما قالوا حنانيك
أى رحمة بعد رحمة. والثانى: اتجاهى يا رب وتصدى لك، فثنى لتأكيد أخذا من قولهم دارى تلب دارك أى تواجهها.
والثالث: مجتى لك يا رب. من قول العرب امرأة لية إذا كانت محجبة لولدها عاطفة عليه. الرابع: إخلاصى لك يا
رب، من قولهم حسب لباب إذا كان خالصا مضا ومن ذلك لب الطعام ولابه (وسعديك) ثنية سعد والمعنى أنا مسعد
طاعتك إسعادا بعد إسعاد، فتنى للتأكيد وتكرير التداء بقوله يا معاذ لتأكيد الاهتمام بما يخبر به وليكل تنبيه معاذ فيما
يسمعه، فيكون أوقع فى النفس وأشد فى الضبط والحفظ (ثلاثا) أى قيلا ثلاثا وهو يتعلق بقول كل واحد من النبي
يؤيّ ومعاذ أى وقع هذا النداء والجواب ثلاث مرات (ما من أحد) من زائدة لاستغراق النفي، وأحد مبتدأ وصفته
قوله (يشهد) وخبر المبتدأ قوله إلا حرمه الله على النار، وهو استثناء مفرغ أى ما من أحد يشهد محرم على شئى إلا
محرما على النار، والتحريم بمعنى المنع، قاله القارى. وقال العينى: كلمة ما للنفى، وكلة من زائدة لتأكيد النفي، وأحد
اسم ما ويشهد خبرها وأن مغسبرة، وإلا حرمه الله على النار استثناء من أعم عام الصفات أى ما أحد يشهد كاتنا بصفة
التحريم، انتهى. فتأمل (صدقا) يجوز أن يكون حالا عن فاعل يشهد بمعنى صادقا أو يكون صفة مصدر محذوف أى
شهادة صدقا. وقال القارى: هو مصدر فعل محذوف أى يصدق صدقا وقوله (من قلبه) صفة صدقا لأن الصدق قد
لا يكون من قلب أى اعتقاد كقول المنافقين إنك لرسول الله. وقال العينى: قوله من قلبه يجوز أن يتعلق بقوله صدقا
أى يشهد بلفظه ويصدق بقلبه، فالشهادة لفظية، ويجوز أن يتعلق بقوله يشهد، فالشهادة قلبية أى يشهد بقلبه ويصدق بلسانه.
قال السندهى: الشهادة فعل اللسان وفعل القلب لا يسمى شهادة ، فجعل من قلبه متعلقا يشهد على معنى أنه يشهد بالقلب
غير ظاهر ، نعم يمكن جعله متعلقا به على معنى شهادة ناشئة من مؤاطاة قلبه لكن لا يبقى حينئذ لقوله صدقا كثير فائدة.
انتهى (إلا جرمه الله على النار) ظاهر هذا يقتضى عدم دخول جميع من شهد الشهادتين النار لما فيه من التعميم
والتاكيد، وهو مصادم للأدلة القطعية الدالة على دخول طائفة من عصاة الموحدين النار ثم يخرجون بالشفاعة. وقد
أجيب عنه بأجوبة ، منها أن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك قبل أن يتمكن من الإتيان بفرض آخر،
وهذا قول البخارى. ومنها أن المراد بالتحريم تحريم الخلود لا اصل الدخول. ومنها أنه خرج مخرج الغالب إذ الغالب

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
قال: يا رسول اللّه أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا.
أن الموحد يعمل بالطاعات ويحتنب المعاصى. ومنها أن ذلك لمن قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها ليكون الامتثال
والانتهاء مندرجين تحت الشهادة، وهذا قول الحسن. ومنها أن المراد تحريم جملته لأن النار لا تأكل موضع السجود
من المسلم وكذا لسانه الناطق بالتوحيد. ومنها أن معناه حرمه الله على النار الشديدة المؤبدة التى أعدها للكافرين وإن
عمل الكبائر ، وقد أوضحه الشاه ولى الله فى حجة الله. ومنها أن ذلك يختص لمن أخلص، والإخلاص يقتضى
تحقيق القلب بمعناها ، ولا يتصور حصول التحقيق مع الإصرار على المعصية لامتلاء القلب بمحبة الله تعالى وخشيته،
فتنبعث الجوارح إلى الطاعة وتنكف عن المعصية. ومنها ما قاله الطبي: إن قوله صدقا أقيم هنا مقام الاستقامة لأن
الصدق يعبر به قولا عن مطابقة القول الخبر عنه، ويعبر به فعلا عن تحرى الأخلاق المرضية كقوله تعالى ﴿والذى جاء
بالصدق وصدق به - ٣٩: ٣٢﴾ أى حقق ما أورده قولا بما تحراه فعلا - انتهى. وحاصل ما قال إن ذلك مقيد بمن
عمل الأعمال الصالحة، قال ولأجل خفاء ذلك لم يؤذن لمعاذ فى التبشير به. ومنها أنه مقيد بوجود شرائط وارتفاع
موانع كما ترتب الأحكام على أسبابها المقتضية المتوقفة على انتفاء الموانع، فإذا تكامل ذلك عمل المقتضى عمله، وإنما
يذكر الكلام فى مواقع الوعد والبشارة مرسلا مع كون الشرائط والموانع معتبرة وملحوظة هناك لظهوره ، ولأن
المناسب للبشارة الاجمال والابهام، فلا يتعرض فيها لتحقق الشرائط وانتفاء الموانع واستيفاء الأمور الواجبة. والحاصل
أن الامتثال بالطاعات والاجتناب عن المعاصى مراعى ههنا وإن لم يذكر فى العبارة، وهذا لأنه مَ ◌ّه قد كان فرغ من ذكر
أكثر الفرائض والمناهى ، وتفصيلها واحدة واحدة، والترغيب فى الطاعات طاعة طاعة، والترهيب من المعاصى
معصية معصية لأن مثل هذا الحديث وقع لأبى هريرة كما رواه مسلم ، وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض ، كذا
ورد نحوه من حديث أبى موسى رواه أحمد بإسناد حسن ، وكان قدومه فى السنة التى قدم فيها أبو هريرة ، فاستغنى عن
ذكرها فى كل مرة لأنه قد بين لهم أن الأعمال الصالحة لا بد منها فى الايمان ، وأن المعاصى مضرة موجة لسخط الله
فصلت غنية عن تكريرها فى كل موضع لكون المعلوم كالمذكور ، وإنما خص كلمة الشهادتين بالذكر من بين أجزاء
الإيمان لكونها أصلا وأساسا للكل ومدارا للحياة الأبدية. وحاصل الكلام أن تحريم النار وإن حصل بالمجموع
لكنه خص من هذا المجموع ما كان أهم من بينها وهو الكلمة، فهى كاصل الشجرة فإنه لا حياة لها بدون الأصل، وهو
أحسن الأجوبة عندى ، وهو نحو قول الحسن البصرى (فيستبشروا) بحذف النون لأن الفعل ينصب بعد الفاء المجاب بها
بعد النفي والاستفهام والعرض والتقدير: فأن يستبشروا أى يفرحوا بأن يظهر أثر السرور على بشرتهم (إذا يتكلوا)
بتشديد المثناة الفوقية وكسر الكاف ، وإذا حرف جواب وجزاء، وقد يستعمل لمحض الجواب كما هنا، أى لا تخبرهم
بذلك لأنك إن أخبرتهم يعتمدوا على الكلمة والفرائض ويتركوا فضائل الأعمال وفواضلها من السنن والنوافل فينجروا
٩٢
1

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
فأخبربها معاذ عندموته تأثما، متفق عليه.
٢٦ - (٢٥) وعن أبى ذر قال أتيت النبي عَّ، وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته
وقد استيقظ
إلى نقصان درجاتهم وتنزل حالاتهم، وهذا حكم الأغلب من العوام وإلا فالخواص كلما بشروا ازدادوا فى العبادة،
فتضمن هذا الحديث أنه يخص بالعلم قوم فيهم الضبط وصحة الفهم ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله ومن يخاف عليه
الترخص والاتكال لتقصير فهمه (فأخبربها) أى بهذه البشارة (عند موته) أى موت معاذ (تأثما) مفعول له وهو بفتح
الهمزة وتشديد المثلثة المضمومة أى تجنبا وتحرزا عن الوقوع فى إثم كتمان العلم إذ فى الحديث: من كتم على ألجم بلجام
من نار. فإن قلت: سلمنا أنه تأثم من الكتمان فكيف لا يتأثم من مخالفة رسول اللّه مَ لته فى التبشير؟ أجيب بأن
النهى كان مقيدا بالاتكال . فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك ، وإذا زال القيد زال المقيد، أو أن معاذا عرف أنه لم
يكن المقصود من النهى التحريم بل هو محمول على التنزيه وإلا لما كان يخبر به أصلا ، والحاصل أنه اطلع على أن النهى
المصلحة لا للتحريم فلذلك أخبر لعموم الآية بالتبليغ، والله أعلم (متفق عليه) أخرجه البخارى فى أواخر العلم، ومسلم
فى الإيمان، وهو من مسند أنس، ذكر فيه حكم الشهادتين، والذى قبله من مسند معاذ، ذكر فيه ما يتعلق بحق الله على
العباد. قال الحافظ فى شرح حديث معاذ المتقدم فى باب اسم الفرس والحمار من كتاب الجهاد ما لفظه: تقدم فى العلم
من حديث أنس بن مالك أيضا لكن فيما يتعلق بشهادة أن لا إله إلا الله، وهذا فيما يتعلق بحق الله على العباد، فهما
حديثان. ووهم الحميدى ومن تبعه حيث جعلوهما حديثا واحدا نعم وقع فى كل منهما منعه مَّ أن يخبر بذلك الناس
لثلا يتكلوا، ولا يلزم من ذلك أن يكونا حديثا واحدا ، وزاد فى الحديث الذى فى العلم: فأخبر به معاذ عند موته تأثما .
ولم يقع ذلك هنا انتهى.
٢٦ - قوله (عن أبى ذر) الغفارى الزاهد المشهور الصادق اللهجة ، فى اسمه أقوال أشهرها جندب بن جنادة.
كان من كبار الصحابة قديم الإسلام ، يقال أسلم بمكة بعد أربعة فكان خامسا فى الإسلام ثم انصرف إلى بلاد قومه
فأقام بها حتى قدم على النبى مَ ◌ّ المدينة بعد الخندق ، وله فى إسلامه خبر حسن ذكره ابن عبد البر فى الاستيعاب،
والحافظ فى الإصابة. روى مرفوعا ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبى ذر، حسنه الترمذى من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال أبو داود: كان يوازى ابن مسعود فى العلم. ومناقبه وفضائله كثيرة
جدا. روى له مائتا حديث وأحد وثمانون حديثا، اتفقا على اثنى عشر، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بتسعة عشر.
سكن الربذة إلى أن مات بها سنة (٣٢) فى خلافة عثمان، وكان يتعبد قبل أن يبعث النبى محد ◌ّه. روى عنه خلق كثير
من الصحابة والتابعين (أتيت النبى مَّ وعليه ثوب أبيض) حال من النبى معَّه (وهو نائم) عطف على الحال (ثم أتيته
وقد استيقظ) حال من الضمير المنصوب وفائدة ذكر الثوب والنوم والاستيقاظ تقرير الثبت والإتقان فيما يرويه فى
٩٣

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
فقال ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن
زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق؟ قلت : وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى
وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق ،
آذان السامعين ليتمكن فى قلوبهم (ما من عبد قال لا إله إلا الله) وإنما لم يذكر «محمد رسول الله)) لأنه معلوم أنه بدونه
لا ينفع (ثم مات على ذلك) أى الإقرار والاعتقاد، وثم التراخى فى الرتبة لأن العبرة بالخواتيم، وفيه إشارة إلى
الثبات على الإيمان حتى الموت احترازا عمن ارتد وملت عليه، حينئذ لا ينفع إيمانه السابق (إلا دخل الجنة) استثناء
مفرغ أى لا يكون له حال من الأحوال إلا حال استحقاق دخول الجنة. قال الحافظ: ليس فى قوله ((دخل الجنة، من
الإشكال ما تقدم فى السياق الماضى أى فى حديث أنس المتقدم، لأنه أعم من أن يكون قبل التعذيب أو بعده - انتهى.
فيه إشارة إلى أنه مقطوع له بدخول الجنة ، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخل الجنة أولا ، وإن
كان صاحب كبيرة مات مصرا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عنى عنه دخل أولا وإلا عذب بقدرها ثم أخرج من النار
وخلد فى الجنة ، كذا قرروا فى شرح الحديث ، والظاهر أن الذى مات على التوحيد موعود بهذا الحديث بدخول
الجنة ابتداء، وقد تقدم أن الاقتمار بالطاعات والانتهاء عن المعاصى مراعى فى هذه الأحاديث، ورفع الموانع وتحقق
الشرائط ملحوظ ومعتبر فى مواقع الوعد والوعيد، وإنما ذكر الكلام مرسلا من غير تعرض للقيود لكونها معلومة
ولأن المناسب فى حق الوعد والبشارة هو الاجمال والابهام، وهذا كقولهم (من توضأ صحت صلاته)) أى مع سائر
الشرائط والأركان ، وعلى هذا معنى الحديث: إن من مات مؤمنا بجميع ما يجب الايمان به مؤتمرا بالطاعات ومحترزا
عن المعاصى دخل الجنة ابتداء، والله أعلم (قلت وإن زنى وإن سرق) قال ابن مالك: حرف الاستفهام فى أول هذا
الكلام مقدر، ولا بد من تقديره أى أدخل الجنة وإن زنى وإن سرق؟ وقال غيره: التقدير: أو إن زنى أو إن سرق
دخل الجنة. وتسمى هذه الواو واو المبالغة، ((وإن، بعدها وصلية، وجزاءها محذوف لدلالة ما قبلها عليه ، قاله القارى
(قال وإن زنى وإن سرق) أى وإن ارتكب كل كبيرة فلا بد من دخوله الجنة إما ابتداء إن عنى عنه، أو بعد دخوله
النار حسبما نطقت به الأخبار، وإنما ذكر من الكبائر نوعين ولم يقتصر على واحد لأن الذنب إما حق الله وهو الزنا،
أو حق العباد وهو أخذ مالهم بغير حق، وفى تكريره أيضا معنى الاستيعاب والعموم كقوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها
بكرة وعشيا - ١٩: ٦٢﴾ أى دائما، قاله الطبي. وفيه دليل على أن الكبيرة لا تسلب اسم الايمان فإن من ليس بمؤمن لا
يدخل الجنة وفاقا، وأنها لا تحبط الطاعات لتعميمه مَ لّم الحكم وعدم تفصيله، وأن صاحبها لا يخلد فى النار، وأن
عاقته دخول الجنة. ففيه رد على الخوارج والمعتزلة الذين يدعون وجوب خلود من مات من مر تکی الکاثر من غير
٩٤
١

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
على رغم أنف أبى ذر. وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: وإن رغم أنف أبى ذر،
متفق عليه .
٢٧ - (٢٦) وعن عبادة بن الصامت قال قال رسول عَّه: من شهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته
وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه،
توبة فى النار (على رغم أنف أبى ذر) بفتح الراء وضمها وكسرها أى كراهة منه (وإن رغم أنف أبى ذر) بكسر الغين
وقيل بالفتح والضم أى لصق بالرغام بفتح الراء وهو التراب، ويستعمل مجازا بمعنى كره أو ذل إطلاقا لاسم السبب على
المسبب، وأما تكرير أبى ذر فلاستعظام شأن دخول الجنة مع اقتراف الكبائر أو تعجبه منه وذلك لشدة نفرته من معصية
اللّه تعالى وأهلها، وأما تكريره مَّ فلإنكار استعظامه وتحجيره واسعا أى أتبخل يا أبا ذر برحمة الله فرحمة الله واسعة
على خلقه وإن كرهت ذلك، وأما حكاية أبى ذر قول رسول اللّه مَيتم على رغم أنف أبى ذر للتشرف والافتخار (متفق عليه).
أخرجه البخارى فى اللباس ، ومسلم فى الإيمان ، وأخرجه أحمد (ج ٥: ص ١٦٦) وابن حبان وغيرهما أيضا.
٢٧ - قوله (وأن عيسى عبد اللّه) قال النووى: هذا حديث عظيم الموقع وهو من أجمع الأحاديث المشتملة على
العقائد ، فإنه جمع فيه ما يخرج عنه جميع مال الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم. وقال الطبي: فى ذكر عيسى
تعريض بالنصارى وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض ، وكذا قوله عبده (ورسوله) تعريض باليهود
فى إنكارهم رسالته وانتماهم إلى ما لا يحل من قذفه وقذف أمه (وابن أمته) تعريض بالنصارى وتقرير لعبديته أى هو
عبدى وابن أمتى، كيف ينسبونه إلى البنوة؟ وتعريض باليهود ببراءة ساحته من قذفهم، فالإضافة فى أمته إذا للتشريف،
(وكلته) إشارة إلى أنه حجة الله على عباده أبدعه من غير أب وأنطقه فى غير أوانه وأحيي الموتى على يده ، فالإضافة
التشريف، وقيل سمى بكلمة الله لأنه أوجده بقوله كن، فظا كان بكلامه سمى به، وقيل لما انتفع بكلامه سمى به
كما يقال فلان سيف الله وأسد الله، وقيل لما قال فى صغره إنى عبد الله (ألقاها إلى مريم) استئناف بيان
أى أوصلها الله تعالى إليها وحصلها فيها (وروح منه) قيل سماه بالروح لما كان له من إحياء الموتى بإذن الله فكان كالروح
أو لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذى روح كالنطفة المنفصلة عن حى وإنما اخترع اخترعا من عند الله تعالى.
قال الطيبي: الإضافة فى أمته للتشريف، وعلى هذا تسميته بالروح ووصفه بقوله «منه)) إشارة إلى أنه عليه الصلاة
والسلام مقربه وحبيبه، وتعريض باليهود بخطهم من منزلته، وتنبيه للنصارى على أنه مخلوق من المخلوقات ، وهذا كقوله
تعالى: ﴿وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه - ٤٥: ١٣) فعنى قوله «روح منه، أى كائن منه وحاصل
٩٥

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
والجنة والنار حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ، متفق عليه.
٢٨ - (٢٧) وعن عمرو بن العاص
من عنده وهو خالقه وموجده بقدرته كما أن معنى الآية أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده أى أنه مكون
كل ذلك وموجده بقدرته وحكمته ثم سخره لخلقه (والجنة) منصوب ويرفع (والنار حق) مصدر مبالغة فى الحقية وإنهما
عين الحق كزيد عدل أو صفة مشبهة أى ثابت ، وأفرد لأنه مصدر أولا رادة كل واحدة منهما ، وفيه تعريض بمن ينكر
دار الثواب والعقاب (أدخله الله الجنة) ابتداء وانتهاء، والجملة جواب الشرط أو خبر المبتدأ (على ما كان) حال من
ضمير المفعول من قوله ((أدخله الله)) أى كائنا على ما كان عليه موصوفا به (من العمل) من صلاح أو فساد لكن أهل
التوحيد لابدلهم من دخول الجنة ، ويحتمل أن يكون معنى قوله ((على ما كان من العمل، أى يدخل أهل الجنة الجنة على
حسب أعمال كل منهم فى الدرجات، كذا فى الفتح. قال القسطلانى فى الحديث أن عصاة أهل القبلة لا يخلدون فى
النار لعموم قوله: من شهد أن لا إله إلا الله، وأنه تعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة واستيفاء العقوبة لأن قوله على
ما كان من العمل حال من قوله أدخله الله الجنة ، ولا ريب أن العمل غير حاصل حينئذ بل الحاصل حال إدخاله
استحقاق ما يناسب عمله من الثواب والعقاب. لا يقال إن ما ذكر يستدعى أن لا يدخل أحد من العصاة النار لأن
اللازم منه عموم العفو وهو لا يستلزم عدم دخول النار لجوازأن يعفو عن بعضهم بعد الدخول وقبل استيفاء العذاب.
وقال الطبى: التعريف فى العمل للعهد والإشارة به إلى الكبائر يدل له نحو قوله ((وإن زنى وإن سرق)) فى حديث
أبى ذر ، وقوله على ما كان حال والمعنى من شهد أن لا إله إلا الله يدخل الجنة فى حال استحقاقه العذاب بموجب
أعماله من الكبائر أى حال هذا مخالفة للقياس فى دخول الجنة فإن القياس يقتضى أن لا يدخل الجنة من شأنه هذا كما
زعمت المعتزلة ، وإلى هذا المعنى ذهب أبو ذر فى قوله «وإن زنى وإن سرق) ورد بقوله وإن زنى وإن سرق على رغم
أنف أبى ذر. انتهى (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الأنبياء، ومسلم فى الإيمان ، وأخرجه أيضا أحمد فى مسنده
(ج ٥: ص ٣١٤) ، والنسائى فى التفسير وفى اليوم والليلة.
٢٨ - قوله (وعن عمرو) بالفتح (بن العاص) بن وائل السهمى القرشى، أسلم عام الحديبية، وأمره النبى مؤ لم
على جيش ذات السلاسل ثم استعمله على عمان فقبض النبي مؤقّ وهو أميرها، وكان أحد أمراء الأجناد فى فتوح
الشام ، وافتح مصر فى عهد عمر بن الخطاب وعمل عليها له ولعثمان ثم عمل عليها زمن معاوية منذ غلب عليها معاوية إلى
أن مات عمرو. أخرج أحمد من حديث ابن أبي مليكة عن طلحة أحد العشرة رفعه: عمرو بن العاص من صالحى
قريش. ورجال سنده ثقات إلا أن فيه انقطاعا بين ابن أبي مليكة وطلحة. وقال مجاهد عن الشعبى: دهاة العرب فى
الإسلام أربعة فعد منهم عمرا، وقال فأما عمرو فللمعضلات. قال أبو عمر: كان عمرو من أبطال قريش فى الجاهلية
٩٦

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
قال أتيت النبي ◌ََّ فقل: أبسط يمينك فلاً بايعك، فبسط يمينه فقبضت يدى فقال مالك
يا عمرو؟ قلت أردت أن أشترط، قال تشترط ماذا؟ قلت أن يغفر لى. قال أما علمت
يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة
مذكورا بذلك فيهم، وفضائله ومناقبه كثيرة جدا. قال الخزرجى: له تسعة وثلاثون حديثا، اتفقا على ثلاثة ، وانفرد
البخارى بطرف حديث، ومسلم بحديثين. مات بمصر سنة (٤٣) وله (٩٠) سنة ودفن بالمقطم وخلف أموالا
جزيلة واعلم أنهم اختلفوا فى لفظ العاصى المذكور هل هو بالياء أو بدونها؟ قال الزرقانى فى شرح المؤطا: بالياء
وبحذفها والصحيح بالياء. وقال فى شرح المواهب: العاص بالياء وحذفها، والصحيح الأول عند أهل العربية، وهو
قول الجمهور كما قال النووى وغيره. وفى تبصير المنتبه قال النحاس: سمعت الأخفش يقول سمعت المبرد يقول: هو
بالياء لا يجوز حذفها، وقد لهجت العامة بحذفها، قال النحاس: هذا مخالف لجميع النحاة يعنى أنه من الأسماء المنقوصة
فيجوز فيه إثبات الياء وحذفها كذا فى التعليق الممجد ، وقال القارى: الأصح عدم ثبوت الياء إما تخفيفا أو بناء على أنه
أجوف ، ويدل عليه ما فى القاموس: الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر وهم العاص وأبو العاص
والعيص وأبو العيص، فعلى هذا لا يجوز كتابة العام بالياء ولا قراءته بها لا وقفا ولا وصلا فإنه معتل العین بخلاف ما
يتوهم بعض الناس أنه اسم فاعل من عصى حينئذ يجوز إثبات الياء وحذفه وقفا ووصلا بناء على أنه معتل اللام - انتهى
(ابسط يمينك) أى افتحها ومدها (فلاً بايعك) بكسر اللام وفتح العين على الصحيح، والتقدير لأبا يعك تعليلا للأمر
والفاء مقحمة، وقيل بضم العين والتقدير فأنا أبايعك، وأقسم اللام توكيداً ، ويحتمل وجوها أخرى، ذكرها القارى
(فقبضت يدى) بسكون الياء وتفتيح أى إلى جهتى (مالك يا عمرو) أى أى شئى خطر لك حتى امتنعت عن البيعة
(أردت أن أشترط) مفعوله محذوف أى شرطا أو شيئا يحصل لى به الانتفاع (قال تشترط ماذا) قيل حق ماذا أن
يكون مقدما على تشترط لأنه يتضمن معنى الاستفهام وهو يقتضى الصدارة ، حذف ماذا وأعيد بعد تشترط تفسيرا
المحذوف. وقيل كأنه عليه الصلاة والسلام لم يستحسن منه الاشتراط فى الايمان، فقال أتشترط إنكارا تحذف
الهمزة ثم ابتدأ فقال ماذا أى ما الذى تشترط أو أى شئ تشترط. وقال المالكى فى قول عائشة: أقول ماذا شاهد
على أن ما الاستفهامية إذا ركبت مع ذا تفارق وجوب التصدير فيعمل فيها ما قبلها رفعا ونصبا فالرفع كقولك ((كان
ماذا)، والنصب كما فى الحديث (أن يغفر لى) بالبناء للمفعول وقيل للفاعل أى اللّه (أما علمت يا عمرو) أى من حقك مع
وزانة عقلك وجودة رأيك وكمال حذقك أن لا يكون خفي عن عليك (أن الإسلام) أى إسلام الحربي، لأن إسلام
الذمى لا يسقط شيئا من حقوق العباد، قاله القارى (يهدم) بكسر الدال أى يمحر ويسقط (ما كان قبله) من الكفر
والمعاصى مطلقا مظلمة كانت أو غيرها صغيرة أو كبيرة (وأن الهجرة) من دار الحرب إلى دار الإسلام
٩٧

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
تهدم ما كان قبلها. وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ رواه مسلم. والحديثان المرويان عن
أبى هريرة قال قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. والآخر الكبرياء ردائى
ستذكرهما فى بابى الرياء والكبر إن شاء الله تعالى.
الفصل الثانى )
٢٩ - (٢٨) عن معاذ قال قلت: يا رسول اللّه أخبرنى بعمل يدخلنى الجنة، ويباعدنى من
النار، قال: لقد سألت عن أمر عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه، تعبد الله
(تهدم ما كان قبلها) أى من الخطايا المتعلقة بحق الله لا التبعات، وتكفر الكبائر التى بين العبد ومولاه لا المظالم بين
العباد وحقوق الآدميين (وأن الحج) أى المبرور (يهدم ما كان قبله) الحكم فيه كالذى قبله، قيل وعليه الاجماع، وإنما
حملوا الحديث فى الحج والهجرة على ما عدا حقوق العباد والمظالم لما عرفوا ذلك من أصول الدين فردوا المجمل إلى المفصل،
وعليه اتفاق الشارحين ، وقد تكلم الطبي فى الحديث كلاما حسنا بحسب ما تقتضيه البلاغة وهو كالتعقب على الشارحين
إن شئت الوقوف عليه فارجع إلى شرحه لشكاة (رواه مسلم) فى الايمان، وأخرجه أحمد أيضا فى مسنده (ج ٤:
ص ٢٠٥،٢٠٤).
قوله (والحديثان المرويان عن أبى هريرة) أى المذكوران هنا فى المصابيح (قال الله تعالى) إلخ بيان للحديثين
(سنذكرهما فى بابى الرياء والكبر) لف ونشر مرتب أى لأن الحديثين أنسب بالبا بين من هذا الباب.
(الفصل الثانى) أى المعبر به عن قوله من الحسان فى المصابيح
٢٩ - قوله (عن معاذ) أى ابن جبل (أخبرنى بعمل) التنوين للتعظيم أو للتنويع أى بعمل عظيم أو معتبر فى
الشرع (يدخلنى) من الإدخال، وهو بالرفع صفة العمل، وإسناد العمل إلى الإدخال مجازا وبالجزم على أنه جزاء
شرط محذوف هو صفة العمل أى أخبر نى بعمل إن عملته يدخلنى الجنة ، أو لأنه جواب الأمر لأنه ترتب على فعل
العمل المترتب على الاخبار فترتبه على الاخبار إشارة إلى سرعة الامتثال بعد الاطلاع على حقيقة الحال ، وعطف
((ياعدنى من النار)) على يدخلنى الجنة يفيد أن مراده دخول الجنة من غير سابقة عذاب (عن أمر عظيم) أى مستعظم
الحصول لصعوبته على النفوس إلا من سهل اللّه عليه (وإنه ليسير) أى فعله سهل (على من يسره الله تعالى عليه) فيه
إشارة إلى أن التوفيق كله بيد الله عز وجل (تعبد اللّه) خبر بمعنى الأمر، وهو خبر مبتدأ محذوف على تقدير أن
المصدرية ، واستعمال الفعل موضع المصدر مجاز أى هو ذلك العمل أن تعبد الله، وقد تقدم معنى العبادة وبيان الحكمة فى
٩٨

مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت، ثم قال ألا
أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئى الماء النار ،
وصلاة الرجل فى جوف الليل. ثم تلا تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ يعملون ،
ثم قال ألا أدلك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟
عطف عدم الإشراك على العبادة (ألا أدلك على أبواب الخير) أى الطرق الموصلة به ، والمراد بها النوافل ، يدل عليه
قوله: صلاة الرجل فى جوف الليل ، لئلا يلزم التكرار لأنه قد تقدم ذكر الصلاة وغيرها من الفرائض، وجعل هذه
الأشياء أبواب الخير لأن الصوم شديد على النفس وكذا إخراج المال فى الصدقة وكذا الصلاة فى جوف الليل، فمن
اعتادها يسهل عليه كل خير لأن المشقة فى دخول الدار تكون بفتح الدار المغلق (الصوم جنة) بضم الجيم الترس
والوقاية أى يقى صاحبه ما يؤذيه من الشهوات والمعاصى المؤدية إلى النار فى الآخرة كالمجن الذى يقى صاحبه عند القتال
من الضرب ، فالشبع مجلبة للآثام منقصة للإيمان فإنه يوقع الإنسان فى مداحض فيزيغ عن الحق ويغلب عليه الكسل
فيمنعه من وظائف العبادات ويكثر المواد الفضول فيه فيكثر غضبه وشهوته ويزيد حرصه فيوقعه فى طلب ما زاد على
حاجته فيوقعه فى المحارم (تطفئى الخطيئة) من الإطفاء يعنى تذهبها وتمحو أثرها أى إذا كانت متعلقة بحق الله، وإذا
كانت من حقوق العباد فتدفع تلك الحسنة إلى خصمه عوضا من مظلمته ، ونزل فى الحديث الخطيئة منزلة النار المؤدية
هى إليها على الاستعارة المكنية، ثم أثبت لها على الاستعارة التخييلية ما يلازم النار من الإطفاء (وصلاة الرجل فى
جوف الليل) مبتدأ حذف خبره أى هى ما لا يكتنه كنهها أو هى مما نزلت فيها الآية المذكورة أو هى من أبواب الخير
أو هى شعار الصالحين ، والأظهر بل المتعين أن يقدر خبره كذلك أى إنها تطفئى الخطيئة أيضا كالصدقة ، يدل عليه ما
أخرجه أحمد من رواية عروة بن النزال عن معاذ قال أقبلت مع النبي مَ ◌ّه من غزوة تبوك فذكر الحديث وفيه أن
الصوم جنة والصدقة وقيام العبد فى جوف الليل يكفر الخطيئة (ثم تلا) يعنى قرأهاتين الآيتين عند ذكره فضل صلاة
الليل ليبين بذلك فضل صلاة الليل (تتجافى جنوبهم) أى تتباعد (يدعون ربهم) بالصلاة والذكر والقرأة والدعاء،
ويدخل فى عموم لفظ الآية من صلى بين العشائين ومن انتظر صلاة العشاء فلم يقم حتى يصليها لا سيما مع حاجته إلى النوم
ومجاهدة نفسه على تركه لأداء الفريضة ، ومن نام ثم قام من نومه بالليل للتهجد، وهو أفضل أنواع التطوع بالصلاة
مطلقا ، وربما دخل فيه منن ترك النوم عند طلوع الفجر وقام إلى أداء صلاة الصبح لا سيما مع غلبة النوم عليه
(حتى بلغ يعملون) بقية الآية: خوفا وطمعا وما رزقنهم ينفقون. فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما
كانوا يعملون (سورة السجدة) (ألا أدلك برأس الأمر) أى مخبرا بأصله، والمراد بالأمر الدين الذى بعث به
(وعموده) بفتح أوله أى ما يقوم به الدين ويعتمد عليه (وذروة سنامه) بكسر الذال وهو الأشهر وبضمها وحكى
1
٩٩

مرعاة المفاتيح ج١
كتاب الايمان
قلت بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد ،
ثم قال ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه فقال كف عليك
هذا، فقلت: يا فى اللّه وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال ثكلتك أمك يا معاذ، وهل
يكب الناس فى النار على وجوههم أو على مناخرهم
فتحها : أعلى الشئ والجمع ذوى بالضم. والسنام بفتح السين ما ارتفع من ظهر الجمل قريب عنقه يقال له بالفارسية
((كومان شتر» (رأس الأمر الإسلام) قد جاء تفسير الإسلام فى رواية أخرى بالشهادتين ، ففي رواية أحمد من
طريق شهر بن حوشب عن ابن غنم عن معاذ أن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن
محمدا عبده ورسوله. قال القارى: وهو من باب التشبيه المقلوب، إذا المقصود تشبيه الإسلام برأس الأمر ليشعر
بأنه من سائر الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد فى احتياجه إليه وعدم بقاءه دونه (وعموده الصلاة) أى ما يقوم به
الدين كما يقوم الفسطاط على عموده هى الصلاة ، وفى الرواية المشار إليها وأن قوام هذا الأمر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة
(وذروة سنامه الجهاد) فيه إشارة إلى صعوبة الجهاد وعلى أمره ، وهو يدل على أنه أفضل الأعمال بعد الفرائض كما هو
قول الإمام أحمد وغيره من العلماء. قال التور بشتى: المراد بالاسلام كلتا الشهادة، وبالأمر أمر الدين يعنى ما لم
يقر العبد بكلمتى الشهادة لم يكن له من الدين شئى أصلا ، وإذا أقر بهما حصل له أصل الدين إلا أنه ليس له
عمود فإذا صلى وداوم على الصلاة قوى دينه ولكن لم يكن له رفعة وكمال فإذا جاهد حصل لدينه رفعة (بملاك ذلك كله)
الملاك بكسر الميم وفتحها لغة، والرواية الكسر: ما به إحكام الشئ وتقويته أى بما به يملك الإنسان ذلك كله بحيث يسهل
عليه جميع ما ذكر من تلك العبادات (فأخذ) أى رسول اللّه وَّ (بلسانه) الضمير راجع إلى النبي مَثّه (كف)
الرواية بفتح الفاء المشددة أى امنع (هذا) إشارة إلى اللسان وتقديم المجرور على المنصوب للاهتمام به وتعديته بعلى
التضمين أو بمعنى عن وإيراد اسم الإشارة لمزيد التعيين أو للتحقير، وهو مفعول كف، والمعنى: لا تتكلم بما لا يعنيك
فإن من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه. ولكثرة الكلام مفاسد يطول إحصاءما وارجع لذلك إلى
الإحياء (لمؤاخذون) بالهمزة ويدل، أى هل يؤاخذنا ويعاقبنا أو يحاسبنا ربنا (بما تتكلم به) أى بجميعه إذ لا يخفى على
معاذ المؤاخذة ببعض الكلام (ثكلتك أمك) بكسر الكاف أى فقدتك، وهو دعاء عليه بالموت ظاهرا، ولا يراد وقوعه بل
هو تأديب وتنبيه من الغفلة (وهل يكب) بفتح الياء وضم الكاف وتشديد الباء، من كبه إذا صرعه على وجهه، بخلاف
أكب فإن معناه سقط على وجهه، وهو من النوادر، وهو عطف على مقدر أى هل تظن غير ما قلت وهل يكب
(على وجوههم أو على مناخرهم) شك من الراوى والمناخر جمع منخر بفتح الميم وكسر الخاء وفتحها ثقب الأقف
١٠٠